← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

٣ - سبب آخر يذكره العلماء: أن امرأةً جاءت فوقفت عند باب المسجد في الكوفة لتسأل عن مسألة، فوجدت حماد بن أبي سليمان في حلقة يدرس، وأبو حنيفة في حلقة أُخرى، وأبو حنيفة قد وَهَبَه اللَّه قوةً في البيان وبلاغهًّ، وهذه إنما تأخذ بالألبَاب، وتؤثر في النفوس، فهذه المرأة اتَّجهت إلى هؤلاء، فسألتهم، فلم يجيبوها، ثم تحوَّلت إلى حماد فسألته فأجابها، فنقدت أولئك القوم (١). لكن الحقيقة أن أبا حنيفة عرض العلوم بين يديه، وأنه لو اشتغل بتدريس الصبيان الصغار، فماذا يحصل في علم الحديث؟ ربما يجرح، ويظل هذا الجرح يتناقله الناس جيلًا بعد جيل، وكلام العُلَماء في قضية الفقهاء الذين يعرفون بـ "مرجئة الفقهاء"، وفي المسألة التي دارت بين ابنه حماد وبين الإمام مالك، وأن ابنه وضح للإمام مالك -رحمهما اللَّه جميعًا- وجهة أبي حنيفة، وأن مالكًا ابتسم في ذلك كالراضي. . . (٢).

стр. 4482

إذًا، الفقهُ أمرُهُ مطلوبٌ، ولا يأتي إنسان ويقول: آخُذُ الفقهَ من الكتاب والسُّنَّة، وهذا الذي يأخذ الحكم من الكتاب والسُّنة هو مَنْ وَهَبه اللَّه باعًا واسعًا، وَرَسختْ قدمُهُ في العلم، ودرس الكتاب والسُّنة، وعرف -كما قال الإمام الشافعي- الناسخَ والمنسوخَ، والمطلقَ والمقيدَ، وكان عنده حظ من ذلك، وقد أتْنى رسول اللَّه ﷺ على الصحابة ﵃، وبيَّن فضلهم ومكانتهم وغزير علمهم، فقال: "لَوْ أنفقَ أحدُكُم مثل أُحُد ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم، ولا نصيفه"، كما بَيَّن رسول اللَّه ﷺ (١). فالفقه في دين اللَّه مطلوب، سواء كان ذلك في فقه العقيدة، أو الفقه الذي نعرفه بالفروع، فهذا مطلوب من المسلم أن يتفقه فيه، وألا يأتي الإنسان فيتسرع في أمورٍ، إذ إنه يحفظ حديثًا أو آيةً فيقول بأنه عرف العلم، فيفتي ويتكلَّم؛ إنما يجب على المسلم ألا يتكلَّم إلا عن علمٍ وبيِّنةٍ فـ "مَنْ يرد اللَّه به خيرًا، يفقهه في الدِّين" (٢). * قوله: (وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ صِحَّةِ هَذَا الأَثَرِ، فَلَمْ يَعْتَرِفْ بِذَلِكَ، لَكِنْ قَالَ: لَمْ يَزَلِ النَّاسُ يَتَحَامَوْنَ غَزْوَهُمْ) (٣). الحديث الذي أوردت روايته هو حديث حسن في "سنن أبي داود"،

стр. 4483

وربما في غيره (١)، وأيضًا قوله: "اتركوا الترك ما تركوكم، واتركوا الحبشة ما تركوكم" (٢). وإلى آخر الحديث الذي أوردت، هذا حديث حسن، وأما قوله ﷺ : "يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة"، فهو في "الصحيحين" (٣). قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (الفَصْلُ الثَّالِثُ فِي مَعْرِفَةِ مَا يَجُوزُ مِنَ النِّكَايَةِ (٤) بِالعَدُوِّ وَأَمَّا مَا يَجُوزُ مِنَ النِّكَايَةِ بِالعَدُوِّ، فَإِنَّ النِّكَايَةَ لَا تَخْلُو أَنْ تَكُونَ فِي الأَمْوَالِ، أَوْ فِي النُّفُوسِ، أَوْ فِي الرِّقَابِ، أَعْنِي: الاسْتِعْبَادَ وَالتَّمَلُّكَ). العدوُّ أحيانًا يعاقب عن طريق المال، فقد يحرق ماله، ويستولى عليه، ويكون عن طريق الاستعباد وَهُوَ الاسترقاق الذي نعرفه، وقد تُفْرض عليه الجزية، وقَدْ يؤخذ منه الفدية، وَهذه كلُّها حصلت في الإسلام. * قوله: (فَأَمَّا النِّكَايَةُ الَّتِي هِيَ الاسْتِعْبَادُ (٥)): قصد بالاستعباد أن يكون عبدًا؛ أي: يُسْترق ويملك إذا أسر،

стр. 4484

فالحربي يُفْعل به عدة أُمور، منها: الاسترقاق الذي يتكلم عنه المؤلف في الاستعباد، لكننا نرَى أن الإسلامَ حضَّ على إعتاق الرقاب، ورغَّب فيها، وبَيَّن فضلها، وأن من كانت عنده جاريةٌ فأدَّبها، وأحسن تأديبها، ثم علمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها، فله أجره من الثواب (١). * قوله: (فَهِيَ جَائِرةٌ بِطَرِيقِ الإِجْمَاعِ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ المُشْرِكِينَ) (٢). لا خلاف بين العلماء في الاسترقاق، لكن هل هذا على إطلاقه؟ هناك نوعٌ ممن يستولي عليهم المسلمون ليس أمامهم إلا الاسترقاق؛ كالصبيان والنساء؛ لأن الرسولَ ﷺ نَهَى عن قَتْل النساء والصبيان (٣)، وَفِي قصة غزوة بني المصطلق أن الرسول ﷺ غار على بني المصطلق وهم

стр. 4485

غارون أي: غافلون، فقتل مقاتليهم، وسبى ذراريهم (١)؛ أي: نساءهم وأطفالهم. * قوله: (أَعْنِي: ذُكْرَانَهُمْ وَإِنَاثَهُمْ). قصد أن الاستعبادَ لا يخص الرجال دون النساء، ولا الأطفال دون الكبار، ولا الكبار دون الصغار، فإنه يشمل كل هؤلاء، فهناك النساء والأطفال، وهناك الرجال من أهل الكتاب، وهناك النساء من أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، أو مَنْ له شبهة كتاب وهم المجوس، وهناك عبدة الأوثان على اختلاف أنواعهم، فهؤلاء أنواع ثلاثة. * قوله: (وَشُيُوخَهُمْ وَصِبْيَانَهُمْ؛ صِغَارَهُمْ وَكِبَارَهُمْ إِلَّا الرُّهْبَانَ، فَإِنَّ قَوْمًا رَأَوْا أَنْ يُتْرَكُوا، وَلَا يُؤْسَرُوا) (٢). "الرهبان": وهم العُبَّاد الذين جلَسوا في الصوامع، وهو مكان العبادة، وانقطعوا للعبادة، وهي عبادة خاطئة؛ لأن واجبَهم أن يدخلوا

