← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

* قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ لِلْعَبِيدِ وَلَا لِلنِّسَاءِ حَظٌّ مِنَ الغَنِيمَةِ، وَلَكِنْ يُرْضَخُ (١) لَهُمْ (٢)، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ) (٣). هذا هو القول الأوَّل لأهل العلم في هذه المسألة، وهو قول الإمام مالك. ومفاده: أنهم لا يستحقون سهمًا كاملًا؛ وإنما يعطون مجرد عطية. * قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يُرْضَخ، وَلَا لَهُمْ حَظُّ الغَانِمِينَ) (٤). وهذا هو القول الثاني لأهل العلم في هذه المسألة. ومفاده: أنهم لا يستحقّون شيئًا من الغنيمة مطلقًا، ولا يعطون حتى مجرد عطية.

стр. 4657

* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ لَهُمْ حَظُّ (١) وَاحِدٍ مِنَ الغَانِمِينَ، وَهُوَ قَوْلُ الأَوْزَاعِيِّ) (٢). وهذا هو القول الثالث لأهل العلم في هذه المسألة، وَهُوَ قَوْلُ الإمام الأَوْزَاعِيِّ. ومفاده: أنهم يستحقون مثل غيرهم ممن توفرت فيه شروط الأخذ من الغنيمة؛ فالمرأة تأخذ سهما الرجل الراجل، وثلاثة أسهم مثل الفارس مع فرسه لو كانت راكبة لفرس، والعبد كالحرّ؛ سواء بسواء. * قوله: (وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الصَّبِيِّ المُرَاهِقِ). بعد أن عرض المؤلِّف ﵀ لخلاف العلماء في حكم استحقاق النساء والعبيد للغنيمة لو شاركوا في القتال. ينصُّ هنا على خلافهم في الصَّبِيِّ المُرَاهِقِ أيضًا. * قوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُقْسَمُ لَه، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ) (٣). هذا هو القول الأول لأهل العلم في هذه المسألة، وهو قول الإمام الشَّافِعِيِّ. ومفاده: أن الصبي المُرَاهِق يستحقّ سهمًا كاملًا مطلقًا في كلِّ الأحوال؛ كالبالغ.

стр. 4658

* قوله: (وَمِنْهُمْ مَنِ اشْتَرَطَ فِي ذَلِكَ أَنْ يُطِيقَ القِتَالَ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ) (١). وهذا هو القول الثاني لأهل العلم في هذه المسألة، وهو قول الإمام مالك. ومفاده: أن الصبي المُرَاهِق يستحق سهمًا كاملًا؛ كالبالغ؛ بشرط أن يكون مطيقًا للقتال، قادرًا على مشاقه، يستطيع مجابهة الأعداء. * قوله: (وَمِنْهُم (٢) مَنْ قَالَ: يُرْضَخُ لَهُ) (٣). وهذا هو القول الثالث لأهل العلم في هذه المسألة، ولم يذكر المؤلف ﵀ صاحبه. ومفاده: أن الصبي المُرَاهِق إذا قاتل فإنه لا يستحق سهمًا كاملًا؛ وإنما يعطى مجرد عطية. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي العَبِيدِ هُوَ: هَلْ عُمُومُ الخِطَابِ يَتَنَاوَلُ الأَحْرَارَ وَالعَبِيدَ مَعًا؟ أَمِ الأَحْرَارَ فَقَطْ دُونَ العَبِيدِ؟ وَأَيْضًا: فَعَمَلُ

стр. 4659

الصَّحَابَةِ مُعَارِضٌ لِعُمُومِ الآيَةِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ انْتَشَرَ فِيهِمْ ﵃ أَنَّ الغِلْمَانَ لَا سَهْمَ لَهُمْ .. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .. ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طُرُقٍ عَنْهُمَا (١)). يذكر المؤلف ﵀ هنا: أن سبب اختلاف العلماء في استحقاق العبيد المشاركين في القتال إلى جانب الأحرار: هو اختلافهم في المراد بمن وجه لهم الخطاب الوارد في القرآن والسُّنة؛ هل المراد به العموم؛ فيدخل العبيد ضمن الأحرار في استحقاق الغنيمة؟ أو هو خاص بالأحرار؛ بدليل ما انتشر من عمل الصَّحَابَةِ ﵃ من أن غير البالغين لا يستحقون نصيبًا من الغنيمة؟ * قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: أَصَحُّ مَا رُوِيَ مِنْ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ مَا رَوَاهُ سُفْيَانُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الحَدَثَانِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ (٢): "لَيْسَ أَحَدٌ إِلَّا وَلَهُ فِي هَذَا المَالِ حَقٌّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ") (٣). هذا هو الدليل لمن قال: بأن العبيد إذا شاركوا في الققال: فلا يستحقون الأخذ من الغنيمة. وهذا القول المأثور عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: لا يمكن أن يصدر عنه من رأيه؛ بل لا بد أن يكون قد علمه من

стр. 4660

رسول الله ﷺ ؛ فهو موقوف لفظًا، مرفوع حكمًا، فضلًا عن أنه لم يعلم له فيه مخالف من الصحابة ﵃ في عهده، والله أعلم. * قوله: (وَإِنَّمَا صَارَ الجُمْهُورُ (١) إِلَى أَنَّ المَرْأَةَ لَا يُقْسَمُ لَهَا، وَيُرْضَخُ بِحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ الثَّابِتِ؛ قَالَتْ: "كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنُدَاوِي الجَرْحَى، وَنُمَرِّضُ المَرْضَى، وَكَانَ يَرْضَخُ لَنَا مِنَ الغَنِيمَةِ") (٢). هذا هو دليل جمهور العلماء القائلين بأن المرأة لو شاركت في الققال: فإنها لا تستحق سهمًا كاملًا مِنَ الغَنِيمَةِ كالرجل؛ وإنما تعطى شيئًا منها.

стр. 4661

* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي تَشْبِيهِ المَرْأَةِ بِالرَّجُلِ فِي كَوْنِهَا إِذَا غَزَتْ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي الحَرْبِ أَمْ لَا؟ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ مُبَاحٌ لَهُنَّ الغَزْوُ (١)، فَمَنْ شَبَّهَهُنَّ بِالرِّجَالِ، أَوْجَبَ لَهُنَّ نَصِيبًا فِي الغَنِيمَةِ، وَمَنْ رَآهُنَّ نَاقِصَاتٍ عَنِ الرِّجَالِ فِي هَذَا المَعْنَى: إِمَّا لَمْ يُوجِبْ لَهُنَّ شَيْئًا، وَإِمَّا أَوْجَبَ لَهُنَّ دُونَ حَظِّ الغَانِمِينَ، وَهُوَ الأَرْضَاخُ). بعد أن ذكر المؤلف ﵀ اختلاف أهل العلم في مقدار ما تعطاه المرأة المقاتلة، فالإمام مالك - ومعه الجمهور -: يرون أنه يرضخ لها (٢). ويرى الإمام الأوزاعي: أنه يسهم لها (٣). وذهب آخرون إلى أنها لا تعطى شيئًا مطلقًا؛ لا على سبيل الإسهام، ولا على سبيل الإرضاخ. ذكر هنا سبب الاختلاف بين أصحاب هذه الأقوال. فبعد اتفاق العلماء على جواز مشاركة المرأة في القتال والغزو؛ اختلفوا في مدى تأثيرها فيه؛ على النحو التالي: أولًا: فمن ذهب إلى أنها تسدّ مسد الرجل: فرض لها مثله؛ فأعطاها سهمًا كاملًا (٤). ثانيًا: وأما مَن ذهب إلى أنها لا تسدّ مسد الرجل: فقد اختلفوا في ذلك على قولين: القول الأول: فرض لها أقل من الرجل؛ فلم يعطها سهمًا كاملًا؛

стр. 4662

وإنما رأى أنه يُرضخ لها فقط (١). وهذا هو القول الذي رجَّحه المؤلِّف ﵀؛ كما سيأتي. القول الثاني: لم يعطها شيئًا مطلقًا (٢). * قوله: (وَالأَوْلَى: اتِّبَاعُ الأَثَرِ). هذا هو اختيار المؤلف ﵀، وترجيحه؛ فهو يرى أن النساء المقاتلات يرضخ لهن ولا يستحققن أسهمًا كاملة؛ استنادًا للحديث الصحيح الثَّابِتِ عن أمِّ عَطِيَّةَ ﵄ في ذلك (٣)؛ فهو العمدة والفيصل في هذه المسألة. * قوله: (وَزَعَمَ الأَوْزَاعِيُّ). بعد أن ذكر المؤلِّف ﵀ رأي جمهور أهل العلم، في مقدار ما تستحقه المرأة المقاتلة من الغنيمة، وهو الإرضاخ، وبعد أن رجح هذا القول: أورد قولًا مخالفًا لهذا نسبه للإمام الأوزاعي.

