يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ": هذا لأن معصية اللّه مُحَرَّمَةٌ، لا يجوز الوفاء بها حتى ولو نَذَرَهَا الإنسان.
وأكثر العلماء (١) يرون أن من ترك الوفاء بنذر المعصية عليه أن يُكَفِّرَ عن نذره، وبعضهم لا يرى ذلك (٢).
وقد بَيَّنَ المؤلِّف هاهنا سبب الخلاف، وأنه ينبني على هذه الأقاويل
стр. 4869
التي تأتي بصيغة الشَّرْطِ، هل تُعَدُّ من الأيمان أم من النذور، أم أنها ليست من هذا ولا ذاك.
* قوله: (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِ القَائِلِ: أُقْسِمُ أَوْ أَشْهَدُ أَنْ كَانَ كَذَا وَكَذَا، هَلْ هُوَ يَمِين أَمْ لَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَقِيلَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَي الشَّافِعِيِّ (١). وَقِيلَ: إِنَّهَا أَيْمَانٌ ضِدَّ القَوْلِ الأَوَّلِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢). وَقِيلَ: إِنْ أَرَادَ اللَّهَ بِهَا، فَهُوَ يَمِينٌ، وَإِنْ لَمْ يُرِدِ اللَّهَ بِهَا، فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ) (٣).
وفي هذه المسألة يبين لنا المؤلِّف اختلاف العلماء في الفرق بين أن يأتي لفظ القَسَمِ مجردًا كقول الإنسان: (أشهد أن كذا قد حدث، أُقْسِمُ أن أفعل كذا)، وبين أن يأتي اللفظ مضافًا إلى اللّه أو إلى اسم من أسمائه أو صفة من صفاته ، كقوله: (أقسم بالله، أُشْهِدُ اللهَ، أَحلِفُ بالله، أُعَاهِدُ اللهَ، وَأَمَانَةِ اللهِ).
стр. 4870
فالعلماء في مجيء اللفظ مجردًا دون الإضافة لله على أقوال.
فالشافعي (١) في أحد قوليه: يرى أن هذه ليست بأيمانٍ.
وأبو حنيفة: يراها أيمانًا.
والمالكية: على الرجوع إلى مقصد قائلها؛ فإن أراد بها الله صارت يمينًا، وإن لم يرد الله بها لم تكن من الأيمان.
أما الإمام أحمد (٢): فعلى أنه إن نوى بها اليمين صارت يمينًا، وإن لم يَنْوِ بها اليمين فعلى قولين في المذهب:
- أحدهما: أن عليه كفارةً.
- والآخر: أن لا كفارة عليه.
> قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ: هَلِ المُرَاعَى اعْتِبَارُ صِيغَةِ اللَّفْظِ، أَوِ اعْتِبَارُ مَفْهُومِهِ بِالعَادَةِ، أَوِ اعْتِبَارُ النِّيَّةَ؟).
فالإنسان حينما يقول: (أُقْسِمْ) مجردةً هكذا، فهل يُرجَع في هذا إلى
стр. 4871
نيته، أم يعتبر هذا منه قَسمًا على إطلاقه، فمن هنا جاء اختلاف العلماء الذي فَصَّلْنَا فيه القول.
> قوله: (فَمَنِ اعْتَبَرَ صِيغَةَ اللَّفْظِ قَالَ: لَيْسَتْ بِيَمِينٍ، إِذْ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ نُطْق بِمَقْسُومٍ بِهِ).
والمقسوم به: هو الله، فمن اعتبر صيغة اللفظ بنى هذا على أن القائل ذكر اللفظة مُجَرَّدَةً حين قال: (أُقْسِمُ)، دون أن يضيفها إلى الله ، فَانْبَنَى على هذا حُكْمُهُ في المسألة بأنها ليست من الأيمان.
> قوله: (وَمَنِ اعْتَبَرَ صِيغَةَ اللَّفْظِ بِالعَادَةِ، قَالَ: هِيَ يَمِينٌ، وَفِي اللَّفْظِ مَحْذُوفٌ وَلَا بُدَّ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى).
أي: أن الذي اعتَبَرَ العادة رَأَى أن العادة جاريةٌ بأن القَسَمَ والحَلِفَ إنما يكون بالله، ورأى أن عدم التصريح بإضافتها لله لا يُخرِجُها عن الأيمان، على اعتبار حذف المضاف إليه من السياق، فَحَكَمَ على المسألة بأنها تندرج تحت الأيمان.
> قوله: (وَمَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ هَذَيْنِ الأَمْرَيْنِ، وَاعْتَبَرَ النِّيَّةَ، إِذْ كانَ اللَّفْظُ صَالِحًا لِلْأَمْرَيْنِ، فَرَّقَ فِي ذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ).
والرجوع إلى نِيَّةِ الإنسان في هذا أمرٌ طَيِّبٌ؛ فإن كان يَقصِد القَسَمَ صار قَسَمًا، وإن لم يَقصِد القَسَمَ فلا.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ
وَهَذِهِ الجُمْلَةُ تَنْقَسِمُ أَوَّلًا قِسْمَيْنِ:
القِسْمُ الأَوَّلُ: النَّظَرُ فِي الاسْتِثْنَاءِ.
стр. 4872
القِسْمُ الثَّانِي: النَّظَرُ فِي الكَفَّارَاتِ).
ذكر المؤلف هنا مسألتين من المسائل المتعلقة باليمين؛ الأُولى: في الاستثناء. والثانية: في الكفارات.
(القِسْمُ الأَوَّلُ
وَفِي هَذَا القِسْمِ فَصْلَانِ؛ الفَصْلُ الأَوَّلُ: فِي شُرُوطِ الاسْتِثْنَاءِ المُؤَثِّرِ فِي اليَمِينِ. الفَصْلُ الثَّانِي: فِي تَعْرِيفِ الأَيْمَانِ الَّتِي يُؤَثِّرُ فِيهَا الاسْتِثْنَاءُ مِنَ الَّتِي لَا يُؤَثِّرُ).
لأهل العلم كلام مشهور في الاستثناء في اليمين، وشروطه، وهل هو مؤثر في كل يمين أم لا؟ وحكم الفصل بينه وبين ما استثني منه، إلى غير ذلك من المسائل المتعلقة بهذا الباب (١).
وبدأ المؤلف ﵀ في الكلام عن شروط الاستثناء المؤثرة في اليمين.
(الفَصْلُ الأَوَّلُ: فِي شُرُوطِ الاسْتِثْنَاءِ المُؤَثِّرِ فِي اليَمِينِ
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ بِالجُمْلَةِ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي حَلِّ الأَيْمَانِ (٢)، وَاخْتَلَفُوا فِي شُرُوطِ الاسْتِثْنَاءِ الَّذِي يَجِبُ لَهُ هَذَا الحُكْمُ بَعْدَ أَنْ أَجْمَعُوا
стр. 4873
عَلَى أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ فِي الاسْتِثْنَاءِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: أَنْ يَكُونَ مُتَنَاسِقًا مَعَ اليَمِينِ، ومَلفُوظًا بِهِ، ومَقْصُودًا مِنْ أَوَّلِ اليَمِينِ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ مَعَهُ اليَمِينُ) (١).
