← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

النبي ﷺ : "لعلَّ أحدَكم يكون أَلحن في حُجَّته من الآخر فأقضي على نحو مما أسمع، فمَن قضيتُ له مِن حَقِّ أخيه شيئًا، أو من مال أخيه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة من النار؛ فإن شاء فليأخذها، وإن شاء فليدعها" (١)، فدل على أن قضاء القاضي لا يُبيح لك أمرًا تعلم أنك لا تستحقه، وذلك أن حكم القاضي مبني على ما ظهر له من أدلة وقرائن. وأما في غير مجلس القضاء فتعتبر النية، فإذا لم تظهر النية فقرينة الحال، وتُعرف بالرجوع إلى الأسباب، فلو أن إنسانًا حلف على زوجته ألا يدخل هذه الدار، أو ألا يلبس ثوبًا من غزلها، فإنه يُرجع إلى قرائن الأحوال التي حصلت في المقام، فربما تحدد المقصود من هذا اليمين، فإن عُدمت فَعُرْف اللفظ، أي: العرف الذي اصطلح عليه، فلو أن إنسانًا حلف على أمر وأطلقه، فحينئذ نرجع إلى العُرف الذي اصطلح عليه الناس، فما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئًا فهو عند اللّه سيئ، فإن عُدِم فدلالة اللغة، والمالكية على هذا الترتيب، وقد اختلف الحنابلة (٢) فيه، والأقرب على ما ذكره المؤلف. قوله: (وَقِيلَ: لَا يُرَاعَى إِلَّا النِّيَّةُ، أَوْ ظَاهِرُ اللَّفْظِ اللُّغَوِيِّ فَقَطْ): هذا خلاف في مذهب مالك ﵀. قوله: (وقيل: يراعى النية وبساط الحال، ولا يُرَاعى العُرف): البساط: النشر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩)﴾ [نوح: ١٩]، أي: نشرها (٣)، فبساط الحال، أي: نشر الشيء، فينظر إلى ما يكون له علاقة بهذه الحالة.

стр. 4902

* قوله: (وَأَمَّا الأَيْمَانُ الَّتِي يُقْضَى بِهَا عَلَى صَاحِبِهَا، فَإِنَّهُ إِنْ جَاءَ الحَالِفُ مُسْتَفْتِيًا، كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ اليَمِينِ الَّتِي لَا يُقْضَى بِهَا عَلَى صَاحِبِهَا مِنْ مُرَاعَاةِ هَذِهِ الأَشْيَاءِ فِيهَا عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، وَإِنْ كانَ مِمَّا يُقْضَى بِهَا عَلَيْهِ لَمْ يُرَاعَ فِيهَا إِلَّا اللَّفْظ، إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ لِمَا يَدَّعِي مِنَ النِّيَّةِ المُخَالِفَةِ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ قَرِينَةُ الحَالِ أَوِ العُرْفِ) (١). فرق بين مجلس الفتوى ومجلس القضاء؛ لأن حكم القاضي مُلزم بخلاف حكم المفتي، فمن جاء مستفتيًا فإنه يعامل معاملة الحالف في غير مجلس القضاء، فحكم المفتي ليس بملزم. قوله: (وإن كان مما يقضى بها عليه لم يراع فيها إلا اللفظ)؛ لأن القاضي إنما يحكم بما ظهر له من القرائن كشهادة الشهود مثلًا، ولا يلتفت إلى نية أحد الخصمين إلا أن تكون هناك قرائن مرجحة. ولذا حذر النبي ﷺ من شهادة الزور، فعن أبي بكر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أُحدثكم بأكبر الكبائر؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "الإشراك بالله وعقوق الوالدين". قال: وجلس وكان متكئًا فقال: "وشهادة الزور - أو - قول الزور"، فما زال رسول الله ﷺ يقولها حتى قلنا: ليته سكت" (٢)، وذلك لما يترتب على شهادة الزور من أمور خطيرة من ضياع الحقوق، أو إزهاق نفس ظلمًا، وغير ذلك.

стр. 4903

* قوله: (وَأَمَّا المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ اليَمِينَ عَلَى نِيَّةِ المُسْتَحْلِفِ فِي الدَّعَاوَى، وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِثْلَ الأَيْمَانِ عَلَى المَوَاعِيدِ، فَقَالَ قَوْمٌ: عَلَى نِيَّةِ الحَالِفِ. وَقَالَ قَوْم: عَلَى نِيَّةِ المُسْتَحْلِفِ، وَثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اليَمِينُ عَلَى نِيَّةِ المُسْتَحْلِفِ" (١)، وَقَالَ ﵊: "يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكُ" (٢)، خَرَّجَ هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ مُسْلِمٌ. وَمَنْ قَالَ: اليَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الحَالِفِ، فَإِنَّمَا اعْتَبَرَ المَعْنَى القَائِمَ بِالنَّفْسِ مِنَ اليَمِينِ لَا ظَاهِرَ اللَّفْظِ) (٣). عاد المؤلف مرة أُخرى للتأكيد على أن اليمين في الدعاوى على نية المستحلِف الذي طلب اليمين، أو الذي طلبت له اليمين، وهذا محل اتفاق، فلا يجوز للحالف في هذه الحالة أن يتأول، وسبق أن التأويل على قسمين: - تأويل يُراد به رفع الحرج ودفع الضرر، كأن يكون في مكان لو لم يحلف هذه اليمين ويتأول لأدى ذلك إلى قتله، أو إلحاق ضَرَر بأخيه، كما مر بنا في قصة سويد بن غفلة عندما كان معه وائل بن حجر، فإنه كاد أن يقتل؛ لأن أعداءه وضعوا أيديهم عليه، فقال: هذا أخي. ونفى ذلك، ولما جاء إلى رسول الله ﷺ قال له: "صَدَقْتَ هو أخوك في الإسلام، المسلم أخو المسلم" (٤). - وتأويل يراد به إبطال يُبطل حق الغير، فهذا لا ينفعه تأويله.

