* قوله: (وَالعُمْيَانِ).
والأعمى ليس أهلًا للقتال، فلا يقتل.
* قوله: (وَالزَّمْنَى).
"الزَّمِنُ": وهو المريض، و"الزمنى" إنما هو جمع "زَمِنٍ" أي: المريض الذي فيه مرضٌ قديم الزمنة (١)، فهؤلاء الذين بهم علة قديمة لا يقتلون؛ لكن ذَكَر بعض العلماء أنه إذا وجد مريض بمعنى: أصابه مرض، وهذا المريضُ إنْ كان به مرضٌ عارضٌ استطاع معه أن يُقَاتل، فإنه يُقْتل، وإنَّما المراد بهذا المريض الذي ليس له قدرةٌ على القتال، والمسألة فيها خلاف، ومن العلماء مَنْ يرى قتله (٢).
стр. 4517
* قوله: (وَالشُّيُوخِ الَّذِينَ لَا يُقَاتِلُونَ).
أي: الكبار الذين لا يُقَاتلون، جاء هذا في وصية أبا بكرٍ ﵁، وَكَانَ رسول اللَّه ﷺ إذا أرسل جيشًا يوجهه أن يبدأ: بسم اللَّه، ولا يقتلوا شيخًا، ولا طفلًا، ولا امرأةً. . . إلى آخره (١)، وأَحَاديثُ كثيرةٌ وردت في هذا فيها كلامٌ للعلماء من حيث الصحَّة والضَّعف.
* قوله: (وَالمَعْتُوهِ).
"المعتوه" (٢): المقصود به هنا المجنون، فالمجنون لا يُقْتل؛ لأن المجنون لا يُدْرِكُ، ومع ذلك المسألة فيها خلافٌ (٣).
* قوله: (وَالحَرَّاثِ).
"الحراث": المقصود به الذي يحرث الأرض، والمراد به الفلاح،
стр. 4518
وقد ثبت أثرٌ عن عمر ﵁ أنه نهى عن قتل الفلاحين (١) الذين اشتغلوا عن الجهاد، فهو يشتغل في مال سيده، وهو غير منصرف إلى القتال، وغير معنيٍّ به، وغير متجهٍ إليه، ولذلك لا يُقْتل، وأشد المذاهب في ذلك هو مذهب الشافعية، وقد أشار إليه المؤلف، وخالفهم غيرهم من أئمة المذاهب (٢).
* قوله: (وَالعَسِيفِ).
وهو الأجير (٣)، ولذلك في قصة الرجل الذي قال: "إنَّ ابْني كان
стр. 4519
عسيفًا. . . " (١)، أَيْ: كان أجيرًا.
* قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْتَلُ الأَعْمَى، وَلَا المَعْتُوهُ، وَلَا أَصْحَابُ الصَّوَامِعِ، ويُتْرَكُ لَهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ بِقَدْرِ مَا يَعِيشُونَ بِهِ) (٢).
لا يُقْتل الأعمى، ولا المعتوه، وكذلك أصحاب الصَّوامع الذين تفرَّغوا للعبادة، أما الذين يجلسون في الصوامع يخططون لجهادٍ، ولمُعادَاة المؤمنين، ولرسم الخطط، ولأذى المؤمنين، فيختلفون (٣)، ولهذا قال المؤلف: "انتزعوا للعبادة" أي: انقطعوا وانصرفوا إليها بالكليَّة، ومع أن عبادتهم هنا خاطئة؛ لكنهم ما داموا ابتعدوا عن أذى المؤمنين؛ فإنهم يُتْرَكون على حالهم.
* قوله: (وَكَذَلِكَ لَا يُقْتَلُ الشَّيْخُ الفَانِي عِنْدَهُ (٤)، وَبِهِ قَالَ
стр. 4520
أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ) (١).
"الشيخ الفاني"؛ أي: الكبير الذي لا قدرةَ له على الجهاد (٢)، وَبِهَذَا القَول قال مالكٌ (٣)، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه (٤)، وأحمد (٥)، وغيرهم.
* قوله: (وَقَالَ الثَّوْرِيُّ (٦)، وَالأَوْزَاعِيُّ: لَا تُقْتَلُ الشُّيُوخُ فَقَطْ. وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: لَا تُقْتَلُ الحُرَّاثُ) (٧).
الثَّوريُّ ممَّن عاصر الإمام أبا حنيفة ﵀، وهو من علماء العراق، والأوزاعي إمام الشام.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الأَصَحِّ عَنْهُ: تُقْتَلُ جَمِيعُ هَذِهِ الأَصْنَافِ) (٨).
стр. 4521
هُنَاك روايتان له، لكن الرِّواية الصحيحة المشهورة في المذهب هي التي ذَكَرها المؤلِّف، لكن هناك رواية أُخرى يلتقي فيها الشافعية مع الأئمة في هذه المسألة (١)، ولا شكَّ أن الشافعيَّة عندما انفَردوا في هذا القَول الَّذي صَحَّحه المحققون منهم (٢)، كان لهم وجهة نظر في ذلك، وسيبيِّنها المؤلف فيما بعد؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ بَعْضِ الآثَارِ بِخُصُوصِهَا لِعُمُومِ الكِتَابِ).
يقصد الآثار الخاصة التي ظاهرها تخصيص الآية أو الآيات: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥].
* قوله: (وَبعُمُومِ قَوْلِهِ ﵊ الثَّابِتِ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"، الحَدِيثَ).
стр. 4522
هذَا حَديثٌ متفقٌ علَيه.
وقوله ﷺ : "أمرتُ أن أقاتلَ الناس حتَّى يقولوا: لا إله إلا اللَّه" (١).
وفي رِوَايةٍ: "حتَّى يَشْهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأنِّي رَسُولُ اللَّه، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على اللَّه" (٢).
ونَحْن نَعْلم الخلافَ الذي دار في أول الأمر عندما تُوفِّي الرسول ﷺ وارتدَّ مَن ارتد من قبائل العرب، ومنع مَنْ منع الزكاة منهم، ووقف أبو بكر ﵁ موقفه العظيم الصارم حتى إن عمر ﵁ تردَّد في ذلك المقام، فَوقَف بَعْضُ الصحابة، كيف نُقَاتلهم ورَسُولُ اللَّه ﷺ يقول: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتلَ الناسَ حتى يَقُولوا: لا إله إلا اللَّه؟ "، فرد أبو بَكرٍ عليه، وقال: "أليسَ من قوله: "إلا بحقِّها"! ومن حقها: إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، واللَّهِ، لأقاتلن مَنْ فرَّق بين الصلاة والزكاة (٣)، واللَّه لو مَنَعونِي عقالًا (٤)،
стр. 4523
-وفي رواية: عناقًا (١) -، كانوا يدلونه إلى رسول اللَّه ﷺ لقاتلتُهُم عليه".
يَقُولُ عُمَرُ ﵁: فَما أن رأيت إصرار أبي بكرٍ وموقفه حتى أدركت أن اللَّه قَدْ فتح قلبه بذلك، وأن الحقَّ معه (٢)، هكذا اتبعوه.
