قوله: (وأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ كَمِ الوَاجِبُ؟).
بعد الوقوف على مشروعية الجزية وثبوتها كتابًا وسُنةًّ وإجماعًا، تأتينا هذه المسألة في القَدْرِ المُتَعَيِّنِ أَخْذُهُ مِن أهل الجزية.
وجملة الأقوال في هذه المسألة ثلاثة:
- القول الأول: أنَّ الجزيةَ غيرُ مُقدَّرةٍ، وإنما مَرَدُّ ذلك وَمَرجِعُهُ إلى الإمام (١)، فيحدد مقدارها بما يرى فيه مصلحة المسلمين، كما هو الحال في مسائلَ كثيرةٍ وبخاصة في أحكام الجهاد؛ لأن هذا الإمام إنما هو خليفة الله في الأرض، فهو الذي ينظر في شؤون الناس ومصالحهم؛ ولذلك أَعْطَتْهُ الشريعةُ كثيرًا من الأحكام، وهو ما يُعرَف بالسياسة الشرعية والمصالح المُرسَلة، فللإمام أحيانًا أن يُعَزِّر أو أن يرفع التَّعزيرَ، وله أن يَسُنَّ بعض الأحكام التي لا تتعارض مع الشريعة، فالشريعة الإسلامية ليست ضَيِّقَةً وإنما هي واسعةُ الرِّحابِ، ولذا فقد أَعْطَت الحاكِمَ جملةً من الأحكام.
- القول الثاني: أن لها بدايةً ووسطًا ونهايةً، فالفقير ومتوسط الحال والغني يتفاوتون فيما بينهم في القدر الذي يؤخذ من كل واحدٍ منهم، وقد أُمِرْنَا أن نُنْزِلَ الناسَ مَنازِلَهُم، فكل إنسان على قَدْرِ حاله، حتى لا يُفرَض على فقيرٍ ما لا يُطيق، ولا يُسَوَّى غنيٌّ واسع الحال بغيره ممن هو دونه (٢).
- القول الثالث: إن بدايتها مُحَدَّدَةٌ وأنه لا نهايةَ لها (٣)؛ لمعنى ما
стр. 4797
ورد في حديث معاذٍ، وأنه أُمِرَ أن يأخذ من كل حالمٍ دينارًا أو عِدْلَهُ مَعَافِرَ (١).
قوله: (فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَرَأَى مَالِكٌ أَنَّ القَدْرَ الوَاجِبَ فِي ذَلِكَ هُوَ مَا فَرَضَهُ عُمَرُ ﵁) (٢).
فقد ثبت عن عمر ﵁ أنه وضع حدًّا في ذلك.
وكذلك ما جاء عن رسول الله ﷺ أنه أَمَرَ أن يُؤْخَذَ من كل حالم دينارٌ (٣)، وهذا الحديث فيه خلافٌ عند بعض العلماء، لكنه في الحقيقةً يَصِلُ إلى درجة الصِّحة والاحتجاجِ به.
قوله: (وَذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ (٤)، وَعَلَى أَهْلِ الوَرِقِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا (٥)).
стр. 4798
يعني: يأخذ من الذهب أربعة دنانير، ومن الورق - يعني: الفضة (١) - أربعين درهمًا على مذهب الإمام.
قوله: (وَمَعَ ذَلِكَ أَرْزَاقُ المُسْلِمِينَ، وَضِيَافَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، لَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ).
وهنا يورد المؤلِّف مسألةً إضافيةً، وهي: هل يَلزَمُ أيضًا مَن تُضرَب عليه الجزيةُ أن يَقُوم بالضيافة أم لا؟!
لا شك أن الضيافة مشروعةٌ في الشريعة الإسلامية، وأنها قد وَرَدَت في أحاديث كثيرة، وأنه لا يجوز لمسلمٍ أن يَنزِل عنده أخوه المسلمُ ضيفًا فيَرُدَّه، والرسول ﷺ بَيَّن أن الضيافةَ مُدَّتُها ثلاثة أيامٍ (٢)، وقد أُثِرَ عن عمر ﵁ أنه أضاف عليها (٣) ضيافة المسلم يوم الوليمة (٤)، وفي رواية: ثلاثة أيام (٥)، وأُثِرَ عن عمر ﵁ أيضًا أنه أضاف إلى ذلك أن يَقُومَ بِعَلْفِ دوابِّ المسلمين التي تَمُرُّ به (٦)، ولو قُتِلَ قتيلٌ بين أَظهُرِهِم - أي: في
стр. 4799
ديارهم -؛ فإنهم في هذه الحالة يَدفَعُون دِيَتَهُ (١)، وبعض العلماء رأى هذه المسألة مُلزِمَةً كما نرى، وأشار إلى مذهب مالكٍ، وهي على الاستحباب عند الإمامين مالكٍ وأحمدَ.
فَأَمْرُ الضيافة هذا ليس خاصًّا بمذهب مالكٍ (٢)، كما يُفهَم من منهج المؤلِّفِ، ولكن قد نَصَّ عليه كذلك مذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، لكنهم يجعلونه على الاستحباب لا الوجوب؛ فللإمام عندهم أن يَشتَرِطَ عليهم ضيافةَ المسلمين.
وقد حددها بثلاثة أيام دون زيادةٍ ولا نقصٍ؛ لأن هذه مدة الضيافة التي وردت بها الأحاديث (٥).
قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَقَلُّهُ مَحْدُودٌ، وَهُوَ دِينَارٌ، وَأَكْثَرُهُ غَيْرُ مَحْدُودٍ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يُصَالَحُونَ عَلَيْهِ) (٦).
стр. 4800
ففي رواية عند الشافعية أنها دينارٌ فديناران فثلاثةٌ (١).
"قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: لَا تَوْقِيتَ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ مَصْرُوفٌ إِلَى اجْتِهَادِ الإِمَامِ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ) (٢).
وهذه كذلك روايةٌ للإمام أحمد، وهي إحدى الروايات الثلاث الواردة عنه (٣).
- فالرواية الأولى: أنها غير مقدرة.
стр. 4801
- والرواية الثانية: أنها موكولةٌ لرأي الإمام، وهي الرواية التي تتفق مع مذهب الإمام أبي حنيفة (١).
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: الجِزْيَةُ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا، وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ) (٢).
وهو الذي فعله عمر ﵁ وعمل به المسلمون، أن الجزية اثنا عشر
درهمًا في حق الفقير، وأربعةٌ وعشرون في حق متوسط الحال، وثمانيةٌ وأربعون في حق الغنيِّ، بمعنى أنها تُضاعَف بين كل حال وما يليه في درجة اليُسْرِ، ونُقِلَ عن عمر أيضًا أنه قَرَّرَهَا خمسين درهمًا في حق الغنيِّ (٣).
