← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

تَكُونَ سَلِيمَةً مِنَ العُيُوبِ؟ فَإِنَّ فُقَهَاءَ الأَمْصَارِ شَرَطُوا ذَلِكَ (١)، أَعْنِي: العُيُوبَ المُؤَثِّرَةَ فِي الأَثْمَان. وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ (٢): لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهَا، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ الوَاجِبُ الأَخْذُ بِأَقَلِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الاسْم، أَوْ بِأَتَمِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ؟). اشترط أهل العلم - من حيث الجملة - في الرقبة التي تجزئ في العتق ثلاثة شروط: أولها: أن تكون مُؤمنة. وفيه خلاف (٣). والثاني: أن تكون قد صَلَّت وصامت، أي: بلغت سنن التمييز، وهو سنن السابعة غالبًا، وأكثر الفقهاء على عدم اعتبار هذا الشرط؛ لأن المقصود بالإيمان هنا: إنما هو الإسلام؛ لما جاء في حديث معاوية بن الحكم أنه أتى إلى النبي ﷺ بجاربة فسألها: "أينَ اللهُ؟ ". قالت: في السَّماء، قال: "مَنْ أَنا؟ ". قالت: أنتَ رسول الله، قال: "أَعْتِقها فإنَّها مؤمنة" (٤)، فحَكَم لها بالإيمان وهي جارية صغيرة. والثالث: أن لا تكون مَعيبة، كأن يكون هرمًا، أو يكون مريضًا

стр. 4937

مرضًا أقعده، فلا يستطيع بعدُ الكسب ولا التَّقَوِّي على العبادات، بل يكون قادرًا يستطيع الكسب إذا تَحَرَّر فينفق على نفسه، وكذلك يستطيع أن يُقَدِّم الخير للمجتمع من حوله. وهذا مذهب الأئمة الأربعة، وخالف في ذلك الظاهرية، وسبب اختلافهم: هل الأَوْلَى الأخذ بأقل ما يدلُّ عليه الاسم، أو بأتم ما يدل عليه. * قوله: (وأَمَّا المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: وَهِيَ اشْتِرَاطُ الإِيمَانِ فِي الرَّقَبَةِ أَيْضًا، فَإِنَّ مَالِكًا (١)، وَالشَّافِعِيَّ (٢) اشْتَرَطَا ذَلِكَ، وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣) أَنْ تَكُونَ الرَّقَبَةُ غَيْرَ مُؤْمِنَةٍ). ذهب مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه (٤): إلى اشتراط الإيمان في الرقبة. وأجاز أبو حنيفة - وهي رواية عن أحمد (٥) - أن تكون الرقبة غير مؤمنة.

стр. 4938

* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ: هَل يُحْمَلُ المُطْلَقُ عَلَى المُقَيَّدِ فِي الأَشْيَاءِ الَّتِي تَتَّفِقُ فِي الأَحْكَامِ، وَتَخْتَلِفُ فِي الأَسْبَابِ، كحُكْمِ حَالِ هَذِهِ الكَفَّارَاتِ مَعَ كفَّارَةِ الظِّهَارِ؟ فَمَنْ قَالَ: يُحْمَلُ المُطْلَقُ عَلَى المُقَيَّدِ فِي ذَلِكَ قَالَ بِاشْتِرَاطِ الإِيمَانِ فِي ذَلِكَ حَمْلًا عَلَى اشْتِرَاطِ ذَلِكَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وَمَنْ قَالَ: لَا يُحْمَل، وَجَبَ عِنْدَهُ أَنْ يَبْقَى مُوجَبُ اللَّفْظِ عَلَى إِطْلَاقِهِ"). الجمهور في هذه المسألة على عدم الأخذ بظاهر الآية دون تقييدها، وهو الأَوْلَى إذ يترتب على عتق الرقبة المؤمنة مصالح عِدَّة، فإن العبد الذي كان في الرق فإنه يكون مشغولًا بطاعة سَيِّده عن طاعة خالقه، ويَفوته تحصيلُ بعض الواجبات، فإذا أعتق فإنه يتفرغ لطاعة الله والتقرب إليه بأعمال البر، ويزول عنه هذا النقص القائم به في بعض الأحكام فيصبح كاملًا كغيره من الأحرار، فإنَّ الرق سبب من أسباب النقص كما هو معلوم، ولذلك خَفَّف عنه في كثير من الأحكام، ففي عتق العبد المؤمن عِلَل ومزايا لا تتوفر في عتق الكافر. قال المصنف رحمه الله تعالى: (الفَصْل الثَّالِثُ مَتَى تَرْفَعُ الكَفَّارَةُ الحِنْثَ وَكَمْ تَرْفَعُ؟ وَأَمَّا مَتَى تَرْفَعُ الكَفَّارَةُ الحِنْثَ وَتَمْحُوه، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا كَفَّرَ بَعْدَ الحِنْثِ أَوْ قَبْلَهُ فَقَدِ ارْتَفَعَ الإِثْمُ (١).