стр. 4486

في دين الإسلام، لكن هؤلاء انعزلوا، فلم يقاتلوا، وانصرفوا عن أُمور الدنيا. * قوله: (بَلْ يُتْرَكُوا دُونَ أَنْ يُعْرَضَ إِلَيْهِمْ لَا بِقَتْلٍ وَلَا بِاسْتِعْبَادٍ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "فَذَرُوهُمْ وَمَا حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَيْهِ" (١)). هذا قول لأبي بكر، وهو وهمٌ من المؤلف، هذا هو المعروف عنه، وهو عندما أرسل الجيش وأوصى قادته بمثل هذا الكلام وأكثر منه وهو: "ألا يقتلوا شيخًا، ولا امرأةً، ولا طفلًا، ولا يقطع شجرةً. . . إلى آخره" (٢)، لَكن قد يُقْطع الشجر، وقد يُوضَع أطفال أو نساء أمام العدو، ففي هذه الحالة ينظر إلى المصلحة. * قوله: (وَاتِّبَاعًا لِفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ). لو قال: "لفعل أبي بكر" لكان الكلام صحيحًا ومتسعًا. * قوله: (وَأَكْثَرُ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِي الأُسَارَى فِي خِصَالٍ). هَذِهِ مسألةٌ، فَمِنَ العلماء مَنْ فصَّلها، وقَسَّم هؤلاء الأسرَى إلى أقسامٍ ثلاثةٍ: القسم الأول: هم النساء والصبيان، فهؤلاء لا يقتلون، وإنما

стр. 4487

يسترقون؛ لأن رسول اللَّه ﷺ نَهَى عن قتل النساء والصبيان (١)، وكذلك الحديث المتفق عليه، وهو أن رسول اللَّه ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون؛ أي: غافلون، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم (٢). القسم الثاني: الرجال من أهل الكتاب، ويُقْصد بهم اليهود والنصارى، ومَنْ عنده شبهة كتاب وهم المجوس، فهؤلاء يخير الإمام في شأنهم بواحدٍ من أُمور أربعة: إما أن يقتلهم، وإما أن يمنَّ عليهم دون عوض، وإما أن يأخذ منهم الفداء، وإما أن يسترقهم. . . هذه مسألةٌ متفقٌ عليها. القسم الثالث: هو عَبدَة الأوثان الذين يعبدون الأصنام والأشجار إلَى آخره. . . وغير هؤلاء، وَهَذا فيه خلافٌ، فمن العلَماء مَنْ قال: للإمام أن يختار واحدًا من ثلاثة: إما أن يقتلهم، أو يمنَّ عليهم دون عوض، أو يأخذ الفداء. ثمَّ نأتي إلى استرقاقهم، فبَعْضهم قال: يسترقون، فيكونون كالقسم الثاني، وهؤلاء هم الشافعية (٣)، ورواية عن الحنابلة (٤)، وقول

стр. 4488

للمالكية (١)، ومذهب المالكية فيه تفصيل. والحنابلة لهم رواية أُخرى وهي المشهورة: "أن الاسترقاق لا يكون في حق عبدة الأوثان، وإنما واحد من ثلاثة: القتل، أو المن دون عوض، أو أخذ الفداء (٢). أما الحنفية ﵏ فإنهم يرون: "أن الإمام مخيرٌ بين أمرين لا زيادة على ذلك، إما القتل وضرب الرقاب، وإما الاسترقاق"، أما المنُّ والفداء فلا (٣)؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وهي بَعْد قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]، فَهذه قضت على تلك.

стр. 4489

فالحنفيَّة يرون أحد أمرين: إما القتل أو الاسترقاق، وأما أن يمن عليهم دون عوض، فهذا قول للمالكية (١)، وفي رواية: بعوض (٢)؛ لأنه لا مصلحة فيه، وإنما يثبت أن يكون فيه عوض. * قوله: (مِنْهَا أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ). هذا صنف آخر أشار إليه المؤلف، والحسن البصري (٣)، وسعيد بن جبير (٤)، وعطاء (٥)، فقد قالوا: يُكْره قتل الأسرى؛ لأن رسول اللَّه ﷺ بعد وقعة بدر عندما أسر المسلمون الجمعَ الكثير من المشركين، فالرسول ﷺ مَنَّ على بعضهم، وأخذ الفداء من البعض الآخر، ولأنَّ اللَّه تعَالَى يقول: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]، فيكون بعد الأسر إما المن، وإما الفداء، فاللَّه تعالى خيَّر بين أمرين: إما أن يمن عليهم فيتركهم دون عوض، وإما أن يأخذ منهم العوض، وسنعلق على هذا القول ونبين ضعفه؛ لأنه ثَبتَ أنَّ الرَّسول ﷺ أخذ الفداءَ (٦)، وثبت عنه أيضًا أنه قتلَ بعض الأسرى (٧). * قوله: (وَمِنْهَا أَنْ يَسْتَعْبِدَهُمْ). أي: يَسْترقهم.

стр. 4490

* قوله: (وَمِنْهَا أَنْ يَقْتُلَهُمْ، وَمِنْهَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمُ الفِدَاءَ، وَمِنْهَا أَنْ يَضْرِبَ عَلَيْهِمُ الجِزْيَةَ). كما قال اللَّه : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]. * قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَجُوزُ قَتْلُ الأَسِيرِ). هذا هو قول الحسن البصري (١) والنخعي وعطاء (٢)، واستدلوا بفعل الرسول ﷺ ، والآية: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤]، فخيَّر اللَّه تعالى بين أمرين بعد الأسر. قوله: "شدوا الوثاق"؛ أي: ضَعُوا الوثاقَ فيهم؛ فإما منًّا بعد، وإما فداءً، حتى تضع الحرب أوزارها، لكن هل هذا على إطلاقه؟ نحن نجد أن رسول اللَّه ﷺ قتل عقبة بن أبي معيط، وكذلك قتل النضر بن الحارث، وغيرهما (٣)، فحصل القتل، فهؤلاء أسرى قَتلَهم رسول اللَّه ﷺ ، وأيضًا مَنَّ رسول اللَّه ﷺ على ثُمَامة بن سعد (٤)، فهذا

стр. 4491

مثالٌ فيه المن، والقصة التي وردت في ذلك وقعت في بدر، ورسول اللَّه ﷺ استشار أصحابه فيما يتعلَّق بهذه الأسرى، وهذا يبين لنا مكانة الشورى في الإسلام، فإذا كان رسول اللَّه ﷺ الذي كان ينزل عليه الوحي يستشير الناس في أُمور تتعلَّق بمسيرة الدولة وبأمور المسلمين وأحوالهم، فما بالك بغيرهم. فَرَسُولُ اللَّه ﷺ يُطبِّق ما جاء في كتاب اللَّه ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]، فالرَّسُولُ ﷺ يستشير أصحابه في هَؤُلَاء الأسرى، فَيَقوم أبو بكرٍ فيقول: أهلُك يا رسول اللَّه، وعشيرتُك، ويطلب أن يمنَّ عليهم، ثم يأتي عمر فيقف ويقول: يجب أن تقطع رقابهم، ثمَّ ينزل القرآن مؤيدًا لرأي عمر، لكن بعد تنفيذ الحكم، ولذلك يقول اللَّه : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧، ٦٨]، فيلقى رسول اللَّه ﷺ عمر فيقول: "كَادَ أن يصيبنَا بلاءٌ" (١). هذه من المواضع التي أوردها العلماء، والتي نزل فيها القرآن مؤيدًا لرأي عمر.