اعلم أن إجماع العلماء على أن الاستثناء مؤثر في حَل الأيمان، هذا من حيث الجملة لا من حيث التفصيل، وإلا فإن هناك مسائل قد حصل فيها الخلاف بين العلماء.
واشترط العلماء لصحة الاستثناء في اليمين ثلاثة شروط، وإن كان بعضهم يضيف إليها غيرها:
الشرط الأول: أن يكون متسقًا مع اليمين، أي: متصلًا به.
الشرط الثاني: أن يكون منطوقًا به لا مجرد أن يكون موجودًا في الذهن.
الشرط الثالث: أن يكون مقصودًا، أي: قَصَد عندما استثنى أن هذا المستثنى غير داخل في اليمين المستثنى منه.
> قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مَوَاضِعَ، أَعْنِي: إِذَا فَرَّقَ الاسْتِثْنَاءَ مِنَ اليَمِينِ، أَوْ نَوَاهُ وَلَمْ يَنْطِقْ بِهِ، أَوْ حَدَثَتْ لَهُ نِيَّةُ الاسْتِثْنَاءِ بَعْدَ اليَمِينِ، وَإِنْ أَتَى بِهِ مُتَنَاسِقًا مَعَ اليَمِينِ).
أما مسألة التفريق بين المستثنى والمستثنى منه فقد تحصل ضرورة،
стр. 4874
كأن يفرق بينهما لغصة أصابته، أو كحة طرأت عليه، وقد يفرق بينهما بكلام أجنبي لا علاقة له بيمينه، وقد اختلف العلماء في هذه المسائل على النحو الذي سيورده المؤلف (١).
> قوله: (فَأَمَّا المَسْأَلَةُ الأُولَى: وَهِيَ اشْتِرَاطُ اتِّصَالِهِ بِالقَسَمِ: فَإِنَّ قَوْمًا اشْتَرَطُوا ذَلِكَ فِيهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ (٢). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): لَا بَأْسَ بَيْنَهُمَا بِالسَّكْتَةِ الخَفِيفَةِ كَسَكْتَةِ الرَّجُلِ لِلتَّذَكُّرِ أَوْ لِلتَّنَفُّسِ أَوْ لانْقِطَاعِ الصَّوْتِ. وَقَالَ قَوْمٌ مِنَ التَّابِعِينَ (٤): يَجُوزُ لِلحَالِفِ الاسْتِثْنَاءُ مَا لَمْ يَقُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ، وَكانَ ابْنُ عَبَّاسٍ (٥) يَرَى أَنَّ لَهُ الاسْتِثْنَاءَ أَبَدًا عَلَى مَا ذَكَرَ مِنْهُ مَتَى مَا ذَكَرَ).
الأئمة الأربعة متفقون - من حيث الجملة - على أن الاستثناء لا بد أن يكون متصلًا بالقسم، لكن اختلفوا في تفاصيل ذلك، كأن يكون أصابته
стр. 4875
سعلة (١)، أو غصة (٢) في ريقه، أو عرض له عارض، أو انشغل بأمر يسير؛ فهل هذا يؤثر في الاستثناء أو لا؟
فاشترط المالكية الاتصال، لكن ما كان ضرورة فإنه لا يؤثر عندهم من حيث الجملة (٣).
وقال الشافعي: "لا بأس بالسكتة الخفيفة؛ كأن يحتاج إلى بلع ريقه، أو شىربة ماء، أو نحو ذلك من العوارض التي تحصل للإنسان (٤)، وبه قال بعض السلف، وأيضًا هو قولٌ في مذهب الإمام أحمد (٥).
وذهب ابن عباس ﵄ إلى أن له الاستثناء أبدًا، وإن انتهى كلامه، أو انشغل بغيره، أو خرج من مجلسه، فإن له أن يستثني (٦).
> قوله: (وَإِنَّمَا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلَى أَنَّ اسْتِثْنَاءَ مَشِيئَةِ اللَّهِ فِي الأَمْرِ
стр. 4876
المَحْلُوفِ عَلَى فِعْلِهِ إِنْ كَانَ فِعْلًا، أَوْ عَلَى تَرْكهِ إِنْ كَانَ تَرْكًا، رَافِعٌ لِليَمِينِ، لِأَنَّ الاسْتِثْنَاءَ هُوَ رَفْعٌ لِلُزُومٍ اليَمِينِ. قَالَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ المُنْذِرِ (١): ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلفَ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لَمْ يَحْنثْ" (٢).
يعني: لو إن إنسانًا حلف على فعل شيء، وقيده بقوله: (إن شاء الله) فله أن يفعل، وله ألا يفعل، فإن فعل فله الأجر والثواب، وإن لم يفعل فلا حنث عليه؛ لأن الاستثناء يرفع التزام المرء بما حلف عليه، وفي الحديث: "مَن حَلَفَ فقال: إن شاء الله، فقد استثنى" (٣)، وفي رواية: "مَن حَلَفَ فقال: إن شاء الله، لم يحنث"، هذا الحديث رواه أبو داود (٤)، والترمذي (٥)، والنسائي (٦)، وأحمد (٧)، والبيهقي (٨)، وغيرهم (٩)، وله روايات متعددة، منها: "مَن حَلَفَ بالله فقد استثنى، فإن شاء فَعَلَ، وإن شاء تَرَك" (١٠)، وفي بعضها: "إن شاء رَجَع، وإن شاء تَرَك" (١١)، والمقصود بالرجوع هنا: أن يرجع فيفعل الفعل، أو أن يترك.
стр. 4877
وأما الرواية التي ذكرها المؤلف: "مَن حَلَفَ فقال: إن شاء الله؛ لم يَحنث" (١)، فقد تكلم فيها أهلُ العلم من حيث أن فيها اختصارًا، واختلفوا هل هو من فِعل عبد الرزاق، أم مِن فعل مَعمر؟
> قوله: (وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا: هَل يُؤَثِّرُ فِي اليَمِينِ إِذَا لَمْ تُوصَل بِهَا أَوْ لَا يُؤَثِّرُ؟ لاخْتِلَافِهِمْ هَلِ الاسْتِثْنَاءُ حَالٌّ لِلانْعِقَادِ أَمْ هُوَ مَانِعٌ لَهُ؟ فَإِذَا قُلنَا: إِنَّهُ مَانِعٌ لِلانْعِقَادِ لَا حَالٌّ لَه، اشْتُرِطَ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِاليَمِينِ، وإذَا قُلنَا: إِنَّهُ حَالٌّ، لَمْ يَلزَمْ فِيهِ ذَلِكَ).
وهذا الاختلاف فرع عن اختلافهم في الاستثناء: هل هو حال للانعقاد، أو هو مانع له؟
وفرق بين الأمرين؛ لأن الحل يحصل بعد أن يقع اليمين، فيأتي الاستثناء رافعًا للحكم بخلاف المنع. وهذا أمر متفق عليه عند الأصوليين والفقهاء (٢).