ولذلك، نجد أنه ترتَّب على ذلك خيرٌ عظيمٌ؛ فإن المسلمين قاتلوا المرتدين وهزموهم هزيمة عظيمة، ولا شك أن تلك الردة كانت لها آثارٌ على الإسلام، فكم قتل منهم، والتي ترتَّب عليها إشارة عمر على أبي بكر بجمع القرآن لأول مرة، وإن كان القرآن جمع في زمن رسول اللَّه ﷺ ، لكنه كان متفرقًا على مثل الصحف، وعسف النخل، وجريد النخل، ونحوه؛ لكنه بعد ذلك جُمِعَ كاملًا في زمن أبي بكرٍ ﵁ (٣).
إذًا، قوله: "أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه"، وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] عامة، فلم تفرق بين كبير وصغير، ولا بين شاب وشيخ، ولا بين راهب وغير راهب، ولا بين عاملٍ وغير عاملٍ؛ وإنما أطلقت: "أُمِرْتُ أن أقاتلَ الناس حتى
стр. 4524
يقولوا: لا إله إلا اللَّه، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم. . . "، إذًا، إما الحرب والقتال، وإما شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه.
* قوله: (وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] يَقْتَضِي قَتْلَ كُلِّ مُشْرِكٍ؛ رَاهِبًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ).
"الراهب": القَصد به المعنى العام، وهو الذي انقطع للعبادة، ولذلك يقول اللَّه : ﴿وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠].
أمَّا المسَاجِدُ، فَهي مَواضِعُ عبادَة المُؤْمنين ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾ [النور: ٣٦، ٣٧].
وَأمَّا "الصَّوامع": فَهي الأمَاكن المُعدَّة لعبادة النصارى، و"البِيَعُ": جَمْع بيعة: وهي التي يتعبَّد فيها اليهود، وَكَذلك النصارى يشركونهم في ذلك (١).
* قوله: (وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵊: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ").
فَالآيةُ وَالحَديثُ يدلَّان بظاهرهما على قَتْل كلِّ مُشْركٍ، وأنه إما أن يُسْلم، وإما أن يقطع عنقه، هَذَا هو الَّذي يشير إليه المؤلف.
* قوله: (وَأَمَّا الآثَارُ الَّتِي وَرَدَتْ بِاسْتِبْقَاءِ هَذِهِ الأَصْنَافِ، فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ دَاوُدُ بْنُ الحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ "كَانَ
стр. 4525
إِذَا بَعَثَ جُيُوشَهُ قَالَ: "لَا تَقْتُلُوا أَصْحَابَ الصَّوَامِعِ" (١)).
يبدأ الحديث بقوله: "بسم اللَّه، قَاتلُوا في سَبيل اللَّه مَنْ كَفر باللَّه، ولَا تَقْتلوا شيخًا. . . " إلى آخره، وجاء أيضًا عن أبي بكرٍ؛ لكن هذا الأثر -كما هو معلوم- ضعَّفه أكثر العلماء، ومن العلماء مَنْ جمعه مع الذي يليه وغيره، ورأوا أنه صالح للاستدلال به، وأيدوا ذلك بعموم أدلة الشريعة، وبقواعدها العامة.
* قوله: (وَمِنْهَا أَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا، وَلَا طِفْلًا صَغِيرًا").
الطفل الصغير: وهو الذي لم يَبْلغ بعد.
* قوله: ("وَلَا امْرَأَةً، وَلَا تَغُلُّوا"، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ) (٢).
لكن لو قاتلَ هؤلاء، أو بعضهم؛ فإنهم يُقْتَلون.
وأما قوله: "ولا تغلُّوا"، والغلول من أخطر ما يكون، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]، والرَّسُولُ ﷺ أمر بتحريق متاع الغال يعني: الذي يسرق من الغنيمه، وهذه من أخطر الأُمور، فكيف يكون المسلم في الجهاد ويقدم نفسَه، ثم بعد ذلك يقع في مثل هذا الأمر؟! فهذه من أخطر الأمور؛ لأن فيه خيانةً، والمسلم دائمًا مطالب بأن يكون أمينًا، بعيدًا عن الخيانة. . خرَّجه أبو داود (٣)،
стр. 4526
وأحمد (١)، وغيره (٢).
* قوله: (وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ: "سَتَجِدُونَ قَوْمًا زَعَمُوا أَنَّهُمْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ، فَدَعُوهُمْ وَمَا حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ" (٣)).
هذا الأثر قد وَهِمَ المُؤلِّف فيه، ورفَعه إلى رسول اللَّه ﷺ ، وهو خطأ، إِذْ هو من قول أبي بكر ﵁.
والذي يريد أن يحبس نفسه للَّه إنما يدخل في هذا الدين العظيم، قال : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩].
وقال : ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج: ٧٨].
وقال جَلَّ شأنه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].
* قوله: (وَفِيهِ: "وَلَا تَقْتُلَنَّ امْرَأَةً، وَلَا صَبِيًّا، وَلَا كَبِيرًا هَرَمًا").
"ولَا تَقْتُلنَّ امرأةً"؛ لأنَّ المرأةَ ليست من أهل الكتاب، "ولا صبيًّا"؛ لأن الصبي غير مكلف، وصغير، ولا يدرك هذه الأُمور، لكن لو قاتل هؤلاء يُقْتلون.
* قوله: (وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ الأَمْلَكُ فِي الاخْتِلَافِ).
"الأَمْلَكُ"، وهو الأقوى، أو الأوثق، أو الأولى، هذا الذي يريد أن يذكره المؤلف، وفيه قوةٌ.
стр. 4527
* قوله: (فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ مُعَارَضَةُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠]).
﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾، هو محلُّ الشاهد؛ لأنه نقل عن ابن عباس أنه قال: "لا تقتلوا شيخًا، ولا امرأةً" (١)، فهذا الذي كان ينبغي أن يرده المؤلف، وقد أشار إليه ابن جرير ﵀ (٢)، وغيره في "تفسيره" (٣)، وذُكِرَ أيضًا عن ابن عباس.
وَالاعتدَاءُ لم يَرِدْ في كل أَمْرٍ من الأُمور، ولا يَقْتَصر الاعتداءُ على اعتداء المسلم على الكافر، وإذا كان هذا النهي عن الاعتداء على هذا التفسير، وهذا الذي نقل عن ابن عباس بالنسبة للنساء، وكذلك الشيوخ الكفار، فما بالك بمَنْ يعتدي على أخيه المسلم، ويسلبه حقه، أو يظلمه، أو يتكلم في حقه، أو يسيء إليه، أو يسيء إلى سُمْعته، أو يلصق به أمرًا ليس منه؟!
ولذلك، نجد أن اللَّه يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٨]، ويقول في قصة الإفك: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥].
стр. 4528
ومِنْ أخطَر الأمور: أن يتجاوز المسلم حقَّ أخيه المسلم، فيعتدي عليه بأن يأخذ من ماله، أو أن يعتدي على مال اليتيم، أو أن يتكلم في حقه بغير حقٍّ، هذا أمر لا يجوز أن يفعله المؤمن.