стр. 4492

فَرَسُولُ اللَّه ﷺ نجد أنه مَنَّ على البعض، بَل من الذين مَنَّ عليهم رسول اللَّه ﷺ رجلٌ، قال: يا رسول اللَّه، لي خمس من البنات لا عائل لهن غيري، فيَمُن عليه رسول اللَّه ﷺ ، ثم يعود إلى مكة، فيأتي الكفار في غزوة أُحُد فيعدونه بالأموال الكثيرة، وبالمكانة، فينصرف وراء حب الدنيا، فيقع في أسر المسلمين وحده يوم أُحُدٍ، ولم يؤسر من المشركين غيره، فيأتي إلى رسول اللَّه ﷺ ، فيُكرِّر ما قال، ويَطْلب من الرسول أن يمنَّ عليه لإعالته خمس بنات، والرسول ﷺ يأمر بضرب عنقه، وقَالَ: "لا تَمْسح عارضيك بمكة تقول: سَخرتُ بمُحمَّدٍ مرَّتين؟ "، وأمر به فقتل، وقال: "لا يُلْدغ المؤمن من جحرٍ مرَّتين" (١). إذًا، رَسُولُ اللَّه ﷺ مَنَّ على هذا الرجل، لكنه ما وفَّى بعده، فكانت النتيجة أنه خان اللَّه ورسوله والمؤمنين، فكانت النهاية قطع عنقه؛ لأنه خان العهد الذي التزم به، فلم يوفِّه، وَبِهَذَا نتبيَّن أن المسلك الذي سلكه جمهور العلماء هو في نظرنا المسلك الرشيد، وأنَّ الإِمَامَ بالنسبة للنساء والأطفال لا يقتلون؛ لأنه لا يجوز قتلهم، إذْ نَهَى رسول اللَّه ﷺ عن قتل النساء والصبيان، وقد جاء التفصيل الذي ذكرناه في هذه المسألة، وهو أولى بالرشد، وهو الذي تلتقي حوله النصوص التي وردت في كتاب اللَّه ، وفي سُنَّة رسول اللَّه ﷺ فيما يتعلَّق بهذا الموضوع. * قوله: (وَحَكَى الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ أَنَّهُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ (٢)، وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ تَعَارُضُ الآيَةِ فِي هَذَا المَعْنَى).

стр. 4493

السَّببُ في الاختلاف: هل يُقْتل الأسير؟ أم يمنُّ عليه؟ أم يطلب منه الفداء؟ هذا هو السبب. * قوله: (وَتَعَارُضُ الأَفْعَالِ). أي: تعارض الآيتين في هذا ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]، ظاهر هذه الآية أن الأفضل والأولى هو قتل الأسير، والآية الأُخرى: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤]، فهنا المَنُّ والفداءُ، وهناك القتل، فَهَاتان الآيتان التي يشير المؤلف إليهما. * قوله: (وَمُعَارَضَةُ ظَاهِرِ الكِتَابِ لِفِعْلِهِ ﵊، وَذَلِكَ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ الآيَةَ [محمد: ٤] أَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ بَعْدَ الأَسْرِ إِلَّا المَنُّ أَوِ الفِدَاءُ). "ظَاهر الكتَاب"؛ أي: ما يظهر؛ لأن الرَّسولَ ﷺ أخذ الفداء من الأسرى أربعة آلاف من كل واحد، والآية تقول: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]. فأحرَى بالمؤلف أن يأتي بهذا الشاهد ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤]. * قوله: (وقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٦٧]، وَالسَّبَبُ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ مِنْ أُسَارَى بَدْرٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ القَتْلَ أَفْضَلُ مِنَ الاسْتِعْبَادِ). لَكن اللَّه وَإنْ كان أخذ على المؤمنين، ورخَّص لهم في ذلك، وأقرَّ هذا الحكم، فأصبح حكمًا ثابتًا في هذه الشريعة؟ وَالإمَامُ في هذا المقام ينظر الأصلح للدولة الإسلامية، وفي غير ما مَوْطنٍ ذَكرتُ أنَّ الرسول ﷺ قتل عقبة بن أبي معيط، وطلب من

стр. 4494

الرسول ﷺ أن يمنَّ عليه، وبيَّن الرسول ﷺ أن يقتل لعداوته للَّه ولرسوله وللمؤمنين (١). * قوله: (وَأَمَّا هُوَ ﵊ فَقَدْ قَتَلَ الأُسَارَى فِي غَيْرِ مَا مَوْطِنٍ). الرسول ﷺ قتل عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، وطعيمة بن عزيز، وقتل عددًا كبيرًا من بني قريظة عندما نقضوا عهدهم، فَحَاربهم رسول اللَّه ﷺ . . . فالقتلُ ثابتٌ. * قوله: (وَقَدْ مَنَّ وَاسْتَعْبَدَ النِّسَاءَ). الرسول ﷺ مَنَّ على أبي عزة الشاعر، لكن أبا عزة نقض عهده مع رسول اللَّه ﷺ ، فوقع في أيدي المؤمنين يوم أُحُدٍ فقُتِلَ (٢).

стр. 4495

* قوله: (وَقَدْ حَكَى أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْبِدْ أَحْرَارَ ذُكُورِ العَرَبِ (١)، وَأَجْمَعَتِ الصَّحَابَةُ بَعْدَهُ عَلَى اسْتِعْبَادِ أَهْلِ الكِتَابِ ذُكْرَانِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ) (٢). هذا أمرٌ لا خلاف فيه: أنَّ أهل الكتاب يستعبدون؛ أي: يُسْترقون. * قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ الآيَةَ الخَاصَّةَ بِفِعْلِ الأُسَارَى نَاسِخَةٌ لِفِعْلِهِ، قَالَ: لَا يُقْتَلُ الأَسِيرُ، وَمَنْ رَأَى أَنَّ الآيَةَ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ لِقَتْلِ الأَسِيرِ، وَلَا المَقْصُودُ مِنْهَا حَصْرُ مَا يُفْعَلُ بِالأُسَارَى، بَلْ فَعَلَهُ ﵊ وَهُوَ حُكْمٌ زَائِدٌ عَلَى مَا فِي الآيَةِ، وَيَحُطُّ العُتْبَ الَّذِي وَقَعَ فِي تَرْكِ قَتْلِ أُسَارَى بَدْرٍ، قَالَ: بِجَوَازِ قَتْلِ الأَسِيرِ). وَهُوَ الَّذي جاء في الآية: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧)﴾ [الأنفال: ٦٧]. * قوله: (وَالقَتْلُ إِنَّمَا يَجُوزُ إِذَا لَمْ يَكُنْ يُوجَدُ بَعْدَ تَأْمِينٍ). أي: القَتلُ إذا لم يكن أمانٌ، أما إذا أمن الإمام أحد المسلمين ممن