стр. 4663

* قوله: ("أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَسْهَمَ لِلنِّسَاءِ بِخَيْبَرَ" (١)) (٢). ينسب المؤلف ﵀ للإمام الأوزاعي قوله: بأن النبي ﷺ أعطى لكل واحدة من النساء، اللائي قاتلن معه في غزوة خيبر، سنة سبعة هجرية: سهمًا كاملًا كالرجل. * قوله: (وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي التُّجَّارِ، وَالأُجَرَاءِ؛ هَلْ يُسْهَمُ لَهُمْ أَمْ لَا؟). يذكر المؤلف ﵀ هنا مسألة جديدة؛ وهي حكم الإسهام للتجار ومن يعمل بالأجرة؟ * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: "لَا يُسْهَمُ لَهُمْ إِلَّا أَنْ يُقَاتِلُوا") (٣). هذا هو القول الأول في هذه المسألة، وهو قول الإمام مالك. ومفاده: أن التاجر والأجير إذا شاركا في القتال بأنفسهما: فإن كلًّا منهما يستحق سهمًا كاملًا من الغنيمة؛ كغيرهما من سائر الرجال المقاتلين.

стр. 4664

* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: "بَلْ يُسْهَمُ لَهُمْ إِذَا شَهِدُوا القِتَالَ") (١). وهذا هو القول الثاني في هذه المسألة، ولم ينسبه المؤلف ﵀ لأحد معين من أهل العلم. ومفاده: أن التاجر والأجير يستحقّ كل منهما سهمًا كاملًا من الغنيمة - كغيرهما من سائر الرجال المقاتلين - بمجرد حضورهما المعركة وإن لم يشاركَا في القتال. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هُوَ تَخْصِيصُ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] بِالقِيَاسِ الَّذِي يُوجِبُ الفَرْقَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَسَائِرِ الغَانِمِينَ). يتعرض المؤلف ﵀ هنا لسبب اختلاف أهل العلم، في مقدار ما يعطى للتاجر والأجير؛ لكونهما ليسا من أهل القتال. وتفسير هذا: أن الآية الكريمة الواردة في سورة الأنفال: عامة، فتشمل غير ممتهن القتال؛ كالتاجر والأجير؛ فهي لم تخصص قومًا دون آخرين. والقياس: يوجب التفريق في مقدار الغنيمة بالنسبة للمقاتل وغيره؛ كالتاجر والأجير؛ حيث يوجد فرق في أدائهما في المعركة عن أداء المقاتل الحقيقي. * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ رَأَى أَنَّ التُّجَّارَ وَالأُجَرَاءَ حُكْمُهُمْ حُكْمُ خِلَافِ سَائِرِ المُجَاهِدِينَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقْصِدُوا القِتَالَ، وَإِنَّمَا قَصَدُوا إِمَّا التِّجَارَةَ، وَإِمَّا الإِجَارَةَ، اسْتَثْنَاهُمْ مِنْ ذَلِكَ العُمُومِ).

стр. 4665

فمَن فرَّق بين التاجر والأجير، وبين المقاتل في إغنائهم في المعركة، وسدّهم في باب الققال: اسْتَثْنَاهُمْ مِنْ العُمُوم الوارد في الآية الكريمة؛ وهي قَوْل الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]. وخصَّها بالقياس الذي يوجب الفرق بينهم، وبين المقاتل الحقيقي، وبالتالي: فرق بين الطرفين في مقدار ما يستحقّه كلّ منهم من الغنيمة. * قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّ العُمُومَ أَقْوَى مِنْ هَذَا القِيَاسِ، أَجْرَى العُمُومَ عَلَى ظَاهِرِهِ). ومن لمِ يخصِّص هذه الآية الكريمة؛ وهي قَوْل الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]: بهذا القياس، ورأى أنها على عمومها: ساوى بين الطرفين، في مقدار ما يستحقه كل منهم من الغنيمة. * قوله: (وَمِنْ حُجَّةِ مَنِ اسْتَثْنَاهُمْ: مَا خَرَّجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ (١): "أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ فُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ: أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُمْ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَوَعَدَه، فَلَمَّا حَضَرَ الخُرُوج، دَعَاه، فَأَبَى أَنْ يَخْرُجَ مَعَه، وَاعْتَذَرَ لَهُ بِأَمْرِ عِيَالِهِ، وَأَهْلِهِ؛ فَأَعْطَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ مَعَه، فَلَمَّا هَزَمُوا العَدُوَّ، سَأَلَ الرَّجُلُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ نَصِيبَهُ مِنَ المَغْنَمِ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: سَأَذْكُرُ أَمْرَكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَهُ لَهُ؟ "، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تِلْكَ الثَّلَاثَةُ دَنَانِيرَ حَظُّهُ وَنَصِيبُهُ مِنْ غَزْوِهِ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ"). يذكر المؤلف ﵀ هنا: أحد أدلة مَن استثنى التاجر والأجير، مِن

стр. 4666

العُمُوم الوارد في الآية الكريمة؛ وهي قَوْل الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]: وهو دليل من السُّنة النبوية؛ رواه الإمام عبد الرزاق صاحب "المصنف". ووجه الاستدلال بهذا الدليل: أن رسول الله ﷺ لم يعط هذا الرجل سهمًا كاملًا كالمقاتل؛ وإنما أرضخ له هذه الدنانير الثلاثة فقط؛ لكونه ليس من أهل القتال. * قوله: (وَخَرَّجَ مِثْلَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ يَعْلَى بْنِ مُنَبِّهٍ) (١). هذه الرواية التي عزاها المؤلِّف ﵀، لأبي داود السجستاني صاحب "السنن": تؤيِّد رواية عبد الرزاق السابق ذكرها. * قوله: (وَمَنْ أَجَازَ لَهُ القَسْمَ: شَبَّهَهُ بِالجَعَائِلِ أَيْضًا؛ وَهُوَ أَنْ يُعِينَ أَهْلُ الدِّيوَانِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، أَعْنِي: يُعِينُ القَاعِدُ مِنْهُمُ الغَازِيَ). يذكر المؤلِّف ﵀ هنا: حجة مَن رأى أن التاجر أو الأجير، يستحق كل منهما سهمًا كاملًا. باعتبار تشبيه حالهما بحال الجَعَائِلِ. ثم تعرض المؤلف ﵀ هنا لمسألة الجَعَائِلِ هذه، فعرفها بهذا التعريف.

