هذا لأن الشاب إذا لازم أهل الخير والصلاح فلا شك أنه سيتأثر بهم، فالبيئة التي يعيش الإنسان في كنفها (١) لا بدَّ أن تؤثِّر فيه، ولذلك ينبغي على المسلم أن يكون هذا شأنه دائمًا، وأن يحرص على ملازمة أبنائه للصالحين، وحينئذٍ يَصلُحُ الابنُ ويستقيم، ويُؤجَر الأب على صنيعه بولده، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾.
* قوله: (وَحَدِيثُ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: "كُنَّا نُصِيبُ فِي مَغَازِينَا العَسَلَ وَالعِنَبَ فَنَأْكُلُه، وَلَا نَدْفَعُهُ"، خَرَّجَهُ أَيْضًا البُخَارِيُّ (٢)).
وهذه روايةٌ أُخرى للحديث، فالرواية التي ذكرناها جاء فيها أنهم أصابوا يوم خيبر طعامًا، فكان أحدهم يأخذ منه وينصرف (٣)، أي: يأخذ منه قدر حاجته ولا يزيد عن ذلك.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي عُقُوبَةِ الغَالِّ).
ولا شكَّ أن هذا الغالَّ إنما هو معتدٍ وآثمٌ بسبب ما أَكَلَهُ من مال الناس بالباطل، وقد قال الله : ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، وقال تعالى أيضًا: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.
أمَّا من يدَّعي أن الآخذ من الغنيمة ليس عليه شيءٌ، ويتعلل بأن بيت المال فيه حقٌّ لجميع المسلمين، فإن قوله هذا لا يُنظَر إليه ولا يُحتَجُّ به، بل إنه من الشُّبَه الباطلة ليس إلا.
فهذا الحق الذي يدَّعِيه إنما هو راجع إلى نظر الإمام وتصرُّفه، فالإمام هو الذي يَنظُر في المصلحة العامَّة، فيُعطِي المحتاجين.
стр. 4692
ولا يجوز للإنسان أن يأخذ ما يعتقد أنه حقٌّ له إلا من طريقه الشرعيِّ؛ لأن الله قد أمَرَنَا أن ندخل البيوت من أبوابها.
ولذا؛ فإن هذا الحقَّ العام قد وضَعَه الله في يد الإمام، بحيث يُنفِقه فيما يراه مصلحة للمسلمين، وفيما تحتاجه الدولة لتقوم به وتقوى دعائمها، كبناء المساجد وشقّ الطرق والترع، وإقامة المشروعات الكبيرة، وغير ذلك مما يخضع لتقدير الإمام واحتياجات الأمَّة.
* قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: يُحْرَقُ رَحْلُهُ (١)، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ لَهُ عِقَابٌ إِلَّا التَّعْزِيرُ) (٢).
فهاهنا قولان لأهل العلم في عقوبة الغالِّ من الغنيمة:
стр. 4693
القول الأول: أن الغالَّ يُحرَق رَحلُهُ.
هذا لأن الغلول إنما هو خيانة، ولذا فإنه يُحرَق رَحلُ الغالِّ تأديبًا له، ومن المعلوم أن النبي ﷺ تكلَّم في حق المتخلفين عن صلاة الجماعة وأنه هَمَّ أن يُحَرِّقَ عليهم بيوتهم، فقال ﷺ : "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ فِتْيَانِي فَيَجْمَعُوا حَطَبًا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يَؤُمُّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفُ إِلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُون عَنِ الصَّلَاةِ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ" (١)، والغالُّ إنما هو من المعتدين؛ لأنه أخذ ما هو حقٌّ له ولغيره، ولذا فإنه هاهنا لا يُقطَعُ بحد السرقة لوجود الشبهة، ولكنه لا يُقَرُّ على فِعِلِه.
القول الثاني: أنه لا يُعاقَب إلا بالتعزير الذي يراه الإمام في حقِّه.
ومن المعلوم أن الله قد فَرَضَ حدودًا يجب ألا تُتجَاوَزَ، وكذلك وضعَ التعزير كعقوبةٍ متروكةٍ إلى اجتهاد الإمام، بحيث يجتهد فيها ولا يصل بها إلى الحدِّ، كعقوبة الإفساد في الأرض، والتي قال الله فيها: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [المائدة: ٣٣].
ولا شكَّ أن الجرائم قد كثرَت وتنوَّعَت في زماننا هذا، بل ظَهَرَ منها ما لم يكن موجودًا في الزمان الأول، كالمخدِّرات مثلًا، فيُرجَعُ في هذا كلِّه إلى القاعدة العامة في كلِّ مسكرٍ، وأن كلَّ ما أسكَرَ كثيره فقليله حرامٌ (٢)؛ هذا لأن من شأن هذه المخدِّرات أن تُضيِّع العقول والأنفُسَ
стр. 4694
والأموالَ، وتُفسد الأُسَرَ، حتى أن الإنسان بسببها صار يرتكب الجرائم في حقِّ عامة الناس، وكذلك في حقِّ أُمِّه وأُخته، وكل ذلك مما نهى الله عنه، ولا شكَّ أن الذين يجلبون هذه الشرور على الناس يستحقون أشد العقوبات، وهي القتل، وسيأتي إن شاء الله مزيد كلامٍ في هذا الباب عندما نصل إليه.
وخلاصة القول هاهنا: هو انقسام أهل العلم في عقوبة الغالِّ من الغنيمة إلى هذين القولين اللَّذين ذكرناهما، فالقول الأول بأن الغالَّ يُحرَق رَحلُه، والقول الثاني بأن يُعزَّرَ.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: اخْتِلَافُهُمْ فِي تَصْحِيحِ حَدِيثِ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَائِدَةَ، عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ ﵊: "مَنْ غَلَّ، فَأَحْرِقُوا مَتَاعَهُ") (١).
وهذا الحديث قد أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" (٢)، وأبو داود (٣)، والترمذي (٤)، والبيهقي (٥) في سُنَنِهِم، وغيرهم كذلك (٦)، وبالرغم من تعدد طُرق هذا الحديث إلا أن العلماء قد تكلَّموا فيه (٧).
стр. 4695
لكن لا شكَّ في تحريم الغلول، وأن الله تعالى قد حذَّرَ منه وبيَّنَ خطورته، كما حذَّر منه رسول الله ﷺ في أحاديث صحيحةٍ ثابتةٍ عنه، وأن الغالَّ بالرغم من أنه لا يقام عليه حَدُّ السرقة، إلا أنه لا خلاف بين العلماء في أنه يستحق العقوبة، ولكن الخلاف بينهم فيما إذا كان يعاقَبُ بحَرقِ رحلِهِ من باب العقوبة بالمثل لكي يكون هذا رادعًا له، أو أنه يُعزَّر.
وفي مسألة جواز العقوبة بالحَرْقِ قد ذَكَرْنَا حديث رسول الله ﷺ في أنه قد هَمَّ أن يحرق على المنافِقِين بيوتَهم، ومن المعلوم أنه ﷺ لا يَهُمُّ إلا بما يجوز له.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ الأَنْفَالِ (١))
كنا قد ذكرنا الفيء وقول الله : ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، وكذلك تكلمنا عن الغنيمة وقوله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]، وهاهنا سيتكلم المؤلِّف عن الأنفال التي ذَكَرَها الله في مَطلَع سورةٍ كريمةٍ سُمِّيَت بهذا الاسم، فقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾ [الأنفال: ١].
و"الأنفال" هي الغنيمة نفسها، وهي التي جاء إجماع العلماء على
стр. 4696
تخميسها (١)، بخلاف الفيء الذي اختلفوا في تخمسيه.
و"الأنفال" في اللُّغة: جمع (نَفَلٍ)، والنفل معناه: الزيادة، ولذلك تُسَمَّى الصلوات المسنونة بالنوافل، أي: الصلوات الزائدة على الصلوات المفروضات، كما جاء في الحديث القدسي: "مما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبّ إليَّ ممَّا افترضتُه عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سَمْعَهُ الذي يسمع به وبَصَرَهُ الذي يبصر به. . ." (٢) إلى آخر الحديث القدسيّ الشريف، وكما في قول الله : ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢]، فإبراهيم ﵇ قد دعا ربَّه أن يهبه ولدًا صالحًا، فاستجاب له الله ووهبه إسحاق، ووهبه من ذرية إسحاق يعقوب نافلةً - أي: زيادةً على ما دعا به -، ويعقوب إنما هو والد يوسف ﵈.