стр. 4939

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَرْتَفِعُ الحِنْثُ إِلَّا بِالتَّكْفِيرِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ الحِنْثِ لَا قَبْلَهُ (١)، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ القَوْلَانِ جَمِيعًا) (٢). من المعلوم أن الحالف بالله أو باسم من أسمائه أو بصفةٍ من صفاته؛ فإنه إما أن يَبَرَّ بيمينه هذه (٣)، وإما أن يَحْنَثَ فيها ولا يفي بها (٤)، وحينئذٍ تَلزَمُه كفارةُ الحنث في اليمين. والمؤلف هاهنا يَتناوَل كفارةَ الحنث في اليمين؛ فالعلماء يختلفون في أداء كفارة الحنث، فيما إذا كان يجوز أداؤها قبل الحنث أم أنه لا بد من أدائها بعد الحنث فقط على النحو التالي: القول الأول: وهو جواز التكفير قبل الحنث، وعليه أكثر أهل العلم متن الشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، وكذلك المالكية في إحدى الروايتين (٧)؛

стр. 4940

لأن الله رَبَطَ الكفارةَ باليمين لا بالحنث، فقال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾، ثم قال بعدها: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وقال في الآية الأُخرى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [تحريم: ٢]، ولم يَذكُر الحنثَ في هذا المَقام (١)، فاتفقوا على جواز التكفير قبل وقوع الحنث، إلا أن الشافعية استثنوا من ذلك الصيامَ؛ لأنه من الأعمال البدنية التي لا تدخل في ذلك (٢). القول الثاني: وهو عدم جواز التكفير قبل الحنث: وإليه ذهب الحنفية (٣)، والمالكية في الرواية الأخرى (٤)؛ حيث استدلوا بالدليل التعليليِّ، فَرَأَوْا أن التكفير قبل الحنث هو تكفيرٌ قبل وجود سببه؛ لأن الحنث عندهم هو سببٌ للتكفير، فإذا وُجِدَ التكفير قبل وقوع الحنث فيكون

стр. 4941

قد وُجِدَ قبل وجود السبب، فلم يجيزوه (١). * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ شَيْئَانِ). والحقيقة أن هناك سببين بالإضافة إلى ذلك التعليل الذي أَورَدَه المؤلفُ. * قوله: (أَحَدُهُمَا: اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ فِي قَوْلِهِ ﵊: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ" (٢)، فَإِنَّ قَوْمًا رَوَوْهُ هَكَذَا، وَقَوْمٌ رَوَوْهُ: "فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" (٣)، وَظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الكَفَّارَةَ تَجُوزُ قَبْلَ الحِنْثِ، وَظَاهِرُ الثَّانِيَةِ أَنَّهَا بَعْدَ الحِنْثِ). فالسبب الأول من أسباب اختلاف العلماء في المسألة - كما ذَكرَ المؤلِّفُ -: هو اختلاف الروايات؛ حيث وَرَدَ في بعض الروايات مجيء الكفارة في آخر الحديث بما يعني أداءها بعد الحنث، وفي روايةٍ أُخرى