стр. 4904

واختلفوا في الأيمان على نية المواعيد، يعني: أن يحلف في أمر من الأُمور ويُوقته بوقت محدد، على قولين: القول الأول: أنه على نية المستحلف (١)، لقول النبي ﷺ : "اليمين على نية المستحلِف" (٢)، واستثنى العلماء ما يتعلَّق بالدعاوى والبينات؛ نظرًا لعموم أدلة الشريعة وقواعدها، وقد قال النبي ﷺ أيضًا: "يَمِينك على ما يُصَدِّقُك به صاحبك" (٣)، لا على ما تخدع به صاحبك. القول الثاني: أنه على نية الحالف، وإليه ذهب المالكية (٤)، والشافعية (٥)، وعللوا ذلك بأن النية معتبرة، واستدلوا بقول النبي ﷺ :

стр. 4905

"إنَّما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (١)، و"ما" من صيغ العموم (٢) فتشمل كل ما نوى، والنية معتبرة في هذا المقام، لكن أولئك قالوا: أصل اليمين لا تصدر إلا باللفظ. قلنا: نعم، لا تكون إلا بقول اللِّسان لكن ما في القلب يصدقه، وهذا معتبر في هذا المقام في تفعيل المراد. * قوله: (وَفِي هَذَا البَابِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ، لَكِنَّ هَذِهِ المَسَائِلَ الأَرْبَعَ هِيَ أُصُولُ هَذَا البَابِ، إِذْ يَكَادُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الاخْتِلَافِ الوَاقِعِ فِي هَذَا البَابِ رَاجِعًا إِلَى الاخْتِلَافِ فِي هَذِهِ، وَذَلِكَ فِي الأَكْثَرِ مِثْلُ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَنْ حَلَفَ أَلَّا يَأكُلَ رُؤوسًا، فَأَكَلَ رُؤوسَ حِيتَانِ، هَل يَحْنَثُ أَمْ لَا؟ فَمَنْ رَاعَى العُرْفَ قَالَ: لَا يَحْنَث، وَمَنْ رَاعَى دَلَالَةَ اللُّغَةِ قَالَ: يَحْنَثُ، وَمِثْلَ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَنْ حَلَفَ أَلَّا يَأْكُلَ لَحْمًا فَأَكَلَ شَحْمًا، فَمَنِ اعْتَبَرَ دَلَالَةَ اللَّفْظِ الحَقِيقِيِّ، قَالَ: لَا يَحْنَثُ، وَمَنْ رَأَى أَنَّ اسْمَ الشَّيْءِ قَدْ يَنْطَلِقُ عَلَى مَا يَتَوَلَّدُ مِنْه، قَالَ: يَحْنَثُ) (٣). أشار المؤلف إلى أن فروع هذا الباب كثيرة، لكن هذه المسائل الأربع هي أصول هذا الباب، ثم ذكر المؤلف بعض الأمثلة التي يقاس عليها غيرها من المسائل. المثال الأول: لو حلف ألا يأكل رؤوسًا، فأكل رؤوس حيتان، فهل يحنث أم لا؟ ظاهر اللفظ أنه عام، فيشمل كل رأس سواءٌ كان رأس خروف،

стр. 4906

أو رأس دجاجة، أو رأس طير، أو رأس سمكة، أو رأس حوت، أو غير ذلك. هذا من جهة اللغة فيحنث بذلك. أما من جهة العرف فإنه لا يدخل فيه رأس الحيتان، فلا يحنث بذلك، والأحوط أن يأخذ بما دَلَّت عليه اللغة (١). المثال الثاني: لو حلف ألا يأكل لحمًا فأكل شحمًا، هل يحنث بذلك أم لا؟ ذهب الشافعية (٢) والحنابلة (٣) إلى أنه لا يحنث، واعتبروا في ذلك دلالة اللفظ الحقيقي، أي: أننا إذا أطلقنا لفظ اللحم فإنه لا يدخل فيه الشحم؛ فمن أكل شحمًا لا يقال: إنه قد أكل لحمًا، وكذلك لو عكس

стр. 4907

عند الشافعية (١)، خلافًا للحنابلة (٢)، فعندهم أنه لو حلف ألا يأكل شحمًا فأكل لحمًا حَنث؛ لأنه لا يمكن أن يوجد لحم بدون شحم. وذهب المالكية (٣)، والحنفية (٤) إلى أنه يحنث؛ لأنه متولد منه؛ لأن اسم الشيء قد يُطلق على ما تولد منه. كذلك لو حلف ألا يأكل لحمًا فأكل كبدًا أو كرشة أو طحالًا أو رئة، أو قوانص دجاج، فعلى القول الأول أنه لا يحنث؛ لأنه لا يدخل في مُسمَّى اللحم، فاللحم المعروف هو الذي يكون من يد الحيوان، أو

стр. 4908

من فخذيه، أو من ظهره، أو من رقبته، أما ما عدا ذلك فلا يُسمَّى لحمًا. وعلى القول الثاني: أنه يحنث؛ لأنه يشمله اسم اللحم أيضًا. والأولى للمسلم أن يتجنب مواضع الشبه، وأن يحتاط لدينه، وإذا ما تردد في أمر فليحتط ويكفر عن يمينه. كذلك اختلفوا فيما لو حلف ألا يأكل تمرًا فأكل رطبًا، والصحيح أنه لا يحنث؛ لأن الرطب غير التمر، وكذلك لو حلف ألا يأكل بسرًا (١) فأكل رطبًا (٢)، في مسائل أُخرى كثيرة يَصعب حصرها. > قوله: (بالجُمْلَةِ، فَاخْتِلَافُهُمْ فِي المَسَائِلِ الفُرُوعِيَّةِ الَّتِي فِي هَذَا البَابِ هِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذ المَسَائِلِ الَّتِي ذَكَرْنَا، وَرَاجِعَةٌ إِلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي دَلَالَاتِ الألفَاظِ الَّتِي يُحْلَفُ بِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ مِنْهَا مَا هِيَ مُجْمَلَةٌ، وَمِنْهَا مَا هِيَ ظَاهِرَ، وَمِنْهَا مَا هِيَ نُصُوصٌ). والعلماء - كما ذكر المؤلف - يُرجعون الاختلاف في هذه المسائل إلى دلالات الألفاظ من حيث كونها نصًّا أو ظاهرًا وما إلى ذلك، وإنما

стр. 4909

أشار المؤلف إلى أصول المسائل التي يُرَدُّ إليها غيرها (١). قال المصنف رحمه الله تعالى: (والفَصْلُ الثَّانِي فِي رَافِعِ الحِنْثِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الكَفَّارَةَ فِي الأَيْمَان هِيَ الأَرْبَعَةُ الأَنْوَاعِ الَّتِي ذَكَرَ اللهُ فِي كتَابِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: ٨٩] الآيَةَ. وَجُمْهُورُهُمْ عَلَى أَنَّ الحَالِفَ إِذَا حَنِثَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ مِنْهَا، أَعْنِي: الإِطْعَامَ، أَوِ الكِسْوَةَ، أَوِ العِتْقَ (٢)، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الصِّيَامُ إِلَّا إِذَا عَجَزَ عَنْ هَذِهِ الثَلَاثَةِ (٣)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا غَلَّظَ اليَمِينَ، أَعْتَقَ أَوْ كسَا، وَإِذَا لَمْ يُغَلِّظْهَا أَطْعَمَ (٤)).

стр. 4910

ملخص بمسائل اليمين: - مَن حلف يمينًا بالله سبحانه أو باسم من أسمائه أو بصفة من صفاته فإنه تَلزمه الكفارة إن لم يَبر بيمينه (١). - كفارة اليمين على ما بَيَّنها الله في كتابه (٢). - أن لغو اليمين لا كفارة فيه (٣)؛ قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. - لا يجوز لمسلم أن يُقسم بغير الله مهما كانت مكانة هذا المُقسم به؛ سواء كانت الكعبة، أو مَلَكًا، أو رسولًا، أو بأبِ الإنسان، أو بغير ذلك (٤). - حكم التشريك بين خمسة مساكين في الطعام أو الكسوة (٥).

