أَنَّهَا تَضَمَّنَتِ القَوْلَ فِي نَوْعٍ مِنَ الأَمْوَالِ مُخَالِفٍ الحُكْمَ لِلنَّوْعِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ آيَةُ الأَنْفَالِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشرت ٦]، هُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى العِلَّةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا لَمْ يُوجَبْ حَقٌّ لِلْجَيْشِ خَاصَّةً دُونَ النَّاسِ، وَالقِسْمَةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ إِذْ كانَتْ تُؤْخَذُ بِالإِيجَافِ).
ذَكَر بَعْضُ أَهْل التَّفْسير: أنَّ الفيءَ والغنيمةَ سواء، وهو كل مالٍ أخذ من المشركين، وآية الفيء الَّتي هي في سور الحشر منسوخة بآية الغنيمة التي في سورة الأنفال.
وَرَدَّ عَلَيهم بأنَّ دَعْوى النسخ لا تصحُّ إلا بدليلٍ يدلُّ على النَّسخ.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الفَصْلُ السَّادِسُ فِي قِسْمَةِ الفَيْءِ
أَمَّا الفَيْءُ عِنْدَ الجُمْهُورِ، فَهُوَ كلُّ مَا صَارَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الكُفَّارِ مِنْ قِبَلِ الرُّعْبِ وَالخَوْفِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوجَفَ (١) عَلَيْهِ بِخَيْلٍ أَوْ رَجِلٍ (٢)(٣).
стр. 4763
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الجِهَةِ الَّتِي يُصْرَفُ إِلَيْهَا، فَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّ الفَيْءَ لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الفَقِيرِ وَالغَنِيِّ).
وقد تكلَّمْنا عن الجهة التي يُصرَف إليها الفيء، وبَيَّنَّا مذاهب العلماء فيها:
- فمنهم: مَن ذهب إلى أن الفيء يشمل الأغنياء والفقراء، ولا تختص به طائفة دون أخرى (١).
стр. 4764
- ومنهم: مَن قيَّدَه في حق الأغنياء بما فيه مصلحة المسلمين ومنفعتهم، كأن يكون الأغنياء ممن يحاربون دفاعًا عن الإسلام (١).
стр. 4765
- ومنهم: من ذهب إلى أنه لا يشمل العبيد (١)، وقد انتهى الأمر إلى ذلك؛ حيث ذكَرْنا في هذا الشأن ما دار بين الصحابيين الجليلين أبي بكر وعمر ﵁، حين سَوَّى أبو بكر ﵁ بين الناس وأدخل العبيد في العطاء، فقال له عمر: "يا خليفة رسول الله، أتجعل الذين جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم وهجروا ديارهم له - أي: للجهاد - كَمَنْ إنما دَخَلوا في الإسلام كرهًا؟ فقال أبو بكر ﵁: إنما عملوا لله، وإنما أجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغٌ". فلما آل الأمر إلى عمر ﵁ أَخرَجَ منهم هذا الصنف (٢).
ومن هنا وجدنا أن إدخالهم قد روي عن أبي بكر وعلي ﵄، وروي إخراجهم عن عمر وعثمان ﵄، هذا فيما يتعلَّق بهذا الصنف.
* قوله: (وَإِنَّ الإِمَامَ يُعْطِي مِنْهُ لِلْمُقَاتِلَةِ وَللْحُكَّامِ وَللْوُلَاةِ، وَيُنْفِقُ
стр. 4766
مِنْهُ فِي النَّوَائِبِ (١) الَّتِي تَنُوبُ المُسْلِمِينَ كَبِنَاءِ القَنَاطِرِ، وَإِصْلَاحِ المَسَاجِدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ).
وكذلك يُنفِق الإمام من الفيء في شق الطرق والترع وبناء الجسور، وكل ما فيه مصلحة ومنفعة للمسلمين.
* قوله: (وَلَا خُمُسَ فِي شَيْءٍ مِنْه، وَبِهِ قَالَ الجُمْهُورُ (٢)، وَهُوَ الثَّابِتُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ (٣). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: بَلْ فِيهِ الخُمُسُ (٤)، وَالخُمُسُ مَقْسُومٌ عَلَى الأصْنَافِ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي آيَةِ الغَنَائِمِ (٥)، وَهُمُ الأَصْنَافُ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي الخُمُسِ بِعَيْنِهِ مِنَ الغَنِيمَةِ).
стр. 4767
وقد أشرنا إلى أن الإمام الشافعي هو أول مَن نُقل عنه القول بتخميس الفيء، وتابعه الحنابلة في إحدى الروايتين في المذهب.
* قوله: (وَإِنَّ البَاقِيَ هُوَ مَصْرُوفٌ إِلَى اجْتِهَادِ الإِمَامِ، يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَعَلَى عِيَالِهِ، وَمَنْ رَأَى).
لأن رسول الله ﷺ فَعلَ ذلك، فقد كان يحتفظ بنفقة سَنةٍ (١)، أمَّا ما زاد فكان يُنفِقه على الكُراع - يعني: الخيل - والسلاح وما فيه المصلحة للمسلمين.