فإن قلنا: إنه مانع للانعقاد فيشترط أن يكون متصلًا باليمين؛ لأنه إذا كان مانعًا فلا بد أن يكون المانع متصلًا بالمستثنى منه.
وإذا قلنا: إنه حال لم يلزم ذلك؛ لأن الاستثناء رافع للحكم ملغٍ له، فلو قال إنسان: لأتصدقن بمائة ريال إن شاء الله؛ فإنه يكون بالخيار" إن شاء تصدق، وإن شاء لم يتصدق، لأنه فِعل مرتبط بمشيئة الله.
ومثله ما جاء في قصة سليمان بن داود ﵉ أنه قال:
стр. 4878
"لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ، أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ - وفي رواية: سَبْعِين (١) - كُلُّهُنَّ تَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إِنْ شَاءَ اللَّه، فَلَمْ يَقُل: إِنْ شَاءَ اللَّه، فَلَمْ يَحْمِل مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّه، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ" (٢).
فأراد ﵇ أن يُولد له مائة ولد يجاهدون في سبيل الله، يدافعون عن الحق وينافحون (٣) عنه، لكنه نسى أن يربط ذلك بمشيئة الله، واللّه يقول: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]، فلا يحصل أمر إلا بإرادة الله ومشيئته، ولذلك ينبغي للمسلم دائمًا أن يربط أعماله بمشيئة الله .
> قوله: (وَالَّذِينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ حَالٌّ اخْتَلَفُوا: هَل هُوَ حَالٌّ بِالقُرْبِ أَوْ بِالبُعْدِ عَلَى مَا حَكَيْنَا، وَقَدِ احْتَجَّ مَنْ رَأَى أَنَّهُ حَالٌّ بِالقُرْبِ بِمَا رَوَاهُ سَعْدٌ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَاللَّهِ، لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ سَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ" (٤)، فَدَلَّ هَذَا أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ حَالٌّ لِليَمِينِ لَا مَانِع لَهَا مِنَ الانْعِقَادِ. قَالُوا: وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ حَالٌّ بِالقُرْبِ أَنَّهُ لَوْ كانَ حَالًّا بِالبُعْدِ عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ (٥)، لَكَانَ الاسْتِثْنَاءُ يُغْنِي عَنِ الكَفَّارَةِ، وَالَّذِي قَالُوهُ بَيِّنٌ).
معنى القرب أو البعد: أي: بمجرد أن يقسم يربط ذلك الاستثناء بالمستثنى منه، أي: يربط المشيئة بيمينه دون فصل بينهما.
стр. 4879
وسبق أن بعضهم يرى أن الفصل الاضطراري أو العارض لا يؤثر كما لو توقف نَفَسُ الحالف، أو سَعَل، أو حصل له عارض، أو نحو ذلك - فإنه في هذه الحالة لا يؤثر، وهذا مذهب الجمهور (١).
وأما المالكية؛ فليس الأمر كما ذكر المؤلف؛ لأن مذهبهم فيه تفصيل، لكن إن وجد عارض أجنبي فإن الشافعية والحنابلة - وهم ممن قالوا بجواز الاستثناء - على أنه يؤثر في الاستثناء ويقطعه، كما لو أقسم ثم دخل، في حديث أجنبي مع آخر (٢).
وفي رواية عند الحنابلة: أنه يستثني ما دام في مجلسه (٣).
وقد احتج مَن رأى أنه حالٌّ بالقرب بحديث عكرمة، وفيه أن النبي ﷺ قال: "والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا"، ثم سكت، ثم قال: "إن شاء الله" (٤)، ولم يغزو قريشًا، وهذا استثناء.
وقد كان النبي ﷺ يحلف أيمانًا متكررة في مواعظه وفي خُطَبه ومجالسه قاصدًا تأكيد ذلك الأمر وتحقيقه (٥).
> قوله: (وَأَمَّا اشْتِرَاطُ النُّطْقِ بِاللِّسَانِ، فَإِنَّهُ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ اشْتِرَاطِ اللَّفْظِ، أَيَّ لَفْظٍ كَانَ مِنْ أَلفَاظِ الاسْتِثْنَاءِ، وَسَوَاءٌ
стр. 4880
كَانَ بِأَلفَاظِ الاسْتِثْنَاءِ، أَوْ بِتَخْصِيصِ العُمُومِ، أَوْ بِتَقْيِيدِ المُطْلَقِ، هَذَا هُوَ المَشْهُورُ (١)، وَقِيلَ: إِنَّمَا يَنْفَعُ الاسْتِثْنَاءُ بِالنِّيَّةِ بِغَيْرِ لَفْظٍ فِي حَرْفِ "إِلَّا" فَقَطْ، أَيْ: بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ "إِلَّا"، وَلَيْسَ يَنْفَعُ ذَلِكَ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الحُرُوفِ (٢)، وَهَذِهِ التَّفْرِقَةُ ضَعِيفَةٌ، وَالسَّبَبُ فِي هَذَا الاخْتِلَافِ هُوَ: هَل تَلزَمُ العُقُودُ اللَّازِمَةُ بِالنِّيَّةِ فَقَطْ دُونَ اللَّفْظِ، أَوْ بِاللَّفْظِ وَالنِّيَّةِ مَعًا، مِثْلَ الطَّلَاقِ وَالعِتْقِ وَاليَمِينِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ).
ودليل هذا الاشتراط: قول النبي ﷺ : "مَنْ حَلَفَ" (٣)، والمقصود: قول اللِّسان، لا قول القلب الذي هو اعتقاده. وهذا قول مُسلَّم به عند عامة العلماء (٤).
وقوله: (وأمَّا اشتراط النطق باللِّسان فإنه اختلف فيه … ) هذا خلاف يسير لا أثر له ولا اعتداد به عند العلماء.
стр. 4881
بم يكون الاستثناء؟
يكون الاستثناء بـ "إلا" أو إحدى أخواتها التي تنوب عنها كـ (غير وسوى وحاشا وخلا)، ويكون كذلك بالتخصيص أو بالتقييد.
مثال: قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فهذا عموم خصص بقوله ﷺ : "أُحَلَّت لنا مَيْتَتَان ودَمان" (١).
وقيل: إنما ينفع الاستثناء بالنية بغير لفظ في حرف (إلا) فقط؛ لأنها هي الأصل في الاستثناء، ودلالتها واضحة، ولكن التفرقة بين (إلا) وبين غيرها من الحروف - تفرقة ضعيفة كما قال المؤلف؛ لأن مسألة النية واعتقاد القلب في هذه المسألة إنما يعول عليه في حال الإكراه.
وقَسَّم العلماء المكره إلى قسمين:
الأول: مكره يُلجأ إلى العمل، ويضطر إليه.
والثاني: مكره لا يُلجأ إلى العمل لكنه يهدد. واختلف العلماء في الصورتين (٢).