стр. 4496

يكون له الأمان؛ لأنه يُشْترط فيمن يكون له الأمان أن يكون مسلمًا، فمعنى هذا أنَّه لا يُقْبل أمان الكافر، وأن يكون بالغًا، فالصغير لا يُقْبل منه، وهناك كَلَامٌ للعلماء بالنسبة للصغير المميز، فالمُرَاد: هل يُقْبل أمانه أم لا؟ وكذلك المجنون، وأن يكون مختارًا؛ لأن الإنسان قد يؤمن أحدًا خوفًا، ويُكْرَه على ذلك، فهذا الأمان لا يعتدُّ به، وهذا على خلاف ما سيأتي، فلا فرق بين الذكر والأنثى على الرأي الصحيح عند الجمهور، وبين الحر والعبد، وسيأتي الخلاف في هذا، لكن إذا ثبت الأمان، فلا يجوز أن يقتل المستعبد، ولا أن يؤخذ ماله، أَيْ: يحرم قَتْله في هذه الحالة، ويَحْرم ماله، ولا يجوز أن يعتدى عليه؛ لأنه مُعْطًى الأمان، وستأتي الأدلة إن شاء اللَّه. * قوله: (وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيمَنْ يَجُوزُ تَأْمِينُهُ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ). لَا خِلَافَ بينَ المُسْلمين أنَّ من أُعْطي الأمان، ينفذ فلا يقتل، ولا يؤخذ ماله، ولا يُعْتَدى عليه (١). * قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ تَأْمِينِ الإِمَامِ). فالإمَامُ له الحقُّ مطلقًا أن يؤمن مَنْ يشاء. * قوله: (وَجُمْهُورُ العُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ أَمَانِ الرَّجُلِ الحُرِّ المُسْلِمِ (٢)

стр. 4497

إِلَّا مَا كَانَ مِنِ ابْنِ المَاجِشُونِ يَرَى أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى إِذْنِ الإِمَامِ) (١). هَذا لا خلافَ فيه أيضًا؛ لأنَّ هذا أمرٌ مجمعٌ عليه، وقَدْ حصل في أمثلةٍ كثيرةٍ. وقَوْل ابن الماجشون ضعيفٌ لا يُلْتفَت إليه أمام قول كافة العلماء، بل يُعْتَبر قولًا شاذًّا. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي أَمَانِ العَبْدِ وَأَمَانِ المَرْأَةِ). هناك خلاف في أمان العبد، والعبد الأصل فيه أنه مسترق: فمن العلماء مَنْ يرى أنه لا يقبل أمان العبد إلا أن يقاتل، وهو مذهب الحنفية (٢). وجمهور العلماء وفيهم الأئمة الثلاثة (مالك (٣)، والشافعي (٤)،

стр. 4498

وأحمد (١)) (٢) يرون: أن أمانَ العبد ثابتٌ، وأنه واقعٌ ونافذٌ. فَجُمْهورُ العلَماء يرون أن للعبد أن يؤمن غيره، والحنفية يُقيِّدون ذلك بشرط أن يكون مقاتلًا، فإن لم يكن قد أذن له سيده بالقتال فلا، ويعللون ذلك بعلة أُخرى، فيقولون: لا يُؤْمن أن هذا العبد الذي أمَّن غيره قد يميل إلى أولئك الأقوام؛ لأنه ربما يكون من جنسهم، فهو مُتَّهمٌ في هذه الناحية. . لكن هذا التعليل الذي ذكر يرد عليه فيما لو كان مقاتلًا؛ لأنه ما دام يأذن له بالأمان إذا كان مقاتلًا، فالتُّهمة ترد، لكن الأصل فيمن يدخل الإسلام عدم التُّهمة، هذا هو الواجب أن يعتقد في كل مُؤْمنٍ ما لم يثبت خلاف ذلك. * قوله: (فَالجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِهِ (٣)، وَكَانَ ابْنُ المَاجِشُونِ وَسَحْنُونٌ يَقُولَان: أَمَانُ المَرْأَةِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِذْن الإِمَامِ) (٤). معَ أن سحنون له تفصيلٌ في هذه المسألة، وكلاهما من المالكية.

стр. 4499

* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ أَمَانُ العَبْدِ إِلَّا أَنْ يُقَاتِلَ) (١). قيَّد أبو حنيفة ذلك بالمقاتلة؛ لأنه إذا قاتل أصبح بمنزلة الحر، ويعلِّلون ذلك بأنه كيف يؤمن غيره ولم يجاهد؟! وكما قلنا هو متهمٌ، ولكن التهمة ترد أيضًا فيما يتعلَّق فيما لو أذن له بذلك. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ العُمُومِ لِلْقِيَاسِ، أَمَّا العُمُومُ فَقَوْلُهُ ﵊: "المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ" (٢)). هذا حديثٌ عظيمٌ، وقد قاله رسول اللَّه ﷺ في فتح مكة عندما كان يخطب الناس مستندًا إلى الكعبة: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويَسْعى بذمَّتهم أدنَاهم، وهم يدٌ على مَنْ سواهم". وجه الدِّلالة من الحديث: هذَا الحَديث يدل على وجود التكافؤ، أي: التساوي بين الأحرار، فلا فرقَ بين شريفٍ ووضيعٍ، لا فرقَ بينهم في القِصَاصِ، وفي القول فإنَّهم يَتسَاوون في ذلك في حكم الإسلام، أما في الجاهلية فلَمْ تكن الحالة كذلك، ولذلك يقول اللَّه في كتابه العزيز في سورة المائدة مخاطبًا رَسُوله ﷺ : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾ [المائدة: ٤٩].

