وهذه المسألة فيها تفصيلٌ وكلامٌ لأهل العلم، والأمر فيها إنما يختلف بين أن يكون ذلك قبل قسمة المغنم أو بعد القسمة، فالحُكْمُ يدور بين ما إذا كان المستَرَدُّ قبل قسمة الغنائم يُرَدُّ إلى صاحبه ولا يُرَدُّ بعد قسمة الغنائم، أم أنه من الأصل لا يُرَدُّ بحيث يدخل في الغنائم مُطلَقًا، كل هذا فيه خلافٌ وتفصيلٌ لأهل العلم، وسيأتي بيانه.
وقد حصل ذلك في عهدٌ رسول الله ﷺ عندما أُغِيرَ على السَّرح، واستولى المشركون على ناقة رسول الله ﷺ ، ثم أَسَرَ العدوُّ امرأةً من الأنصار بعد ذلك، ثم فَرَّت المرأة من القوم غفلةً وقَصَدَت إلى الإبل تريد منها بعيرًا تركبه، فكانت كلما دَنَت من بعيرٍ رَغَا فتركَتْه، حتى أَتَتْ ناقةً منها فلم تَرغ فرَكِبَت عليها، ثم نَجَتْ، وكانت قد جَعَلَت لله إن أنجاها اللَّهُ لَتَذْبَحَنَّهَا، فلمَّا قَدِمَتْ بها المدينةَ عرفَها الناسُ وقالوا: ناقة رسول الله ﷺ . فقالت: إني كنتُ قد نذرْتُ لله إن نجاني لأذبحنها. فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "بئْسَمَا جَزَيْتِيهَا، لَا نَذْرَ لابْن آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِك، وَلَا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ" (١).
وحدث مثل هذا أيضًا لعبد الله بن عمر ﵄ حينما استولى المشركون على بغلةٍ له أو ناقةٍ، ثم استردَّها بعد ذلك (٢).
стр. 4727
* قوله: (فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ مَشهُورَةٍ).
وجملة الأقوال في هذه المسألة - في واقع الأمر - إنما هي ثلاثة أقوال:
القول الأول: إنه يُرَدُّ إليه مُطلَقًا سواء كان قبل القسمة أو بعدها.
القول الثاني: إنه لا يُرَدُّ إليه مُطلَقًا لا قبل القسمة ولا بعدها.
القول الثالث: إنه يُرَدُّ إليه قبل القسمة، أما بعد القسمة فإنه يُرَدُّ إليه بالثَّمَنِ.
* قوله: (أَحَدُهَا: أَنَّ مَا اسْتَرَدَّ المُسْلِمُونَ مِنْ أَيْدِي الكُفَّارِ مِنْ أَمْوَالِ المُسْلِمِينَ فَهُوَ لِأَرْبَابِهَا مِنَ المُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ لِلْغُزَاةِ المُسْتَرِدِّينَ لِذَلِكَ مِنْهَا شَيْءٌ. وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْلِ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ (١) وَأَبُو ثَوْرٍ) (٢).
القول الأول: إنَّ ما استردَّهُ المسلمون ممَّا استولى عليه الكفار، فإنه يعودُ لأصحابه المسلمين، وليس يحقّ للغانمين أخذه في المغنَمِ.
وهذا هو قول الإمام الشافعي وأصحابه والإمام أبي ثور ﵏ جميعًا.
والعلماء من حيثُ الجملة متَّفقون على هذا القول، لكن من حيث التفصيل يختلفون فيما إذا كان هذا الحُكمُ على وجه الإطلاق، أم أنه يقتصر على ما طُولِبَ به في ل قسمة الغنائم.
стр. 4728
* قوله: (وَالقَوْلُ الثَّانِي: إنَّ مَا اسْتَرَدَّ المُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ، هُوَ غَنِيمَةُ الجَيْشِ لَيْسَ لِصَاحِبِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَهَذَا القَوْلُ قَالَهُ الزُّهْرِيُّ (١)، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ (٢)، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) (٣).
القول الثاني: إن ما استردَّهُ المسلمون مما استولى عليه الكفار، فإنه يصير غنيمةً للجيش، لا يعودُ لصاحبه الأول مطلَقًا.
وهذا القول هو روايةٌ عن علي بن أبي طالب ﵁، وذهب إليه الأئمة الزهريُّ وعمرو بن دينارٍ رحمهما الله.
وقد بنوا قولهم هذا على أن هذا المالَ المستَرَدَّ إنما قد غَنِمَه المسلمون واكتسَبوه من جهادهم، بمعنى أن الغانمين قد بَذَلُوا بجهادهم حقّ هذا المال، هذا من ناحيةٍ، ومن ناحيةٍ أُخرى فإن هذا الكافرَ الذي كان المال بحوزته إنما كان مالكًا للمال أيضًا بِحُكْم الغلبة والقهر، ولذلك يقول رسول الله ﷺ : "مَن أسلم على شيء فهو له" (٤)، وهذا يشمل كلّ شيءٍ حتى ولو كان مأخوذًا من المسلمين.
* قوله: (وَالقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ مَا وُجِدَ مِنْ أَمْوَالِ المُسْلِمِينَ قَبْلَ القَسْمِ، فَصَاحِبُهُ أَحَقُّ بِهِ بِلَا ثَمَنٍ، وَمَا وُجِدَ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ القَسْمِ، فَصَاحِبُهُ أَحَقُّ بِهِ بِالقِيمَةِ).
القول الثالث: أن ما استردَّهُ المسلمون ممَّا استولى عليه الكفار، فإنه
стр. 4729
قبل القسمة يعود لصاحبه بلا ثمنٍ، أما بعد القسمة فإن لصاحبه أَخْذَهُ بعد أن يدفَعَ قِيمَتَهُ.
وهناك دليلٌ على هذا القول، في قصة الرجل الذي جاء إلى رسول الله ﷺ وأَخْبَرَهُ بما استرَدَّهُ المسلمون مما كان قد استُولِيَ عليه قبل ذلك، فقال له رسول الله ﷺ : "إنْ وجدْتَهُ قبل القسمة فهو لكَ، وإن وجدْتَهُ بعد القَسْمِ فهو لكَ بِثَمَنِهِ" (١).
* قوله: (وَهَؤُلَاءِ انْقَسَمُوا قِسْمَيْنِ، فَبَعْضُهُمْ رَأَى هَذَا الرَّأْيَ فِي كُلِّ مَا اسْتَرَدَّهُ المُسْلِمُونَ مِنْ أَيْدِي الكُفَّارِ بِأَيِّ وَجْهٍ صَارَ ذَلِكَ إِلَى أَيْدِي الكُفَّارِ، وَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ صَارَ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْلِ مَالِكٌ (٢)، وَالثَّوْرِيُّ (٣)، وَجَمَاعَةٌ (٤)، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) (٥).
والمراد هاهنا أن هذا الفريق من أصحاب القول الثالث إنما قال بأن هذا الرأي يشمل كلّ ما استرده المسلمون من أيدي الكفار، سواء في هذا
стр. 4730
إن كان الكفار دخلوا به أرض الحرب ثم غزاهم المسلمون بعدها وأحرزوه مرةً ثانيةً، أو إن كان المسلمون قد أدركوه قبل أن يصل الكفار به إلى ديارهم فاستولوا عليه وأعادوه.
وهذا القول مرويٌّ عن عمر بن الخطاب ﵁، وقد ذهب إليه الأئمة مالأ وأحمدُ (١) والثوري ﵏ وجماعة من العلماء، والمؤلف هاهنا لم يذكر أحمد ﵀ في القائلين بهذا القول.
* قوله: (وَبَعْضُهُمْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا صَارَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى أَيْدِي الكُفَّارِ غَلَبَةً وَحَازُوهُ حَتَّى أَوْصَلُوهُ إِلَى دَارِ المُشْرِكِينَ، وَبَيْنَ مَا أُخِذَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَحُوزُو وَيَبْلُغُوا بِهِ دَارَ الشِّرْكِ).
وإلى هذا القول بالتفريق بين الحالتين قد ذهب الفريق الآخر من أصحاب القول الثالث.