* قوله: (وَأَحْسَبُ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: إِنَّ الفَيءَ غَيْرُ مُخَمَّسٍ، وَلَكِنْ يُقَسَّمُ عَلَى الأَصْنَافِ الخَمْسَةِ الَّذِينَ يُقَسَّمُ عَلَيْهِمُ الخُمُس، وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ فِيمَا أَحْسَبُ).
نعم، فالشافعي له قولان في المسألة كما ذَكر المؤلف.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِ مَنْ رَأَى أَنَّهُ يُقَسَّمُ جَمِيعُهُ عَلَى الأَصْنَافِ الخَمْسَةِ، أَوْ هُوَ مَصْرُوفٌ إِلَى اجْتِهَادِ الإِمَامِ هُوَ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي قِسْمَةِ الخُمُسِ مِنَ الغَنِيمَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ) (٢).
وقد ذَكَرْنا هذا، وبَيَّنَّاه تفصيلًا.
تَخُصُّ جَمِيعَ الفَيْءِ لَا جُزْءًا مِنْه، وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ - فِيمَا أَحْسَبُ - قَوْمٌ. وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ عُمَرَ قَالَ: "كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِمَّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلَا رِكابٍ، فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خَالِصَةً، فَكَانَ يُنْفِقُ مِنْهَا عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وَمَا بَقِيَ يَجْعَلُهُ فِي الكُرَاعِ) (١).
والكراع إنما يُقصَد به: الخيل والبغال والحمير (٢).
والقول الآخر وهو المنصرف أكثر: أنه يختص بالخيل (٣).
قوله: (وَالسِّلَاحِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ"، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ).
وفي الحديث دلالةٌ على أن الرسول ﷺ كان يأخذ أربعة أخماس الفيء.
قال المصنف ﵀:
стр. 4770
(الفصل السابع فِي الجِزْيَةِ
وَالكَلَامُ المُحِيطُ بِأُصُولِ هَذَا الفَصْلِ يَنْحَصِرُ فِي سِتِّ مَسَائِلَ).
المؤلف هاهنا لم يستوعب كل مسائل الجزية، فهي كثيرٌ جدًّا، لكنه كعادته يقتصر على أصول المسائل التي إذا ضَبَطْتَها وتَمكَّنْتَ منها أَمكَنَكَ أن تَرُدَّ الفروع إليها؛ فإنك إذا أَمسَكْتَ بالأصول سَهُلَ عليك أن تُلِمَّ بالفروع؛ لأنك إذا عَرفْتَ قاعدة جملة من الأحكام استَطَعْتَ أن تَجمَعَ كل جملة من الأحكام فتَصرِفها إلى ذلك الحكم الذي يجمعها.
وهنا يَذكُر المؤلف بابًا جديدًا يتناول فيه مسائل متعلقةً بكتاب الجهاد، أو هي جزءٌ منه.
قوله: (المَسْأَلَةُ الأُولَى: مِمَّنْ يَجُوزُ أَخْذُ الجِزْيَةِ؟).
إذن؛ هذا الباب يتناول أحكام الجزية.
والجزية صيغَتْ على وزن (فِعلة)، مِن (جَزَى يَجْزِي) إذا قَضَى (١)، يقول الله سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، ويقال: (جَزَيْتُ فُلَانًا عما له عندي)؛ أي: (قَضَيْتُهُ حَقَّهُ) (٢)، وَ: (جَزَيْتُهُ دَيْنَهُ)؛ أي: (أَدَيْتُهُ إِيَاهُ).
فالجزية معناها: القضاء (٣)، وحكمها ثابتٌ في كتاب الله ﵀ وفي سنة رسوله ﷺ وإجماع العلماء عليها.
стр. 4771
أما الكتاب: فقول الله - سبحان الله وتعالى -: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]، والشاهد هاهنا: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
وعن المغيرة بن شعبة أنه قال لجنود (كِسْرَى) يوم فتح (نهاوند): "أمَرَنا رسول الله ﷺ أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤَدُّوا الجزية، فإن فَعَلتُم ذلك عَصمتُم دماءكم" (١).
стр. 4772
فائدة:
وقوله الوارد في مطلع هذا الحديث: "حتى تعبدوا الله وحده". إنما هو الدعوة التي نجدها منذ أُنزِلَت الكتب وأُرسِلَت الرُّسل وأُقِيمَ ميزانُ العدل، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥].
فالله قد خلق الخلق لعبادته - سبحان الله وتعالى - لا شريك له.
والمسلم ينبغي أن يكون مُتَّقِيًا اللَّهَ - سبحان الله وتعالى - في كل أحواله، كما قال رسول الله ﷺ : "اتق الله حيثما كنتَ، وأَتْبعِ السيئةَ الحسنةَ تَمْحُهَا، وخَالِقِ الناسَ بِخُلقٍ حَسنٍ" (١).
وقد مر بنا في حديث بريدة أن الرسول ﷺ كَانَ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: "اغْزُوا بِسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَليدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ، أَوْ خِلَالٍ، فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ إِلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ إِلَيْهِ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ المُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى المُهَاجِرِينَ، وَإِنْ هُمْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونونَ كَأَعْرَابِ المُسْلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى المُسْلِمِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الغَنِيمَةِ وَالفَيْءِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ المُسْلِمِينَ، فَإِنْ
стр. 4773
هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الجِزْيَةَ فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ" (١).