стр. 4500

فَجَاء الإسلام، فقَضى على أحكام الجاهلية وما كان فيها من أحكامٍ، أما القراض وهي المضاربة، فإنَّ الإسلام قد أقرَّها وهذَّبها، أما الأحكام الجائرة التي كانت تَقُومُ على الظلم والاستعباد والذل، وعلى التعدي كالحال بالنسبة للمرأة، وبالنسبة للربا والقتل؛ فإنهم كانوا إذا قتل شريفٌ وضيعًا، ذهب دمه هدرًا، ولو قتل وضيعٌ شريفًا، لا يكفي هذا الوضيع أن يقتل فيه؛ بل لا بدَّ أن يؤخذَ عددٌ من قبيلته، وهذا لا شكَّ جورٌ وظلمٌ جاء الإسلام فأبطلَه، يقُول اللَّه في سورة البقرة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾ [البقرة: ١٧٨]. فاللَّه قد بيَّن هذا الحكم: الحر بالحر، فلا فرق بين كبير وصغير، ولا بين شريف ووضيع، ولا بين عزيز ومغمور، فَكلُّهمْ سواسية في هذه الحقوق، وإنما يَتَميَّزون بأُمورٍ أُخرى، أما في هذا الحق فلا، والعبد بالعبد لأنه يساويه، والأنثى بالأنثى كذلك، وجاءت سُنَّة رسول اللَّه ﷺ لتقرر تلك الأحكام وتبينها بيانًا شاملًا، وتبيَّن أن المسلمَ لا يُقْتل بكافرٍ، فهذه الشريعة جاءت، وَطَمست معالم الجاهلية، ونقلت المسلمين إلى هذه الشريعة التي فيها حياة قلوبهم وأرواحهم، كما أن بالماء حياة أبدانهم، يقول اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، فَهَذا القرآن فيه حياةٌ للقلوب، وفيه حياةٌ للأرواح؛ لأنه أنار للمسلم طريقه، وأضاء له قلبه، فإذا ما أخلص عبادته للَّه ، سار في طريقٍ سويٍّ لا عوج فيه. فقوله: "تتكافأ دماؤهم"؛ أي: يَتسَاوون في هذا الأمر، "ويَسْعى بذمَّتهم أدناهم"، هذا يشمل المرأة، ويشمل العبد، ويشمل الصحيح والمريض، والمجنون والصغير، لَكنَّنا نجد أنَّ المجنونَ والصغيرَ أُخْرجَا من ذلك بأَدلَّةٍ أُخرى، وبَعْضُ هذه الأدلة بالإجماع، و"يسعى بذمتهم أدناهم"، فإن من أدناهم المرأة، وكذلك العبد، وليس معنى "أدناهم" أن هؤلاء أقل في أُمور العبادة، فاللَّه تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى

стр. 4501

وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، فربما إنسان مملوك لا أثْرَ له في المستقبل يرفعه اللَّه درجات، ويحط آخَرَ له من المكانة العظيمة؛ لأن هذا سار على الطريق السوي، وذاك ركب طريق الغواية، فافترقا في هذا المقام. لَكن الأمر هنا فيما يتعلَّق بأدناه أي: فيما يتعلَّق بأحكام الأمان التي معنا، وهذا الدُّنوُّ إنما نسب إلى أمرٍ آخرَ؛ لأنه عندما تكلَّمنا عن أسباب التخفيف في الشريعة الإسلامية، وذلك عندما تكلمنا عن القصر، أو في أحكام المسافر، رأينا أن العلماءَ رتَّبوا قاعدةً معروفةً: "المشقَّة تجلب التيسير"، وأن أسبابَ التخفيف سبع: "هي: المرض والسفر والنسيان والإكراه والخطأ والنقص وعموم البلوى" (١)، فالعبد والمرأة العلة فيهما النقص، فنجد أن اللَّه خفف عن كلِّ واحدٍ منهما بعضَ الأحكام، فَالمَرأةُ لَا تجب علَيها جمعةٌ، ولا جماعةٌ، وإِذا حاضت فإنها تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة، والعبيد أيضًا تُخفَّف عنهم الحدود، ولا يلزمهم الجهاد. . . إلى غير ذلك من الأحكام الكثيرة المعروفة في هذا المقام. فَالنَّقْصُ مَوْجودٌ، لكن هذا النقص لا تأثيرَ له فيما يتعلَّق بالأمان، وإنما هذا من بَاب التخفيف؛ لأنَّ المرأة -كما هو معلوم- عورةٌ وضعيفةٌ، فلا جهاد عليها، وكذلك العبد منافعُهُ مملوكة لغيره، فليس له التصرف في نفسه، وإذا أصبح مكاتبًا، فإنه يتصرَّف في حدود، وكذلك من أعتق نصفه

стр. 4502

يتصرف في حدود هذا النصف، وهكَذا أحكام الشريعة كلها منسقة ومرتبة تسعى لما فيه مصلحة الناس، وسعادتهم، وإقامة العدل بينهم. إذن، "ويَسْعى بذمَّتهم أدنَاهم"، وأدناهم: العبد والمرأة، ففي هذا الحديث دلالةٌ على أن أمانَ العبد يُقْبل، وثبتَ في ذلك أثر عن عمر أنه جهز جيشًا للقتال، فمروا بحصنٍ من الحصون فامتنع عليهم، فكانوا قد أقدموا على فتحه، فتقدم عبدٌ (أي: مملوك)، فتكلَّم مع أَهْل ذلك الحصن وبلُغَتهم حتى جَاء في الأثر أنه تكلَّم (يعني: بلغتهم)، ثم اتفق معهم، فكتب لهم صحيفةَ أمانٍ، فألقَاها عليهم، فلما بلغ ذلك عمر، أقرَّ ذلك وقال: "العبد من المسلمين له ذمته" (١). هذا وقع من عمر، وأقرَّ ذلك، فبهذا يتبيَّن أن العبد له أمان كالحال بالنسبة للحر؛ لأنه مسلم، وكرامته ككرامة أخيه المسلم الحر، لا فرق بينهما. وأما قوله: "يدٌ على مَنْ سواهم"، فالأدلة تدل على ذلك، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ [الصف: ٤]. والحديث: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجَسَد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تدَاعى له سَائرُ الجَسَد بالسَّهر والحُمَّى" (٢).

стр. 4503

وقوله ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضًا" (١). فالمُسْلمون دائمًا يتعاونون فيما بينهم، لكن التعاون الذي بينهم ينبغي أن يكون كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، لا ينبغي أن يكون التعاون بين المسلمين مبنيًّا على عصبيةٍ أو قبليةٍ، أو على وطنيةٍ وعنصريةٍ؛ وإنما يُبْنى على التعاون بينهم في بلاد الإسلام: أبي الإسلام لا أبَ لي سواه … إذا افتخروا بقيس أو تميمِ (٢) هذا هو الإسلام: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]. * قوله: (فَهَذَا يُوجِبُ أَمَانَ العَبْدِ بِعُمُومِهِ). فدلَّ هذا الحديث بعمومه على أمان العبد، ودل الأثر الذي أَوْرَدتُ لكم في قصة الجيش الذي دفع أن عمر أقرَّه (٣)، ولم ينكر أحدٌ من الصحابة، فكان ذلك حكمًا مستقرًّا. * قوله: (وَأَمَّا القِيَاسُ المُعَارِضُ لَهُ، فَهُوَ أَنَّ الأَمَانَ مِنْ شَرْطِهِ الكَمَالُ). مِنَ العُلَماء مَنْ يقول: إن العبدَ ناقص؛ لأنه لا يتصرف في نفسه