وهذا التفصيل ربَّما كان موجودًا في مذهب الإمام مالكٍ ﵀ وربما لا، ولكنه - في واقع الأمر - هو المشهور من مذهب الحنابلة، فالمسألة عند الحنابلة على هذا التفصيل:
أن ما استرد المسلمون من أيدي الكفار يدور بين حالتين:
الحالة الأولى: إن جاء صاحبُه وطالَبَ به قبل قسمة الغنائم فإنه يأخذه مطلَقًا بلا ثمنٍ.
الحالة الثانية: إن جاء صاحبُه وطالَبَ به بعد قسمة الغنائم ففيه روايتان في مذهب الحنابلة:
стр. 4731
الرواية الأولى: أنه يستحقّه بثمنه.
والرواية الثانية: أنه لا يستحقّه مطلَقًا، وحينئذٍ يصير إلى الغانمين كجزءٍ من أموال الغنيمة (١).
هذا بخلاف مذهب الشافعية الذي يقول باستحقاق صاحب المال له على كلِّ حالٍ سواء طالَبَ به قبل القسمة أم بعدها.
* قوله: (فَقَالُوا: مَا حَازُوه، فَحُكْمُهُ إِنْ أَلْفَاهُ صَاحِبُهُ قَبْلَ القَسْمِ، فَهُوَ لَه، وَإِنْ أَلْفَاهُ بَعْدَ القَسْمِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ. قَالُوا: وَأَمَّا مَا لَمْ يَحُزْهُ العَدُوُّ بِأَنْ يَبْلُغُوا دَارَهُمْ بِهِ، فَصَاحِبُهُ أَحَقُّ بِهِ قَبْلَ القَسْمِ وَبَعْدَهُ .. وَهَذَا هُوَ القَوْلُ الرَّابعُ).
و"أَلْفَاهُ" (٢): بمعنى وَجَدَهُ وأَدْرَكَه، ومنه قول الله : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾.
والمراد بهذا القول: أن ما استردَّه المسلمون من أيدي الكفار بعد حازَهُ الكفار ودَخَلوا به دار الحرب، فإن صاحبه آنذاكَ يستحقّه بلا ثمنٍ إن أدركه قبل القسمة، ويستحقه بثمنه إن أدركه بعد القسمة.
أمَّا ما أدركه المسلمون قبل أن يحوزه الكفار إلى دار الحرب فإن صاحبه آنذاك يكون أحق به مُطلَقًا بلا ثمنٍ، سواء في ذلك أكان أدركه قبل القسمة أم بعدها، والسبب في هذا التفصيل أن أصحاب هذا القول يَرَوْنَ أنَّ ما أُدرِكَ قبل أن يُحازَ إلى دار الحرب يكون استيلاء الكفار عليه ناقصًا، حيث لم يكتمل القهر فيه من جانب الكفار، وعليه فتملُّكُ الكفار له لم يكتمل.
стр. 4732
* قوله: (وَاخْتِلَافُهُمْ رَاجِعٌ إِلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي: هَلْ يَمْلِكُ الكُفَّارُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَمْوَالَهُمْ إِذَا غَلَبُوهُمْ عَلَيْهَا، أَمْ لَيْسَ يَمْلِكُونَهَا؟).
وأكثر أهل العلم يذهبون إلى أن الكفار إذا غلبوا المسلمين على أموالهم فإنهم حينئذٍ يملكونها قهرًا (١)، ويدلّ عليه الحديث الشريف الذي قال فيه رسول الله ﷺ : "مَن أسلم على شيء فهو له" (٢).
ومن المعلوم أن الكفار كانوا يستولون على أموال المسلمين بمكة، وأن هذه الأموال قد بقيَت بحوزة المشركين، وتَمَلَّكُوها.
وسيأتي ذِكْرُ حديث أسامة بن زيدٍ ﵁ أنه قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ نَنْزِلُ غَدًا؟ فِي حَجَّتِهِ، قَالَ: "وَهَلْ تَرَكَ لنَا عَقِيلٌ مَنْزِلًا؟ ". ثُمَّ قَالَ: "نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِخَيْفِ بَنِي كنَانَةَ" (٣). يَعْنِي: المُحَصَّبَ، حَيْثُ قَاسَمَتْ قُرَيْشٌ عَلَى الكُفْرِ، وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي كِنَانَةَ حَالَفَتْ
стр. 4733
قُرَيْشًا عَلَى بَنِي هَاشِمٍ أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ، وَلَا يُبَايِعُوهُمْ، وَلَا يُؤْوُوهُمْ، ثُمَّ قَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: "لَا يَرِثُ الكَافِرُ المُسْلِمَ، وَلَا المُسْلِمُ الكَافِرَ" (١)).
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ تَعَارُضُ الآثَارِ فِي هَذَا البَابِ وَالقِيَاسِ، وَذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ المُشْرِكينَ لَيْسَ يَمْلِكُونَ عَلَى المُسْلِمِينَ شَيْئًا، وَهُوَ قَالَ: "أَغَارَ المُشْرِكُونَ عَلَى سَرْحِ المَدِينَةِ وَأَخَذُوا العَضْبَاءَ نَاقَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَامْرَأَةً مِنَ المُسْلِمِينَ، فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ، قَامَتِ المَرْأَةُ وَقَدْ نَامُوا، فَجَعَلَتْ لَا تَضَعُ يَدَهَا عَلَى بَعِيرٍ إِلَّا أَرْغَى").
و"أَرْغَى" (٢): هي من الرغاء الذي هو صوت البعير.
* قوله: (حَتَّى أَتَتْ نَاقَةً ذَلُولًا).
وهي العضباء ناقة رسول الله ﷺ .
* قوله: (فَرَكبَتْهَا، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ قِبَلَ المَدِينَةِ، وَنَذَرَتْ لَئِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ لَتَنْحَرَنَّهَا، فَلَمَّا قَدِمَتِ المَدِينَةَ، عُرِفَتِ النَّاقَة، فَأَتَوْا بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرَتْهُ المَرْأَةُ بِنَذْرِهَا، فَقَالَ: "بِئْسَ مَا جَزَيْتِهَا، لَا نَذْرَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ، وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ") (٣).
فالنذر لا يجوز فيه أن ينذره الإنسان فيما لا يملك، كأن ينذر لله - مثلًا - أن يتصدق من مال فلانٍ، أو يتصدق بدار فلانٍ، وما إلى ذلك.
كما أن النذر لا يجوز فيه أن ينذر الإنسان ما هو معصية لله ؛
стр. 4734
لأن رسول الله ﷺ قال: "مَن نذر أن يطيع الله فلْيُطِعْه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" (١)، فمَنْ نَذَرَ معصية الله فإنه لا يفي بنذره هذا، وهذا النذر حينئذٍ لا كفارة له، وإنما ينبغي له فقط أن يرجع عن هذه المعصية.
أما هذا الحديث؛ فلا حجَّة فيه على عدم تملُّك الكفار لأموال المسلمين التي غلبوهم عليها؛ لأن استيلاء الكفار في هذا الحديث غير مكتملٍ، بدليل أن المرأة عادَتْ بالناقة إلى دار الإسلام، ممَّا يجب معه ألا يُجعَلَ هذا الاستدلال قاعدةً يُحْتَجُّ بها.
* قوله: (وَكذَلِكَ يَدُلُّ ظَاهِرُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى مِثْلِ هَذَا، وَهُوَ أَنَّهُ أَغَارَ لَهُ فَرَسٌ فَأَخَذَهَا العَدُوُّ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ، فَرُدَّتْ عَلَيْهِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٢)، وَهُمَا حَدِيثَانٍ ثَابِتَانِ).
أما ثبوت الحديثين فلا نزاع فيه، إِذْ إنَّ كِلا الحديثين موجودٌ في "الصحيحين" أو في أحدهما.
ولكن الاستدلال بهما في حَدِّ ذاته محلّ نظرٍ؛ هذا لأن حديث عبد الله بن عمر ﵄ إنما كان قبل القسمة لا بعدها، كما أن حديث المرأة لا يَسلَمُ الاستدلال به لكونها عادت بالناقة.