قوله: (وَالسَّبَبُ فِي الاخْتِلَافِ هُوَ: هَل تَلزَمُ العُقُودُ اللَّازِمَةُ بِالنِّيَّةِ فَقَطْ دُونَ اللَّفْظِ، أَوْ بِاللَّفْظِ وَالنِّيَّةِ مَعًا، مِثْلَ الطَّلَاقِ وَالعِتْقِ وَاليَمِينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ): هذا تنبيه من المؤلف على مسألة الاستثناء في الطلاق والعتاق، وسيأتي تفصيل الكلام عنها إن شاء الله (٣).
> قوله: (وأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ: هَل تَنْفَعُ النِّيَّةُ الحَادِثَةُ فِي
стр. 4882
الاسْتِثْنَاءِ بَعْدَ انْقِضَاءِ اليَمِينِ؟ فَقِيلَ أَيْضًا فِي المَذْهَبِ: إِنَّهَا تَنْفَعُ إِذَا حَدَثَتْ مُتَّصِلَةً بِاليَمِينِ. وَقِيلَ: بَل إِذَا حَدَثَتْ قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ النُّطْقُ بِاليَمِينِ).
يعني: أن يحلف الإنسان وبعد أن يفرغ من اليمين ينوي؛ فتكون النية لاحقة لليمين لا مقترنة به، فاختلفوا: هل تنفع تلك النية أو لا؟
قوله: (فقيل - أيضًا - في المذهب)، أي: مذهب مالك ﵀ (١).
> قوله: (وَقِيلَ: بَلِ اسْتِثْنَاءٌ عَلَى ضَرْبَيْنِ: اسْتِثْنَاءٌ مِنْ عَدَدٍ، وَاسْتِثْنَاءٌ مِنْ عُمُومٍ بِتَخْصِيصٍ، أَوْ مِنْ مُطْلَقٍ بِتَقْيِيدٍ، فَالاسْتِثْنَاءُ مِنَ العَدَدِ لَا يَنْفَعُ فِيهِ إِلَّا حُدُوثُ النِّيَّةِ قَبْلَ النُّطْقِ بِاليَمِينِ، وَالاسْتِثْنَاءُ مِنَ العُمُومِ يَنْفَعُ فِيهِ حُدُوثُ النِّيَّةِ بَعْدَ اليَمِينِ).
لأن هذا فيه إجمال، والأول فيه نوع من التخصيص.
* قوله: (وَالاسْتِثْنَاءُ مِنَ العُمُومِ يَنْفَعُ فِيهِ حُدُوثُ النِّيَّةِ بَعْدَ اليَمِينِ إِذَا وَصَلَ الاسْتِثْنَاءُ نُطْقًا بِاليَمِينِ، وَالاسْتِثْنَاءُ مِنَ العُمُومِ يَنْفَعُ فِيهِ حُدُوثُ النِّيَّةِ بَعْدَ اليَمِينِ إِذَا وَصَلَ الاسْتِثْنَاءُ نُطْقًا بِاليَمِينِ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ الاسْتِثْنَاءُ مَانِعٌ لِلعَقْدِ أَوْ حَالٌّ لَهُ؟ فَإِنْ قُلنَا: إِنَّهُ مَانِعٌ، فَلَا بُدَّ مِنَ اشْتِرَاطِ حُدُوثِ النِّيَّةِ فِي أَوَّلِ اليَمِينِ. وَإِنْ قُلنَا: إِنَّهُ حَالٌّ، لَمْ يَلزَمْ ذَلِكَ، وَقَدْ أَنْكَرَ عَبْدُ الوَهَّابِ أَنْ يُشْتَرَطَ حُدُوثُ النِّيَّةِ فِي أَوَّلِ اليَمِينِ لِلاتِّفَاقِ، وَزَعَمَ عَلَى أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ حَالٌّ لِليَمِينِ، كَالكَفَّارَةِ سَوَاءٌ) (٢).
أشار المؤلف هنا إلى عِدَّة مسائل:
المسألة الأولى: الاستثناء في الطلاق والعتاق، وصورته: أن يقول لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، أو يقول لعبده: أنت عتيق - أي: حر - إن شاء الله.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة؛ لورود النهي عن الاستثناء في الطلاق والعتاق، قال النبي ﷺ : "لَا نَذْرَ ولا يمين في معصية، ولا يَمين في عتاق" (١).
فذهب مالك وأحمد في المشهور عنه إلى أنه يقع (٢). وعنه في رواية: التفصيل (٣).
وذهب، أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد (٤) في رواية إلى أنه لا يقع، واستدلوا على ذلك بقول النبي ﷺ : "مَن حَلَفَ فقال: إن شاء الله، فقد استثنى" (٥)، وهذا عام، ولو أراد استثناء الطلاق والعتاق لبيَّنه؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة (٦) والطلاق والعتاق من
стр. 4886
الأُمور التي تقع جدًّا وهزلًا، وإذا كان النبي ﷺ أطلق فلماذا نفرق؟
المسألة الثانية: تعليق الطلاق بشرط من الشروط:
وصورته: أن يقول: إن كان كذا فهو عتيق إن شاء الله، أو إن حصل كذا فأنت طالق إن شاء الله، وسيأتي تفصيل هذه المسألة في أبواب الطلاق إن شاء الله (١)، لكن لا خلاف عند المالكية في أن هذا الاستثناء لا أثر له (٢)، بل يحصل به الطلاق والعتق، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد (٣).
المسألة الثالثة: اليمين بالطلاق.
ووقع فيه الخلاف بين المالكية على النحو الذي أشار إليه المؤلف.
وذهب الحنفية، والشافعية إلى أن الاستثناء يؤثر في ذلك كله، أي: سواء صرف الاستثناء إلى الشرط الذي علق به الطلاق، أو إلى نفس الطلاق، فلا يقع الطلاق، وكذلك الأمر بالنسبة للعتاق (٤).
ثم ذكر المؤلف ﵀ سبب الخلاف فقال: (وسبب الخلاف ما قلنا من أن الاستثناء هل هو حال أو مانع؟ … )، وهذا من وجهة نظر المؤلف، وإلا
стр. 4887
فالواقع أن الخلاف بين العلماء في هذه المسألة يختلف تمامًا عما ذكره المؤلف، فكما سبق أن الحنفية والشافعية يتمسكون بالأدلة: ومنها: "مَن حَلَفَ فقال: إن شاء الله، فقد استثنى" (١)، ولم يخص من ذلك الطلاق ولا العتاق، إذًا فهذا عام يشمل كل استثناء فيدخل فيه الطلاق والعتاق.
وأجاب المالكية والحنابلة عن ذلك بأن هذا الذي ورد عن الرسول ﷺ إنما هو في اليمين (٢)، والذي هنا إنما هو تعليق على شرط، فهو غير داخل في باب الأيمان أصلًا.