стр. 4504

أي: سلطةُ غيره نافذةٌ عليه، فلا مال له، ولا يملك، وإنْ ملكه سيده يملك أو لا، وليس له أن يتصرف في أمورٍ إلا بإذنٍ من سيده، ومنها أيضًا الجهاد فهو ناقص؛ لأن تصرفه ناقص، إذ العبودية مفروضة عليه، ومن هنا كان ناقصًا، لكننا نَقُول: هو مسلمٌ، وله حقوق المسلمين، وهذه الشريعة إنما استرقته؛ لأنه كان كافرًا، فإذا دَخَل في الإسلام، نجد أن الشريعة من جانب آخر رغَّبت في العتق فيه. * قوله: (وَالعَبْدُ نَاقِصٌ بِالعُبُودِيَّةِ). ليست العبودية هي عبودية للَّه، بل القصد بالعبودية هنا الاسترقاق، وهي ملك الإنسان، أما العبودية للَّه فنِعْمَ العمل، ونِعْمَ الطاعة وكلنا عبيد للَّه ، واللَّه عندما ذَكَر رسوله ﷺ محمد بن عبد اللَّه في مقام التكريم، ذَكَره بوصف العبودية ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١]، ورسول اللَّه ﷺ يفتخر بعبوديته للَّه، ويعتز بها، ويرفع رأسه شامخًا: "إنَّما أنا عبدٌ، فَقُولوا: عبد اللَّه ورسوله" (١)، هذه منزلةٌ فيها تكريمٌ لرسول اللَّه ﷺ . * قوله: (فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِلْعُبُودِيَّةِ تَأْثِيرٌ فِي إِسْقَاطِهِ قِيَاسًا عَلَى تَأْثِيرِهَا فِي إِسْقَاطِ كَثِيرٍ مِنَ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَأَنْ يُخَصَّصَ ذَلِكَ العُمُومُ بِهَذَا القِيَاسِ). نحن لا نُسلِّم ذلك، إنما هي لها تأثيرٌ في بعض الأحكام التي تخفف عن هذا العبد، وله الحق في الأمان؛ لأن هذه مُنحَت للمسلم، ويَلْتقي مع غيره في هذا الوصف العظيم. ولا نرى هذا القياس، ونحن مع جماهير العلماء في أن العبد له أن

стр. 4505

يؤمن، ويبدو أن المؤلف ما اطَّلع على أثر عمر، وقد تكلمت كثيرًا وقلت: إن مما يؤخذ على هذا الكتاب مع كثرة محاسنه أنه لا يستوعب ما يتعلَّق بالأحاديث والآثار. * قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي أَمَانِ المَرْأَةِ (١)، فَسَبَبُهُ اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ ﵊: "قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ" (٢)).

стр. 4506

اقتطع المؤلف جزءًا من حديث طويل، وجاء بمحل الشاهد، وكنت أودُّ أن يورد المؤلف تلكم الأحاديث لما فيها من الفوائد؛ لأن هذا الحديث فيه عدة فوائد لا تقتصر على الأمان وحده، ولذلك قصة أم هانئ وهي بنت أبي طالب، فهي ابنة عم رسول اللَّه ﷺ ، وأبو طالب له مواقف طيبة مع رسول اللَّه ﷺ ، وقد حرص رسول اللَّه ﷺ على إسلامه، لكن خشيته من قومه أن يقولوا: ارتد عن دين آبائه، وهذا ما منعه من ذلك، ولذلك ظل رسول اللَّه ﷺ يحاوره ويقول له: "قُلْ: لا إله إلا اللَّه، كلمة أحاج لك فيها عند اللَّه" (١)، لكنه ما قالها. فهذه أمُّ هانئ ذهبت إلى رسول اللَّه ﷺ عام الفتح -وَهذا حديثٌ في "الصحيحين"- قالت: ذهبت إلى رسول اللَّه ﷺ عام الفتح وهو يغتسل، وفاطمة ابنته تستره، قالت: فسلَّمت عليه، فقال: "مَنْ أَنْتِ؟ "، فقالت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب، فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "مرحبًا بأم هانئ"، قالت: فلما فرغ رسول اللَّه ﷺ من غسله، صلى ثماني ركعات في ثوب واحد ملتحفًا به -وفي حديث أنسٍ: في ثوب واحد متوشحًّا به (٢) - قالت: فلما انصرف من صلاته (أي: انتهى)، قالت: قلت: يا رسول اللَّه،

стр. 4507

زعم ابن أمي أنه قاتلٌ رجلًا قد أجرتُهُ من بني هبيرة، فقال رَسُولُ اللَّه ﷺ : "قَدْ أَجَرنا من أجرتِ يا أم هانئ" (١). هَذَا هو الشاهد الذي جاء به المؤلف، والحديث طويل، وفيه حديث عن الغسل، وأن فاطمةَ بنت رسول اللَّه ﷺ كانت معه (٢)، وأن الرسول ﷺ عندها صلى ثماني ركعات، وأنه التفَّ بثوب واحد، وهذا فيه دلالة على أن المصلي يصلي في ثوب واحد (٣)، وأن الرسول ﷺ رد ﵍، واستقبلها، وأكرمها ﷺ (٤)، قالت: "زعم ابن أمي"، ومعنى "زعم" أي: ادعى ابن أمي، وهو الصحابي الجليل علي بن أبي طالب؛ لأنه جاء في الروايات: "ابن أبي" (٥)، فهو شقيقها، وسواء ورد في هذه الرواية وهي

стр. 4508

الأشهر "ابن أمي"، أو في الرواية الأُخرى: "ابن أبي"، فهو علي بن أبي طالب، قالت: ادَّعى أنه سيقتل هذا الذي أجرتُهُ، فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانئ"، قالت أم هانئ: وكان ذلك ضحًى؛ أي: أنها زارت رسول اللَّه ﷺ في وقت الضحى. فَهَذا الحَديثُ فيه دلالةٌ على أن أمان المرأة معتبر، وأن لها أن تؤمِّن غيرها، لكن أولئك قالوا: إن أمانها لم يستقر إلا بعد أن أجازه رسول اللَّه ﷺ ، ولم يورد المؤلف أيضًا أن زينب بنت رسول اللَّه ﷺ أجارت أبا العاصي ابن الربيع زوجها؛ لأنه أُسِرَ وهو لم يُسْلم بعد، فأمضى رسول اللَّه ﷺ ذلك (١). * قوله: (وَقِيَاسُ المَرْأَةِ فِي ذَلِكَ عَلَى الرَّجُلِ). الأدلَّة في ذَلك كَثيرةٌ، منها ما ذكَره المؤلف، ومنها ما أشرنا إليه، وفيه أدلةٌ أُخرى؛ لكن بعض العلماء يأتون بتَعْلِيلٍ هنا، وهو: أنَّ من أسباب الفراق بين العُلماء اختلافهم في فَهْم بعض النصوص، فبعضهم يأخذ النَّصَّ على ظاهره، وبعضهم يكون له فهمٌ، والآخر يُخَالفه في الفهم، وهَكَذا، ولأن الأدلَّة إذا أُطْلقت يدخل فيها النساء. * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ فَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: "قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ"، إِجَازَةَ أَمَانِهَا لَا صِحَّتَهُ فِي نَفْسِهِ). المُبلِّغ هو رسول اللَّه ﷺ ، وهو الذي نقل هذه الأحكام، وهو الذي أُنْزلَ عليه هذا القرآن قُطْبُ هذه الشريعة ولبُّها، وأصلها الأصيل، وركنها الركين، وهو الذي جاءتنا سُنَّته ﷺ عن طريق الصحابة الذين نقل عنهم التابعون.