* قوله: (وَأَمَّا الأَثَرُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى مِلْكِ الكُفَّارِ عَلَى المُسْلِمِينَ: فَقَوْلُهُ ﵊: "وَهَلْ تَرَكَ لنَا عَقِيلٌ مِنْ مَنْزِلٍ") (٣).
يعني: لما سألَ أسامةُ بن زيدٍ ﵄ رسولَ الله ﷺ عن المنزل الذي سينزلون فيه، أجابه رسول الله ﷺ بقوله: "وهل ترك لنا عقيلٌ من منزلٍ؟ "؛
стр. 4735
وهذا لأن من المعلوم أن المسلم لا يرث الكافر وأن الكافر لا يرث المسلم؛ بسبب ما بينهما من اختلاف الدِّين.
* قوله: (يَعْنِي: أَنَّهُ بَاعَ دُورَهُ الَّتِي كَانَتْ لَهُ بِمَكَّةَ بَعْدَ هِجْرَتِهِ مِنْهَا ﵊ إِلَى المَدِينَةِ).
وقد كان هذا قبل إسلام عقيلٍ.
* قوله: (وَأَمَّا القِيَاسُ: فَإِنَّ مَنْ شَبَّهَ الأَمْوَالَ بِالرِّقَابِ قَالَ: الكُفَّارُ كَمَا لَا يَمْلِكُونَ رِقَابَهُمْ، فَكَذَلِكَ لَا يَمْلِكُونَ أَمْوَالَهُمْ، كحَالِ البَاغِي مَعَ العَادِلِ، أَعْنِي أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ عَلَيْهِمُ الأَمْرَيْنِ جَمِيعًا).
والمراد بهذا القياس الذي استدلَّ به القائلون بعدم تملُّكِ الكفار لِمَا استولوا عليه قهرًا من أموال المسلمين، أن يُقاسَ تملُّك الكفار أموالهم على تملُّكِهم رقابهم، فكما أن الكفار لا يملكون رقابهم فإنهم كذلك لا يملكون أموالَهم، ولذلك فإن الكفَّارَ إذا استولوا على أحدٍ من المسلمين فإنه لا يكون مملوكًا في هذه الحالة إذا عادَ إلى المسلمين، وإنما يعود على الحرية لا الرِّقِّ، وإذا كان المُسلِمُ إذا أُسِرَ لا يصير رقيقًا فكذلك مال المسلم إذا أُخِذَ بالقهر لا يكون مملوكًا لآخِذِهِ الكافر، فهذا هو التعليل الذي استدلَّ به هذا الفريق على قوله.
ومما يؤخَذُ على المؤلِّف هاهنا أنه لم يَعرِض لدليل جمهور أهل العلم، وهو قول رسول الله ﷺ : "مَن أدرك مالَه قبل قسمته فهو أحقُّ به، فإن أدركه بعد القسمة فإنما يأخذه بثمنه" (١).
* قوله: (وَمَنْ قَالَ: مَنْ لَيْسَ يَمْلِكُ، فَهُوَ ضَامِنٌ لِلشَّيءِ إِنْ فَاتَتْ عَيْنُه، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الكُفَّارَ غَيْرُ ضَامِنِينَ لِأَمْوَالِ المُسْلِمِينَ) (٢).
стр. 4736
وهذه المسألة لم يَعرِض لها المؤلف، وهي من المسائل التي تناوَلَها أهل العلم.
ومدار هذه المسألة هو أن الكافر إذا استولى على شيءٍ من أموال المسلمين، ثم أَسْلَمَ بعد ذلك ودَخَلَ أرضَ المسلمين مُسلِمًا، فإنه حينئذٍ لا يُطالَبُ بما كان قد استولى عليه من أموال المسلمين في حال كُفْرِهِ؛ لأنه كان قد مَلَكَهَا، ولأنه كذلك لا يَضمَن ما أَتْلَفَهُ من أموال المسلمين حال كُفْرِهِ.
وفي هذا ما يشهد لمذهب جمهور أهل العلم، حيثُ إن فيه دلالةً على أن الكفار يملكون بالقهر ما استولوا عليه من أموال المسلمين.
стр. 4737
هذا إلى جانب قول رسول الله ﷺ : "مَن أسلم على شيءٍ فهو له" (١).
* قوله: (فَلَزِمَ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الكُفَّارَ لَيْسُوا بِغَيْرِ مَالِكِينَ لِلْأَمْوَالِ).
والعبارة هكذا هي خلاف الأَوْلَى، حيث كان الأَوْلَى بالمؤلف أن يقول: (إن الكفار مَالِكُونَ للأموال)، بدلًا مِنْ قوله: (إن الكفار ليسوا بغير مالكين).
* قوله: (فَهُمْ مَالِكُونَ؛ إِذْ لَوْ كَانُوا غَيْرَ مَالِكِينَ لَضَمِنُوا).
وهذا يعني: أن الكفار إنما هم مالكون لِمَا استولوا عليه من أموال المسلمين؛ لأنهم لو لم يكونوا قد مَلَكُوا هذه الأموالَ لَوَجَبَ عليهم ضمانُها.
* قوله: (وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الحُكْمِ قَبْلَ الغُنْمِ وَبَعْدَهُ).
وقوله: (الغُنْم)، يعني به: الغنيمة.
* قوله: (وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْحُكْمِ قَبْلَ الْغُنْمِ وَبَعْدَه، وَبَيْنَ مَا أَخَذَ المُشْرِكُونَ بِغَلَبَةٍ أَوْ بِغَيْرِ غَلَبَةٍ بِأَنْ صَارَ إِلَيْهِمْ مِنْ تِلْقَائِهِ، مِثْلَ العَبْدِ الآبِقِ وَالفَرَسِ العَائِدِ، فَلَيْسَ لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ يَجِدُ وَسَطًا بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: إِمَّا أَنْ يَمْلِكَ المُشْرِكُ عَلَى المُسْلِمِ شَيْئًا، أَوْ لَا يَمْلِكَهُ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ سَمْعِيٌّ).
كَمَا ذَكَرنا: بَعْضهم فرَّق بين ما وصل إلى أيدي الكفار بالتغلُّب، وأستحوزوا عليه حتى أَوْصَلوه إلى ديارهم، وبين ما أَخَذه المسلمون منهم قبل أن يصلوا به إلى ديارهم، فقالوا: ما وصل إلى ديارهم فهو على حالتين:
الأولى: أن يطلبه صاحبه قبل أن يُقْسم، وفي هذه الحالة يكون له.
стр. 4738
الثانية: أن يطلبه صاحبه بعد أن يُقْسم، وفي هذه الحالة أحق به مع دفع الثمن.
قالوا: وأما في حالة ما إذا لم يصل العدو، ولم يبلغوا به ديارهم، فصاحبُهُ أحقُّ به قبل أن يُقْسم وحتى لو قُسِمَ.
* قَوْله: (لَكِنَّ أَصْحَابَ هَذَا المَذْهَبِ إِنَّمَا صَارُوا إِلَيْهِ، لِحَدِيثِ الحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ "أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ بَعِيرًا لَهُ كَانَ المُشْرِكُونَ قَدْ أَصَابُوهُ"، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . "إِنْ أَصَبْتَهُ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ فَهُوَ لَكَ، وَإِنْ أَصَبْتَهُ بَعْدَ القَسْمِ أَخَذْتَهُ بِالقِيمَةِ" (١)).
فَفِيهِ دَليلٌ على أنَّ الكفارَ إذا أَحْرَزوا أموالَ المُسْلمين، واستولوا عليها لا يَتملَّكونها، وإذا استنقذها المُسْلمون من أيديهم تردُّ إلى ملاكها، سواء كان قبل القسمة، أو بعدها.