стр. 4911

- هل يجوز إعتاق نصف مملوك، وإطعام خمسة مساكين أو كسوتهم (١). - أوصاف المطعوم المجزئ في الكفارة (٢). - حكم إطعام مسكين واحد عشرة أيام (٣). - حكم إطعام خمسة مساكين على يومين (٤). - إذا تعذر العشرة فهل يجزئ إطعام مسكين واحد عشر مرات؟ (٥). - حكم إطعام مسكين أهل الذِّمة (٦). وقد أغفل المؤلف ﵀ ذِكر أكثر هذه المسائل، وذكر بعضها على الإجمال، وهذا ما سنبيِّنه إن شاء الله تعالى (٧).

стр. 4912

حكم كفارة اليمين: أمَّا كفارة اليمين من حيث حكمها فإنها ثابتة بالكتاب والسُّنة والإجماع: فمن الكتاب: قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]. ومن السُّنة: قول النبي ﷺ : "إذا حلفتَ على يمين فرأيتَ غيرَها خيرًا منها فَأْتِ الذي هو خيرٌ، وكَفِّر عن يمينك" (١)، وقوله ﷺ : "إني والله - إن شاء الله - لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيتُ الذي هو خير وتَحَلَّلْتُها" (٢)، والله يقول: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]. وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء على أنواع هذه الكفارة (٣). أنواع الكفارة: وهي أربعة: الأول: إطعام عشرة مساكين. والثاني: كسوتهم. والثالث: تحرير رقبة. وهذه الثلاثة على التخيير، كما فسره بذلك ابن عباس ﵁، وهو عند أحمد وغيره قال: "ما جاء في كتاب الله بأو فهو مخير، وما جاء: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ فالأول إلزام" (٤).

стр. 4913

قوله: (إلا ما روي عن ابن عمر أنه كان إذا غَلَّظ اليمين أعتق أو كسا، وإذا لم يُغلظها أطعم) (١): هذا اجتهاد من عبد الله بن عمر ﵄ على أساس ترتيب المشقة فيها، فأشقها العتق ثم الكسوة، ثم الإطعام. والرابع: صيام ثلاثة أيام، ولا ينتقل إليه إلا إذا تعذر ما سبق. مسألة: المملوك إذا حنث في يمينه فإنه لا يُطالب بإطعام ولا بكسوة ولا بعتق؛ لأنه لا مال له، وإنما يطالب بالصيام، وليس لسيده أن يمنعه منه؛ لأنه حق ثبت لله ، فليس له أن يمنعه، كما أنه لا يمنعه من صيام شهر رمضان ومن أداء الصلوات؛ فإنها مفروضة في حقه، وإن كان له أن يمنعه من صلاة الجماعة أحيانًا، كما سبق بيان ذلك في أبواب الصلاة. ولو أراد أحد أن يدفع عنه الكفارة فإنه لا يلزمه، ولا يعتبر بذلك واجدًا؛ لأن العبرة بالتملك. وذهب الشافعية إلى أنه ليس له أن يقبل إلا الابن من والده، أو الوالد من ولده؛ لأنه لا مِنَّة فيها (٢).

стр. 4914

* قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي سَبْعِ مَسَائِلَ مَشْهُورَةٍ، المَسْأَلَةُ الأُولَى: فِي مِقْدَارِ الإِطْعَامِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ العَشَرَةِ مَسَاكين. الثَّانِيَةُ: فِي جِنْسِ الكِسْوَةِ إِذَا اخْتَارَ الكِسْوَةَ وَعَدَّدَهَا. الثَّالِثَةُ: فِي اشْتِرَاطِ التَّتَابُعِ فِي صِيَامِ الثَّلَاثَةِ الأَيَّامِ، أَوْ لَا اشْتِرَاطِهِ. الرَّابِعَةُ: فِي اشْتِرَاطِ العَدَدِ فِي المَسَاكينِ. الخَامِسَةُ: فِي اشْتِرَاطِ الإِسْلَامِ فِيهِمْ وَالحُرِّيَّةِ. السَّادِسَةُ: فِي اشْتِرَاطِ السَّلَامَةِ فِي الرَّقَبَةِ المُعْتَقَةِ مِنَ العُيُوبِ. السَّابِعَةُ: فِي اشْتِرَاطِ الإِيمَانِ فِيهَا). المسائل المتعلقة بهذا الباب - باب كفارة اليمين - قد تبلغ المائة مسألة، ذكر المؤلف منها سبع مسائل مشهورة. * قوله: (المَسْأَلَةُ الأُولَى: أَمَّا مِقْدَارُ الإِطْعَامِ، فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَهْلُ المَدِينَةِ (٣): يُعْطَى لكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ مِنْ حِنْطَةٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: المُدُّ خَاصٌّ بِأَهْلِ المَدِينَةِ فَقَطْ لِضِيقِ مَعَايِشِهِمْ، وَأَمَّا سَائِرُ المُدُنِ، فَيُعْطُونَ الوَسَطَ مِنْ

стр. 4915

نَفَقَتِهِمْ (١)، وَقَالَ ابْنُ القَاسِمِ (٢): يَجْرِي المُدُّ فِي كلِّ مَدِينَةٍ، مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): يُعْطِيهِمْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ، قَالَ: فَإِنْ غَدَّاهُمْ وَعَشَّاهُمْ أجَزْأَهُ) (٤). اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن يعطي كل مسكين مُدًّا من حنطة - يعني: من البر - وبه قال مالك والشافعي وأهل المدينة، إلا أن مالكًا ﵀ ذلك بأهل المدينة لضيق حالهم مقارنة بحال غيرهم كأهل الشام وفارس والعراق، لكن إن خرج منها يزيد على المد. واختلف المالكية (٥) في قدر الزيادة، فقال بعضهم: يخرج مدًّا ونصف المد، وقال بعضهم: يخرج مدًّا وثلث المد، وقال بعضهم: لا فرق بين المدينة وغيرها؛ لأنه حكم شرعي، ولا تتغير الأحكام باختلاف البلاد، فقال ابن القاسم: "إنه يجري المد في كل مدينة،

стр. 4916

وهذا ما ذهب إليه الشافعي ﵀" (١). القول الثاني: أن يعطي كل مسكين نصف صاع من حنطة، أو صاعًا من غيره، وبه قال أبو حنيفة (٢)، وأحمد (٣)، ومستند تفريقهم بين الحنطة وغيرها حديث معاوية ﵁ الذي خرجه مسلم (٤) وغيره. قوله: (فإن غَدَّاهم وعشَّاهم أجزأه): هو قول مالك أيضًا (٥). وذهب الشافعي إلى أنه لا بد أن يدفع لكل واحد منهم مدًّا من حنطة، وذلك أنهم يتفاوتون في الأكل؛ فيعطى كل واحد ما يخصه (٦).