* قوله: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٥]).
إنَّ الأشهر الحرم الأربعة نُهِيَ عن القتال فيها، فإذا انسلخت أي: انقضت هذه الأشهر، فإنه حِينَئذٍ يحلُّ القتال، ويكون جائزًا فى هذا المقام، والقتال واجبٌ في الصور الثلاثة التي ذَكَرنا.
* قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ هَذِهِ نَاسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]؛ لِأَنَّ القِتَالَ أَوَّلًا إِنَّمَا أبِيحَ لِمَنْ يُقَاتِلُ - قَالَ: الآيَةُ عَلَى عُمُومِهَا).
أوَّلًا: دعوى النسخ تحتاج إلى دليلٍ، ولا دليل عليها؛ أي: لكي نقول: إن هذا ناسخ وهذا منسوخ نحتاج إلى أن نعرف أيهما نزل أولًا، وإن نزلت أخيرًا هل فيها نسخ؟ أو أن هناك تقسيمًا؟ لأنه -بحمد اللَّه- في هذه الشريعة هناك المطلق وما يقيده، وهناك العام وما يخصصه، فالمقيد يقيد المطلق، والخاص يخصص العام، إذًا هذا كلُّه واجبٌ، ومرَّ تفسير ابن عبَّاس ﵄ في آخر هذه الآية (١).
فالقتال أولًا إنما أُبِيحَ لمَنْ يُقَاتل؛ لقوله تَعَالَى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٣٩ - ٤١]؛ قال: الآية على عمومها.
стр. 4529
* قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]، وَهِيَ مُحْكَمَة، وَأَنَّهَا تَتَنَاوَلُ هَؤُلَاءِ الأَصْنَافَ الَّذِينَ لَا يُقَاتِلُونَ، اسْتَثْنَاهَا مِنْ عُمُومِ تِلْكَ)،
ما يظهر لنا -واللَّه أعلم- هو رجحان قول أن الذين استثنوا؛ كالشيخ الكبير الذي انقطع في صومعته، والعبيد؛ أي: العسيف والأجير، وكذلك الذي يشتهر بالفلاحة ويتجنب القتال؛ أما مَنْ يقاتل منهم، فإنه يُقْتَل، هَذَا هو الأَظْهَرُ، وهو مذهب جماهير العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة (مالك وأبو حنيفة وأحمد)، والشافعية خالفوا في روايتهم المشهورة (١)، وقَوْلهم -في نظري- مرجوحٌ في هذَا.
* قوله: (وَقَدِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ سَمُرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اقْتُلُوا شُيُوخَ المُشْرِكينَ، وَاسْتَحْيُوا شِرْخَهُمْ").
"اقتُلُوا شيوخَ المشركين، وَاستحيوا شرخهم" (٢)، وفي رِوَايةٍ: "وَاستبقوا" (٣)، وَالاستحيَاءُ هو الاستبقاءُ كما في قصة فرعون: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٤].
و"استحيوا"، يعني: استبقوا. "شرخهم"؛ أي: صغارهم؛ أي: اقتلوا كبارهم، واستبقوا صغارهم أي: الذين لم يبلغوا بعد، وهم الذين جاء التنصيص عليهم، أو الإشارة إليهم في حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ المتفق
стр. 4530
عليه أن رسول اللَّه ﷺ : "نهى عن قتل النساء والصبيان" (١)، اقتُلُوا شُيُوخهم؛ أي: كبارهم، وَليسَ المُرَاد هنا بالشيخ المعنى المعروف، ولكن يشمل اللفظ حتى الشاب يُقْتل أي: كل مَنْ بلغ فإنه يدخل في ذلك، والمقصود بـ "شرخهم": صغارهم، ولذلك يقول: شرخ الشباب أي: أول الشباب، فإن هؤلاء الذين لم يبلغوا بعد، فمَنْ بلَغ فإنه يُقْتل؛ سواء كان عند سن البلوغ أو تجاوز ذلك.
* قوله: (وَكَأَنَّ العِلَّةَ المُوجِبَةَ لِلْقَتْلِ عِنْدَهُ إِنَّمَا هِيَ الكُفْرُ).
علَّل الشافعية القتلَ بالكفر، فإذا كان قَتل هؤلاء لكفرهم؛ فلا يفرق حينئذٍ بين شابٍّ وغيره، هارمٍ وبين غير هارمٍ، بين منقطع للعبادة وغير منقطع، أجير وغير أجير، كلُّ هؤلاء يدخلون (٢).
وأمَّا العلماء فإنهم نظروا نظرةً أُخرى، فقد تعمَّقوا في روح هذه الشريعة، وفي لُبِّها، وأدركوا أن هناك غاية مقصودة، وأن هناك حكمة في هذه الشريعة، وهو وجود الإيذاء، والمؤذي إنما هو المقاتل، إذًا هذه نظرة جماهير العلماء، وقد أدركوا ذلك بمفهوم وسبل هذه الشريعة إلى جانب الأدلة التي معهم في هذا المقام (٣).
* قوله: (فَوَجَبَ أَنْ تَطَّرِدَ (٤) هَذِهِ العِلَّةُ فِي جَمِيعِ الكُفَّارِ).
"تطرد": بمعنى تسري على جميع الكفار.
стр. 4531
* قوله: (وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ الحَرَّاثُ، فَإِنَّهُ احْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ زيدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ ﵁ وَفِيهِ: "لَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَاتَّقُوا اللَّهَ فِي الفَلَّاحِينَ) (١).
المقصود بالحرَّاث: الفلاح (٢). . والغدر غير مطلوب، لكن الرسول ﷺ غزا بني المصطلق وهم غارون؛ أي: غافلون، فالإمام ينظر إلى المقام.
* قوله: (وَجَاءَ فِي حَدِيثِ رَبَاحِ بْنِ رَبِيعَةَ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ العَسِيفِ المُشْرِكِ، وَذَلِكَ "أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَمَرَّ رَبَاحٌ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَقْتُولَه، فَوَقفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: "مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ" (٣)).
فَدلَّ ذلك على النهي عن قتل النساء، وقد مرَّ قبله الحديث المتفق عليه أنَّ رسول اللَّه ﷺ : "نهى عن قتل النساء والصبيان" (٤).
* قوله: (ثُمَّ نَظَرَ فِي وُجُوهِ القَوْمِ، فَقَالَ لِأَحَدِهِمُ: الحَقْ بِخَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، فَلَا يَقْتُلَنَّ ذُرِّيَّةً، وَلَا عَسِيفًا، وَلَا امْرَأَةً).
هذه تكملةٌ للحديث، فقد مر بهم رسول اللَّه ﷺ مع سرية بعد أن رأى تلك المرأة، ونظر في وجوه مَنْ معه من أصحابه، فأمر رجلًا أن يلحق بخالد بن الوليد ليخبره بنَهْي رسول اللَّه ﷺ عن قتل النساء وغلمانهم.