* قوله: (لَكِنَّ الحَسَنَ بْنَ عُمَارَةَ مُجْتَمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ، وَتَرْكِ الاحْتِجَاجِ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ (٢). وَالَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ مَالِكٌ فِيمَا أَحْسَبُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ قَضَاءُ عُمَرَ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ لَيْسَ يَجْعَلُ لَهُ أَخْذَهُ بِالثَّمَنِ بَعْدَ القَسْمِ عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِهِ، وَاسْتِثْنَاءُ أَبِي حَنِيفَةَ أُمَّ الوَلَدِ وَالمُدَبَّرَ مِنْ سَائِرِ الأَمْوَالِ لَا مَعْنَى لَهُ (٣)، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَرَى أَنَّ الكُفَّارَ يَمْلِكُونَ عَلَى المُسْلِمِينَ
والإمام أحمد (١) أيضًا يذهب إلى هذا القول. فمالكٌ وأبو حنيفة وأحمد قالوا بصحة هذا.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَصْلِهِ: لَا يَصِحُّ لَهُ (٢). وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ إِذَا دَخَلَ مُسْلِمٌ إِلَى الكُفَّارِ عَلَى جِهَةِ التَّلَصُّصِ، وَأَخَذَ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ مَالَ مُسْلِمٍ. فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): "هُوَ أَوْلَى بِهِ وَإِنْ أَرَادَهُ صَاحِبُهُ أَخَذَهُ بِالثَّمَنِ"، وَقَالَ مَالِكٌ (٤): "هُوَ لِصَاحِبِهِ، فَلَمْ يَجْرِ عَلَى أَصْلِهِ").
فالمؤلف هاهنا ينتقد الإمام مالكًا في أنه إنما بقوله هذا قد خَرَجَ عن قاعدته وخالَفَها.
ولا شَكَّ في أن الأقربَ للصواب من هذه الأقوال هو ما ذَهَبَ إليه الإمامان أبو حنيفة وأحمد رحمهما الله.
* قوله: (وَمِنْ هَذَا البَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي الحَرْبِيِّ يُسْلِمُ وَيُهَاجِرُ وَيَتْرُكُ فِي دَارِ الحَرْبِ وَلَدَهُ وَزَوْجَهُ وَمَالَهُ).
وهذه المسألة من المسائل المهمَّة، والخلاف فيها إنما هو دائرٌ بين مذهب جمهور أهل العلم وبين مذهب أبي حنيفة.
стр. 4741
فهاهنا لدينا مسألتان:
المسألة الأولى: لو أن الحربيَّ أَسْلَمَ، وبقي في دار الحرب، ثم استولى المسلمون على تلك الدار، فهل حينئذٍ يكون المسلم معصوم المال بحيث لا يؤخذ ماله في الغنيمة ولا تسبى ذرِّيته بسبب إسلامه؛ لأننا نعلم أن المسلم معصوم الدم والمال لقوله ﷺ : "فقد عصموا دماءهم وأموالهم"؟ أم أنه لا يُعصَمُ بسبب إقامته في دار الحرب؟ وهذه المسألة يؤخذ على المؤلَف أنه لم يَعرِض لها ولم يتناوَلْها.
المسألة الثانية: وهي ما إذا أسلم الحربي في دار الحرب، ثم هاجَرَ إلى دار الإسلام، وترك وراءه في دار الحرب مالَه، أو مالَه وزوجتَه، أو ذرّيتَه، فما حُكْمُ ما خَلَّفَهُ وراءَهُ في دار الحرب إذا دَخَلَهَا المسلمون حينئذٍ؟
* قوله: (هَلْ يَكُونُ لِمَا تَرَكَ حُرْمَةُ مَالِ المُسْلِمِ وَزَوْجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، فَلَا يَجُوزُ تَمَلُّكُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ إِنْ غَلَبُوا عَلَى ذَلِكَ، أَمْ لَيْسَ لِمَا تَرَكَ حُرْمَةٌ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لِكُلِّ مَا تَرَكَ حُرْمَةُ الإِسْلَامِ (١)، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَيْسَ لَهُ حُرْمَةٌ) (٢).
стр. 4742
فأبو حنيفة ﵀ ذَهَبَ إلى أنهم ليس لهم حرمةٌ؛ وهذا لأن أبا حنيفة ﵀ إنما يرى أن ما أخَذَه معه في هجرته من مالٍ أو متاعٍ أو زوجةٍ أو ولدٍ هذا هو الذي يُعامَل معامَلَتَهُ ويكون ذا حُرمةٍ، أما الذي تركه في دار الحرب فإنه تنتفي حُرمتُه ما دام في دار الكُفر فيُعامَلون حينئذ معامَلة غيرهم؛ لأنهم لم يتبعوه في إسلامه.
وهذا كلُّه إنما يراد به الحربيون، أما أهل الذِّمة فإن لهم أحكامًا يختصُّون بها على خلاف ذلك.
* قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ المَالِ وَالزَّوْجَةِ وَالوَلَدِ، فَقَالَ: لَيْسَ لِلْمَالِ حُرْمَةٌ، وَللْوَلَدِ وَالزَّوْجَةِ حُرْمَةٌ).
وهذا القول قول الإمام مالكٍ ﵀، وسيأتي في مناقَشة المؤلِّفِ للأقوال ما يوضِّحُ أن المؤلِّفَ ﵀ ليس من المتعصبِين لمذهب المالكية، فإنه سينقُضُ رأي المذهب المالكي في هذه المسألة؛ لعدم وجود مُقتَضٍ للتفريق بين الزوجة والولد من ناحيةٍ وبين المال من ناحيةٍ أُخرى.
فإن رسول الله ﷺ قد نَصَّ على عدم التفريق بينهما، في قوله ﷺ : "فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" (١)، بما يَدُلُّ على أنَّ مَن دخل في الإسلام ونطق بكلمة التوحيد فإنه بذلك يكون قد عصم ماله ودمه، وهذا ثابت لا يُرْفَع، ولم يَرِدْ فيه ولا في غيره من الأدلة هذا التفريق الذي ذَهَبَ إليه المالكية، ولذا فإنَّ المؤلِّفَ ﵀ قد أَخَذَه عليهم وانتقدهم فيه.
* قوله: (وَهَذَا جَارٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ) (٢).
стр. 4743
وقول المؤلِّفِ هذا من جملة انتقاده لهذا الرأي؛ لأن هذا التفريق بين الأمرين في الحُكم إنما هو تفريقٌ قد جاء مع عدم وجودِ فارقٍ، ولذا فإنه جارٍ على غير قياسٍ.
* قوله: (وَالأَصْلُ أَنَّ المُبِيحَ لِلْمَالِ هُوَ الكُفْر، وَأَنَّ العَاصِمَ لَهُ هُوَ الإِسْلَام، كَمَا قَالَ ﵊: "فَإِذَا قَالُوهَا، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ" (١)).
وهذا جزءٌ من حديثِ: "أُمِرْتُ أن أقاتِل الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقِّها، وحسابهم على الله" (٢).
وهذا الحديث قد استشهَدَ به الصحابي الجليل أبو بكر الصديق ﵁ عندما ارتدَّ مَن ارتدَّ من العرب وامتنعوا عن أداء الزكاة بعد وفاة رسول الله ﷺ ، فإنه حينئذٍ قد استدلَّ ﵁ بهذا الحديث وتمسَّكَ به، وحينئذٍ رَجَعَ الصحابةُ ﵃ إلى قوله وَثَبَتُوا عليه.
* قوله: (فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ هَاهُنَا مُبِيحًا لِلْمَالِ غَيْرَ الكُفْرِ مِنْ تَمَلُّكِ عَدُوِّ أَوْ غَيْرِهِ، فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ).
ولن يجد دليلًا على هذا أبدًا، بما يعني رجحان مذهب جمهور أهل العلم - من الشافعية والحنابلة - في هذا المسألة؛ لأن قولهم ﵏ يعضده الدليل الذي ذَكَرْنَاه.
* قوله: (وَلَيْسَ هَاهُنَا دَلِيلٌ تُعَارَضُ بِهِ هَذِهِ القَاعِدَة، وَاللَّهُ أَعْلَمُ).