стр. 4917

* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ: اخْتِلَافُهُمْ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، هَلِ المُرَادُ بِذَلِكَ أَكلَةٌ وَاحِدَةٌ، أَوْ قُوتُ اليَوْمِ، وَهُوَ غَدَاءٌ وَعَشَاءٌ؟ فَمَنْ قَالَ: أَكْلَةٌ وَاحِدَةٌ قَالَ: المُدُّ وَسَطٌ فِي الشِّبَعِ. وَمَنْ قَالَ: غَدَاءٌ وَعَشَاءٌ، قَالَ: نِصْفُ صَاعٍ. وَلاخْتِلَافِهِمْ أَيْضًا سَبَبٌ آخَر، وَهُوَ تَرَدُّدُ هَذ الكَفَّارَةِ بَيْنَ كفَّارَةِ الفِطْرِ مُتَعَمِّدًا فِي رَمَضَانَ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ الأَذَى، فَمَنْ شَبَّهَهَا بِكَفَّارَةِ الفِطْرِ قَالَ: مُدٌّ وَاحِدٌ، وَمَنْ شَبَّهَهَا بِكَفَّارَةِ الأَذَى قَالَ: نِصْفُ صَاعٍ). شرع المؤلف في ذكر أسباب الخلاف في هذه المسألة، وأنه راجع إلى أمرين: الأول: اختلافهم في تأويل قول الله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، والتوسط في الأُمور من سمات هذه الشريعة، ففي حديث معاذ أن النبي ﷺ لما بعثه إلى اليمن قال: "إنك ستأتي قومًا أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه هو شهادة أن لا إله إلا الله"، ثم قال: "فأخبرهم أن الله فرض عليهم الصدقة تُؤخذ من أغنيائهم، وتُرد إلى فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإيَّاك وكرائم (١) أموالهم" (٢)، أي: تجنب أنفس الأموال، وإنما خذ من أوساطها، وقال أيضًا: "خير الأُمور أوسطها" (٣)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ

стр. 4918

وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان: ٦٧]، فالاعتدال مطلوب في الشريعة، فلا يكلف الإنسان أمرًا يشق عليه، فمبنى هذه الشريعة على التيسير ورفع الحرج. وقد اختلف العلماء في معنى قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾: فقيل: المراد: أسرته التي ينفق عليها، ويعيش معها. وقيل: أهل بلدته ومجتمعه الذي يحيط به. ورجح الإمام ابنُ العربي المالكي المعنى الأول (١). الثاني: تردد هذه الكفارة بين كفارة الفطر متعمدًا في رمضان وبين كفارة الأذى. وكفارة الأذى هي التي أشار إليها بقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فمن شبهها بكفارة الفطر قال: مد واحد (٢)، ومن شبهها بكفارة الأذى قال: نصف صالح (٣). * قوله: (وَاخْتَلَفُوا، هَل يَكُونُ مَعَ الخُبْزِ فِي ذَلِكَ إِدَامٌ (٤) أَمْ لَا؟ (٥) وَإِنْ كانَ، فَمَا هُوَ الوَسَطُ فِيهِ؟ فَقِيلَ: يَجْزِي الخُبْزُ قِفَارًا، وَقَالَ

стр. 4919

ابْنُ حَبِيبٍ: "لَا يَجْزِي". وَقِيلَ: الوَسَطُ مِنَ الإِدَامِ: الزَّيْتُ. وَقِيلَ: اللَّبَنُ وَالسَّمْنُ وَالتَّمْرُ" (١)). من فروع هذه المسألة: اختلافهم فيما لو أخرجها من دقيق أو خبز؛ فهل يكفيه إخراجه قفارًا (٢)، أي: ليس معه شيء أم لا بد من إضافة ما يؤتدم به من زيت أو عسل أو لحم ونحوه؟ فذهب ابن حبيب من المالكية إلى أنه لا يجزئ الخبز قفارًا. واختلفوا في الوسط من الإدام، فقال ابن عمر فيما نقله عنه أحمد أنه قال في تفسير هذه الآية: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾: "هو التمر واللبن"، وروي عنه أنه قال: "السمن"، وروي عنه: "الخبز والزيت والخبيز والسمن". وقال علي بن أبي طالب ﵁: "هو الخبز واللحم". ولا شك أن اللحم أجود هذه الأنواع. وسئل شريح عنه فقال: "هو الخبز والخل. قيل: فما بال الخبز واللحم؟ قال: ذاك أغلاه" (٣).

стр. 4920

* قوله: (وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ: مَنِ الأهْلُ الَّذِينَ أَضَافَ إِلَيْهِمُ الوَسَطَ مِنَ الطَّعَامِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]؟ فَقِيلَ: أَهْلُ المُكَفِّرِ، وَعَلَى هَذَا إِنَّمَا يُخْرَجُ الوَسَطُ مِنَ الشَّيءِ الَّذِي مِنْهُ يَعِيشُ؛ إِنْ قِطْنِيَّةً فَقِطْنِيَّةٌ، وَإِنْ حِنْطَةً فَحِنْطَةٌ. وَقِيلَ: بَل هُمْ أَهْلُ البَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ. وَعَلَى هَذَا فَالمُعْتَبَرُ فِي اللَّازِمِ لَهُ: هُوَ الوَسَطُ مِنْ عَيْشِ أَهْلِ البَلَدِ لَا مِنْ عَيْشِهِ، أَعْنِي الغَالِبَ، وَعَلَى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يُحْمَلُ قَدْرُ الوَسَطِ مِنَ الإِطْعَامِ، أَعْنِي الوَسَطَ مِنْ قَدْرِ مَا يُطْعِمُ أَهْلَه، أَوِ الوَسَطَ مِنْ قَدْرِ مَا يُطْعِمُ أَهْلُ البَلَدِ أَهْلِيهِمْ إِلَّا فِي المَدِينَةِ خَاصَةً" (١)). اختلف أصحاب مالك في المراد بالأهل الذين أضاف الوسط إليهم على النحو الذي مر ذكره، فعلى القول الأول يخرج من الوسط الذي منه يعيش وأهل بيته الذين تلزمهم نفقته. قوله: (إن قطنية فقطنية): القطنية (٢)، أي: الدائمة التي تلزم مكانها؛ مثل: العدس والفول والحمص وأمثال هذه الأشياء. وعلى القول الثاني: يخرج من وسط عيش أهل البلد، لا من عيشه هو، وهذا يختلف باختلاف البلدان.