стр. 4942

جاءت الكفارةُ أَوَّلًا بما يعني أن يُحَلِّلَ اليمينَ بالكفارة ثم بعدها يأتي الذي هو خيرٌ، مما يشير إلى جواز الأمرين (١). هكذا أورَدَها المؤلف، أما العلماء فإنهم يستدلون بما وَرَدَ في كتاب الله من رَبْطِ الكفارة باليمين لا الحنث، مما يعني جواز تَقَدُّم الكفارة على الحنث. * قوله: (وَالسَّبَبُ الثَّانِي: اخْتِلَافُهُمْ فِي هَلْ يُجْزِي تَقْدِيمُ الحَقِّ الوَاجِبِ قَبْلَ وَقْتِ وُجُوبِهِ؟ لِأَنَّهُ مِنَ الظَّاهِرِ أَنَّ الكَفَّارَةَ إِنَّمَا تَجِبُ بَعْدَ الحِنْثِ، كَالزَّكَاةِ بَعْدَ الحَوْلِ. وَلقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ الكَفَّارَةَ إِنَّمَا تَجِبُ بِإِرَادَةِ الحِنْثِ وَالعَزْمِ عَلَيْهِ، كالحَالِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، فَلَا يَدْخُلُهُ الخِلَافُ مِنْ هَذِهِ الجِهَةِ). وأما السبب الثاني من أسباب الخلاف في المسألة: فهو اختلاف العلماء في إجزاء تقديم الحق الواجب قبل وقت وجوبه، فمن المعلوم أن ذلك جائز في بعض أحكام الشريعة، كما هو الحال في جواز تقديم زكاة المال (٢)؛ فإن العباس ﵁ عم رسول الله ﷺ قَدَّمَها فقال رسول الله ﷺ : "مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ كَان فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّه، وَأَمَّا العَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا" (٣)، أي: أنه قَدَّمَ زكاةَ مالِهِ فَزَكَّاهُ في العام الذي قَبْلَهُ. فالظاهر أن الزكاة إنما تجب بحَوَلان الحوْل، لكن يجوز تقديمها قبل ذلك (٤). * قوله: (وَكَانَ سَبَبُ الخِلَافِ مِنْ طَرِيقِ المَعْنَى هُوَ: هَلِ الكَفَّارَةُ

стр. 4943

رَافِعَةٌ لِلْحِنْثِ إِذا وَقَعَ، أَوْ مَانِعَةٌ لَهُ؟ فَمَنْ قَالَ: مَانِعَةٌ، أَجَازَ تَقْدِيمَهَا عَلى الحِنْثِ، وَمنْ قَالَ: رَافِعَةٌ، لَمْ يُجِزْهَا إِلَّا بَعْدَ وُقُوعِهِ) (١). فهاهنا يعود المؤلف للتعليل الذي ذَكَرَهُ قبل ذلك، وهو تَأَرْجُحُ الكفارة بين أن تكون مانعةً للحنث أو رافعةً له. * قوله: (وَأَمَّا تَعَدُّدُ الكَفَّارَاتِ بِتَعَدُّدِ الأَيْمَانِ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا - فِيمَا عَلِمْتُ - أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى أُمُورٍ شَتَّى بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ أَنَّ كفَّارَتَهُ كفَّارَةُ يَمِينٍ وَاحِدَةٍ). والمؤلف هاهنا سيتناول مسائلَ متعددةً، وهذه المسائل مما تحتاج إلى دِقَّةٍ في التناول والتصوير، ولكن تناوُلَه لإحدى هذه المسائل شَابَهُ غموضٌ فصار مراده منها غير واضحٍ. وبيان هذه المسائل كالتالي: المسألة الأولى: إذا حَلَفَ يمينًا واحدةً على أشياءَ متعددةٍ، كأن يقول: (والله ما أكلتُ ولا شربتُ ولا لبستُ). فهاهنا اتَّفَقَ أهل العلم على أنه لا تلزمه إلا كفارةٌ واحدةٌ، ولا خلافَ في ذلك. المسألة الثانية: إذا حَلَفَ أيمانًا متعددةً على أشياءَ متعددةٍ، كأن يقول: (والله ما أكلت، والله ما شربتُ، والله ما لبستُ).

стр. 4944

وهاهنا ذَهَبَ العلماءُ إلى أنه تلزمه الكفارة على كل شيءٍ حَنَثَ فيه من هذه الإيمان؛ نَظَرًا لِتَكَرُّرِ اليمين، فإذا حَنَثَ فيها جميعًا لَزِمَتْهُ كفاراتٌ بعددها (١).