قوله: (لَا يُنْقَصُ الفَقِيرُ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَلَا يُزَادُ الغَنِيُّ عَلَى ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَالوَسَطُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا) (٤).
فَقَدْ رَاعَى العلماء قدرة هذا الفقير، بمعنى أن يكون قادرًا على ذلك لا عاجزًا عنه، فهذا كله محمولٌ على التيسير ومراعاة أحوال الناس ومصالحهم، فالشريعة الإسلامية لا تراعي فقط مصالح المسلمين وأحوالهم، وإنما تراعي مصالح الناس جميعًا وأحوالهم، كما قال تعالى:
стр. 4802
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]. وكما هو المعروف من معاملة المسلمين لغيرهم أيام مجد المسلمين وسيادتهم للعالم.
قوله: (وَقَالَ أَحْمَدُ: دِينَارٌ أَوْ عِدْلُهُ مَعَافِرَ (١)، لَا يُزَادُ عَلَيْهِ، وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ (٢)، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ اخْتِلَافُ الآثَارِ فِي هَذَا البَابِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ"، وَهِيَ ثِيَابٌ بِاليَمَنِ) (٣).
وهذه هي الرواية الثالثة عن الإمام أحمد.
(حالمٍ): هو الذي احتلم، أي: بلغ سِنَّ الحُلُمِ وأصبح مِن المُكَلَّفِين (٤).
(أو عِدْلَهُ) (٥): معطوفٌ على دينارٍ منصوب؛ أي: ما يعادله.
(معافر): ثياب معروفةٌ في اليمن (٦).
وثبت أيضًا أن الرسول ﷺ كان يأخذ الجزية أَلْفَيْ حُلَّةٍ من نصارى نجران (٧).
стр. 4803
فتبين بذلك أنها لا تختص بالنقدين؛ ولذلك أُثِرَ عن عليٍّ ﵁ أنه كان يأخذ من كل صاحب صنعةٍ ما يوافق صنعته، فمَن يعمل بالمسامير يدفعها مسامير، ومَن يعمل بالمِسالِّ يدفعها مسالَّ (١)، ومَن يعمل بالآلات يدفعها آلاتٍ وهكذا (٢). وأُثِرَ عن عمر ﵁ أنه أَخَذَ الأنعامَ (٣)؛ فهذا كله من باب مراعاة مصالح الناس.
قوله: (وَثَبَتَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ ضَرَبَ الجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ، وَعَلَى أَهْلِ الوَرِقِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، مَعَ ذَلِكَ أَرْزَاقُ المُسْلِمِينَ، وَضِيَافَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ (٤). وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ بَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ، فَوَضَعَ الجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ السَّوَادِ).
والسواد هي سواد العراق، ومن المعلوم أن بلاد الشام والعراق ومصر إنما فُتِحَت عنوةً وضُرِبَ عليها الخراجُ.
قوله: (ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ، وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، وَاثْنَيْ عَشَرَ، فَمَنْ حَمَلَ هَذِهِ الأَحَادِيثَ كُلَّهَا عَلَى التَّخْيِيرِ، وَتَمَسَّكَ فِي ذَلِكَ بِعُمُومِ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ جِزْيَةٍ) (٥).
стр. 4804
بعض العلماء اتَّجه إلى رأي أبي حنيفة، وأن الرواية المشهورة أيضًا عن الحنابلة (١) أنهم قالوا بذلك خروجًا من الخلاف (٢)؛ لأن هذا التقسيم فيه خروجٌ من الخلاف، لأن من يأخذ بكونها دينارًا يشمله الخلاف، فهذا هو الأحوط.
قوله: (إِذْ لَيْسَ فِي تَوْقِيتِ ذَلِكَ حَدِيثٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ).
الذي نقوله هاهنا: أن الحديث إذا صحَّ وَجَبَ العمل به، سواءٌ كان في "الصحيحين" أو في غيرهما، وليس شرطًا أن يَوِدَ الحديثُ مُتَّفَقًا عليه، فأكثر ما جاء في سُنة رسول الله ﷺ ليس موجودًا "بالصحيحين"، فالأحاديث الصحيحة نَافَتْ (٣) على أربعين ألف حديثٍ، وما ورد "بالصحيحين" لا يزيد عن ستة آلاف حديثٍ، فغالب أحاديث رسول الله ﷺ إنما هي خارج "الصحيحين"، فالإمامان البخاري ومسلمٌ وَضَعَا شروطًا شديدةً من أجل الحيطة في أَخْذِ أحاديث رسول الله ﷺ ، وقد وُجِدَت أحاديث خارج "الصحيحين" تنطبق عليها أيضًا شروطُهما (٤).
стр. 4805
قوله: (وَإِنَّمَا وَرَدَ الكِتَابُ فِي ذَلِكَ عَامًّا؛ قَالَ: لَا حَدَّ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ الأظْهَر، وَاللَّهُ أَعْلَمُ).
نَصُّ القرآن الكريم فَرَضَ الجزية ولم يُحَدِّد لها ميقاتًا، قال تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾، ولذا قال البعض: هذا متروكٌ للإمام، هو الذي يُحَدِّدُها ويَجْتَهِدُ في تحديدها، ويَنظُر في أحوال الناس وقدرَتِهِم على أدائها، ولكل مقامٍ مقالٌ (١).
قوله: (وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ حَدِيثِ مُعَاذٍ وَالثَّابِتِ عَنْ عُمَرَ؛ قَالَ: أَقَلُّهُ مَحْدُودٌ، وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ (٢). وَمَنْ رَجَّحَ أَحَدَ حَدِيثَي عُمَرَ؛ قَالَ: إِمَّا بِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ (٣)، وَإِمَّا بِثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ، وَاثْنَيْ عَشَرَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (٤)، وَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ مُعَاذٍ؛ لِأَنَّهُ مَرْفُوعٌ، قَالَ: دِينَارٌ فَقَطْ، أَوْ عِدْلُهُ مَعَافِرَ، لَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ) (٥).
والمتأمل هاهنا لعله يلمس الغاية من اختلاف الفقهاء، وأن اختلافهم إنما كان بُغْيَتُهُ الوصول إلى الحق ليس إلا، هذا نقوله لمن يدندنون (٦) كثيرًا حول اختلاف الفقهاء هل هو ممدوح أم مذموم، وهل نأخذ بآرائهم الخلافية أم لا.
قوله: (وأَمَّا المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَهِيَ مَتَى تَجِبُ الجِزْيَةُ؟).
والكلام هنا عن توقيت أداء الجزية، بمعنى: هل يشترط لأدائها حَوَلان الحول أم لا، وهل يلزم بلوغ النصاب بالنسبة للمكتال أم لا.
