وممن وافق الأئمة الثلاثة على هذا أيضًا: الإمام أحمد (١) كذلك.
فهذا الحكم: موضع اتِّفاق بين الأئمة.
قوله: (إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ الصُّلْحُ).
وقد وافق الإمام أحمد (٢) أيضًا - في الرواية المشهورة عنه - الإمام الشَّافِعِيَّ في هذا.
ومراد المؤلِّف ﵀: أن الإمام الشافعي (٣) - ومعه الإمام أحمد (٤) - يرى عدم جواز الصُّلْح مع الكفار لأكثر من عشر سنوات؛ وهي المُدَّة الَّتِي صالَحَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الكُفَّارَ عَامَ الحُدَيْبِيَة.
وسيأتي أن العلماء اختلفوا في هذه المُدَّة (٥).
стр. 4587
لكن المشهور في الأحاديث الصحيحة (١)، وفي كتب السير والتاريخ: أنها عشر سنوات (٢). وهذه الهدنة: ليست ملزمة في أصلها، فلا يجب عقد المهادنة.
لكن الوفاء بالعقود مطلوب؛ كما قال الله : ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤].
أدلة مشروعية المهادنة:
الأصل في حدوث المهادنة أو المعاهدة: أدلة كثيرة أجازت ذلك؛ منها:
أولًا: من القرآن الكريم:
قول الله : ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١)﴾ [التوبة: ١]. وقول : ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١].
ثانيًا: من السُّنة النبوية:
القولية: ما ورد في قول الله : ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١)﴾ [التوبة: ١].
الفعلية: ما حصل من صلح النبي ﷺ مع المشركين يوم الحديبية أيضًا (٣).
стр. 4588
قوله: (لِأَكْثَرَ مِنَ المُدَّةِ الَّتِي صَالَحَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الكُفَّارَ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ) (١).
هذه المدَّة التي صَالَحَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الكُفَّارَ عَامَ الحُدَيْبيَة: لا يجيز الإمام الشافعي، والحنابلة - في المشهور - للإمام أن يزيد عليها (٢).
وقالوا: هي الحدُّ الأعلى لأيّ صلح بين المسلمين وغيرهم.
وذلك: لأنها المدة التي اتفق عليها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مع كفار قريش.
ولكن هناك رواية أُخرى غير مشهورة عند الحنابلة: أجاوزا للإمام أن يزيد على هذه المدة - وهي عشر سنوات - إذا رأى في ذلك مصلحة للمسلمين (٣).
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ - فِي جَوَازِ الصُّلْحِ، مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ -: مُعَارَضَةُ ظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وقَوْلِه تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة:٢٩])
هاتان الآيتان؛ وهما قول الله : ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا
стр. 4589
الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقوله : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]: عامتان.
وظاهر الآية الأولى: قتل المسلمين للمشركين في أيِّ مكان وزمان.
وظاهر الآية الثانية: مقاتلة المسلمين للمشركين حتى دخولهم في الإسلام، أو دفع أهل الكتاب الجزية.
فالمعنى الظاهر من هاتين الآيتين: يعارض في الظاهر آية أُخرى، ستردّ في كلام المؤلف ﵀.
قوله: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١]).
اكتفي المؤلف ﵀ هنا بهذه الآية: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١]. وكان يناسب أيضًا أن يذكر المؤلف ﵀ آية أخرى؛ وهي قول الله : ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١].
فإلى هذه الآية الأخيرة: نصٌّ صريح في هذه المسألة - وهي المعاهدة بين المسلمين وغيرهم -.
قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ آيَةَ الأَمْرِ بِالقِتَالِ حَتَّى يُسْلِمُوا، أَوْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ نَاسِخَةٌ لِآيَةِ الصُّلْحِ، قَالَ: لَا يَجُوزُ الصلْحُ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ).
النسخ - كما هو متفق عليه -: يحتاج إلى دليل، ولا دليل هنا!.
ولكن ينبغي أن يقال: إن الآيات التي أَمرت بالقتل والقتال: عامَّة، وقد خصصتها الآيات التي أجازت المعاهدة والسلم، وخصصها أيضًا: فعل رسول الله ﷺ يوم الحديبية.
стр. 4590
ونحن نعلم: أن سنَّة رسول الله ﷺ : منها ما هو بيان لكتاب الله ، ودليل ذلك: بنص القرآن العزيز:
قول الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وقوله : ﴿لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤].
وقد بيَّن رسول الله ﷺ بسُنَّته كتاب اللّه تعالى، وأوضحه غاية الإيضاح.
وكان الصحابة ﵃ إذا تعلَّموا من كتاب الله تعالى عشر آيات، لا يتجاوزوهم حتى يتعلموا ما فيهن من العلم والعمل (١).
وتعلمهم هذا: يتلقوه من رسول الله ﷺ ؛ من مشكاة النبوة.
قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّ آيَةَ الصُّلْحِ مُخَصِّصَةٌ لِتِلْكَ، قَالَ: الصُّلْحُ جَائِزٌ؛ إِذَا رَأَى ذَلِكَ الإِمَام، وَعَضَّدَ تَأْوِيلَهُ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ ﷺ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ صُلْحَهُ ﷺ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ لَمْ يَكُنْ لِمَوْضِعِ الضَّرُورَةِ).
نعلم أن رسول الله ﷺ ، خرج مع أصحابه ﵃، من المدينة النبوية، قاصدين مكة المكرمة، فمنعتهم قريشٌ من دخولها، وصدَّتهم عن بيت الله الحرام!.
فلو كان رسول الله ﷺ بقي في المدينة: لما احتاج إلى هذا الصلح!. وعليه؛ فالرسول ﷺ فعل ذلك من غير ضرورة؛ كما ذكر المؤلف ﵀ هنا.
ولكن لا ينفي هذا: أن يكون رسول الله ﷺ فعل هذا الصلح لحكمة، وقد خفيت هذه الحكمة على الصحابة ﵃ أول الأمر.
стр. 4591
فقد لاحظ بعض الناس ضعفًا في ذلك الصلح، في جانب المؤمنين، ولكن كانت النتيجة: النصر والتمكين للمسلمين.
فرسول الله ﷺ لا يفعل إلا ما فيه خير للمؤمنين، عاجلًا، أو آجلًا.
قوله: (وَأَمَّا الشَّافِعِيّ، فَلَمَّا كَانَ الأَصْلُ عِنْدَهُ الأَمْرَ بِالقِتَالِ حَتَّى يُسْلِمُوا، أَوْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ، وَكَانَ هَذَا مُخَصَّصًا عِنْدَهُ بِفِعْلِهِ ﵊ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ، لَمْ يَرَ أَنْ يَزْدَادَ عَلَى المُدَّةِ الَّتِي صَالَحَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ).
لقد علمنا أن هذا - كما قلنا - مشهور مذهب الإمام أحمد.