(القِسْمُ الثَّانِي مِنَ الجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ
وَهَذَا القِسْمُ فِيهِ ثَلَاثُ قَوَاعِدَ: الفَصْلُ الأَوَّلُ: فِي مُوجِبِ الحِنْثِ وَشُرُوطِهِ وَأَحْكَامِهِ. الفَصْلُ الثَّانِي: فِي رَافِعِ الحِنْثِ، وَهِيَ الكَفَّارَاتُ. الفَصْلُ الثَّالِثُ: مَتَى تَرْفَعُ؟ وَكَمْ تَرْفَعُ؟).
هذه ثلاثة فصول فيما يتعلَّق بالكفارات، أشار إليها المؤلف جملة واحدة، ثم شرع في تفصيلها.
(الفَصْلُ الأوَّلُ فِي مُوجِبِ الحِنْثِ، وَشُرُوطِهِ، وَأَحْكَامِهِ
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مُوجِبَ الحِنْثِ هُوَ المُخَالَفَةُ لِمَا انْعَقَدَتْ عَلَيْهِ
стр. 4888
اليَمِينُ (١)، وَذَلِكَ إِمَّا فِعْلُ مَا حَلَفَ عَلَى أَلَّا يَفْعَلَه، وَإِمَّا تَرْكُ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ تَرَاخَى عَنْ فِعْلِ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ إِلَى وَقْتٍ لَيْسَ يُمْكِنُهُ فِيهِ فِعْلُه، وَذَلِكَ فِي اليَمِينِ بِالتَّرْكِ المُطْلَقِ، مِثْلَ: أَنْ يَحْلِفَ لَيأْكلَنَّ هَذَا الرَّغِيفَ فَيَأْكُلُهُ غَيْر، أَوْ إِلَى وَقْتٍ هُوَ غَيْرُ الوَقْتِ الَّذِي اشْتُرِطَ فِي وُجُودِ الفِعْلِ عَنْدَه، وَذَلِكَ فِي الفِعْلِ المُشْتَرَطِ فِعْلُهُ فِي زَمَانِ مَحْدُودٍ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: وَاللهِ، لأَفْعَلَنَّ اليَوْمَ كذَا وَكلذَا، فَإِنَّهُ إِذَا انْقَضَى النَّهَار، وَلَمْ يَفْعَل، حَنِثَ ضَرُورَةً).
هذا فصل عقده المصنفُ في موجب الحنث وشروطه وأحكامه، ومتى يكون الإنسان حانثًا؟ فلو أقسم إنسان على أن يفعل شيئًا فلم يفعله حنث، وإذا حلف لزمته الكفارة، ولو أقسم على ألا يفعل شيئًا ففعله حنث، وتلزمه الكفارة.
والحنث معناه: العدول وعدم فعل ما التزم به (٢).
والذي ينبغي على العبد إذا حلف على أمر من الأُمور، ثم تبين له أن الخير في عدم فعله، أو إذا حلف على ترك أمر من الأُمور، ثم رأى أن المصلحة في فعله فإنه يُكَفِّر، ويأتي الذي هو خير؛ لقول النبي ﷺ : "والله إني إن شاء الله لا أحلفُ على يمين فأرى غيرَها خيرًا منها إلا أتيتُ الذي هو خير وتَحَلَّلْتُ" (٣)، والله يقول: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، أي: أن تتحلل منها بالكفارة، وفي حديث الإفك (٤)
стр. 4889
لما أقسم أبو بكر ﵁ ألا ينفق على مسطح لما خاض في حديث الإفك - وكان من أقاربه - أنزل الله قوله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، فإذا أقسم الإنسان على ألا يعمل عملًا من أعمال البر، ثم راجع نفسه وأدرك أن الخير في أن يفعله فليفعله وليُكفر عن يمينه، على النحو الذي أشار الله إليه في قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩].
كذلك إذا حلف الإنسان على غيره بفعل أمر من الأُمور فإنه ينبغي على المحلوف عليه أن يَبَرَّ أخاه، كما في حديث الرجل الذي أتى إلى رسول الله ﷺ وطلب منه أن يلحقه بالفاتحين، فقال رسول الله: "لا هجرة بعد الفتح"، فقال العباس: أقسم عليك كذا وكذا أن تُبايعه، فوضع الرسول ﷺ يده بيده برًّا بقسم عَمِّه وقال: "لا هجرة" (١).
كذلك مَن حلف على فعل شيء في زمان محدود، كأن يقول: والله لآكلن اليوم كذا وكذا؛ فإن لم يفعله في يومه حَنث، وبعضهم يرى أنه لا بد أن يأكله في الحال (٢).
بِمَنْزِلَةِ العَامِدِ، وَالشَّافِعِيُّ (١) يَرَى أَنْ لَا حِنْثَ عَلَى السَّاهِي، وَلَا عَلَى المُكْرَهِ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ المائدة: ٨٩]، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ عَامِدٍ وَنَاسٍ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵊: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" (٢)، فَإِنَّ هَذَيْنِ العُمُومَيْنِ يُمْكِنُ أَنْ يُخَصَّصَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ).
ذكر المؤلف ﵀ أَنْ لَا فرق عند مالك بين الناسي والساهي والمكره، وأنهم بمثابة العامد، وكذلك الملجأ وهو من هُدِّد وأُلجئ على أن يحلف يمينًا من الأيمان، والحقيقة أن في مذهبه تفصيلًا، فقد خالف في ذلك بعض المالكية وذكروا أن للناسي والمكره أحكامًا تخصهما (٣).
وذهب الشافعي ﵀ إلى أنه لا شيء عليهما (٤).
وذهب الحنابلة إلى التفصيل، فوافقوا الشافعية في أنه لا شيء على المكره والناسي (٥).
стр. 4892
وفي رواية أُخرى في المذهب أن الناسي لا شيء عليه (١)، وأما المكره فإنه ينقسم إلى قسمين: مكره أُلجئ على هذا العمل، بمعنى: أكره عليه، ومكره لم يُلجأ، ولكنه هدد فخاف، فالأول كالناسي لا شيء عليه (٢)، وفي الثاني روايتان: رواية وافقوا فيها الشافعية، وأنه لا شيء عليه، والأخرى وافقوا فيها المالكية، وأنه بمثابة العامد (٣).
ثم ذكر المؤلف ﵀ سبب اختلافهم في هذه المسألة، وهو ما يبدو من تعارض بين ظاهر الآية والحديث؛ قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [لمائدة: ٨٩]، وقال: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، فالآية مطلقة لم تفرق بين ناسٍ ومكره وعامد، وفي الحديث: "إنَّ اللهَ وَضَع عن أُمَّتي الخطأ والنِّسيان وما استكرهوا عليه" (٤).
والظاهر أن لا تعارض؛ فقد جاء الحديث مخصصًا لما جاء في
стр. 4893
الآيتين، كما أن الناظر في أصول الشريعة ومقاصدها يجد أن للناسي والمكره أحكامًا تخصهما، وأنه قد خفف عنهما في كثير من الأحكام، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وعليه فإن القول باستثناء الناسي والمكره، والتفريق بينهما وبين العامد أَوْجَه، وهو الأقرب للُبِّ الشريعة وأصولها.