стр. 4806
قوله: (فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ إِلَّا بَعْدَ الحَوْلِ) (١).
هذا من حيث الجملة، لكن وُجدَ خلافٌ بين الشافعية في بعض جزئيات هذه المسألة (٢).
قوله: (وَأَنَّهُ تَسْقُطُ عَنْهُ إِذَا أَسْلَمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الحَوْلِ (٣)،
стр. 4807
وَاخْتَلَفُوا إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَمَا يَحُولُ عَلَيْهِ الحَوْل، هَلْ تُؤْخَذُ مِنْهُ جِزْيَةٌ لِلْحَوْلِ المَاضِي بِأَسْرِهِ، أَوْ لِمَا مَضَى مِنْهُ؟).
وهنا للذمي في وجوب الجزية عليه أحوال:
- إذا حال عليه الحول ولم يدخل في الإسلام، فلا خلاف بين العلماء في وجوب الجزية عليه (١).
- وإذا أسلم قبل انقضاء الحول، فلا خلاف كذلك في أنها تسقط عنه (٢).
- وإذا انقضى الحول وكان قد أدى الجزية ثم أسلم، فإنها لا ترد إليه، أما إذا لم يكن قد أداها فهل تسقط عنه أم لا؟ هنا محل الخلاف.
قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: إِذَا أَسْلَمَ، فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الحَوْلِ؛ كَانَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ أَوْ قَبْلَ انْقِضَائِهِ، وَبِهَذَا القَوْلِ قَالَ الجُمْهُورُ) (٣).
هذا هو قول جماهير العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة أبو حنيفة ومالك وأحمد، أن الجزية تسقط عنه بإسلامه حتى ولو حال عليها الحول.
стр. 4808
قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الحَوْلِ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ الجِزْيَة، وَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ حُلُولِ الحَوْلِ، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ).
وهذا هو مذهب الشافعي؛ فإنه يرى أنها واجبةٌ عليه لا تسقط؛ لأنه يراها دَينًا قد تَعَلَّقَ بذمته، وهذا الدَّين فيه حقوق للآخرين، فلا تسقط عنه هذه الحقوق بعد أن استقرت وثبتت في ذمته (١).
وللشافعي قول آخر أنه لو أسلم أثناء الحول، فإنه يسقط عنه بمقدار ما تبقى ويلزمه أداء مقدار ما مضى، فلو أسلم - مثلًا - في منتصف العام لَزِمَهُ نصفُ الجزيةِ المحدَّدةِ عليه (٢).
قوله: (وَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الحَوْلِ؛ لِأَنَّ الحَوْلَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهَا (٣)، فَإِذَا وُجِدَ الرَّافِعُ لَهَا (وَهُوَ الإِسْلَامُ) قَبْلَ تَقَرُّرِ الوُجُوبِ، أَعْنِي: قَبْلَ وُجُودِ شَرْطِ الوُجُوبِ، لَمْ تَجِبْ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا بَعْدَ انْقِضَاءِ الحَوْلِ، لِأَنَّهَا قَدْ وَجَبَتْ، فَمَنْ رَأَى أَنَّ الإِسْلَامَ يَهْدِمُ هَذَا الوَاجِبَ فِي الكُفْرِ كمَا يَهْدِمُ كثِيرًا مِنَ الوَاجِبَاتِ، قَالَ: تَسْقُطُ عَنْهُ؛ وَإِنْ كَانَ إِسْلَامُهُ بَعْدَ الحَوْلِ (٤)، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ لَا يَهْدِمُ الإِسْلَامُ هَذَا الوَاجِبَ كمَا لَا يَهْدِمُ كثِيرًا مِنَ الحُقُوقِ المُرَتَّبَةِ مِثْلَ الدُّيُون وَغَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ: لَا تَسْقُطُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الحَوْلِ (٥)، فَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ: هَلِ الإِسْلَامُ يَهْدِمُ الجِزْيَةَ الوَاجِبَةَ أَوْ لَا يَهْدِمُهَا؟).
стр. 4809
والمسألة هاهنا تدور بين قضيتين معروفتين لدى أهل العلم:
- القضية الأولى: أن الإسلام يَجُبُّ ما قبله (١)، بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
فمذهب الجمهور: يجعل المسألة مندرجةً تحت هذه القضية، كمن كان في الجاهلية - مثلًا - يتعامل بالربا، وقد دَخَلَ شيءٌ من الحرام على ماله، فبإسلامه يُتجاوَز في حقه عما مضى من معاملاتٍ ربويةٍ؛ لأن الإسلام يمحو كل شيءٍ، حتى الجرائم التي فعلها الكافر؛ حيث لا أَعْظَمَ من جريمة الكفر، ولأن الكافر إذا عَلِمَ أنَّ ما ارتَكَبَهُ من سيئاتٍ سيُغفَر له ربما كان في هذا ترغيبًا له في الإسلام، بخلاف ما لو وَجَدَ أن هذه الأُمور سيعاقَب عليها مما قد يكون مانعًا له، فالجمهور عللوا مذهبهم بأن
الإسلام يمحو ما قبله، وأن ما عدا ذلك يلزمه دليله الخاص.
- القضية الثانية: أن هناك حقوقًا لا تسقط بالكفر، فالكافر الذي عليه ديونٌ لآخرين لا يُسقط إسلامُه عنه هذه الديونَ (٢)، وكذلك الحال بالنسبة
стр. 4810
للخراج، فالإسلام يحفظ هذه الحقوق لا يُسقِطها، وهذا ما بنى الشافعية عليه قولهم (١)، وعللوه بأن هذا الحق ارتبط بذمة هذا الذمي الذي وجبت عليه الجزية، فقد تعيَّنَت في ذمته وأصبَحَت حقًّا لغيره، كما أن الزكاة حقٌّ من حقوق الفقراء يجب إخراجها لهم إذا ما حال الحول عليها وليس للإنسان أن يتصرف فيها.
ومن هنا جاء تَرَدُّدُ العلماء في المسألة؛ حيث اختلفوا في إلحاقه بين هاتين القضيتين.
وقاعدة الحقوق قاعدة مهمة جدًّا، وينبغي لنا أن نعلم أن الحقوق على ثلاثة أنواع:
- فهناك حقوق خاصة بالله ، كعبادته وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤)﴾ [الزمر: ١٤].
- وحقوق خاصة بالمخلوقين، كحق الإنسان أن يتصرف في ماله، فلو وجدنا إنسانًا سفيهًا نحجر عليه، ولو وجدنا إنسانًا ينفق أمواله في المعاصي فإنه يوقف عند حده.
- وهناك حقوق مشتركة، كالحدود، فإن الحدَّ يتضمن حقًّا لله ، وحقًّا لمن وقع عليه الأذى.