فهذان الحديثان أيضًا فيهما دليلٌ على مشروعية الجزية.
فالجزية إذن ثابتةٌ بالكتاب والسُّنة وبإجماع العلماء على ومشروعيتها (٢).
لكن هنا يرد سؤال: لماذا شُرِعَت الجزية؟ (٣).
نحن نعلم أن دين الإسلام قام على العدل، وأن الله - سبحان الله وتعالى - في كتابه
стр. 4774
العزيز أَمَرَ بالعدل وأَوْصَى به: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النحل: ٩٠].
ويقول - سبحان الله وتعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨].
ولقول سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].
وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ [الجن: ١٥].
والرسول ﷺ يقول: "المُقْسِطُونَ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى مَنَابرَ مِنْ نورٍ" (١)؛ أي: الذين يعدلون في أحكامهم وتَعامُلِهم مع الناس.
هذه الشريعة أيها الإخوة لا تجد فيها نقصًا ولا يتطرق إليها خللٌ ولا يصل إليها عيبٌ، إنما هي شريعةٌ كاملةٌ، استوفت كل ما يحتاجه الناس في يقظتهم ونومهم وأسفارهم وإقامتهم وفي كل أحوالهم، والله - سبحان الله وتعالى - الذي أنزل هذه الشريعة هو الذي أَمَرَ بالعدل وحَرَّمَ الظلم؛ لأن العدل ينافي الظلم والظلم ينافي العدل، فالذي يعدل لا يظلم والذي يظلم قد جَافَى العدلَ (٢) وخَالَفَه، ونحن نجد أن كلمة التوحيد "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" لِأَجْلِهَا قامت السنة وأُنزِلَت الكُتب وبُعِثَت الرسل وخرِّدَت السيوف وجُوهِدَ في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا.
إذن؛ هذه الجزية حقّ مشروعٌ فُرِضَ على أناسٍ يقيمون في أرض المسلمين، فمن يريد ألا يَدفَعَها فما عليه إلا أن يُقبِل على هذا الدِّين العظيم الذي بعد أن قسم الله علينا - سبحان الله وتعالى - الشرائع السابقة إلى شريعتنا، قال سبحانه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا
стр. 4775
بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وهؤلاء الخمسة هم أولو العزم من الرسل.
فالدِّين هو دين الإسلام، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩].
فالله - سبحان الله وتعالى - أمر بإقامة هذا الدِّين ونهى الأُمة عن التفرق، لأنه بالتفرق تختلف الكلمة، وإذا اختلفت الكلمة دب النزاع وتجزَّأ المسلمون وطمع فيهم أعداؤهم، وهذا الاختلاف إنما هو من صفات أهل الجاهلية، أما الإسلام فإنه يَجمع ولا يُمْرِّق، والله - سبحان الله وتعالى - يقول؛ ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وهذا الحق الذي يؤخذ من غير المسلمين ممن يقيمون في دار الإسلام، هل هو خاصّ بالمال أو هو أشمل من ذلك؟
سيأتي الكلام عنه، وأن أكثر العلماء يرون أنه لا يقتصر على المال، وإنما ربما يؤخذ من أهل الصنعة من صنعتهم، ومن أهل الثياب من ثيابهم، وأن الجزية تؤخذ في أي حالة كانت (١)، ولكن سنرى أيضًا عند
стр. 4776
العلماء فيها مراعاة لأحوال الناس، فَمِمَّا يدل على عدالة الإسلام وسُمُوِّ هذه الشريعة ورفعتها أن الإسلام راعى ظروف الناس؛ فالجزية لا تجب على امرأةٍ، ولا على صبيٍّ (١) ولا على عبدٍ (٢)، كذلك أيضًا - عند كثيرٍ من العلماء - نجد أنها لا تجب على شيخٍ فانٍ، ولا على مريضٍ أصابه مرضٌ أَقْعَدَه، ولا على راهبٍ في صومعته، وَلا على أعمى، إلى غير ذلك (٣).
стр. 4777
إذن؛ نجد أن الشريعة الإسلامية قامت على أُسُسٍ، منها:
- رفع الحرج؛ أي: التيسير على الناس (١).
- مراعاة مصالح الناس والتخفيف عنهم (٢).
- وقامت كذلك على الرحمة، ورسولها إنما هو نبي الرحمة، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
قوله: (الثَّانِيَةُ: عَلَى أَيِّ الأَصْنَافِ مِنْهُمْ تَجِبُ الجِزْيَةُ؟).
المشركون كثيرون، فهناك:
- أهل كتاب، سواء كانوا يهودًا أو نصارى.
- وهناك من لهم شبهة كتاب، وهم المجوس، وهؤلاء - كما قال العلماء - كان لهم كتاب فَرُفِعَ، وذكروا قصة في ذلك (٣).
стр. 4778
- وهناك مشركون لا كتاب لهم، وهؤلاء إما أن يكونوا من العرب وإما من غير العرب.
قوله: (الثَّالِثَةُ: كمْ تَجِبُ؟).
الله - سبحان الله وتعالى - أمر بأخذها في قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]، ولم يحددها - سبحان الله وتعالى - بقدر معين، لكن هل ورد عن الرسول ﷺ أو عن صحابته تقدير لها؟ هذا سيأتي بيانه إن شاء الله.