* قوله: (وَالسَّبَبُ المُوجِبُ بِالجُمْلَةِ لاخْتِلَافِهِمُ اخْتِلَافُهُمْ فِي العِلَّةِ
стр. 4532
المُوجِبَةِ لِلْقَتْلِ؛ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ العِلَّةَ المُوجِبَةَ لِذَلِكَ هِيَ الكُفْرُ، لَمْ يَسْتَثْنِ أَحَدًا مِنَ المُشْرِكِينَ).
هذه هي العلة في قتل كل مشركٍ كان، فالعلة هي الكفر، فلا فرق بين رجل وامرأة، ولا بين شيخ وشاب، ولا بين راهب وغيره، فالكل يقتل؛ لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وإن كانت العلة الأُخرى التي يوردها المؤلف وهي أن الذي يقتل هو الذي يقاتل، أو القادر على القتال، فقد مر بنا أن الذي به مرضٌ مزمنٌ لا يقتل، أما الذي به مرض يظن أنه يصح منه، فالعلماء يختلفون فيه أيُقْتل أم لا؟ (١).
* قوله: (وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ العِلَّةَ فِي ذَلِكَ إِطَاقَةُ القِتَالِ لِلنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ
стр. 4533
النِّسَاءِ مَعَ أَنَّهُنَّ كفَّارٌ، -اسْتَثْنَى مَنْ لَمْ يُطِقِ القِتَالَ-)؛ لأنَّ النِّساءَ لا يُجَاهدن، وقد يأتي خلاف ذلك كما هو في وقتنا هذا؛ ولأن النساء وإن كانت بخلاف الرجال إلا أن لديهن من الشجاعة والقدرة ما ليس لديهم، لكن لو غلَا هؤلاء أو أحد هؤلاء، فإنه يقتل؛ أي: لو أن نساءً شاركن في قتال المسلمين، أو أُجَراء، أو أنهم رهبوا؛ فإنهم في هذه الحالة يقتلن، فلا يستثنى أحدٌ ممن يقتل المسلمين (١).
стр. 4534
* قوله: (وَمَنْ لَمْ يَنْصِبْ نَفْسَهُ إِلَيْهِ كَالفَلَّاحِ وَالعَسِيفِ).
فالفلاح متفرغ لفلاحته، مشغول بمزرعته، والعسيف وهو الأجير مشغول بأعمال سيده، متفرغ لها، منفرد إليها، فهو أيضًا زاهد وبعيد عن القتال، فهل يقاتل؟ نعم، إن أعدَّ نفسه للقتال وكان من المقاتلين ألحق بهم، وإلا فلا على القول الغالب.
* قوله: (وَصَحَّ النَّهْيُ عَنِ المُثْلَةِ (١)) (٢).
هذه قضيةٌ مهمةٌ جدًّا، ونعلم قصة العرنيين الذين جاؤوا إلى رسول اللَّه ﷺ وقد ألمَّ بهم مرض، فأرسلهم إلى إبل الصدقة، فشربوا من أبوالها وألبانها ثم شفوا، ثم تنكروا لذلك المعروف، وتنكروا ذلك
стр. 4535
الفضل، فما كان منهم إلا أن قتلوا الراعي ومثَّلوا به، فأرسل رسول اللَّه ﷺ في طلبهم، فلحق بهم ثُمَّ مثَّل بهم إلى أن ماتوا عقوبةً لهم بنفس النوع الذي مثَّلوا به الراعي (١).
وقد جاء في ذلك ما يزيد على عشرين حديثًا، كلها جاء فيها النهي عن المُثْلة، كأن يفقأ عينه، أو شفته، أو شيء مما يشوِّه شكل هذا الإنسان، فيحافظ اللَّه على هذه الصور الحسنة، وهذا تبديلٌ لخَلْق اللَّه، واللَّه تعالى يقول: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠].
فلَا تَجُوز المُثلة، ولذلك اتفق على تحريمها (٢)، ومراد المؤلف أنه إذا ظفر المسلمون بأعدائهم، فإنهم لا يُمثِّلون بهم.
* قوله: (وَاتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ قَتْلِهِمْ بِالسِّلَاحِ) (٣).
أما بالسلاح، فذلك مطلوب في وقت الحرب؛ سواء كانت الحرب قائمةً أو بعد أن تضع الحرب أوزارها، وقد تقدَّم الكلام بالنسبة للأسرى واختلاف العلماء فيه، وأما الإمام -كما عرفنا- فهو مخيَّر فيهم بين أمورٍ عدا النساء والصبيان، فإنهم لا يقتلون.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي تَحْرِيقِهِمْ بِالنَّارِ).
هذه مسألة قد ورد فيها عدة أحاديث، وكما هو معلوم الذي
стр. 4536
يُعذِّب بالنار إنما هو رب النار اللَّه ، كما قال اللَّه : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٣٠].
والآيات في ذلك كثيرة، وأحاديث رسول اللَّه ﷺ كذلك، وقد ورد في ذلك عدة أحاديث، أورد المؤلف منها حديث حمزة السلمي الذي جاء فيه أن رسول اللَّه ﷺ طلب منه: إنْ وجدت فلانًا فأحرقه بالنار، فلما ولَّى قال رسول اللَّه ﷺ له: "إني قلت: إن وجدت فلانًا فأحرقه بالنار، فإن وجدت فلانًا فاقتله؛ فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار"، والحديث أخرجه أبو داود (١)، وغيره (٢) بإسناد صحيح.
وورد في "صحيح البخاري"، وغيره من حديث أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ : بعث بعثةً -أي: أرسل رسلًا- وأمرهم إن وجدتم فلانًا وفلانًا من قريش، فأحرقوهما بالنار، ثم أمرهم رسول اللَّه ﷺ وقال لهم: "إن وجدتم فلانًا وفلانًا، فاقتلوهما؛ فإنه لا يعذب بالنار إلا اللَّه " (٣).
فهذه أحاديث صحيحة دلت على أنه لا يجوز التعذيب بالنار، لكن لو فعل الكفار ذلك، أيقابلهم المسلمون؟ هذا يرجع إليهم بالنظر إلى الضرورة، وقد جاء في الأثر عن أبي بكر أنه أذن لخالد بن الوليد أن يحرق بالنار (٤)، وقيل: إنه فعل ذلك، لكن اتفق العلماء إلى أنه لا يُحرَّق
стр. 4537
بالنار، فعامة العلماء يَرَون التحريق، وأنه لا يُلْجأ إليه إلا عند الضرورة والحاجة، والحاجة -كما هو معلوم في قواعد الفقه- تنزل منزلة الضرورة، فعند الضرورة يحصل ذلك إن أمكنَ الظفر بالعدوِّ.
* قوله: (فَكَرِهَ قَوْمٌ تَحْرِيقَهُمْ بِالنَّارِ، وَرَمْيَهُمْ بِهَا، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ (١)، وَيُرْوَى عَنْ مَالِكٍ (٢)، وَأَجَازَ ذَلِكَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ (٣)، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِن ابْتَدَأَ العَدُوَّ بِذَلِكَ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا) (٤).