стр. 4921

والأولى أن يخرجه من الوسط الذي يعيش منه؛ قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢]، فليس كل الناس على نَسَق واحد أو في درجة واحدة من حيث الغنى والفقر، فالوسط - إذًا - أن يكفر الإنسان على قدر حاله. قوله: (إلا في المدينة خاصة) (١)، المقصود، أي: مدينة كانت من المدن الكبيرة كالتي تُسمَّى الآن بالعواصم، حيث تجمع جمعًا غفيرًا من الناس، وتكون محلًّا للتجارات والصناعات، وتكثر فيها الحركة عن المدن والقرى الصغيرة. تتمة: يندرج تحت هذه المسألة فروع لم يتعرض لها المؤلف، منها: أولًا: من الذي يُطْعَم؟ وكان من المناسب أن يذكر المؤلف هذه المسألة أولًا؛ قال الله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩]، فـ (مساكين) جاءت في الآية مطلقة فهل يدخل في ذلك الفقير أو لا؟ وهل يجزئ إطعام أي مسكين؛ سواء كان مسلمًا أو ذميًّا أو حربيًّا، أو أن هذا خاص بالمسلم؟ (٢). المسكين مأخوذ من المسكنة، كأنه لُصق بالتراب، والفقير مأخوذ من فقرات الظهر، فكأنه خلي ظهره من بعض فقراته، إذًا هو أمس حاجة؛ لأنه عاجز، ولذا ذهب الحنابلة (٣) إلى أن الفقير أشد حاجة من المسكين، وذهب بعض العلماء (٤) إلى أن المسكين أشد حاجة من الفقير، لكن لم

стр. 4922

يختلفوا على أنه لو أوصى إنسانٌ لفقير دخل فيه المسكين، ولو أوصى لمسكين دخل فيه الفقير، ولو أوقف بيتًا على مساكين دخل الفقراء، ولو أوقفه على الفقراء دخل المساكين أيضًا. إذًا هما لفظان إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، ولذلك قال أهل العلم: إن هذه الشريعة لم تُفرق بين المسكين والفقير، ولم يفرق بينهما إلا في آية الزكاة، حيث جعلهما الله صِنْفين؛ وذلك لأهمية الزكاة. إذًا؛ الشرط الأول: أن يكون مسكينًا، فيخرج بذلك الغني، وأضاف بعضهم شرطًا آخر، وهو أن يكون مسلمًا؛ لأنه أحق من غيره، وهذا قول الجمهور (١). وذهب بعضهم إلى أنه يدخل في ذلك الذِّمي؛ لأنه يعيش بين المسلمين (٢). وذهب سفيان الثوري إلى أنه يجوز أن يُعطى منها الذمي إذا لم يوجد غيره، أما إذا وجد مسلم فلا (٣). ثانيًا: صفة المطعوم: لا خلاف بين أهل العلم في جواز إخراجها حَبًّا، بل هو المتعين عند المالكية والشافعية، واختلفوا فيما لو أخرجها من دقيق أو من خبز، فهل يكفيه ذلك أم لا بد من إضافة ما يؤتدم به من زيت أو عسل أو لحم ونحوه؟ (٤).

стр. 4923

ثالثًا: حكم إخراج القيمة: ذهب الجمهور - المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣) - إلى عدم جواز إخراج القيمة وإن زاد؛ لأن الله تعالى نَصَّ على الإطعام، خلافًا للحنفية الذين توسعوا في ذلك، وقالوا بجواز إخراجها قيمة (٤).

стр. 4924

* قوله: (وأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ المُجْزِئُ مِنَ الكِسْوَةِ، فَإِنَّ مَالِكًا (١) رَأَى أَنَّ الوَاجِبَ فِي ذَلِكَ هُوَ أَنْ يَكْسِيَ مَا يَجْزِي فِيهِ الصَّلَاة، فَإِنْ كسَا الرَّجُلَ، كسَا ثَوْبًا، وَإِنْ كسَا النِّسَاءَ، كسَا ثَوْبَيْنِ؛ دِرْعًا وَخِمَارًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢) وَأَبُو حَنِيفَةَ (٣): يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الاسْمُ: إِزَارٌ، أَوْ قَمِيصٌ، أَوْ سَرَاوِيلُ، أَوْ عِمَامَةٌ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ (٤): لَا تَجْزِي العِمَامَة، وَلَا السَّرَاوِيلُ). مرجع اختلافهم في هذه المسألة: أن الله تعالى نص على الكسوة، ولم يُحدد نوعها، فبعضهم أخذ بمفهوم اللغة، فقال: ما ينطلق عليه الكسوة، وتوسَّع بعضهم، وبعضهم ربطها بأحكام الصلاة. فذهب مالك وأحمد (٥) إلى أن المُجزئ من الكسوة هو ما يُجزئ فيه

стр. 4925

الصلاة؛ لأهمية الصلاة، فما يكفيه فيها يكفيه في غيرها، فيكسو الرجل ثوبًا والمرأة ثوبًا - أي: درعًا - وخمارًا، والدِّرع: هو ثوب المرأة (١)، والخمار: ما تغطي به رأسها (٢). وتصح صلاة الرجل في الثوب الواحد؛ لقول النبي ﷺ : "لا يُصَلِّي أحدُكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء" (٣)، ولحديث أنس ﵁ قال: "رأيت رسولَ الله ﷺ يصلي في ثوب واحد متوشحًا (٤) به" (٥)، وفي رواية: "مُلتفًا به" (٦). وأما ما يظنه البعض من لزوم لبس الطاقية أو الغُترة في الصلاة فليس بصحيح، بل هذا راجع لعادات الناس وتقاليدهم. وقال أبو حنيفة والشافعي: "إن المجزئ من ذلك هو أقل ما ينطلق

стр. 4926

عليه الاسم - أي: ما يُسمَّى بلغة العرب لباسًا - يصح، فلو أعطاه سِروالًا أو عمامة أو عباءة أو ثوبًا أو إزارًا أجزأه؛ لأنه أقل ما يطلق عليه في لغة العرب: أنه كساء، أو يطلق عليه أنه كساء، ولا نكبده فوق ما جاء به النص، لكنهم اختلفوا في تقدير ذلك، فاشترط أبو حنيفة أن يَدفع له من ذلك قميصًا أو إزارًا أو رداء أو كساء. إذًا؛ الحنفية وسط في هذا الموضع بين الشافعية، وبين المالكية والحنابلة. قوله: (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا تُجْزِي العِمَامَة، وَلَا السَّرَاوِيلُ): أي: أنه يميل إلى مذهب المالكية والحنابلة. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ الوَاجِبُ الأَخْذُ بِأَقَلِّ دَلَالَةِ الاسْمِ اللُّغَوِيِّ أَوِ المَعْنَى الشَّرْعِيِّ؟). ختم المؤلف هذه المسألة بتلك العبارة التي تصلح أن تكون قاعدة فقهية، ويُفرع عليها مسائل كثيرة، فقوله: (هل الواجب الأخذ بأقل دلالة الاسم اللغوي أو المعنى الشرعي) (١) يعد توضيحًا لقوله في مسائل المسح على الرأس متن كتاب (الطهارة): (هل العبرة الأخذ بأوائل الأسماء أو بأواخرها؟)، وإن كانت هي نفسها من العبارات المحيرة في هذا الكتاب.

