← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

إذًا، هذه أُمُورٌ لا تخفى على أبي بكرٍ، والرسول ﷺ عندما فَعَل ذلك، فعله لمصلحةٍ، وعندما ترك ذلك، تركه لمصلحة، والرسول عندما فعل ذلك كان المؤمنون في حالة ضعف، أما في عهد أبي بكرٍ ﵁، فإننا نجد أنه بالنسبة للمعتدين عهد إلى خالد بن الوليد أن يستخدم التحريق لوجود مصلحةٍ، فالإمَامُ ينظر إلى المصلحة. * قوله: (إِذْ لَا يَجُوزُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُخَالِفَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِفِعْلِهِ، أَوْ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ خَاصًّا بِبَنِي النَّضِيرِ لِغَزْوِهِمْ). أمَّا لو قُدِّر -وهذا بعيدٌ جدًّا- أن يخالفَ صحابيٌّ رسولَ اللَّه ﷺ ومعه الصحابة، والصحابة لا تأخذهم في الحق لومة لائم، فَيَقف أحدهم أمام أي إنسان، فيبين له الحق، ويوضحه له، ولم يعرف أن أحدًا خالف أبا بكر في ذلك الذي حصل، فعندما ارتدَّ الكثيرُ في عهد أبي بكرٍ، وادعى بعضهم النبوة كمسيلمة، وكذلك هناك مَنْ منع الزكاة، ووقف أَبو بكرٍ وقفته المشهورة، أبو بكرٍ الذي عُرِفَ بالرحمة، والذي عُرِفَ بالعقل، وعمر عُرف بشدته وقوته، وكان موقفه في أول الأمر أضعف من أبي بكر، فلما رأى إصرار أبي بكر وقوته وشكيمته وعزمه على قتال مانعي الزكاة، أدرك أن اللَّه قد فتح قلب أبي بكر، وأن الحق معه. فأبو بَكْرٍ أعلم الناس بسُنَّة رسول اللَّه ﷺ ، وهو أقرب الناس إلى قلب رسول اللَّه ﷺ ، وهو أقرب الناس بعد رسول اللَّه إلى قلوب المؤمنين، فهو يعرف مثل ذلك الأمر، ولو قُدِّر أن أبا بكرٍ توقف في أمرٍ، فإن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]، وقَدْ كان محمد بن عبد اللَّه الذي لا ينطق عن الهوى، والذي ينزل عليه القرآن، يستشير أصحابه؛ ليجعل ذلك نبراسًا ومذهبًا يمشون عليه، فكيف بغيرهم؟! وَهَذا أبو بَكْرٍ ﵁ عندما جاءت جدة تسأله عن حقها في الميراث،

стр. 4552

فسأل الصحابة ﵃، فأخبروه أن رسول اللَّه ﷺ أعطاها السدس (١)، فأعطاها. هذا هو منهج الصحابة، وعمر ﵁ سار على ذلك أيضًا، ففي قصة الطاعون عندما انتشر في الشام، وحصل خلاف، وانتهى الأمر إلى أن عمر ﵁ قال: "إن كنت فيها فلا تخرج منها" (٢)، وإن العدوى هي التي

стр. 4553

تحصل بقدر اللَّه، ولذلك لما احتج أولئك الذين يقولون بأنا علينا أن نتوكَّل، وأنَّ ذلك قدَر اللَّه! فهذا قدَر اللَّه، فنحن رَجَعنا إلى قدر اللَّه . إذًا، الصحيح أن ما فعله أبو بكرٍ لا يخالف سنة رسول اللَّه ﷺ ، بل كما أخبر رسول اللَّه ﷺ : "اقتدوا باللَّذينِ من بعدي؛ أبي بكر وعمر" (١)، وقال: "عليكم بسُنَّتي وسنة الخلفاء الراشدين، عَضوا عليها بالنواجذ" (٢). * قوله: (قَالَ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَمَنِ اعْتَمَدَ فِعْلَهُ ﵊، وَلَمْ يَرَ قَوْلَ أَحَدٍ وَلَا فِعْلَهُ حُجَّةً عَلَيْهِ - قَالَ بِتَحْرِيقِ الشَّجَرِ). المسألة كما سبق: إنْ أمكن عدم التحريق فبها ونعمت، أما إن كان هناك موضعٌ يجعلونه ساترًا لهم، أو يستغلونه، أو يحافظون بهذه الأشياء على حقولهم؛ فإنها تُزَالُ ولا تحرق إذا كان فيها مصلحةٌ للمؤمنين، فإن رأى الإمام مصلحةً وأن الحاجة تقتضي فيها إغاظة الكافرين وتخويفهم؛ فإنه يفعل ذلك، ومن رأى المصلحة ألا يفعل ذلك؛ فله أن يترك هذا. * قوله: (وإنَّمَا فَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَ الحَيَوَانِ وَالشَّجَرِ؛ لِأَنَّ قَتْلَ الحَيَوَانِ مُثْلَةٌ، وَقَدْ نُهِيَ عَنِ المُثْلَةِ، وَلَمْ يَأْتِ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَتَلَ حَيَوَانًا، فَهَذَا هُوَ مَعْرِفَةُ النِّكَايَةِ الَّتِي يَجُوزُ أَنْ تَبْلُغَ مِنَ الكُفَّارِ فِي نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ). نهى النبي ﷺ عن قتل الحيوان، إذ جاء في الحديث الصحيح:

стр. 4554

"إن اللَّه كتب الإحسان في كل شيءٍ، فإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وليحد أحدكم شفرته، وليرحْ ذبيحته" (١). فَهَذا هو مَنهجُ الإسلَام، قائم على الرحمة والعدل، وعلى العطف والمساواة بين المؤمنين في أمورهم، فلا فضل لأحدٍ على أحدٍ إلا بالتقوى، هذه هي غاية الإسلام، وأيضًا بيَّن الرسول ﷺ أنَّه "في كل ذات كبد رطبة أجر" (٢). وهذه المرأة البغي لما شربت، فوجدت كلبًا يلهث، فجلبت الماء بخُفَّيها، فَسَقمت ذلك الحيوان، فغفر اللَّه لها (٣). إن اللَّه رفيقٌ بعباده، يَتجَاوز عن سيئاتهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، هَذَا هو الإسلام. وهذه امرأةٌ دَخَلت النارَ في هرة حبستها، لا هى أطعمتها، ولا تَرَكتها تأكل من خَشَاش الأرض (٤). فَمَنْ كان عنده حيوانات، وكان لا يقوم بالإنفاق عليها كإطعامها وسقيها؛ فإنه بذلك يُلْزَم بهذا الأمر؛ لأن في ذلك إضرارًا بها، ومَنْ كان عنده عبيد لا يقوم على شؤونهم؛ فإنه في تلك الحالة أيضًا يُلْزم بذلك