стр. 4538
"رميهم"؛ أي: قذفهم بالنار، وهذا هو رأي الجمهور، فهناك مَنْ يمنع التحريق بالنار مطلقًا؛ عملًا بالأحاديث التي مرَّت بنا، ولأن الذي يعذب بالنار إنما هو اللَّه .
والقول الآخر: أنهم يحرقون مطلقًا أي: يجوز مطلقًا.
والقول الثالث: التفريق بين أن يبدأ المسلمون بذلك أو لا، أو أن تكون هناك ضرورة لدفع شرهم.
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ العُمُومِ لِلْخُصُوصِ، أَمَّا العُمُومُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]).
إذًا، اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم و"حيث" ظرف، يعني: في أي مكانٍ وأي حالٍ فاقتلوهم، وهذا عام، فهل تخفف في مثل هذه الأحاديث؟ أو تبقى على عمومها ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]، فهل هذا العموم يبقى على عمومه أو أنه يخفف؟
* قوله: (وَلَمْ يَسْتَثْنِ قَتْلًا مِنْ قَتْلٍ).
أي: لم يَسْتثنِ نوعًا من أنواع القتل؛ لأن القتلَ يكون بالسيف، وبالرمي من بعيدٍ كما سيأتي، ويكون أيضًا بالتحريق بالنار، وبالإغراق وهو شبيهٌ بالتحريق بالنار، ولم يرد فيه نص، لكنه بمعنى أن تطلق عليهم الماء فيغرقوا في أماكنهم.
والإمام أو قائد الجيش ينظر فيما فيه المصلحة، فقد يتوقع من هؤلاء الدخول في الإسلام، أو الرجوع، أو ربما يتقي شرهم؛ فلكل مقام مقال، فكل حالة مكانها ومقالها تختلف من حالٍ إلى حالٍ.
* قوله: (وَأَمَّا الخُصُوصُ، فَمَا ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي
стр. 4539
رَجُلٍ: "إِنْ قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ فَاقْتُلُوهُ، وَلَا تَحْرِقُوهُ بِالنَّارِ، فَإِنَّهُ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُ النَّارِ" (١)).
"إن قدرتم": إن أخذتم فلانًا.
* قوله: (وَاتَّفَقَ عَوَامُّ الفُقَهَاءِ عَلَى جَوَازِ رَمْيِ الحُصُونِ بِالمَجَانِيقِ (٢)، سَوَاءً كَانَ فِيهَا نِسَاءٌ وَذُرِّيَّةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ) (٣).
"المنجنيق" يجمع على "منجنيقات"، أو على "مجانيق"، كما ذكر المؤلف، وهذه الكلمة من الكلمات التي عرِّبت أي: دخلت على اللغة
стр. 4540
العربية، ولم يكن أصلها عربيًّا، لكنها أُدْخلت على اللغة العربية فعُرِّبت، فهو من الأسلحة التي دخلت على المسلمين.
فـ "المنجنيق" بفتح الميم: هو آلة من الآلات التي كان يوضع فيها الحجارة أو ما يشبهها، وكانت تطلق من مسافات بعيدة، فتلقي بالحجارة بشدة، وهذا قد حصل: "أنَّ رسول اللَّه ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف سبعة عشر يومًا"، وقد جاء ذلك في حديث أخرجه أبو داود (١)؛ لأن أبا داود له كتاب غير كتاب "السنن"، وهو كتاب "المراسيل"، كذلك أخرجه النسائي (٢) في "طبقاته"، وأخرجه أيضًا الترمذي (٣).
كذلك حصل أيضًا أنه في زمن فتح مصر حينما فتح عمرو بن العاص مدينة الفسطاط، واستخدم فيهم المنجنيق.
إذن، استخدم عمرو بن العاص المنجنيق في فتح الإسكندرية (٤)، فالرسول ﷺ فعل ذلك في الطائف، وعمرو بن العاص وهو صحابيٌّ فعل ذلك، ولا يمكن أن يفعل ذلك إلا مقتديًا بسنة رسول اللَّه ﷺ ، ففعل ذلك في فتح الإسكندرية.
فالرَّميُ بالمنجنيق القصد به: ضرب الأعداء، وهذه الضربات قد تقع على نساءٍ وأطفالٍ، وَهَذا سيعرض له المؤلف، إِذْ ورد في الأحاديث النهي عن قتل النساء والصبيان، لَكن هل هذا على عمومه؟ فإذا كانوا أمام العدوِّ وتفرَّقوا بهؤلاء النساء والصبيان، أو كان من بينهم نساء وصبيان، فهل نُطْلق عليهم المنجنيق؟ أو يلحقون الأذى بهم؟ دائمًا المصلحة العامة تُقدَّم
стр. 4541
على المصلحة الخاصة، فمصلحة المجتمع تقدم على مصلحة الفرد.
إذًا، في هذه الحَالة نجد أن الرَّسول ﷺ ومَنْ معه نفذوا المنجنيق حتى يقال بأن امرأةً أطلقت عليهم، وأنها كانت تتحدَّى، فوجه إليها أحد الصحابة فضربها بالمكان الذي تحدت فيه (١)، وذكر ذلك أيضًا الفقهاء في كتبهم وأسندوه.
وتَبيَّن من هذا أن الرسول ﷺ ضرب المنجنيق على الطائف، وأن عمرو بن العاص فعل ذلك فى الإسكندرية، وأن هذه الأماكن لا تخلو من وجود أطفالٍ ونساءٍ.
* قوله: (لِمَا جَاءَ "أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ نَصَبَ المَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ"، وَأَمَّا إِذَا كَانَ الحِصْنُ فِيهِ أُسَارَى مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَطْفَالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ).
فإذَا كان هناك حصنٌ للعدوِّ فيه أُسَارى من المسلمين، فهل يُطْلق عليهم المنجنيق أيضًا؟
هذه المسألة فيها تفصيلٌ: فإن كانت الحربُ قائمةً، يطلق عليهم، أما إن كانت الحرب غير قائمة، أو لم تكن هناك حاجة لقتالهم لعدم الخوف منهم، أو الخطر بهم دون رميهم، فإنَّه في هذه الحالة لا يُطْلق عليهم، لكن لو قدر أن ذلك حال الحرب، ووجَّه المسلمون أسلحتهم، فَرَموا تلك الأماكن وقُتِلَ من المسلمين رجلٌ أو امرأةٌ، فما الحَال في ذلك؟ هل الذي قَتلَ ذلك المسلم أو تلك المسلمة عليه كفارة أو تلزمه الدية؟
فيه تفصيلٌ: فعند الحنفية لا دية، ولا كفارة؛ لأن ذلك معلومٌ بأنه
стр. 4542
جهادٌ وقتالٌ (١)، ومن العلماء من قال: فيه كفارة (٢)، ومنهم من قال: فيه دية (٣).
* قوله: (فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَكُفُّ عَنْ رَمْيِهِمْ بِالمَنْجَنِيقِ، وَبِهِ قَالَ الأَوْزَاعِيُّ (٤). وَقَالَ اللَّيْثُ: ذَلِكَ جَائِزٌ (٥)) (٦).