قوله: (وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذِهِ المُدَّةِ؟ فَقِيلَ: كَانَتْ أَرْبَعَ سِنِينَ (١)، وَقِيلَ: ثَلَاثًا (٢)، وَقِيلَ: عَشْرَ سِنِينَ (٣)، وَبِذَلِكَ قَالَ: الشَّافِعِيُّ) (٤).
يحكي المؤلف ﵀ في هذه المسألة: ثلاثة أقوال للعلماء فقط!.
وهناك قول رابع: وهو أن مدة الصلح كانت سنتين (٥). وأصحُّ هذه الأقوال الأربعة وأشهرها: أنها عشر سنين.
стр. 4592
ولعلَّ سبب التباين بين هذه الأقوال الأربعة:
أنَّ كفار قريش خانوا العهد الذي كان بينهم وبين المسلمين، ونقضوا أيمانهم كما نعلم: فانقطعت المدة المتفق عليها في العقد، وصارت المدة الفعلية: أقل من عشر سنوات؛ فهذا هو تفسير هذا الاختلاف للعلماء في مدة الصلح.
فمن قال: (عشر سنوات) نظر للمدَّة المتفق عليها في العقد.
ومن قال: (سنتين، أو ثلاث سنوات، أو أربع سنوات) نظر للمدَّة الفعلية.
وأما سبب ذلك: فنحن نعلم أنه قد حصل خلاف، بين قبيلة خزاعة، وقبيلة بكر، وقد كانت قبيلة خزاعة حليفة لرسول الله ﷺ وللمؤمنين، وكانت قبيلة بكر: حليفة لكفار قرش.
فانحازت قريش لقبيلة بكر، وأعانها بعض كفار قريش، وسكت الباقون منهم، والساكت إنما هو مقرّ.
فوجد رسول الله ﷺ أن ذلك نقضًا من قريش للعهد؛ فحينئذ توجَّه لفتح مكَّة، - الفتح المشهور - الذي قال الله عنه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢)﴾ [النصر: ١ - ٢].
قوله: (وَأَمَّا مَنْ أَجَازَ أَنْ يُصَالِحَ المُسْلِمُونَ المُشْرِكِينَ: بِأَنْ يُعْطُوا لَهُمُ المُسْلِمُونَ شَيْئًا).
هنا ينتقل المؤلف ﵀ بعد كلامه السابق عن مطلق الصلح، إلى الحديث عن الصلح مع المشركين بعوض يدفعه المُسْلِمُونَ.
فالصلح أنواع ثلاثة:
النوع الأول: صلح بغير بعوض من الطرفين (المسلمين، والكفار).
النوع الثاني: صلح بعوض، يقدمه الكفار للمسلمين.
стр. 4593
النوع الثالث: صلح بعوض، يقدمه المسلمون للكفار.
فكلام المؤلف ﵀ هذا عن النوع الثالث.
قوله: (إِذَا دَعَتْ إِلَى ذَلِكَ ضَرُورَةُ فِتْنَةٍ (١)، أَوْ غَيْرُهَا؛ فَمَصِيرًا إِلَى مَا رُوِيَ: "أَنَّهُ كَانَ ﵊ "قَدْ هَمَّ أَنْ يُعْطِيَ بَعْضَ تَمْرِ المَدِينَةِ لِبَعْضِ الكُفَّارِ الَّذِينَ كَانُوا فِي جُمْلَةِ الأَحْزَابِ" (٢)).
هذه المسألة من المسائل المهمة.
وسيتبين لنا منها: كيف كان موقف أصحاب رسول الله ﷺ ؟ وكيف كانت استجابتهم لما ينزل على رسول الله ﷺ من الوحي، سواء كان ذلك في كتاب الله ، أو في سُنَّة رسول الله ﷺ ؟
فقد ورد في ذلك روايتان:
الرواية الأولى: أن رسول الله ﷺ أرسل إلى عيينة بن حصن - وهو رجل معلوم كان زعيم قبيلة -؛ يعرض عليه ثلث تمر الأنصار ويرجع بقومه.
وأصل القصة: أن يهود بني النضير، لما أجلاهم رسول الله ﷺ ، من المدينة النبوية، إلى أرض خيبر؛ بسبب غدرهم وخيانتهم، لم يقفوا عند ذلك الغدر وتلك الخيانة! - وهذا هو شأن اليهود كما نعلم -.
فقد ذهب زعيمهم إلى كفار قريش، وأخذ يحرِّضهم على قتال رسول الله ﷺ وعلى قتال المؤمنين في المدينة النبوية، وبعدهم بالنصر، وبالإعانة؛ حتى استطاع أن يؤثِّر فيهم، فاستجابوا له.
ثم انتقل زعيم يهود هذا، بعد ذلك إلى قبيلة أُخرى؛ ففعل معهم ما
стр. 4594
فعل مع كفار قريش، فاستجابوا له؛ فتجمعت الأحزاب من كلِّ مكان، وقدِمُوا إلى المدينة النبوية، لمحاربة رسول الله ﷺ والمسلمين، وكانوا عددًا كبيرًا، ومع ذلك، أخذوا يتَّصلون بقبيلة يهود بني قريظة أيضًا، والتي كانت تسكن المدينة النبوية في ذلك الوقت، وأخذوا يغرونهم؛ حتى نقضوا العهد مع رسول الله ﷺ .
فتحزَّب الأحزاب على رسول الله ﷺ والمسلمين، وعندما علم بذلك: استشار أصحابه في كيفية مجابهة هذه الأعداد الغفيرة؟
وقد كان عدد المسلمين وقتها قليلًا؛ فقيل: سبعمائة، وقيل: ثلاثة آلاف.
فأشار عليه سلمان الفارسي ﵁ بحفر الخندق حول المدينة؛ فجعلوا ظهورهم إلى جبل، ووجوههم إلى جبل في الشرق، وكان الخندق يحول بينهم وبين الكافرين (١).
وأعان رسول الله ﷺ أصحابَه ﵃، في حفر الخندق، وفي نقل التراب (٢).
ولما جاء المشركون ليحيطوا بالمدينة فوجئوا بهذا الخندق، فأقام بعضهم في جهة الشرق، قريبًا من جبل أحد، وهم قريش، في أوائل المدينة.
стр. 4595
وهؤلاء هم الذين أشار الله إليهم بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾ [الأحزاب: ٩ - ١١].
إلى آخر الآيات التي تعرض لذلك، والكلام عن ذلك يطول.
ومحلُّ الشاهد الذي نحتاج إليه هنا في هذا المقام: هو أنَّ رسول الله ﷺ بعث إلى عيينة بن حصن - وهو زعيم قومه - كما جاء في بعض الروايات: "يعرض عليه ثلث تمر الأنصار؛ مقابل أن يرجع بقومه وأن يخرج الأحزاب؟ فأبى ذلك، واشترط أن يعطيه رسول الله ووخص نصف ذلك التمر، فما كان من رسول الله ﷺ إلا أن استشار: سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ؟ فأبوا ذلك" (١).