والسبب في هذا أنها قاعدةٌ ثابتةٌ بالدليل الثابت الصحيح، والأصل
стр. 4744
أن مَن أراد الاستثناءَ من قاعدةٍ صحيحةٍ أنَّ عليه أن يأتِي بدليلٍ صحيحِ يفيد هذا الاستثناءَ ويخصصه تلك القاعدة أو يقيِّدها، وبما أنَّ هذا الدليلَ معدومٌ غير قائمٍ، فإن القاعدةَ إذن تبقى على أصل ثبوتها بحيث تُقَيَّدُ ولا يُستَثنَى منها شيءٌ.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الفَصْلُ الخَامِسُ فِي حُكْمِ مَا افْتَتَحَ المُسْلِمُونَ مِنَ الأَرْضِ عَنْوَةً)
وهذه المسألة من المسائل بالغة الأهمية، وهي تنقسم إلى قِسمَين دار الخلاف حولهما، ذَكَرَ المؤلِّفُ منهما قِسمًا واحدًا، لأن هذا القِسم هو مناط الخلاف بين أهل العلم، وهو الذي وقع الخلاف فيه في زمن الصحابة ﵃.
وهذا الخلاف لم يَدُمْ طويلًا، بل سُرعان ما زال وتلاشَى (١)، وسارَ بعدها الخلفاء والأئمة العلماء على هذا النهج الذي حَسَمَهُ (٢) الخليفة عمر بن الخطاب ﵁.
وهذا القول الذي حُسِمَ به الخلاف في هذه المسألة لم يكن قولًا انفرد به عمر ﵁، ولكنه كان فَهْمًا فَهِمَهُ عمر ﵁، من كتاب الله ، ولذلك رَكَّزَ المؤلِّفُ في عَرضِهِ للمسألة على هذا القول دون القول الآخر، بينما نحن سنتناول القسمَين بشيءٍ من التفصيل - إن شاء الله - في عَرْضِنا للمسألة.
فإن الأرض التي يفتَحُها المسلمون إنما تكون على نوعين، هما:
стр. 4745
النوع الأول: أرض صُلْحِ، والمراد بها هي تلك الأرض التي صالَحَ المسلمون أهلَها عليها.
وحُكمُها: أنها تظل في يد أهلِها وفي مِلكِهم، بينما يُضرَب عليها الخراج، ويرتفع حُكْمُ هذا الخراجِ بحيث لا يؤديه أهلُها للمسلمين في حالة لو أنهم دخلوا في الإسلام، فحينئذٍ يكون بإمكان هذا الداخل إلى الإسلام أن يتصرف في هذه الأرض بكل أنواع التصرُّف من بيعٍ أو إجارةٍ أو وقفٍ أو هبةٍ.
و"الخراج" (١): هو شيءٌ يُؤخَذُ من أهل هذه الأرض؛ لِيُنفَقَ في مَصالح المسلمين وشؤونهم، بما يعني أنه يكون بمثابة الجزية وبمنزلتها.
وهذا النوع هو الذي لم يَعرِض له المؤلِّف ﵀، ولكن عادة الفقهاء وأهل العلم جاريةٌ في هذه المسألة بتناوُل القسمين بالذِّكْرِ.
النوع الثاني: أرض عَنوةٍ، والمراد بها هي تلك الأرض التي أَخَذَهَا المسلمون قَسْرًا وقوَّةً.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا افْتَتَحَ المُسْلِمُونَ مِنَ الأَرْضِ عَنْوَةً).
وهذا النوع من الأرض مُختَلَفٌ في حُكمِهِ بين أهل العلم على ثلاثة أقوالٍ، وهي:
القول الأول: أن أرض العَنوة إنما تصير فيئًا للمسلمين.
بمعنى: أن أَمْرَهَا يكون موكولًا إلى اجتهاد الإمام ونَظَرِهِ، فإن شاء قَسَّمَها بين المسلمين، وإن شاء صيَّرَها وقفًا يُنفَق منه على مصالح المسلمين، كالإنفاق على المجاهدين والقضاة، وإقامة الطرق، وشقِّ السدود والترع وتمهيد الأنهار، وبناء المدارس والمساجد، وإقامة
стр. 4746
المشروعات التي تَقْوَى بها دعائم الدولة، وغير ذلك من الأُمور التي تَصُبُّ في صالح الرعِيَّةِ.
وهذا إنما قد فَعَلَه رسول الله ﷺ في أرض خيبر، فحينما فَتَحَ الرسول ﷺ وصحابته أرض خيبر إنما قَسَّمَها النبي قِسمَين، فَقَسَّمَ أحدَهُمَا على الغانمين، وصَيَّرَ القسم الآخرَ وقفًا على المسلمين ومصالحهم (١).
القول الثاني: أن أرض العَنوة إنما تصير وقفًا من أوقاف المسلمين بمجرد الاستيلاء عليها.
أي: أنها تُترَكُ في أيدي أهلها، بحيث يزرعونها ويقومون بسقيها ورعايتها - فيما يُعرَف في اصطلاح أهل الفقه بالمساقاة والمزارَعة - على أن يَدفَعُوا للمسلمين شَطرًا مما يَدخُل من هذه الأرض.
وقد ذَكَرنَا فيما سبق أن رسول الله ﷺ كان يبعث عبد الله بن رواحة لخرص أهل الثمار، فكان ﷺ يوصيه بالعدل وتحرِّي الدقة واجتناب الوقوع في الظلم، بقوله ﷺ : "إِذَا خَرَصْتُمْ فَدَعُوا الثُّلُثَ فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبُعَ" (٢)، كما هو معلوئم في منهج الشريعة الإسلامية الذي يتسم دائمًا وأبدًا بالعدل والإنصاف والتسامُح.
وأصحاب هذا القول إنما يستدلُّون بفعل عمر والصحابة ﵃ لَمَّا فُتِحَت أرض الشام، وقَدِمَ الخليفة عمر ﵁ إلى الجابية، وكان عازمًا على تقسيم الأرض، فحينئذٍ حَذَّرَهُ معاذٌ وعليُّ بن أبي طالب ﵄ بخطورة ذلك، حيث قال معاذٌ ﵁: "وَاللَّهِ إِذًا لَيَكُونَنَّ مَا تَكْرَه، إِنَّكَ إِنْ قَسَمْتَهَا اليَوْمَ
стр. 4747
كَانَ الرُّبُعُ العَظِيمُ فِي أَيْدِي القَوْمِ، ثُمَّ يَبِيدُونَ، فَيَصيرُ ذَلِكَ إِلَى الرَّجُلِ الوَاحِدِ، أَوِ المَرْأَةِ، ثُمَّ يَأتِي مِنْ بَعْدِهِمْ قَوْمٌ يَسُدُّونَ مِنَ الإِسْلَامِ مَسَدًّا، وَهُمْ مَا يَجِدُونَ شَيْئًا، فَانْظُرْ أَمْرًا يَسَعُ أَوَّلَهُمْ وَآخِرَهُمْ" (١)، ومن المعلوم ما لِمُعاذٍ ﵁ مِن مكانةٍ في الإسلام، وأن رسول اللّه ﷺ قد أثنى عليه بقوله: "وأعلمكم بالحلال والحرام معاذٌ" (٢)، فما كان من عمر ﵁ حينئذٍ إلا أن راجَعَ نفسه في أمر التقسيم، ووقف عند آيات سورة الحشر، فانتهى إلى صحَّة ما أشار عليه به معاذٌ وعليٌّ ﵄ مِن وَقْفِ الأرضِ في مصالح المسلمين، وحينئذٍ عارضَهُ بلالٌ ﵁ وأصحابُهُ مُطالِبِين إياه بتقسيم الأرض بين الغانمين، فقالوا: "اقْسِمْهَا بَيْنَنَا وَخُذْ خُمُسَهَا"، فقال عمر ﵁: "تُرِيدُونَ أَنْ يَأْتِيَ آخِرُ النَّاسِ لَيْسَ لَهُمْ شَيءٌ! لَا، هَذَا عَيْنُ المَالِ، ولَكِنِّي أَحْبِسُهُ فِيمَا يَجْرِي عَلَيْكُمْ وَعَلَى المُسْلِمِينَ"، فقالوا: "اقْسِمْهَا بَيْنَنَا وَخُذْ خُمُسَهَا"، فقال عمر ﵁: "اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِلَالًا وَذَوِيهِ"، فَمَا جَاءَ الحَوْلُ وَمِنْهُمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ (٣).
وقد التَقَى الصحابةُ بعد ذلك عند هذا القول واتفقوا عليه، وسارَ الخلفاءُ بعدهم على ما انتهى إليه عمر ﵁.