فَصَّل العُلَمَاءُ أصحابُ المذاهب: إِنْ لم تكن هناك حاجةٌ، ولا ضرورةٌ، أو لم تكن الحرب قد قامت؛ فإنه لا يؤجل، ثم يختلفون بعد ذلك في أخذ الدية، فَنَجد عند الشافعية (٧)، والحنابلة خلافًا (٨)،
стр. 4543
وعند الحنفية لا دية ولا كفارة (١).
* قوله: (وَمُعْتَمَدُ مَنْ لَمْ يجِزْهُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ الآيَةَ [الفتح: ٢٥]، وَأَمَّا مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى المَصلَحَةِ، فَهَذَا هُوَ مِقْدَارُ النِّكَايَةِ الَّتِي يَجُوزُ أَنْ تَبْلُغَ بِهِمْ فِي نُفُوسِهِمْ وَرِقَابِهِمْ).
المَصْلحة تُرَاعى في كل أمرٍ من الأُمور، فالضرورات تقدر بقدرها، فقد تكون هناك ضرورة يلجأ إليها المسلمون؛ لأنه ربما لو لم تكن تلك الحصون لنَكَّلوا بالمؤمنين، وألحقوا بهم ضررًا، فيختار أسوأ الضررين، فإن أمكن دفع أولئك دون قتالٍ، أو أمكن الاستيلاء عليهم دون ضرب تلك الحصون التي يقيم فيها أسرى من المؤمنين، كان ذلك، وإن لم يكن فإنها تُضْرَب؛ لأن المصلحة العامة تقدم على المصلحة الخاصة، فحماية جميع المسلمين مقدمة على حماية بعضهم، وحفظ أرواح المؤمنين عامة وإقامة راية الجهاد مقدمة على تعطيلها؛ لأنه لو لم نتوقف عند هذه، ربما يتطرق العدو للصبيان والنساء من الكفار، فبذلك تتعطل راية الجهاد، فهذه أُمور اجتهدوا فيها في وقتها.
* قوله: (وَأَمَّا النِّكَايَةُ الَّتِي تَجُوزُ فِي أَمْوَالِهِمْ).
الأموال تشتمل على عدة أمورٍ: فهناك مثلًا أشجار مثمرة، وأشجار تظلل، فهذه كلها نوع من الأموال، فهل تحرق هذه الأموال؟ وهل تهدم
стр. 4544
تلك البيوت وتلك الحصون؟ وهل تقطع تلك الأشجار؟ هذه فيها كلامٌ مفصلٌ للعلماء.
* قوله: (وَذَلِكَ فِي المَبَانِي وَالحَيَوَان وَالنَّبَاتِ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَأَجَازَ مَالِكٌ قَطْعَ الشَّجَرَةِ وَالثِّمَارِ) (١).
أمَّا بالنِّسبة للشجر، ففيه تفصيلٌ؛ لأن تلك الأشجار لا تخلو من واحد من ثلاثة أُمور:
١ - هذه الأشجار قد تكون مفيدةً في الظل، وربما تحمل ثمرًا، فهذه الأشجار إذا كان العدو يتترس بها، أو يستظل بها، أو يبني بها حصونه التي يقيم بها، أو أنه وضَعها بمثابة خط دفاعٍ، أو أنها تسدُّ الطريق على المؤمنين؛ فإنه في هذه الحالة تُزَال.
٢ - أما إذَا كانت هذه الأشجار فيها مصلحةٌ للمؤمنين بأن يستظلوا مكانًا ليقيموا تحته، وفيها من الثمر الذي يحتاجون إليه في أكلهم، وفيها ما ترعى أغنامهم، ففي هذه الحالة لا تقطع، ولا يتعدى عليها.
٣ - أما إذا لم يحتج المسلمون إليها، ولم يكن يتترس بها الكفار، فوقع الخلاف بين العلماء، فأكثر العلماء على أنها تُزَال غيظًا للكفار، وكيدًا لهم، ومن العلماء من قال: لا تزال، وهم أكثر العلماء (كالحنفية (٢)، والمالكية (٣)،
стр. 4545
ورواية للشافعية) (١)، والحنابلة على أنها تزال غيظًا بهم (٢)، والبقية تقول: لا تزال.
والحقيقة أنَّ هذه متروكة للمؤمنين، يفعلون ما يرون فيه مصلحة، فإن كان العدوُّ يعامل المسلمين معاملةً سيئةً، فَعَلى المسلمين أن يعاملوا أيضًا العدو بذلك، وقَدْ لا يُفْعل ذلك مع المؤمنين، فلو فعلوا ذلك، عاملوهم بالمثل، فإنه في هذه الحالة قد تُزَال.
إذًا، هذه قضايا اجتهادية، يجتهد فيها قائد الجيش أو المسؤول عنه للمصلحة.
* قوله: (فَأَجَازَ مَالِكٌ قَطْعَ الشَّجَرَةِ وَالثِّمَارِ).
وَمَعَه أَبو حَنيفَة في هذه المسألة؛ فإنَّ ذلك يؤدي إلى غيظ الكفار في مثل هذه الأمور؛ لأن الكفارَ إذا رأوا أن أشجارهم تُقْطع، وَنَخيلهم يحرق، وَمَزارعهم تغرق؛ فَهَذا يَجْعل الخوفَ يدبُّ إلى نفوسهم، والرعب والفزع مما يضعف نفوسهم، ويقوي مكانة المؤمنين.
وَيَقُولُ بعضهم: نحن ننظر إلى المصلحة، فإن كانت هذه المصلحة للمؤمنين، وفائدة لهم، فلا ينبغي أن نفعل ذلك، وإن كان فيه مصلحة للكفار، فينبغي أن نزيلها، وإن كانت لا تلك ولا تلك، فهذه اختلفوا فيها أيضًا.
стр. 4546
* قوله: (وَتَخْرِيبَ العَامِرِ، وَلَمْ يُجِزْ قَتْلَ المَوَاشِي وَلَا تَحْرِيقَ النَّخْلِ).
لا تُقْتل المواشي؛ لأن الرسول ﷺ نهى عن قتل النحل (١)، وعَنْ قتل الحيوان، أما النخل فإن رسول اللَّه ﷺ قطع وحرق نخل بني النضير، حيث قال تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ [الحشر: ٥].
* قوله: (وَكَرِهَ الأَوْزَاعِيُّ قَطْعَ الشَّجَرِ المُثْمِرِ، وَتَخْرِيبَ العَامِرِ) (٢).
ومعه الشافعي وأحمد كما هو معلوم في حالة ما إذا كان المسلمون يَسْتَفيدون بها، ولا يلحقهم ضررٌ.
* قوله: (كَنِيسَةً كَانَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُحَرَّقُ البُيُوتُ وَالشَّجَرُ إِذَا كَانَتْ لَهُمْ مَعَاقِلَ) (٣).
ومعه الإمام أحمد في هذه الحالة يعني: مالك وأبو حنيفة رأيُهُما مطلقٌ، أما الشافعية والحنابلة فقالوا: إذا كانت هذه البيوت والأشجار
стр. 4547
والحصون والمزارع مكانًا لهم، وحصنًا يتترسون بها؛ فإنها تُزَال، أما إذا لم يكن كذلك، وفيها مصلحة للمؤمنين، فلا.