ولذا؛ فقد جاء في أبواب النذر أن عمر ﵁ لَمَّا نَذَرَ في الجاهلية أن يعتكف ليلةً في المسجد الحرام، وَسَأَلَ رسولَ الله ﷺ عن ذلك، قال له الرسول ﷺ : "أَوْفِ بِنَذْرِكَ" (٢).
стр. 4811
قوله: (وأَمَّا المَسْأَلَةُ الخَامِسَة، وَهِيَ: كَمْ أَصْنَافُ الجِزْيَةِ؟ فَإِنَّ الجِزْيَةَ عِنْدَهُمْ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: جِزْيَةٌ عَنْوِيَّةٌ، وَهِيَ هَذِهِ الَّتِي تَكَلَّمْنَا فِيهَا، أَعْنِي: الَّتِي تُفْرَضُ عَلَى الحَرْبِيِّينَ بَعْدَ غَلَبَتِهِمْ) (١).
المؤلف هاهنا يُفَصِّلُ أنواعَ الجزية، ويبين أنها ليست على نسق واحد وإنما تختلف أنواعها.
وأصناف الجزية إنما هي ثلاثة:
- النوع الأول: الجِزْيَةُ العَنْوِيَّةُ: وهي التي تُفرَض على الحربيِّ الذي لا يريد الدخول في الإسلام بعد أن يُغْلَبَ، حينما لا يجد أمامه إلا أن يدفعها أو تُضرَب عُنُقُه، وهي التي أشار الله إليها في قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
وكذلك أُشِيرَ إليها في حديث المغيرة مع جندي كسرى في فتح نهاوند، حين قال: "أَمَرَنَا نبيُّ ربِّنا أن نُقاتِلَكُم حتى تَعبُدوا اللَّهَ وحدَه أو تؤدوا الجزية" (٢).
وفي حديث بريدة أن الرسول ﷺ بعد أن أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه وفي من معه من الجند أَمَرَهُ أن يَدْعُوَ أولئك الأقوام إلى إحدى خصالٍ ثلاثٍ، وقد جاء في الحديث: "فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ" (٣).
قوله: (وَجِزْيَةٌ صُلْحِيَّةٌ، وَهِيَ الَّتِي يَتَبَرَّعُونَ بِهَا لِيُكَفَّ عَنْهُمْ، وَهَذِهِ لَيْسَ فِيهَا تَوْقِيتٌ، لَا فِي الوَاجِبِ، وَلَا فِيمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ، وَلَا مَتَى
стр. 4812
يَجِبُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ كُلُّهُ رَاجِعٌ إِلَى الاتِّفَاقِ الوَاقِعِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الصُّلْحِ إِلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: إِنَّهُ إِنْ كَانَ قَبُولُ الجِزْبَةِ الصُّلْحِيَّةِ وَاجِبًا عَلَى المُسْلِمِينَ، فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَاهُنَا قَدْرٌ مَا إِذَا أَعْطَاهُ مِنْ أَنْفُسِهِمُ الكُفَّار، وَجَبَ عَلَى المُسْلِمِينَ قَبُولُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَيَكُونُ أَقَلُّهَا مَحْدُودًا، وَأَكثَرُهَا غَيْرَ مَحْدُودٍ).
- النوع الثاني: الجِزْيَةُ الصُّلْحِيَّةُ: وهذه تؤخذ صُلحًا، بأن يَصطَلِحَ مع المسلمين مِن تلقاء نفسه على أن يُعطِيَهُم الجزيةَ.
ونحن نعلم - مثلًا - أن الجزية لا تجب على امرأةٍ ولا على صبيٍّ ولا على غير مُكلَّفٍ (١)، لكن لو جاءت امرأةٌ وألَحَّتْ أن تَدفَع الجزية، فحينئذٍ تُقبَلُ منها، وتكون بمثابة الهدية؛ لأننا لو أخذناها على أنها جزيةٌ نكون قد أَلزَمْنَاها بِحُكمٍ لَم تُلزِمْها به الشريعة، وهذا معنى أنها (ليس فيها توقيتٌ، لا في الواجب، ولا فيمن يجب عليه، ولا متى يجب عليه) (٢).
فالمؤلف هاهنا يريد أنها تُتْرَكُ إلى اجتهاد الإمام واختياره حسب ما فيه المصلحه، كما هو الحال في كثيرٍ من الأحكام التي تُعطِي الحاكِمَ المُسلِمَ الحقَّ في التَّصرُّف في بعض الأُمور من باب المَصلحة أو المَصالِح المُرسَلة.
стр. 4813
قوله: (وَأَمَّا الجِزْيَةُ الثَّالِثَةُ: فَهِيَ العُشْرِيَّةُ).
- النوع الثالث: الجزية العُشرِيَّة: ويُقصد بها العشور التي تؤخذ من أهل التجارات، وسيأتي الحديثُ في مسائلَ مُتعلِّقةٍ بها، كالفرق بين الذمي والحربي فيها، وكذلك سيأتي الكلام على القدر المفروض فيها إذا كان العشر أو نصف العشر، ومثل ذلك.
قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ جُمْهُورَ العُلَمَاءِ (١) عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ عُشْرٌ، وَلَا زَكَاةٌ أَصْلًا فِي أَمْوَالِهِمْ).
стр. 4814
لا تجب عليهم الزكاة؛ لأن من شروط دافع الزكاة أن يكون مسلمًا بالغًا مكلَّفًا، وأن يكون مالكًا للنصاب، أما غير هؤلاء فلا تجب الزكاة في ماله (١).
قوله: (إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ ضَاعَفُوا الصَّدَقَةَ عَلَى نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ؛ أَعْنِي: أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا إِعْطَاءَ ضِعْفِ مَا عَلَى المُسْلِمِينَ مِنَ الصَّدَقَةِ فِي شَيْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ الَّتِي تَلْزَمُ فِيهَا المُسْلِمِينَ الصَّدَقَةُ).
وهو ما أشرنا إليه من قصة بني تغلب مع عُمَرَ ﵁ حينما أراد أن يَفرِض عليهم الجزيةَ فَأَنِفُوا أن يُفرَّق بينهم وبين المسلمين العرب، وطَلَبُوا أن يَدفَعُوا الزكاة كالمسلمين لكونهم عَرَبًا أمثالهم، فَلَمَّا أَبَى عُمَرُ عليهم ذلك لَحِقَ عددٌ منهم بالروم أعداء المسلمين، فأُشِيرَ على عُمَرَ بأن أولئك الأقوامَ أهل شِدَّةٍ وبأسٍ، فَرَدَّهُمْ عُمَرُ ﵁ وَفَرَضَ عليهم الزكاةَ مُضاعَفَةً.