قوله: (الرَّابِعَةُ: مَتَى تَجِبُ وَمَتَى تَسْقُطُ؟).
هل الجزية لا تجب إلا بِحَوَلَان الحول كالزكاة والديات؟ أم أنها تجب مطلقًا؟
هذا أيضًا سيأتي بيانه في حينه، وسنعرف أنها تجب بِحَوَلَان الحول.
قوله: (الخَامِسَةُ: كمْ أَصْنَافُ الجِزْيَةِ؟).
وفي هذا الباب سيأتي بيان الجزية، هل تؤخذ من صنف واحد أو
стр. 4779
أكثر؟ وهل هناك فَرقٌ في أخذها على ما كان صلحًا وما أُخِذَ عنوةً أم لا، وكذلك الحال فيما يُعرَف بالعشور - وهم بعض أهل الكتاب في بلاد المسلمين ممن يُؤْذَن لهم بالدخول لأجل التجارة - هل يؤخذ منهم شيءٌ مقابل ذلك أم لا؟
قوله: (السَّادِسَةُ: فِي مَاذَا يُصْرَفُ مَالُ الجِزْيَةِ؟).
وهذا ينبني على معرفة الجزية إذا ما كانت غنيمةً أم فيئًا، وسيأتي معنا أن الجزية إنما هي أحد أنواع الفيء، مثلها مثل الخراج، ومثل ما يتركه المشركون من أموال، وكذلك مثلها مثل مال الكافر إذا مات عنه ولا وارث له، فسيأتي معنا بيان هذا كله، وكذا بيان المسائل التي تأتي عرضًا في أحكام الجزية.
قوله: (المَسْأَلَةُ الأُولَى: فَأَمَّا مَنْ يَجُوزُ أَخْذُ الجِزْيَةِ مِنْه، فَإِنَّ العُلَمَاءَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُهَا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ العَجَمِ (١)، وَمِنَ المَجُوسِ (٢) كَمَا تَقَدَّمَ).
وإجماع العلماء هنا ينبني على صريح ما ورد في كتاب الله، في قوله : ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]، وفي سُنَّة رسول الله ﷺ ما ورد في حديث المغيرة الذي أخرجه البخاري في "صحيحه" (٣)، وفي حديث بريدة الذي أخرجه أصحاب السنن (٤)؛ فهذا ثابتٌ بالنقل، والثابت
стр. 4780
بالنقل هو ما ثبت بالكتاب أو السنة أو بأحدهما، وهنا ثبت حكمها بالكتاب والسُّنة وجاء الإجماع على ذلك، فلا خلاف إذن في أخذ الجزية.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي أَخْذِهَا مِمَّنْ لَا كِتَابَ لَهُ (١)، وَفِيمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِنَ العَرَبِ) (٢).
стр. 4781
ومن العلماء من يرى أن تؤخذ الجزية من كلهم، وبعضهم يستثني العرب، وبعضهم يستثني نوعًا من العرب.
لكن المتفق عليه والمجمع عليه أنها تؤخذ من أصناف ثلاثة:
- مِن اليهود، ومَن يدين بدينهم مِن السامرة (١).
- ومِن النصارى، ومَن يدين بدينهم كالروم (٢)، واليعقوبية (٣) وأمثال هؤلاء.
стр. 4782
- ومِن المجوس، وهؤلاء جاء في بعض الآثار المنسوبة إلى عليٍّ ﵁ أن مَلِكَهُم حَصَلَ منه أنه وَقَعَ على ابنته أو أخته، فجاؤوا ليقيموا عليه الحد فأبى، واستعان ببعض رجاله الذين في مملكته، فحصل قتالٌ، وقال: إنه يدين بدين آدم (١). وآدم - كما هو معلومٌ - قد زَوَّجَ أبناءه من بناته، لكن ذلك كان في أول الأمر قبل أن يُحَرَّم، وقد كان ذلك أمرًا متعينًا ومتحتمًا، ثم بعد ذلك رُفِعَ كتابُه؛ ولهذا فالمجوس لهم شبهةٌ في ذلك، وشبهة الكتاب هذه كانت سببًا في أن تؤخذ منهم الجزية.
إذن؛ فمن لهم شبهة كتابٍ هم المجوس، أما من لهم كتاب بلا خلافٍ ولا شبهةٍ هم اليهود الذي أُنزِلت عليهم التوراة، والنصارى الذين أُنزِل عليهم الإنجيل، كما قال النبي ﷺ : "أُنزِل الكتاب على طائفتين من قبلي" (٢)، لكنهم حرفوا وبدلوا، ولو لم يكن تحريفهم وتبديلهم لكانوا أسرع الناس استجابةً لدين الإسلام، فكثير منهم يعلمون حقًّا ويقينًا أن الإسلام دين الحق، وأن محمدًا رسولُ الله ونَبِيُّه، وهم - كما قال ربنا -: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، وكانوا يبشرون به، ويهددون الأوس (٣)
стр. 4783
والخزرج (١) بذلك وبأنهم سيؤمنون به وسيقاتلون تحت لوائه، لكن غلبَ عليهم العناد والكبر والحقد والحسد، فلما جاء تَنَكَّرُوا لذلك، فحاق بهم ما نزَلَ بهم.