стр. 4667

والمراد بها: أن يعين المقاتل الذي هو في إجازة، زميله الذي يشارك في المعركة؛ فيأخذ مثله من الغنيمة. فشبَّه بعض أهل العلم التاجر أو الأجير بهذا المقاتل الذي هو في إجازة؛ فأعطوا الجميع مثل ما يعطى للمقاتل. * قوله: (وَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي الجَعَائِلِ (١)). يذكر المؤلف ﵀ هنا: اختلاف أهل العلم في حكم الجَعَائِلِ. * قوله: (فَأَجَازَهَا مَالِكٌ) (٢). هذا هو القول الأول في مسألة الجَعَائِلِ: وقد أجاز أصحابه بأن يُعطى المقاتل الذي هو في إجازة، مثل المقاتل المشارك في المعركة. * قوله: (وَمَنَعَهَا غَيْرُهُ) (٣). هذا هو القول الثاني في مسألة الجَعَائِلِ: وقد رفض أصحابه إعطاء المقاتل الذي هو في إجازة، مثل المقاتل المشارك في المعركة. ولم ينسب المؤلف ﵀ هذا القول لأحد.

стр. 4668

* قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ مِنَ السُّلْطَانِ فَقَطْ، أَوْ إِذَا كَانَتْ ضَرُورَةً، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَالشَّافِعِيُّ) (٢). هذا هو القول الثالث في مسألة الجَعَائِلِ: وقد قيَّد أصحابه إعطاء المقاتل الذي هو في إجازة، مثل المقاتل المشارك في المعركة: بأن يكون الإذن بذلك صادرًا مِنَ السُّلْطَانِ فَقَطْ، أو في حالة الضرورة؛ كأن يكون جيش المسلمين في حاجة لمزيد من الجنود مثلًا، ونسب المؤلف ﵀ هذا القول للإمامين أبي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ. فهذا القول: لا يجيز الجَعَائِل على العموم، ولا على الإطلاق، كالقول الأول. * قوله: (وَأَمَّا الشَّرْطُ الَّذِي يَجِبُ بِهِ لِلْمُجَاهِدِ: السَّهْمُ مِنَ الغَنِيمَةِ). يتعرض المؤلف ﵀ هنا مسألة جديدة؛ وهي شرط استحقاق المقاتل لسهمه من الغنيمة، وسيعرض اختلاف أهل العلم في ذلك. * قوله: (فَإِنَّ الأكثَرَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا شَهِدَ القِتَالَ، وَجَبَ لَهُ السَّهْمُ

стр. 4669

وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ، وَأَنَّهُ إِذَا جَاءَ بَعْدَ القِتَالِ، فَلَيْسَ لَهُ سَهْمٌ فِي الغَنِيمَةِ؛ وَبِهَذَا قَالَ: الجُمْهُورُ) (١). هذا هو القول الأول في بيان شرط استحقاق المقاتل لسهمه من الغنيمة: ويرى أصحابه: أنه لا بد أن يشهد القتال، ويكفي وجوده في ساحة المعركة، ولو في الخطوط الخلفية، ولا يلزم ممارسته للقتال، أو مشاركته فيه، وقد نسب المؤلف ﵀ هذا القول لجمهور أهل العلم. * قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: إِذَا لَحِقَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُوا إِلَى دَارِ الإِسْلَامِ، وَجَبَ لَهُ حَظُّهُ مِنَ الغَنِيمَةِ؛ إِنِ اشْتَغَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَسْبَابِهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ) (٢). هذا هو القول الثاني في بيان شرط استحقاق المقاتل لسهمه من الغنيمة، ويرى أصحابه - ومنهم الإمام أبو حنيفة؛ كما ذكر

стр. 4670

المؤلف ﵀: أنه يكفي أن يلحق بجيش المسلمين قبل أن يصلوا بالغنيمة إلى أرض المسلمين، مع بذله لأي جهد في تحصيل هذه الغنيمة، ولو حملها أو حراستها. . . إلخ. ولا يلزم أن يشهد القتال، ولا أن يحضر ساحة المعركة. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ سَبَبَانِ: القِيَاس، وَالأَثَرُ). يذكر المؤلف ﵀ هنا سببينِ للاختلاف بين الإمام أبي حنيفة، وبين جمهور أهل العلم في شرط استحقاق المقاتل لسهمه من الغنيمة. * قوله: (أَمَّا القِيَاسُ: فَهُوَ هَلْ يُلْحَقُ تَأْثِيرُ الغَازِي فِي الحِفْظِ بِتَأْثِيرِهِ فِي الأَخْذِ؟ وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي شَهِدَ القِتَالَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الأَخْذِ (أَعْنِي: فِي أَخْذِ الغَنِيمَةِ)، وَبِذَلِكَ اسْتَحَقَّ السَّهْمَ، وَالَّذِي جَاءَ قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إِلَى بِلَادِ المُسْلِمِينَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الحِفْظِ. فَمَنْ شَبَّهَ التَّأْثِيرَ فِي الأَخْذِ؛ قَالَ: يَجِبُ لَهُ السَّهْم، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرِ القِتَالَ، وَمَنْ رَأَى أَنَّ الحِفْظَ أَضْعَف، لَمْ يُوجِبْ لَهُ). ها هو المؤلف ﵀ يشرح السبب الأول - وهو القياس - للاختلاف بين الإمام أبي حنيفة، وبين جمهور أهل العلم في شرط استحقاق المقاتل لسهمه من الغنيمة. وبيان ذلك: أن أبا حنيفة يرى قياس الذي حفظ الغنيمة، على مَن أخذها؛ فكلاهما يتساوى في استحقاق سهمٍ منها. أما جمهور الفقهاء فلا يعتدون بهذا القياس؛ وإنما يرون أن الذي يحفظها لم يبذل مثل بذل من أخذها بالقتال في أرض المعركة؛ فذهبوا للتفريق بينهما في مقدار ما يستحقانه من الغنيمة. * قوله: (وَأَمَّا الأَثَر، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ أَثَرَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ). ثم يتنقل المؤلِّف ﵀ لشرح السبب الثاني - وهو الأَثَرُ - للاختلاف

стр. 4671

بين الإمام أبي حنيفة، وبين جمهور أهل العلم في شرط استحقاق المقاتل لسهمه من الغنيمة. * قوله: (أَحَدُهُمَا: مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "بَعَثَ أَبَانَ بْنَ سَعِيدٍ عَلَى سَرِيَّةٍ مِنَ المَدِينَةِ قِبَلَ نَجْدٍ، فَقَدِمَ أَبَانٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بخَيْبَرَ بَعْدَمَا فَتَحُوهَا، فَقَالَ أَبَانٌ: اقْسِمْ لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمْ يَقْسِمْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " (١)). ووجه استدلالهم: في هذا الحديث جواز طلب الرجل أن يُسْهم له من الغنيمة إذا قدم قبل القسمة وإن لم يشهد الواقعة. * قوله: (وَالأَثَرُ الثَّانِي: مَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: "إِنَّ عُثْمَانَ انْطَلَقَ فِي حَاجَةِ اللَّهِ وَحَاجَةِ رَسُولِهِ، فَضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَهْمٍ، وَلَمْ يَضْرِبْ لِأَحَدٍ غَابَ عَنْهَا" (٢)). فَاحتجُّوا بهذا على وُجُوب القَسْم لِمَن لَحِق الجيش قبل القسم. * قوله: (قَالُوا: فَوَجَبَ لَهُ السَّهْمُ؛ لِأَنَّ اشْتِغَالَهُ كَانَ بِسَبَبِ الإِمَامِ).