ولو قيل: لماذا ضَعَّفَ على هؤلاء بالرغم من أنها لا تكون مُضَعَّفَةً على المسلمين؟
فالجواب: إذا ثَقُلَ عليهم ذلك، فعليهم أن يدخلوا في الإسلام، كما هو الحال في مَنْعِ رخصة إباحة أكل الميتة في حق المسافر إلى معصيةٍ رغم اضطراره إليهَا، فهذا - كما قلنا - إن خَشِيَ على نفسه الهلاكَ فعليه
стр. 4815
أن يتوب إلى الله تعالى لِيَدخُلَ في عموم قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣].
قوله: (وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْلِ: الشَّافِعِيُّ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَأَحْمَدُ (٣)، وَالثَّوْرِيُّ، وَهُوَ فِعْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ (٤) ﵁ بِهِمْ، وَلَيْسَ يُحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ نَصٌّ فِيمَا حَكَوْا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ).
وقول الأئمة الثلاثة أبي حنيفة والشافعي وأحمد واضحٌ في هذه
стр. 4816
المسألة، لكن لا يُعرَف نَصٌّ يُنسَب إليهم فيها، وإنما قولهم مُسَلَّمٌ به؛ لأنهم استَنَدُوا في ذلك إلى ما فَعَلَهُ عُمَرُ ببني تغلب.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا، هَلْ يَجِبُ العُشْرُ عَلَيْهِمْ فِي الأَمْوَالِ الَّتِي يَتَّجِرُونَ بِهَا إِلَى بِلَادِ المُسْلِمِينَ بِنَفْسِ التِّجَارَةِ؛ أَوِ الإِذْنِ إِنْ كَانُوا حَرْبِيِّينَ؛ أَمْ لَا تَجِبُ إِلَّا بِالشَّرْطِ؟).
وهنا محل خلافٍ بين العلماء في المعاهَد والحربِيِّ، هل يُساوَى بينهم في أَخْذِ العُشر إذا دخلوا بتجارتهم إلى بلاد المسلمين أم لا.
الحربيُّ إذا أُذِنَ له بالدخول للتجارة يؤخذ منه العشر، أما الذمي فهل يُعامَل معامَلة الحربي في أَخْذِ العُشر أم لا، هذا محل الخلاف.
قوله: (فَرَأَى مَالِكٌ (١)، وَكثِيرٌ مِنَ العُلَمَاءِ أَنَّ تُجَّارَ أَهْلِ الذِّمَّةِ الَّذِينَ لَزِمَتْهُمْ بِالإِقْرَارِ فِي بَلَدِهِمُ الجِزْيَةُ يَجِبُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ مِمَّا يَجْلِبُونَهُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدِ العُشْرُ).
قوله: (وكثير من العلماء)؛ يعني: به أبا حنيفة، وقد أراد المؤلفُ
стр. 4817
غير الذِّمِّيِّينَ، وهو عكس ما ذَكَرَ، فإنه ينضم لغير المالكية والحنابلة؛ لأنهم لا يُفَرِّقون بين الذميِّين وبين الحربيِّين.
قوله: (إِلَّا مَا يَسُوقُونَ إِلَى المَدِينَةِ خَاصَّةً فَيُؤْخَذُ مِنْهُ فِيهِ نِصْفُ العُشْرِ).
يعني: بلاد الحجاز، فقد فَرَّقُوا بينها وبين غيرها، وهو أيضًا قولٌ للشافعي (١).
قوله: (وَوَافَقَهُ أَبُو حَنِيفَة (٢) فِي وُجُوبِهِ بِالإِذْنِ فِي التِّجَارَةِ أَوْ بِالتِّجَارَةِ نَفْسِهَا، وَخَالَفَهُ فِي القَدْرِ، فَقَالَ: الوَاجِبُ عَلَيْهِمْ نِصْفُ العُشْرِ).
إنما وَافَقَهُ فقط في الإذن بالتجارة للحربيين، أما الحكم فإنه يخالفه فيه كما سيأتي.
قوله: (وَمَالِكٌ (٣) لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِمْ فِي العُشْرِ الوَاجِبِ عِنْدَهُ نِصَابًا وَلَا حَوْلًا، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَاشْتَرَطَ فِي وُجُوبِ نِصْفِ العُشْرِ عَلَيْهِمُ الحَوْلَ وَالنِّصَابَ) (٤).
стр. 4818
وهذا هو الخلاف في الحكم الذي أشرنا إليه:
أولًا: اشترط مالكٌ العُشرَ، بخلاف أبي حنيفة، وأحمد (١) اللَّذَيْنِ اشترطا نصف العُشرِ.
ثانيًا: لم يشترط مالكٌ حَوَلان الحول ولا بلوغ النصاب، بخلاف أبي حنيفة وأحمد (٢) اللَّذَيْنِ اشترطاهما، وإن كان هناك تفصيلٌ في مذهب أحمد لاشتراط النصاب لكن هذا هو ظاهر المذهب.
стр. 4819
قوله: (وَهُوَ نِصَابُ المُسْلِمِينَ نَفْسُهُ المَذْكُورُ فِي كتَابِ الزَّكَاةِ).
ومقدار الزكاة - كما هو معلومٌ - أنه فيما سَقَتِ السماء العُشر، وفيما سُقِيَ سَيْحًا نصف العُشر.
قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): لَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ عُشْرٌ أَصْلًا، وَلَا نِصْفُ عُشْرٍ فِي نَفْسِ التِّجَارَةِ، وَلَا فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مَحْدُودٌ إِلَّا مَا اصْطُلِحَ عَلَيْهِ أَوِ اشْتُرِطَ).
وقول الشافعي هذا وَرَدَ فيه عدة آثارٍ، ومنها حديث: "لا عشور على المسلمين، وإنما العشور على اليهود والنصارى" (٢).
قوله: (فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الجِزْيَةُ العُشْرِيَّةُ مِنْ نَوْعِ الجِزْيَةِ الصُّلْحِيَّةِ، وَعَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ تَكُونُ جِنْسًا ثَالِثًا مِنَ الجِزْيَةِ غَيْرِ الصُّلْحِيَّةِ، وَالَّتِي عَلَى الرِّقَابِ).
مما ينبغي التأمل فيه هاهنا أن أهل المذاهب لا يسمونها جزيةً، وإنما يسمونها عُشُورًا، والمؤلف إنما سَمَّاها جزيةً هاهنا ربما من باب الاصطلاح لا أكثر.
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُنَّة يُرْجَعُ إِلَيْهَا).
نعم؛ فالذي وَرَدَ في هذا إنما هو آثار عن الصحابة، ومنها حديث: "لا عشور على المسلمين، وإنما العشور على اليهود والنصارى" (٣)،
стр. 4820
وقد تَكَلَّمَ فيه بعضُ العلماء، فاحتج به أناسٌ (١) ولم يحتج به آخرون (٢).