والأنفال في الاصطلاح الفقهي، تعني: الزيادة على السهم الذي يأخذه الغانمون (٣).
أي: أن الأنفال تدور حول ما إذا كان يجوز للإمام أن يعطي الغانمين عطيةً زائدةً على ما أخذوه أم لا.
* قوله: (وَأَمَّا تَنْفِيلُ الإِمَامِ مِنَ الغَنِيمَةِ لِمَنْ شَاءَ، أَعْنِي: أَنْ يَزِيدَهُ عَلَى نَصِيبِهِ).
أما الإمام فإنما هو نائب عن رسول الله ﷺ وخليفةٌ له، ومن المعلوم
стр. 4697
أن الله قد خَلَقَ الإنسان وأنزله إلى هذه الأرض لعبادته كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]، وكذلك من أجل عمارة الأرض، كما قال : ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، وعمارة الأرض يأتي في مقدمتها طاعة الله ، ونشر الفضيلة والعدل والخير بين الناس، ودعوة الناس إلى الدِّين الحق، وإقامة الحياة على الأرض بحرث الأرض وزرعها وتشييد المباني والمصانع وتقوية الدولة الإسلامية بما يعينها على أداء رسالتها التي فرضها الله عليها.
ولا شكَّ أن الإمام له من التصرف في الأُمور ما ليس لغيره، لأنه قائمٌ بأُمور المسلمين بعد رسول الله ﷺ مهتمٌّ بمصالحهم راعٍ لها، ولذا فإنه ينظر لما فيه الخير للأمة كلها.
* قوله: (فَإِنَّ العُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ (١)، وَاخْتَلَفُوا مِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَكُونُ النَّفْلُ، وَفِي مِقْدَارِهِ؟).
стр. 4698
فللإمام أن يعطي الغانمين زيادة على نصيبهم، وليس هذا محلّ خلافٍ بين أهل العلم، ولكن محلّ الخلاف إنما هو في القدر الذي ينفله الإمام للغانم، وكذلك في كيفية هذا التنفيل، وما إذا كان الإمام يعطيه من أصل الغنيمة، أم أنه يعطيه من الخُمُس، وما إذا كان يجوز له أن ينفل الغنيمة كلها أم لا.
* قوله: (وَهَلْ يَجُوزُ الوَعْدُ بِهِ قَبْلَ الحَرْبِ؟).
فالمراد ما إذا كان يجوز للإمام أن يَعِدَ غيره من الناس قبل الحرب بنفَلٍ خاصٍّ أم لا.
وبعض العلماء يذهبون في هذه المسألة إلى عدم الجواز (١) بناءً على أن المجاهد مي سبيل الله يبتغي بجهاده وجه الله ، وليس النفل غايةً له في هذا.
ولكنا نقول: إن المجاهد في سبيل الله لا يريد غير وجه الله ، ولكن هذا لا يمنع أو يوعد بالنفل، بحيث يكون هذا الوعد دافعًا له لا غايةً.
* قوله: (وَهَلْ يَجِبُ السَّلَبُ (٢) لِلْقَاتِلِ؟).
والمراد هاهنا هو هذا السلب الذي يحصل عليه القاتل بعد انتهاء المعركة، فيما إذا كان واجبًا له على وجه الحَتْمِ، أم أنه الأصل فيه أنه له ولغيره كسائر المَغنَم ويأخذه القاتل على وجه الجواز فقط.
стр. 4699
* قوله: (أَمْ ليْسَ يَجِبُ إِلَّا أَنْ يُنَفِّلَهُ لَهُ الإِمَامُ؟ فَهَذ أَرْبَعُ مَسَائِلَ هِيَ قَوَاعِدُ هَذَا الفَصْلِ).
بمعنى: هل السلب واجبًا للقاتل كقاعدةٍ عامَّةٍ حتى ولو لم يَعِد الإمامُ بهذا؟ أم أن أخْذَه يتوقف على تنفيل الإمام بذلك؟
* قوله: (أَمَّا المَسْأَلَةُ الأُولَى، فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: النَّفْلُ يَكُونُ مِنَ الخُمُسِ الوَاجِبِ لِبَيْتِ مَالِ المُسْلِمِينَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ) (١).
القول الأول: أنه يكون من الخُمُس.
وهذا هو قول الإمام مالكٍ ﵀، ومعه جماعةٌ من العلماء على هذا القول (٢).
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: بَلِ النَّفْلُ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ خُمُسِ الخُمُسِ، وَهُوَ حَظُّ الإِمَامِ فَقَطْ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الشَّافِعِيُّ) (٣).
القول الثاني: أنه يكون من خُمُس الخُمُس.
وهذا القول إنما هو قول الإمام الشافعي ﵀.
والمراد بالخُمُس هو ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، فهؤلاء الخمسة هم المستحقون لهذا الخُمُس.
стр. 4700
فأما مالكٌ (١) فقال بأن النفل يكون من الخُمُس مجتمعًا، وأما الشافعي (٢)؛ فقال بأنه يكون من خُمُس الخُمُس، وهو الخُمُس الخاصّ بالإمام فقط، دون ما سواه من حَظِّ ذي القُربَى واليتامى والمساكين وابن السبيل.
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: بَلِ النَّفْلُ مِنْ جُمْلَةِ الغَنِيمَةِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ (٣)، وَأَبُو عُبَيْدةَ) (٤).
القول الثالث: أن النفل يكون من جملة الغنيمة، أي: أنه يُخرَجُ من جملة الغنيمة قبل تقسيمها.
وهذا القول قد قال به الإمام أحمد وأبو عبيد رحمهما الله، و"أبو عبيدة" إذا أُطلِقَ فإنما يراد به أبو عبيدة القاسم، وليس هو المراد هاهنا، فالمراد هاهنا هو (أبو عبيدٍ)، وليس (أبا عبيدة) كما ذَكَرَ المؤلِّف.
* قوله: (وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ أَجَازَ تَنْفِيلَ جَمِيعِ الغَنِيمَةِ).
القول الرابع: جواز تنفيل الغنيمة كلها (٥).
وهذا قول أكثر العلماء الذين لم يُسَمِّهِم المؤلِّف هاهنا، بأنه يجوز للإمام أن يُنفِّل جميع الغنيمة.
стр. 4701
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ هُوَ: هَلْ بَيْنَ الآيَتَيْنِ الوَارِدَتَيْنِ فِي المَغَانِمِ تَعَارُضٌ؟ أَمْ هُمَا عَلَى التَّخْيِيرِ؟ أَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، وقَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ١].
وهناك أدلَّة قد أشرنا إليها سابقًا، وهو ما جاء في حديث حبيب بن مسلمة: "أن رسول الله ﷺ كان يعطي السرية في البداءة الربع بعد الخمس، وفي الرجعة الثلت بعد الخمس" (١). وهذا هو مذهب الإمام أحمد ﵀ (٢).
فحالة البداءة معناها: أن الجيش إذا كان وصل إلى دار الحرب أرسَلَ الإمام بين يديه سَرِيَّةً من الجيش تُغِيرُ على الأعداء، فتغنم منهم مغنمًا، وهذا المغنم الذي غنمته السرية يأخذ منه الإمام خُمُسَة، ثم بعد ذلك يعطي أصحاب السرية الرُّبُع، ثم يوزِّع الثلاثة أرباع بين الجيش والسرية.
فالسرية تشارك الجيشَ في المغنم، لأنها هي التي أغارت وظفرت بالغنيمة، بينما الجيش يشارك السرية؛ لأنه كان ردءًا لها يحفظها ومددًا تستعين به في إغارتها على العدو.
أما في حالة الرجعة: فالجيش إذا قَفَلَ راجعًا بعد انتهاء المعركة فإن الإمام يرسل سرية أُخرى تُغِير على العدو، فإذا ظفرت بشيءٍ فإن الإمام يأخذ الخُمُسَ أيضًا، لكنه في هذه الحالة يعطي السريةَ الثُّلثَ، ثم يقسم الثلثين الباقيين بين الجيش وبين السرية.