стр. 4945

* قوله: (وَكَذَلِكَ فِيمَا أَحْسَبُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّهُ إِذَا حَلَفَ بِأَيْمَانِ شَتَّى عَلَى شَيءٍ وَاحِدٍ أَنَّ الكَفَّارَاتِ الوَاجِبَةَ فِي ذَلِكَ بِعَدَدِ الأَيْمَان، كالحَالِفِ إِذَا حَلَفَ بِأَيْمَانٍ شَتَّى عَلَى أَشْيَاءَ شَتَّى). المسألة الثالثة: وهي إذا حَلَفَ أيمانًا متعددةً على شيءٍ واحدٍ. وكلام المؤلف فيها يَعتَرِيه غموضٌ، فإنه ذَكَرَ أن لا خلافَ في هذه المسألة، والحقيقة أن فيها شيئًا من الخلاف وليست من المسائل محل الاتفاق كما ذَكَرَ المؤلف، ويبدو أنه يقصد الحديث عن مسألة أخرى، وهي ما إذا حَلَفَ أيمانًا شتى بألفاظٍ مختلفةٍ، فحينئذٍ تختلف الصورة ويختلف الحُكم (١). المسألة الرابعة: إذا حَلَفَ يمينًا واحدةً على شيءٍ واحدٍ ولكنه كَرَّرَ اليمينَ، وهذه الصورة واضحة جدًّا لا لَبْس فيها، ومثالها قول الرسول ﷺ : "والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون

стр. 4946

قريشًا"، وفي بعض الروايات قال: "إن شاء الله" (١)، حيث كَرَّرَ الرسول ﷺ اليمينَ بصيغةٍ واحدةٍ ولفظٍ واحدٍ وأقسَمَ على شيءٍ واحدٍ. وهذه المسألة محل خلافٍ بين أهل العلم فيما إذا كانت تستوجب كفارةً واحدةً أم ثلاثَ كفاراتٍ، وكذلك اختلفوا فيما إذا كان هناك فرقٌ بين أن يَفصِلَ الحالفُ بين هذه الأيمانِ بحرفٍ وألا يَفصلَ بينها، وكذلك اختلفوا في الفرق بين إرادة الحالف التأكيدَ وبين أن يريدَ بها التغييرَ (٢). هذا إذا كان مراد المؤلف هو الصورة التي ذَكَرناها والتي مثالها حديث رسول الله ﷺ ، أما إذا كان قوله: (بأيمانٍ شتى) يقصد به (أيمانًا مختلفةً) فالحُكم فيها ليس كما ذَكَرَ، والمسألة فيها خلافٌ. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا حَلَفَ عَلَى شَيءٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ مِرَارًا كَثِيرَةً). فعبارة المؤلف فيها نقصٌ؛ ولذلك وُجِدَ الالتباسُ بين هذه وتلك، فقوله: (على شيءٍ واحدٍ بعينه) مثاله قوله الرسول ﷺ : "والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا"، ولذلك فإن العبارة يعتريها شيءٌ من النقص، ويبدو أن فيها سَقطًا، ولذلك تَأَوَّلْنَاها. * قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: فِي ذَلِكَ كفَّارَةُ يَمِينٍ وَاحِدَةٍ). وهو قول الحنابلة (٣). * قول: (وَقَالَ قَوْمٌ: فِي كُلِّ يَمِينٍ كفَّارَةٌ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ التَّأكيدَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ) (٤).

стр. 4947

وهو كذلك قول الحنفية (١). * قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: فِيهَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ التَّغْلِيظَ (٢)، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ المُوجِبُ لِلتَّعَدُّدِ هُوَ تَعَدُّدُ الأَيْمَانِ بِالجِنْسِ أَوْ بِالعَدَدِ؟ فَمَنْ قَالَ: اخْتِلَافُهَا بِالعَدَدِ قَالَ: لِكُلِّ يَمِينٍ كفَّارَةٌ إِذَا كَرَّرَ. وَمَنْ قَالَ: اخْتِلَافُهَا بِالجِنْسِ قَالَ: فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ يَمِينٌ وَاحِدةٌ). فسبب اختلاف الأقوال: هو الاختلاف بين أن يكون الموجِب إنما هو تعدد الإيمان بجنس اليمين وبين أن يكون بعدد الإيمان. فمن قال: (بجنس اليمين). حَمَلَهَا على يمينٍ واحدةٍ. ومن قال: (بعدد الأيمان) حَمَلَهَا على أن لكل يمينٍ كفارة (٣). وهذا يؤكِّد ما ذَهَبْنَا إليه في المسألة الأولى مِن أن عبارة المؤلِّفِ يَعتَرِيها النَّقْصُ.