وفي رواية أُخرى: أن زعيمًا من زعماء الكفار ممن كانوا مع الأحزاب، أرسل إلى رسول الله ﷺ يطلب منه نصف تمر المدينة، مقابل أن يخرج عن الأحزاب؟ فما كان من رسول الله ﷺ إلا أن قال: "حتى أسأل السعود") (٢).
стр. 4596
و"السعود": هم سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، وسعد بن زرارة، وسعد بن الربيع. وقيل: غير هؤلاء أيضًا معهم.
أما موقف الأنصار ﵃ من هذا العوض مقابل الصلح، فهو أنهم سألوا رسول الله ﷺ قائلين له: أهذا من الوحي؟
يعني: إن كان هذا هو أمر الله ، فعلى العين والرأس، فنستجيب له. أو هو رأي واختيار رسول الله ﷺ ؟
وإن كان كذلك: فهل هو على سبيل المشورة؟
فلما أخبرهم رسول الله ﷺ أنه ليس بوحي، قالوا: فوالله يا رسول الله ﷺ ، قد كانوا في السِّنَة - يعني: أيام الجدب، ونحوه - يأتون المدينة، يطوفون حولها، فما يستطيع أحد منهم أن يضع قدمه فيها، ولا أن يحصل على تمر منها، إلا عن طريق الشراء، أو ما يقدم للضيف، فإذا كان هذا حالهم في الجاهلية؛ فكيف يكون في الإسلام؟!
وقد أعزَّنا الله بالإسلام، وأعزَّنا برسوله ﷺ ، فليس بيننا وبينهم إلا السيف!
فما كان من رسول الله ﷺ إلا أن قال: نعم إذن.
فرسول ﷺ أراد أن يختبر الأنصار ﵃، ليرى ما عندهم من القوَّة والضعف، فلم يجد عندهم إلى القوة التي بنيت على قوة الإيمان؛ كالحال بالنسبة لإخوانهم المهاجرين ﵃.
стр. 4597
ونسوق قصة حذيفة ﵁ يومها باختصار:
فقد عرض رسول الله ﷺ على أصحابه ﵃، أن يذهب أحدهم إلى المشركين، فيدخل فيهم، ويتخلل بين صفوفهم؟
فلم يجبْه أحدٌ، فاختار رسول الله ﷺ حذيفة بن اليمان ﵁، ودعا له رسول الله ﷺ .
فذهب، ودخل في صفوف المشركين، وقام أبو سفيان ﵁ ولم يكن أسلم يومها فقال للمشركين: لينظر كل إنسان إلى من بجواره؟
فسبق حذيفة بن اليمان ﵁ فقال للذي بجواره: من أنت؟ - حتى لا يعطيه الفرصة ليسأله فينكشف أمره - فقال الرجل لحذيفة ﵁: أنا فلان.
وهذه القصة: مشهورة، ومعروفة في أحاديث رسول الله ﷺ ، وفي كتب السير والتفسير.
وقد رجع حذيفة ﵁ بخبر أولئك الأقوام، إلى رسول الله ﷺ ، وفي طريق عودته إلى المسلمين: أخذ سهمًا من كنانته، وأراد أن يضرب به أبا سفيان ﵁ سيد قريش يومها، لكنه تذكَّر قول رسول الله ﷺ : "لا تحدثن حدثًا، حتى تأتي إليَّ".
فردَّ السهم إلى كنانته، وكانت ليلة باردة؛ فأدفأه رسول الله ﷺ ، بعد أن نام واستيقظ (١).
والقصة فيها تفصيل، ومحل الشاهد منها هنا: أن رسول الله ﷺ كما
стр. 4598
جاء في رواية: "عرض على عيينة بن حصن، أن يقدم له شيئًا من تمر المدينة؛ مقابل أن يعود بقومه، وأن يخذل أولئك الأحزاب أيضًا" (١).
وذلك: لأن عددهم وصل إلى عشرة آلاف مقاتل، وكم معهم من العدة والإمكانات الشيء الكثير، وقد خان بنو قريظة العهد مع رسول الله ﷺ والمؤمنين أيضًا، وعزموا على مقاتلة المسلمين.
فكلُّ أولئك الأحزاب: قد انحازوا إلى بعضهم بعضا، في مقابل المؤمنين على قلة عددهم.
فكانت النتيجة: أن أرسل الله على الأحزاب ريحًا شديدة؛ فكفأت قدورهم، وأطفأت نارهم، وخلعت ثيابهم، وبثَّت الرعب والفزع والخوف بين صفوفهم!.
فقام أبو سفيان ﵁ يترجَّل، فركب راحلته، وأعلن الرحيل إلى مكَّة (٢).
ولمَّا علمت باقي القبائل بعزمه الرحيل: تتابعوا على ذلك، وصدق الله حين قال: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥].
فهذا: هو شأن مَن ينصر دين الله، ومَن يقف مع كتاب الله ،
ومع سُنَّة رسول الله ﷺ ، فإن الله لن يتخلَّى عنه، ولن يتركه للعذاب.
وقد قال الله : ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
стр. 4599
وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ [غافر: ٥١ - ٥٢].
قوله: (لِتَخْبِيبِهِمْ).
يعني: لتخذيلهم.
وهذا الذي جاء في الروايات أيضًا؛ فقد عرض رسول الله ﷺ ثلث تمر المدينة على عيينة بن حصن؛ لتخذيل الأحزاب، وصرفهم عن حرب المسلمين في المدينة النبوية (١).
فالقصد من دفع العوض للكفار: هو تخذيلهم عن حرب المسلمين.
قوله: (فَلَمْ يُوَافِقْهُ).
ننبِّه: إلى أنه قد يرد في المخطوطات - فضلًا عن المطبوعات - أخطاء؛ إما تصحيف، أو تحريف، أو نحو ذلك؛ فليُتنبَّه لذلك.
قوله: (عَلَى القَدْرِ الَّذِي كَانَ سَمَحَ لَهُ بِهِ مِنْ تَمْرِ المَدِينَةِ حَتَّى أَفَاءَ اللَّهُ بِنَصْرِهِ).
نشير هنا إلى موقف المنافقين وقولهم في هذه الواقعة:
فبعد أن عرض الله للموقف، وأبان عن حال المؤمنين بقوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾ [الأحزاب: ١٠ - ١١].
ذكر بعد ذلك حالة المنافقين وما حصل منهم؛ فقال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣)﴾ [الأحزاب: ١٢ - ١٣].
стр. 4600
قوله: (وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَخَافَ المُسْلِمُونَ أَنْ يُصْطَلَمُوا، فَقِيَاسًا عَلَى إِجْمَاعِهِمْ عَلَى جَوَازِ فِدَاءِ أُسَارَى المُسْلِمِينَ (١)؛ لِأَنَّ المُسْلِمِينَ إِذَا صَارُوا فِي هَذَا الحَدِّ: فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الأُسَارَى).