والسبب في هذا الفرق بين حالة البداءة وحالة الرجعة أمران:
الأمر الأول: أنهم عندما أغاروا في المرة الأولى إنما أخذوا العدو على غرة، حيث لم يكن متهيئًا لقتالهم.
стр. 4702
الأمر الآخر: أنه في المرة الأُولى كان الجيش ردءًا لهم يحفظهم ويحميهم، بحيث يمكنه أن ينضم إليهم ويدافع عنهم إذا أحاط بهم العدوّ، بينما في المرة الثانية فإن الجيش يكون قد انصرفَ وبقيت السرية منفردةً أمام عدوها، ولذلك خُصُّوا في هذه الحالة بمزيدٍ من العطية والنفل، وهذا القول تشهد له عدَّةُ أدلة، منها حديث حبيب بن مسلمة الذي ذكرناه.
والمراد من كلام المؤلف هاهنا: هو اختلاف العلماء فيما إذا كانت هاتان الآيتان متعارضتين فيما بينهما، أم أنهما على التخيير، فهناك من العلماء مَن يرى أن قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١]، إنما هو ناسح لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١] (١)، لكن الظاهر هو عدم النسخ وعدم التعارض، ومن أخَذَ بما ذكرناه من الثفصيل الذي عليه الحنابلة وكثيرٌ من أهل الحديث لا يجد في الآيتين شبهة تعارضٍ تستلزم القول بنسخ إحداهما للأُخرى.
* قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] نَاسِحٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ﴾ [الأنفال: ١]- قَالَ: لَا نَفْلَ إِلَّا مِنَ الخُمُسِ، أَوْ مِنْ خُمُسِ الخُمُسِ).
والمراد هاهنا: هو قول الإمام مالكٍ بأن النفل يخرج من الخُمُسِ، وقول الإمام الشافعي بأنه يخرج من خُمُس الخُمُس، وتحديدًا من الجزء الخاص بالإمام دون غيره من نصيب بقية أصحاب الخُمُس.
стр. 4703
وقد استدلَّ الإمام الشافعيُّ ﵀ على قوله هذا بالحديث الذي سيأتي ذِكرُهُ عن عبد الله بن عمر ﵄، وفيه: "أنهم كانوا قد أغاروا على عدوِّهم، فأخذوا منه الغنيمة اثني عشر بعيرًا، وَزِيدُوا - أي: نُفِّلُوا - بعيرًا بعيرًا" (١)، وقد تعرَّضَ العلماء لهذا الحديث وبيَّنوا أنه لا يمكن أن ينطبق على خُمُس الخُمُس، وإنما كان ينطبق لو كانت خمسة وعشرين بعيرًا.
* قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّ الآيَتَيْنِ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُمَا، وَأَنَّهُمَا عَلَى التَّخْيِيرِ - أَعْنِي: أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ مِنْ رَأْسِ الغَنِيمَة مَنْ شَاءَ، وَلَهُ أَلَّا يُنَفِّلَ - بِأَنْ يُعْطِيَ جَمِيعَ أَرْبَاعِ الغَنِيمَةِ للْغَانِمِينَ - قَالَ بِجَوَازِ النَّفْلِ مِنْ رَأْسِ الغَنِيمَةِ. وَلاخْتِلَافِهِمْ أَيْضًا سَبَبٌ آخَرُ وَهُوَ اخْتِلَافُ الآثَارِ فِي هَذَا البَابِ، وَفِي ذَلِكَ أَثَرَانِ، أَحَدُهُمَا: مَا رَوَى مَالِكٌ (٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بعَثَ سَرِيَّةً فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قِبَلَ نَجْدٍ، فَغَنِمُوا إِبِلًا كثِيرَةً، فَكَانَ سُهْمَانُهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا"، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّفْلَ كانَ بَعْدَ القِسْمَةِ مِنَ الخُمُسِ).
وقوله: "قِبَلَ نَجْدٍ"، أي: جِهَتَهَا.
وقوله: "سُهْمَانُهُم"، السُّهمان: جمع (سَهْمٍ).
وقوله: "ونفلوا بعيرًا بعيرًا"، أي: أخذ كلّ واحدٍ منهم سهمًا زائدًا على ما يستحقه.
وهذا الحديث يستدلّ به الشافعية لقول الإمام الشافعي ﵀ في المسألة.
стр. 4704
* قوله: (وَالثَّانِي: حَدِيثُ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُنَفِّلُ الرُّبُعَ مِنَ السَّرَايَا بَعْدَ الخُمُسِ فِي البَدَاءَةِ، وَيُنَفِّلُهُمُ الثُّلُثَ بَعْدَ الخُمُسِ فِي الرَّجْعَةِ" (١)، يَعْنِي: فِي بَدَاءَةِ غَزْوِهِ ﵊، وَفِي انْصِرَافِهِ).
وقد ذكَرْنَا الفرق بين حالة البداءة وحالة الرجعة، ووضَّحنا السبب في هذا التفريق بين الحالتين، من جهة أن السرية في حالة البداءة تكون مطمئنَّةً بحفظ الجيش لها وحمايته إياها من إحاطة العدو بها، بخلاف حالة الرجعة التي تكون السرية فيها منفردةً في مواجهة العدو بعد أن يكون الجيش قد انصَرَفَ، مما يبرر زيادة سهمها من الغنيمة في حالة الرجعة عن حالة البداءة.
* قوله: (وأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ مَا مِقْدَارُ مَا لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ مِنْ ذَلِكَ؟ عِنْدَ الَّذِينَ أَجَازُوا النَّفْلَ مِنْ رَأْسِ الغَنِيمَةِ، فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: لَا يَجُوزُ أَنْ يُنَفِّلَ أكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ أَوِ الرُّبُعِ (٢) عَلَى حَدِيثِ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ) (٣).
وهذه المسألة تدور حول ما إذا كان للإمام مقيَّدًا في نفل السرية بالثلث أو الربع كما جاء في حديث حبيب بن مسلمة، أم أن للإمام أن يزيد في النفل عن هذا المقدار.
وهذه المسألة هي محلّ خلافٍ بين أهل العلم، بحيث يدور الحُكم فيها على قولين:
стр. 4705
القول الأول: هو قول جمهور أهل العلم، بعدم جواز الزيادة عن الثلث (١)، وأن الثلث هو حدّ الغاية في هذا التنفيل من جهة الإمام بحيث يجوز له أن يمنح أقل من هذا القدر، ويجوز له ألا يمنح من الأصل، لكن لا يجوز له أن يزيد عنه، بل يمنح الربع أو الثلث ولا يزيد عن ذلك.
القول الثاني: هو قول الإمام الشافعي ﵀، وهو أن الأمر متروكٌ لاجتهاد الإمام، بحيث يجوز له أن يزيد عن هذا القدر وأن ينقص عنه بحسب يؤدّي إليه اجتهاده (٢).
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: إِنْ نَفَّلَ الإِمَامُ السَّرِيَّةَ جَمِيعَ مَا غَنِمَتْ جَازَ (٣)، مَصِيرًا إِلَى أَنَّ آيَةَ الأَنْفَالِ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، بَلْ مُحْكَمَةٌ، وَأَنَّهَا عَلَى عُمُومِهَا غَيْرُ مُخَصَّصَةٍ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهَا مُخَصَّصَةٌ بِهَذَا الأَثَرِ، قَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُنَفِّلَ أَكْثَرَ مِنَ الرُّبُعِ أَوِ الثُّلُثِ (٤). وأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَهِيَ: هَلْ يَجُوزُ الوَعْدُ بِالتَّنْفِيلِ قَبْلَ الحَرْبِ؟ أَمْ لَيْسَ يَجُوزُ ذَلِكَ؟).
والمراد هاهنا: ما إذا كان يجوز للإمام أن يَعِدَ المجاهدين قبل بدء الحرب أن يخصهم بنفلٍ من الغنيمة أم لا.