> قوله: (وَأَمَّا المَوْضِعُ الثَّانِي، فَمِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ أَلَّا يَفْعَلَ شَيْئًا، فَفَعَلَ بَعْضَه، أَوْ أَنَّهُ يَفْعَلُ شَيْئًا، فَلَمْ يَفْعَل بَعْضَهُ؛ فَعِنْدَ مَالِكٍ (١): إِذَا حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ هَذَا الرَّغِيفَ، فَأَكَلَ بَعْضَه، لَا يَبْرأُ إِلَّا بِأَكْلِهِ كُلِّهِ. وَإِذَا قَالَ: لَا آكُلُ هَذَا الرَّغِيفَ أَنَّهُ يَحْنثُ إِنْ أَكَلَ بَعْضَه. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ (٢)، وَأَبِي حَنِيفَةَ (٣) أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، حَمْلًا عَلَى الأَخْذِ بِأَكثَرِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الاسْمُ).
يعني: لو حلف إنسان أن لا يفعل شيئًا ففعل بعضه، أو أن يفعل
стр. 4894
شيئًا ففعل بعضه، كمن حلف على أن يأكل هذا الرغيف فأكل جُزءًا منه، فهل يكون بارًّا بيمينه أو حانثًا؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة؛ فذهب مالك: إلى أنه لو حلف أن يأكل رغيفًا فأكل بعضه فإنه لم يَبر بيمينه، بل يعتبر حانثًا، وعليه كفارة؛ لأنه ما أكل جميع الرغيف، ووافقه أحمد في هذه الصورة (١).
وذهب الشافعية إلى التفصيل؛ فإن حلف أن يأكل هذا الرغيف فأكل بعضه، فإن تناوله أثناء اليوم يعتبر آكلًا له، وكذلك إن لم يأكل أو أكل أكثره فإنه يعتبر آكلًا له؛ لأن العبرة إنما هي بالأكثر، لكن لو أكل بعضه فقط فهم مع الجمهور في هذه الصورة (٢).
قوله: (وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، حَمْلًا عَلَى الأَخْذِ بِأَكْثَرِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الاسْمُ)، هذا فيه شبه تناقض، لأنه قال: (أكل بعضه، ثم حملًا على الأكثر)، لكن لو قال: (أكل أكثره)، فهذا هو مذهب الشافعية المُحَرَّر المعروف في هذه المسألة.
> قوله: (وَأَمَّا تَفْرِيقُ مَالِكٍ بَيْنَ الفِعْلِ وَالتَّرْكِ، فَلَمْ يَجْرِ فِي ذَلِكَ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّهُ أَخَذَ فِي التَّرْكِ بِأَقَلِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الاسْمُ، وَأَخَذَ فِي الفِعْلِ بِجَمِيعِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الاسْم، وَكَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى الاحْتِيَاطِ).
هذا الاعتراض من المؤلف إنما يَردُ على مذهب المالكية لا الحنابلة؛ لأنهم لم يوافقوا في تلك الصورة (٣).
стр. 4895
قوله: (وَكَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى الاحْتِيَاطِ)، أي: مالك ﵀، الأحوط أن يُكَفِّر؛ لقول النبي ﷺ : "دَعْ ما يَرِيبُك إلى ما لا يَرِيبُك" (١)، ولا شك أن هذا هو الأحوط.
* قوله: (وأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فَمِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ يُفْهَمُ مِنْهُ القَصْدُ إِلَى مَعْنًى أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي لَفَظَ بِهِ أَوْ أَخَصَّ، أَوْ يَحْلِفَ عَلَى شَيْءٍ وَيَنْوِي بِهِ مَعْنًى أَعَمَّ أَوْ أَخَصَّ، أَوْ يَكُونَ لِلشَّيْءِ الَّذِي حَلَفطَ عَلَيْهِ اسْمَانِ، أَحَدُهُمَا: لُغَوِيٌّ، وَالآخَرُ: عُرْفِيٌّ، وَأَحَدُهُمَا أَخَصُّ مِنَ الآخَرِ).
صورة المسألة: أن يحلف إنسان على أمر من الأُمور، لكن اللفظ الذي أقسم به يحتمل ذلك اللفظ الظاهر ويحتمل غيره، وكذلك تختلف الحال في اليمين بحسب نيته؛ هل نوى نفس اللفظ الذي نَطَقَ به، أو أنه أطلق، لأنه قد يكون ما في نيته موافقًا للفظ الذي نطق به، وقد يكون مخالفًا كأن يكون اللفظ الذي نطق به ينصرف إلى الخاص وهو يريد العام، أو ينصرف إلى العام وهو يريد الخاص، واختلف العلماء في مثل هذه المسائل، وهل نرجع إلى نيته أو نقف عند ظاهر اللفظ؟
فذهب بعض أهل العلم إلى الوقوف عند ظاهر اللفظ (٢)، وأنه لا اعتبار للنية في هذا المقام، بدليل أن النية لا تُعتبر بالنسبة للأيمان، فلو نوى الإنسان أمرًا من الأُمور لا يعتبر يمينًا، وإنما تتحقق اليمين باللفظ بها.
وذهب بعضهم إلى أن النية معتبرة في ذلك (٣)، ويُرجع إليها في كل مسألة شريطة أن يكون ذلك اللفظ محتملًا، فلو حلف إنسان ألا يأكل
стр. 4896
خبزًا، ثم قال: إنَّما نويت ألا أدخل دارًا، فلا اعتبار لنيته في هذه الحال، لأن اللفظ لا يحتمل.
وكذلك لو حلف على أمر له حقيقتان؛ إحداهما: عرفية، والأخرى: لغوية، لكن أحدهما أقرب إلى الذهن من الآخر، فهل ينصرف إلى المعنى اللغوي أو إلى المعنى العرفي؟ (١).
وكذلك إذا حلف الإنسان على أمر وكان مجملًا؛ فهل نرجع إلى قرائن الأحوال التي دعته إلى اليمين أو لا؟ فهذا كله مما
стр. 4897
اختلفت فيه أنظار العلماء، على النحو الذي سيُفَصِّله المؤلف رحمه الله تعالى.
* قوله: (وَأَمَّا إِذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ إِلَّا بِالمُخَالَفَةِ الوَاقِعَةِ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الحَلِف، وَإِنْ كَانَ المَفْهُومُ مِنْهُ مَعْنًى أَعَمَّ أَوْ أَخَصَّ مِنْ قِبَلِ الدَّلَالَةِ العُرْفِيَّةِ. وَكَذَلِكَ أَيْضًا فِيمَ أَحْسَبُ لَا يَعْتَبِرُونَ النِّيَّةَ المُخَالِفَةَ لِلَّفْظِ، وَإِنَّمَا يَعْتَبِرُونَ مُجَرَّدَ الأَلفَاظِ فَقَطْ) (١).
من المباحث الأُصولية المعروفة مبحث العموم والخصوص، وأنه قد يُتلفظ بالعام ويراد به الخاص، وقد يطلق الخاص ويراد به العام (٢)، ومن إطلاق الخاص وإرادة العام: قول الله : ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣]، فالقطمير: هنا المراد به اللفافة التي على النواة (٣)، وقوله: ﴿لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣]، وهي النقرة التي في ظهر النواة، والمراد هنا: المعنى العام لا الخاص.