معنى "أَنْ يُصْطَلَمُوا" (٢)، أي: أن يستأصل الكفار دماء المسلمين ويقتلوهم.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الفَصْلُ السَّابِعُ لِمَاذَا يُحَارِبُونَ؟)
ينتقل المؤلف ﵀ هنا لمسألة: سبب محاربة المسلمين لهؤلاء الكفار؟
قوله: (فَأَمَّا لِمَاذَا يُحَارِبُونَ؟ فَاتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ المَقْصُودَ
стр. 4601
بِالمُحَارَبَةِ لِأَهْلِ الكِتَابِ مَا عَدَا أَهْلَ الكِتَابِ مِنْ قُرَيْشٍ، وَنَصَارَى العَرَبِ).
لا يدخل في أهل الكتاب هنا: أهل الكتاب من كفار قريش، ومن معهم من العرب.
قوله: (هُوَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا الدُّخُولُ فِي الإِسْلَامِ، وَإِمَّا إِعْطَاءُ الجِزْيَةِ).
نقول: لكن هل إعطاء الجزية عامٌّ لكل الكفار من المشركين وغيرهم، أو إنها خاصة بأهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن لحق بهم أيضًا؟ لأن هناك مَن يلحق باليهود، فيأخذ حكمهم، ومَن يلحق بالنصارى كأمثال هؤلاء الفرنج - كما كان يقول الفقهاء - فيأخذون حكمهم.
فهل من يدين بدين أهل الكتاب من غيرهم، يأخذ حكمهم، وتضرب عليهم الجزية أو لا؟
وقد قال الله سبحانه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ١٢٩].
فقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا الْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩]: يدلُّ على أنهم - وبلا شك - كفار، وإن ادعوا أنهم من أهل الكتاب؛ لعدم إيمانهم. وذلك لأنهم لو كانوا يؤمنون بالله وباليوم الآخر حقًّا: لآمنوا برسول الله ﷺ وهو يعلمونه حقَّ العِلم، ويعرفون صفاته أيضًا، وقد بشَّر به نبيُّ الله عيسى عليه الصلاة السلام؛ كما الله سبحانه تعالى حاكيًا قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦].
فقد علموا ذلك؛ لكنه لما جاء من العرب تغيرت الحال - كما نعلم - حسدًا منهم.
وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٢٩]، فتفسيره: أنهم يأكلون ما حرم الله سبحانه تعالى عليهم؛ كلحم الخنزير،
стр. 4602
ويأكلون الربا، ونحو ذلك مما هو عندهم أيضًا مما هو معلوم.
ثم قال الله موضحًا باقي صفاتهم: ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [التوبة: ٢٩].
والسؤال هنا: هل قول الله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [التوبة: ٢٩،]: مختصٌّ بهم وحدهم، أو يشمل الحكم غيرهم أيضًا؟
وهذا الحكم: هو قوله : ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩].
وقوله تعالى: ﴿عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، يعني: لا بد أن يدفعوها، وهم أذلّة أيضًا.
قوله: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩].
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٢٩]، المراد به: هو دين الإسلام.
ودليل ذلك: قوله الله : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. فهذا هو الدين الحق، وأما غيره من الأديان: فكلها أديان باطلة.
وأما الشرائع التي سبقت الشريعة الإسلامية المحمدية: فكلها منسوخة، وانتهى العمل بها، فكل من لا يؤمن بالله ولا برسوله ﷺ : فليس بمؤمن (١).
стр. 4603
وكلّ مَن ينكر أمرًا من أُمور الدِّين المعروفة بالضرورة فهو كافر أيضًا، حتى وإن ادَّعى الإسلام (١).
قوله: (وَكَذَلِكَ اتَّفَقَ عَامَّةُ الفُقَهَاءِ عَلَى أَخْذِهَا مِنَ المَجُوسِ) (٢).
"المجوس": هم عبدة النار، وأمثالهم. فإن لهم شبهة كتاب؛ فألحقهم الفقهاء بأهل الكتاب من اليهود والنصارى.
стр. 4604
وقد ورد في ذلك حديث؛ قال فيه النبي ﷺ : "سُنُّوا بِهِمْ: سُنَّةَ أَهْل الكِتَابِ" (١).
وقد فعل بهم ذلك: أمير المؤمنين عمر ﵁.
قوله: (لِقَوْلِهِ ﷺ : "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ") (٢).
"السُّنة": هي الطريقة المتبعة. يعني: اسلكوا بهم مسلك أهل الكتاب، من اليهود والنصارى، وألحقوهم بهم، وخذوا منهم الجزية كذلك، وكل مَن هو على شاكلة أهل الكتاب: يأخذ حكمهم أيضًا، كالمجوس.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَى أَهْلِ الكِتَابِ مِنَ المُشْرِكِينَ: هَلْ تُقْبَلُ مِنْهُمُ الجِزْيَةُ؟ أَمْ لَا؟ فَقَالَ قَوْمٌ: تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ مِنْ كُلِّ مُشْرِكٍ).
من العلماء مَن قال: تؤخذ الجزية من كلِّ مشرك، ومنهم: مَن جعل ذلك خاصًّا بأهل الكتاب دون المشركين.
قوله: (وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (٣)، وَقَوْمٌ: اسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ مُشْرِكِي العَرَبِ).
стр. 4605
وهو قوله الإمامين: أبي حنيفة (١)، وأحمد (٢).
قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣)، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَجَمَاعَةٌ (٤): "لَا تُؤْخَذُ إِلَّا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَالمَجُوسِ").
يعني: كأن الإمام الشافعي ﵀: اقتصر على مورد النصِّ الوارد في الكتاب والسُّنة.
أما الكتاب: فهو قول الله : ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [التوبة: ٢٩].
وأما السُّنة: فقول النبي ﷺ عن المجوس: "سُنُّوا بِهِمْ: سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ" (٥). فوقف عند هذين النصين.
وهذا القول للإمام الشافعي ومن معه: قال به الإمام أحمد في الرواية الأُخرى عنه (٦).
стр. 4606
قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ العُمُومِ لِلْخُصُوصِ).
لدينا هنا: عموم، وخصوص.
قوله: (أَمَّا العُمُوم، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، وَقَوْلُهُ ﵊: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، فَإِذَا قَالُوهَا، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ").
هذا الحديث: متَّفق عليه (١). وقد مرَّ بنا كثيرًا في أبواب الزكاة، وفي كتاب الجهاد قبل هذا الموضع أيضًا.
ونعلم أن الأدلة يكثر الاستشهاد بها، فالحديث أحيانًا تكون فيه عدة مواضع هي محل استشهاد.
ولذلك فإن الإمام البخاري يسلك ذلك المسلك؛ فيورد الحديث في عدة مواضع من صحيحه كحديث: "إنَّما الأعمال بالنِّيَّات" (٢)، وحديث: "مَن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدِّين" (٣)، وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة.