стр. 4927

* قوله: (وأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ اخْتِلَافُهُمْ فِي اشْتِرَاطِ تَتَابُعِ الأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ فِي الصَّيَامِ؛ فَإِنَّ مَالِكًا (١) وَالشَّافِعِيَّ (٢) لَمْ يَشْتَرِطَا فِي ذَلِكَ وُجُوبَ التَّتَابُعِ، وَإِنْ كَانَا اسْتَحَبَّاه، وَاشْتَرَطَ ذَلك أَبُو حَنِيفَةَ (٣). وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ شيئان، أَحَدُهُمَا: هَل يَجُوزُ العَمَلُ بِالقِرَاءَةِ الَّتِي لَيْسَتْ فِي المُصْحَفِ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾. وَالسَّبَبُ الثَّانِي: اخْتِلَافُهُمْ هَل يُحْمَلُ الأَمْرُ بِمُطْلَقِ الصَّوْمِ عَلَى التَّتَابُعِ، أَمْ لَيْسَ يُحْمَلُ؟ إِذَا كَانَ الأصْلُ فِي الصِّيَامِ الوَاجِبِ بِالشرْعِ إِنَّمَا هُوَ التَّتَابُعُ). سبق أن المُكَفِّر بالخيار بين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن لم يجد انتقل إلى الصيام، واختلف العلماء هل لا بد فيه من التتابع أم لا؟ فذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة في رواية إلى عدم اشتراطه (٤)، إلا أنه يستحب له ذلك.

стр. 4928

ووجه ذلك: أن الله قال: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾، ولم يُشر إلى التتابع، فينبغي العمل بظاهر الآية. وذهب الحنفية والحنابلة في المشهور عنهم إلى اشتراط التتابع (١). وحجتهم: ما جاء في قراءة أُبي بن كَعب وعبد الله بن مسعود ﵄: ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾ (٢)، وقد حكاها عنهما الإمام أحمد وجماعة في كتب التفسير، فيجب الأخذ بها؛ لأنها من كتاب الله . وإن قلنا: بأنها ليست من القرآن، فتكون بمثابة التفسير، فلعل النبي ﷺ فَسَّرها، فسمع ذلك ابنُ مسعود منه، فظن ذلك قراءة، فأقل ما يقال فيها: إنَّها تفسير يَنبغي الأخذ به. * قوله: (وأَمَّا المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَهِيَ اشْتِرَاطُ العَدَدِ فِي المَسَاكينِ فَإِنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ قَالَا: لَا يَجْزِيهِ إِلَّا أَنْ يُطْعِمَ عَشَرَةَ مَسَاكينَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَاحِدًا عَشَرَةَ أَيَّامٍ، أَجْزَأَهُ). وَهَذ المسألة لها عِدَّة صور: الصورة الأولى: أن يُطعم مسكينًا واحدًا عشرة أيام يُغَدِّيه ويُعَشِّيه، أو يُعطيه كل يوم مدًّا. الصورة الثانية: إذا لم يجد إلا مسكينًا واحدًا، فهل يكفي أم لا بد من العشرة؟

стр. 4929

الصورة الثالثة: إذا وجد خمسة فهل يجزئ أن يطعمهم أو يكسوهم مرتين أم لا يجزئ؟ وهذا كله مما اختلفت فيه أقوال العلماء. فذهب المالكية إلى أنه لا يجزئه إلا أن يطعم عشرة مساكين (١). وذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣) إلى أنه إن وجد عشرة مساكين فإنه لا يجوز له أن يطعم دونهم، وإن لم يجد إلا مسكينًا واحدًا فإنه يطعمه عشرة أيام. وذهب أبو حنيفة إلى أنه إن أطعم مسكينًا واحدًا عشرة أيام أجزأه (٤). * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ الكَفَّارَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ لِلْعَدَدِ المَذْكورِ، أَوْ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى المُكَفِّرِ، فَقُدِّرَ بِالعَدَدِ المَذْكُورِ؟ فَإِنْ قُلنَا: إِنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ لِلْعَدَدِ كَالوَصِيَّةِ، فَلَا بُدَّ مِنَ اشْتِرَاطِ العَدَدِ، وَإِنْ قُلنَا:

стр. 4930

حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى المُكَفِّرِ، لكِنَّهُ قُدِّرَ بِالعَدَدِ، أَجْزَأَ مِنْ ذلِكَ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ وَاحِدٍ عَلى عَدَدِ المَذْكُورِينَ، وَالمَسْأَلَةُ مُحْتَمِلَةٌ). أي: هل الحكم مناط بالعدد أو بالمكفر، فيكون واجبه أن يطعم عشرة، سواء كانوا عشرة في العدد، أو واحدًا يطعمه عشر مرات أو يكسوه عشر مرات؟ فإن قلنا: إنه حق واجب للعدد كالوصية، فلا بد من اشتراط العدد، فلو أن إنسانًا أوصى لعدد من الفقراء، فلا يجوز أن تُصرف لواحد، بل لا بد من أن تُدفع إلى هذا العدد. وإن قلنا: واجب على المُكَفِّر لكنه قُدِّر بالعدد، فإنه يجزئ من ذلك إطعام مسكين واحد عشر مرات. وأخذ الجمهور بظاهر الآية، وأنها نص في إطعام العشرة، فلا ينبغي أن نتجاوز هذا العدد إلا إذا تَعَذَّر، وعجزنا عنه. وذهب الحنفية إلى أن العدد ليس مقصودًا، وإنما القصد الإطعام، سواء أطعم العشرة أو أطعم واحدًا عشرة أيام في كل يوم مرة. * قوله: (وأَمَّا المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: وَهِيَ اشْتِرَاطُ الإِسْلَامِ وَالحُرِّيَّةِ فِي المَسَاكينِ؛ فَإِنَّ مَالِكًا (١)، وَالشَّافِعِيَّ (٢) اشْتَرَطَاهُمَا، وَلَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ) (٣).