стр. 4555

الأمر، وكذلك ما يتعلَّق بالعامل، فإذا كان عنده إنسان، أو خادم، فهو مسؤول عنه، وإذا كانت مسؤوليتهم في عنقه، فَسَيُسْأل عنهم يوم القيامة، وهذا الخادم الذي كان في زمن عمر وأراد أن يقيم عليه حد السرقة، فتبيَّن له أن سيده قد أجاعه، فأوقف عنه الحد (١). هذا هو الإسلام دائمًا، ينظر إلى المصلحة في كل مقام، فكل مصلحة لا تتعارض مع أُسِّ الشريعة وقواعدها، فإنه يُعْمل بها، ولذلك الفقيه دائمًا ينظر إلى ما في الشريعة، ولا يقتصر على جُزئية، وإنما تجده يربط الأُمور بعضها ببعض، ويجمع أُصولها، ويفرع عليها جُزئياتها. قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الفَصْلُ الرَّابِعُ فِي شَرْطِ الحَرْبِ شرط المؤلف ﵀ في شرط الحرب: ما هو معروف من البدء في الدعوة. يعني: لو اتَّجه المسلمون خارجين في سريَّة، أو جهَّز المسلمون جيشًا لقتال العدو، فهل يبدؤون أوَّلًا بدعوتهم إلى الإسلام؟ وهل يقبلوا إن أجابوهم؟ نقول: هذه هي غاية المجاهد؛ وهي أن يُدخِلَ الناسَ في دين اللَّه

стр. 4556

أفواجًا، فهذا ما يريده المؤمنون -كعادتهم-؛ أن يكثر المسلمون، ويزيد عددهم. فإن استجاب الأعداء للدعوة؛ فإن المسلمين يقبلون منهم في هذه الحالة الإسلام، ويكفُّوا عنهم. أما إن لم يستجب الأعداء للدعوة: فإنه حينئذ ينتقل المسلمون إلى طلب الفدية منهم. وهناك نوع اختلف فيه العلماء: هل تأخذ منهم الجزية، أم لا؟ (١). فإن أجابوا بدفع الجزية: قُبِل منهم، وكُفَّ عنهم؛ لأن الإسلام لم يأتِ للتسلُّط على الناس؛ إنما هو دين يسري (٢) إلى القلوب. فلو أن الإسلام نقل إلى الناس غضًّا (٣)؛ كما أُنزل على رسول اللَّه محمد بن عبد اللَّه ﷺ ، وكما هو في كتاب اللَّه ، ولو أن المؤمنين طبقوا الإسلام غاية التطبيق في أنفسهم؛ فكانوا قدوة لغيرهم؛ لوجدنا الناس يسارعون إلى الدخول في دين اللَّه ! ونعلم قصة عمر ﵁: عندما جاء ذلكم الرجل الغريب يسأل عنه؟ فوجده نائمًا تحت شجرة متوسِّدًا ظلها في الطريق! فقال: هذا هو عمر ﵁ خيرة المؤمنين؟! (٤).

стр. 4557

ولا يعني هذا: أن هذا هو القصد من الإسلام؛ بل قد ورد في الحديث: "إن اللَّه جميل، يحب الجمال" (١). وكما جاء في الحديث أيضًا: "إنَّ اللَّه سبحانه تعالى: يُحِبُّ أن يَرى أثر نعمته، على عبده" (٢). فمطلوب من المؤمن: ألَّا يكون بخيلًا، ولا مسرفًا. وعليه: أن يُظهِرَ نعم اللَّه ، ويشكره عليها، وأن يتجنب الكبرياء، والخيلاء (٣)، فقد يُعجب الإنسان بنفسه، ويأخذه الغرور؛ لأن عنده مال، أو لكونه متكلمًا فصيحًا، أو لأن له مكانة في المجتمع، أو لغير ذلك. . . إلخ. فالإنسان الذي يعتدّ بنفسه، ويصيبه الخيلاء: عليه أن يعلم أن ذلك من الشيطان. أما المؤمن الحقّ: فكلَّما ارتفعت مكانته بين الناس: قلَّتْ نفسُه في نظره؛ تواضعًا للَّه ؛ فهو يعلم: "أنَّ مَن تواضعَ للَّه رفعه" (٤). وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "إن أقربكم منِّي منزلةً يوم القيامة: أحاسنكم أخلاقًا" (٥). فهؤلاء: هم أقرب الناس إلى رسول اللَّه ﷺ في الدنيا، وفي الآخرة أيضًا.

стр. 4558

* قوله: (فَأَمَّا شَرْطُ الحَرْبِ). فشرط الحرب: هو الدعوة. وقد أرسل اللَّه رسلَه ﵈ لتبليغ هذه الدعوة؛ فقد قال اللَّه : ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. وقال اللَّه : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]. فاللَّه تعالى ما أرسل الرسل -منذ نبيِّه نوح ﵇، وحتى نبيه محمد بن عبد اللَّه ﷺ خاتم الرسل وأفضلهم-: إلا للدعوة إلى دين اللَّه . ومهمة كلِّ رسول: (١) أن يدعو الناس إلى توحيد اللَّه . (٢) الاعتراف بعبوديته ، وإفراده بالعبادة. (٣) الاعتراف بأسماء اللَّه الحسنى، وصفاته العلا. فهذه هي الدعوة التي جاء بها رسول اللَّه ﷺ . واللَّه إنما أنزل الكتاب، وأرسل الرسل ﵈؛ ليدعوا الناس أيضًا إلى إحسان العمل؛ فقد قال اللَّه : ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]. وقال : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ١ - ٢]. فهذا: هو المنهج القويم، فالأنبياء كما جاء في الحديث: "لم يورِّثُوا درهمًا، ولا دينارًا؛ وإنما ورَّثوا العلم" (١).

стр. 4559

وعماد هذا المنهج: الدعوة إلى دين اللَّه . فالمعلِّم: إنما يعلم الناس الخير، ويوجههم إليه. والداعية والواعظ: يدعوانِ الناس إلى سبيل الرشاد، وإلى النجاة. كما قال اللَّه : ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾ [غافر: ٤١ - ٤٣]. وقد كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ يدعون الناس إلى الخير. لكن هل بعد أن انتشر الإسلام، وامتدَّت آفاقه في كلِّ مكان، وأصبح معروفًا لدى القاصي والداني، وانتشر فضله وعدالته، وما فيه من مزايا؛ فهل لا زال يحتاج إلى الدعوة أيضًا؟ وإن قلنا: نعم؛ فهل يلزم أن تتكرر الدعوة؟ فإذا دعونا قومًا إلى الإسلام، فلم يستجيبوا؛ فهل يلزم أن ندعوهم مرة أُخرى؟ نقول: الدعوة -في أول الأمر-: متعيِّنة؛ كما فعل ذلك رسول اللَّه ﷺ ، وكما سيأتي في الحديث الذي سيورده المؤلف ﵀ الآن. * قوله: (فَهُوَ بُلُوغُ الدَّعْوَةِ بِاتِّفَاقٍ (١)؛ أَعْنِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حِرَابَتُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا قَدْ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ).

стр. 4560

اتَّفقوا على ذلك؛ لأن رسول اللَّه ﷺ لم يُغِرْ على قوم؛ إلا وهم يعرفونه؛ بل كان اليهود ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]؛ كما نصَّ اللَّه تعالى على ذلك. فقد كان هؤلاء ينتظرون هذا النبي ﵊ قبل أن يبعث، وكانوا قد توعدوا الأوس والخزرج أنهم سيقاتلونهم به! (١). وأما قريش: فقد كانت تعرف رسول اللَّه ﷺ حق المعرفة، ولقَّبوه قبل بعثته بـ (الأمين)، وتعرف أنه لا يكذب حتى بعد بعثته (٢).