قوله: (بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ فِيمَا حَكَى بَعْضُهُمْ أَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ مِنْ قُرَشِيٍّ كتَابِيٍّ (٢)، وَتَقَدَّمَتْ هَذ المَسْأَلَةُ).
وسيأتي الكلام عن بني تغلب، الذين هم من بني وائل من بني نزار، وهم من النصارى الذين انتقلوا إلى النصرانية في الجاهلية (٣)(٤)، وقد
стр. 4784
عَرَضَ عليهم عمر ﵁ أن يدفعوا الجزية، فأنفوا أن يدفعوها، وقالوا: "نحن عرب، فينبغي أن نُعامَل مثل العرب"، وعرضوا على عُمَرَ أن يدفعوا الزكاة كما يَدفَع غيرهم مِن المسلمين، فلما أبى عُمَرُ لَحِقَ جماعةٌ منهم بالروم، فنُصح عُمَرُ ﵁ بأن هؤلاء قومٌ لهم قوةٌ وفيهم منعةٌ، فإذا ما انتقلوا إلى أعداء المسلمين استعان بهم أعداء المسلمين، فأَرْسَلَ عُمَرُ ﵁
стр. 4785
في أثرهم فعادوا، فأَخَذَ منهم ما يُقابِل الزكاةَ مضاعَفًا (١).
قوله: (وَأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ أَيُّ الأَصْنَافِ مِنَ النَّاسِ تجِبُ عَلَيْهِمْ؟ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا إِنَّمَا تجِبُ بثَلَاثَةِ أَوْصَافٍ: الذُّكورِيَّةِ، وَالبُلُوغِ، وَالحُرِّيَّةِ) (٢).
فالجزية إذن تجب بشروطٍ ثلاثة:
- الذكورية: فالذي تجب عليه ينبغي أن يكون ذَكَرًا، والذَّكَر تَخْرُجُ به المرأة؛ لأن الذَّكَر قادرٌ على العمل.
- والبلوغ: وأن يكون بالغًا؛ لأن الصغير أيضًا في الغالب غير قادرٍ على العمل، ولأن الصغير غيرُ مُكلَّفٍ، فسَقَطَ عنه الحكمُ من هذا الوجه.
- والحرية: وأن يكون حُرًّا؛ لأن العبد لا مال له، واختلاف العلماء في أن العبد يَملِك أو لا يَملِك معلومٌ، والصحيح فيه أنه لا يَملِك وأنَّ مَا مَلَكَهُ لِسَيِّده، وعلى القول بأنه لا تجب عليه الجزية فهل تجب على سيده؟ سيأتي بيان هذا.
فهؤلاء الأصناف الثلاثة - ومعهم أيضًا المجنون - مُجمَعٌ على عدم وجوب الجزية عليهم.
стр. 4786
قوله: (وَأَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى النِّسَاءِ، وَلَا عَلَى الصِّبْيَان).
هي لا تجب على النساء لأنها قُيِّدَت بالذكورية، ولا على الصبيان لأنها قُيِّدَت بالبلوغ، والصبي هو الذي لم يَبلُغ الحُلُمَ؛ ولذلك نجد أن رسول الله ﷺ عندما أَرسَلَ معاذًا إلى اليمن أَمَرَهُ أن يَأخُذَ من كل حالم دينارًا أو عِدْلَهُ مَعَافِرَ - أي: ثيابًا - (١)، وهذا يُستَدَلُّ به على أن الجزية لًا يُشترط أن تكون نقدًا، وأيضًا على أن الجزية لا تجب إلا على الحالم؛ أي: الذي بَلَغَ الحُلُمَ، فالصغير لا تؤخذ منه الجزية.
وأيضًا كَتَبَ عمر ﵁ إلى أمراء الأجناد ألا يأخذوا الجزية من صبيٍّ ولا امرأةٍ (٢)، وهذا مما انتشر وكَثُرَ في زمن الصحابة ولا مُخالِفَ له.
قوله: (إِذَا كانَتْ إِنَّمَا هِيَ عِوَضٌ مِنَ القَتْلِ، وَالقَتْلُ إِنَّمَا هُوَ مُتَوَجِّهٌ بِالأَمْرِ نَحْوَ الرِّجَالِ البَالِغِينَ؛ إِذْ قَدْ نُهِيَ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ) (٣).
وقد عَلَّلَ العلماء بهذا التعليل الذي ذَكَرَهُ المؤلِّف؛ لأنه سَبَقَ أن مَرَّ بنا الحديثُ المتَّفَقُ عليه كما في حديث عبد الله بن عمر: "نهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان"، إذن النساء والصبيان لا يُقتَلُون إلا إذا قَاتَلُوا، فإنهم يُقتَلُون حينئذٍ، كما أن عُمَرَ ﵁ كَتَبَ إلى أمراء الأجناد ألا يأخذوا الجزيةَ من امرأةٍ ولا صبيٍّ إلا الذين جَرَتْ عليهم
стр. 4787
المواسي؛ أي: الذين بَلَغُوا وَنَبَتَ لهم الشَّعَرُ (١).