ومنه قول الشاعر:
قُبَيِّلَةٌ لا يخفرون بِذِمَّةٍ … ولا يَظلمون الناسَ حَبَّة خَردل (٤)
стр. 4898
في بعض روايات هذا البيت: (قُبيلة … )، وفي بعضها: (قبيلته … ).
والشاهد قوله: (حبة خردل)، وحبة الخردل يسيرة جدًّا لا تكاد تُذكر، لكنه أراد نفي الظلم عنهم مطلقًا، فهذا من إطلاق الخصوص وإرادة العموم.
ومن إطلاق العام وإرادة الخاص: قول الله : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣]، فالمقصود بالناس في قوله: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾: أبا سفيان.
ومنه قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٥] استدل المعتزلة على قولهم: إن القرآن مخلوق بهذه الآية، حيث قال سبحانه: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾، وقل في الآية الأُخرى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ [الأنعام: ١٠٢]، و (كل) من صيغ العموم، إذًا القرآن مخلوق. وهذا كلام غير صحيح، فإن القرآن إنما هو كلام الله، منه بدأ وإليه يعود، تكلم به .
وقوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ هذا من العام الذي أُريد به الخاص، فمعلوم أنها لم تدمر السماوات ولا الأرض، ولا مساكنهم قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، وفي قراءة: ﴿لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ (١).
قوله: (إذا حلف على شيء بعينه … )، أي: إذا حلف ألا يأكل
стр. 4899
شيئًا أو لا يفعل شيئًا؛ فذهب الشافعية (١)، والحنفية (٢) إلى الأخذ بظاهر اللفظ ولا اعتبار بالنية؛ لأن اللِّسان هو الدال على المقصود، وأما النية فلا يُرجع إليها؛ بدليل أنه لو لم يتلفظ بلسانه لما اعتبر قسمًا.
وذهب الحنابلة (٣) إلى أن اليمين على نية الحالف؛ سواء كان موافقًا لظاهر اللفظ الأصلي بأن كان اللفظ والمعنى متطابقان، أو كان مخالفًا له؛ كأن يحلف على شيء ظاهره العموم ويراد به الخصوص، أو على شيء خاص يراد به العام، وقولهم هذا قريب من مذهب المالكية كما سيأتي؛ إذ يرون أن النية معتبرة؛ لقول النبي ﷺ : "إنَّما الأعمالُ بالنيات، وإنَّما لكل امرئ ما نوى" (٤).
* قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ (٥)، فَإِنَّ المَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ المُعْتَبَرَ
стр. 4900
أَوَّلًا عِنْدَهُ فِي الأَيْمَانِ الَّتِي لَا يُقْضَى عَلَى حَالِفِهَا هُوَ النِّيَّة، فَإِنْ عُدِمَتْ فَقَرِينَةُ الحَالِ، فَإِنْ عُدِمَتْ فَعُرْفُ اللَّفْظِ، فَإِنْ عُدِمَ فَدَلَالَةُ اللُّغَةِ، وَقِيلَ: لَا يُرَاعَى إِلَّا النِّيَّةُ أَوْ ظَاهِرُ اللَّفْظِ اللُّغَوِيِّ فَقَطْ. وَقِيلَ: يُرَاعَى النِّيَّةُ وَبِسَاطُ الحَالِ (١)، وَلَا يُرَاعَى العُرْفُ).
شرع المؤلف ﵀ في تفصيل مذهب مالك في هذه المسألة، فقوله: (الأيمان التي لا يُقضى على حالفها)، أي: الأيمان التي لا تُطلب منه في مجلس القضاء في حال الخصومة، فإن المعتبر حينئذ نية المستحلِف لا المستحلَف (الحالف)، لأنه من طلب اليمين، فاليمين هنا يرجع فيها إلى نية المستحلف، كما قال رسول الله ﷺ : "على نِيَّة المُستحلف" (٢)، وفي الحديث الآخر: "يَمِينك على ما يُصدقك به صاحبك" (٣).
إذًا، المالكية والحنابلة (٤) يفرقون بين أن يكون اليمين في مجلس القضاء ويترتب عليه حكم من الأحكام الشرعية، أو أن يكون في غيره، فإن كان في مجلس القضاء فالمعتبر في ذلك إنما هو يمين المستحلِف، وإن كان في غيره فالمعتبر إنما هو نية الحالف؛ لأن القاضي يَطلب منه أن يحلف بالله، وفي هذه الحالة ليس له أن يحلف متأولًا، لأن القاضي إنما يقضي بين الخصمين على نحوٍ مما يَسمع، ومتى ظهر له الحق حَكَمَ به؛ عن طريق الحلف، أو عن طريق الشهادة، أو غير ذلك، ولذا قال
стр. 4901
النبي ﷺ : "لعلَّ أحدَكم يكون أَلحن في حُجَّته من الآخر فأقضي على نحو مما أسمع، فمَن قضيتُ له مِن حَقِّ أخيه شيئًا، أو من مال أخيه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة من النار؛ فإن شاء فليأخذها، وإن شاء فليدعها" (١)، فدل على أن قضاء القاضي لا يُبيح لك أمرًا تعلم أنك لا تستحقه، وذلك أن حكم القاضي مبني على ما ظهر له من أدلة وقرائن.
وأما في غير مجلس القضاء فتعتبر النية، فإذا لم تظهر النية فقرينة الحال، وتُعرف بالرجوع إلى الأسباب، فلو أن إنسانًا حلف على زوجته ألا يدخل هذه الدار، أو ألا يلبس ثوبًا من غزلها، فإنه يُرجع إلى قرائن الأحوال التي حصلت في المقام، فربما تحدد المقصود من هذا اليمين، فإن عُدمت فَعُرْف اللفظ، أي: العرف الذي اصطلح عليه، فلو أن إنسانًا حلف على أمر وأطلقه، فحينئذ نرجع إلى العُرف الذي اصطلح عليه الناس، فما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئًا فهو عند اللّه سيئ، فإن عُدِم فدلالة اللغة، والمالكية على هذا الترتيب، وقد اختلف الحنابلة (٢) فيه، والأقرب على ما ذكره المؤلف.
قوله: (وَقِيلَ: لَا يُرَاعَى إِلَّا النِّيَّةُ، أَوْ ظَاهِرُ اللَّفْظِ اللُّغَوِيِّ فَقَطْ): هذا خلاف في مذهب مالك ﵀.
قوله: (وقيل: يراعى النية وبساط الحال، ولا يُرَاعى العُرف): البساط: النشر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩)﴾ [نوح: ١٩]، أي: نشرها (٣)، فبساط الحال، أي: نشر الشيء، فينظر إلى ما يكون له علاقة بهذه الحالة.