فهو يريد من الحديث موضع شاهد يستفيد منه في باب ما، فربما يقصد لفظة ما منه، فلا يورد الحديث بتمامه، فمن أجل ذلك: تكررت الأحاديث في صحيحه، بتعدُّد الروايات.
قَوْله: (وَأَمَّا الخُصُوصُ فَقَوْلُهُ لِأُمَرَاءِ السَّرَايَا الَّذِينَ كَانَ يَبْعَثُهُمْ إِلَى مُشْرِكِي العَرَبِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ كَانُوا غَيْرَ أَهْلِ كتَابٍ: "فَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّك،
стр. 4607
فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ … فَذَكَرَ الجِزْيَةَ فِيهَا"، وَقَدْ تَقَدَّمَ الحَدِيثُ) (١).
قد مرَّ بنا هذا الحديث أيضًا من قبل.
وفيه: "الدعوة إلى الإسلام، فإن أبوا فالجزية، فإن لم يكن، فاستعن بالله عليهم، وقاتلهم". وهذا الحديث: مطلق أيضًا، لم يخصّ به أهل الكتاب، وإنما هو عامٌّ.
قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ العُمُومَ إِذَا تَأَخَّرَ عَنِ الخُصُوصِ، فَهُوَ نَاسِخٌ لَهُ؛ قَالَ: لَا تُقْبَلُ الجِزْيَةُ مِنْ مُشْرِكٍ؛ مَا عَدَا أَهْلَ الكِتَابِ؛ لِأَنَّ الآيَ الآمِرَةَ بِقِتَالِهِمْ عَلَى العُمُومِ هِيَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ ذَلِكَ الحَدِيثِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الأَمْرَ بِقِتَالِ المُشْرِكِينَ عَامَّةً وَهُوَ فِي سُورَةِ "بَرَاءَةٌ"، ذَلِكَ عَامَ الفَتْحِ، وَذَلِكَ الحَدِيثُ إِنَّمَا هُوَ قَبْلَ الفَتْحِ بِدَلِيلِ دُعَائِهِمْ فِيهِ لِلْهِجْرَةِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّ العُمُومَ يُبْنَى عَلَى الخُصُوصِ، تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ، أَوْ جَهِلَ التَّقَدُّمَ وَالتَّأَخُّرَ بَيْنَهُمَا؛ قَالَ: تُقْبَلُ الجِزْيَةُ مِنْ جَمِيعِ المُشْرِكِينَ، وَأَمَّا تَخْصِيصُ أَهْلِ الكِتَابِ مِنْ سَائِرِ المُشْرِكِينَ، فَخَرَجَ مِنْ ذَلِكَ العُمُومِ بِاتِّفَاقٍ).
هذه المسألة لا يختلف فيها العلماء:
فالجزية تُؤخَذ من أهل الكتاب؛ لأنها جاءت بنص الآية؛ في قول الله : ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. فقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [التوبة: ٢٩]: نص. وألحقوا بهذا النص: نصوصًا وردت في السُّنة أيضًا.
قوله: (بِخُصُوصِ قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]).
يعني: قد خصَّ أهل الكتاب بذلك، ولم يقع فيهم خلاف؛
стр. 4608
لقول الله : ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [التوبة: ٢٩]. فجاء التنصيص عليهم بقوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
وقد مرَّ أنه قد ألحق بهم مَن له شبهة كتاب؛ وهم المجوس؛ وذلك للحديث الذي ورد في ذلك: "سنُّوا بهم سُنَّة أهل الكتاب" (١). بالإضافة لـ: فعل أمير المؤمنين عمر ﵁ ذلك بهم.
قوله: (وَسَيَأْتِي القَوْلُ فِي الجِزْيَةِ وَأَحْكَامِهَا).
يعني المؤلف ﵀: أنه سيتحدث عن الجزية تفصيلًا، وسنعرض نحن لأحكام تتعلَّق بها أيضًا، في موضعها إن شاء الله تعالى.
قوله: (فِي الجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ هَذَا الكِتَابِ، فَهَذِهِ هِيَ أَرْكَانُ الحَرْبِ).
يعني: أنه سيأتي - إن شاء الله تعالى - الكلام عن الجزية، التي تؤخذ من الكفار، فِي الجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ هَذَا الكِتَاب؛ لأنها تعتبر داخلة في أحكام الفيء أيضًا.
قوله: (وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ المَسَائِلِ المَشْهُورَةِ: النَّهْيُ عَنِ السَّفَرِ بِالقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ العَدُوِّ).
هذه من المسائل المهمة، فكلنا يعلم مكانة هذا القرآن العظيم؛ فهو كلام الله ، وهو كتابه الكريم الذي: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]. وهو أصل هذه الشريعة الإسلامية، ولبها، وأساسها، وقطبها، الذي تدور عليه. ومن تمسك به هُدِي إلى صراط مستقيم. وقد قال الله عنه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٩]. فمَن سلك طريق هذا القرآن الكريم، فقد سار في طريق مستقيم، ليس فيه عوج، ولا انحراف. ومَن
стр. 4609
تمسَّك به، وبسنة رسول الله ﷺ نال السعادة في الدنيا، والسعادة والفوز في الآخرة.
وقد قال النبي ﷺ : "تَركْتُ فيكم ما إن تَمسَّكتمْ به لن تضلُّوا بعدي أبدًا: كتَاب الله، وَسُنَّتي" (١).
وعندما تمسك المسلمون الأوائل بهذا الكتاب العزيز، وعملوا به وبسُنَّة رسول الله ﷺ : كانت لهم العزة، والغلبة، والمكانة، وبلغوا غاية مجدهم وعزتهم.
وعندما انصرف المسلمون عن هذا القرآن الكريم، وضَعُفَ تمسكهم به: قلَّتْ قيمتهم، وضعفت مكانتهم، وبخاصة في أعين أعدائهم. فلما كان لهذا القرآن العظيم، هذه المكانة العظيمة - وغيرها أيضا - تكلم العلماء عن هذا القضية، وهي حكم السفر به إلى أرض الكفار.
وقد ثبت عن رسول الله ﷺ في "الصحيحين"، كما في حديث عبد الله بن عمر ﵂ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يُسافَر بالقرآن إلى أرض العدو " (٢).
وسبب ذلك: لما لهذا القرآن الكريم من مكانة عظيمة.
والمطلوب: أن يُصان هذا القرآن العظيم، وأن يحفظ؛ لأنه دستور المسلمين، ومصدر تشريعهم، وهو أيضًا كلام الله .
وقَدْ جاءت العلة عن هذا النهي، في رواية عند الإمام مسلم، وهي: "مخافة أن يناله العدوُّ" (٣).
فالقصد من ذلك إذن: هو الحفاظ على هذا الكتاب العظيم، على
стр. 4610
هذا القرآن العزيز، من أن تمسه أو تناله أو تصل إليه يد عدو للمسلمين.
ومن هنا أيضًا: فقد تكلم العلماء عن حكم رهن المصحف (١)، وعن حكم بيعه وشرائه (٢).