قوله: (وَإِنَّمَا ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ).
وَفِعْلُ عمر ﵁ هاهنا كافٍ ويصح الاحتجاج به؛ لأن فِعْلَهُ ﵁ إنما هو امتدادٌ لِسُنَّةِ رسول الله ﷺ ؛ حيث أَيَّدَهُ الصحابةُ ولم يُنكِرُوه عليه.
وقد نُقِلَ أيضًا عن أَنَسٍ ﵁: "أنه لما أراد أن يَبعَثَ رجلًا على أَخْذِ العشور قال: لِمَ اخترتني - أو: كيف اخترتني - فقال: لَا تُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي بِهِ عُمَرُ ﵁ " (٣).
قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ فِعْلَ عُمَرَ هَذَا إِنَّمَا فَعَلَهُ بِأَمْرٍ كَانَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سُنَّتَهُمْ، وَمَنْ رَأَى أَنَّ فِعْلَهُ هَذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الشَّرْطِ؛ إِذْ لَوْ كانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَذَكَرَه، قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِسُنَّةٍ لَازِمَةٍ لَهُمْ إِلَّا بِالشَّرْطِ. وَحَكَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ "الأَمْوَالِ" (٤) عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﵊
стр. 4821
لَا أَذْكُرُ اسْمَهُ الآنَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: لِمَ كنْتُمْ تَأْخُذُونَ العُشْرَ مِنْ مُشْرِكِي العَرَبِ؟ فَقَالَ: لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنَّا العُشْرَ إِذَا دَخَلْنَا إِلَيْهِمْ).
وما حكاه أبو عبيدٍ هو قول لأبي حنيفة (١) أيضًا، حيث يُفَرِّقُ بين الحربي وغيره بأَلَّا يؤخذ من الحربيِّين إلا إذا أخذوا من المسلمين.
قوله: (قَالَ الشَّافِعِيُّ (٢): وَأَقَلُّ مَا يَجِبُ أَنْ يُشَارِطُوا عَلَيْهِ هُوَ مَا
стр. 4822
فَرَضَهُ عُمَرُ ﵁، وَإِنْ شُورِطُوا عَلَى أَكْثَرَ فَحَسَنٌ. قَالَ: وَحُكْمُ الحَرْبِيِّ إِذَا دَخَلَ بِأَمَانٍ حُكْمُ الذِّمِّيِّ).
وليس هذا الكلام على إطلاقه، فالحنفية - كما قلنا - يُفَرِّقُون بين الحربيِّ والذميِّ، فيوجبون نصفَ العشرِ على الذميِّ، والعشرَ على الحربيِّ إذا كانوا يأخذون من المسلمين.
قوله: (وأَمَّا المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: وَهِيَ فِي مَاذَا تُصْرَفُ الجِزْيَةُ؟ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا مُشْتَرَكةٌ لِمَصَالِحِ المُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ، كالحَالِ فِي الفَيْءِ عِنْدَ مَنْ رَأَى أَنَّهُ مَصْرُوفٌ إِلَى اجْتِهَادِ الإِمَامِ حَتَّى لَقَدْ رَأَى كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ اسْمَ الفَيْءِ إِنَّمَا يَنْطَلِقُ عَلَى الجِزْيَةِ فِي آيَةِ الفَيْءِ" (١).
стр. 4823
وهذا ينبني - كما قلنا - على أن الجزية هل هي غنيمة أم فيءٌ، وقد علمنا أن الجزية إنما هي صنفٌ من أصناف الفيء، مثلها مثل الخراج، ومثل الأموال التي يَفِرُّ عنها المُشرِك وَيترُكُها أو الأموال التي يُخلِّفها الكافر ولا وارث له؛ ولذا فإنها تُصرَف في مَصالِح المسلمين.
قوله: (وَإِذَا كَانَ الأَمْرُ هَكَذَا، فَالأَمْوَالُ الإِسْلَامِيَّةُ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: صَدَقَةٌ، وَفَيْءٌ (١)، وَغَنِيمَةٌ (٢)).
стр. 4824
والمؤلف هاهنا يَقصِد أن يَذكُر الخلاصة، وأن الأموال الإسلامية على ثلاثة أنواع:
- صدقة: ويعني بها الزكاة، وهي التي ذكرها الله بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠]، وهي التي ذَكَرَهَا عُمَرُ وقال: "هذه لهؤلاء" (١).
- غنيمة: ويُشار إليها في قوله سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١].
فَيْء: وهو والمُشار إليه في آيات الحشر: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧].
وليس المقصود بهذا أن الأموال مقتصرةٌ على هذه الأصناف الثلاثة،
стр. 4825
وإنما المقصود أن هذه هي الأموال التي يوكل التصرف فيها إلى إمام المسلمين.
وهذه الخلاصة بعض العلماء يجعلها في أول كتاب الجزية، وبعضهم يجعلها في آخره كما فعل المؤلِّف.
قوله: (وَهَذَا القَدْرُ كَافٍ فِي تَحْصِيلِ قَوَاعِدِ هَذَا الكِتَابِ، وَاللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ).
وكأنَّ المؤلف يخبرنا هاهنا أنه لم يستوعب جميع فروع هذا الباب وجزئياته، وإنما اختار أمهات مسائله وقواعده، وهي كافيةٌ، فَمَن أراد أن يَعرِف بقية المسائل، فبإمكانه أن يَردَّ كل جُزئيةٍ إلى أصلها؛ فهذا الكتاب إنما هو كتاب قواعد فقهية لا كتاب فروع فقهية.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
стр. 4826
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على محمد وآله وسلم
[كِتَابُ الأيْمَانِ] (١)
(وَهَذَا الكِتَابُ يَنْقَسِمُ أَوَّلًا إِلَى جُمْلَتَيْنِ).
وهذا المبحث مهمٌّ جدًّا؛ لأن باب الأيمان لا يقتصر على الجانب
стр. 4827
الفقهي فقط كما هو الحال في الصلاة والزكاة والصوم والحج، وإنما يتعلَّق إلى جانب ذلك بالجانب العقائدي.
فالأيمان: جمع يمين، واليمين الأصل فيها أنها هي اليد، كان العرب يُطلِقون اليمينَ على اليد، وقد سُمِّيَ القَسَمُ يمينًا؛ لأنك إذا حلفتَ فكأنك تضع يدك في يد المحلوف له توثيقًا ووفاءً بالعهد.