стр. 4561

ومع معرفتهم بذلك؛ إلا أنهم قالوا كما حكى اللَّه عنهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]. وعليه: فقد كان الذي منعهم من الإيمان به: إنما هو الكبر، والتعالي، والغرور. ولا ننسى أيضًا شياطين الجن والإنس: فقد كان لهم دور في صدِّهم عن اتباع النبي ﷺ ؛ كما قال اللَّه عنهم: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ [سبأ: ٣١]. ومع ذلك: فقد كان بعضهم يتحيَّن (١) الفرص؛ فيستمع إلى قراءة القرآن الكريم. فنحن نعلم أن أبا بكر الصديق ﵁ وهو ممن عُرف بحسن صوته؛ كان يقرأ القرآن لما كان بمكة، وكان كفار مكة قد تعاهدوا على عدم الاستماع للقرآن، ومع ذلك كان يخون بعضهم بعضًا؛ ويأتون لسماعه من أبي بكر ﵁ (٢). وذلك لأن القرآن كان قد استولى على قلوبهم، وأخذ بمجامع ألسنتهم (٣)، ولكنه العناد، والكبر، والغرور ما حال بين بعضهم وبين الإيمان!.

стр. 4562

وبعد أن فتح اللَّه مكة لرسوله ﷺ دخلَ من كان بقي منهم على كفره، في دين اللَّه تعالى أفواجًا. فهذه الدعوة الإسلامية تبيِّن للناس الحقَّ. وقد قال اللَّه : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. وقد أرسل اللَّه الرسل: لهداية الناس، وليبيِّنوا لهم طريق الهداية والخير، ويدعوهم إليه، وليبيِّنوا لهم طريق الضلال، ويحذرونهم منه، فالفائز مَن سلك طريق الرشاد، والهالك: مَن سلك طريق الغواية والضلال. * قوله: (وَذَلِكَ شَيْءٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ مِنَ المُسْلِمِينَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وَأَمَّا هَلْ يَجِبُ تَكْرَارُ الدَّعْوَةِ عِنْدَ تَكْرَارِ الحَرْبِ؟ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَمِنْهُمْ: مَنْ أَوْجَبَهَا (١)، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَحَبَّهَا (٢)، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُوجِبْهَا، وَلَا اسْتَحَبَّهَا) (٣). عرفنا أن الدعوة -إذا لم تكن سابقة في أوَّل الأمر-: فهي مطلوبة، وهذا يلتقي مع الأمثلة.

стр. 4563

لكن عند التَّكرار: فمن العلماء مَن قال: لا يدعون أصلًا؛ لأن الإسلام قد بان واتَّضح، وانتهى أمر الدعوة (١). ومنهم مَن قال: بل تكرر الدعوات أيضًا. ومنهم مَن: فصَّل القول في ذلك. وهي الإشارات التي ذكرها أيضًا المؤلف ﵀. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ). نبدأ بهذه المقدمة فنقول: أوَّلًا: إن الإسلام هو الدِّين الحق، كما قال اللَّه : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. ثانيًا: وهذا الإسلام هو الدِّين الذي لا يَقبل اللَّه ، من أحد غيره، كما قال اللَّه : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]. ثالثًا: وهذا الإسلام هو دين الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- جميعًا، كما قال : ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧]، وكما قال اللَّه تعالى أيضًا: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]. فالإسلام: هو الدِّين الذي ارتضاه اللَّه لعباده، وسيظل بإذن اللَّه -تعالى- إلى أن يرث اللَّه الأرض ومن عليها؛ وحتى إذا نزل عيسى ابن

стр. 4564

مريم ﵇ إلى الأرض، فأنه سيحكم بهذا الدِّين الخاتم (١). فهذه الشريعة الإسلامية: هي خاتمة الشرائع الإلهية، وهي المهيمنة (٢) عليها. وهذه الشريعة: فيها من الخصائص ما ليس في الشرائع الأُخرى. فالشرائع السابقة: إنما أنزلها اللَّه على الرسل ﵈، لأمة معينة، ولأوقات مخصصة؛ فجاءت مناسبة لتلك الأوقات فقط. أما هذه الشريعة الإسلامية: فهي شريعة خالدة، باقية، شاملة، تشتمل على كل ما فيه حاجة الناس. فكلُّ ما يُستجدُّ من أحداث، وما يحدث من وقائع: فإننا نجد له حلًّا في هذه الشريعة الإسلامية. فكلُّ ما يحتاجه الإنسان في سفره، أو حضره، أو في حالة فرحه، أو في حالة صحته، أو في حالة مرضه، أو في حالة موته، أو في أيِّ حال من الأحوال: فإنه يجد حكمة في هذه الشريعة الإسلامية (٣). وكذلك في كلِّ معاملات الإنسان وعلاقاته مع ربه، أو مع إخوانه، أو مع غير المسلمين أيضًا.

стр. 4565

فهذه الشريعة الإسلامية: شريعة كاملة شاملة، لا يتطرَّق إليها نقص، وما طرق العالم كله ولا وجد فيه مثل هذه الشريعة، ولا أشمل ولا أكمل منها. وذلك: أنها شريعة اللَّه ، وهو الذي أنزلها، وهو الذي كما قال في القرآن عن نفسه: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]. وهو الذي قال أيضًا: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ [غافر: ١٩]. وهو القائل: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤]. نقول: بلى يعلم كُلَّ أحوال هؤلاء القوم، وما تستقرّ به أمورهم، وما يفعلونه في هذه الحياة الدنيا، وما ينالون به جنة ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. وذلك: عندما يلقون ربهم في يوم لا ينفع فيه: ﴿مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]. * قوله: (مُعَارَضَةُ القَوْلِ لِلْفِعْلِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ ﵊: "كَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً، قَالَ لِأَمِيرِهَا: إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ). يريد المؤلف ﵀ أن يقول: إن سبب الخلاف في هذه المسألة؛ (أي: في حكم دعوة الكفار قبل قتالهم): التعارض الظاهري بين ما جاء عن رسول اللَّه ﷺ من قول في ذلك، وبين ما ورد من فعله ﷺ . فإن هذا الحديث الذي ذكره المؤلف ﵀ يدلُّ على أن الرسول ﷺ كان إذا أرسل سريَّة، أو بعث بعثًا، أمر أمير تلك السرية، أو البعث: أن يدعو أولئك الأقوام؛ إلى واحدة من خصال ثلاث -أو خلال ثلاث-

стр. 4566

يدعوهم إلى الإسلام أولًا، فإن أبوا فالجزية، فإن أبوا فالقتال (١). فهذا الحديث: هو القول الوارد عن رسول اللَّه ﷺ في ذلك. وأما الفعل الوارد عنه ﷺ : فقد جاء ظاهره مخالفًا لهذا القول. * قوله: (فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلَالٍ، فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ إِلَيْهَا: فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمُ) (٢). فشرط الحرب الذي أشرنا إليه فيما سبق: هو الدعوة؛ بدليل قول رسول اللَّه ﷺ في هذا الحديث: (فَادْعُهُمْ). وقوله: (إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلَالٍ): يدلُّ على أنها ثَلَاث. * قوله: (ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ). لقد سبق أن تكلَّمنا عن هذا الأمر الأول؛ وهو دعوة الكفار إلى الدخول في الإسلام، وبيَّنا أن هذه الدعوة: هي الغاية التي يسعى المسلمون إليها، وهي دخول الناس في الإسلام. * قوله: (فَإنْ أَجَابُوكَ: فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ). لا شكَّ أن الكفَّار إذا أجابوا المسلمين، ودخلوا في الإسلام، فهذا هو المراد والمطلوب، ولا بدَّ أن يقبل المسلمون منهم ذلك، ويكفُّوا عن قتالهم أيضًا.