стр. 4902
* قوله: (وَأَمَّا الأَيْمَانُ الَّتِي يُقْضَى بِهَا عَلَى صَاحِبِهَا، فَإِنَّهُ إِنْ جَاءَ الحَالِفُ مُسْتَفْتِيًا، كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ اليَمِينِ الَّتِي لَا يُقْضَى بِهَا عَلَى صَاحِبِهَا مِنْ مُرَاعَاةِ هَذِهِ الأَشْيَاءِ فِيهَا عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، وَإِنْ كانَ مِمَّا يُقْضَى بِهَا عَلَيْهِ لَمْ يُرَاعَ فِيهَا إِلَّا اللَّفْظ، إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ لِمَا يَدَّعِي مِنَ النِّيَّةِ المُخَالِفَةِ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ قَرِينَةُ الحَالِ أَوِ العُرْفِ) (١).
فرق بين مجلس الفتوى ومجلس القضاء؛ لأن حكم القاضي مُلزم بخلاف حكم المفتي، فمن جاء مستفتيًا فإنه يعامل معاملة الحالف في غير مجلس القضاء، فحكم المفتي ليس بملزم.
قوله: (وإن كان مما يقضى بها عليه لم يراع فيها إلا اللفظ)؛ لأن القاضي إنما يحكم بما ظهر له من القرائن كشهادة الشهود مثلًا، ولا يلتفت إلى نية أحد الخصمين إلا أن تكون هناك قرائن مرجحة.
ولذا حذر النبي ﷺ من شهادة الزور، فعن أبي بكر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أُحدثكم بأكبر الكبائر؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "الإشراك بالله وعقوق الوالدين". قال: وجلس وكان متكئًا فقال: "وشهادة الزور - أو - قول الزور"، فما زال رسول الله ﷺ يقولها حتى قلنا: ليته سكت" (٢)، وذلك لما يترتب على شهادة الزور من أمور خطيرة من ضياع الحقوق، أو إزهاق نفس ظلمًا، وغير ذلك.
стр. 4903
* قوله: (وَأَمَّا المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ اليَمِينَ عَلَى نِيَّةِ المُسْتَحْلِفِ فِي الدَّعَاوَى، وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِثْلَ الأَيْمَانِ عَلَى المَوَاعِيدِ، فَقَالَ قَوْمٌ: عَلَى نِيَّةِ الحَالِفِ. وَقَالَ قَوْم: عَلَى نِيَّةِ المُسْتَحْلِفِ، وَثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اليَمِينُ عَلَى نِيَّةِ المُسْتَحْلِفِ" (١)، وَقَالَ ﵊: "يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكُ" (٢)، خَرَّجَ هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ مُسْلِمٌ. وَمَنْ قَالَ: اليَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الحَالِفِ، فَإِنَّمَا اعْتَبَرَ المَعْنَى القَائِمَ بِالنَّفْسِ مِنَ اليَمِينِ لَا ظَاهِرَ اللَّفْظِ) (٣).
عاد المؤلف مرة أُخرى للتأكيد على أن اليمين في الدعاوى على نية المستحلِف الذي طلب اليمين، أو الذي طلبت له اليمين، وهذا محل اتفاق، فلا يجوز للحالف في هذه الحالة أن يتأول، وسبق أن التأويل على قسمين:
- تأويل يُراد به رفع الحرج ودفع الضرر، كأن يكون في مكان لو لم يحلف هذه اليمين ويتأول لأدى ذلك إلى قتله، أو إلحاق ضَرَر بأخيه، كما مر بنا في قصة سويد بن غفلة عندما كان معه وائل بن حجر، فإنه كاد أن يقتل؛ لأن أعداءه وضعوا أيديهم عليه، فقال: هذا أخي. ونفى ذلك، ولما جاء إلى رسول الله ﷺ قال له: "صَدَقْتَ هو أخوك في الإسلام، المسلم أخو المسلم" (٤).
- وتأويل يراد به إبطال يُبطل حق الغير، فهذا لا ينفعه تأويله.
стр. 4904
واختلفوا في الأيمان على نية المواعيد، يعني: أن يحلف في أمر من الأُمور ويُوقته بوقت محدد، على قولين:
القول الأول: أنه على نية المستحلف (١)، لقول النبي ﷺ : "اليمين على نية المستحلِف" (٢)، واستثنى العلماء ما يتعلَّق بالدعاوى والبينات؛ نظرًا لعموم أدلة الشريعة وقواعدها، وقد قال النبي ﷺ أيضًا: "يَمِينك على ما يُصَدِّقُك به صاحبك" (٣)، لا على ما تخدع به صاحبك.
القول الثاني: أنه على نية الحالف، وإليه ذهب المالكية (٤)، والشافعية (٥)، وعللوا ذلك بأن النية معتبرة، واستدلوا بقول النبي ﷺ :
стр. 4905
"إنَّما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (١)، و"ما" من صيغ العموم (٢) فتشمل كل ما نوى، والنية معتبرة في هذا المقام، لكن أولئك قالوا: أصل اليمين لا تصدر إلا باللفظ. قلنا: نعم، لا تكون إلا بقول اللِّسان لكن ما في القلب يصدقه، وهذا معتبر في هذا المقام في تفعيل المراد.
* قوله: (وَفِي هَذَا البَابِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ، لَكِنَّ هَذِهِ المَسَائِلَ الأَرْبَعَ هِيَ أُصُولُ هَذَا البَابِ، إِذْ يَكَادُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الاخْتِلَافِ الوَاقِعِ فِي هَذَا البَابِ رَاجِعًا إِلَى الاخْتِلَافِ فِي هَذِهِ، وَذَلِكَ فِي الأَكْثَرِ مِثْلُ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَنْ حَلَفَ أَلَّا يَأكُلَ رُؤوسًا، فَأَكَلَ رُؤوسَ حِيتَانِ، هَل يَحْنَثُ أَمْ لَا؟ فَمَنْ رَاعَى العُرْفَ قَالَ: لَا يَحْنَث، وَمَنْ رَاعَى دَلَالَةَ اللُّغَةِ قَالَ: يَحْنَثُ، وَمِثْلَ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَنْ حَلَفَ أَلَّا يَأْكُلَ لَحْمًا فَأَكَلَ شَحْمًا، فَمَنِ اعْتَبَرَ دَلَالَةَ اللَّفْظِ الحَقِيقِيِّ، قَالَ: لَا يَحْنَثُ، وَمَنْ رَأَى أَنَّ اسْمَ الشَّيْءِ قَدْ يَنْطَلِقُ عَلَى مَا يَتَوَلَّدُ مِنْه، قَالَ: يَحْنَثُ) (٣).
أشار المؤلف إلى أن فروع هذا الباب كثيرة، لكن هذه المسائل الأربع هي أصول هذا الباب، ثم ذكر المؤلف بعض الأمثلة التي يقاس عليها غيرها من المسائل.
المثال الأول: لو حلف ألا يأكل رؤوسًا، فأكل رؤوس حيتان، فهل يحنث أم لا؟
ظاهر اللفظ أنه عام، فيشمل كل رأس سواءٌ كان رأس خروف،