القول الثالث: أن أرض العَنوة إنما تُقَسَّمُ بين المسلمين.
ودليل أصحاب هذا القول هو قول الله في آية الأنفال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، وهذا القول هو ما ذَهَب إليه بلالٌ وأصحابه، من حيث إنه فِعْلُ رسول الله ﷺ ، وأن فِعْلَ رسول الله ﷺ إنما هو أَوْلَى مِن فِعْلِ غيره.
стр. 4748
• الرأي الراجح بين الأقوال الثلاثة:
والذي نراه وننتهي إليه من هذه الأقوال في المسألة هو أن أقربَها هو أن ذلك راجعٌ إلى اجتهاد الإمام وَنَظَرِهِ، بحيث يفعل ما يرى فيه مصلحة المسلِمِينَ.
ومَن أطال النظَّرَ والتأمُّلَ في المسألة وَجَدَ أن عُمَرَ ﵁ كان على عِلمٍ بِفِعل رسول الله ﷺ ، بدليل قوله ﵁: "لولا مَن سيأتي من الناس لَقَسَمْتُهَا بين المسلمين كما قَسَمَ رسول الله ﷺ خيبر" (١)، وفي هذا دلالةٌ جليَّةٌ على أن عمر ﵁ لم يخالِف في فِعله فِعلَ رسول الله ﷺ ولم يخرج عن قوله، ولكنه اجتهَدَ بالنظر إلى مصلحة المسلمين في الأزمان التالية لا في زمنه الحالي، فرأى أن يجعلها فيئًا يُنفَق في مصالح المسلمين.
ومن الأدلة كذلك على هذا القول ما كان في قصة بني النضير وإجلاء رسول الله ﷺ لهم عن المدينة، وأنه بعد الاستيلاء على أموالهم كانت خالصةً لرسول الله ﷺ ، ولذا فإن استدلال أصحاب القول الثاني بهذه القصة وأنها تصير فيئًا بمجرد الاستيلاء عليها يُجابُ عنه بأن هذه الواقعةَ كانت في أول الإسلام.
* قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (٢): "لَا تُقَسَّمُ الأَرْض، وَتَكُونُ وَقْفًا يُصْرَفُ خَرَاجُهَا فِي مَصَالِحِ المُسْلِمِينَ مِنْ أَرْزَاقِ المُقَاتِلَةِ، وَبِنَاءِ القَنَاطِرِ وَالمَسَاجِدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سُبُلِ الخَيْرِ، إِلَّا أَنْ يَرَى الإِمَامُ فِي وَقْتٍ مِنَ الأَوْقَاتِ أَنَّ المَصْلَحَةَ تَقْتَضِي القِسْمَةَ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُقَسِّمَ الأَرْضَ")
стр. 4749
وهذا القول فيه نظرٌ؛ فإن المشهور في مذهب مالكٍ هو القول بقسمة أرض العَنوة (١).
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢): "الأَرَضُونَ المُفْتَتَحَةُ تُقَسَّمُ كَمَا تُقَسَّمُ الغَنَائِمُ يَعْنِي: خَمْسَةَ أَقْسَامٍ").
فالإمام الشافعي في هذه المسألة إنما أخَذَ بما كان عليه الحال في عهد رسول الله ﷺ من القسمة أخماسًا كالغنائم.
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): "الإِمَامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُقَسِّمَهَا عَلَى المُسْلِمِينَ، أَوْ يَضْرِبَ عَلَى أَهْلِهَا الكُفَّارِ فِيهَا الخَرَاجَ، وَيُقِرَّهَا بِأَيْدِيهِمْ").
وهذا القول - كما أرى - إنما هو أصح الأقوال جميعًا وأعدلُها؛ لأن جميع الأدلة تلتقي عند هذا القول، ولأن رسول الله ﷺ في يوم خيبر إنما كان فِعلُه دليلًا على صحة على المذهب، فإنه ﷺ قد قَسَّمَ نصف خيبر بين الغانمين، وترك النصف الثاني وقفًا بأيدي أصحاب الأرض (٤).
стр. 4750
• مذهب الحنابلة في المسألة:
أما الحنابلة فإن لهم ثلاثَ رواياتٍ في هذه المسألة:
الرواية الأولى: قسمة أرض العنوة بين الغانمين.
الرواية الثانية: أنها تصير وقفًا بمجرد الاستيلاء عليها (١).
الرواية الثالثة: تتفق مع قوله أبي حنيفة ﵀ في تخيير الإمام بين قسمتها وبين وقفها على مصالح المسلمين وإبقائها بأدي أهلها وأخذ الخراج منهم عنها (٢).
стр. 4751
أما المحققون من أئمة مذهب الحنابلة فإنهم يذهبون إلى هذه الرواية الثالثة المتوافقة مع مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مَا يُظَنُّ مِنَ التَّعَارُضِ بَيْنَ آيَةِ سُورَةِ الأَنْفَالِ وَآيَةِ سُورَةِ الحَشْرِ، وَذَلِكَ أَنَّ آيَةَ الأَنْفَالِ تَقْتَضِي بِظَاهِرِهَا أَنَّ كُلَّ مَا غُنِمَ يُخَمَّسُ وَهُو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤١]، وقَوْله تَعَالَى في آيَةِ الحَشْرِ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] عَطْفًا عَلَى ذِكْرِ الَّذِينَ أَوْجَبَ لَهُمُ الفَيْءَ).
وليس هناك تعارضٌ ولا نسخٌ، بل إن الآيتين - في حقيقة الأمر - إنما هما آيتان مُحكَمَتان؛ فإن الله قال في آية الأنفال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، وقال في آية الحشر: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ ثم قال بعدها : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾.
فالصّنف الأول المذكور في الآية: هم أولئك الفقراء المهاجرين الذين أَخرَجَهُم الكفارُ من ديارهم واستولوا على أموالهم، فهؤلاء المهاجرون بهم فقرٌ وحاجةٌ لكونهم إنما خرجوا من ديارهم وهاجروا منها دون أموالٍ، والذين ما فعلوا كل هذا إلا ابتغاء رضوان الله ووجهه ، ولذا فإنهم خرجوا وتركوا وراءهم ما تركوه نصرةً لدين الله ونصرةً لرسول الله ﷺ ، ومن أجل هذا كان هذا الصنف مستحِقًّا لأن ينال من الفيء.
أما الصنف الثاني: فهم مَن ذَكَرَهم الله بقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا
стр. 4752
أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾، وهم الأنصار الذين استقبَلوا إخوانهم المهاجِرِين إليهم ورحَّبوا بهم وآثروهم على أنفسهم، ولم يجدوا في صدورهم حاجةً مما يدفعونه إلى إخوانهم ويقدمونه لهم، ولا مما يجدونه من تقديم إخوانهم عليهم في بعض الأُمور والرُّتَب وتقديمهم في الخلافة وغير ذلك، فاستحق هذا الصنف كذلك أن يُسهَمَ لهَ من الفيء كسابقه.
الصنف الثالث: وهم من ذَكَرَهُم الله بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾، وهم التابعون وأتباعهم وأتباع أتباعهم إلى يوم القيامة؛ لأنهم إنما ساروا على النهج السويِّ ولم يخالفوه إلى سواه من المناهج الفاسدة المعوَجَّةِ، فَالتَزَمُوا عقيدة التوحيد الخالص التي كان عليها منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم، فاقتفوا آثار سابقيهم في كلِّ حركاتهم وسكناتهم.
هذا إلى جانب أنهم قد صَفَتْ قلوبُهم وخَلَت من أدناس (١) الغل والحقد والسوء، وهذا يظهر جليًّا في دعائهم لسابقيهم من إخوانهم، فطهُرَت قلوبُهم وسَمَتْ (٢) نفوسُهُم، حتى إنهم صار ينطبق عليهم وَصْفُ الله لأهل الجنة، في قوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾.