стр. 4509

فرَسُولُ اللَّه ﷺ عندما قال لها: "قَدْ أجرنا من أجرتِ"، أقرها على ما أجارته؛ لأنه قال: "قَدْ أجَرنا من أَجَرْتِ"؛ إذن، أثبتَ لها الرَّسولُ ﷺ ما أجارته (١)؛ فلماذا نتعسَّف القول أو نتعمق في الأقوال، وهي مسلمةٌ، ولها حقوق كغيرها من الرجال، ولا تخالفهم في هذا الحكم. * قوله: (وَأَنَّهُ لَوْلَا إِجَازَتُهُ لِذَلِكَ، لَمْ يُؤَثِّرْ -قَالَ: لَا أَمَانَ لِلْمَرْأَةِ إِلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الإِمَامُ (٢)، وَمَنْ فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ إِمْضَاءَهُ أَمَانَهَا كَانَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ قَدِ انْعَقَدَ وَأُثِرَ، لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ إِجَازَتَهُ هِيَ الَّتِي صَحَّحَتْ عَقْدَهُ -قَالَ: أَمَانُ المَرْأَةِ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَايسَهَا عَلَى الرَّجُلِ، وَلَمْ يَرَ بَيْنَهُمَا فَرْقًا فِي ذَلِكَ- أَجَازَ أَمَانَهَا). والَّذين قالوا بأمان العبد وأمان المرأة جماهيرُ العلماء (٣)، فلَمْ يَروْا بينهما فرقًا في هذا الحكم، وأمَّا الفروقُ فهي كثيرةٌ، فهناك مسائلُ كثيرةٌ جدًّا تختلف فيها المرأة عن الرجل: * فالمرأة لا تؤمُّ الناس (٤)،. . . . . . . . .

стр. 4510

ولا تتولى الإمارة (١)، ولا تؤذِّن (٢)، ولذلك اتخذ النبي ﷺ مؤذنًا؛ والمرأة لا تجاهد؛ وإنما جهادها الحج (٣)، ولا تجب عليها جمعة (٤)، ولا جماعة (٥)، بمعنى: لا تلزمها صلاة الجماعة، وهناك أحكامٌ كثيرةٌ جدًّا

стр. 4511

تختصُّ بها المرأة عن الرجل كما أن الرجلَ يختصُّ ببعض الأحكام عنها. * قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّهَا نَاقِصةٌ عَنِ الرَّجُلِ، لَمْ يُجِزْ أَمَانَهَا، وَكَيْفَمَا كَانَ فَالأَمَانُ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي الاسْتِعْبَادِ، وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي القَتْلِ). يَقُولُ المؤلف: إن الأمان غير مؤثر في الاستعباد، وإنما يؤثر في القتل أي: أن الاستعباد لا يغيره الأمان، لكن يؤثر في القتل، فإذا أجار حر أو عبد أو امرأة كافرًا حربيًّا؛ فإنه لا يقاتل، بمعنى أن هذا أمانٌ له من القتل. * قوله: (وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ نُدْخِلَ الاخْتِلَافَ فِي هَذَا مِنْ قِبَلِ اخْتِلَافِهِمْ فِي أَلْفَاظِ جُمُوعِ المُذَكَّرِ). أَيْ: هل تدخل المرأةُ في جمع المذكر كما في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؟ نعم، تَدْخل في كَثِيرٍ من الأحكام، وأحيانًا يأتي التنصيص على النساء كما في قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ. . .﴾ [الأحزاب: ٣٥]، إلى آخِرِه، فَنَجد أن اللَّه ذَكَر هَؤُلَاء، وأعطاهم وصفًا واحدًا. * قوله: (هَلْ تَتَنَاوَلُ النِّسَاءَ أَمْ لَا؟ أَعْنِي: بِحَسَبِ العُرْفِ الشَّرْعِيِّ). قوله: "جموع المذكر"؛ لأن الجمع -كما هو معلوم- على نوعين: جموع المذكر السالم (١)، وجموع التكثير، وهو جموع قلة، وجموع

стр. 4512

كثرة (١)، فهذه كلها جمعت على جموع، وهذه أمورٌ صرفيةٌ يعرفها الذين درسوا النحو، والجواب: أنها تتناولهم أحيانًا، ولا تتناولهم أحيانًا أُخرى. * قوله: (وَأَمَّا النِّكَايَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي النُّفُوسِ). النِّكايَة (٢): وهي العقوبة أو القتل، وهَذَا حَصل من الرسول ﷺ . * قوله: (فَهِيَ القَتْلُ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الحَرْبِ قَتْلُ المُشْرِكِينَ). لَا خلَاف بيننا في قتل عدوِّ اللَّه، وعدوِّ رسوله، وعدوِّ المؤمنين حيث قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقال: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤]، ولا يجوز للمسلم أن يضعف في ذلك (٣). وَلكن يريد المؤلِّف أنَّ قتلَهم في حَالَة الحرب؛ أما إذا الْتحَمت المعركة، فهذا لا حديث عنه، فالأمرُ واضحٌ. * قوله: (الذُّكْرَانَ البَالِغِينَ المُقَاتِلِينَ). فيَخْرج من ذلك النساء والصبيان كَمَا في حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ وغيره المتفق عليه أن رسول اللَّه ﷺ : "نهى عن قتل النساء والولدان" (٤).

стр. 4513

وفي رِوَايةٍ: "النساء والصبيان" (١). وفي قصَّة المرأة التي ذَهَب جيشٌ من المسلمين بقيادة خالد ﵁، تلقَّاهم رسول اللَّه ﷺ ، فوجد امرأة قد قتلت، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما كان لهذه أن تُقْتل! "، ثم نظر في وجوه القوم، فأمر رجلًا أن يلحق بخالد بن الوليد، وأمره أن يخبره بألا يقتلَ ذريةً، ولا عسيفًا، ولا امرأةً (٢). * قوله: (وَأَمَّا القَتْلُ بَعْدَ الأَسْرِ، فَفِيهِ الخِلَافُ الَّذِي ذَكَرْنَا) (٣). تقدَّم الكلام في هذا وبيَّناه، وأن العلماء أجمعوا على أنه لا يقتل النساء والصبيان (٤). * قوله: (وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُ صِبْيَانِهِمْ، وَلَا قَتْلُ نِسَائِهِمْ مَا لَمْ تُقَاتِلِ المَرْأَةُ وَالصَّبِيُّ) (٥). وَهذا كَمَا أوردنا حديثَ عبد اللَّه بن عمر ﵄ عندما غزا رسولُ اللَّه ﷺ بني المصطلق؛ فإنه قَتلَ مقاتليهم، وَسبى ذَراريهم (٦)، والذَّراري يدخل فيها النساء والصبيان.