стр. 4948

* قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا حَلَفَ فِي يَمِينٍ وَاحِدَةٍ بِأَكثَرَ مِنْ صِفَتَيْنِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، هَلْ تُعَدَّدُ الكَفَّارَاتُ بِتَعَدُّدِ الصِّفَاتِ الَّتِي تَضَمَّنَتِ اليَمِينُ أَمْ فِي ذَلِكَ كفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ؟). فإذا حَلَفَ بقدرة الله وعَظَمَتِهِ وعِزَّتِهِ، فهل يُكتَفَى بكفارةٍ واحدةٍ، أم يَلزَم كفارةٌ عن كلِّ صفةٍ من هذه الصفات التي أَقسَمَ بها. * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: الكَفَّارَةُ فِي هَذِهِ اليَمِينِ مُتَعَدِّدَةٌ بِتَعَدُّدِ الصِّفَاتِ. فَمَنْ حَلَفَ بِالسَّمِيعِ العَلِيمِ الحَكِيمِ كَانَ عَلَيْهِ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ عِنْدَهُ. وَقَالَ قَوْمٌ: إِنْ أَرَادَ الكَلَامَ الأَوَّلَ وَجَاءَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ قَوْلٌ وَاحِدٌ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ؛ إِذْ كَانَتْ يَمِينًا وَاحِدَةً). فمذهب مالكٍ: تتعدَّد الكفارة بتعدُّد الصفات (١).

стр. 4949

ومذهب أكثر العلماء كالشافعية (١)، والحنابلة (٢): أنها يمينٌ واحدةٌ تَلزَمُها كفارةٌ واحدةٌ، هذا إذا أرادَ الكلامَ الأوَّلَ فيُحمَل حينئذٍ على أنه قولٌ واحدٌ ويمينٌ واحدةٌ، أما إذا لَم يُرِد ذلكَ فكفاراتٌ متعددةٌ. * قول: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ مُرَاعَاةُ الوَاحِدَةِ أَوِ الكَثْرَةِ فِي اليَمِينِ هُوَ رَاجِعٌ إِلَى صِيغَةِ القَوْلِ، أَوْ إِلَى تَعَدُّدِ الأَشْيَاءِ الَّتِي يَشْتَمِلُ عَلَيْهَا القَوْلُ الَّذِي مَخْرَجُهُ مَخْرَجُ يَمِينٍ؟ فَمَنِ اعْتَبَرَ الصِّيغَةَ قَالَ: كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ (٣)، وَمَنِ اعْتَبَرَ عَدَدَ مَا تَضَمَّنَتْهُ صِيغَةُ القَوْلِ مِنَ الأَشْيَاءِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يُقْسَمَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى انْفِرَادِهِ قَالَ: الكَفَّارَةُ مُتَعَدِّدَةٌ بِتَعَدُّدِهَا) (٤).