стр. 4931

ذكر المؤلف ﵀ شرطين يجب توافرهما في المسكين الذي يستحق الإطعام، وهما: الإسلام والحرية، وأضاف بعض العلماء شرطًا آخر وهو: أن يكون ممن يتناول الطعام، فلا تُدفع إلى طفل صغير لم يُفطم بعد (١). فصارت الشروط ثلاثة: الأول: أن يكون مسلمًا. الثاني: أن يكون حرًّا. الثالث: أن يكون ممن يُطعم الطعام. أما الإسلام والحرية؛ فهما شرطان عند مالك، والشافعي، وأحمد (٢)، أما الإسلام فقياسًا على غيرها من المسائل التي جاءت مقيدة في الشريعة، كما في كفارة القتل الخطأ، وأما الحرية فلأن المملوك نفقته

стр. 4932

على سيده، فلا يلزم الإنفاق عليه، واختلفوا في المكاتب (١)؛ فأجاز بعضهم أن يُعطى منها، وبعضهم منع؛ فقد جاء ذكر المملوك ضمن أهل الزكاة، كما في قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠]، والمقصود: الحض على الإعتاق، ومع ذلك فإنه لا ذِكر له في كفارة اليمين؛ لأن المقصود منها سَدُّ حاجة المسكين في يومه وليلته، لكن هذا يحتاج إلى فك رقبته، فلا يُؤثر مع هذا القليل، ثم إن هذه قُصد بها الإطعام كما جاء في الآية، وتلك قُصد بها معنى آخر، فلا يدخل في ذلك العبد ولا حتى المكاتب، كما أن المكاتب الذي إذا لم يَستطع أن يؤدي ما كاتَبَ عليه، فإنه يعود حينئذٍ إلى سَيِّده فيُنفق عليه، ولذا اشترط أن يكون حرًّا. وأما أبو حنيفة ﵀ فلم يشترطهما، أي: الحرية والإسلام. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ اسْتِيجَابُ الصَّدَقَةِ هُوَ بِالفَقْرِ

стр. 4933

فَقَطْ؟ أَوْ بِالإِسْلَامِ؟ إِذْ كَانَ السَّمْعُ قَدْ أَنْبَأَ أَنَّهُ يُثَابُ بِالصَّدَقَةِ عَلَى الفَقِيرِ الغَيْرِ المُسْلِمِ). والمقصود: ما وجه استيجاب هذه الصدقة التي يجب على المُكفِّر أن يُخرجها هل هو الفقر فقط أو به وبالإسلام؟ فإن قلنا بالفقر، فلا فرق إذًا بين المسلم وغيره، وإن قلنا به وبالإسلام، فهذا يُخص به أهل الإسلام. قوله: (إِذْ كَانَ السَّمْعُ قَدْ أَنْبَأَ أَنهُ يُثَابُ بِالصَّدَقَةِ عَلَى الفَقِيرِ الغَيْرِ المُسْلِم): هذا كلام مجمل، والمقصود: أنه قد ثبت ذلك عن طريق السمع، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾، ثم قال في آخر الآية: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، وعن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: كان رسول الله ﷺ يأمر بالكفارة لأهل الإسلام، حتى نزلت هذه الآية التي ذكرناها: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾، ثم قال في آخر الآية: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾، قال: فقال رسول الله ﷺ : "مَن سأله أحدٌ فليُعطه مِن أيِّ دين كان" (١)، فهذا السمع الذي أشار إليه المؤلف. وفي "الصحيحين" عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنَّ أمها قَدِمت إليها وهي مُشركة، فذكرت إلى رسول الله ﷺ أنَّ أُمَّها قد قدمت وهي مشركة، وأنها راغبة وسألت رسول الله ﷺ هل لها أن تَصِلَها، فقال لها ﷺ : "صِلِي أُمَّك" (٢)، فأذن رسول الله ﷺ بصلتها مع كونها مشركة غير مسلمة ومع ذلك نجد أنَّ رسول الله ﷺ أَمَرَ بِصِلَتها. وفي الحديث المتفق عليه: "في كُلِّ ذاتِ كبدٍ رَطبة أَجر" (٣)، أي:

стр. 4934

كل نَفْسٍ تَنبض (١) بحياة ففيها أجر؛ سواءٌ كان إنسانًا أو حيوانًا، وسواءٌ كان هذا الإنسان مسلمًا أو غير مسلم. وجاء عن صفية ﵂ أنها تصدقت على بعض أقاربها من اليهود (٢). فاستدل الحنفية بهذه - وهي رواية عن الحنابلة أيضًا (٣) - بهذه النصوص، والأدلة في هذا الباب كثيرة؛ منها ما هو صحيح، ومنها ما في سنده مَطعن، لكن هذا هو السبب الذي أشار إليه المؤلف. كما أن آية الكفارة جاءت مطلقة: ﴿عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩]، فلم تُقيد الحنفية ذلك بالإيمان. * قوله: (فَمَنْ شَبَّهَ الكَفَّارَةَ بِالزكَاةِ الوَاجِبَةِ لِلمُسْلِمِينَ اشْتَرَطَ الإِسْلَامَ فِي المَسَاكينِ الَّذِينَ تَجِبُ لَهُمْ هَذه الكَفَّارَة، وَمَنْ شَبَّهَهَا بِالصَّدَقَاتِ الَّتِي تكُونُ عَنْ تَطَوُّعٍ، أَجَازَ أَنْ يَكُونُوا غَيْرَ مُسْلِمِينَ). يعني: مَن ألحق الكفارة بالزكاة اشترط الإسلام، إذ لا تنبغي الزكاة إلا لمسلم، كما جاء النص بذلك (٤).

стр. 4935

ومَن شبَّهها بالصدقات أجاز دفعها لغير المسلم، ومِن أهل العلم مَن أجاز إعطاءها للذِّمي بشرط ألا يُوجد مسلم (١)، فإن وجد مسلم فلا. كما سبق تفصيل ذلك. * قوله: (وَأَمَّا سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي العَبِيدِ فَهُوَ: هَل يُتَصَوَّرُ فِيهِمْ وُجُودُ الفَقْرِ أَمْ لَا، إِذَا كَانُوا مَكْفِيِّينَ مِنْ سَادَاتِهِمْ فِي غَالِبِ الأَحْوَال، أَوْ مِمَّنْ يَجِبُ أَنْ يُكْفَوْا؟ فَمَنْ رَاعَى وُجُودَ الفَقْرِ فَقَطْ قَالَ: العَبِيدُ وَالأَحْرَارُ سَوَاءٌ، إِذْ قَدْ يُوجَدُ مِنَ العَبِيدِ مَنْ يُجَوِّعُهُ سَيِّدُه، وَمَنْ رَاعَى وُجُوبَ الحَقِّ لَهُ عَلَى الغَيْرِ بِالحُكْمِ، قَالَ: يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ القِيَامُ بِهِمْ، وَيُقْضَى بِذَلِكَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا قُضِيَ عَلَيْهِ بِبَيْعِهِ فَلَيْسَ يَحْتَاجُونَ إِلَى الْمَعُونَةِ بِالْكَفَّارَاتِ، وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا مِنَ الصَّدَقَاتِ (٢). العبد المملوك الذي يقوم بخدمة سيده واجب على سيده أن يُنفق عليه، فلا يُعتبر هذا المملوك بحاجة إلى النفقة؛ لأن مسؤوليته على عاتق سيده، فكيف تُدفع له؟ وقد سبق ذكر الخلاف في العبد، وكذلك المكاتب، وبيان القول الراجح في هذه المسألة. قوله: (وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا قُضِيَ عَلَيْهِ بِبَيعِهِ … )، يعني: إن كان سيده معسرًا فإنه يبيعه. * قوله: (أَمَّا المَسْأَلَةُ السَّادِسَة، وَهِيَ: هَلْ مِنْ شَرْطِ الرَّقَبَةِ أَنْ