فمن أهل العلم مَن كَرِه ذلك، وعَلَّلَ كراهته له بأن ذلك من شأنه أن يؤثر على نية المجاهدين؛ لأن القصد والغاية من الجهاد إنما هو رفع راية التوحيد وإعلاء كلمة الله، مما ينبغي فيه أن يكون الإخلاص فيه لله وحده وابتغاء مرضاة الله والدار الآخرة دون النظر للغايات الدنيوية.
стр. 4706
أما أكثر أهل العلم فذهبوا إلى عدم تأثير ذلك على نية المجاهِدين؛ لأن مَن خرج مجاهدًا في سبيل الله إنما قد باع نفسه لله ابتغاء مرضاته ، أما أن تُفعَلَ الطاعةُ لغرضٍ دنيويٍّ فإن هذا من شأن المنافقين، ومعلومٌ أن المنافق لا يُقدِمُ أصلًا على عبادة الجهاد التي قد يُقتَل فيها.
* قوله: (فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ (١)، وَأَجَازَهُ جَمَاعَةٌ) (٢).
أما الجماعة الذين يحكي المؤلِّفُ عنهم قولهم بالجواز فإنما هم جمهور أهل العلم.
стр. 4707
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ مَفْهُومِ مَقْصِدِ الغَزْوِ لِظَاهِرِ الأَثَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الغَزْوَ إِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ العَظِيمِ، وَلِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا).
والمراد بمفهوم مقصد الغزو هو أن الغزو إِنما يُقصَد منه إعلاء كلمة الله، كما جاء في الحديث: "مَن قات لتكون كلمةُ الله هي العليا فهو في سبيل الله" (١)، بخلاف مَن يقاتل حمية أو عصبية ومَن يقاتل طمعًا في الغنيمة، فإن هذا لا ينال ثواب الجهاد وأجره، وإنما ينال ما نواه فقط.
* قوله: (فَإِذَا وَعَدَ الإِمَامُ بِالنَّفْلِ قَبْلَ الحَرْبِ، خِيفَ أَنْ يَسْفِكَ دِمَاءَهُمُ الغُزَاةُ فِي حَقِّ غَيْرِ اللَّهِ).
والمراد أن القائلين بعدم جواز وعد الإمام بالنفل قبل الحرب، إنما علَّلوا ذلك بأنه يُخشَى أن يكون هذا الوعد سببًا في إفساد نية المجاهد، بحيث تختلط النية بغرض من أغراض الدنيا، مما يُضعِف الإخلاصَ، بحيث يمكن أن يصير فساد الإخلاص هذا سببًا في انهزام المسلمين وانتصار العدو عليهم، بينما المجاهد ينبغي أن يقاتل ابتغاء وجه الله دون ما سواه، فيبيع نفسه وماله في سبيل الله.
ويجابُ عن هذا بأن هذا إنما يحدث لضعفاء الإيمان، أما من قَوِيَ دينُهم ورسخ اعتقادهم فإنهم لا يتأثرون بمثل هذا، لأنهم يعلمون حق العلم أنه سيأتيه نصيبه من الغنيمة التي ستُحوَزُ سواء وعدهم الإمام بها أم لم يعدهم.
* قوله: (وَأَمَّا الأَثَرُ الَّذِي يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ جَوَازَ الوَعْدِ بِالنَّفْلِ، فَهُوَ حَدِيثُ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ "أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ يُنَفِّلُ فِي
стр. 4708
الغَزْوِ السَّرَايَا الخَارِجَةَ مِنَ العَسْكَرِ الرُّبُعَ، وَفِي القُفُولِ الثُّلُثَ") (١).
وهذا الحديث قد ذَكَرناه وتناوَلناه بالشرح، وفرَّقنا فيه بين حالة البداءة وحالة الرجعة، وذَكَرْنَا كذلك سبب التفرقة بين الحالتين من ناحية موقف الجيش والسرية في كل حالةٍ.
* قوله: (وَمَعْلُومٌ أَنَّ المَقْصُودَ مِنْ هَذَا إِنَّمَا هُوَ التَّنْشِيطُ عَلَى الحَرْبِ).
ومراد المؤلِّف هاهنا أن القصد من هذا الوعد ليس إفساد نية المجاهد بالأغراض الدنيوية، وإنما هو جائزةٌ للمقاتلين في سبيل الله تكون بمثابة دافِعٍ لهم في قتالهم أعداء الله.
* قوله: (وأَمَّا المَسْأَلَةُ الرَّابِعَة، وَهِيَ: هَلْ يَجِبُ سَلَبُ المَقْتُولِ لِلْقَاتِلِ؟ أَوْ لَيْسَ يَجِبُ إِلَّا إِنْ نَفَّلَهُ لَهُ الإِمَامُ؟).
و"السلب": هو هذا الذي يكون على العدو من لىباسٍ كالدرع والعمامة، ومن سلاحٍ كالسيف والخنجر ومثل ذلك، أما الدابة فإن أكثر أهل العلم على أن السلب لا يشملها (٢).
стр. 4709
وهذا السلب إنما يحصل عليه المسلم بعد مبارزة المشرك وانتصاره عليه وقتله إياه.
أما ما تدور حوله هذه المسألة هو ما إذا كان هذا السلب يجب للقاتل مطلَقًا أم أنه مقيَّدٌ بتنفيل الإمام، وقد تكلم أهل العلم في هذه المسألة بتفصيلٍ كبيرٍ، والمؤلِّفُ هاهنا قد ذَكَرَها على وجه الإجمال.
فأما من حيث الجملة، فالعلماء متَّفقون على استحقاق القاتل لسلب المقتول، لكن هناك مسائل تتفرع من هذه المسألة، ومنها:
١ - أن من شروط المقتول في السلب أن يكون ممن يجوز قتله.
وقد جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه: "نهى عن قتل النساء والصبيان" (١).
فيستفادُ من هذا أن المقتول الذي يستحقُّ القاتل سلبه يُشترط فيه أن يكون ممن يجوز قتله، بحيث لو كان المقتول صبيًّا أو امرأةً أو شيخًا فانيًا أو راهبًا في صومعته أو مريضًا من أصحاب الأمراض المزمنة (٢)، فإدن ما على المقتول في هذه الحالة لا ينطلق عليه اسم السلب.
٢ - أن من شروط المقتول في السلب أن يكون ذا منعةٍ (٣).
стр. 4710
بحيث لا يكون قد أُثْخِنَ (١) فيه القتلُ وسقطَ على الأرض لا يقوَى على الحراك ثم جاء المُسلِمُ فَضَرَبَهُ ضربةً أجهَزَ بها عليه، بل يجب أن يكون ممتنعًا بعافيته قادرًا على القتال والمقاومة؛ لأن القاتل هاهنا لم يبذل مجهودًا في قتل المقتول.
وهذا الشرط تشهدُ له عدة أدلة، منها ما كان يوم بدرٍ حينما أثبَتَ (٢) معاذ بنُ عمرو ومعاذُ بن عفراءَ أبا جهل فسقط متأثِّرًا بجراحه، ثم جاء عبد الله بن مسعود ﵁ فضربَهُ فأجهَزَ عليه، وحينها دَفَعَ رسولُ الله ﷺ سلبه لمن أثبتَهُ وأسقطَهُ لا لعبد الله بن مسعودٍ الذي قتلَهُ وهو متأثر بجراحه (٣)(٤).
٣ - أن يُغرِّرَ القاتلُ بنفسه.
يعني: أن يرمي بنفسه أمام خصمه ويواجهه بحيث لا يدري أيكون قاتلًا في هذا النزال أم مقتولًا، لا أن يرميه بسهمِ من مسافةٍ أو يطلق عليه الرصاص فيصيبه، فحينئذٍ لا يستحق سلبه، لأنهَ لم يغرر بنفسه ولم يواجه خصمه مواجهة كاملة.