стр. 4672

وأجَابَ على ذَلكَ بعض العلماء بأنَّ هذا خاصٌّ بعثمان ﵁؛ لأنه كان ممرض ابنة رسول الله ﷺ ، وهو معنى قوله: "حاجة الله وحاجة رسوله"، يريد بذلك حاجة عثمان في حق الله وحق رسوله، ومن احتجَّ بهذا في وجوب القسم لمَنْ لحق الجيش قبل القسم، فهو غير مصيب؛ وذلك أنَّ عثمان ﵁ كان بالمدينة، وهذا القائل لا يقسم لمَنْ كان في المصر، فلا موضع لاستدلاله فيه. * قوله: (قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ المُنْذِرِ: "وَثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: الغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الوَقِيعَةَ" (١)). إجماع العلماء أن الأربعة الأخماس لمَنْ شهد الوقيعة من الرجال البالغين منهم (٢). * قوله: (وَأَمَّا السَّرَايَا الَّتِي تَخْرُجُ مِنَ العَسَاكرِ، فَتَغْنَم، فَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ أَهْلَ العَسْكَرِ يُشَارِكونَهُمْ فِيمَا غَنِمُوا، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا الغَنِيمَةَ وَلَا القِتَالَ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﵊: "وَتُرَدُّ سَرَايَاهُمْ عَلَى قَعَدَتِهِمْ"، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٣)، وَلِأَنَّ لَهُمْ تَأْثِيرًا أَيْضًا فِي أَخْذِ الغَنِيمَةِ). المُتَسرِّي: هو الَّذي يخرج في السَّريَّة، ومَعْناه: أن يخرجَ الجيش، فيُنِيخُوا بقرب دار العدو، ثمَّ ينفصل منهم سرية، فيغنموا، فإنهم يردُّون ما

стр. 4673

غنموه على الذين هم ردء لهم لا ينفردون به، فأما إذا كان خروج السرية من البلد، فإنهم لا يردون على المقيمين في أوطانهم شيئًا. * قوله. (وَقَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "إِذَا خَرَجَتِ السرِيَّةُ بِإِذْنِ الإِمَامِ مِنْ عَسْكَرِهِ خَمَّسَهَا، وَمَا بَقِيَ فَلِأَهْلِ السَّرِيَّةِ، وَإِنْ خَرَجُوا بِغَيْرِ إِذْنِهِ خَمَّسَهَا، وَكَانَ مَا بَقِيَ بَيْنَ أَهْلِ الجَيْشِ كُلِّهِ" (١). وَقَالَ النَّخَعِيُّ: "الإِمَامُ بِالخِيَارِ؛ إِنْ شَاءَ خَمَّسَ مَا تَرُدُّ السَّرِيَّة، وَإِنْ شَاءَ نَفَّلَهُ كلَّهُ") (٢). والمراد هاهنا هو بيان حُكم الغنيمة التي تُحرِزُها السريَّة في القتال، والحُكم في هذه المسألة يختلف ما بين حالتين: فإما أن تكون هذه السرية قد خرجَت بإذن الإمام، وإما أن تكون قد خرجَت دون إذنه. وهذه المسألة فيها أقوال متعددةٌ، سيعود المؤلِّف إلى بيانها وتناوُلِها تفصيلًا، ولكن الحُكم فيها على وجه الإجمال كما يلي: • ما تحرزه السرية من الغنيمة عند خروجها بإذن الإمام: فإذا خرج الإمام للقتال ودخَلَ دارَ الحرب وأرسَلَ بين يديه سريَّةً من السرايا، فإن هذه السرية إذا غنِمَت شيئًا، فحينئذٍ يأخذ الإمام خُمُسَ ما غَنِمَتْهُ ثم أعطاهم ما تبقى منه، والعلماء يختلفون في هذه القسمة، فمنهم مَن يرى أن الإمام يأخذ الخُمُسَ ثم يعطي السرية رُبُعَ ما تبقى ثم يوزع الباقي بين الجيش والسرية، وهذا يكون في حالة البداءة التي سيَعرِضُ لها المؤلِّفُ آنفًا، وهناك حالة أُخرى وهي حالة الرجعة، وفي حالة الرجعة هذه تختلف القسمة عن حالة البداءة، وهذا كله سيتناوله المؤلِّف بالشرح.

стр. 4674

• ما تُحرزه السريَّة من الغنيمة عند خروجها بدون إذن الإمام: وفي هذه الحالة يكون الإمام بالخيار، بحيث إن له آنذاك أن يأخذ الخُمُسَ ثم يوزِّع الباقي بين الجيش والسرية، وله خلاف ذلك أيضًا كما سيأتي تفصيله آنفًا. * قوله: (وَالسَّبَبُ أَيْضًا فِي هَذَا الاخْتِلَافِ هُوَ تَشْبِيهُ تَأْثِيرِ العَسْكَرِ فِي غَنِيمَةِ السَّرِيَّةِ بِتَأْثِيرِ مَنْ حَضَرَ القِتَالَ بِهَا، وَهُمْ أَهْلُ السَّرِيَّةِ). والمراد هاهنا من كلام المؤلِّف ﵀ أن الجيش وإن لم يقاتل مع السرية إلا أنه كان ردءًا لها، ولذا فإن للعسكر تأثيرًا في هذه الغنيمة التي غنمَتها السرية؛ لأنه كان آنذاك بمثابة مَن يحفظها أثناء قتالها. * قوله: (فَإِذَنْ، الغَنِيمَةُ إِنَّمَا تَجِبُ عِنْدَ الجُمْهُورِ لِلْمُجَاهِدِ بِأَحَدِ شَرْطَيْنِ). مراد المؤلف ﵀ هاهنا أن هذا الكلام إنما هو خلاصة القول في المسألة. فجمهور أهل العلم ذَهَبَ إلى أن المجاهِدَ إنما يستحق الغنيمةَ إذا توفَّرَ فيه أحَدَ شرطَين، وهما: * قوله: (إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ حَضَرَ القِتَالَ) (١).

стр. 4675

وهذا الشرط الأول محلُّ اتفاقٍ بين أهل العلم بحيث لا ينازع فيه أحدٌ، وهو أن مَنْ حضَرَ القتالَ وأَسهَمَ فيه فإنه يستحقّ سهمه من الغنيمة، وكذلك مَن كان من المجاهِدِينَ الغازين ولم يدخل المعركة فإنه كذلك يستحقّ نصيبه من الغنيمة، كلّ هذا متفَقٌ عليه. أما الخلاف في هذه المسألة فإنه - كما مَرَّ معنا - يدور حول التجار والأجراء المصاحِبِين للغزاة. * قوله: (وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ رِدْءًا لِمَنْ حَضَرَ القِتَالَ) (١). وهذا هو الشرط الثاني، الذي إذا توافر في المجاهِدِ كان سببًا في استحقاقه نصيبًا من الغنيمة. والمراد من هذا الشرط: أن الجيشَ يكون رِدءًا للسرية وحافظًا لها إذا ما تقدَّمَت هذه السرية بإذن الإمام وأغارَت على الأعداء، وظفرَت منهم بشيءٍ؛ لأن الجيش حينئذٍ يكون حافظًا لهذه السرية ومَدَدًا لها، مما يكون سببًا في استحقاقه مشارَكة السرية فيما تغنمه. * قوله: (وَأَمَّا كمْ يَجِبُ لِلْمُقَاتِلِ؟ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الفَارِسِ، فَقَالَ الجُمْهُورُ: لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، سَهْمٌ لَه، وَسَهْمَان لِفَرَسِهِ (٢). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "لِلْفَارِسِ سَهْمَان، سَهْمٌ لِفَرَسِهِ، وَسَهْمٌ لَهُ") (٣).