стр. 4567

* قوله: (ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ المُهَاجِرِينَ). هذا الشرط: كان في أول الأمر فقط. فقد كانوا يستوطنون (١) بلاد الشرك، ونحن نعلم أنَّ من المسلمين مَن بقي بمكَّة ولم يهاجر للمدينة؛ فقد كان مَن بقي بمكة مستضعفًا. ففي مثل هذه الحالة: لا يُلزِم المسلمون مَن أسلم بالهجرة إذا كان مستضعفًا. أما الحكم العامُّ: فهو الطلب ممن يسلم من الكفار، بالتحول إلى بلاد المهاجرين. * قوله: (وَأَعْلِمْهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَأَنَّ عَلَيْهِمْ مَا عَلَى المُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا وَاخْتَارُوا دَارَهُمْ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُون كَأَعْرَابِ المُسْلِمِينَ). نقول: هنا حالتان؛ وهما: الحالة الأولى: وهي إذا ما هاجر، من أسلم من الكفار، إلى بلاد الإسلام؛ فإنه يكون لأولئك الأقوام: ما للمهاجرين المجاهدين من غنيمة، أو غيره، وعليهم ما عليهم. الحالة الثانية: وهي إذا لم يهاجر مَن أسلم من الكفار إلى بلاد الإسلام؛ فإنه يكون لأولئك الأقوام: ما يكون لعامَّة المسلمين، وليس لهم شيء من هذه الغنائم التي تكون للمهاجرين المجاهدين؛ كما سيأتي النصُّ على ذلك في كلام المؤلف ﵀.

стр. 4568

قوله: (يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى المُؤْمِنِينَ). يعني: أنه يَجْرِي على هؤلاء الذين أسلموا من الكفار، ولكن امتنعوا عن الهجرة إلى دار الإسلام: حُكْمُ اللَّهِ ؛ فتسري عليهم سائر أحكام الإسلام التي تسري على أهله المُؤْمِنِينَ. قوله: (وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الفَيْءِ، وَالغَنِيمَةِ نَصِيبٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ المُسْلِمِينَ). فلو بقي هؤلاء الذين أسلموا من الكفَّار في بلادهم، ولم يهاجروا لدار الإسلام: فلا حقَّ لهم فِي الفَيْءِ، وَالغَنِيمَةِ؛ التي يَمُنُّ الله بها على المهاجرين المجاهدين، هذا هو الأصل. أما لو ظلُّوا في بلادهم، ولكن جاهدوا مَعَ المُسْلِمِينَ: فإنهم بذلك يستحقون الأخذ من هذه الغنائم. قوله: (فَإِنْ هُمْ أَبَوْا، فَادْعُهُمْ إِلَى إِعْطَاءِ الجِزْيَةِ (١)). يعني: لو امتنع الكفار عن قبول الأمر الأول وهو الدعوة، ورفضوا الدخول في الإسلام؛ فينتقل المسلمون إلى المرحلة الثانية؛ وهي طلب الجِزْيَةِ منهم؛ فيطلب منهم المسلمون إعطاء الجزية، أي: دفع الجزية للمسلمين. و"الجزية": قدرٌ من المال يُفرَض على الكافر الممتنع عن الدُّخول في الإسلام. وقد تكلَّم العلماء عن الجزية وأحكامها، ومما بيَّنوه من مسائل: (١) هل هذه الجزية عامَّة فتُطلب من كلِّ كافر، وتؤخذ منه؟ (٢).

стр. 4569

(٢) أو أنها خاصَّة بأهل الكتاب فقط دون المشركين؟ (١). (٣) وهل تؤخذ ممن له شبهة كتاب كالمجوس؟ (٢). (٤) وهل يُستثنى من ذلك مشركو العرب فلا يدخلون في ذلك؟ (٣). (٥) أو هل يُستثنى من ذلك قريش وحدها؟ (٤). قوله: (فَإِنْ أَجَابُوا، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ). أي: إن أجابَ الكفار إلى المرحلة الثانية والتي هي دفع الجزية: فيلزم أن يقبل المسلمون منهم ذلك، ويكفوا عنهم فلا يقاتلوهم. قوله: (فَإِنْ أَبَوْا، فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَقَاتِلْهُمْ). أي: إن أبى الكفَّار دخول في الإسلام، ورفضوا قبول الدعوة، وامتنعوا عن أداء الجزية كذلك؛ فلا يبقى حينئذ أمام المسلمين إلا السيفُ!. وهذه: هي المرحلة الثالثة. وقد نبَّه رسول الله ﷺ قائد السرية إلى الاستعانة بالله قبل قتاله لهم؛ حيث قال له: "فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَقَاتِلْهُمْ" (٥). وكان النبي ﷺ إذا أرسل سرية، أو بعث جيشًا: يأمرهم أن يبدؤوا ببسم الله، ويقاتلوا باسم الله، وأن يكبِّروا الله ، وأن يستعينوا بالله على أعدائهم (٦).

стр. 4570

قوله: (وَثَبَتَ مِنْ فِعْلِهِ ﵊: "أَنَّهُ كَانَ يُبَيِّتُ لِلْعَدُوِّ، وَيُغِيرُ عَلَيْهِمْ مَعَ الغَدَوَاتِ" (١)). نعلم أنَّ رسول الله ﷺ أغار على بني المصطلق؛ وهي قبيلة، أو حيّ من أحياء خزاعة. وأما "خزاعة": فهي قبيلة كبيرة من قبائل العرب، وقد أغار رسول الله ﷺ عليهم، على غِرَّة منهم، أي: غفلة. وكانت أنعامهم تُسقَى على الماء؛ فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم. وكان ممن قد وقع في الأسر: جويرية ابنة الحارث، والتي صارت بعد ذلك إحدى زوجات رسول الله ﷺ (٢). قوله: (فَمِنَ النَّاسِ وَهُمُ الجُمْهُورُ (٣): مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ فِعْلَهُ