стр. 4611
وكلُّ ذَلكَ لا يجوز، والمسألة فيها تفصيلٌ بين العلماء:
فجمهور العلماء يمنعون السفر به إلى أرض العدوِّ مطلقًا (١)، ولا يفرِّقون بين أن يكون مَنْ يَصْحب الكتاب العزيز جمع غفير من المسلمين، وبين أن يكونوا قلة، سواء كانوا سرية أو أفرادًا.
ومن العلماء: مَنْ فرَّق بين القليل والكثير؛ فقالوا: إن كان المسلمون كُثُرًا، بحيث يُؤمَن على المصحف معهم، فلا مانع من السفر به إلى أرض العدو.
وكلُّ ما قاله العلماء في ذلك - وبخاصة الجمهور - فإنما قصدوا من ورائه الحفاظ على ذلك الكتاب، وصيانته من أن تعبث به، وتناله أيدي الكفار.
بل إن العلماء تكلَّموا أيضًا في تعريفه لغير المسلمين، فكثير منهم يمنع ذلك؛ لأن القرآن لا ينبغي أن يُعَلَّم إلا لأهل القرآن.
ونحن نعلم مكانة تعلُّم القرآن وتعليمه؛ فقد حَثَّ رسول الله ﷺ على تعلُّمِهِ وتعليمِهِ، ويكفي في ذلك قوله ﷺ : "خَيْرُكم مَنْ تَعلَّم القُرْآنَ وَعَلَمه" (٢).
وما هَذِهِ العُلُوم التى نَدْرسها: من الفقه، وكذلك أيضًا مسائل العقيدة، وغيرها إلَّا ونجد أُصُولها في كتاب الله ، وفيما صحَّ من سُنَّة رَسُولِ الله ﷺ .
стр. 4612
وهذا الكنز الفقهي الذي نضع أيدينا عليه إنما هو مستمدٌّ من هذا الكتاب العزيز؛ إما من منطوقه (١)، أو من مفهومه (٢)، أو من تخريج مسائل عليه (٣)، أو من سنَّة رسول الله ﷺ ، أو من أمورٍ تعود إليها، أو من مقصديهما، أعني: من مقاصد الشريعة التي وردت في الكتاب وفي السُّنَّة.
قوله: (وَعَامَّةُ الفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ (٤)؛ لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ).
стр. 4613
وقد ثبت ذلك في حديث عبد الله بن عمر ﵂، وهو حديث متفق عليه، وقد أشرنا إليه قبل قليل.
قول: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "يَجُوزُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي العَسَاكِرِ المَأْمُونَةِ") (١).
وهذا الذي أشرنا إليه، فقوله: (في العساكر المأمونة)، يعني: في جيش كبير للمسلمين؛ بحيث يُؤمَن على المصحف الشريف معهم. ففي هذه الحالة يجوز السفر بالقرآن إلى أرض العدوِّ؛ فيما يرى الإمام أبو حنيفة.
أما جمهور العلماء: فيمنعون ذلك مطلقًا؛ صيانة للقرآن الكريم، وحفظًا له.
قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ النَّهْيُ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ العَامُّ؟ أَوْ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الخَاصُّ؟).
مراد المؤلف ﵀ أنه: هل النهي عن السفر بالقرآن الكريم إلى أرض العدو عام؛ بحيث يشمل حالة لو كان المسافرون قلة أو كثرة؟
أو أن هذا النهي العام أُريد به الخاصّ؛ وهو أن يكون المسافرون قلة؛ بحيث يَصعُب عليهم الحفاظ على المصحف الشريف في هذه الحالة؟
والحديث - كما مر -: إنما هو عامٌّ، ولم يُقيد ذلك بصفة دون صفة، ولا بجماعة دون أُخرى، ولا بعدد دون عدد آخر.
стр. 4614
[الجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ]
قوله: (وَالقَوْلُ المُحِيطُ بِأُصُولِ هَذِهِ الجُمْلَةِ يَنْحَصِرُ أَيْضًا فِي سَبْعَةِ فُصُولٍ).
• تنبيه: هذا الكتاب (بداية المجتهد) من الكُتُب القيِّمة التي عنيت بالتقسيم، وتقسيماتُهُ بديعةٌ أيضًا.
فالمؤلف ﵀ يذكر جُملًا أوَّلًا، ثم يقسمها إلى أبواب، أو إلى فصول.
وهو - مع ذلك - لا يتعرض لكثير من المسائل؛ لأنها غير داخلة ضمن شرطه في هذا الكتاب، والأسس التي وضعه لأجلها.
قوله: (الأَوَّلُ: فِي حُكْمِ الخُمُسِ).
المؤلف ﵀ يشير إلى الخمس، الذي ورد ضمن الآية، التي جاءت في سورة الأنفال، وفيها يقول الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١].
قوله: (الثَّانِي: فِي حُكْمِ الأَرْبَعَةِ الأَخْمَاسِ).
كذلك سيتكلم عن الأربعة الأخماس؛ لأنها قد جاءت في الآية أيضًا" حيث يقول الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾ [الأنفال:٤١].
إذن: فهي خمسة، وسيأتي الخلاف فيها أيضًا بين الفقهاء.
ومن ذلك: هل التقسيم على ما ورد في الآية خمسة، أو أنها أكثر، أو أقل؟ سيأتي الكلام على هذا إن شاء الله تعالى.
стр. 4615
قوله: (الثَّالِثُ: فِي حُكْمِ الأَنْفَالِ (١)).
سيأتي أيضًا التفريق بين: الغنيمة، والأنفال، وإن صحَّ إطلاق كل واحد منهم على الآخر، فالأنفال: غنيمة، والغنيمة: أنفال، وهما من المصطلحات الفقهية، ولكل علم مصطلحات خاصة به؛ فهناك مصطلحات فقهية، وهناك مصطلحات عند أهل اللغة، ومصطلحات عند أهل الحديث، ومصطلحات عقدية، وغير ذلك.
الشاهد: أن الغنيمة، والأنفال من المصطلحات الفقهية.
وقد اصطلح الفقهاء على ما يلي:
أولًا: الفيء (٢): هو ما أُخذ من أيدي العدوِّ بغير قتال.
ثانيًا: الغنيمة (٣): هي ما أُخذت من أيدي العدوّ قهرًا عن طريق القتال.
قوله: (الرَّابِعُ: فِي حُكْمِ مَا وُجِدَ مِنْ أَمْوَالِ المُسْلِمِينَ عِنْدَ الكُفَّارِ).
كذلك سيتكلَّم المؤلف ﵀ أيضًا عن هذه المسألة.
فقد يظفر الكفار بأموال للمسلمين، ثمَّ بعد ذلك تعود للمؤمنين، فهل تكون غنيمة ضمن هذه التي وردت في الآية، أو أنها تُردُّ إلى أصحابها، أو أن في المسألة تفصيلًا؟
كل ذلك سيأتي الكلام عنه إن شاء الله تعالى.