• أدلة استحقاق القاتل السلب من السنة المطهَّرة:
وهناك عدة أحاديث وردَت في هذا الشأن، منها:
١ - ما كان من قصة أبي قتادة ﵁ يوم حنين عندما اشتد القتال بين
стр. 4711
المسلمين وبين هوازن وحلفائهم، والتي قال فيها أبو قتادة ﵁: "رأيتُ أحد المشركين قد علا رجلًا من المسلمين، فاستدرتُ وراءه فضربتُه في عنقه حتى مات"، ثم بعد أن انتهى القتال ووضعَت الحرب أوزارها وانتصر المسلمون في هذه المعركة، قال رسول الله ﷺ : "مَن قتل قتيلًا له عليه بينةٌ فله سلبه". فقام أبو قتادة ﵁ فقال: مَن يَشهَدُ لى؟ فقال رسول الله ﷺ : "ما عندكَ يا أبا قتادة؟ ". فقام رجلٌ من القوم فقال: يا رسول الله، هو قَتَلَ الرجلَ وسلبه عندي، فأرضه يا رسول الله أي: أعطه ما يرضيه. وكان الرجل يقصد بقوله هذا أن يبقى السلب خاصًّا به، فحينئذٍ قام أبو بكر ﵁ وقال: "لا ها اللهِ، يعمد أسدٌ من أُسد الله فيقاتِل عن الله وعن رسوله، ثم يأتي آخَرُ فيأخذ سلبه! ". - أي: لا واللَّه؛ لأن (ها) قد استعملها العرب بدلًا عن الواو - فحينئذٍ أَمَرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ذلك الرجلَ أن يدفع السلب إلى أبي قتادة ﵁ فأعطاه إياه (١).
وهذا الحديث متفَقٌ عليه، وفيه دليلٌ على استحقاق القاتل سلب المقتول، لكن العلماء قد فصلوا القول في ذلك.
وقد ذَكَرْنَا أن المقاتلين منهم مَن يستحق سهمًا من الغنيمة، ومنهم مَن يُرضَخ له، أي: يُعطَى عطيةً من المغنم دون السهم، وهؤلاء كالمرأة والعبد والصبي، وهذا يجرنا لمسألة أُخرى، وهي:
لو كان القاتل امرأةً أو صبيًّا أو عبدًا فهل يأخذ السلب كذلك أم لا؟
وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه يستحق السلب كما يستحق الرجل البالغ الحرّ.
القول الثاني: أنه لا يستحق السلب، وإنما يُرضَخ له.
стр. 4712
* قوله: (فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ مَالِكٌ: "لَا يَسْتَحِقُّ القَاتِلُ سَلَبَ المَقْتُولِ إِلَّا أَنْ يُنَفِّلَهُ لَهُ الإِمَامُ عَلَى جِهَةِ الاجْتِهَادِ") (١).
القول الأول: أن القاتل لا يستحقّ السلب إلا إذا نَفَّلَهُ الإمامُ له.
وهو قول الإمام مالكٍ ﵀، وأبي حنيفة (٢)، والثوري (٣)، حيث يرى أن استحقاق القاتل للسلب مقيَّدٌ بإذن الإمام في ذلك، أي: أنه لا يستحقه بمجرد القتل، وإنما حتى لو قتله فالإمام يملك إعطاءه أو منعه.
وهذا الرأي مخالفٌ للأحاديث الصحيحة المتَّفَق عليها الواردة في المسألة، إلى جانب قصة عوف بن مالكٍ الذي لَحِقَ بمدد أوائل مناوشات الروم، فوجد رجلًا يحرض على القتال، فأخذ يدور وراءه، ثم التَفَّ وراء حَجرٍ فعَقَرَ رأسه حتى سَقَطَ ثم قَتَلَه، فأعطاه خالد بن الوليد شيئًا من السلب، فشكا إلى رسول الله ﷺ فَأَمَرَهُ بأن يعطيه ما تبقَّى من سلب المقتول (٤).
وهناك رواية أُخرى جاء فيها أن رسول الله ﷺ لم يعطه ما تبقى من السلب، وقيل: إن سبب عدم إعطائه السلب كاملًا ما حَصَلَ من عوف بن مالك من جفوةٍ تجاه خالد بن الوليد، فأراد رسول الله ﷺ أن
стр. 4713
يؤدبه على ذلك، فلم يعطه كامل السلب (١).
* قوله: (وَذَلِكَ بَعْدَ الحَرْبِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَالثَّوْرِيُّ) (٣).
بمعنى: أن ذلك يشترط فيه أن يكون بعد الحرب، بحيث يستحقّ القاتل السلب عندما يبارز المقتول حينئذٍ ويقتله، لا عندما تتقارع السيوف ويلتحم الجيشان.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٤)، وَأَحْمَدُ (٥)، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَإِسْحَاق،
стр. 4714
وَجَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ (١): "وَاجِبٌ لِلْقَاتِلِ، قَالَ ذَلِكَ الإِمَامُ أَوْ لَمْ يَقُلْهُ").
القول الثاني: أن السلب هو حقٌّ للمقتول سواء نَفَّلَه الإمام أو لم يُنَفِّلْهُ.
وهذا هو القول المشهور الذي عليه غالب أهل العلم، والذي تشهد له الأدلة.
وعلى هذا القول الأئمة الشافعي وأحمد وأبو ثور وإسحاق وجماعة من السلف.
* قوله: (وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ جَعَلَ السَّلَبَ لَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِي ذَلِكَ شَرْطًا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ السَّلَبُ إِلَّا إِذَا قَتَلَهُ مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ السَّلَبُ إِلَّا إِذَا قَتَلَهُ مُقْبِلًا قَبْلَ مَعْمَعَةِ الحَرْبِ أَوْ بَعْدَهَا).
وهذا الخلاف إنما هو في شروط أخذ السلب:
فمن العلماء مَن اشترطَ أن يكون المقتول مقبِلًا غير مدبر، وأن يكون هذا قبل ابتداء معمعة (٣) الحرب أو بعد انتهائها لا أثناءها (٤).
стр. 4715
ومنهم مَن ذهب إلى أنه يستحقه دون قيدٍ ولا شرطٍ على كل حالٍ، فحتى لو انهزم هذا العدوُّ وضربه مسلم فَقَتَلَهُ فإنه يستحقّ سلبه حينئذٍ.
لكنهم على أنه لا يستحق سلبه إذا رماه بسهمٍ فقتله به.
ومن الأُمور التي تجدر الإشارة إليها هاهنا أن المقتول قد يكون معه شيءٌ من المال أو الذهب أو الفضة، وأن هذا لا يدخل في جملة السلب؛ لأننا لو قلنا بأن كل قاتلٍ يأخذ جميع ما مع المقتول لقَلَّت الغنائم وضَعُفَتْ.
* قوله: (وَأَمَّا إِنْ قَتَلَهُ فِي حِينِ المَعْمَعَةِ، فَلَيْسَ لَهُ سَلَبٌ، وَبِهِ قَالَ الأَوْزَاعِيُّ) (١).
ومن أهل العلم مَن يرى أنه يستحقّ السلب حتى في أثناء المعركة والتحام الصفوف، ويستدلّون على ذلك بما حدث في قصة أبي قتادة ﵁ حينما قتل الرجل أثناء التحام الصفوف.
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: إِنِ اسْتَكْثَرَ الإِمَامُ السَّلَبَ، جَازَ أَنْ يُخَمِّسَهُ) (٢).
وقد حصل هذا في عهد عمر بن الخطاب ﵁، عندما قَتَلَ البراء بن مالكٍ ﵁ خصمًا له، وبلغ سلبه يومئذٍ ثلاثين ألفًا، فاستكثرها عمر ﵁،
стр. 4716
فأرسل إلى أبي طلحة ﵁ قائلًا: "كنا لا نُخَمِّسُ السلب على عهد رسول الله ﷺ ، وسنُخَمِّسُهُ" (١). فكان أول سلبٍ يُخَمَّسُ هو سلب البراء بن مالكٍ ﵁.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ احْتِمَالُ قَوْلِهِ ﵊ يَوْمَ حُنَيْنٍ بَعْدَمَا بَرَدَ القِتَالُ: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، فَلَهُ سَلَبُهُ") (٢).
وقد جاء في بعض الروايات بلفظ: "من قتل قتيلًا له عليه بينةٌ" (٣)، ولهذا قام أبو قتادة يسأل قائلًا: "مَن يَشهَد لي؟ ".