стр. 4571

نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ فِي أَوَّلِ الإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ تَنْتَشِرَ الدَّعْوَةُ بِدَلِيلِ دَعْوَتِهِمْ فِيهِ إِلَى الهِجْرَةِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ رَجَّحَ القَوْلَ عَلَى الفِعْلِ؛ وَذَلِكَ بِأَنْ حَمَلَ الفِعْلَ عَلَى الخُصُوصِ (١)، وَمَنِ اسْتَحْسَنَ الدُّعَاءَ، فَهُوَ وَجْهٌ مِنَ الجَمْعِ) (٢). أولى هذه الآراء الثلاثة: لا شكَّ أنَّ الرأي الثالث، والذي أشرنا إليه: هو الأولى؛ لما فيه من الجمع بين الأدلة، وخروج من الخلاف. فتكرار دعوة الكفار قبل قتالهم من قِبَل قائد الجيش أو السرية، أو من عموم أفراده: شيء طيب. فإن لم تتكرر: فلا إثمَ على مَن لم يفعلها؛ لأن الدعوة قد بلغت أولئك الأقوام من الكفار المقاتلين. ولذلك لمَّا سُئل الإمام أحمد عن مثل هذه القضية؟ قال: كان ذلك في أول الإسلام (٣)، أما بعد أن انتشر الإسلام، وامتدَّ ضياؤه في كلِّ مكان: فإن الدعوة أصبحت كافية في ذلك عن تكرارها. ونحن نرى الإسلام الآن: موجودا - بفضل الله في كلِّ مكان؛ حتى في البلاد التي لا تدين بالإسلام أصلًا، فنجد أنه يعيش فيها عدد من المسلمين.

стр. 4572

قال المصنف رحمه الله تعالى: (الفَصلُ الخَامِس فِي مَعْرِفَةِ العَدَدِ الَّذِينَ لا يَجُوزُ الفِرَارُ عَنْهُمْ) نحن نعلم أن المسلمين كانوا في بداية الأمر: قلَّة، وكان هذا هو حالهم عندما نزل الوحي على رسول الله ﷺ . وكان أوَّل مَن أسلم من الرجال: هو أبو بكر الصديق ﵁ (١). ومن الصبيان: عليّ بن أبي طالب ﵁؛ وما هو معروف لدينا جميعًا (٢). ثم أخذ الناس بالدخول في الإسلام؛ فزاد عدد المسلمين شيئًا فشيئًا؛ حتى تكونت مجموعة، ولكن كان المسلمون في حالة ضعف إذا ما قورنوا بأعدائهم؛ لقلَّة عددهم، ثم مرَّت الأيام، والشهور، والسنون؛ إلى أن كَثُر عدد المسلمين؛ فتحوَّلوا إلى المدينة النبوية، وكانوا لا يزالون في حالة ضعف، ثم وقعت غزوة بدر الكبرى بحمد الله تعالى، والتي فصل الله فيها بين الحقِّ والباطل، ونصر فيها المؤمنين على أعدائهم، وأسروا ذلك العدد الكبير منهم، والذي بلغ ثلاثة وسبعين؛ فحينئذ: ظهرت قيمة المسلمين، ومكانتهم، وهيبتهم بين القبائل أيضًا. ثم وقعت غزوة أحد، وكان النصر فيها في بداية الأمر للمؤمنين،

стр. 4573

ثمَّ حصل ما حصل فيها من مخالفة بعض الرماة لأمر رسول الله ﷺ ، فنزل بهم ما نزل بسبب مخالفتهم. ثم كانت غزوة الأحزاب، وفيها تجمَّع المشركون من كل مكان، فأحاطوا بالمدينة وطوقوا المسلمين. قوله: (وَأَمَّا مَعْرِفَةُ العَدَدِ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ الفِرَارُ عَنْهُمْ). كان العدد أول الأمر: أن يقف المسلم أمام العشرة من الكفار؛ وذلك لقول الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥]. ثم قال الله : ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦]. ثم تغيَّر الحال، وأصبح الواحد من المسلمين يقف مقابل الاثنين من الكفار، وهذا له شروطه المعروفة؛ لأنه يجب في هذه الحالة مقابلة المسلمين لأعداد. وهنا: يجب أن يثبت المسلمون أمام أعدائهم، ويحرم عليهم الفرار، ومما يدلُّ على ذلك ما يلي: أوَّلًا: قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ [الأنفال: ١٥ - ١٦]. ثانيًا: وقول أيضًا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]. ثالثًا: ما ورد في الحديث أن رسول الله ﷺ عندما عدَّ السبع الموبقات التي بدأها بقوله ﷺ : "اجتنبوا السبع الموبقات"، فقال الصحابة:

стр. 4574

"قلنا: يا رسول اللّه، وما هن؟ " قال: "الإشراك باللَّه"، ثم ذكر منها: "والتولي يوم الزحف" (١). فالتولِّي يوم الزحف (٢): محرَّم لكن ذلك لا يتم إلا بشروط. والمؤلف ﵀ قد مرَّ على هذه المسألة مرور الكرام!، ولعلَّه سيعود إليها مرة أُخرى. الشرط الأول: ألا يزيد عدد الكفار عن ضعف عدد المسلمين، وذلك بعد أن خفف الله الأمر على المؤمنين. أما لو زاد عدد الكفار عن ضعف عدد المسلمين: فيكون في ذلك مخرج للمؤمنين، لكن مع ذلك: يجوز لهم أن يثبتوا، وأن يصبروا؛ حتى لو قتلوا؛ لأن المسلم لو قتل في هذه الحالة: فسيكون فداءً في سبيل الله. الشرط الثاني: ألا يقصد بفراره إلا التحرف، أو التحيُّز إلى فئة أُخرى من المسلمين. ودليل ذلك: قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ [الأنفال: ١٥ - ١٦]. فقوله تعالى: ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾: هذا هو المخرج الأول للمسلمين، ومعنى: ﴿مُتَحَرِّفًا﴾ (٣)، أي: أن ينتقل المجاهد من حال إلى حال، فربما يكون في موقع يكون أصلح للأعداء، فيتحول من هذا

стр. 4575

المكان، إلى مكان أنفع له وأوفر، أو أن ينتقل من مكان ضيِّق، إلى مكان أوسع، أو أن يجعل خلفه جبلًا مثلًا. وقوله تعالى: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا (١) إِلَى فِئَةٍ﴾: هذا هو المخرج الثاني للمسلمين. فللمجاهد المسلم كذلك أيضًا: أن ينتقل من صفوف هؤلاء الأعداء ويتزحزح عنها، وينحاز إلى فئة أُخرى من المسلمين؛ فيقوى بتلك الفئة، ونحو ذلك من الأُمور التي ذكرها الفقهاء، فهذا هو الشرط الثاني متمثلًا في هاتين الحالتين؛ فحينئذ يكون معذورًا. أما مَن صبر من المؤمنين المجاهدين، واحتسب، وثبت: فإنه سينال الثواب. وقد قال الله : ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]. ونحن نعلم كم كان عدد المؤمنين في مقابل أعداء الله في شتى الحروب، وفي مواقف كثيرة، وكذلك في حروب الروم، وحروب الفرس؛ فقد كانت الانتصارات تتوالى للمسلمين - بفضل الله - مع أن مع الكفار من العتاد والعدة ما يفوق الذي مع المؤمنين، ومع ذلك نصر الله المؤمنين؛ وذلك لأن الله وعدهم بنصره، ووعده تعالى حقٌّ، وذلك في أكثر من موضع في القرآن، ومن ذلك: الموضع الأول: قول الله : ﴿ … وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١]. الموضع الثاني: وقال الله : ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].