стр. 4936

تَكُونَ سَلِيمَةً مِنَ العُيُوبِ؟ فَإِنَّ فُقَهَاءَ الأَمْصَارِ شَرَطُوا ذَلِكَ (١)، أَعْنِي: العُيُوبَ المُؤَثِّرَةَ فِي الأَثْمَان. وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ (٢): لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهَا، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ الوَاجِبُ الأَخْذُ بِأَقَلِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الاسْم، أَوْ بِأَتَمِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ؟). اشترط أهل العلم - من حيث الجملة - في الرقبة التي تجزئ في العتق ثلاثة شروط: أولها: أن تكون مُؤمنة. وفيه خلاف (٣). والثاني: أن تكون قد صَلَّت وصامت، أي: بلغت سنن التمييز، وهو سنن السابعة غالبًا، وأكثر الفقهاء على عدم اعتبار هذا الشرط؛ لأن المقصود بالإيمان هنا: إنما هو الإسلام؛ لما جاء في حديث معاوية بن الحكم أنه أتى إلى النبي ﷺ بجاربة فسألها: "أينَ اللهُ؟ ". قالت: في السَّماء، قال: "مَنْ أَنا؟ ". قالت: أنتَ رسول الله، قال: "أَعْتِقها فإنَّها مؤمنة" (٤)، فحَكَم لها بالإيمان وهي جارية صغيرة. والثالث: أن لا تكون مَعيبة، كأن يكون هرمًا، أو يكون مريضًا

стр. 4937

مرضًا أقعده، فلا يستطيع بعدُ الكسب ولا التَّقَوِّي على العبادات، بل يكون قادرًا يستطيع الكسب إذا تَحَرَّر فينفق على نفسه، وكذلك يستطيع أن يُقَدِّم الخير للمجتمع من حوله. وهذا مذهب الأئمة الأربعة، وخالف في ذلك الظاهرية، وسبب اختلافهم: هل الأَوْلَى الأخذ بأقل ما يدلُّ عليه الاسم، أو بأتم ما يدل عليه. * قوله: (وأَمَّا المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: وَهِيَ اشْتِرَاطُ الإِيمَانِ فِي الرَّقَبَةِ أَيْضًا، فَإِنَّ مَالِكًا (١)، وَالشَّافِعِيَّ (٢) اشْتَرَطَا ذَلِكَ، وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣) أَنْ تَكُونَ الرَّقَبَةُ غَيْرَ مُؤْمِنَةٍ). ذهب مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه (٤): إلى اشتراط الإيمان في الرقبة. وأجاز أبو حنيفة - وهي رواية عن أحمد (٥) - أن تكون الرقبة غير مؤمنة.

стр. 4938

* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ: هَل يُحْمَلُ المُطْلَقُ عَلَى المُقَيَّدِ فِي الأَشْيَاءِ الَّتِي تَتَّفِقُ فِي الأَحْكَامِ، وَتَخْتَلِفُ فِي الأَسْبَابِ، كحُكْمِ حَالِ هَذِهِ الكَفَّارَاتِ مَعَ كفَّارَةِ الظِّهَارِ؟ فَمَنْ قَالَ: يُحْمَلُ المُطْلَقُ عَلَى المُقَيَّدِ فِي ذَلِكَ قَالَ بِاشْتِرَاطِ الإِيمَانِ فِي ذَلِكَ حَمْلًا عَلَى اشْتِرَاطِ ذَلِكَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وَمَنْ قَالَ: لَا يُحْمَل، وَجَبَ عِنْدَهُ أَنْ يَبْقَى مُوجَبُ اللَّفْظِ عَلَى إِطْلَاقِهِ"). الجمهور في هذه المسألة على عدم الأخذ بظاهر الآية دون تقييدها، وهو الأَوْلَى إذ يترتب على عتق الرقبة المؤمنة مصالح عِدَّة، فإن العبد الذي كان في الرق فإنه يكون مشغولًا بطاعة سَيِّده عن طاعة خالقه، ويَفوته تحصيلُ بعض الواجبات، فإذا أعتق فإنه يتفرغ لطاعة الله والتقرب إليه بأعمال البر، ويزول عنه هذا النقص القائم به في بعض الأحكام فيصبح كاملًا كغيره من الأحرار، فإنَّ الرق سبب من أسباب النقص كما هو معلوم، ولذلك خَفَّف عنه في كثير من الأحكام، ففي عتق العبد المؤمن عِلَل ومزايا لا تتوفر في عتق الكافر. قال المصنف رحمه الله تعالى: (الفَصْل الثَّالِثُ مَتَى تَرْفَعُ الكَفَّارَةُ الحِنْثَ وَكَمْ تَرْفَعُ؟ وَأَمَّا مَتَى تَرْفَعُ الكَفَّارَةُ الحِنْثَ وَتَمْحُوه، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا كَفَّرَ بَعْدَ الحِنْثِ أَوْ قَبْلَهُ فَقَدِ ارْتَفَعَ الإِثْمُ (١).

стр. 4939

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَرْتَفِعُ الحِنْثُ إِلَّا بِالتَّكْفِيرِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ الحِنْثِ لَا قَبْلَهُ (١)، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ القَوْلَانِ جَمِيعًا) (٢). من المعلوم أن الحالف بالله أو باسم من أسمائه أو بصفةٍ من صفاته؛ فإنه إما أن يَبَرَّ بيمينه هذه (٣)، وإما أن يَحْنَثَ فيها ولا يفي بها (٤)، وحينئذٍ تَلزَمُه كفارةُ الحنث في اليمين. والمؤلف هاهنا يَتناوَل كفارةَ الحنث في اليمين؛ فالعلماء يختلفون في أداء كفارة الحنث، فيما إذا كان يجوز أداؤها قبل الحنث أم أنه لا بد من أدائها بعد الحنث فقط على النحو التالي: القول الأول: وهو جواز التكفير قبل الحنث، وعليه أكثر أهل العلم متن الشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، وكذلك المالكية في إحدى الروايتين (٧)؛

стр. 4940

لأن الله رَبَطَ الكفارةَ باليمين لا بالحنث، فقال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾، ثم قال بعدها: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وقال في الآية الأُخرى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [تحريم: ٢]، ولم يَذكُر الحنثَ في هذا المَقام (١)، فاتفقوا على جواز التكفير قبل وقوع الحنث، إلا أن الشافعية استثنوا من ذلك الصيامَ؛ لأنه من الأعمال البدنية التي لا تدخل في ذلك (٢). القول الثاني: وهو عدم جواز التكفير قبل الحنث: وإليه ذهب الحنفية (٣)، والمالكية في الرواية الأخرى (٤)؛ حيث استدلوا بالدليل التعليليِّ، فَرَأَوْا أن التكفير قبل الحنث هو تكفيرٌ قبل وجود سببه؛ لأن الحنث عندهم هو سببٌ للتكفير، فإذا وُجِدَ التكفير قبل وقوع الحنث فيكون
следующие страницы →