стр. 4950

فَمَن بَنَى الحُكْمَ على صيغة القول وأنها تَكرارٌ من أجل التأكيد حَمَلَها على أنها يمينٌ واحدةٌ تَلزَمُها كفارةٌ واحدةٌ. وَمَن بَنَاهُ على تَعَدُّدِ الصِّفاتِ الواردة في اليمين رأى فيها كفاراتٍ بِعَدَدِ الصفات الواردة؛ لأن كل صفةٍ منها لو استقلَّت في يمينٍ لَلَزِمَتْها كفارةٌ مُستقِلَّةٌ. والحقيقة: أن هذا يخضَع لقاعدةٍ فقهية، وهي: (أنه إذا اجتمَعَ أمران من جِنسٍ واحدٍ ولم يختلف مقصودهما دَخَلَ أحدُهما في الآخر تَبَعًا)، فكثيرٌ من أحكام الشريعة تتداخل، وهو ما يُعرَف بِتَدَاخُل العبادات (١). ومثال ذلك: قول الرسول ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" (٢). لكن إذا جاءَ أحدُهم وَوَجَدَ الصلاةَ قد أُقِيمَت فإن صلاة الفريضة تكفيه حينئذٍ عن تحية المسجد. ومثاله كذلك: لو أن أحدهم جاء إلى المسجد وكان الإمام قد كَبَّرَ للركوع، فإنه حينئذٍ يُكبِّر تكبيرةَ الإحرام وتَدخُلُ فيها حينئذٍ تكبيرة الركوع، ولا يجوز أن يُكَبِّرَ تكبيرةَ الركوع وينوي تكبيرةَ الإحرام فيها؛ لأن تكبيرة الإحرام رُكْنٌ، أما تكبيرة الركوع فهي واجبةٌ أو سُنَّةٌ عند البعض. * قوله: (وَهَذَا القَدْرُ كافٍ فِي قَوَاعِدِ هَذَا الكِتَابِ وَسَبَبِ الاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ المُعِينُ بِرَحْمَتِهِ). ويشير المؤلِّفُ هاهنا إلى أن ما ذَكَرَه من القواعد والمسائل في هذا الكتاب كافٍ لِلدَّارِسِ. * * *

стр. 4951

[كِتَابُ النُّذُورِ] (كتاب النذور): هو الكتاب الذي تذكَر فيه الأحكامُ المتعلِّقة بالنذور. والمؤلف - كما ذَكَرْنَا - سارَ على منهجِ معيَّنٍ في هذا الكتاب، وهو أنه يَكتفي بِذِكر أمهات المسائل، وهي المسائل التي نَطَقَ بها النَّصُّ أو ما أُخِذَت من ظاهِرِهِ أو كانت على صلةٍ وثيقةٍ به، ولا يخرق ذلك المنهج إلا عندما يقتضي المَقامُ ذِكرَ بعض فروع المسائل، وإلا فهو يكتفي بذِكر أمهات المسائل التي تُعرَف بالقواعد الفقهية، ولذا فإن العلماء وَصَفُوا هذا الكتابَ بأنه من كُتُب القواعد الفقهية (١). والنذور: جَمْعُ نَذْرٍ (٢). والنذر في اللغة: الالتزام بشيءٍ. وفي الاصطلاح: هو أن يلتزم الإنسان بإيجاب أمرٍ على نفسه دون أن تُوجِبَه الشريعةُ (٣).

стр. 4952

ومن هذا الجانب يختلف النذر عن الفرائض والواجبات كالصلاة والزكاة والصوم والحج في أن هذه الفرائض إنما أَوجَبَها الشرعُ وأَوجَبَ الأحكامَ المترتبةَ عليها، أما النذر فإن الإنسانَ هو مَن أَوجَبَه على نفسه وَأَلزَمَ نفسَهُ به. أحوال النذر: النذر قد يكون مُنَجَّزًا وقد يكون مُعَلَّقًا. النذر المُنَجَّزُ: كأن يقول الإنسان: (لله عَلَيَّ أن أُصَلِّيَ ركعتَيْن) أو: (أن أُصَلِّيَ أربع ركعاتٍ) يقصد بها التطوُّعَ لله بذلك. النذر المُعَلَّقُ: كأن يقول الإنسان: (إن شَفَى اللهُ مريضِيَ سأصوم شهرًا)، بمعنى أن يُقَيِّدَ نَذْرَهُ بشَرْطٍ من الشروط متى ما وُجِدَ الشرطُ وَجَبَ الوفاء بالنذر. وقد يحصل الشرط الذي شَرَطَهُ الإنسانُ للوفاء بنذره، ولكن يصادف أن يتعارض الوفاء بالنذر مع عبادةٍ مماثلةٍ، كأن يحصل الشرط في رمضان مثلًا ويكون النَّاذِرُ قد نَذَرَ صيامَ شهرٍ؛ فحينئذٍ يعالج العلماء هذا الإشكال بأن يصومَ النَّاذِرُ شهر رمضان لأنه رُكنٌ ويدخُلُ فيه صيام النذر تبعًا (١)،