ومثل هذا من سُنَّة رسول الله ﷺ ، فعن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: كُنَّا يَوْمًا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ مِنْ هَذَا الفَجِّ (٣) رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ"، قَالَ: فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الأَنْصَارِ
стр. 4753
تَنْطِفُ (١) لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ، قَدْ عَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ فَسَلَّمَ، فَلَمَّا كَانَ الغَد، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ المَرَّةِ الأُولَى، فَلَمَّا كَانَ اليَوْمُ الثَّالِث، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًا، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الأَوَّلِ، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ ﷺ تَبِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ فَقَالَ: إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي، فَأَقْسَمْتُ أَلَّا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضيَ الثَّلَاثُ فَعَلْتَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ أَنَسٌ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ انْقَلَبَ عَلَى فِرَاشِهِ، وَذَكَرَ اللَّهَ وَكَبَّرَ حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الفَجْرِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: غير أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا، فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاث، وَكِدْتُ أَحْتَقِرُ عَمَلَه، قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ وَالِدِي هِجْرَةٌ وَلَا غَضَبٌ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: "يَطْلُعُ الآنَ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ"، فَطَلَعْتَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ، فَأَقْتَدِيَ بِكَ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَبِيرَ عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ. قَالَ: فَانْصَرَفْتُ عَنْه، فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي. فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي عَلَى أَحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُهُ عَلَى مَا أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ إِلَيْهِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ هِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ (٢).
فهذا الرجل إذن إنما نال ما نال من البشارة بالجنة والفوز في الآخرة بسبب ما نزعه الله من صدره من الغل والحسد والكراهية، وهذا هو ما ينبغي أن يكون عليه المسلم، بأن يفرحَ إذا رأى خيرًا لأخيه، وحتى ولو كانت نفسه تتوق (٣) إلى مثل هذا الخير فما عليه إلا أن يدعو الله أن
стр. 4754
يهبه مثله أو يكتب له ما فيه الخير، وأن يديم الخير والنعمة على أخيه ويزيده من فضله، فهذه هي طهارة النفس التي بها يصفو بها الإنسانُ ويسمو إلى هذا المقام الرفيع الجليل.
والإنسان - في حقيقة الأمر - إنما تكون نظرته قاصرةً؛ لأنه لا يعلم الغيب، ولذلك فإنه لا يدري حكمة الله فيما قَسَمَه بين عباده، فربما يكون هذا الرجل قد أُعْطِيَ هذا الأمرَ من أُمور الدنيا وتكون أنتَ قد ادُّخِرَت لك أمور أعظم منه في الآخرة، بحيث يعوضك الله عن هذا بحسناتٍ يرفعك بها درجاتٍ يوم القيامة، فكلُّ هذه الأُمور إنما هي من الأُمور الغيبية التي لا يمكن أن يدركها العبدُ.
فعلى المسلم دائمًا أن يحسن الظن بالله، وأن يكون على عِلمِ يقينيٍّ بأنه إن أخلَصَ العمل لوجه الله وحده، فإن الله لا يضيع أجرَ عمل عاملٍ من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ، وأنه لا يضيع أجر المحسنين.
ولا شَكَّ أن عمر ﵁ قد كان مُسَدَّدًا في اجتهاده الذي اجتهد فيه، وتَوَقُّفِهِ أمام آيات سورة الحشر وإمعان النظر فيها، رأى في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ خطابًا عامًّا للخلق أجمعين في كل الأمكنة والأزمنة، فقال حينئذٍ: "لا أرى هذه الآية إلا عَمَّت الخَلق، حتى الراعيَ بكداء"، وقال كذلك: "لئن بقيتُ بعد أن كَثُرَت الغنائم وتوالت على المؤمنين لَتَصلَنَّ هذه الأموالُ إلى من كان بسور حمير - أي: من كان بالأماكن المرتفعة باليمن - وإن لم يَعرَق له جبين" (١). أي: وإن لم يبذل جهدًا في مقابِلِها.
وذلك إنما هو بسبب بقاء هذه الأموال، وأنه سيُوَزَّعُ بحيث يشمَل خيرُهُ ويعمُّ حتى الراعي الذي يرعى في غورٍ من الأغوار بين جَبَلَين.
وقد صار الأمر إلى ذلك - بفضل الله ، بحيث قد تنوعَت الخيرات وتعدَّدَت بصورةٍ تَفوقُ ما كان مُتَوَقَّعًا، مما يجب علينا معه أن
стр. 4755
نبادر إلى شُكْرِ الله حتى يزيدنا من فضله، لأن الله يقول في كتابه: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
وليس الوصول لمثل هذه الدقائق والغوامض (١) مُستَغرَبًا من عُمَرَ، فإنه ﵁ هو الذي أيَّدَهُ القرآن الكريم في أكثر من موضع، كتأييده في قضية أسرى بدرٍ، في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾، وكذلك في نزول آيات الحجاب، هذا إلى جانب ما اقترَحَهُ على رسول الله ﷺ بقوله: "يا رسول الله، لو اتخَذْتَ من مقام إبراهيم مُصَلًّى! "، فنَزَلَ قوله : ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٢).
فلعلَّ هذه المسألة تكون قد وَضَحَتْ بِجلاءٍ بعد أن فَصَّلْنَا القول فيها.
• حُكم الأرض التي رَحَلَ عنها أهلُها من تلقاء أنفسهم:
ويبقى الآن أن نَعرِضَ إلى أن هناك من أهل العلم مَن يرى في المسألة قسمًا ثالثًا، وهو: تلك الأراضي التي يتركها أهلُها بحيث إنها أراضٍ لم تؤخَذ عَنوةً من أصحابها ولم يصالِح أهلُها المسلمين عليها كذلك، وإنما خرجوا منها وتركوها راحلين من تلقاء أنفسهم، وهذه المسألة لأهل العلم فيها قولان:
القول الأول: أنها تصير وَقفًا بمجرد خروج أهلها منها (٣).
стр. 4756
القول الثاني: أن الإمام لا بدَّ أن يكون هو مَن أَوْقَفَهَا (١).
* قوله: (يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ الحَاضِرِينَ وَالآتِينَ شُرَكَاءُ فِي الفَيءِ كمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠]، مَا أَرَى هَذِهِ الآيَةَ إِلَّا قَدْ عَمَّتِ الخَلْقَ حَتَّى الرَّاعِيَ بِكَدَاءٍ، أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ) (٢).
أما (كداء)، فالمعروف أنها بسور حِمْيَر، وهو مرتفع عن الأرض، يقع أسفل الجبل، وحِمْيَر إنما هي في الجبل، وهذا هو الوارد في الأحاديث المعروفة.
ولا أذكر نَصَّ الحديث، بل إن المؤلِّفَ نفسه شاكٌّ فيه ومتردِّدٌ، وهذا يُفهَم من قوله ﵀: (أو كلامًا هذا معناه).
* قوله: (وَلِذَلِكَ لَمْ تُقَسَّمِ الأَرْضُ الَّتِي افْتُتِحَتْ فِي أَيَّامِهِ عَنْوَةً مِنْ أَرْضِ العِرَاقِ وَمِصْرَ).
فهذا إنما قد تكرَّرَ في فتح مصر، فكما طلب بلالٌ وأصحابه من
стр. 4757
عمر ﵁ تقسم أرض الشام (١)، كذلك طلب الزبير من عمرو بن العاص ﵁ تقسيم أرض مصر، ولكن عمرو بن العاص رفض وقال: "لا أقسمها"، فألَحَّ الزبير ومن معه على عمرو بن العاص في طلب القسمة، فأرسَلَ عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب ﵁ يسأله في ذلك، فأيَّدَ عمر ما ذهب إليه عمرو بن العاص من عدم التقسيم (٢)، وبذلك تكون أرض العراق وأرض الشام وأرض مصر إنما كانت جميعها وقفًا على المسلمين.
* قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ الآيَتَيْنِ مُتَوَارِدَتَانِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ وَأَنَّ آيَةَ الحَشْرِ مُخَصِّصَةٌ لِآيَةِ الأَنْفَالِ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الأَرْضَ. وَمَنْ رَأَى أَنَّ الآيَتَيْنِ لَيْسَتَا مُتَوَارِدَتَيْنِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، بَلْ رَأَى أَنَّ آيَةَ الأَنْفَالِ فِي الغَنِيمَةِ، وَآيَةَ الحَشْرِ فِي الفَيْءِ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: تُخَمَّسُ الأَرْضُ وَلَا بُدَّ).