стр. 4616
وإن كان المؤلِّف ﵀ في حقيقة الأمر - قد أجمل إجمالًا كثيرًا في هذه المسألة.
قوله: (وَالخَامِسُ: فِي حُكْمِ الأَرَضِينَ).
"الأَرَضِينَ" قد تُفتح وتُؤخذ عنوة أحيانًا، وقد تُفتح صلحًا أحيانًا أُخرى، وكل ذلك قد كان، وسيعرض المؤلف ﵀ لذلك.
وأعتقد أننا قد عرضنا لذلك بشيء من الإجمال، عندما تحدثنا عن أحكام الزكاة؛ والخراج، وعن أرض العنوة، والصلح.
وسبب كلامنا هناك عنها: هو وجود رابط بينها وبين الأراضي التي تزكى.
فأرض الخراج إذا كانت بيد مسلم: فهل فيها الزكاة، أو لا؟، وهل يُكتفى بالخراج فقط عن الزكاة؟
نقول: قد تكلَّمنا عن هذا فيما مضى، ولا مانع - إن شاء الله تعالى - أن نعود إلى تفصيل ذلك في هذا الموضع من هذا الكتاب؛ لأن هذا هو محله.
قوله: (السَّادِسُ: فِي حُكْمِ الفَيْءِ).
الفيء - كما قُلْنا - شبيه بالغنيمة، وهو نفس الغنيمة.
لكنهم اختلفوا فيه: هل يُخمَّس أو لا يُخمَّس؟ وسيأتي الكلام عن ذلك.
والغنيمة والفيء قَدْ جاء ذكرهما في كتاب الله كما سبق.
قوله: (السَّابِعُ: فِي أَحْكَامِ الجِزْيَةِ وَالمَالِ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عَلَى طَرِيقِ الصُّلْحِ).
قد عرفنا الجزية، وقد جاء في الحديث: "أن رسول الله ﷺ كان عندما يبعث بعثًا، أو يرسل جيشًا، يطلب منه أن يدعوا من يذهبون إليهم،
стр. 4617
إلى أحد خصال أو خلال ثلاث: يبدؤونهم بالإسلام، فإن أجابوا قبلوا منهم وكفوا عنهم، وإن أبوا دعوهم إلى الجزية، فإن أبوا قاتلوهم" (١).
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الفَصْلُ الأَوَّلُ فِي حُكْمِ خُمُسِ الغَنِيمَةِ)
نقف عند هذه المسألة؛ لمناسبة التحدث عن الغنيمة، وكذلك الفيء، والعلاقة بينهما.
فهل هما شيء واحد، أو يختلفان؟
تعريف الغنيمة:
الغنيمة في اللغة: مأخوذة من غنم يغنم، والغنيمة والمغنم: بمعنى واحد. وقد ذكر الله الغنيمة في مواضع من القرآن الكريم؛ منها: قوله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١]. وقوله : ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: ١٩]. وقوله في الآية التي تليها أيضًا: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: ٢٠].
فالمغنم: يأتي بمعنى الغنيمة، والغنيمة: بمعنى المغنم؛ فهما شيء واحد.
والغنيمة: تجمع على غنائم، والمغنم: يجمع على مغانم.
وكلاهما: يُؤدي معنًى واحدًا.
أما الغنيمة في الاصطلاح:
فالمراد بها: هي ما يأخذه المسلمون، من العدوِّ، قهرًا. أي:
стр. 4618
ما يستولوا عليه منهم بقتال؛ بأن يُوجفوا عليهم بخيل، أو ركاب، أو بغير ذلك، فقد تغيرت آلات الحرب أيضًا.
فالأموال التي يحصِّلها المسلمون من الكفَّار أنواع:
النوع الأول: المال الذي يستولي عليه المسلمون منهم قهرًا؛ وهو المسمَّى بالغنيمة.
النوع الثاني: المال الذي يستولي عليه المسلمون منهم من غير قسرٍ؛ وهو المسمَّى بالجزية.
النوع الثالث: المال الذي يستولي عليه المسلمون منهم بعد فرارهم، وتركهم له.
النوع الرابع: المال الذي يستولي عليه المسلمون منهم بعد موت أحدهم، ولا يكون له وارثٌ.
النوع الخامس: المال الذي يستولي عليه المسلمون منهم كأرض الخراج.
النوع السادس: أو غير ذلك من أموال الكفار التي لم يوجف عليها المسلمون بخيلٍ ولا رِكَابٍ .. فإن كل هذه الأنواع تُسمَّى فيئًا.
و"الفيء": يتضمن معنى الزيادة، ولن ندخل في تفصيله الآن؛ لأنه سيأتي ضمن الحديث عن الغنيمة، والتي ذكرها الله في قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤١].
وقد ورد في الأثر عن عمر بن الخطاب ﵁: "أنه قرأ قول الله : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠]، ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ قول الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤١]، ثم قال: هذه لهؤلاء، ثُمَّ تلا قوله أيضًا قول الله : ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ
стр. 4619
كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧) ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ٧ - ١٠]، فقال: وهذه للمسلمين عامة، ثم قال ﵁: لئن عشت ليحصلن من في حمير - يعني: من في اليمن - على نصيبه، وإن لم ينزل عرقه في ذلك - يعني: وإن لم يجاهد -) (١).
ومعنى ذلك: أن الخير سيعود، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - الكلام عن هذه الآية وغيرها، وموقف عمر ﵁، واختلافه مع بعض الصحابة في ذلك، عندما جاءت قصة الأراضي، فإنه جلس فترةً يفكر في هذه الآيات حتى تَوصَّل إلى أن هذه الآيات: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٦] إلى آخر الآيات: إنَّما هيَ عَامَّةٌ.
وَسَيَأْتِي - إنْ شَاء الله تعالى - ذكر ما نُقِلَ عن عمر ﵁ في هذه المسألة (٢).
стр. 4620
نَعُودُ إلى الغنيمة التي معنا هنا، وقَوْل الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] إلى آخر الآية.
* قوله: (وَاتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الغَنِيمَةَ الَّتِي تُؤْخَذُ قَسْرًا مِنْ أَيْدِي الرُّومِ).
كان الأَوْلَى بالمؤلِّف ﵀ أن يقول: "الَّتِي تُؤْخَذُ قَسْرًا مِنْ أَيْدِي الكفار".
فقوله: "مِنْ أَيْدِي الرُّومِ": تقييد بغير مخصص؛ وإنما الغنيمة: شاملة لما يؤخذ قَسْرًا من أيدي سائر الكفار عمومًا.
وربَّما نصَّ المؤلف ﵀ على (الروم)؛ لأن المقصود بهم وقتها: أَهْلُ الكتاب.
* قوله: (مَا عَدَا الأَرَضِينَ).