стр. 4953

وهناك من العلماء من رأى أنه يصوم رمضان ثم يقضي صيامَ النذرِ بعده، وهو رأيٌ ليس بالقويِّ (١). فهناك أمثلة كثيرةٌ وصُوَرٌ متعددةٌ لمسائل النذر لم يَذكُرها الكتاب؛ لأنَّ مؤلِّفَه لا يتقَصَّى فيه جميع المسائل، وإنما يبحث في أمهاتها فقط؛ ولذا فإنه دَخَلَ في المسائل مباشَرةً دون التقديم لها بمقدِّماتٍ، ودون أن يُبَيِّنَ الأصلَ الذي بُنِيَ عليه كتاب النذر من أدلة الثبوت والمشروعية ومثل ذلك؛ فالنذر ثابتٌ من كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ وإجماع أهل العلم على ذلك. أدلة النذر من كتاب الله : - قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ [الإنسان: ٧]. - وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا

стр. 4954

بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩]، فقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا﴾ جاء المضارع فيه متصلًا بلام الأمر (١). أدلة النذر من السُّنَّةِ: الأحاديث في ذلك كثيرةٌ جدًّا يصعب تَقَصِّيها (٢)، ومنها: - قول الرِسول ﷺ في الحديث المتَّفَق عليه: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْه، وَمَنْ نَذرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ" (٣). - وقوله ﷺ : "لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ" (٤). فَمِنَ النذر ما يكون معصيةً لله، والواجب على الإنسان إذا نَذَرَ ما فيه معصيةٌ لله ألا يلتفت إليه بل يطرحه وراءه، وسيأتي الحديث في نذر المعصية فيما إذا كان له كفارةٌ أم لا. - وكذلك ما ورد من: أنَّ رجلًا نَذَرَ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللهِ ﷺ أَنْ ينْحَرَ بِبُوَانَةَ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ بِبُوَانَةَ (٥)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ " قَال: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوْفِ بِنَذْرِكَ؛ فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ، فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدمَ" (٦).

стр. 4955

فلو كان في هذا النذر أمرًا من الأُمور المنهية لأَمَرَه الرسولُ ﷺ بالابتعاد عن ذلك؛ حتى لا يقع في تعظيم الوَثَنِ أو العِيدِ مما يتنافى مع أصول الشريعة؛ فالله عندما أَمَرَ عبادَهُ بعَمَلِ الصالحات قَيَّدَ هذا الأمرَ بالإيمان، فقال : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾ [النساء: ١٢٤]. وقال في الآيةِ الأُخرى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧]. هل النذر واجبٌ أم مُستَحَبٌّ؟ النذر ليس واجبًا؛ لأن وجوبه لم يَرِدْ بأصل الشريعة، وإنما جاءَ وُجوبُهُ بإيجاب الإنسان له على نفسه. أما استحبابه فقد اختلف العلماء فيه على النحو التالي: القول الأول: عدم استحبابه؛ لقول الرسول ﷺ في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ نَهَى عن النذر وقال: "إنه لا يأتي بخيرٍ، وإنما يُستَخرَج به من البخيل" (١)؛ هذا لأن الإنسان لا يحتاج أن يَنذِرَ حتى يَفعَلَ الخيرَ، وإنما يفعله من تلقاء نفسه دون حاجةٍ لِلنَّذْرِ، فالباب مفتوحٌ لعمل الخيرات وفيه سَعةٌ (٢)، كما قال الله : ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦].

стр. 4956

القول الثاني: أنه مكروهٌ كراهةَ تنزيهٍ لا كراهةَ تحريمٍ (١). القول الثالث: أنه مباحٌ (٢)، وهو ما نقول به؛ لأن الله أَثنَى على الذين يوفون بنذورهم، فقال : ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ [الإنسان: ٧]، فجاء ذلك في مَقام المدح (٣).