أما قصة يوم حنين فهي معروفةٌ، ومليئةٌ بالدروس والفوائد والعبر، حتى أن المسلمين ينبغي عليهم أن يستفيدوا منها في كل وقتٍ، وأن يعلموا أنهم ضعفاء بدون نصر الله مهما بلغت قوتهم ومهما زاد عددهم ومهما توفرت لهم أسباب القوة والمنعة (٤)؛ لأن النصر إنما هو من عند الله وحده، ولذا قال في ذِكْرِ يوم حنين: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)﴾ [التوبة: ٢٥]، بخلاف الآية الأُخرى التي يقول الله فيها في ذِكْرِ يوم بدرِ: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ
стр. 4717
وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١)﴾ [الأنفال: ٩ - ١١].
ففي يوم بدرٍ انتصَرَ المسلمون حينما فَرَّقَ الله بين الحق والباطل، وبين الشرك والإيمان، وبين أوليائه وأعدائه، يوم أن كان المسلمون يستغيثون ربهم ويعلمون حق العلم أنهم على ضعف وليس ينصرهم ويقويهم إلا أن ينصرهم الله ، أما يوم حنين حينما أعجب المسلمون بقوتهم ومنعتهم أراد الله أن يوقظهم من هذا وأن يُعلِمَهُم أن النصر لا يتأتَّى بغير عَون الله ومعيته، مهما بلغ عدد المسلمين ومهما اشتدَّت قوتهم.
وعندما تألب (١) المشركون وغيرهم على المسلمين يوم الأحزاب نصرهم الله ، حيث قال: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾، فهنا أرسل الله جندًا من جنوده على أعدائه، وهي الريح الشديدة التي كَفَأَتْ قُدُورَهُمْ.
أما يوم حنين، فإن المسلمين لمَّا اشتدَّت قوتهم وقويَت شوكتهم وكثر الدخول في الإسلام، وبعد أن خانت قريشٌ عهدها مع رسول الله ﷺ ونقضَتْه، فحينئذٍ خرج رسول الله ﷺ إلى مكة وفتَحَها، وسيأتي ذِكرُ خلاف أهل العلم فيما إذا كانت فُتحَت عَنوةً أم فُتِحَت صلحًا، وأن الصحيح أنها فُتِحَت عَنوةً بالقهر والغلبة (٢)، وبعد فتح مكة الذي كان في السنة الثامنة من الهجرة عَلِمَ رسول الله ﷺ أن هوازن تعد العدة لحرب المسلمين، وأنها قد جمعَت إلى جانبها عددًا من القبائل كقبيلة ثقيفٍ وغيرها، وخرجوا برجالهم ونسائهم وأطفالهم للقاء المسلمين، فحينئذٍ خرج إليهم رسول الله ﷺ
стр. 4718
بجيش المسلمين الذي كان قد يبلغ يومئذٍ اثني عشر ألف مقاتلٍ، وانطلقوا إلى حنين التي تقع بين مكة والطائف، وكان المشركون قد تجمعوا في مكانٍ هناك وكمنوا للمسلمين، فما أن انحدر المسلمون إلا وقد انهال عليهم أعداؤهم وضربوهم عن قوسٍ واحدةٍ (١)، فانهزم المسلمون حينئذٍ، ونزل قول الله : ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾.
لكن رسول الله ﷺ جَمَعَ إلى جواره جمعًا من الصحابة - منهم: أبو بكر وعمر والعباس وأبو سفيان بن الحارث ﵃ جميعًا - ووقف على بغلته البيضاء، وأخذ ينادي في الناس: "يا عباد الله، إني رسول الله"، وطَلَبَ كذلك من عمِّه العباس ﵁ أن ينادي في الناس - وكان جهير الصوت - فنادى فيهم قائلًا: "يا أصحاب الشجرة" (٢)، في إشارةٍ منه إلى قصة الشجرة التي ذكرها الله في قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ لأنهم كانوا قد بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة ألَّا يفروا، فلما سمع المسلمون هذه النداءات عادوا وانقضوا على أعدائهم، وحينئذٍ كان النصر حليف المسلمين في نهاية الأمر.
стр. 4719
فيوم حنين كان النصر في أول الأمر لأعداء المسلمين، ثم لما عاد المسلمون صدق العزيمة والإخلاص الحقيقي لله كان النصر حليفًا لهم.
* قوله: (أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ ﵊ عَلَى جِهَةِ النَّفْلِ، أَوْ عَلَى جِهَةِ الاسْتِحْقَاقِ لِلْقَاتِلِ).
والمراد هاهنا من كلام المؤلِّف أن قول رسول الله ﷺ يوم حنين: "من قتل قتيلًا فله سلبه" (١)، فيه يحتمل أن يكون هذا القول منه على جهة أن القاتل يستحق هذا السلب مطلَقًا، ويحتمل كذلك أن يكون هذا القول على جهة النفل، أي: أنه تنفيل منه ﷺ .
* قوله: (وَمَالِكٌ ﵀ قَوِيَ عِنْدَهُ أَنَّهُ عَلَى جِهَةِ النَّفْلِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ ﵊، وَلَا قَضَى بِهِ إِلَّا أَيَّامَ حُنَيْنٍ، وَلمُعَارَضَةِ آيَةِ الغَنِيمَةِ لَهُ إِنْ حُمِلَ ذَلِكَ عَلَى الاسْتِحْقَاقِ، أَعْنِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٤١]).
وقوله: (إلا أيام حنين)، غير مسلَّمٍ به وغير صحيحٍ؛ بدليلٍ قصة مقتل أبي جهل - التي ذكرناها - وما كان مِن أن رسول الله ﷺ دَفَعَ سلب أبي جهل إلى معاذ بن عمرو الجموح؛ لأنه هو مَن أَثْبَتَه، كما ثبتَ عن عبد الله بن عباسٍ ﵄ أن رسول الله ﷺ قال يومها: "مَن قَتل قتيلًا فله كذا، من أَسَر أسيرًا فله كذا" (٢).
* قوله: (فَإِنَّهُ لَمَّا نَصَّ فِي الآيَةِ عَلَى أَنَّ الخُمُسَ لِلَّهِ، عُلِمَ أَنَّ أَرْبَعَةَ الأَخْمَاسِ وَاجِبَةٌ لِلْغَانِمِينَ، كَمَا أَنَّهُ لَمَّا نَصَّ عَلَى الثُّلُثِ لِلْأُمِّ فِي المَوَارِيثِ، عُلِمَ أَنَّ الثُّلُثَيْنِ لِلْأَبِ).
стр. 4720
وهذا الكلام من المؤلِّف يُسمَّى المقايَسة (١)، ومعناه: أن النَّصَّ لما جاء باستحقاق الأم ثلث التركة عُلِمَ من ذلك أن المتبقِّي - وهو الثلثان - يستحقهما الأب، فكذلك الحال في الأخماس من حيث إن النَّصَّ لما جاء بأن الخُمُسَ لله عُلِمَ من ذلك أن المتبقي - وهو أربعة الأخماس - يستحقها الغانمون.
ولكن هذه المقايسة يشوبها - كما هو معلوم عند أهل الفرائض - أن الأُمَّ إنما تستحق ثلث التركة والأب يستحق ثلثيها عند عدم وجود ورثة، أما إذا كان ورثةٌ فإن أمر القسمة يختلف حينئذٍ.
* قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ).
والمراد به هو ابن عبد البر.
* قوله: (وَهَذَا القَوْلُ مَحْفُوظٌ عَنْهُ ﷺ فِي حُنَيْنٍ، وَفِي بَدْرٍ) (٢).
وفي هذا القوله من ابن عبد البر تنبيهٌ على أن هذا الأمر لم يكن خاصًّا بيوم حنينٍ فقط، وإنما قد حدث كذلك يوم بدرٍ، كما حصل في غيرها من الوقائع أيضًا.
* قوله: (وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: "كُنَّا لَا نُخَمِّسُ السَّلَبَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ ﷺ " (٣). وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ (٤) عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ، وَخَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ").