ولذلك؛ فإن هذا المبحث يتطلب منا أن نَعرِض أيضًا لمباحث في العقيدة؛ لأن الأيمان إنما يراد بها التعظيم، فإذا أقسم الإنسان بشيءٍ فالمراد مِن قَسَمِهِ به إنما هو تعظيمه، والله وحده هو الذي يستحق العظمة والعزة والإجلال والكبرياء ؛ فهو رب هذا الكون وخالقه والمُصَرِّفُ فيه، أما غيره فلا ينبغي أن يُرفَعَ عن مكانته التي خُلِقَ من أجلها مهما ارتفَعَت مكانته وثبتَت منزلته، حتى وإن كان مَلَكًا من الملائكة أو نبيًّا من الأنبياء.
ولا شك أن تأصيل العقيدة إنما هو الأساس، فالمسلم دائمًا ينبغي أن يكون ذا عقيدةٍ صحيحةٍ سليمةٍ مستقرةٍ ثابتةٍ لا تتغير ولا تتزعزع.
فهذا الباب إنما سنتناول فيه ما يتعلَّق بالأيمان، وسنعرف أن الأيمان أنواعٌ، فهناك أيمانٌ يَتلَفَّظ بها الإنسان عادةً أثناء حديثه، وأيمانٌ يَذكُرُها الإنسان لِيُدعمَ بها هذا الأمرَ المحلوفَ عليه، وهناك قضايا تتطلَّب من الإنسان أن يُقسِم فيها، كاليمين المتوجبة على مُنكِر الدعوى؛ لأن الرسول ﷺ يقول: "البينة على المدَّعي واليمين على من أنكر" (١).
وكذلك سنتناول حروف الأيمان، فهناك حروف معروفة للقسم، كالواو والباء والتاء، وقد مر بنا أن الهاء نابت عن جملة: "واللهِ لَا يكونُ ذَا" في قول أبي بكر ﵁: "لا ها الله".
стр. 4828
ونتناول فيه كذلك حكم القَسَم إذا لم يُضَفْ لله تعالى، وحكم قول الإنسان: (وَالله لأَفْعَلَنَّ كذا) دون أن يأتي فيه بحرفٍ من حروف القسم.
وسنذكر كذلك الأدلة على أحكام الأيمان؛ فالأيمان حكمها ثابتٌ في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ ، وقد أجمع العلماء على مشروعيتها.
أما الكتاب: فقد ورد في ذلك أدلة كثيرة تدل على مشروعية القسم، ومن ذلك:
- قول الله : ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وفي هذه الآية نتبين أن القَسَمَ ليس على نوعٍ واحدٍ، فهناك اللغو، وهو مثل أن يقول الإنسان في أثناء حديثه: (والله) و (بالله) و (تالله) ونحو ذلك، دون أن يعقد العزم على ذلك بقلبه، وهناك يمين يُقصَد بها حقيقتها، وهذه اليمين قد يَحلِف بها المسلمُ فيَبَرُّ بيمينه وينتهي الأمر عند ذلك، وقد لا يؤدي ما حَلَفَ عليه فيُكَفِّر عنها، وقد يحلف على أمرٍ وهو كاذبٌ، وهذا خطر عظيم.
وأيضًا قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩]، فالله بعد أن بَيَّنَ ما لا يُؤاخَذُ فيه من الأيمان بَيَّنَ لنا ما كفارة اليمين المنعقدة، ومع ذلك أوصانا أن نكون من المحافظين على أيماننا.
فالله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا﴾ [البقرة: ٢٢٤].
ويقول : ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١].
ويقول : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١، ٢].
стр. 4829
وأما السُّنَّةُ: فمنها:
- قول رسول الله ﷺ : "إِنِّي وَاللهِ إِنْ شَاءَ اللهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا" (١)، فرسول الله ﷺ بَشَرٌ، قد يُقسِم على شيءٍ ثم يرى أن ما أَقسَمَ عليه يَفضُلُه غَيْرُهُ فيَترُكُه ويُكَفِّرُ عن هذه اليمين، كما قال الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾؛ يعني: التَّحَلُّل من اليَمِينِ بالكفارة.
- ويقول رسول الله ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ" (٢)، وفي رواية: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ" (٣).
- ورسول الله ﷺ لما عَدَّدَ الكبائرَ قال: "الكَبَائِرُ: الإِشْرَاكُ باللهِ ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، أَوْ قَتْلُ النَّفْسِ، وَاليَمِينُ الغَمُوسُ (٤) " (٥)؛ فهي غموسٌ لأنها تغمس صاحبها في نار جهنم كما تُغمَسُ التمرةُ في اللَّبَن أو في الزبد.
وقوله ﷺ : "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: المُسْبِلُ - يعني: مسبل الإزار - وَالمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالحَلِفِ الكَاذِبِ أَوِ الفَاجِرِ، وَالمَنَّانُ" (٦).
стр. 4830
وفي بعض الروايات جاء التنصيص على رجل باع سلعة بعد العصر فحلف بالله وهو كاذبٌ (١).
وما أكثر الذي يحلفون كذبًا على سلعتهم في هذا الزمان، وأيضًا جاء في بعض الروايات التي رَوَت حديث الثلاثة الذين لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم: "رجل معه ماء في فلاة فمنع منه ابن السبيل" (٢)، عندما يكون الإنسان في صحراء ويمر به إنسانٌ قد تَقطَّعَت به السُّبُلُ ويريد قطرةً من الماء، فيسأل هذا أن يُقدِّم له قليلًا من الماء يروي به عطشه ويدفع عنه الموت فيمتنع؛ ففي هذا الحديث يستوي هذا والذي يُرَوِّجُ سلعته بالحلف الكاذب.
وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء على مشروعية الأيمان (٣)، وقد أمر الله نبِيَّهُ أن يُقسِمَ، فقال : ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ﴾ [التغابن: ٧].
وقد أقسم رسول الله ﷺ في خطبة الكسوف مرارًا، فقال: "ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته" (٤).
وقال كذلك في نفس هذه الخطبة: "يا عباد الله، والله لو تعلمون ما
стр. 4831
أعلم لبكيتم كثيرًا ولضحكتم قليلًا" (١)، وفي بعض الروايات: "لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا" (٢).
وكرر القسم ﷺ في قوله: "والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا" (٣).
ومن الأقسام التي يَكثُرُ أن يُقسِم بها رسول الله ﷺ قوله: "والذي نفسي بيده" (٤)، "والذي نفس محمد بيده" (٥)، وقوله: "ومُصَرِّفِ القلوب" (٦)، "ومُقَلِّبِ القلوب" (٧).
فهذه أدلة على مشروعية الأيمان من كتاب الله، ومن سنة رسوله ﷺ ، وإجماع العلماء.
لكن لا ينبغي للمسلم ألا يُقسِمَ إلا بالله ، ولذلك لما لَحِقَ رسولُ الله ﷺ عُمَرَ ورآه يُقسِم بآبائه قال له: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" (٨)، فإن كنت حالفًا فاحلف بالله وإلا فلا.
стр. 4832
والرسول ﷺ يقول: "مَن حَلَفَ بغير الله فقد أَشْرَكَ" (١)، وفي روايةٍ: "مَن حَلَفَ بغير الله فقد كَفَرَ" (٢).
وهذا مما نَتَبَيَّنُ به علاقة الأيمان بالعقيدة؛ لأن الحالف بغير الله إنما قد عَظَّمَ ذلك المحلوفَ عليه ورَفَعَهُ عن منزلته، والتعظيم المُطْلَقُ لا ينبغي أن يكون إلا لله ؛ ولذلك نجد أن رسول الله ﷺ لما سَمِعَ رجلًا يقول: "ما شاء اللهُ وشئتَ"، قال: "جعلتَ لله مثلًا! قل: ما شاء اللهُ ثم شئتَ" (٣)؛ لأن (الواو) تقتضي الاشتراك (٤)، أما (ثُمَّ) فإنها تقتضي المخالفة (٥)؛ فالرسول ﷺ أنكر على الرجل من باب صيانة التوحيد والمحافظة عليه والحرص على ألا يُخْدَشَ (٦)، ولذلك جاء في الحديث: "مَن حَلَفَ باللَّات والعُزَّى فليقل: لا إله إلا الله" (٧)، فَأَمَرَهُ أن يَذكُرَ اللهَ وأن يَرجِعَ إليه ويستغفره ، فكلنا خطاؤون، والرسول ﷺ يقول: "كلكم خطاؤون، وخير الخطائين التوابون" (٨)؛ فلا ينبغي للمسلم أن يحلف
стр. 4833
بالنبي، أو بشيخ من المشايخ، أو بأحد غير الله وأسمائه وصفاته؛ فلا ينبغي للمسلم أن يتجاوز هذا الحد، بل يكون دائمًا سائرًا على منهج أهل السُّنَّةِ العظماء.
فائدة:
ومما تجدر الإشارة إليه هاهنا أن تكرر الإتيان بلفظ (والله) على لسان بعض الفقهاء ليس منتَقَدًا؛ لأن الإتيان بها في مقام الموعظة والخطبة والدرس من شأنه أن يزيد التدبر واليقين في قلوب السامعين، وهذا قد فَعَلَهُ رسول الله ﷺ ، والأدله على ذلك كثيرةٌ، لكن المنتقَد إنما هو المبالغة في الأيمان والتجاوز، فهذا هو الذي نهى عنه بعض العلماء؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠)﴾ [القلم: ١٠]، يقصد بذلك الذي يَكذِبُ في أيمانه (١).
وقال تعالى أيضًا: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]؛ لأن الإنسان إذا أَكْثَرَ الأيمانَ وبَالَغَ فيها قد يَكذِبُ ويَقَعُ في الخطأ، فعلى المسلم ألَّا يَحلِفَ إلا في مَوَاطِنَ يَصْدُقُ فيها.
فكل هذه الأُمور سنتعرض لها سواء ذكرها المؤلف أم لا؛ نظرًا لِمَا لهذا الباب مِن أهميةٍ ومكانةٍ كبيرةٍ، فالأيمان أمرها خطيرٌ وعظيمٌ، ونحن نرى اليوم كثيرًا من المسلمين يتساهل في أيمانه، ونرى من يحلف أيمانًا مُغلَّظةً وهو يعلم أنه كاذبٌ فيها، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧﴾ [آل عمران: ٧٧].
стр. 4834
وقال الرسول ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذبَةٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللهَ وَهوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ" (١).
قوله: (الجُمْلَةُ الأُولَى: فِي مَعْرِفَةِ ضُرُوبِ الأَيْمَانِ وَأَحْكَامِهَا. الجُمْلَة الثَّانِيَةُ: فِي مَعْرِفَةِ الأَشْيَاءِ الرَّافِعَةِ لِلْأَيْمَانِ وَأَحْكَامِهَا).
يريد المؤلف هاهنا أن يوضِّح أنواع الأيمان وحُكم كل نوعٍ منها، فهناك كما قلنا:
- يمين لغو: لا يؤاخَذ الإنسان فيها.
- ويمين منعقدة: يتلفظ بها الإنسان، فإن بَرَّ بها فلا شيء عليه، وإن عدل عنها فعليه أن يُكَفِّرَ عنها.
- ويمين غموسٌ: وهي التي يَحلِف فيها على شيءٍ ماضٍ وهو مُتَيَقِّنٌ أنه كاذبٌ في يمينه هذه؛ ليقتطع بها حقًّا من المسلم، ولذلك حينما قال الرسول ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ مُسْلِم لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ" (٢) وتلا قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ [آل عمران: ٧٧]؛ فهذا هو ظاهر من يفعلون تلك الأعمال؛ لأنهم اسْتَغْنَوْا عن الآخرة بالدنيا، وقَدَّمُوا الفانيةَ على الباقيةِ، وهذا من أخطر الأمور.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الجُمْلَةُ الأُولَى
وَهذِهِ الجُمْلَةُ فِيهَا ثَلَاثَةُ فُصُولٍ؛ الأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الأَيْمَانِ المُبَاحَةِ وَتَمْيِيزِهَا مِنْ غَيْرِ المُبَاحَةِ).
стр. 4835
بعض العلماء يُقَسِّمُ الأيمانَ إلى أحكامٍ خمسةٍ (١):
- يمينٌ واجبةٌ: كاليمين التي يؤديها الإنسان حرصًا على سلامة المسلم، كما في قصة سويد بن غفلة؛ فإنه كان في نفرٍ من أصحاب رسول الله ﷺ ، فالتقوا بِعَدُوٍّ لوائل بن حجر، فأمسكوا به، فرأى سويدٌ أنَّ بقية القوم قد تَحَرَّجُوا من الحَلِفِ، فحَلَفَ بالله أنه أخوه، فكان ذلك سببًا في تعبه، فأسرع إلى رسول الله فسأله، فما كان من رسول الله ﷺ إلا أن يقول له: "صدقتَ، إنما المؤمنون إخوةٌ، فالمسلم أخو المسلم" (٢)؛ فهذه اليمين التي تُقسِمُ بها لِتُنقِذَ أخاكَ المُسلِمَ من الهلاك يرى العلماءُ وُجُوبَهَا (٣).
- يمينٌ مندوبةٌ: كأن تفعلها في سبيل الصلح بين قبيلتين متناحرتين؛ حتى لا تثور الحرب بينهما فتسيل الدماء وتقطع الرقاب، أو تفعلها لتوفق بين أخوين متخاصمين، ومن المعلوم أن الكذب يجوز في ثلاثة مواطِنَ: في الحرب، والصلح، والرجل على امرأته (٤).