стр. 4676

أقوال العلماء في حُكْمِ ما يستحقه الغانمون من الغنيمة: القول الأول: أن الفَرَسَ يُعطَى سهمان والفارس يُعطَى سهمًا، بحيث يأخذ الذي يقاتل على فَرَسٍ ثلاثة أسهُم، ويأخذ الذي يقاتل راجلًا سهمًا واحدًا، وهذا القول هو ما ذهبَ إليه جمهور أهل العلم، وهم الأئمة الثلاثة مالكٌ (١)، والشافعيُّ (٢)، وأحمدُ (٣). القول الثاني: أن الفارس يأخذ سهمين، والراجل يأخذ سهمًا واحدًا، بحيث يجب ألا يزيد نصيب الفَرَس عن نصيب الفارس، وبهذا القول قال أبو حنيفة (٤). فمحل الخلاف إذن: إنما هو في نصيب الفارس، أما نصيب الراجل فمحلّ اتفاقٍ بين القولين، بحيث ذهب الجمهور إلى إعطاء الفارس سهمًا له وسهمين لفرسه، أما أبو حنيفة فذهب إلى إعطاء الفارس سهمًا له وسهمًا لفرسه. وقد سبق أن أَشَرْنَا إلى أنَّ مَن العلماء مَن قال بأن الفارس لا يأخذ إلا على فرسٍ واحدٍ، ومنهم مَن قال بأنه لا يأخذ إلا على اثنين، فعلى القول بأن الفارس يأخذ عن فرسين فلو أنَّ إنسانًا قاتل على فَرَسٍ وأعطَى فرسًا لغيره كي يقاتِل عليه، فإنه حينئذٍ - على مذهب الجمهور - يستحقّ خمسة أسهُمٍ، بحيث يأخذ سهمين عن الفرس الذي قَاتَلَ عليه وسهمين عن الفرس الذي أعطاه لغيره وسهمًا له، فيكون المجموع حينئذٍ خمسةَ أسُهمٍ. دليل مذهب الجمهور في المسألة: الحديث الصحيح المتَّفَق علية عن عبد الله بن عمر ﵄ أن

стр. 4677

رسول الله ﷺ : "قد جَعَلَ للفَرَس سهمَين، وجَعَلَ لصاحبه - يعني: للفارس - سهمًا واحدًا" (١). * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: اخْتِلَافُ الآثَارِ، وَمُعَارَضَةُ القِيَاسِ لِلْأَثَرِ). فكلُّ فريقٍ من الفريقين قد استدَلَّ على قوله بنصوصٍ من السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ: أما أبو حنيفة ﵀ فقد استدلَّ بدليلِ وَرَدَ فيه: "أن رسول الله ﷺ أعطى الفارسَ سهمين، سهمًا له وسهمًا لفرَسه" (٢)، فوقَفَ أبو حنيفة عند هذا النصِّ وجَعَلَهُ حُجَّةً له في المسألة. وأما جمهور أهل العلم: فإنما استدلّوا بعدة أحاديث، منها حديث عبد الله بن عمر السابق المتفَق عليه والذي ورَدَ في "الصحيحين"، وكذلك استدلوا بحديث عن عبد الله بن عباس ﵄ وفيه: "أن رسول الله ﷺ أعطى للفرس سهمين، وللفارس سهمًا" (٣). ومن أدلتهم أيضًا: ما ورَدَ في يوم خيبر: "أن رسول الله ﷺ أعطى أخوين ستة أسهُمٍ، سهمين لهما وأربعةً لفرسيهما" (٤)، وكل هذه الأحاديث

стр. 4678

التي استدلَّ بها جمهور العلماء هي أحاديث صحيحةٌ ثابتةٌ عن رسول الله ﷺ . ردُّ جمهور أهل العلم على دليل أبي حنيفة: أن هذا الحديث الذي استدلَّ به أبو حنيفة إنما قد تكلَّمَ فيه العلماءُ وتأوَّلوه، بل قد اعتبروه ليس صريحًا، كما أنه انفرَدَ به راويه، وكذلك فإن هذا الحديث تتطرق إليه عدة احتمالاتٍ ذكرَهَا العلماء تفصيلًا، بخلاف حديث عبد الله بن عمر الذي له من كثرة الشواهد ما يقترب به على الوصول إلى حَدِّ التواتُرِ. * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ خَرَّجَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَسْهَمَ لِرَجُلٍ وَفَرَسِهِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ: سَهْمَانِ لِلْفَرَسِ، وَسَهْمٌ لِرَاكِبِهِ" (١). وهذا القول من المؤلِّف فيه نظرٌ لا شكَّ؛ لأنه قد يوهِمُ بأن أبا داود ﵀ انفرَدَ بتخريج هذا الحديث، فالعبارة ليست بالسديدة، وإنما خَرَّجَ هذا الحديثَ البخاريُّ ومسلمٌ في صحيحيهما، ومعهما خرَّجَه أبو داود في "سُنَنِهِ"، وأحمدُ في "مُسنَدِهِ" (٢)، وغيرهم كثيرٌ (٣)، وإذا كان الحديث في "الصحيحين" فلا يجدُرُ حينئذٍ أن نقول: (خرجه أبو داود)، وإنما نذكُرُ أبا داود مع ذِكرِنَا للصحيحين، فكان ينبغي على المؤلِّفِ الإشارة إلى وجود الحديث في "الصحيحين"؛ لأن هذا إنما هو ميزةٌ للحديث وترجيحٌ له على غيره من الأدلة عند التعارُضِ.

стр. 4679

* قوله: (وَخَرَّجَ أَيْضًا عَنْ مُجَمِّعِ بْنِ حَارِثَةَ الأَنْصَارِيِّ مِثْلَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ). يعني: أن أبا داود خَرَّجَ هذا الحديث عن مجمع بن حارثة (١) الأنصاري بما يُستَدَلُّ به لقول أبي حنيفة، وهو: "أن رسول الله ﷺ أعطى سهمًا للفرس وسهمًا لغيره" (٢). وقد تَكَلَّمَ أبو داود عن هذا الحديث وذَكَرَ أن الذي وردَ فيه إنما هو ثمانية عشر سهمًا، وأن الرجال كانوا ألفًا وخمسمائة (٣). وقال بعض العلماء: بل كانوا ألفًا وأربعمائة (٤)، وقال البعض: إن الفرسان كانوا مائتين لا ثلاثمائة، فإذا كان الفرسان مائتين، وكان الرجال ألفًا وثلاثمائة؛ فحينئذٍ يكون هذا الحديث موافقًا لأدلة الجمهور التي هي أقوى منه. وقد اقتَصرَ المؤلِّفُ في ذِكر أدلة الجمهور بحديث ابن عمر ﵄،

стр. 4680

وإلا فإن مذهب الجمهور تشهد له أدلةٌ أُخرى كما ذَكَرْنَا، كحديث ابن عباس ﵄ (١)، وحديث الأخوين يوم خيبر (٢). * قوله: (وَأَمَّا القِيَاسُ المُعَارِضُ لِظَاهِرِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، فَهُوَ أَنْ يَكُونَ سَهْمُ الفَرَسِ أكْبَرَ مِنْ سَهْمِ الإِنْسَانِ). وهذا القياسُ الذي أورَدَهُ المؤلِّفُ غير مسلَّم به؛ لأنه قياسٌ في معارَضة الدليل الصحيح، والأصل عند العلماء المُحقِّقِين أنه لا قياسَ صحيح يعارِضُ نَصًّا صحيحًا. كما أن هناك فرقًا بين مَن يقاتِلُ على قدميه ومَن يقاتِلُ على ظَهر فَرَسٍ؛ لأن للفرس أثرًا أكبر في القتال والمواجَهة، وقد وَرَدَ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخير" (٣). هذا إلى جانب ما يحتاج إليه الفرس من النفقة والعناية، فإن الذي يحتاجه الفرسُ في هذا الصَّدَدِ - لا شكَّ - أنه أكثر مما يحتاجه الإنسان، فالفرس في حاجةٍ دائمةٍ للعناية والرعاية والمتابَعة، وكل هذه الأُمور تحتاج إلى نفقاتٍ، ولذلك كانت الزيادة في سَهْمِ الفَرَسِ. * قوله: (هَذَا الَّذِي اعْتَمَدَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي تَرْجِيحِ الحَدِيثِ المُوَافِقِ لِهَذَا القِيَاسِ عَلَى الحَدِيثِ المُخَالِفِ لَه، وَهَذَا القِيَاسُ لَيْسَ بِشَيْءٍ). وهاهنا يعود المؤلِّفُ لِيُضعِّفَ بنفسه هذا القياسَ الذي أورَدَهُ في مقابَلة النَّصِّ الصحيح، وهو ضعيفٌ بالفعل كما ذَكَرَ.