стр. 4576

الموضع الثالث: وقال الله ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]. فالله ينصر المؤمنين - لا محالة -؛ إذا صدقوا مع الله . أما إذا تخاذلوا، وانشغلوا بالملذات، وانصرفوا إلى ما حرم الله : فإن الله تعالى يتخلَّى عنهم في هذه الحالة؛ حتى يعودوا إلى ما يجب أن يكونوا عليه. وخير مثال على ذلك: الواقعة العظمى - والتي ربما ما وقع بالمسلمين أشنع منها - لما جاء المغول من أقصى الشرق، لا يمرون على أمَّة ولا على بلد إلا جعلوه بمثابة التراب، ثم بعد ذلك أنزلوا بالمؤمنين ما أنزلوا، في عاصمة الإسلام في ذلك الوقت وهي دار السلام بغداد (١). فلما رجع المسلمون إلى الله ، واتَّحدت كلمتهم، وتعاونوا على التقوى، وأصلحوا ما وقعوا فيه: عادت إليهم عزتهم، فنصرهم الله على أعدائهم، فأذاقوهم كأس الموت؛ كما أذاقوه للمؤمنين. وهذا هو شأن الله مع المؤمنين؛ كما قال : ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]. إذن: فقد تبيَّن بهذا أن العدد الذي ورد بعد التخفيف: هو واحد إلى اثنين. لكن مع ذلك: ربما يكون عدد المسلمين، أقل من عدد أعدائهم، وينصرهم الله . وربما أيضًا يكون عدد المسلمين متساويًا مع عدد أعدائهم، ويكون للمشركين أيضًا قوة: ولكن الله جعل لكل ذلك مخرجًا. وستأتي مسائل نتكلم عنها إن شاء الله ذات علاقه بهذا الموضوع.

стр. 4577

قوله: (فَهُمُ الضِّعْفُ). يعني: أن الألف من المسلمين، يقابل ألفين من أعدائهم، ولا يجوز فرار المسلمين من أمامهم. قوله: (وذلك مُجْمَعٌ عليه (١)؛ لقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٦٦]). فقد كان الواحد يلزمه الوقوف أمام العشرة في أول الأمر؛ ثم قال الله في الآية التي تليها: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفً﴾ [الأنفال: ٦٦]، فخفَّف الله على المؤمنين؛ فصار الواحد يقف أمام الاثنين فقط، ولا يفرُّ من أمامهم. قوله: (وَذَهَبَ ابْنُ المَاجِشُون، وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ الضِّعْفَ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي القُوَّةِ، لَا فِي العَدَدِ!) (٢). هذا القول في حقيقة الأمر: ضعيف، وإنما القول المشهور:

стр. 4578

هو الذي عرض له المؤلف ﵀ قبل، وهذا هو قول الأئمة، وغيرهم؛ أن العبرة بالعدد. أما القوة: فتختلف من شخص إلى آخر؛ فقد تجد شخصًا قويًّا، ولكن ليس عنده شجاعة!، وربما تجد إنسانًا ضعيفًا في بدنه؛ لكن لديه من الشجاعة والمغامرة وقوة اليقين ما ليس عند غيره. قوله: (وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَفِرَّ الوَاحِدُ عَنْ وَاحِدٍ إِذَا كَانَ أَعْتَقَ جَوَادًا مِنْه، وَأَجْوَدَ سِلَاحًا، وَأَشَدَّ قُوَّةً). نلفت النظر هنا لقصة أمير المؤمنين عمر ﵁، وقد ذكروها في كتب الفقه، فقد كان يومًا وهو على المنبر يخطب في الناس ويعظهم، وكان الناس يستمعون إليه، فنادى بأعلى صوته: يا سارية الجبل!، فاستغرب الذين كانوا يستمعون إلى خطبة وموعظة عمر ﵁ من قوله هذا وأنكروه، فلما نزل ﵁ من خطبته سألوه، فبيَّن لهم أن جيشًا للمسلمين بقيادة سارية، يحارب في جزيرة، فأراد عمر ﵁ أن ينحاز سارية بمَن معه من المقاتلين إلى الجبل. ولمَّا عاد سارية بالجيش، وسأله الناس أخبرهم بأنه سمع صوت عمر ﵁، وأطاعه، وكان بذلك النصر للمسلمين على أعدائهم (١). فهذا الموقف الذي نُقل عن عمر ﵁؛ يدلُّ على إرادة الله ؛ فهو الذي بلغ صوته من المدينة إلى سارية في تلك الجزيرة النائية!، وهذا من كرامات (٢)

стр. 4579

الصالحين والأولياء؛ بخلاف الكرامات التي يدَّعيها من ليس أهلًا لها. قال المصنف رحمه الله تعالى: (الفَصْلُ السَّادِس: فِي جَوَازِ المُهَادَنَةِ (١)) المقصود بالمهادنة: هي عقد الهدنة؛ فيقال لها: المهادنة، والهدنة أيضًا. ويقال: المعاهدة، والعهد أيضًا، والمراد: أن يهادن أو يعاهد المسلمون أعداءهم، مدَّة من الزمن، على أن يقف القتال بين الفريقين، سواء كان ذلك بعوضٍ، أو بغير عوض. وربما يحصل ذلك بعوض، وذلك بأن يتَّفق المسلمون مع أعدائهم، على أن يدفع الكفار عوضًا للمسلمين، فيتوقف القتال بين الطرفين. أو يحصل ذلك بغير عوض، كما كان في صلح الحديبية (٢)، ونحن نعلم أنَّ هناك مَن رأى أن صلح الحديبية إنما كان يسير في مصلحة قريش، وليس في مصلحة المؤمنين، لكنهم نسوا أن الذي فعل ذلك: إنما هو رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، وهو المدرك لما فيه مصلحة المؤمنين. وقد تبيَّن أن قريشًا لم تفِ بهذا العهد، وقد اشتدَّ عود المؤمنين وقويت شوكتهم، وزاد عددهم وعدتهم، وكثر الذين دخلوا في الإسلام؛

стр. 4580

فأصبحت لهم القوة، والهيبة، والمكانة، وأنزل الله رهبتهم في صدور أعدائهم، وسيأتي الكلام عن ذلك إن شاء الله تفصيلًا. قوله: (فَأَمَّا هَلْ تَجُوزُ المُهَادَنَةُ؟ فَإِنَّ قَوْمًا أَجَازُوهَا ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ إِذَا رَأَى ذَلِكَ الإِمَامُ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ) (١). علة هذا: أن الأمر راجع لما يراه الإمام، فإنه ينظر إلى ما فيه مصلحة المؤمنين، وقد يظهر له ما لا يظهر لغيره؛ لأنه يدرك ما يدركه عامة الناس، ويعرف ما عرفوا وزيادة، وهذا من باب السياسة الشرعية، وهو جائز، فله أن يعقد الهدنة مع الأعداء؛ إذا كان ذلك في مصلحة المؤمنين، وله أن يحدِّدها بزمن قريب، أو بعيد، وله أن يبدلها، وكل هذا يرجع إلى المصلحة العامَّة للأمة. قوله: (وَقَوْمٌ لَمْ يُجِيزُوهَا إِلَّا لِمَكَان الضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ لِأَهْلِ الإِسْلَامِ مِنْ فِتْنَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ) (٢).