стр. 4514

أما إذا قاتلت المرأة، أو الصبي، أو الشيخ الفاني، أو الذي فيه مرضٌ مزمنٌ؛ فهؤلاء يقتلون (١)، وهناك كلامٌ من العلماء في الشيخ الكبير إذا كان يُخطِّط للحرب، ويعين عليها، وكان صاحبَ فكرٍ، فإنه في هذه الحالة يُقْتل؛ لأنه يعين الكفارَ على أذى المؤمنين (٢). * قوله: (فَإِذَا قَاتَلَتِ المَرْأَةُ، اسْتُبِيحَ دَمُهَا، وَذَلِكَ لِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ ﵊: "نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالوِلْدَانِ" (٣)). إذا قاتلت المرأة، أصبحت مقاتلةً، وهنا أصبح الأمر دفعًا كما في حديث عبد اللَّه بن عمر ﵁ وغيره: "والولدان والصبيان". وجاء ذكر الولدان في كتاب اللَّه : ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾ [النساء: ٩٨].

стр. 4515

* قوله: (وَقَالَ فِي امْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ: "مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِل"). لمَّا نظرَ إليها، أصبح القوم ينظرون، فَصَرفهم رسول اللَّه ﷺ ، ثم قال هذه المقالة، ونظر في وجه القوم، وربما أنه رأى أسرعهم، فأمره أن يلحق بخالد بن الوليد ﵁، وأن يخبره بما أمر به رسول اللَّه ﷺ من أمر اللَّه، فإذا جاءهم الأمر قالوا: سمعنا وأطعنا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي أَهْلِ الصَّوَامِعِ المُنْتَزِعِينَ عَنِ النَّاسِ). دخل المؤلف في أنواعٍ أُخرى في قتال غير المسلمين، وهو أهل الصوامع، وهي جمع صومعة، وهي المكان الذي يُعدُّ لعبادة النصارى أي: الذي ينقطع فيها النصارى للعبادة، فهؤلاء ابتعدوا عن القتال وتجنَّبوه، ولا علاقةَ لهم بهذا الأمر، فهل يُقْتلون؟ الجواب: لا، والمسألة فيها خلاف (١).

стр. 4516

* قوله: (وَالعُمْيَانِ). والأعمى ليس أهلًا للقتال، فلا يقتل. * قوله: (وَالزَّمْنَى). "الزَّمِنُ": وهو المريض، و"الزمنى" إنما هو جمع "زَمِنٍ" أي: المريض الذي فيه مرضٌ قديم الزمنة (١)، فهؤلاء الذين بهم علة قديمة لا يقتلون؛ لكن ذَكَر بعض العلماء أنه إذا وجد مريض بمعنى: أصابه مرض، وهذا المريضُ إنْ كان به مرضٌ عارضٌ استطاع معه أن يُقَاتل، فإنه يُقْتل، وإنَّما المراد بهذا المريض الذي ليس له قدرةٌ على القتال، والمسألة فيها خلاف، ومن العلماء مَنْ يرى قتله (٢).

стр. 4517

* قوله: (وَالشُّيُوخِ الَّذِينَ لَا يُقَاتِلُونَ). أي: الكبار الذين لا يُقَاتلون، جاء هذا في وصية أبا بكرٍ ﵁، وَكَانَ رسول اللَّه ﷺ إذا أرسل جيشًا يوجهه أن يبدأ: بسم اللَّه، ولا يقتلوا شيخًا، ولا طفلًا، ولا امرأةً. . . إلى آخره (١)، وأَحَاديثُ كثيرةٌ وردت في هذا فيها كلامٌ للعلماء من حيث الصحَّة والضَّعف. * قوله: (وَالمَعْتُوهِ). "المعتوه" (٢): المقصود به هنا المجنون، فالمجنون لا يُقْتل؛ لأن المجنون لا يُدْرِكُ، ومع ذلك المسألة فيها خلافٌ (٣). * قوله: (وَالحَرَّاثِ). "الحراث": المقصود به الذي يحرث الأرض، والمراد به الفلاح،

стр. 4518

وقد ثبت أثرٌ عن عمر ﵁ أنه نهى عن قتل الفلاحين (١) الذين اشتغلوا عن الجهاد، فهو يشتغل في مال سيده، وهو غير منصرف إلى القتال، وغير معنيٍّ به، وغير متجهٍ إليه، ولذلك لا يُقْتل، وأشد المذاهب في ذلك هو مذهب الشافعية، وقد أشار إليه المؤلف، وخالفهم غيرهم من أئمة المذاهب (٢). * قوله: (وَالعَسِيفِ). وهو الأجير (٣)، ولذلك في قصة الرجل الذي قال: "إنَّ ابْني كان

стр. 4519

عسيفًا. . . " (١)، أَيْ: كان أجيرًا. * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْتَلُ الأَعْمَى، وَلَا المَعْتُوهُ، وَلَا أَصْحَابُ الصَّوَامِعِ، ويُتْرَكُ لَهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ بِقَدْرِ مَا يَعِيشُونَ بِهِ) (٢). لا يُقْتل الأعمى، ولا المعتوه، وكذلك أصحاب الصَّوامع الذين تفرَّغوا للعبادة، أما الذين يجلسون في الصوامع يخططون لجهادٍ، ولمُعادَاة المؤمنين، ولرسم الخطط، ولأذى المؤمنين، فيختلفون (٣)، ولهذا قال المؤلف: "انتزعوا للعبادة" أي: انقطعوا وانصرفوا إليها بالكليَّة، ومع أن عبادتهم هنا خاطئة؛ لكنهم ما داموا ابتعدوا عن أذى المؤمنين؛ فإنهم يُتْرَكون على حالهم. * قوله: (وَكَذَلِكَ لَا يُقْتَلُ الشَّيْخُ الفَانِي عِنْدَهُ (٤)، وَبِهِ قَالَ

стр. 4520

أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ) (١). "الشيخ الفاني"؛ أي: الكبير الذي لا قدرةَ له على الجهاد (٢)، وَبِهَذَا القَول قال مالكٌ (٣)، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه (٤)، وأحمد (٥)، وغيرهم. * قوله: (وَقَالَ الثَّوْرِيُّ (٦)، وَالأَوْزَاعِيُّ: لَا تُقْتَلُ الشُّيُوخُ فَقَطْ. وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: لَا تُقْتَلُ الحُرَّاثُ) (٧). الثَّوريُّ ممَّن عاصر الإمام أبا حنيفة ﵀، وهو من علماء العراق، والأوزاعي إمام الشام. * قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الأَصَحِّ عَنْهُ: تُقْتَلُ جَمِيعُ هَذِهِ الأَصْنَافِ) (٨).
следующие страницы →