وذلك لأنَّ الأرضين تختلف في وضعها، وسيأتي الكلام عنها إن شاء الله تعالى، سواء كانت قد فُتِحَتْ صلحًا أو عنوةً، فالغنيمة - كما مر - إنَّما هي ما يحصل عليه الفرد أو الجماعة عن طريق السعي إليها، ولذلك قال الشاعر:
وَقَد طوَّفت بالآفاقِ حتَّى … رضيت من الغنيمةِ بالإيابِ (١)
يعني: أنَّه رضي من الغنيمة بما رَجَع من إياب، فَهَذا معنى الغنيمة في اللُّغة.
والمقصود منها في المصطلح الشرعي: هي ما يحصل عليه المُسْلمون من أعدائهم قهرًا، ويستولون عليه عن طريق القوة.
стр. 4621
* قوله: (أَنَّ خُمُسَهَا لِلْإِمَامِ، وَأَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا لِلَّذِينِ غَنِمُوهَا (١)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٤١]).
نَصُّ الآية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١].
اختلَف العُلَماء في الأصناف المذكورة في هذه الآية؛ هل هي خمسة أصناف، أو ستة؟ وعليه: هل الخمس يقسم بين خمسة أصناف، أو يقسم بين ستة؟ فأَوَّل الآية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١].
فالله يتكلَّم هنا عن خُمُس الغنيمة فقط، أما الأربعة أخماس الأُخرى فهي للغانمين.
فهذا الخمس قد اختلف العلماء فيه، فهل يوزَّع على ستة أصناف، أو على خمسة، أو على أربعة، أو على ثلاثة؟ (٢)، كل ذلك قد قال به بعض العلماء، فَمِنَ العُلَماء مَنْ قال: يُقَسَّم الخمس (أَيْ: يجزَّأ) إلى سِتَّةِ أقسامٍ أو أجزاءٍ (٣). وَهي الواردة في الآية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١].
стр. 4622
قالوا: فهذه ستة أصناف، وما يكون لله ، فيُخصَّص للكعبة، فهؤلاء قد جعلوا ما يكون لله غير ما يكون لرسوله ﷺ .
ومن العلماء مَن قال: يقسَّم الخمس إلى أقسام خمسة فقط (١)، وقالوا: يخصص ما يكون لله لبيته ؛ وهو بيت الله الحرام، وللكعبة العتيقة.
ومنهم مَن قال: بل يردُّ على المحتاجين (٢).
وأما القول الثاني وهو المشهور: فإن أصحابه قالوا: بل الأقسام هنا خمسة؛ فالخمس يقسم على أقسام خمسة فقط، وهي الواردة في الآية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١].
ومِنْ هؤلاء مَنْ قال: إنما بدأ باسم الله؛ للتبرك باسمه ، ولأجل تعظيمه.
والمراد بقوله: ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١]: ما يأخذه رسول لله ﷺ ، ثم اختلفوا بعد ذلك فيه؟
ولكن الصحيح: أنه يصرف منه رسول الله ﷺ ، ويُعْطي منه، ويردُّه في حَاجَات المحتاجين، وهذا الخُمُسُ إنَّما هو خَاصٌّ برسول الله ﷺ ؛ كما أشَارت إلى ذلك الآية الكريمة، وكما جاء في الأحاديث النبوية، ومنها ما وَرَد في الحديث: أنَّ رسول الله ﷺ أخذ وبرةً من جلد بعيرٍ، فقال: "إنَّما ليسَ لي ممَّا أفَاء الله علَيكم، ولا مثل هَذِهِ - يشير إلى هذه الوبرة - الشعرة، وليسَ لي إلا الخُمُس، وهو مَرْدودٌ عليكم" (٣).
стр. 4623
فقَدْ بَيَّنَ رَسُولُ الله ﷺ ما يخصُّهُ من هذه الأموال التي سنتكلم عنها، والتي هي الغنيمة، وكذلك أيضًا الفيء، ويلحق بذلك الصدقة. فهذه هي الأموال التي تكون للولاة.
فصنفان من الأموال: تؤخذ من غير المسلمين؛ وهما الغنيمة، والفيء.
والصنف الثالث: يؤخذ من أموال المسلمين؛ وهو الزكاة أو الصدقة. وقد بيَّن الله في كتابه العزيز، هذه الأصناف الثلاثة، وبيَّن الذين تُصرف إليهم.
والخلاصة: نكمل عرض بقية أقوال العلماء في الخمس، فنقول:
من العلماء من قال: يقسَّم الخمس على ثلاثة أصناف فقط (١)؛ مسقطين السهم الخاص برسول الله ﷺ .
قالوا: لأنه قد انتهى بموت رسول الله ﷺ ، وأسقطوا السهم الخاص بقرابة رسول الله ﷺ أيضًا، قالوا: لأنه قد انتهى سهمهم بموته ﷺ . وهذا ما عمل به أبو بكر ﵁؛ فلم يعطهم إياه؛ وإنما ردّ ذلك في حاجات المسلمين.
فقد ورد: "أنَّ فاطمة بنت رسول الله ﷺ لما ذهبت إليه، تسأله عن الميراث: أهو لأهل الرجل، أو لخليفته؟ فأخبرها أبو بكر ﵁: أنه لأهله، فسألته عن ميراث رسول الله ﷺ ؟ فأورد لها الحديث الصحيح: إذا
стр. 4624
أطعم اللَّهُ نبيًّا طعمًا، فإنه يكون للذي يأتي بعده، فقالت: إذن خليفة رسول الله ﷺ أعلم، واقتنعت بما ذكر لها أبو بكر ﵁ " (١).
يعني: فهذا لخليفة رسول الله ﷺ ، ولكني أردّه في أموال المسلمين. والذي قال: بأن الخُمس يوزّع على ثلاثة أصناف فقط: إنما هو الإمام أبو حنيفة (٢).
وقد خالفه الصاحبان أبو يوسف (٣)، ومحمد بن الحسن (٤)؛ فانضما إلى غيره من جماهير العلماء (٥).
وحجة الإمام أبي حنيفة على قوله هذا: أن ذلك أُثر عن خليفة رسول الله ﷺ أبي بكر ﵁، وعن أمير المؤمنين عمر ﵁ كذلك (٦).
стр. 4625
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الخُمُسِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ مَشْهُورَةٍ).
بل هي أكثر من أربعة مذاهب؛ لكن المؤلف ﵀ اقتصر على أربعة.
فالذي سكت عنه المؤلف ﵀: إنما هي أقوال غير مشهورة.
* قوله: (أَحَدُهَا: أَنَّ الخُمُسَ يُقَسَّمُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ عَلَى نَصِّ الآيَةِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ) (١).
وقال به أيضًا: الإمام أحمد (٢).
* قوله: (وَالقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُقَسَّمُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَخْمَاسٍ) (٣).
وَمنهم مَنْ قال: ستة (٤)، وهي أيضًا روايةٌ للإمامين: الشافعي وأحمد، أعني: للشافعية (٥)، وللحنابلة (٦).