стр. 4581

حقيقة الأمر: أنه لا خلاف في جواز مهادنة المسلمين لأعدائهم في حالة الضرورة. فإذا كان المسلمون في حالة ضعف، ويخشى الإمام أن يتسلَّط عليهم العدو، ويفتك بهم ويقتلهم؛ فله أن يعقد معهم مهادنة في هذه الحالة بلا خلاف. لكن في حالة السعة: هل يجوز ذلك، أو لا يجوز؟ (١). للعلماء أقوال متعددة في ذلك سيعرضها المؤلف ﵀ في هذا الكتاب. قوله: (إِمَّا بِشَيْءٍ يَأْخُذُونَهُ مِنْهُمْ لَا عَلَى حُكْمِ الجِزْيَةِ). فقد يكون في المسلمين ضعف شديد، وربما يكون فيهم أيضًا اختلاف - كما ذكرنا قبل قليل - عن حال المسلمين أيام التفرق، فالدولة الإسلامية كما نعلم مرَّت بفترات ضعف، بعد أن كانت قد بلغت القمة في عزَّتها، وارتقت لأعلى درجات المجد في أوائل العصر العباسي. فهذا خليفة المسلمين هارون الرشيد، كان ينظر إلى السحابة - وهي في السماء - ويقول لها: أمطري حيث شئت؛ فسيأتيني خراجك! (٢). فهذا دليل على اتساع رقعة الدولة الإسلامية، وانتشارها، وامتدادها في كل مكان. ثم أخذ الضعف يدبُّ في تلك الدولة الإسلامية، إلى أن وصلت إلى

стр. 4582

ما وصلت إليه الآن مما لا يخفى على أحد!، فالعدو كان يطوق عاصمة المسلمين، مع اختلافهم فيما بينهم، مع أن الله قد حذَّرهم من الخلاف بقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٥]. وبقوله : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. فالخلاف: هو السبب الرئيسي الذي يضعف الدولة الإسلامية. وقد نهى الله المؤمنين عن العودة إلى الحالة التي كانوا عليها قبل الإسلام من الفرقة والخلاف، وذكرهها بنعمته عليه فقال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. فتلك: هي نقطة الضعف الخطيرة، فعندما يختلف المسلمون: تتفرق كلمتهم، وتتوزع صفوفهم، وحينئذ يطمع فيهم العدوُّ. أما عندما يلتقي المسلمون على كتاب الله ، ويلتفون حول سنة رسوله ﷺ ، ويجتمعون على كلمة سواء: فإن أعدائهم - مهما كثروا - لا يستطيعون أن يصلوا إليهم؛ لاتحاد كلمتهم، واعتصامهم بحبل الله ، وبكتابه العزيز، وبسنة رسوله ﷺ . فالغاية: ليست تحصيل الكثرة؛ فقد قال الله : ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٦]. فمع أن المسلمين كانوا كثر، بالنسبة لأعدائهم، وكانوا في غاية من القوة؛ إلا أن ذلك لم يغن عنهم شيئًا، وأنزل الله بهم ما كان!. فينبغي للمسلم دائمًا ألا تأخذه العزة بأنه أقوى من عدوه، وبأن عدده أكثر؛ بل عليه أن يطلب العزة من الله ، والنصر منه، والقوة منه؛ فهو الذي يهبها للمؤمنين.

стр. 4583

والله لا يضيع عباده الموحدين أبدًا، ولا يتركهم فريسة لأعدائهم؛ إذا أخلصوا نيَّتهم، وصدقوا مع الله تعالى. قوله: (إِذْ كانَتِ الجِزْيَةُ إِنَّمَا شَرْطُهَا أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُمْ، وَهُمْ بِحَيْثُ تَنْفُذُ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ المُسْلِمِينَ، وَإِمَّا بِلَا شَيْءٍ يَأْخُذُونَهُ مِنْهُمْ). قصد المؤلف ﵀ بذلك: أنه يجوز للإمام، أن يعقد هدنة مع أعدائه؛ إذا رأى في ذلك مصلحة للمسلمين، إما بعوض يأخذه منهم مقابل ذلك، كأن يدفعوا للمسلمين شيئًا من المال أو من الثمر أو غيرهما، أو تكون الهدنة بلا عوض مقابلها؛ فلا يأخذ المسلمون منهم شيئًا من ذلك. قوله: (وَكَانَ الأَوْزَاعِيُّ: "يُجِيزُ أَنْ يُصَالِحَ الإِمَامُ الكُفَّارَ عَلَى شَيْءٍ، يَدْفَعُهُ المُسْلِمُونَ إِلَى الكُفَّارِ") (١). هذا القول - في حقيقة الأمر -: ليس قول الإمام الأوزاعي وحده؛ كما سيأتي!. فإذا خشي الإمام على المؤمنين، أن يفتك بهم أعداؤهم، أو يستأصلوهم، ففي هذه الحالة: يجوز أن يدفع لهم مقابل تخليص أرواح المؤمنين. فالأصل في ذلك: هو الحرص على قيام هذا الدِّين. قال المصنف رحمه الله تعالى: (إِذَا دَعَتْ إِلَى ذَلِكَ ضَرُورَةُ (٢) فِتْنَةٍ، [أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، مِنَ الضَّرُورَاتِ (٣)]).

стр. 4584

هذا القول: قال به الإمام أحمد أيضًا (١) ومراد المؤلف ﵀ بعبارة (ضَرُورَةُ فِتْنَةٍ): كأن يصطلم (٢) الكفار - وهم في حالة قولة - بالمسلمين وهم في حالة ضعف، ويخشى الإمام من استئصالهم للمسلمين، وفتنتهم عن دينهم. قوله: ([وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: "لَا يُعْطِي المُسْلِمُونَ الكُفَّارَ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافُوا] (٣) أَنْ يُصْطَلَمُوا لِكَثْرَةِ العَدُوِّ وَقِلَّتِهِمْ، أَوْ لِمِحْنَةٍ نَزَلَتْ بِهِمْ") (٤). لا شكَّ أنه ربما تنزل بالمسلمين نازلة من النوازل، ويحصل لهم مثل ما يحصل لهم الآن؛ فنحن نشاهد الآن أن كلمة المسلمين ليست مجتمعة. ولو أن المسلمين عادوا إلى كتاب الله ، وإلى سنَّة رسوله ﷺ : لعاد لهم مجدهم وعزَّتهم، وكانت لهم المكانة الكبيرة بين الأمم. وقد رأينا أن الدولة التي تطبق شريعة الله ، وتعمل بها: تعيش في خير وسعا دة، وتنعم بالرفاهية، والأمن، والاستقرار. أما تلك الدول التي تُحكِّم آراء البشر وقوانينهم: فقد رأينا ما هم فيه من ضيق الحال، وما نزل بهم من الخوف والهلع، وغير ذلك من الأمور الكثيرة التي تحصل في مثل هذه المجتمعات.