стр. 4681

* قوله: (لِأَنَّ سَهْمَ الفَرَسِ إِنَّمَا اسْتَحَقَّهُ الإِنْسَانُ الَّذِي هُوَ الفَارِسُ بِالفَرَسِ، وَغَيْرُ بَعِيدٍ أَنْ يَكُونَ تَأْثِيرُ الفَارِسِ بِالفَرَسِ فِي الحَرْبِ ثَلَاثَةَ أَضْعَافِ تَأْثِيرِ الرَّاجِلِ). وهذا التعليل الذي يورِدُهُ المؤلِّفُ هاهنا في ضعف القياس السابق هو تعليلٌ صحيحٌ مُسَلَّمٌ، فالقياس من ناحيةٍ لا يُنظَرُ إليه؛ لكونه قياسًا مع النَّصِّ، ومن ناحيةٍ أُخرى فإن هذا القياس ضعيفٌ في نفسه، لأن الإنسان عندما يُقاتِلُ فوق ظهر الخَيل فإنه يصول ويجول ويخترق الصفوف ويذهب يَمنةً وَيسرةً مما يؤثر على العدوِّ ويزيد النكاية (١) فيه بصفة لا تكون فيمن يقاتِل على قدميه. * قوله: (بَلْ لَعَلَّهُ وَاجِبٌ). وهاهنا يُرادُ بالوجوب: الثبوت، فقوله: (لعله واجبٌ)، أي: لعله ثابتٌ. ومجيء الواجب بمعنى الثابت قد وَرَدَ في كتاب الله في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦]، أي: ثبتَتْ جنوبُها واستقرَّت على الأرض. * قوله: (مَعَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَثْبَتُ) (٢). وكأنَّ المؤلِّف هاهنا رجَعَ وخالَفَ قولَه الأولَ، فإنه فيما مضى قال: (خرجه أبو داود). ثم إذا به يقوله هاهنا: (أَثْبَتُ).

стр. 4682

والنهج الذي وَضَعَهُ المؤلِّفُ لنفسه في هذا الكتاب أنه إذا قال عن الحديث: (إنه ثابتٌ)، فإن هذا الحديث إما أن يكون في "الصحيحين" أو في أحدهما، ولذا فإن قولَهُ هاهنا: (أَثْبَتُ) يرفَعُ ما في قوله الأول من إيهام انفراد أبي داود بتخريج الحديث. * قوله: (وَأَمَّا مَا يَجُوزُ لِلْمُجَاهِدِ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الغَنِيمَةِ قَبْلَ القَسْمِ، فَإِنَّ المُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ الغُلُولِ" (١). وهذه المسألة من المسائل شديدة الأهمية، وإن كان المؤلِّفُ سيذكرها هاهنا على سبيل الإيجاز، إلا أننا سنُفصل المقالَ فيها، وكذلك سنفعل في كلِّ مسألةٍ نرى أن المقام يستدعي بيانها وجلاء ما بها من الغموض. و"الغلول" (٢): هو أَخْذُ الإنسانِ شيئًا من الغنيمة غير الشيء المسموح له به.

стр. 4683

بمعنى: أن يُبقِيَ في حيازته شيئًا من الغنيمة خفيةً. والغلول من جُملَةِ المُحَرَّمات، بل إنه يكون نارًا على صاحبه وعارًا عليه يوم القيامة؛ لأنَّ الغالَّ قد اعتدى على حقٍّ عامٍّ للمسلمين لينفَرِدَ به، ولذا فإن الله قال في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]، ورسول الله ﷺ قد حَذَّرَ من ذلك أيضًا وبَيَّنَ خطورتَه في أحاديث عدة كما سيأتي معنا. كما أن الغلول يُعَدُّ من القوادح (١) في عدالة فاعله؛ لأنه إنما أخفى ما لا يجوز إخفاؤه، وأخَذَ ما لا يجوز أَخْذهُ بغير حَقٍّ. * قوله: (لِمَا ثَبَتَ فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مِثْلَ قَوْلِهِ ﵊: "أَدِّ الخَائِطَ وَالمَخِيطَ" (٢)). وهذا الحديث فيه ما فيه مِن بلاغة رسول الله ﷺ ، فقوله: "أدُّوا الخيطَ والمخيط" (٣)، إنما هو تعبيرٌ بالغ الدقة؛ لأن هذا الخيطَ الرفيعَ وهذا المخيط اللذين يُتَسامَحُ فيهما عادةً إذا وَجَبَ على الإنسان رَدُّهُما إلى المَغنَم وحَرُمَ عليه أَخْذُهُمَا بغير وجه حقٍّ فإن ما يزيد عنهما يَحْرُمُ أَخْذُهُ ويكون واجبَ الرَّدِّ من باب أَوْلَى. ولذلك فإن رسول الله ﷺ في أحكام السرقة قال: "لَعَنَ اللَّهُ السارقَ، يَسرِق الحبلَ فتُقطَع يَدُه، وَيسرِق البيضةَ فتُقطَع يَدُه" (٤)، مما يدلُّ على خسة (٥) نفس السارق وحقارتها؛ لأنه قد يذل نفسه من أجل أشياءَ

стр. 4684

تافهةٍ لا تستحق في الحقيقة أن يُغضِبَ الإنسان رَبَّهُ ولا أن ينال العقوبتين الدنيوية والأُخروية من أجلها، ولذلك لعن رسول الله ﷺ السارقَ الذي يَسرق الشيءَ التَّافهَ البسيطَ الذي يورده المهالك. وفي هذا دلالةٌ على عدم جواز الغلول، وأن الغالَّ ينبغي عليه أن يبادرَ بالتوبة إلى الله ورَدِّ ما عصَبَهُ وغَلَّهُ إلى المَغنَم، فيما عدا ما وَرَدَ النَّصُّ باستثنائه كما سيأتي. * قوله: (فَإِنَّ الغُلُولَ عَازرٌ وَشَنَارٌ (١) عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ"، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآثَارِ الوَارِدَةِ فِي هَذَا البَابِ). و"الشنار" في اللغة: العار والعيب، ولذا فقد جاء في بعض الروايات: "فإن الغلول نار وشنار" (٢)، أي: أنه نارٌ تحرق صاحبها يوم القيامة، وهو كذلك شنار وشُنعةٌ في الحياة الدنيا؛ لأن الناس يغمزون الغالَّ ويشتهر بينهم ذِكرُه بأنه يأخذ من المَغنَم بغير حقٍّ ويُخفي منه ما لا يجوز له إخفاؤه، فيتلبَّس بهذه الشُّنعة ويوصف بها بين الناس، ولا شكَّ أن المؤمن ينبغي عليه دائمًا أن ينأى بنفسه عن مثل هذه المواطن، وأن يحافظ دائمًا على المنزلة التي كَرَّمَهُ الله بها ورَفَعَه بها بين الناس. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي إِبَاحَةِ الطَّعَامِ لِلْغُزَاةِ مَا دَامُوا فِي أَرْضِ الغَزْوِ). ومراد هذه المسألة هو ما إذا كان يجوز للغزاة أن يأكلوا من الطعام الذي يجدوه في دار الحرب ويعلفوا منه دوابهم أم لا. وقول المؤلِّف بوجود الخلاف هاهنا غير مسلَّمٍ به؛ فإنه بقوله هذا

стр. 4685

إنما يُوسِّع رقعة الخلاف في المسألة مع أنها يسيرةٌ لا تحتمل هذا، بل إن هذه المسألة في الأصل لا خلاف فيها بين أهل العلم، ولم يخالف فيها إلا الإمام الزهريّ، وبعض العلماء وصَفَ قول الزهري في هذه المسألة بالشذوذ وحَكَى الإجماعَ فيها. فالعلماء قد اتَّفقوا على جواز أكل الغزاة وإطعام عبيدهم وعلْف دوابهم مما يجدونه في دار الحرب، وهذا القول بالجواز يقول به كافّة أهل العلم بما فيهم الأئمة الأربعة (١). أدلة الجواز: منها حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁ أنه قال: "أَصَبنا يوم خيبر طعامًا، فكان كلُّ واحدٍ منا يأخذ ما يكفيه ثم ينصرف" (٢). وفي هذا ما فيه من الدلالة على الأدب الرفيع للصحابة رضوان الله عليهم؛ إذ كان الواحد منهم إنما يأخذ قدر حاجته فقط ولا يزيد عن ذلك، ثم ينصرف. وكذلك قصة جيش الشام في عهد عمر ﵁، حينما وجدوا في أرض الشام أنواعًا كثيرةً من الأطعمة ومراعيَ شتَّى، فحينئذٍ كَتَبَ قائد الجيش إلى الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ يستأذنه في أن يأكل الغزاة المسلمون من هذه الأطعمة ويعلفوا منها دوابهم، فجاء ردُّ عُمر ﵁: "دعِ النَّاس يأكلون ما يحتاجون إليه ويعلفوا دوابهم، فمَن باع شيئًا بذهبٍ أو فضةٍ فليردّه إلى الغنيمة" (٣). وفي هذا دليلٌ صارمٌ على جواز الأكل من هذا الطعام وعَلْف

стр. 4686

الدواب منه، بل حتى إذا تَعَذَّرَ حمل الأطعمة - كما كان في ذلك الوقت - فلهم رخصةٌ عامَّةٌ في بيعها وإيداع ثَمَنِها في الغنيمة. وسيأتي الكلام أيضًا فيما إذا أخَذَ الإنسان قدرًا من هذه الأطعمة وأكل منه ما أكَلَ ثم تبقى معه ما يزيد عن حاجته، وما إذا كان يرد هذا الفائض حينئذٍ إلى الغنيمة أم يتصبَّر أو يحرقه، فهذا مما اختلف فيه أهل العلم (١)، بل إن الاختلاف في مثل هذه المسائل فيه دلالة على شدة ورع الفقهاء - رحمهم الله تعالى - وحرصهم على عدم الوقوع في الشبهات، كما هو الحال دائمًا في حقِّ المسلم الذي ينبغي عليه تَجَنُبُ الوقوع في الشبهات، لقول رسول الله ﷺ : "ومَن وقع في الشبهات فقد وقَعَ في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتَعَ فيه" (٢)، وكذلك

стр. 4687

قال ﷺ : "دَعْ ما يُريبك إلى ما لا يريبك" (١). * قوله: (فَأَبَاحَ ذَلِكَ الجُمْهُورُ (٢)، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ قَوْمٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ شِهَابٍ) (٣). ومن مصطلحات صاحب الكتاب أنه أحيانًا يقول: (قال به قوم). وهو يقصد بهذا قولًا واحدًا. وابن شهابٍ الزهري - رحمه الله تعالى - إنما هو تابعيٌّ جليلٌ، ومن أكابر الأئمة ورواة الحديث الذين خدموا سُنَّةَ رسول الله ﷺ خدمةً جليلةً، ولكنه قد خالف في قوله هذا عامَّة أهل العلم، فلا شك في شذوذ قوله

стр. 4688

في هذه المسألة، حتى إن بعض العلماء حَكَى الإجماع (١) فيها واعتبر قوله شاذًّا هاهنا. ومن المعلوم أن العلماء يختلفون، وقد يأتي عالم من العلماء فيتشدَّدُ في قول من باب الأخذ بالاحتياط ويتمسَّك بقوله هذا في مسألةٍ من المسائل، بل إن الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا يختلفون كذلك، وهم أجلُّ الناس وأفضلهم بعد رسول الله ﷺ . * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ الآثَارِ الَّتِي جَاءَتْ فِي تَحْرِيمِ الغُلُولِ؛ لِلْآثَارِ الوَارِدَةِ فِي إِبَاحَةِ أكْلِ الطَّعَامِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ المُغَفَّلِ، وَحَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى). والمؤلف هاهنا قد عَبَّر عن الأحاديث بالآثار، وهو تعبيرٌ خاطئٌ منه، فالأثر قد يُطلَقُ على الحديث، ولكن الأصل في اصطلاح أهل العلم: أن الحديث المرفوع يقال عنه: حديث، أما الموقوف على الصحابة فهو ما يُطلَقُ عليه: (الأثرُ) (٢). * قوله: (فَمَنْ خَصَّصَ أَحَادِيثَ تَحْرِيمِ الغُلُولِ بِهَذ، أَجَازَ أكْلَ الطَّعَامِ لِلْغُزَاةِ، وَمَنْ رَجَّحَ أَحَادِيثَ تَحْرِيمِ الغُلُولِ عَلَى هَذَا، لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ). وهذا التخصيص يبدو في حديث عبد الله بن أبي أوفى.

стр. 4689

* قوله: (وَحَدِيثُ ابْنِ مُغَفَّلٍ هُوَ قَالَ: "أَصَبْتُ جِرَابَ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ"). و"الجراب": هو إناء من جِلد يُحفظ فيه الزاد، بحيث يضع فيه بعض الناس عسلًا، ويضع فيه بعضهم تمرًا، وبعضهم يضع فيه سمنًا، وغير ذلك من أنواع الأطعمة. كما يُطلَق الجراب أيضًا على الحافِظِ الجلديِّ الذي يوضع فيه السيفُ. * قوله: (فَقُلْتُ: "لَا أُعْطِي مِنْهُ شَيْئًا، فَالتَفَتُّ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَبَسَّمُ"، خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ (١) وَمُسْلِمٌ). وهذا لا شكَّ أنه من تمام حُسن أخلاق رسول الله ﷺ ، وكما قالت عائشة ﵂ لما سُئلَت عن أخلاقه ﷺ قالت: "كان خُلقه القرآن" (٢)؛ لأنه ﷺ كان في أخلاقه وتعاملاته يُمثِّل القرآنَ الذي أُنزِل عليه، كما قال الله في آخر سورة التوبة: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾. وهذه الرأفة والرحمة والعطف تتجلَّى هاهنا في موقفه من عبد الله بن مغفل ﵁ حينما وجدَ هذا الجراب من الشحم (٣) فقال: "لا أعطِي منه شيئًا" (٤). ثم التَفَتَ فإذا برسول الله ﷺ يقابله بهذا التبسُّم الرحيم من جانبه، كما كان نهج الرسول ﷺ دائمًا، ونهج الصحابة الذين تربوا في مدرسته ونهلوا من مشكاته وتأثروا بأخلاقه ﷺ ، والذين كان رسول الله

стр. 4690

دائمًا يغرس فيهم هذه الأخلاق، كقوله لهم: "أقربُكُم منِّي منزلةً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا" (١)، وكقوله: "الموطؤون أكنافًا (٢)، المتواضعون لله، ومَن تواضع لله رفعه" (٣)، فهذا هو شأن المؤمنين المتصفين بصفات الإسلام، أن يكونوا على مثل هذا التواضع والعطف، فلا يتعالون على الضعفاء والعَجَزَة. ومعلومٌ أن رسول الله ﷺ كان من عادته أن يبتسم من كلِّ أمرٍ يَعجَبُ منه. بل إن الله عَجِبَ من الشاب الذي لا صبوة (٤) له (٥) الذي ينشأ على الاستقامة ولا يحيد عنها ولا يميل إلى المعصية، على الرغم من صِغَرِ سِنِّهِ وما يعتري هذا السِّنَّ من المغرِيات والفِتَن. وإنما تأتي هذه الاستقامة من ملازَمة الصالحين ومجالس الذِّكر والعِلم، وهكذا كان شأن الصحابة رضوان الله عليهم، وشأن السلف الصالح جملةً أنهم كانوا يحرصون على ملازَمة أبنائهم للصالحين. ومن أولئك الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وهو مَن هو في المكانة والمنزلة وسلامة الدِّين، حتى إنه قيل في شأنه: "أبو بكرٍ يوم الردة، وأحمد يوم الفتنة" (٦)، ولُقِّبَ بإمام السُّنَّةِ رحمه الله تعالى، وكان من عادته ﵀ أنه كان يحرص على ملازَمة أبنائه للصالحين؛ حتى يستفيدوا من صفاتهم ويكتسبوا من أخلاقهم ويتأثروا بسيرتهم.