* قوله: (وَكَرِهَ تَخْرِيبَ البُيُوتِ، وَقَطْعَ الشَّجَرِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَعَاقِلَ).
كره إذا لم تكن لهم معاقل؛ لأنه في النهاية قد يَفْتح المسلمون هذه البلاد، وهذا قد حصل، فإن الإسلام بدَأ بمكَّة، ونعلم ما جَرى لرسول اللَّه ﷺ من قومه، فحقرهم في بني عامر، واستعملوا معه كل أنواع الأذى حتى وهو يصلي (١)، وأخرجوه من مكة، فخرج إلى الطائف ﷺ ، ورمي بالحجارة، وعاد ولم يدخلها إلا بحمايةٍ (٢).
ثمَّ بعد ذلك هاجر عددٌ من المسلمين إلى الحبشة، ثم أذن اللَّه تعالى لرسوله وللمؤمنين بالهجرة إلى المدينة، هذه البلاد الطيبة، ورأينا أن الإسلام بدأ يشع نوره ويمتد وينتشر حتى شمل أنحاء العالم، تُسْمع فيها كلمة: "اللَّه أكبر"، وتُسْمع فيها كلمة: "لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه".
إذًا، الإسلام انتشر في كل مكان، ومن هنا رأينا أن عمر بن
стр. 4548
عبد العزيز ﵁ بحصافته وبرجاحة عقله وبعد الته، ولكَوْنه خامس الخلفاء الراشدين، لما رأى ﵁ أن المسلمين قد توسعوا في الفتوح، وأنه بدأت تنتشر شرقًا وغربًا، فقرر أن تنشر الدعوة أولًا، وألا يتوقف المؤمنون حتى يغرسوا عقيدة التوحيد في نفوس الَّذين فتحوا بلادهم وأوكارهم حتى يكونوا هم حَمَلة راية الإسلام أي: المدافعين عنها، وحصل ذلك، فبعد وَفَاة رَسُول اللَّه ﷺ ، وما حَصل في عهد بعض الخلفاء من الفتن، وأن هذه الفتن قد امتدت، وفي العصر العباسي وُجِدَ أناسٌ وفرق ينتسبون إلى الإسلام أخذوا يحاربون المشركين، وأخذوا يقيمون ثغراتٍ في قلب الدولة الإسلامية، وبدأ ينصرف المسلمون للفتح ونشر عقيدة التوحيد والجهاد في سبيل اللَّه، وحقيقةً أقاموا ثغراتٍ في الأمة الإسلامية، فَنَصر اللَّه المؤمنين عليهم وانتهوا، وهؤلاء يظهرون في كل من الأوقات.
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ مُخَالَفَةُ فِعْلِ أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ لِفِعْلِهِ ﵊.
لا نقول: "مخالفة أبي بكرٍ لفعل رسول اللَّه"، حاشا أبا بكرٍ أن يخالف رسول اللَّه ﷺ أو مَنْ هو دونهما من المؤمنين ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
هذا هو مذهب الصحابة، وأبو بكرٍ لو وُزِنَ إيمانه رجح (١)، وهو الذي كان الرسول ﷺ يقول عنه: "شدُّوا عليَّ هذه الخرق، فإنها خرق أبي بكر" (٢)، وكان يقول: "لو كنت متخذًا خليلًا، لاتخذت أبا بكرٍ خليلًا" (٣).
стр. 4549
فالخليفة أبو بكرٍ ﵁ لا يخالف رسول اللَّه ﷺ ، ولا يمكن أن يدور ذلك في نفسه أو في خاطره؛ إنما فعل أبو بكرٍ ﵁ ذلك وكان له رأيه، وله وجهته، فرسول اللَّه ﷺ فعل ذلك للمصلحة، بل اليهود عمومًا نعلم ما حصل منهم من خياناتٍ، وما فعل بنو النضير عندما طوق أعداء الإسلام يوم غزوة الأحزاب (١)، إذًا هؤلاء خانوا العقود ونقضوها، فما كان إلا أن يؤدبوا غاية التأديب.
* قوله: (ذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ ﵊ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ) (٢).
стр. 4550
حين خَرَج رَسُولُ اللَّه ﷺ إلى خيبر، أتاها ليلًا، وكان إذا جاء قومًا بليل لم يغز حتى يصبح، قال: فلمَّا أصبح خرجت يهود خيبر بمساحيها ومكاتلها، فلمَّا رأوه قالوا: محمد واللَّه والخميس، ففال رَسُولُ اللَّه ﷺ : "اللَّه أَكْبَر، خربت خيبر" (١)؛ فأولئك قومٌ خانوا المؤمنين، وغدروا بهم، وتواطؤوا مع أعداء المؤمنين، وأن أولئك ممن ذهبوا إلى قريش وحَرَّضوهم على القتال ضد المؤمنين، فرسول اللَّه ﷺ أدَّبهم؛ لكنه ما حرق ذلك.
* قوله: (وَثَبَتَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ: "لَا تَقْطَعَنَّ شَجَرًا، وَلَا تُخَرِّبَنَّ عَامِرًا" (٢)، فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ فِعْلَ أَبِي بَكْرٍ هَذَا إِنَّمَا كَانَ لِمَكَانِ عِلْمِهِ بِنَسْخِ ذَلِكَ الفِعْلِ مِنْهُ ﷺ ).
هَذَا هو الأَوْلَى من أن نقول: مخالفة أبي بكر لفعل رسول اللَّه ﷺ ، أما أبو بكر فهو أعلم منا بما كان يفعله رسول اللَّه ﷺ ؛ لأنه حضر التنزيلَ وَشَاهده، قال تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠]، وهو الملازم لرسول اللَّه ﷺ .
стр. 4551
إذًا، هذه أُمُورٌ لا تخفى على أبي بكرٍ، والرسول ﷺ عندما فَعَل ذلك، فعله لمصلحةٍ، وعندما ترك ذلك، تركه لمصلحة، والرسول عندما فعل ذلك كان المؤمنون في حالة ضعف، أما في عهد أبي بكرٍ ﵁، فإننا نجد أنه بالنسبة للمعتدين عهد إلى خالد بن الوليد أن يستخدم التحريق لوجود مصلحةٍ، فالإمَامُ ينظر إلى المصلحة.
* قوله: (إِذْ لَا يَجُوزُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُخَالِفَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِفِعْلِهِ، أَوْ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ خَاصًّا بِبَنِي النَّضِيرِ لِغَزْوِهِمْ).