стр. 4585

وهذا كله؛ لبعدهم عن كتاب الله . ولا يكفي تطبيق شريعة الله في جانب، وإهمالها في جوانب!. وإنما الواجب: هو تطبيق شريعة الله في كلِّ أمر من أُمور الحياة. وقد قال عز من قائل: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. قول: (وَمِمَّنْ قَالَ بِإِجَازَةِ الصُّلْحِ إِذَا رَأَى الإِمَامُ ذَلِكَ مَصْلَحَةً). قد ظهر للجميع - ولله الحمد - أن الذين اطلعوا على هذه الشريعة الإسلامية، وهذا الفقه الإسلامي، من المنصفين من غير المؤمنين: شهدوا لها بأنها شريعة خصبة (١)، اشتملت على حاجات الناس، بما يكفي أغراضهم، واعترفوا بأنها شريعة خالدة، وباقية. وهذه الشهادة: صدرت حقًّا من أعداء الإسلام. فإذا كانت هذه الشهادة صدرت عن الأعداء لما تجردوا ونطقوا بالإنصاف والعدل؛ فما الظن بشهادة أهل هذه الشريعة الغراء؟! قوله: (مَالِكٌ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)، وَأَبُو حَنِيفَةَ) (٤).

стр. 4586

وممن وافق الأئمة الثلاثة على هذا أيضًا: الإمام أحمد (١) كذلك. فهذا الحكم: موضع اتِّفاق بين الأئمة. قوله: (إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ الصُّلْحُ). وقد وافق الإمام أحمد (٢) أيضًا - في الرواية المشهورة عنه - الإمام الشَّافِعِيَّ في هذا. ومراد المؤلِّف ﵀: أن الإمام الشافعي (٣) - ومعه الإمام أحمد (٤) - يرى عدم جواز الصُّلْح مع الكفار لأكثر من عشر سنوات؛ وهي المُدَّة الَّتِي صالَحَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الكُفَّارَ عَامَ الحُدَيْبِيَة. وسيأتي أن العلماء اختلفوا في هذه المُدَّة (٥).

стр. 4587

لكن المشهور في الأحاديث الصحيحة (١)، وفي كتب السير والتاريخ: أنها عشر سنوات (٢). وهذه الهدنة: ليست ملزمة في أصلها، فلا يجب عقد المهادنة. لكن الوفاء بالعقود مطلوب؛ كما قال الله : ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]. أدلة مشروعية المهادنة: الأصل في حدوث المهادنة أو المعاهدة: أدلة كثيرة أجازت ذلك؛ منها: أولًا: من القرآن الكريم: قول الله : ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١)﴾ [التوبة: ١]. وقول : ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١]. ثانيًا: من السُّنة النبوية: القولية: ما ورد في قول الله : ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١)﴾ [التوبة: ١]. الفعلية: ما حصل من صلح النبي ﷺ مع المشركين يوم الحديبية أيضًا (٣).

стр. 4588

قوله: (لِأَكْثَرَ مِنَ المُدَّةِ الَّتِي صَالَحَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الكُفَّارَ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ) (١). هذه المدَّة التي صَالَحَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الكُفَّارَ عَامَ الحُدَيْبيَة: لا يجيز الإمام الشافعي، والحنابلة - في المشهور - للإمام أن يزيد عليها (٢). وقالوا: هي الحدُّ الأعلى لأيّ صلح بين المسلمين وغيرهم. وذلك: لأنها المدة التي اتفق عليها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مع كفار قريش. ولكن هناك رواية أُخرى غير مشهورة عند الحنابلة: أجاوزا للإمام أن يزيد على هذه المدة - وهي عشر سنوات - إذا رأى في ذلك مصلحة للمسلمين (٣). قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ - فِي جَوَازِ الصُّلْحِ، مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ -: مُعَارَضَةُ ظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وقَوْلِه تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة:٢٩]) هاتان الآيتان؛ وهما قول الله : ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا

стр. 4589

الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقوله : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]: عامتان. وظاهر الآية الأولى: قتل المسلمين للمشركين في أيِّ مكان وزمان. وظاهر الآية الثانية: مقاتلة المسلمين للمشركين حتى دخولهم في الإسلام، أو دفع أهل الكتاب الجزية. فالمعنى الظاهر من هاتين الآيتين: يعارض في الظاهر آية أُخرى، ستردّ في كلام المؤلف ﵀. قوله: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١]). اكتفي المؤلف ﵀ هنا بهذه الآية: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١]. وكان يناسب أيضًا أن يذكر المؤلف ﵀ آية أخرى؛ وهي قول الله : ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١]. فإلى هذه الآية الأخيرة: نصٌّ صريح في هذه المسألة - وهي المعاهدة بين المسلمين وغيرهم -. قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ آيَةَ الأَمْرِ بِالقِتَالِ حَتَّى يُسْلِمُوا، أَوْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ نَاسِخَةٌ لِآيَةِ الصُّلْحِ، قَالَ: لَا يَجُوزُ الصلْحُ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ). النسخ - كما هو متفق عليه -: يحتاج إلى دليل، ولا دليل هنا!. ولكن ينبغي أن يقال: إن الآيات التي أَمرت بالقتل والقتال: عامَّة، وقد خصصتها الآيات التي أجازت المعاهدة والسلم، وخصصها أيضًا: فعل رسول الله ﷺ يوم الحديبية.

стр. 4590

ونحن نعلم: أن سنَّة رسول الله ﷺ : منها ما هو بيان لكتاب الله ، ودليل ذلك: بنص القرآن العزيز: قول الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وقوله : ﴿لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤]. وقد بيَّن رسول الله ﷺ بسُنَّته كتاب اللّه تعالى، وأوضحه غاية الإيضاح. وكان الصحابة ﵃ إذا تعلَّموا من كتاب الله تعالى عشر آيات، لا يتجاوزوهم حتى يتعلموا ما فيهن من العلم والعمل (١). وتعلمهم هذا: يتلقوه من رسول الله ﷺ ؛ من مشكاة النبوة. قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّ آيَةَ الصُّلْحِ مُخَصِّصَةٌ لِتِلْكَ، قَالَ: الصُّلْحُ جَائِزٌ؛ إِذَا رَأَى ذَلِكَ الإِمَام، وَعَضَّدَ تَأْوِيلَهُ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ ﷺ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ صُلْحَهُ ﷺ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ لَمْ يَكُنْ لِمَوْضِعِ الضَّرُورَةِ). نعلم أن رسول الله ﷺ ، خرج مع أصحابه ﵃، من المدينة النبوية، قاصدين مكة المكرمة، فمنعتهم قريشٌ من دخولها، وصدَّتهم عن بيت الله الحرام!. فلو كان رسول الله ﷺ بقي في المدينة: لما احتاج إلى هذا الصلح!. وعليه؛ فالرسول ﷺ فعل ذلك من غير ضرورة؛ كما ذكر المؤلف ﵀ هنا. ولكن لا ينفي هذا: أن يكون رسول الله ﷺ فعل هذا الصلح لحكمة، وقد خفيت هذه الحكمة على الصحابة ﵃ أول الأمر.
следующие страницы →