أمَّا أنَّ الجزية عِوَضٌ من القتل فالرسول ﷺ في حديث بريدة (٢) عندما أوصى مَن يُرسِلُه في سريةٍ أو جيشٍ بتقوى الله، أَمَرَهُ بواحدةٍ في خصالٍ ثلاثٍ: أن يَبدَأ أولًا بالدعوة إلى الإسلام؛ فإن حَصَلَت استجابةٌ قَبِلَ وَكَفَّ، فإن لم يَكُن انتَقَلَ إلى الجزية، فَمَن أَعطَى الجزيةَ عَصَمَ دَمَه، ومَن لَم يُعْطِ الجزيةَ قُوتِلَ، فالجزية هكذا عوضٌ عن القتل.
قوله: (وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى العَبِيدِ).
والجزية لا تجب على العبيد؛ لأنهم لا مال لهم، ولأنهم لا يجب قتالهم إلا إذا قَاتَلُوا.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي أَصْنَافٍ مِنْ هَؤُلَاءِ: مِنْهَا فِي المَجْنُونِ وَفِي المُقْعَدِ).
- والمجنون هنا: هو الذي لا يُفِيق (٣)، أمَّا الذي يُفِيق أحيانًا وُيجَنُّ أحيانًا فهذا فيه تفصيلٌ للعلماء (٤).
стр. 4788
وَغَيْرُ المؤلِّف قد أَلْحَقَ المجنونَ بالمرأة والصبيِّ في عدم وجوب الجزية عليهم، بل بعضهم حَكَى الإجماعَ على ذلك (١)؛ لأن المجنون
стр. 4789
يَلْحَقُ بالمرأة والصبيِّ والعاجزِ مِمَّنْ لا تجب عليهم الجزية، ولأنها إن وَجَبَتْ على المجنون لَوَجَبَتْ على الصغير، لأن الصغير تجب الزكاة في ماله، فلو أن صغيرًا يتيمًا له مالٌ لَوَجَبَتْ فيه الزكاة، ولذلك نجد أن رسول الله ﷺ أَرْشدَ القَيِّمَ على مال اليتيم - أي: القائم عليه - ألا يَترُكَهُ حتى تَأكُلَهُ الزكاة، إنما ينبغي أن يُتاجِر به حتى يَنْمُوَ وَيَزْدَادَ (١).
- والمُقعَد (٢): هو الذي أَقْعَدَهُ المرض، وهو مَنْ أصابه مرضٌ مُزْمِنٌ أَقْعَدَه، لا الذي يصيبه صداعٌ أو زكامٌ أو ما شابه ذلك، بل الذي يصيبه مَرَضٌ دائمٌ يُعجِزُهُ عن العمل.
قوله: (وَمِنْهَا: فِي الشَّيْخِ).
وليس المقصود هنا مُطلَق الشيوخ؛ فهناك من الشيوخ من هم أَنْشَطُ من الشباب، لكن المقصود هنا بكلام المؤلِّف إنما هو الشيخ الفاني (٣)؛ أي: الشيخ الذي أصابه العجز، فلم يَعُدْ يَقدِر على العمل.
стр. 4790
ومسألة الشيخ هذه من المسائل التي فيها خلافٌ (١)، بعكس مسألة المجنون التي حُكِيَ الإجماع فيها.
قوله: (وَمِنْهَا: فِي أَهْلِ الصَّوَامِعِ) (٢).
وهم الرهبان الذين يَحبِسُون أنفُسَهُم في صَوامِعِهم للعبادة، فبالرغم مِن أنَّ عبادتهم خاطئةٌ وغيرُ صحيحةٍ لكنهم انقَطَعُوا لها وتَجَنَّبُوا القتال وانصَرَفُوا عن أُمور الدنيا؛ ولذلك لا يُقتَلُون ولا تُؤخذ منهم الجزية.
لكن مِن العلماء مَن يرى أنَّ عليهم جزيةً (٣)، واستَشهَدُوا بما فَعَلَهُ
стр. 4791
بنُ عبد العزيزِ ﵁ حينما فَرَضَ على كلِّ واحدٍ منهم دينارًا.
قوله: (وَمِنْهَا: فِي الفَقِيرِ (١) هَلْ يُتْبَعُ بِهَا دَيْنًا مَتَى أَيْسَرَ أَمْ لَا؟).
قد جاء في حديث معاذٍ أن النبي ﷺ أَمَرَهُ أن يَأخُذَ من كل حالمٍ دينارًا (٢)، فما حُكْمُ الفقير الذي وصل إلى درجة الإعسار؟
نجد الجواب في الأثر المرويِّ عن عمر ﵁ أنه رَتَّبَهَا (٣)؛ ولهذا
стр. 4792
اختلف العلماء، فبعضهم يرى أنْ يؤخذ من الفقير اثنا عشر درهمًا ومن متوسط الحال أربعةٌ وعشرون ومن الغني ثمانيةٌ وأربعون (١).
стр. 4793
فالفقير الذي أصابه الفقرُ المُدْقِعُ وليس عنده شيءٌ تَسْقُطُ عنه الجزية (١).
واختلفوا فيما إذا لو أَيْسَرَ بعد ذلك هل يَقْضِي عَمَّا سَبَقَ أم لا؟ (٢) والظاهر أنه لا يَقْضِي ما سقط عنه من الجزية، إنما يَدْفَعُ عن واقعه فقط.