وهذا هو الأقرب للصواب فيما نرى، وهو أن آية الأنفال إنما نزلَت في الغنيمة، وآية الحشر إنما نَزلَت في الفيء، وكذلك أن آية الحشر قد عَدَّدَت أصناف الذين ذُكِرُوا في آية الأنفال.
وهذا هو الذي حَمَلَ الإمامَ الشافعيَّ (٣) ﵀ على إثبات القول بأن الأنفال مُخَمَّسَةٌ.
стр. 4758
بل إن الإمام الشافعيَّ ﵀ هو أول مَن قال بهذا القول، وهذا ليس قوله الشافعي وحده، فإن هذا القوله كذلك هو رواية عن الإمام أحمد (١) كما روى ابن المنذر (٢)، والقاضي من علماء الحنابلة المتقدمين (٣)، لكن الإمامَ الشافعي أَسْبَقُ بهذا القول من الإمام أحمد (٤).
* قوله: (وَلَا سِيَّمَا أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﵊ "قَسَّمَ خَيْبَرَ بَيْنَ الغُزَاةِ" (٥)؛ قَالُوا: فَالوَاجِبُ أَنْ تُقَسَّمَ الأَرْضُ لِعُمُومِ الكِتَابِ، وَفِعْلِهِ ﵊ الَّذِي يَجْرِي مَجْرَى البَيَانِ لِلْمُجْمَلِ فَضْلًا عَنِ العَامِّ) (٦).
والمراد بفعله ﷺ هو ما كان منه لَمَّا قَسَّمَ نصف خيبر بين الغانمين، وتَرَكَ النصف الآخر بأيدي أهلها وقفًا للمسلمين.
стр. 4759
* قوله: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَة فَإِنَّمَا ذَهَبَ إِلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ القِسْمَةِ وَبَيْنَ أَنْ يُقَرَّ الكُفَّارُ فِيهَا عَلَى خَرَاجٍ يُؤَدُّونَهُ) (١).
قال أبو حنيفة ﵀: إنه لو فتح المسلمون بلدًا قهرًا، فإنَّ الحاكم أو ولي الأمر أو الرئيس مُخيَّر، إمَّا أن يقسمها بين المسلمين جميعًا، وإمَّا أن يقرَّ أهلها عليها، ويفرض عليهم الجزية، ويفرض على أراضيهم الخراج.
* قَوْله: (لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى خَيْبَرَ بِالشَّطْرِ (٢)، ثُمَّ أَرْسَلَ ابْنَ رَوَاحَةَ فَقَاسَمَهُمْ (٣) "؛ قَالُوا: فَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُقَسِّمْهَا، قَالُوا: فَبَانَ بِهَذَا أَنَّ الإِمَامَ بِالخِيَارِ بَيْنَ القِسْمَةِ وَالإِقْرَارِ بِأَيْدِيهِمْ، وَهُوَ الَّذِي فَعَلَ عُمَرُ ﵁).
وقال بعضهم: إنما ساقى النبي ﷺ يهود خيبر من أجل اشتغاله بالجهاد في سبيل الله، وأمر بخَرْص ثمارها على اليهود من أجل أنه لم يأمنهم عليها.
* قوله: (وَإِنْ أَسْلَمُوا بَعْدَ الغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ المَنِّ عَلَيْهِمْ أَوْ قِسْمَتِهَا عَلَى مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، أَعْنِي: مِنَ المَنِّ، وَهَذَا إِنَّمَا يَصِحُّ عَلَى رَأْيِ مَنْ رَأَى أَنَّهُ افْتَتَحَهَا عَنْوَةً، فَإِنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا
стр. 4760
فِي ذَلِكَ (١)، وَإِنْ كانَ الأَصَحُّ أَنَّهُ افْتَتَحَهَا عَنْوَةً، لِأَنَّهُ الَّذِي خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ).
يقصد ما أخرجه مسلم عن عبد الله بن رباح: جعل ﷺ يوم الفتح خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى، وجعل الزبير على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة على الحسر وبطن الوادي، فقال: يا أبا هريرة، ادع لي الأنصار فجاؤوا يهرولون، فقال: يا معشر الأنصار، هل ترون أوباش قريش؟ قالوا: نعم، قال: انظروا إذا لقيتموهم غدًا أن تحصدوهم حصدًا، وأخفى بيده، ووضع يمينه على شماله، وقال: موعدكم الصفا، قال: فما أشرف يومئذٍ لهم أحد إلا أناموه، وصعد رسول الله ﷺ الصفا، وجاءت الأنصار، فأطافوا بالصفا، فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله، أبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم. فقال رسول الله ﷺ : "مَن دخل دار
أَنَّهَا تَضَمَّنَتِ القَوْلَ فِي نَوْعٍ مِنَ الأَمْوَالِ مُخَالِفٍ الحُكْمَ لِلنَّوْعِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ آيَةُ الأَنْفَالِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشرت ٦]، هُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى العِلَّةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا لَمْ يُوجَبْ حَقٌّ لِلْجَيْشِ خَاصَّةً دُونَ النَّاسِ، وَالقِسْمَةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ إِذْ كانَتْ تُؤْخَذُ بِالإِيجَافِ).
ذَكَر بَعْضُ أَهْل التَّفْسير: أنَّ الفيءَ والغنيمةَ سواء، وهو كل مالٍ أخذ من المشركين، وآية الفيء الَّتي هي في سور الحشر منسوخة بآية الغنيمة التي في سورة الأنفال.
وَرَدَّ عَلَيهم بأنَّ دَعْوى النسخ لا تصحُّ إلا بدليلٍ يدلُّ على النَّسخ.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الفَصْلُ السَّادِسُ فِي قِسْمَةِ الفَيْءِ
أَمَّا الفَيْءُ عِنْدَ الجُمْهُورِ، فَهُوَ كلُّ مَا صَارَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الكُفَّارِ مِنْ قِبَلِ الرُّعْبِ وَالخَوْفِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوجَفَ (١) عَلَيْهِ بِخَيْلٍ أَوْ رَجِلٍ (٢)(٣).
стр. 4763
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الجِهَةِ الَّتِي يُصْرَفُ إِلَيْهَا، فَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّ الفَيْءَ لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الفَقِيرِ وَالغَنِيِّ).
وقد تكلَّمْنا عن الجهة التي يُصرَف إليها الفيء، وبَيَّنَّا مذاهب العلماء فيها:
- فمنهم: مَن ذهب إلى أن الفيء يشمل الأغنياء والفقراء، ولا تختص به طائفة دون أخرى (١).
стр. 4764
- ومنهم: مَن قيَّدَه في حق الأغنياء بما فيه مصلحة المسلمين ومنفعتهم، كأن يكون الأغنياء ممن يحاربون دفاعًا عن الإسلام (١).
стр. 4765
- ومنهم: من ذهب إلى أنه لا يشمل العبيد (١)، وقد انتهى الأمر إلى ذلك؛ حيث ذكَرْنا في هذا الشأن ما دار بين الصحابيين الجليلين أبي بكر وعمر ﵁، حين سَوَّى أبو بكر ﵁ بين الناس وأدخل العبيد في العطاء، فقال له عمر: "يا خليفة رسول الله، أتجعل الذين جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم وهجروا ديارهم له - أي: للجهاد - كَمَنْ إنما دَخَلوا في الإسلام كرهًا؟ فقال أبو بكر ﵁: إنما عملوا لله، وإنما أجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغٌ". فلما آل الأمر إلى عمر ﵁ أَخرَجَ منهم هذا الصنف (٢).
ومن هنا وجدنا أن إدخالهم قد روي عن أبي بكر وعلي ﵄، وروي إخراجهم عن عمر وعثمان ﵄، هذا فيما يتعلَّق بهذا الصنف.
* قوله: (وَإِنَّ الإِمَامَ يُعْطِي مِنْهُ لِلْمُقَاتِلَةِ وَللْحُكَّامِ وَللْوُلَاةِ، وَيُنْفِقُ