أمَّا لو قُدِّر -وهذا بعيدٌ جدًّا- أن يخالفَ صحابيٌّ رسولَ اللَّه ﷺ ومعه الصحابة، والصحابة لا تأخذهم في الحق لومة لائم، فَيَقف أحدهم أمام أي إنسان، فيبين له الحق، ويوضحه له، ولم يعرف أن أحدًا خالف أبا بكر في ذلك الذي حصل، فعندما ارتدَّ الكثيرُ في عهد أبي بكرٍ، وادعى بعضهم النبوة كمسيلمة، وكذلك هناك مَنْ منع الزكاة، ووقف أَبو بكرٍ وقفته المشهورة، أبو بكرٍ الذي عُرِفَ بالرحمة، والذي عُرِفَ بالعقل، وعمر عُرف بشدته وقوته، وكان موقفه في أول الأمر أضعف من أبي بكر، فلما رأى إصرار أبي بكر وقوته وشكيمته وعزمه على قتال مانعي الزكاة، أدرك أن اللَّه قد فتح قلب أبي بكر، وأن الحق معه.
فأبو بَكْرٍ أعلم الناس بسُنَّة رسول اللَّه ﷺ ، وهو أقرب الناس إلى قلب رسول اللَّه ﷺ ، وهو أقرب الناس بعد رسول اللَّه إلى قلوب المؤمنين، فهو يعرف مثل ذلك الأمر، ولو قُدِّر أن أبا بكرٍ توقف في أمرٍ، فإن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]، وقَدْ كان محمد بن عبد اللَّه الذي لا ينطق عن الهوى، والذي ينزل عليه القرآن، يستشير أصحابه؛ ليجعل ذلك نبراسًا ومذهبًا يمشون عليه، فكيف بغيرهم؟!
وَهَذا أبو بَكْرٍ ﵁ عندما جاءت جدة تسأله عن حقها في الميراث،
стр. 4552
فسأل الصحابة ﵃، فأخبروه أن رسول اللَّه ﷺ أعطاها السدس (١)، فأعطاها.
هذا هو منهج الصحابة، وعمر ﵁ سار على ذلك أيضًا، ففي قصة الطاعون عندما انتشر في الشام، وحصل خلاف، وانتهى الأمر إلى أن عمر ﵁ قال: "إن كنت فيها فلا تخرج منها" (٢)، وإن العدوى هي التي
стр. 4553
تحصل بقدر اللَّه، ولذلك لما احتج أولئك الذين يقولون بأنا علينا أن نتوكَّل، وأنَّ ذلك قدَر اللَّه! فهذا قدَر اللَّه، فنحن رَجَعنا إلى قدر اللَّه .
إذًا، الصحيح أن ما فعله أبو بكرٍ لا يخالف سنة رسول اللَّه ﷺ ، بل كما أخبر رسول اللَّه ﷺ : "اقتدوا باللَّذينِ من بعدي؛ أبي بكر وعمر" (١)، وقال: "عليكم بسُنَّتي وسنة الخلفاء الراشدين، عَضوا عليها بالنواجذ" (٢).
* قوله: (قَالَ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَمَنِ اعْتَمَدَ فِعْلَهُ ﵊، وَلَمْ يَرَ قَوْلَ أَحَدٍ وَلَا فِعْلَهُ حُجَّةً عَلَيْهِ - قَالَ بِتَحْرِيقِ الشَّجَرِ).
المسألة كما سبق: إنْ أمكن عدم التحريق فبها ونعمت، أما إن كان هناك موضعٌ يجعلونه ساترًا لهم، أو يستغلونه، أو يحافظون بهذه الأشياء على حقولهم؛ فإنها تُزَالُ ولا تحرق إذا كان فيها مصلحةٌ للمؤمنين، فإن رأى الإمام مصلحةً وأن الحاجة تقتضي فيها إغاظة الكافرين وتخويفهم؛ فإنه يفعل ذلك، ومن رأى المصلحة ألا يفعل ذلك؛ فله أن يترك هذا.
* قوله: (وإنَّمَا فَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَ الحَيَوَانِ وَالشَّجَرِ؛ لِأَنَّ قَتْلَ الحَيَوَانِ مُثْلَةٌ، وَقَدْ نُهِيَ عَنِ المُثْلَةِ، وَلَمْ يَأْتِ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَتَلَ حَيَوَانًا، فَهَذَا هُوَ مَعْرِفَةُ النِّكَايَةِ الَّتِي يَجُوزُ أَنْ تَبْلُغَ مِنَ الكُفَّارِ فِي نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ).
نهى النبي ﷺ عن قتل الحيوان، إذ جاء في الحديث الصحيح:
стр. 4554
"إن اللَّه كتب الإحسان في كل شيءٍ، فإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وليحد أحدكم شفرته، وليرحْ ذبيحته" (١).
فَهَذا هو مَنهجُ الإسلَام، قائم على الرحمة والعدل، وعلى العطف والمساواة بين المؤمنين في أمورهم، فلا فضل لأحدٍ على أحدٍ إلا بالتقوى، هذه هي غاية الإسلام، وأيضًا بيَّن الرسول ﷺ أنَّه "في كل ذات كبد رطبة أجر" (٢).
وهذه المرأة البغي لما شربت، فوجدت كلبًا يلهث، فجلبت الماء بخُفَّيها، فَسَقمت ذلك الحيوان، فغفر اللَّه لها (٣).
إن اللَّه رفيقٌ بعباده، يَتجَاوز عن سيئاتهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، هَذَا هو الإسلام.
وهذه امرأةٌ دَخَلت النارَ في هرة حبستها، لا هى أطعمتها، ولا تَرَكتها تأكل من خَشَاش الأرض (٤).
فَمَنْ كان عنده حيوانات، وكان لا يقوم بالإنفاق عليها كإطعامها وسقيها؛ فإنه بذلك يُلْزَم بهذا الأمر؛ لأن في ذلك إضرارًا بها، ومَنْ كان عنده عبيد لا يقوم على شؤونهم؛ فإنه في تلك الحالة أيضًا يُلْزم بذلك
стр. 4555
الأمر، وكذلك ما يتعلَّق بالعامل، فإذا كان عنده إنسان، أو خادم، فهو مسؤول عنه، وإذا كانت مسؤوليتهم في عنقه، فَسَيُسْأل عنهم يوم القيامة، وهذا الخادم الذي كان في زمن عمر وأراد أن يقيم عليه حد السرقة، فتبيَّن له أن سيده قد أجاعه، فأوقف عنه الحد (١).
هذا هو الإسلام دائمًا، ينظر إلى المصلحة في كل مقام، فكل مصلحة لا تتعارض مع أُسِّ الشريعة وقواعدها، فإنه يُعْمل بها، ولذلك الفقيه دائمًا ينظر إلى ما في الشريعة، ولا يقتصر على جُزئية، وإنما تجده يربط الأُمور بعضها ببعض، ويجمع أُصولها، ويفرع عليها جُزئياتها.
قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
الفَصْلُ الرَّابِعُ فِي شَرْطِ الحَرْبِ
شرط المؤلف ﵀ في شرط الحرب: ما هو معروف من البدء في الدعوة.
يعني: لو اتَّجه المسلمون خارجين في سريَّة، أو جهَّز المسلمون جيشًا لقتال العدو، فهل يبدؤون أوَّلًا بدعوتهم إلى الإسلام؟ وهل يقبلوا إن أجابوهم؟
نقول: هذه هي غاية المجاهد؛ وهي أن يُدخِلَ الناسَ في دين اللَّه