стр. 4794
قوله: (وَكُلُّ هَذِهِ مَسَائِلُ اجْتِهَادِيَّةٌ لَيْسَ فِيهَا تَوْقِيفٌ شَرْعِيٌّ، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مَبْنِيٌّ عَلَى هَلْ يُقْتَلُونَ أَمْ لَا؟ أَعْنِي هَؤُلَاءِ الأَصْنَافَ).
المسائل أنواعٌ، فهناك مسائلُ قد جاء النَّصُّ عليها في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ كما هو الحال في أصل الجزية، ومن هنا جاء إجماع العلماء عليها.
وهناك مسائلُ قد وَرَدَتْ في كتاب الله، لكن حصل فيها خلافٌ لِتَنَوُّعِ الأدِلَّة، فَحَصَلَ اختلاف العلماء فيها، فهذه مسائلُ خلافيةٌ اجتهاديةٌ.
فما عدا المجنون من هذه المسائل الأخيرة قد اختلف فيها العلماء، فبعضهم يرى وجوب الجزية عليهم وبعضهم لا يرى وجوبها، وبعضهم يرى الوجوب إلا في حالة العجز، فيرى أن يدخلوا حينئذٍ في الإسلام حتى يحوزوا خَيْرَيِ الدنيا والآخرة وسعادَتَهُمَا.
ونحن عندما تَكَلَّمْنَا عن قَصْرِ الصلاة في السفر تَحَدَّثْنَا عن الغاية من السفر، فالذي يسافر سفرَ طاعةٍ تَقَرُّبًا إلى الله أو سفرًا مباحًا - كَمَنْ يسافر للتجارة أو الصيد - لا شك أن هذا له أن يَقصُرَ الصلاةَ، لكن الذي يسافر سفرَ معصيةٍ - كمن يسافر ليسرق أو يقتل أو يقطع الطريق أو يرتكب جريمةً ما - هذا لا يُرَخَّصُ له في قَصْرِ الصلاة، وجمهور العلماء على هذا؛ لأن في الترخيص له بقصر الصلاة إعانةً له على جريمته، ومن العلماء من أجاز له ذلك.
كذلك إباحة أكل الميتة بالنسبة للمضطر، فالمعلوم في ديننا أن الميتة يَحْرُمُ أكلها؛ لقول الله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣].
وقول رسول الله ﷺ : "أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ" (١).
стр. 4795
ومع ذلك لو أن إنسانًا اضطرَّ إلى أكل الميتة فإنه يجوز له ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ﴾ [المائدة: ٣]، مما يدل على إباحة الأكل حينئذٍ، ومع ذلك ذَهَبَ العلماء إلى أن العاصيَ لا يأكل في حالة المخمصة؛ لأنه عاصٍ لله، وهذه الرخصة قَصَرَهَا الله على المضطر.
وهنا يُشكِل علينا: أن هذا قد يهلك، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].
والجواب: أنه إن خشي الهلاكَ فإنه يرجع إلى طريق الحقِّ والصوابِ، فيتوب إلى الله ويَعدِل عن معصيته، وحينئذٍ يأكل منها.
إذن؛ شريعة الإسلام كلما أمعن الإنسان النظر فيها وَجَدَ أنها شريعةٌ متكاملةٌ محيطةٌ بكل حاجات الناس، وأنها تعالج أسقامَهم (١) علاجًا شافيًا ليس فيه أيُّ خللٍ، مَن التَزَمَ بها سَعَدَ في الدنيا والآخرة، ومن أعرض عنها ضَلَّ وشَقِيَ، كما قال الله : ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
فنحن ينبغي علينا أن نتبين ما في هذه الشريعة من فضائل، هذه الشريعة العظيمة التي عزف عنها أناسٌ ممن ينتسبون إلى الإسلام، فصاروا يتحاكمون إلى قوانين البشر الوضعية التي هي أشبه ما تكون بسرابٍ سرعان ما يزول، تجدهم يضعون الأحكام ثم يغيرونها، أما هذه الشريعة فقد مضى عليها ألف وأربعمائة وعشرون عامًا، وهي كما هي قائمةٌ ثابتةٌ، غضةٌ طريةٌ كما أُنزِلَت على محمد بن عبد الله لا تتغير ولا تتبدل، ولا تحتاج إلى ما يُكَمِّلُهَا، فهي شريعة الله الخالدة الكاملة المحيطة بكل شؤون الناس.
стр. 4796
قوله: (وأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ كَمِ الوَاجِبُ؟).
بعد الوقوف على مشروعية الجزية وثبوتها كتابًا وسُنةًّ وإجماعًا، تأتينا هذه المسألة في القَدْرِ المُتَعَيِّنِ أَخْذُهُ مِن أهل الجزية.