стр. 4721
والمؤلِّفُ هاهنا ذَكَرَ هذه القصة على وجه الإجمال، وفي القصة شيءٌ من التفصيل، فإن رسول الله ﷺ كان قد بعث عددًا من الرجال لمناوشة (١) الروم، وكان في الروم يومئذٍ رجلٌ يحرض على القتال، وكان المسلمون قد جاءهم مددٌ من قبيلة حِمْيَر اليمنية، وكان من بين هذه القبيلة رجلٌ لاحَظَ ما لهذا الرجل المُحَرِّضِ من تأثيرٍ على قومه في قتالهم المسلمين، فما كان من الحميري حينئذٍ إلا أن استدار له حتى تخبأ، ثم ضرب فرسه، فسقط الرجل عن الفرس، فقَتَلَهُ الحميري وأخذ سلبه، وكان السلب كبيرًا جدًّا، فلما رآه خالد بن الوليد لتماجبه أخذ منه شيئًا، فجرى بينهما خلافٌ على هذا، فشكا الرجلُ خالدَ بن الوليد ﵁ إلى رسول الله ﷺ .
وبعض الروايات قد أورَدَت أن رسول الله ﷺ قد أعطَى الرجل سلبه يومئذٍ (٢)، وروايات أُخرى أورَدَتْ أنه قد منَعَه إياه (٣)، ومن هنا نشَأَ الخلاف في هذه المسألة.
* قوله: (وَخَرَّجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (٤) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ البَرَاءَ بْنَ مَالِكٍ).
أما الصحابي الجليل البراء بن مالك ﵁ فمن المعلوم أن رسول الله ﷺ قد أثنَى عليه حينما قال: "إنَّ من عباد الله مَن لو أقسم على الله لأبرَّه" (٥)، وذكر من هؤلاء البراء بن مالك، وليس هذا إلا نتيجة إخلاص البراء وصدقِه.
стр. 4722
ومن أكبر مَظاهِر هذا الإخلاص من جانب البراء بن مالك ﵁ أنه - وهو مستجاب الدعاء - لما دعا الله إنما دعاه أن يموت شهيدًا، وكان ذلك في إحدى معارك المسلمين، فاستجاب الله دعاءه، وقُتِلَ البراء بن مالكٍ ﵁ شهيدًا في هذه المعركة، وانتصر المسلمون يومَها (١)، فتحَقَّقَ بذلك قول رسول الله ﷺ وهو الصادق الذي لا ينطق عن الهوى.
* قوله: (حَمَلَ عَلَى مَرْزُبَانَ يَوْمَ الدَّارَةِ).
و"المرزبان" (٢): هو رئيس أولئك القوم من العَجَم.
ولفظة: "الدارة" ليست التي ورَدَ الحديث بها، وإنما الحديث ورَدَ بلفظ: "الزارة".
* قوله: (فَطَعَنَهُ طَعْنَةً عَلَى قَربُوسِ سَرْجِهِ فَقَتَلَه، فَبَلَغَ سَلَبُهُ ثَلَاثِينَ أَلْفًا).
و"القربوس" (٣): هو مفصل السرج، أي: المكان الذي يلتف عنده السرج.
стр. 4723
* قوله: (فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ).
وهاهنا في هذه المسألة قد يرد سؤالٌ، وهو: هل القاتل يستحق السلب مطلَقًا؟ أم أن هذا يختلف من حيث القلة والكثرة؟
فهناك من أهل العلم مَن ذهب إلى التفريق في هذا، وأن السلب يستحقه القاتل إذا كان دون حدّ الكثرة فقط، وأنه إذا كَثُرَ فلا يُعطَى بكامله للقاتل، وإنما يُعطَى جزءًا منه ويُرَدُّ الباقي إلى المغنم، كما حصل في قصة عوف بن مالكٍ مع خالد بن الوليد ﵄، وكذلك في قصة البراء من مالكٍ مع أبي طلحة وعمر بن الخطاب ﵃ جميعًا.
ومن أهل العلم كذلك مَن ذهب إلى استحقاق القاتل للسلب مطلَقًا، دون التفرقة في ذلك بين القلة والكثرة.
* قوله: (فَقَالَ لِأَبِي طَلْحَةَ: إِنَّا كُنَّا لَا نُخَمِّسُ السَّلَبَ، وَإِنَّ سَلَبَ البَرَاءِ قَدْ بَلَغَ مَالًا كَثِيرًا، وَلَا أُرَانِي إِلَّا خَمَّسْتُهُ. قَالَ: "قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: فَحَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّهُ أَوَّلُ سَلَبٍ خُمِّسَ فِي الإِسْلَامِ". وَبِهَذَا تَمَسَّكَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ السَّلَبِ القَلِيلِ وَالكَثِيرِ).
أي: إنا لم نكن نأخذ الخُمُسَ من السلب قبل ذلك، ولكن لا بد من تخميسه الآن؛ نظرًا لِما بلغ من الكثرة الحادثة في سلب البراء بن مالكٍ.
وهذا الأثر هو حُجَّةُ القائلين بالتفرقة بين استحقاق القاتل للسلب القليل والكثير.
وقد أخرج هذا الأثرَ ابنُ أبي شيبة (١) كما ذَكَرَ المؤلِّف، كما أخرجه كذلك البيهقي في "السنن الكبرى" (٢)، وأبو عبيد في "الأموال" (٣)،
стр. 4724
وهو من الكتب النفيسة جدًّا، والتي تُعنَى بالأموال في الشريعة الإسلامية وما يتعلَّق بها، والتي اشتملت على كثير من النصوص من أحاديث وآثارٍ، كما اشتمَلَ على كثيرٍ من مسائل الجهاد وغيره.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي السَّلَبِ الوَاجِبِ مَا هُوَ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: لَهُ جَمِيعُ مَا وَجَدَ عَلَى المَقْتُولِ (١)، وَاسْتَثْنَى قَوْمٌ مِنْ ذَلِكَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ) (٢).
فهاهنا قولان لأهل العلم في تحديد السلب الواجب الذي يستحقّه القاتل، وهما:
стр. 4725
القول الأول: إن القاتل يستحقّ جميع ما وَجَدَ على المقتول.
القول الثاني: إنه يستحقّ جميع ما كان متصلًا به، دون ما انفصل عنه، وأن الذهب والفضة لا يدخلان في مُطلَق السلب، وإنما يُرَدَّانِ إلى المغنم.
والقول الثاني (١) هو الصحيح من القولين، وهو ما عليه جمهور أهل العلم، بحيث أن القاتل يأخذ ما كان المقتول متلبسًا به من ثوب وعمامةٍ وقميصٍ ودرعٍ (٢)، وما تلبَّسَ به من السلاح كالسيف والخنجر، والأدوات كالمغفر (٣) وغيره.
أما ما انفصل عن المقتول - كالدابة والذهب والفضة - فإنه لا يدخل تحت مسمَّى السلب، ولا يستحقّه القاتل بحالٍ، وإنما يُرَدُّ في المغنم.
(الفَصْلُ الرَّابِعُ فِي حُكْمِ مَا وُجِدَ مِنْ أَمْوَالِ المُسْلِمِينَ عِنْدَ الكُفَّارِ
وَأَمَّا أَمْوَالُ المُسْلِمِينَ الَّتِي تُسْتَرَدُّ مِنْ أَيْدِي الكُفَّارِ).
والمراد من هذا هو ما لو غلب الكفَّارُ على المسلمين وأخذوا شيئًا من أموالهم، ثم دارت الجولة بحيث أصبحت الغلبة للمسلمين فاستردوا أموالهم التي استولى عليها الكفار منهم آنفًا، ففي هذه الحالة: هل يكون المسلم صاحب الحق أولى بماله بعد عودته؟ أم أنه يوضَع في المغنم كسائر ما يستولي عليه المسلمون من الكفار عند غلبتهم؟
стр. 4726
وهذه المسألة فيها تفصيلٌ وكلامٌ لأهل العلم، والأمر فيها إنما يختلف بين أن يكون ذلك قبل قسمة المغنم أو بعد القسمة، فالحُكْمُ يدور بين ما إذا كان المستَرَدُّ قبل قسمة الغنائم يُرَدُّ إلى صاحبه ولا يُرَدُّ بعد قسمة الغنائم، أم أنه من الأصل لا يُرَدُّ بحيث يدخل في الغنائم مُطلَقًا، كل هذا فيه خلافٌ وتفصيلٌ لأهل العلم، وسيأتي بيانه.