стр. 4691

هذا لأن الشاب إذا لازم أهل الخير والصلاح فلا شك أنه سيتأثر بهم، فالبيئة التي يعيش الإنسان في كنفها (١) لا بدَّ أن تؤثِّر فيه، ولذلك ينبغي على المسلم أن يكون هذا شأنه دائمًا، وأن يحرص على ملازمة أبنائه للصالحين، وحينئذٍ يَصلُحُ الابنُ ويستقيم، ويُؤجَر الأب على صنيعه بولده، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾. * قوله: (وَحَدِيثُ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: "كُنَّا نُصِيبُ فِي مَغَازِينَا العَسَلَ وَالعِنَبَ فَنَأْكُلُه، وَلَا نَدْفَعُهُ"، خَرَّجَهُ أَيْضًا البُخَارِيُّ (٢)). وهذه روايةٌ أُخرى للحديث، فالرواية التي ذكرناها جاء فيها أنهم أصابوا يوم خيبر طعامًا، فكان أحدهم يأخذ منه وينصرف (٣)، أي: يأخذ منه قدر حاجته ولا يزيد عن ذلك. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي عُقُوبَةِ الغَالِّ). ولا شكَّ أن هذا الغالَّ إنما هو معتدٍ وآثمٌ بسبب ما أَكَلَهُ من مال الناس بالباطل، وقد قال الله : ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، وقال تعالى أيضًا: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. أمَّا من يدَّعي أن الآخذ من الغنيمة ليس عليه شيءٌ، ويتعلل بأن بيت المال فيه حقٌّ لجميع المسلمين، فإن قوله هذا لا يُنظَر إليه ولا يُحتَجُّ به، بل إنه من الشُّبَه الباطلة ليس إلا. فهذا الحق الذي يدَّعِيه إنما هو راجع إلى نظر الإمام وتصرُّفه، فالإمام هو الذي يَنظُر في المصلحة العامَّة، فيُعطِي المحتاجين.

стр. 4692

ولا يجوز للإنسان أن يأخذ ما يعتقد أنه حقٌّ له إلا من طريقه الشرعيِّ؛ لأن الله قد أمَرَنَا أن ندخل البيوت من أبوابها. ولذا؛ فإن هذا الحقَّ العام قد وضَعَه الله في يد الإمام، بحيث يُنفِقه فيما يراه مصلحة للمسلمين، وفيما تحتاجه الدولة لتقوم به وتقوى دعائمها، كبناء المساجد وشقّ الطرق والترع، وإقامة المشروعات الكبيرة، وغير ذلك مما يخضع لتقدير الإمام واحتياجات الأمَّة. * قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: يُحْرَقُ رَحْلُهُ (١)، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ لَهُ عِقَابٌ إِلَّا التَّعْزِيرُ) (٢). فهاهنا قولان لأهل العلم في عقوبة الغالِّ من الغنيمة:

стр. 4693

القول الأول: أن الغالَّ يُحرَق رَحلُهُ. هذا لأن الغلول إنما هو خيانة، ولذا فإنه يُحرَق رَحلُ الغالِّ تأديبًا له، ومن المعلوم أن النبي ﷺ تكلَّم في حق المتخلفين عن صلاة الجماعة وأنه هَمَّ أن يُحَرِّقَ عليهم بيوتهم، فقال ﷺ : "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ فِتْيَانِي فَيَجْمَعُوا حَطَبًا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يَؤُمُّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفُ إِلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُون عَنِ الصَّلَاةِ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ" (١)، والغالُّ إنما هو من المعتدين؛ لأنه أخذ ما هو حقٌّ له ولغيره، ولذا فإنه هاهنا لا يُقطَعُ بحد السرقة لوجود الشبهة، ولكنه لا يُقَرُّ على فِعِلِه. القول الثاني: أنه لا يُعاقَب إلا بالتعزير الذي يراه الإمام في حقِّه. ومن المعلوم أن الله قد فَرَضَ حدودًا يجب ألا تُتجَاوَزَ، وكذلك وضعَ التعزير كعقوبةٍ متروكةٍ إلى اجتهاد الإمام، بحيث يجتهد فيها ولا يصل بها إلى الحدِّ، كعقوبة الإفساد في الأرض، والتي قال الله فيها: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [المائدة: ٣٣]. ولا شكَّ أن الجرائم قد كثرَت وتنوَّعَت في زماننا هذا، بل ظَهَرَ منها ما لم يكن موجودًا في الزمان الأول، كالمخدِّرات مثلًا، فيُرجَعُ في هذا كلِّه إلى القاعدة العامة في كلِّ مسكرٍ، وأن كلَّ ما أسكَرَ كثيره فقليله حرامٌ (٢)؛ هذا لأن من شأن هذه المخدِّرات أن تُضيِّع العقول والأنفُسَ

стр. 4694

والأموالَ، وتُفسد الأُسَرَ، حتى أن الإنسان بسببها صار يرتكب الجرائم في حقِّ عامة الناس، وكذلك في حقِّ أُمِّه وأُخته، وكل ذلك مما نهى الله عنه، ولا شكَّ أن الذين يجلبون هذه الشرور على الناس يستحقون أشد العقوبات، وهي القتل، وسيأتي إن شاء الله مزيد كلامٍ في هذا الباب عندما نصل إليه. وخلاصة القول هاهنا: هو انقسام أهل العلم في عقوبة الغالِّ من الغنيمة إلى هذين القولين اللَّذين ذكرناهما، فالقول الأول بأن الغالَّ يُحرَق رَحلُه، والقول الثاني بأن يُعزَّرَ. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: اخْتِلَافُهُمْ فِي تَصْحِيحِ حَدِيثِ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَائِدَةَ، عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ ﵊: "مَنْ غَلَّ، فَأَحْرِقُوا مَتَاعَهُ") (١). وهذا الحديث قد أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" (٢)، وأبو داود (٣)، والترمذي (٤)، والبيهقي (٥) في سُنَنِهِم، وغيرهم كذلك (٦)، وبالرغم من تعدد طُرق هذا الحديث إلا أن العلماء قد تكلَّموا فيه (٧).

стр. 4695

لكن لا شكَّ في تحريم الغلول، وأن الله تعالى قد حذَّرَ منه وبيَّنَ خطورته، كما حذَّر منه رسول الله ﷺ في أحاديث صحيحةٍ ثابتةٍ عنه، وأن الغالَّ بالرغم من أنه لا يقام عليه حَدُّ السرقة، إلا أنه لا خلاف بين العلماء في أنه يستحق العقوبة، ولكن الخلاف بينهم فيما إذا كان يعاقَبُ بحَرقِ رحلِهِ من باب العقوبة بالمثل لكي يكون هذا رادعًا له، أو أنه يُعزَّر. وفي مسألة جواز العقوبة بالحَرْقِ قد ذَكَرْنَا حديث رسول الله ﷺ في أنه قد هَمَّ أن يحرق على المنافِقِين بيوتَهم، ومن المعلوم أنه ﷺ لا يَهُمُّ إلا بما يجوز له. قال المصنف رحمه الله تعالى: (الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ الأَنْفَالِ (١)) كنا قد ذكرنا الفيء وقول الله : ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، وكذلك تكلمنا عن الغنيمة وقوله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]، وهاهنا سيتكلم المؤلِّف عن الأنفال التي ذَكَرَها الله في مَطلَع سورةٍ كريمةٍ سُمِّيَت بهذا الاسم، فقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾ [الأنفال: ١]. و"الأنفال" هي الغنيمة نفسها، وهي التي جاء إجماع العلماء على
следующие страницы →