وجملة الأقوال في هذه المسألة ثلاثة:
- القول الأول: أنَّ الجزيةَ غيرُ مُقدَّرةٍ، وإنما مَرَدُّ ذلك وَمَرجِعُهُ إلى الإمام (١)، فيحدد مقدارها بما يرى فيه مصلحة المسلمين، كما هو الحال في مسائلَ كثيرةٍ وبخاصة في أحكام الجهاد؛ لأن هذا الإمام إنما هو خليفة الله في الأرض، فهو الذي ينظر في شؤون الناس ومصالحهم؛ ولذلك أَعْطَتْهُ الشريعةُ كثيرًا من الأحكام، وهو ما يُعرَف بالسياسة الشرعية والمصالح المُرسَلة، فللإمام أحيانًا أن يُعَزِّر أو أن يرفع التَّعزيرَ، وله أن يَسُنَّ بعض الأحكام التي لا تتعارض مع الشريعة، فالشريعة الإسلامية ليست ضَيِّقَةً وإنما هي واسعةُ الرِّحابِ، ولذا فقد أَعْطَت الحاكِمَ جملةً من الأحكام.
- القول الثاني: أن لها بدايةً ووسطًا ونهايةً، فالفقير ومتوسط الحال والغني يتفاوتون فيما بينهم في القدر الذي يؤخذ من كل واحدٍ منهم، وقد أُمِرْنَا أن نُنْزِلَ الناسَ مَنازِلَهُم، فكل إنسان على قَدْرِ حاله، حتى لا يُفرَض على فقيرٍ ما لا يُطيق، ولا يُسَوَّى غنيٌّ واسع الحال بغيره ممن هو دونه (٢).
- القول الثالث: إن بدايتها مُحَدَّدَةٌ وأنه لا نهايةَ لها (٣)؛ لمعنى ما
стр. 4797
ورد في حديث معاذٍ، وأنه أُمِرَ أن يأخذ من كل حالمٍ دينارًا أو عِدْلَهُ مَعَافِرَ (١).
قوله: (فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَرَأَى مَالِكٌ أَنَّ القَدْرَ الوَاجِبَ فِي ذَلِكَ هُوَ مَا فَرَضَهُ عُمَرُ ﵁) (٢).
فقد ثبت عن عمر ﵁ أنه وضع حدًّا في ذلك.
وكذلك ما جاء عن رسول الله ﷺ أنه أَمَرَ أن يُؤْخَذَ من كل حالم دينارٌ (٣)، وهذا الحديث فيه خلافٌ عند بعض العلماء، لكنه في الحقيقةً يَصِلُ إلى درجة الصِّحة والاحتجاجِ به.
قوله: (وَذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ (٤)، وَعَلَى أَهْلِ الوَرِقِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا (٥)).
стр. 4798
يعني: يأخذ من الذهب أربعة دنانير، ومن الورق - يعني: الفضة (١) - أربعين درهمًا على مذهب الإمام.
قوله: (وَمَعَ ذَلِكَ أَرْزَاقُ المُسْلِمِينَ، وَضِيَافَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، لَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ).
وهنا يورد المؤلِّف مسألةً إضافيةً، وهي: هل يَلزَمُ أيضًا مَن تُضرَب عليه الجزيةُ أن يَقُوم بالضيافة أم لا؟!
لا شك أن الضيافة مشروعةٌ في الشريعة الإسلامية، وأنها قد وَرَدَت في أحاديث كثيرة، وأنه لا يجوز لمسلمٍ أن يَنزِل عنده أخوه المسلمُ ضيفًا فيَرُدَّه، والرسول ﷺ بَيَّن أن الضيافةَ مُدَّتُها ثلاثة أيامٍ (٢)، وقد أُثِرَ عن عمر ﵁ أنه أضاف عليها (٣) ضيافة المسلم يوم الوليمة (٤)، وفي رواية: ثلاثة أيام (٥)، وأُثِرَ عن عمر ﵁ أيضًا أنه أضاف إلى ذلك أن يَقُومَ بِعَلْفِ دوابِّ المسلمين التي تَمُرُّ به (٦)، ولو قُتِلَ قتيلٌ بين أَظهُرِهِم - أي: في
стр. 4799
ديارهم -؛ فإنهم في هذه الحالة يَدفَعُون دِيَتَهُ (١)، وبعض العلماء رأى هذه المسألة مُلزِمَةً كما نرى، وأشار إلى مذهب مالكٍ، وهي على الاستحباب عند الإمامين مالكٍ وأحمدَ.
فَأَمْرُ الضيافة هذا ليس خاصًّا بمذهب مالكٍ (٢)، كما يُفهَم من منهج المؤلِّفِ، ولكن قد نَصَّ عليه كذلك مذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، لكنهم يجعلونه على الاستحباب لا الوجوب؛ فللإمام عندهم أن يَشتَرِطَ عليهم ضيافةَ المسلمين.
وقد حددها بثلاثة أيام دون زيادةٍ ولا نقصٍ؛ لأن هذه مدة الضيافة التي وردت بها الأحاديث (٥).
قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَقَلُّهُ مَحْدُودٌ، وَهُوَ دِينَارٌ، وَأَكْثَرُهُ غَيْرُ مَحْدُودٍ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يُصَالَحُونَ عَلَيْهِ) (٦).
стр. 4800
ففي رواية عند الشافعية أنها دينارٌ فديناران فثلاثةٌ (١).
"قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: لَا تَوْقِيتَ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ مَصْرُوفٌ إِلَى اجْتِهَادِ الإِمَامِ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ) (٢).
وهذه كذلك روايةٌ للإمام أحمد، وهي إحدى الروايات الثلاث الواردة عنه (٣).
- فالرواية الأولى: أنها غير مقدرة.