وقد حصل ذلك في عهدٌ رسول الله ﷺ عندما أُغِيرَ على السَّرح، واستولى المشركون على ناقة رسول الله ﷺ ، ثم أَسَرَ العدوُّ امرأةً من الأنصار بعد ذلك، ثم فَرَّت المرأة من القوم غفلةً وقَصَدَت إلى الإبل تريد منها بعيرًا تركبه، فكانت كلما دَنَت من بعيرٍ رَغَا فتركَتْه، حتى أَتَتْ ناقةً منها فلم تَرغ فرَكِبَت عليها، ثم نَجَتْ، وكانت قد جَعَلَت لله إن أنجاها اللَّهُ لَتَذْبَحَنَّهَا، فلمَّا قَدِمَتْ بها المدينةَ عرفَها الناسُ وقالوا: ناقة رسول الله ﷺ . فقالت: إني كنتُ قد نذرْتُ لله إن نجاني لأذبحنها. فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "بئْسَمَا جَزَيْتِيهَا، لَا نَذْرَ لابْن آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِك، وَلَا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ" (١).
وحدث مثل هذا أيضًا لعبد الله بن عمر ﵄ حينما استولى المشركون على بغلةٍ له أو ناقةٍ، ثم استردَّها بعد ذلك (٢).
стр. 4727
* قوله: (فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ مَشهُورَةٍ).
وجملة الأقوال في هذه المسألة - في واقع الأمر - إنما هي ثلاثة أقوال:
القول الأول: إنه يُرَدُّ إليه مُطلَقًا سواء كان قبل القسمة أو بعدها.
القول الثاني: إنه لا يُرَدُّ إليه مُطلَقًا لا قبل القسمة ولا بعدها.
القول الثالث: إنه يُرَدُّ إليه قبل القسمة، أما بعد القسمة فإنه يُرَدُّ إليه بالثَّمَنِ.
* قوله: (أَحَدُهَا: أَنَّ مَا اسْتَرَدَّ المُسْلِمُونَ مِنْ أَيْدِي الكُفَّارِ مِنْ أَمْوَالِ المُسْلِمِينَ فَهُوَ لِأَرْبَابِهَا مِنَ المُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ لِلْغُزَاةِ المُسْتَرِدِّينَ لِذَلِكَ مِنْهَا شَيْءٌ. وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْلِ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ (١) وَأَبُو ثَوْرٍ) (٢).
القول الأول: إنَّ ما استردَّهُ المسلمون ممَّا استولى عليه الكفار، فإنه يعودُ لأصحابه المسلمين، وليس يحقّ للغانمين أخذه في المغنَمِ.
وهذا هو قول الإمام الشافعي وأصحابه والإمام أبي ثور ﵏ جميعًا.
والعلماء من حيثُ الجملة متَّفقون على هذا القول، لكن من حيث التفصيل يختلفون فيما إذا كان هذا الحُكمُ على وجه الإطلاق، أم أنه يقتصر على ما طُولِبَ به في ل قسمة الغنائم.
стр. 4728
* قوله: (وَالقَوْلُ الثَّانِي: إنَّ مَا اسْتَرَدَّ المُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ، هُوَ غَنِيمَةُ الجَيْشِ لَيْسَ لِصَاحِبِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَهَذَا القَوْلُ قَالَهُ الزُّهْرِيُّ (١)، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ (٢)، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) (٣).
القول الثاني: إن ما استردَّهُ المسلمون مما استولى عليه الكفار، فإنه يصير غنيمةً للجيش، لا يعودُ لصاحبه الأول مطلَقًا.
وهذا القول هو روايةٌ عن علي بن أبي طالب ﵁، وذهب إليه الأئمة الزهريُّ وعمرو بن دينارٍ رحمهما الله.
وقد بنوا قولهم هذا على أن هذا المالَ المستَرَدَّ إنما قد غَنِمَه المسلمون واكتسَبوه من جهادهم، بمعنى أن الغانمين قد بَذَلُوا بجهادهم حقّ هذا المال، هذا من ناحيةٍ، ومن ناحيةٍ أُخرى فإن هذا الكافرَ الذي كان المال بحوزته إنما كان مالكًا للمال أيضًا بِحُكْم الغلبة والقهر، ولذلك يقول رسول الله ﷺ : "مَن أسلم على شيء فهو له" (٤)، وهذا يشمل كلّ شيءٍ حتى ولو كان مأخوذًا من المسلمين.
* قوله: (وَالقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ مَا وُجِدَ مِنْ أَمْوَالِ المُسْلِمِينَ قَبْلَ القَسْمِ، فَصَاحِبُهُ أَحَقُّ بِهِ بِلَا ثَمَنٍ، وَمَا وُجِدَ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ القَسْمِ، فَصَاحِبُهُ أَحَقُّ بِهِ بِالقِيمَةِ).
القول الثالث: أن ما استردَّهُ المسلمون ممَّا استولى عليه الكفار، فإنه
стр. 4729
قبل القسمة يعود لصاحبه بلا ثمنٍ، أما بعد القسمة فإن لصاحبه أَخْذَهُ بعد أن يدفَعَ قِيمَتَهُ.
وهناك دليلٌ على هذا القول، في قصة الرجل الذي جاء إلى رسول الله ﷺ وأَخْبَرَهُ بما استرَدَّهُ المسلمون مما كان قد استُولِيَ عليه قبل ذلك، فقال له رسول الله ﷺ : "إنْ وجدْتَهُ قبل القسمة فهو لكَ، وإن وجدْتَهُ بعد القَسْمِ فهو لكَ بِثَمَنِهِ" (١).
* قوله: (وَهَؤُلَاءِ انْقَسَمُوا قِسْمَيْنِ، فَبَعْضُهُمْ رَأَى هَذَا الرَّأْيَ فِي كُلِّ مَا اسْتَرَدَّهُ المُسْلِمُونَ مِنْ أَيْدِي الكُفَّارِ بِأَيِّ وَجْهٍ صَارَ ذَلِكَ إِلَى أَيْدِي الكُفَّارِ، وَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ صَارَ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْلِ مَالِكٌ (٢)، وَالثَّوْرِيُّ (٣)، وَجَمَاعَةٌ (٤)، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) (٥).
والمراد هاهنا أن هذا الفريق من أصحاب القول الثالث إنما قال بأن هذا الرأي يشمل كلّ ما استرده المسلمون من أيدي الكفار، سواء في هذا
стр. 4730
إن كان الكفار دخلوا به أرض الحرب ثم غزاهم المسلمون بعدها وأحرزوه مرةً ثانيةً، أو إن كان المسلمون قد أدركوه قبل أن يصل الكفار به إلى ديارهم فاستولوا عليه وأعادوه.
وهذا القول مرويٌّ عن عمر بن الخطاب ﵁، وقد ذهب إليه الأئمة مالأ وأحمدُ (١) والثوري ﵏ وجماعة من العلماء، والمؤلف هاهنا لم يذكر أحمد ﵀ في القائلين بهذا القول.
* قوله: (وَبَعْضُهُمْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا صَارَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى أَيْدِي الكُفَّارِ غَلَبَةً وَحَازُوهُ حَتَّى أَوْصَلُوهُ إِلَى دَارِ المُشْرِكِينَ، وَبَيْنَ مَا أُخِذَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَحُوزُو وَيَبْلُغُوا بِهِ دَارَ الشِّرْكِ).
وإلى هذا القول بالتفريق بين الحالتين قد ذهب الفريق الآخر من أصحاب القول الثالث.
وهذا التفصيل ربَّما كان موجودًا في مذهب الإمام مالكٍ ﵀ وربما لا، ولكنه - في واقع الأمر - هو المشهور من مذهب الحنابلة، فالمسألة عند الحنابلة على هذا التفصيل:
أن ما استرد المسلمون من أيدي الكفار يدور بين حالتين:
الحالة الأولى: إن جاء صاحبُه وطالَبَ به قبل قسمة الغنائم فإنه يأخذه مطلَقًا بلا ثمنٍ.
الحالة الثانية: إن جاء صاحبُه وطالَبَ به بعد قسمة الغنائم ففيه روايتان في مذهب الحنابلة: