← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

أعلم لبكيتم كثيرًا ولضحكتم قليلًا" (١)، وفي بعض الروايات: "لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا" (٢). وكرر القسم ﷺ في قوله: "والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا" (٣). ومن الأقسام التي يَكثُرُ أن يُقسِم بها رسول الله ﷺ قوله: "والذي نفسي بيده" (٤)، "والذي نفس محمد بيده" (٥)، وقوله: "ومُصَرِّفِ القلوب" (٦)، "ومُقَلِّبِ القلوب" (٧). فهذه أدلة على مشروعية الأيمان من كتاب الله، ومن سنة رسوله ﷺ ، وإجماع العلماء. لكن لا ينبغي للمسلم ألا يُقسِمَ إلا بالله ، ولذلك لما لَحِقَ رسولُ الله ﷺ عُمَرَ ورآه يُقسِم بآبائه قال له: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" (٨)، فإن كنت حالفًا فاحلف بالله وإلا فلا.

стр. 4832

والرسول ﷺ يقول: "مَن حَلَفَ بغير الله فقد أَشْرَكَ" (١)، وفي روايةٍ: "مَن حَلَفَ بغير الله فقد كَفَرَ" (٢). وهذا مما نَتَبَيَّنُ به علاقة الأيمان بالعقيدة؛ لأن الحالف بغير الله إنما قد عَظَّمَ ذلك المحلوفَ عليه ورَفَعَهُ عن منزلته، والتعظيم المُطْلَقُ لا ينبغي أن يكون إلا لله ؛ ولذلك نجد أن رسول الله ﷺ لما سَمِعَ رجلًا يقول: "ما شاء اللهُ وشئتَ"، قال: "جعلتَ لله مثلًا! قل: ما شاء اللهُ ثم شئتَ" (٣)؛ لأن (الواو) تقتضي الاشتراك (٤)، أما (ثُمَّ) فإنها تقتضي المخالفة (٥)؛ فالرسول ﷺ أنكر على الرجل من باب صيانة التوحيد والمحافظة عليه والحرص على ألا يُخْدَشَ (٦)، ولذلك جاء في الحديث: "مَن حَلَفَ باللَّات والعُزَّى فليقل: لا إله إلا الله" (٧)، فَأَمَرَهُ أن يَذكُرَ اللهَ وأن يَرجِعَ إليه ويستغفره ، فكلنا خطاؤون، والرسول ﷺ يقول: "كلكم خطاؤون، وخير الخطائين التوابون" (٨)؛ فلا ينبغي للمسلم أن يحلف

стр. 4833

بالنبي، أو بشيخ من المشايخ، أو بأحد غير الله وأسمائه وصفاته؛ فلا ينبغي للمسلم أن يتجاوز هذا الحد، بل يكون دائمًا سائرًا على منهج أهل السُّنَّةِ العظماء. فائدة: ومما تجدر الإشارة إليه هاهنا أن تكرر الإتيان بلفظ (والله) على لسان بعض الفقهاء ليس منتَقَدًا؛ لأن الإتيان بها في مقام الموعظة والخطبة والدرس من شأنه أن يزيد التدبر واليقين في قلوب السامعين، وهذا قد فَعَلَهُ رسول الله ﷺ ، والأدله على ذلك كثيرةٌ، لكن المنتقَد إنما هو المبالغة في الأيمان والتجاوز، فهذا هو الذي نهى عنه بعض العلماء؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠)﴾ [القلم: ١٠]، يقصد بذلك الذي يَكذِبُ في أيمانه (١). وقال تعالى أيضًا: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]؛ لأن الإنسان إذا أَكْثَرَ الأيمانَ وبَالَغَ فيها قد يَكذِبُ ويَقَعُ في الخطأ، فعلى المسلم ألَّا يَحلِفَ إلا في مَوَاطِنَ يَصْدُقُ فيها. فكل هذه الأُمور سنتعرض لها سواء ذكرها المؤلف أم لا؛ نظرًا لِمَا لهذا الباب مِن أهميةٍ ومكانةٍ كبيرةٍ، فالأيمان أمرها خطيرٌ وعظيمٌ، ونحن نرى اليوم كثيرًا من المسلمين يتساهل في أيمانه، ونرى من يحلف أيمانًا مُغلَّظةً وهو يعلم أنه كاذبٌ فيها، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧﴾ [آل عمران: ٧٧].

стр. 4834

وقال الرسول ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذبَةٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللهَ وَهوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ" (١). قوله: (الجُمْلَةُ الأُولَى: فِي مَعْرِفَةِ ضُرُوبِ الأَيْمَانِ وَأَحْكَامِهَا. الجُمْلَة الثَّانِيَةُ: فِي مَعْرِفَةِ الأَشْيَاءِ الرَّافِعَةِ لِلْأَيْمَانِ وَأَحْكَامِهَا). يريد المؤلف هاهنا أن يوضِّح أنواع الأيمان وحُكم كل نوعٍ منها، فهناك كما قلنا: - يمين لغو: لا يؤاخَذ الإنسان فيها. - ويمين منعقدة: يتلفظ بها الإنسان، فإن بَرَّ بها فلا شيء عليه، وإن عدل عنها فعليه أن يُكَفِّرَ عنها. - ويمين غموسٌ: وهي التي يَحلِف فيها على شيءٍ ماضٍ وهو مُتَيَقِّنٌ أنه كاذبٌ في يمينه هذه؛ ليقتطع بها حقًّا من المسلم، ولذلك حينما قال الرسول ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ مُسْلِم لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ" (٢) وتلا قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ [آل عمران: ٧٧]؛ فهذا هو ظاهر من يفعلون تلك الأعمال؛ لأنهم اسْتَغْنَوْا عن الآخرة بالدنيا، وقَدَّمُوا الفانيةَ على الباقيةِ، وهذا من أخطر الأمور. قال المصنف رحمه الله تعالى: (الجُمْلَةُ الأُولَى وَهذِهِ الجُمْلَةُ فِيهَا ثَلَاثَةُ فُصُولٍ؛ الأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الأَيْمَانِ المُبَاحَةِ وَتَمْيِيزِهَا مِنْ غَيْرِ المُبَاحَةِ).

стр. 4835

بعض العلماء يُقَسِّمُ الأيمانَ إلى أحكامٍ خمسةٍ (١): - يمينٌ واجبةٌ: كاليمين التي يؤديها الإنسان حرصًا على سلامة المسلم، كما في قصة سويد بن غفلة؛ فإنه كان في نفرٍ من أصحاب رسول الله ﷺ ، فالتقوا بِعَدُوٍّ لوائل بن حجر، فأمسكوا به، فرأى سويدٌ أنَّ بقية القوم قد تَحَرَّجُوا من الحَلِفِ، فحَلَفَ بالله أنه أخوه، فكان ذلك سببًا في تعبه، فأسرع إلى رسول الله فسأله، فما كان من رسول الله ﷺ إلا أن يقول له: "صدقتَ، إنما المؤمنون إخوةٌ، فالمسلم أخو المسلم" (٢)؛ فهذه اليمين التي تُقسِمُ بها لِتُنقِذَ أخاكَ المُسلِمَ من الهلاك يرى العلماءُ وُجُوبَهَا (٣). - يمينٌ مندوبةٌ: كأن تفعلها في سبيل الصلح بين قبيلتين متناحرتين؛ حتى لا تثور الحرب بينهما فتسيل الدماء وتقطع الرقاب، أو تفعلها لتوفق بين أخوين متخاصمين، ومن المعلوم أن الكذب يجوز في ثلاثة مواطِنَ: في الحرب، والصلح، والرجل على امرأته (٤).

стр. 4836

- يمينٌ مباحةٌ: وهي أن تُقسِمَ على فِعْلِ مباحٍ. - يمينٌ مكروهةٌ: وهي أن تُقسِمَ على فِعْلِ مكروهٍ أو تَرْكِ مندوبٍ. - يمينٌ مُحرَّمةٌ: وهي كاليمين الغموس التي تَغمِسُ صاحبَها في النار. قوله: (الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ الأَيْمَانِ اللَّغْوِيَّةِ وَالمُنْعَقِدَةِ). وقد سبق بيانها. قوله: (الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ الأَيْمَانِ الَّتِي تَرْفَعُهَا الكَفَّارَةُ وَالَّتِي لَا تَرْفَعُهَا). - الأيمان التي ترفعها الكفارة: هي الأيمان التي يُقسِمها الإنسان وهو صائمٌ، أو يُقسِمُها على فعلِ شيءٍ ثم لا يَفعَلُه، أو يُقسِمها على ألَّا يَفعَل شيئًا ثم يَفعَلُه. - والأيمان التي لا كفارة فيها: هي اليمين الغموس (١)، التي تَغمِسُ

стр. 4837

صاحِبَها في النار، بأن يُقسِم الإنسان بالله وهو كاذبٌ، أو أن يَشهَدَ شهادةَ زورٍ، أو يُقسِم كاذبًا على أنَّ له حقًّا في شيءٍ ليقتطع به حق امرئٍ مُسلِمٍ، والرسول ﷺ يقول: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ". وفي حديث آخر: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ قِطْعَةً، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ" (١)، فلا يَظُنُّ مَن يُحكَمُ له بِحُكمٍ مِن الأحكام وهو يَعلَمُ في نفسه أنه حق لأخيه أنه أَفْلَتَ بيمينه، بل إنَّ هَذا الحكم لن يُعفِيكَ مِن العقوبة أمام الله ، والرسول ﷺ يقول: "مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ" (٢). ومن هنا يأتي الفرق بين الشريعة والقانون، فالقانون ينتهي دَوْرُهُ بالحُكم بين الناس، أما الشريعة فعلى خلاف ذلك؛ حيث يأتي فيها دَوْرُ الوازع الدينيِّ بأن يستيقظ الضمير فيؤنب صاحبه إذا أَكَلَ مال غيره أو اعتدى على حقه أو أُعطِيَ من الحق ما لا يستحق؛ لأن صاحب الضمير يَعلَمُ أن عليه رقيبًا يَعلَمُ السِّرَ وأَخْفَى، كما قال الله سبحانه: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ

стр. 4838

الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣، ١٤]؛ فالمؤمن الحق إذا أدرك ذلك غاية الإدراك وآمن به فإنه لا يأخذ مثقال ذرة من حق أخيه المسلم بغير حق. قال المصنف رحمه الله تعالى: (الفَصْلُ الأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الأَيْمَانِ المُبَاحَةِ وَتَمْيِيزِهَا مِنْ غَيْرِهَا وَاتَّفَقَ الجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الأَشْيَاءَ مِنْهَا مَا يَجُوزُ فِي الشَّرْعِ أَنْ يُقْسَمَ بِهِ، وَمِنْهَا مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْسَمَ بِهِ). ينبغي على المسلم - كما قلنا - ألا يحلف إلا بالخالق تعالى أو باسم من أسمائه أو بصفة من صفاته، ولا يجوز الحلف بالمخلوق مُطلقًا، لا بشيخٍ من الشيوخ، ولا بِمَلَكٍ مُقَرَّبٍ ولا نبيٍّ مُرسَلٍ؛ لأن في الحلف بالمخلوق تعظيمًا له ورفعًا له فوق مكانته اللائقة به، وبعض الناس يَظُنُّ أن مَحَبَّتَهُ لرسول الله تستوجب أن يُعَظِّمَه، فينتهي به الأمر إلى أن يُجاوِزَ به مقام العبودية، في حين قد قال النبي ﷺ : "لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ" (١). والله حينما ذَكَرَ النبي ﷺ في مقام التشريف إنما ذَكَرَهُ بمقام عبوديته لله، فقال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]، فتمام التشريف للرسول هو في كونه عَبْدًا من عباد الله سبحانه، لكن الله فَضَّلَهُ بالرسالة وجَعَلَهُ خاتم

стр. 4839

الأنبياء وأفضلهم، وجَعَلَ أُمَّتَهُ أَفْضَلَ الأُمَمِ، وتمام أفضلية هذه الأمة في اتباعها لِمَا أَرشَدَها إليها رسول الله ﷺ . قوله: (وَاخْتَلَفُوا: أَيُّ الأَشْيَاءِ الَّتِي هِيَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّ الحَلِفَ المُبَاحَ فِي الشَّرْعِ هُوَ الحَلِفُ بِاللَّهِ). يعني: أن المباح في الشرع إنما هو: - الحلف بالله سبحانه، كأن يقول الحالف: (والله، تالله، بالله). - أو باسم من أسمائه، كأن يقول: (والرحمن). - أو بصفة من صفاته، كأن يقول: (وعزة الله، وميثاق الله، وأمانة الله، وعظمة الله). وليس للإنسان أن يُقسِمَ بأحدٍ مِن خَلقِهِ. قوله: (وَإِنَّ الحَالِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ عَاصٍ (١). وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ يَجُوزُ

стр. 4840

الحَلِفُ بِكُلِّ مُعَظَّم بِالشَّرْعِ (١)، وَالَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ الأَيْمَانَ المُبَاحَةَ هِيَ الأَيْمَانُ باللَّهِ، اتَّفَقوا عَلَى إِبَاحَةِ الأَيْمَانِ الَّتِي بِأَسْمَائِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الأَيْمَانِ الَّتِي بِصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ). والخلاف الذي أورَدَه المؤلِّفُ في الأيمان بصفات الله وأفعاله إنما هو خلافٌ ضعيفٌ. قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ مِنَ الأَشْيَاءِ المُعَظَّمَةِ بِالشَّرْعِ مُعَارَضَةُ ظَاهِرِ الكِتَابِ فِي ذَلِكَ لِلْأَثَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَقْسَمَ فِي الكِتَابِ بِأَشْيَاءَ كثِيرَةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١)﴾ [الطارق: ١]، وَقَوْلِهِ: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ [النجم: ١]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْسَامِ الوَارِدَةِ فِي القُرْآنِ. وَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ" (٢)). وبالفِعل: قد يُشكِل على بعض الناس أن الله قد أَقْسَمَ بأشياءَ من

стр. 4841

مخلوقاته في مَوَاطِنَ كثيرةٍ من كتابه العزيز، كما هو الحال في قوله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١)﴾ [الصافات: ١]، وقوله: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١)﴾ [الذاريات: ١]، وقوله: ﴿وَالطُّورِ (١)﴾ [الطور: ١]، وقوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ [النجم: ١]، وقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١)﴾ [البروج: ١]، وقوله: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١)﴾ [النازعات: ١]، وقوله: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ [المرسلات: ١]، وقوله: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾ [الضحى: ١، ٢]. والجواب: أنَّ لله أنْ يُقسِمَ بما شاء مِن خَلقِه؛ لأنه هو المُتَصَرِّف في ذلك الكون والمهيمن عليه، وهو الذي خَلقَهُ ودَبَّرَه، فله أن يَفعَل ما يشاء؛ حيث لا رادَّ لِحُكمِهِ ولا دَافِعَ لقضائه، وإنما أَمْرُهُ إذا أراد شيئًا أن يقول له: (كن) فيكون، فالله أقْسَمَ بهذه الأشياء؛ لأن قَسَمَهُ بها يَدُلُّ على عَظَمَتِهِ لأنها من جملة مخلوقاته، فلا يجوز لأحدٍ أن يَضَعَ نفسه في مصاف رَبِّهِ، وإنما جِماع الأمر في قوله ﷺ : "لا تحلفوا بآبائكم، مَن حَلَفَ بغير الله فقد كَفَرَ" أو: "أَشْرَكَ" (١). قوله: (فَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الأَثَرِ وَالكِتَابِ بِأَنْ قَالَ: إِنَّ الأَشْيَاءَ الوَارِدَةَ فِي الكِتَابِ المَقْسُومَ بِهَا فِيهَا مَحْذُوفٌ - وَهُوَ اللَّهُ ﵎ وَأَنَّ التَّقْدِيرَ: وَرَبِّ النَّجْمِ، وَرَبِّ السَّمَاءِ، قَالَ: الأَيْمَانُ المُبَاحَةُ هِيَ الحَلِفُ بِاللَّهِ فَقَطْ). الجواب الصحيح الحاسم في ذلك: هو أن لله أن يُقسِمَ بما شاء مِن خَلقِهِ؛ لأن هذه الأشياء التي يُقسِمُ الله بها إنما هي دليلٌ على عَظَمَتِهِ؛ لأنه إذا أَقْسَمَ بالملائكة أو بوَقْتٍ من الأوقات أو بغير ذلك من الأُمور فذلك دليلٌ على تعظيم الله ؛ لأنه هو الذي خَلَقَ تلك

стр. 4842

الأمورَ العظيمةَ، وإذا كان خالق هذه الأُمور العظيمة هو الله فهو المُستَحِقُّ أن يُقسَمَ به دون غيره. قوله: (وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ المَقْصُودَ بِالحَدِيثِ إِنَّمَا هُوَ: ألَّا يُعَظَّمَ مَنْ لَمْ يُعَظِّمِ الشَّرْعُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيهِ: "إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ" (١)). هذه التأويلات والتعليلات لا يُعْتَدُّ بها مع وجود نصوصٍ صحيحةٍ صريحةٍ تَمْنَعُ القَسَمَ بغير الله . قوله: (وَأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ العَامُّ، أَجَازَ الحَلِفَ بِكُلِّ مُعَظَّمٍ فِي الشَّرْعِ؛ فَإِذَنْ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي بِنَاءِ الآيِ وَالحَدِيثِ). وسبب الخلاف ليس كما ذكر المؤلف: ولكن الذين يجيزون الحلف بغير الله مما يعظمه الإنسان مما لم يَرِدِ الشَّرع بإجازة القسم به، إنما يستدلون بقصة الرجل الذي جاء إلى رسول الله ﷺ يسأله عن الإسلام فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ"، فقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ فقَالَ: "لا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ"، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ"، فقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرهُ؟ فقَالَ: "لا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ"، قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ"، قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُل، وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ" (٢). وقد جاء في روايةٍ ليست مشهورةً: "أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ" (٣)؛

стр. 4843

فاستدلوا من قسم الرسول هاهنا بأبي الرجل على جواز الحلف بالمخلوقين. وقد أجاب العلماء عن ذلك بأن الروايات الأصح والمشهورة ليس فيها لفظ: "وأبيه" (١). واستدلوا كذلك بدليل آخر، وهو حديث أبي العُشَرَاءِ، الذي قال فيه الرسول ﷺ : "وَأَبِيكَ لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخْذِهَا لأَجْزَأَتْكَ" (٢) أو: "لأَجْزَأَ عَنْكَ" (٣)، وأن في هذا دليلًا على جواز الحلف بغير الله تعالى. وقد أجاب العلماء عن ذلك بأن الإمام أحمد قد تَكَلَّمَ عن جهالة أبي العُشَرَاءِ (٤)، وبأن العلماء لم يأخذوا بهذا الحكم في الذبح بالفخذ،

стр. 4844

فإنما الذبح المعروف يكون باللَّبَّةِ (١) أو الحَلْقِ، وقَطْع العروق والأوراد وسَيَلَانِ الدَّمِ. وعلى فرض صحة هاتين الروايتين؛ فإن الجواب عنهما بأن هذا إنما كان في أول الأمر، بدليل أن الرسول ﷺ أَدْرَكَ عُمَرَ بن الخَطَّاب ﵁ وهو يحلف بأبيه، فقال له ﷺ : "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" (٢)، وهذا أمرٌ لاتصال لام الأمر بالفعل المضارع، والأمر من الرسول ﷺ يقتضي الوجوب؛ إذ لا صارفَ له، ولذلك عندما روى عُمَرُ ﵁ هذا الحديث قال: "فَمَا حَلَفْتُ به بعد ذلك ذاكرًا ولا آثرًا" (٣)، فهذه أدلة صحيحة وصريحةٌ تغنينا عن تتبع التأويلات والتعليلات والاختلاف في أُمورٍ قد حُسِمَ الخلافُ فيها. قوله: (وَأَمَّا مَنْ مَنَعَ الحَلِفَ بِصِفَاتِ اللَّهِ وَبِأَفْعَالِهِ فَضَعِيفٌ). ولِشِدَّةِ ضَعْفِ هذا القول نجد بعض العلماء لا يَعْتَدُّ به، لورود خلافه في أحاديث صحيحة صريحة، كقصة النار لَمَّا قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾ [ق: ٣٠]، فيضع الله فيها قَدَمَهُ حتى تقول: "قَطٍ قَطٍ، وَعِزَّتِكَ" (٤)، وإذا كانت النار تُقسِمُ بعزة الله فكيف بالناس الذين خَلَقَهُم الله ورَتَّبَ لهم عمارةَ الكون وَفَرَضَ عليهم طَاعَتَه، وأَعَدَّ للصادقين المخلصين منهم جنات عدن عرضها السموات والأرض؟!

стр. 4845

فينبغي للمسلم ألَّا يُقسِمَ إلَّا بالله ، ولْيَدَعْ عنه اتباع الهَدْي غَيْرِ الربانيِّ، ولا يكون كمن قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]؛ فليس كُلُّ مَن ضَلَّ الطريقَ يُتَّبَع، حتى وإن كانت له مكانةٌ، أو كان شيخًا عالمًا أو غير ذلك؛ لأنَّه لا أحد معصومٌ من الخطأ إلا رسول الله ﷺ ؛ فهو المعصوم الذي لا يَنطِق عن الهوى. أمَّا أن تَجِدَ إنسانًا من العلماء يطوف - مثلًا - حول القبور ويتقرب إلى أصحابها ويدعوهم أو يسجد عند القبور، فلا يجب أن نتبعه ولو كان ينتسب إلى العلم؛ فالله يقول: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١]، والحق دائمًا فيما جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ . قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ: هَلْ يُقْتَصَرُ بِالحَدِيثِ عَلَى مَا جَاءَ مِنْ تَعْلِيقِ الحُكْمِ فِيهِ بِالاسْمِ فَقَطْ؛ أَوْ يُعَدَّى إِلَى الصِّفَاتِ وَالأَفْعَالِ، لَكِنَّ تَعْلِيقَ الحُكْمِ فِي الحَدِيثِ بِالاسْمِ فَقَطْ جُمُودٌ كَثِيرٌ). الذي جعل المؤلف يُورِدُ عَدَمَ وقوع اليمين بالصفات والأفعال في علم الحديث هو أنه يُعَوِّلُ في ذلك على كتاب الاستذكار، والصواب أن اليمين بالاسم أو بالصفة والفعل كلاهما قد وَرَدَ، ومثال ذلك ما ذَكَرْنَاهُ آنفًا من قصة النار وقولها: "وَعِزَّتِكَ". قوله: (وَهُوَ أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ أَهْلِ الظَّاهِرِ (١) وَإِنْ كَانَ مَرْوِيًّا فِي المَذْهَبِ، حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المَوَّازِ) (٢).

стр. 4846

والمؤلف هاهنا يريد أن يقول: إن هذا القول إنما هو مذهبٌ لأهل الظاهر، وبالرغم من نقله في مذهب مالكٍ الذي ينتسب إليه المؤلف؛ فهذا لا يمنع من أن يُضَعِّفَهُ؛ اتباعًا للحق، وهذا هو ما ينبغي لطالب العلم أن ينتهجه دائمًا، من السَّير خَلْفَ الدليل وتعظيمه والانتماء إليه أكثر مما عداه، حيث لم يُنقَل عن رسول الله ﷺ من طريقٍ صريحٍ أنه أَقْسَمَ بغير الله، وإنما حَلِفُهُ ﷺ بالله تعالى ما أَكْثَرَ وُرُودَه، كما جاءَ في البخاري وغيره من قوله للمرأة الأنصارية وأولادها: "والذي نفسي بيده، إنكم لأحَبُّ الناس إِلَيَّ" (١)، وقوله: "والله لأغزون قريشًا" (٢) قالها ثلاثًا، وكذلك قوله في خطبة الكسوف: "والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا" (٣). قوله: (وَشَذَّتْ فِرْقَةٌ، فَمَنَعَتِ اليَمِينَ بِاللَّهِ ، وَالحَدِيثُ نَصٌّ فِي مُخَالَفَةِ هَذَا المَذْهَبِ (٤). ولا شك أن هذا من الجهل والضلال، وأنه قولٌ باطلٌ مردودٌ على صاحبه، فالأيمان بالله يكفي فيها أن رسول الله ﷺ أَكْثَرَ منها، والناظر في كتب الحديث يجدها مليئةً بهذا، بل يجد رسول الله ﷺ

стр. 4847

يكرر الأيمان بالله في مواعظه وخطبه، وقد ذَكَرْنَا حديثه للمرأة الأنصارية وأبنائها حين قال: "والذي نفسي بيده إنكم لأحب الناس إليَّ" كررها ثلاثًا (١)، وما أَكْثَرَ ما قال الرسول ﷺ : "والذي نفسي بيده" (٢) و: "والذي نفس محمد بيده" (٣) و: "والله"، فقد تواتَرَت الأدلة بنقل القَسَم بالله عن رسول الله ﷺ ، ومَن يدَّعي غير ذلك فقوله باطل مردودٌ عليه. بل إن هناك جُملةً من الأحكام الفقهية يكون الحكم فيها مترتبًا على اليمين، كما أن هناك في اللغة العربية ما يحتاج لاستخدام أدوات القَسَم؛ لأن القَسَمَ من المؤكِّدات في الجملة الاسمية، فالأيمان مطلوبةٌ، وعندما يُقسِمُ المسلمُ بالله فإنَّ في ذلك تعظيمًا لله، بحيث يكون كأنه يُعطِي الطرفَ المقابلَ توثيقًا واطمئنانًا إلى ما يقول. لكن يجب على مَن يُقسِم بالله - كما ذَكَرْنَا - أن يكون صادقًا في يمينه بارًّا بها، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ [البقرة: ٢٢٤]. وقد أُثِرَ عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: "لأَنْ أَحْلِفَ بالله كاذبًا خيرٌ مِن أنْ أَحْلِفَ بغير الله صادقًا" (٤)، يعني: أن يَحلِفَ بالله وهو كاذبٌ - وحاشاه أن يَكذِبَ - خيرٌ مِن أن يَحلِفَ بغير الله صادقًا؛ فكيف يقالُ بأنه لا يُقسَمُ ولا يُحلَفُ بالله؟! قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 4848

(الفَصْلُ الثَّانِي فِي مَعْرِفَةِ الأَيْمَانِ اللَّغْوِيَّةِ (١) وَالمُنْعَقِدَةِ (٢) وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّ الأَيْمَانَ مِنْهَا لَغْوٌ، وَمِنْهَا مُنْعَقِدَةٌ؛ لِقَوْلِهِ

стр. 4849

تَعَالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]). فالأيمان - كما ذَكَرْنَا - إما أيمانٌ لغويَّةٌ وهي التي لا يعقد الحالف قلبه عليها، وإنما تَرِدُ دارجةً على لسانه أثناء حديثه؛ فهذه تأخذ مسمى الأيمان لكن لا ينبني عليها حُكْمٌ، وهي التي أشار الله إليها بقوله: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. وإما أيمانٌ غير لغوية، وهي المقصودة بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]؛ فهي منعقدةٌ بمعنى أن القلب قد انعقد عليها، وحَدَثَ عزمٌ إما على فعلٍ أو على تركٍ، كأن يقول الحالف: (والله لأفعلن كذا، أو لأصومن شهرًا، أو لأجتنبن كذا) بصيغة تدل على المستقبَل، فهذه يمينٌ مشروعةٌ، إن بَرَّ بها ينتهي الأمر عند ذلك، وإن حَنَثَ فيها لَزِمَتْهُ كفارةُ الحنث بيمينه. أما النوع الخطير من الأيمان فهي أن يَحلِف كاذبًا على شيءٍ قد مَضَى وهو عالمٌ؛ لِيَخدَع الناس أو لِيُقِيمَ شهادةَ زُورٍ أو لِيَستَوْلِيَ على حقِّ أخيه المُسلِمِ من غير حقٍّ، فقد جاء في الحديث: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ" (١)، وما أَشَدَّهَا مِن عقوبةٍ، فكل المؤمنين في هذه الحياة الدنيا إنما يَسعَون لِيَلقَوا ربَّهم وهو راضٍ عنهم، كما قال سبحانه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، هذه هي السعادة، وهذا هو الكسب الذي يسعى الإنسان إلى الوصول إليه.

стр. 4850

قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا هِيَ اللَّغْوُ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢) إِلَى أَنَّهَا اليَمِينُ عَلَى الشَّيْءِ؛ يَظُنُّ الرَّجُلُ أَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْه، فَيَخْرُجُ الشَّيْءُ عَلَى خِلَافِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ). اللغو له صورتان: إحداهما: أن يقول الإنسان أثناء حديثه عرضًا دون أن يعقد القلب على ذلك: (والله لأفعلن كذا، أو لأفعلن كذا). والثانية: أن يحلف على شيءٍ يظن أنه واقعٌ ثم يتبين أنه غير موجودٍ؛ فهذا يُلحِقُه العلماءُ بلفظ اليمين؛ لعدم حصول المحلوف عليه؛ فهذا كله لا كفارة فيه، مع أن القسم الآخر فيه خلافٌ عند العلماء، فبعضهم يرى فيه كفارةً كما هو الحال في روايةٍ عند الشافعية والحنابلة. قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): لَغْوُ اليَمِينِ مَا لَمْ تَنْعَقِدْ عَلَيْهِ النِّيَّة، مِثْلَ مَا جَرَتْ بِهِ العَادَةُ مِنْ قَوْلِ الرَّجُلِ فِي أَثْنَاءِ المُخَاطَبَةِ: لَا وَاللَّهِ، لَا بِاللَّهِ، مِمَّا يَجْرِي عَلَى الأَلْسِنَةِ بِالعَادَةِ). وهذه هي الصورة الأُولى التي ذكرناها، والحنابلة (٤) يقولون بالصورة السابقة، وكلها داخلةٌ ضمن لغو اليمين. قوله: (مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَقِدَ لُزُومَه، وَهَذَا القَوْلُ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي "المُوَطَّأِ" عَنْ عَائِشَةَ) (٥).

стр. 4851

فهناك ألفاظٌ تجري على لسان الإنسان من باب العادة ليس إلا، كقول الرسول: "تربت يداك" (١)، "ثكلتك أمك" (٢)، فالرسول لا يريد أن تَثكَلَهُ أُمُّهُ حقيقةً، وإنما هذا شيءٌ دَرَجَ على ألسنة العرب (٣). وبهذا نتبين الفرق في القول بين أن يكون مقصودًا أو غير مقصودٍ، ولذلك فإن الإنسان إذا نَطَقَ بكلمة الكُفر مُجبَرًا وكان قلبه مستقرًّا بالإيمان؛ فلا يؤثر قوله هذا على إيمانه لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] (٤)، لكنه يخرج من الإسلام لا شك إذا كان قلبه منعقدًا على ما تَلَفَّظَ به من الكفر. قوله: (وَالقَوْلُ الأَوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أَبِي الحَسَنِ). هو الحسنُ البصريُّ الإمامُ التابعيُّ المعروفُ. قوله: (وَقَتَادَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ) (٥). وهؤلاء جميعًا من التابعين.

стр. 4852

قوله: (وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ وَهُوَ غَضْبَان، وَبِهِ قَالَ إِسْمَاعِيلُ القَاضِي مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ) (١). وحكم الغضبان: محل خلافٍ بين أهل العلم من حيث إنه مكلَّفٌ أثناء غَضَبِهِ أو غيرُ مكلَّفٍ. فبعض العلماء: يراه مُكلَّفًا يَقَعُ طلاقُه حين غضبه، ويترتب على قَسَمِهِ من الحقوق ما يترتب على قسمه في غير وقت الغضب. وبعضهم: يُلحِقُهُ بغير المُكلَّفِ فلا يُوقِعُ طلاقه ولا يُرتِّبُ عليه من الأحكام في القَسَمِ ما يترتب في غير وقت غضبه (٢). قوله: (وَفِيهِ قَوْلٌ رَابعٌ: وَهُوَ الحَلِفُ عَلَى المَعْصِيَةِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (٣)، وَفِيهِ قَوْلٌ خَامِسٌ وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ عَلَى ألَّا يَأْكُلَ شَيْئًا مُبَاحًا لَهُ بِالشَّرْعِ) (٤). كَأَنْ يُقسِم على ألَّا يَأكُلَ اللَّحمَ أو الفاكهةَ ونحو ذلك، وهذا من الأُمور التي لا ينبغي للمسلم أن يفعلها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ

стр. 4853

آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ [المائدة: ٨٧]، ومَن فَعَلَ ذلك فعليه أن يُكَفِّرَ عن يمينه. والرسول ﷺ قد أَنكَرَ على أولئك الذين قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا أَتَزَوَّج، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُصَلِّي وَلَا أَنَام، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَصُومُ وَلَا أُفْطِر، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِر، وَأُصَلِّي وَأَنَام، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" (١)؛ لأن هذا الدِّين ما جاء بالتشديد على الناس، وإنما هو دين اليُسرِ. قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ: هُوَ الاشْتِرَاكُ الَّذِي فِي اسْمِ اللَّغْوِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّغْوَ قَدْ يَكُونُ الكَلَامَ البَاطِلَ مِثْلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]). والآية التي ذكرها المؤلف تتحدث عن موقف أهل الكفر من القرآن، قال تعالى حكايةً عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)﴾ [فصلت: ٢٦]؛ فإنهم كانوا يريدون ألا يستمعوا إليه، بل إنهم كانوا يضعون أصابعهم في آذانهم حتى لا يؤثر في قلوبهم أو يَنفُذ إليها فيتسبب في إيمانهم، إلى جانب ما كانوا يرجونه من الغلبة في نهاية الأمر، وحاشاهم أن يغلبوا الحق، فقد قال سبحانه: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء: ٨١]، ومعلومٌ أن الكفار إنما

стр. 4854

بَهَرَتْهُمْ (١) بلاغةُ القرآن وفصاحتُه وما فيه من المعاني، وعَلِمُوا في قرارة أنفسهم أن هذا الكلام لا يمكن أن يكون من كلام البشر، حتى قال عنه المغيرة: "والله إنَّ له لحلاوةً، وإنَّ عليه لَطلاوةً، وإنَّ أعلاه لَمُثمِرٌ، وإنَّ أسفله لَمُغدِقٌ، وإنه يَعلُو ولا يُعلَى عليه" (٢)، وهذا حق؛ لأنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وقد تحداهم الله أن يأتوا بمثله فعجزوا، ثم بعشر سُوَرٍ، ثم بسورة، ثم بآية من مثله، فلم يستطيعوا أن يأتوا بشيءٍ من هذا، وعلموا علم اليقين أن هذا كلام الله تعالى وأن هذا الدِّين حقٌّ، لكن كِبرهم وغرورهم قد مَنَعَهُمْ أن يؤمنوا به. قوله: (وَقَدْ يَكُونُ الكَلَامَ الَّذِي لَا تَنْعَقِدُ عَلَيْهِ نِيَّةُ المُتَكَلِّمِ بِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّغْوَ فِي الآيَةِ هُوَ هَذَا، أَنَّ هَذِهِ اليَمِينَ هِيَ ضِدُّ اليَمِينِ المُنْعَقِدَةِ وَهِيَ المُؤَكَّدَة، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الحُكْمُ المُضَادُّ لِلشَّيْءِ المُضَادِّ، وَالَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ اللَّغْوَ هُوَ الحَلِفُ فِي إِغْلَاقٍ، أَوِ الحَلِفُ عَلَى مَا لَا يُوجِبُ الشَّرْعُ فِيهِ شَيْئًا بِحَسَبِ مَا يَعْتَقِدُ فِي ذَلِكَ قَوْمٌ؛ فَإِنَّمَا ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ اللَّغْوَ هَاهُنَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى عُرْفِيٍّ فِي الشَّرْعِ، وَهِيَ الأَيْمَانُ الَّتِي بَيَّنَ الشَّرْعُ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ سُقُوطَ حُكْمِهَا مِثْلَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ: "لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ" (٣)، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ). والصحيح في ذلك - كما قلنا - أن لغو اليمين على صورتين: - الأولى: أن يقول الإنسان في أثناء كلامه: (لا والله)، أو: (بلى والله)، ونحو ذلك مما يَدرُج على لسانه دون عَقْدِ القلب عليه.

стр. 4855

- الثانية: أن يَحلِفَ على شيءٍ يَظُنُّ أنه قد وقع، ثم يتبين عدم وقوعه حقيقةً. قوله: (لَكِنَّ الأَظْهَرَ هُمَا القَوْلَانِ الأَوَّلَانِ: أَعْنِي قَوْلَ مَالِكٍ (١) وَالشَّافِعِيِّ (٢)). وجمهور العلماء: أن لغو اليمين لا كفارة فيه (٣) - ولا حتى في صورته الثانية، التي يحلف الإنسان فيها على شيءٍ يَظُنُّ وُقوعَهُ - لكن نُقِلَ عن إبراهيمَ النخعيِّ أنَّ فيه كفارةً، (٤) وهي كذلك روايةٌ عند الشافعي (٥)، وأحمد (٦).

стр. 4856

قال المصنف رحمه الله تعالى: (والفَصْلُ والثَّالِثُ فِي مَعْرِفَةِ الأَيْمَانِ الَّتِي تَرْفَعُهَا الكَفَّارَةُ وَالَّتِي لا تَرْفَعُهَا وَهَذَا الفَصْلُ أَرْبَعُ مَسَائِلَ، المَسْأَلَةُ الأُولَى: اخْتَلَفُوا فِي الأَيْمَانِ بِاللَّهِ المُنْعَقِدَةِ، هَلْ يَرْفَعُ جَمِيعَهَا الكَفَّارَة، سَوَاءٌ أَكَانَ حَلِفًا عَلَى شَيْءٍ مَاضٍ أَنَّهُ كَانَ فَلَمْ يَكُنْ، وَهِيَ الَّتِي تُعْرَفُ بِاليَمِينِ الغَمُوسِ، وَذَلِكَ إِذَا تَعَمَّدَ الكَذِبَ؛ أَوْ عَلَى شَيْءٍ مُسْتَقْبَلٍ أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ قِبَلِ الحَالِفِ، أَوْ مِنْ قِبَلِ مَنْ هُوَ بِسَبَبِهِ فَلَمْ يَكُنْ). ويأتي الحديث هنا عن الأيمان المنعقدة، بعد أن انتهينا من الكلام عن لغو اليمين. ويبيِّن المؤلف هاهنا اختلاف العلماء في اليمين المنعقدة بحالتيها - سواء الحلف على الماضي (وهي اليمين الغموس) أو المستقبل -، واختلاف العلماء فيما إذا كانت الكفارة ترفع هذه الأيمان جميعًا أم لا. قوله: (فَقَالَ الجُمْهُورُ: لَيْسَ فِي اليَمِينِ الغَمُوسِ كفَّارَةٌ، وَإِنَّمَا

стр. 4857

الكَفَّارَةُ فِي الأَيْمَانِ الَّتِي تَكُونُ فِي المُسْتَقْبَلِ إِذَا خَالَفَ اليَمِينَ الحَالِف، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْلِ: مَالِكٌ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (٣)). فهذه اليمين الغموس، التي يحلف فيها الإنسان على أمر قد مضى، وهو يعلم أنه كاذب فيما حلف عليه. فجمهور العلماء على أن الكفارة لا ترفع هذه اليمين، وهذا قد نُقِلَ عن عبد الله بن مسعود وغيره من الصحابة، وأثر عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "كنا لا نرى في اليمين الغموس كفارة" (٤)؛ وذلك لأن الكفارةَ لا تَرفَعُ الإثمَ الموجودَ فيها، ولأنها كذلك قد يَذهَبُ بها حقُّ مُسلِمٍ.

стр. 4858

وإنما كَفَّارَتُهَا تكون بالتوبة إلى الله ، وبإرجاع الحق المغصوب بهذه اليمين إلى أصحابه، والعدول عن هذا الأمر. قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ (١): يَجِبُ فِيهَا الكَفَّارَةُ؛ أَيْ: تُسْقِطُ الكَفَّارَةُ الإِثْمَ فِيهَا كَمَا تُسْقِطُهُ فِي غَيْرِ الغَمُوسِ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ عُمُومِ الكِتَابِ لِلْأَثَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٨٩]، تُوجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي اليَمِينِ الغَمُوسِ كفَارَّةٌ؛ لكَوْنِهَا مِنَ الأَيْمَانِ المُنْعَقِدَةِ. وَقَوْلَهُ ﵊: "مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ، وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ" (٢)، يُوجِبُ أَنَّ اليَمِينَ الغَمُوسَ لَيْسَ فِيهَا كَفَارَةٌ). والتعارض الذي أَوْرَدَهُ المؤلف هاهنا تعارضٌ مُتوَهَّمٌ ليس بحقيقيٍّ؛ فالجمهور لا يُسَلِّمُ بأن اليمين الغموس يمينٌ منعقدةٌ، وإنما يَرَوْنَهَا يمينًا باطلةً كاذبةً مفتراةً، لا يُعتَدُّ بها، وإنما يعود وِزرُها وإثمها على صاحبها.

стр. 4859

والرسول ﷺ لَمَّا ذَكَرَ الكبائرَ ذَكَرَ منها اليمينَ الغموسَ، وأَطْلَقَ ذلك في هذا الدليل وفي أدلة أُخرى أيضًا. قوله: (وَلَكِنْ لِلشَّافِعِيِّ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنَ الأَيْمَانِ الغَمُوسِ مَا لَا يُقْتَطَعُ بِهَا حَقُّ الغَيْرِ، وَهُوَ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ). وهذا التفصيل الذي يَسُوقُه المؤلف لِيُقَوِّيَ به قول الشافعية في المسألة إنما هو تفصيلٌ ضعيفٌ، وقول الجمهور أرسخ في هذا الباب، والأدلة تشهد له وتغنينا عن هذا التفصيل؛ فالنص الذي يُورِدُهُ المؤلف هاهنا لا يتعدى أن يكون مثالًا واحدًا من أمثلة اليمين الغموس، لكنه ليس كل شيء في المسألة، فَعِظَمُ جُرْمِ اليمين الغموس ينبني على ما فيها مِن قَصْدِ الكَذِب؛ فاليمين الغموس تقوم على الكذب والافتراء، بينما الله يقول: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ [القلم: ١٠، ١١]؛ فالحَلَّافُ هنا صيغةُ مُبالَغةٍ؛ أي: لا تُطِعِ الذي يُفرِّطُ في الأيمان ويَكذِبُ فيها. قوله: (أَوْ يَقُولَ: إِنَّ الأَيْمَانَ الَّتِي يُقْتَطَعُ بِهَا حَقُّ الغَيْرِ قَدْ جَمَعَتِ الظُّلْمَ وَالحِنْثَ، فَوَجَبَ أَلَّا تَكُونَ الكَفَّارَةُ تَهْدِمُ الأَمْرَيْنِ جَمِيعًا، أَوْ لَيْسَ يُمْكِنُ فِيهَا أَنْ تَهْدِمَ الحِنْثَ دُونَ الظُّلْمِ، لِأَنَّ رَفْعَ الحِنْثِ بِالكَفَّارَةِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ التَّوْبَةِ، وَلَيْسَ تَتَبَعَّضُ التَّوْبَةُ فِي الذَّنْبِ الوَاحِدِ بِعَيْنِهِ؛ فَإِنْ تَابَ وَرَدَّ المَظْلَمَةَ وَكَفَّرَ، سَقَطَ عَنْهُ جَمِيعُ الإِثْمِ). فالذي انتهى إليه المؤلِّف هاهنا أن التوبة النصوح هي التي تَرفَعُ هذا الأمر، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]؛ لأن هذا العمل إنما هو كبيرة من الكبائر، والله يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيةُ: وَاخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِيمَنْ قَالَ: أَنَا كَافِرٌ بِاللَّهِ، أَوْ مُشْرِكٌ بِاللَّهِ، أَوْ يَهُودِيٌّ، أَوْ نَصْرَانِيٌّ؛ إِنْ فَعَلْتُ كَذَا، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ؛ هَلْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أَمْ لَا؟).

стр. 4860

وهذه المسألة خطيرة وعظيمة، وإلى جانب ارتباطها بالجانب الفقهى فإن لها ارتباطًا كبيرًا بمسائل العقيدة. ومع الأسف أن هذا يحصل من كثيرٍ ممن ينتسبون إلى الإسلام نتيجة الجهل والحماقة، وربما يتأثرون فيه بفساد المجتمع، فربما يأتي أحدهم ويقول: (أنا كافر - أنا يهودي، أنا نصراني، أنا مجوسي، أنا على غير ملة الإسلام - إن فعلت كذا وكذا أو إن لم أفعل كذا وكذا)، والرسول ﷺ حذر من ذلك وقال: "من حلف بملة غير ملة الإسلام، فإن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن كان صادقًا فلا يرجع إلى الإسلام سالمًا" (١). ومن قال ذلك معتقدًا به فلا شك أنه يَخرُجُ من الإسلام، أما من قاله دون اعتقادٍ فيه فإن عليه أن يستغفر الله. هذا هو الجانب العقائدي المرتبط بالمسألة. أما الجانب الفقهي: فهو أنه هل عليه كفارة بسبب قوله هذا أم لا، وهذا ما سيأتي معنا. قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣): لَيْسَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ لَا وَلَا هَذِهِ يَمِينٌ).

стр. 4861

هذا هو القول الأول في المسألة، أن هذا القول ليس يمينًا، ولا تترتب عليه كفارةٌ. قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١)، هِيَ يَمِينٌ وَعَلَيْهِ فِيهَا الكَفَّارَةُ إِذَا خَالَفَ اليَمِينَ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ (٢) أَيْضًا). وهذا هو القول الثاني: أن هذا يمينٌ يستوجب الكفارة. وهذا القول مبنيٌّ على أن العلماء يُعطُونَ الشَّرطَ وجزاءَهُ حُكْمَ القَسَمِ، لأن قائل هذا الكلام إنما قَيَّدَهُ بِقَيْدِ الشرط حين قال: (إن فعلت كذا - أو: إن حصل كذا - فأنا كذا)، وإذا تَحَقَّقَ الجزاءُ تَرَتَّبَ عليه الحُكْمُ عند بعض العلماء. قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي هَلْ يَجُوزُ اليَمِينُ

стр. 4862

بِكُلِّ مَا لَهُ حُرْمَةٌ أَمْ لَيْسَ يَجُوزُ إِلَّا بِاللَّهِ فَقَطْ؟ ثُمَّ إِنْ وَقَعَتْ فَهَلْ تَنْعَقِدُ أَمْ لَا؟ فَمَنْ رَأَى أَنَّ الأَيْمَانَ المُنْعَقِدَةَ؛ أَعْنِي: الَّتِي هِيَ بِصِيَغِ القَسَمِ إِنَّمَا هِيَ الأَيْمَانُ الوَاقِعَةُ بِاللَّهِ وَبِأَسْمَائِهِ قَالَ: لَا كَفَّارَةَ فِيهَا إِذْ لَيْسَتْ بِيَمِينٍ. وَمَنْ رَأَى أَنَّ الأَيْمَانَ تَنْعَقِدُ بِكُلِّ مَا عَظَّمَ الشَّرْعُ حُرْمَتَهُ قَالَ: فِيهَا الكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّ الحَلِفَ بِالتَّعْظِيمِ كَالحَلِفِ بِتَرْكِ التَّعْظِيمِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ كمَا يَجِبُ التَّعْظِيمُ يَجِبُ ألَّا يُتْرَكَ التَّعْظِيم، فَكَمَا أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِوُجُوبِ حَقِّ اللَّهِ عَلَيْهِ لَزِمَه، كَذَلِكَ مَنْ حَلَفَ بِتَرْكِ وُجُوبِهِ لَزِمَهُ). وقد ذَكَرْنَا أنه لا يجوز للحالف أن يَحلِفَ إلا بالله، أما غير الله ؛ فلا يجوز لِمُسْلِمٍ أن يَحلِفَ به، حتى وإن كان ذلك مُعظَّمًا كالملائكة أو الكعبة أو الرسل. والفقهاء يذكرون هذه الأمثلة ويبحثونها لأنها تقع من بعض الناس حقيقةً؛ ولذلك يذكرونها ويبيِّنون خطورتها، وأنه لا ينبغي للمسلم الوقوع فيها، والمؤلف هنا لم يبحثها من الجانب العقدي، وإنما بَحَثَها من الناحية الفقهية؛ من حيث بيانُ ما إذا كان فيها كفارةٌ أم لا. قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَاتَّفَقَ الجُمْهُورُ (١) فِي الأَيْمَانِ الَّتِي

стр. 4863

لَيْسَتْ إِقْسَامًا بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا تَخْرُجُ مَخْرَجَ الإِلْزَامِ الوَاقِعِ بِشَرْطٍ مِنَ الشُّرُوطِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ القَائِلُ: فَإِنْ فَعَلْتُ كَذَا، فَعَلَيَّ مَشْيٌ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ). أي: الصِّيغ التي تأتي على طريقة فعل الشرط وجوابه، كأن يقول القائل: (إن حدث كذا سأصوم، أو سأسير إلى بيت الله، أو سأحج)، فأكثر العلماء لا يرى الكفارة على مَن حلف بهذه الصيغ، ومنهم من يرى الكفارة فيها. قوله: (أَوْ إِنْ فَعَلْتُ كذَا وَكذَا، فَغُلَامِي حُرٌّ، أَوِ امْرَأَتِي طَالِقٌ). والحديث فيما يتعلَّق بالعتاق والطلاق من المسائل الشائكة والدقيقة جدًّا، فالرسول ﷺ يقول: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: الطلاق والعتاق والرجعة" (١). فالحلف بالطلاق يختلف العلماء في تصنيفه، فبعضهم يدخله في أبواب الأيمان، وبعضهم يعده طلاقًا صريحًا. وكذلك الحلف بالعتاق، فلو أن إنسانًا قال: (إن فعلت كذا

стр. 4864

فعبيدي أحرار) أو نحو ذلك، فمن العلماء من يرى أن ذلك يقع عتقًا صريحًا (١). فهذه المسائل ينبغي للمسلم أن يتجنبها، وألَّا يَدفَعَهُ الغضب إلى الوقوع في شيءٍ منها. قوله: (أَنَّهَا تَلْزَمُ فِي القُرَبِ). والقُرَبُ: هي الطاعات؛ أي: ما يتقرب به العبد إلى ربه .

стр. 4865

ومعنى هذا: أن هذه الأيمان تلزم في أبواب الطاعات، كالحج والجهاد ومثل ذلك، أما المعاصي فلا تلزم فيها. فبعض العلماء يُدخِل هذا في أحكام النذور، وهناك شبه وتداخل بين النذر والأيمان في بعض الأحكام؛ ولذلك نجد أكثر الفقهاء يُصَنِّفُون كتابًا واحدًا يشمل البابين، فيقولون: [كتاب الأيمان والنذور]، لكن المؤلِّف فَصَلَ بينهما هاهنا؛ حيث بدأ أولًا بالأيمان، ثم انتقل بعد ذلك إلى النذور. قوله: (وَفِيمَا إِذَا التَزَمَهُ الإِنْسَانُ لَزِمَهُ بِالشَّرْعِ، مِثْلَ الطَّلَاقِ وَالعِتْقِ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ فِيهَا كفَّارَة أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ (١) إِلَى أَنْ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا، وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ أَثِمَ وَلَا بُدَّ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَحْمَدُ (٣)، وَأَبُو عُبَيْدٍ (٤) وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّ هَذَا الجِنْسَ مِنَ الأَيْمَانِ فِيهَا الكَفَّارَةُ إِلَّا الطَّلَاقَ وَالعِتْقَ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ (٥): يُكَفِّرُ مَنْ حَلَفَ بِالعِتْقِ. وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ مَرْوِيٌّ عَنْ عَائِشَةَ (٦). وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ هِيَ يَمِينٌ أَوْ نَذْرٌ؟). وقد بَيَّنَ المؤلف هاهنا سبب اختلافهم في المسألة، فبعضهم بنى المسألة على أنها يمينٌ، وبعضهم بناها على أنها نذرٌ.

стр. 4866

واليمين لها حروفٌ أصليةٌ معروفةٌ - كما قلنا - كالواو والباء والتاء، وحروفٌ أُخرى تنوب عنها، وبعض هذه الحروف مُستَعمَل أكثر من غيره. قوله: (فَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا يَمِينٌ أَوْجَبَ فِيهَا الكَفَّارَةَ، لِدُخُولِهَا تَحْتَ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٨٩]، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا مَنْ جِنْسِ النَّذْرِ؛ أَيْ: مِنْ جِنْسِ الأَشْيَاءِ الَّتِي نَصَّ الشَّرْعُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا الْتَزَمَهَا الإِنْسَانُ لَزِمَتْه، قَالَ: لَا كفَّارَةَ فِيهَا، لَكِنْ يَعْسُرُ هَذَا عَلَى المَالِكِيَّةِ لِتَسميَتِهِمْ إِيَّاهَا أَيْمَانًا، لَكِنْ لَعَلَهُمْ إِنَمَا سَمَّوْهَا أَيْمَانًا عَلَى طَرِيقِ التَّجَوُّزِ وَالتَّوَسُّعِ، وَالحَقُّ أَنَّهُ لَيْسَ يَجِبُ أَنْ تُسَمَّى بِحَسَبِ الدَّلَالَةِ اللُّغَوِيَّةِ أَيْمَانًا؛ فَإِنَّ الأَيْمَانَ فِي لُغَةِ العَرَبِ لَهَا صِيَغٌ مَخْصُوصَةٌ، وَإِنَّمَا يَقَعُ اليَمِينُ بِالأَشْيَاءِ الَّتِي تُعَظَّم، وَلَيْسَتْ صِيغَةُ الشَّرْطِ هِيَ صِيغَةَ اليَمِينِ، فَأَمَّا هَلْ تُسَمَّى أَيْمَانًا بِالعُرْفِ الشَّرْعِيِّ؟ وَهَلْ حُكْمُهَا حُكْمُ الأَيْمَانِ؟ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: "كفَّارَةُ النَّذْرِ كفَّارَةُ يَمِينٍ" (١)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحويم: ١، ٢]). وفي هذا الموقف أيضًا من المؤلف نراه ينقد قول المالكية رغم انتسابه لمذهبهم، وهو الأمر المحمود الذي نَبَّهْنَا إليه سابقًا، وأَشَرْنَا إلى أنه السبيل الذي ينبغي لطالب العلم أن يسلكه سعيًا وراء الدليل واتباعه. أما قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، فيعني أن الله قد شَرَعَ لكم كيفية التحلل من أيمانكم بالكفارة. قوله: (فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ قَدْ سُمِّيَ بِالشَّرْعِ القَوْلُ الَّذِي مَخْرَجُهُ

стр. 4867

مَخْرَجَ الشَّرْطِ، أَوْ مَخْرَجَ الإِلْزَامِ دُونَ شَرْطٍ وَلَا يَمِينٍ، فَيَجِبُ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعُ الأَقَاوِيلِ الَّتِي تَجْرِي هَذَا المَجْرَى، إِلَّا مَا خَصَّصَهُ الإِجْمَاعُ مِنْ ذَلِكَ مِثْلَ الطَّلَاقِ، فظَاهِرُ الحَدِيثِ يُعْطِي أَنَّ النَّذْرَ لَيْسَ بِيَمِينٍ، وَأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ اليَمِينِ، وَذَهَبَ دَاوُدُ (١)، وَأَهْلُ الظَّاهِر (٢) إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ يَلْزَمُ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الأَقَاوِيلِ أَعْنِي الخَارِجَةَ مَخْرَجَ الشَّرْطِ إِلَّا مَا أَلْزَمَهُ الإِجْمَاعُ مِنْ ذَلِكَ، وَذَلكَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنُذُورٍ، فَيَلْزَمُ فِيهَا النَّذْر، وَلَا بِأَيْمَانٍ فَتَرْفَعُهَا الكَفَّارَة، فَلَمْ يُوجِبُوا عَلَى مَنْ قَالَ: إِنْ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَعَلَيَّ المَشْيُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ مَشْيًا، وَلَا كَفَّارَةً، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: عَلَيَّ المَشْيُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ هَذَا نَذْرٌ بِاتِّفَاقٍ، وَقَدْ قَالَ ﵊: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْه، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ" (٣)؛ فَسَبَبُ هَذَا الخِلَافِ فِي هَذِهِ الأَقَاوِيلِ الَّتِي تَخْرُجُ مَخْرَجَ الشَّرْطِ هُوَ: هَلْ هِيَ أَيْمَانٌ أَوْ نُذُوزٌ؟ أَوْ لَيْسَتْ أَيْمَانًا وَلَا نُذُورًا؟ فَتَأَمَّلْ هَذَا، فَإِنَّهُ بَيِّنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى). قوله ﷺ : "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ": هذا أَمْرٌ. "وَمَنْ نَذَرَ أَنْ

стр. 4868

يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ": هذا لأن معصية اللّه مُحَرَّمَةٌ، لا يجوز الوفاء بها حتى ولو نَذَرَهَا الإنسان. وأكثر العلماء (١) يرون أن من ترك الوفاء بنذر المعصية عليه أن يُكَفِّرَ عن نذره، وبعضهم لا يرى ذلك (٢). وقد بَيَّنَ المؤلِّف هاهنا سبب الخلاف، وأنه ينبني على هذه الأقاويل

стр. 4869

التي تأتي بصيغة الشَّرْطِ، هل تُعَدُّ من الأيمان أم من النذور، أم أنها ليست من هذا ولا ذاك. * قوله: (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِ القَائِلِ: أُقْسِمُ أَوْ أَشْهَدُ أَنْ كَانَ كَذَا وَكَذَا، هَلْ هُوَ يَمِين أَمْ لَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَقِيلَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَي الشَّافِعِيِّ (١). وَقِيلَ: إِنَّهَا أَيْمَانٌ ضِدَّ القَوْلِ الأَوَّلِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢). وَقِيلَ: إِنْ أَرَادَ اللَّهَ بِهَا، فَهُوَ يَمِينٌ، وَإِنْ لَمْ يُرِدِ اللَّهَ بِهَا، فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ) (٣). وفي هذه المسألة يبين لنا المؤلِّف اختلاف العلماء في الفرق بين أن يأتي لفظ القَسَمِ مجردًا كقول الإنسان: (أشهد أن كذا قد حدث، أُقْسِمُ أن أفعل كذا)، وبين أن يأتي اللفظ مضافًا إلى اللّه أو إلى اسم من أسمائه أو صفة من صفاته ، كقوله: (أقسم بالله، أُشْهِدُ اللهَ، أَحلِفُ بالله، أُعَاهِدُ اللهَ، وَأَمَانَةِ اللهِ).

стр. 4870

فالعلماء في مجيء اللفظ مجردًا دون الإضافة لله على أقوال. فالشافعي (١) في أحد قوليه: يرى أن هذه ليست بأيمانٍ. وأبو حنيفة: يراها أيمانًا. والمالكية: على الرجوع إلى مقصد قائلها؛ فإن أراد بها الله صارت يمينًا، وإن لم يرد الله بها لم تكن من الأيمان. أما الإمام أحمد (٢): فعلى أنه إن نوى بها اليمين صارت يمينًا، وإن لم يَنْوِ بها اليمين فعلى قولين في المذهب: - أحدهما: أن عليه كفارةً. - والآخر: أن لا كفارة عليه. > قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ: هَلِ المُرَاعَى اعْتِبَارُ صِيغَةِ اللَّفْظِ، أَوِ اعْتِبَارُ مَفْهُومِهِ بِالعَادَةِ، أَوِ اعْتِبَارُ النِّيَّةَ؟). فالإنسان حينما يقول: (أُقْسِمْ) مجردةً هكذا، فهل يُرجَع في هذا إلى
следующие страницы →