стр. 4957

* قول: (وَهَذَا الكِتَابُ فِيهِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ). (وهذا الكتاب)، أي: كتاب النذر. (فيه ثلاثة فصولٍ)، أي: ثلات قواعد يدور حَوْلَها كتاب النذر ومسائله؛ لأن القاعدة إنما هي حُكمٌ كُلَيٌّ ينطبق على جزئياته - أي: المسائل الفرعية - التي تتفرع منه (١)؛ فَمَن ضَبَطَ هذه الفصولَ سَهُلَ عليه الإلمامُ بالفروع بأن يَرُدَّهَا إلى أصلِها. * قول: (الفَصْلُ الأَوَّلُ: فِي أَصْنَافِ النُّذُورِ). فالنذور عدة أصنافٍ لا صنفٌ واحدٌ كما سيأتي. * قول: (الفَصْلُ الثَّانِي: فِيمَا يَلْزَمُ مِنَ النُّذُورِ وَمَا لَا يَلْزَم، وَجُمْلَةُ أَحْكَامِهَا). بمعنى: أنه ليس كل نَذْرٍ يَنذِرُه الإنسان يَلزَمه الوفاء به، فلو أن إنسانًا نَذَرَ أن يُصلِّيَ صلاة الفريضة الواجبة عليه، فهذا لا يُعَدُّ نَذْرًا في حقيقة الأمر (٢).

стр. 4958

وكذلك نَذْرُ الأُمور مُستحيلة التحقُّقِ، كأنْ يَنذِرَ إنسانٌ أن يُصَلِّيَ في الأمس؛ لأن هذا الأمس قد مَضَى، وإرجاع الأمس ليس بمقدوره ولا بمقدور أهل الأرض جميعًا (١).

стр. 4959

فالنذر إذَنْ ليس على نسَقٍ واحدٍ، وإنما هو أنواعٌ كما نرى. * قوله: (الفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ الشَّيءِ الَّذِي يَلْزَمُ عَنْهَا وَأَحْكَامِهَا). يعني: معرفة الأُمور التي تَلزَمُ من هذا النذر والأحكام المترتبة عليه. فإن الله قد جَعَلَ مَخرَجًا للناذر من نَذْرِهِ إذا نَذَرَ ما يَشُقُّ عليه الوفاءُ به؛ لأن الشريعة الإسلامية إنما بُنِيَت على أُسُس، من هذه الأُسُس التيسيرُ ورَفْعُ الحَرَجِ (١). ومثال ذلك: قصة الرجل الذي نَذَرَ أن يصوم ولا يَستظِلَّ وألا يَتَكَلَّمَ، فأنكر عليه الرسول ﷺ وقال: "مُرُوهُ فَلْيَقْعُدْ، وَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ" (٢). وكذلك قصة المرأة التي أَقسَمَت أن تَحُجَّ ماشيةً فعَجَزَتْ (٣).

стр. 4960

وقصة عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ لَمَّا أراد أن يصوم الدهر فَنَصحَهُ رسولُ الله ﷺ ، ثم لَمَّا تَقدَّمَ به السِّنُّ شَقَّ عليه الأمرُ (١). قال المصنف رحمه الله تعالى: الفَصْلُ الأَوَّلُ فِي أصْنَافِ النُّذُورِ وَالنُّذُورُ تَنْقَسِمُ أَوَّلًا قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ، وَقِسْمٌ مِنْ جِهَةِ الأشْيَاءِ الَّتِي تُنْذَر، فَأَمَّا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ، فَإِنَّهُ ضَرْبَانِ: مُطْلَقٌ، وَهُوَ المُخْرَجُ مَخْرَجَ الخَبَرِ، وَمُقَيَّدٌ: وَهوَ المُخْرَجُ مُخْرَجَ الشَّرْطِ، وَالمُطْلَقُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُصَرَّحٌ فِيهِ بِالشَّيءِ المَنْذُورِ بِهِ، وَغَيْرُ مُصَرَّحٍ، فَالأَوَّلُ: مِثْلُ قَوْلِ القَائِلِ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ أَنْ أَحُجَّ. وَالثَّانِي مِثْلُ قَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ، دُونَ أَنْ يُصَرِّحَ بِمَخْرَجِ النَّذْرِ، وَالأوَّلُ رُبَّمَا صَرَّحَ فِيهِ بِلَفْظِ النُّذُورِ، وَرُبَّمَا لَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ بِهِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَحُجَّ).

стр. 4961

أقسام النذر: للنذر تقسيمان ذَكرَهُما المؤلِّفُ: - حيث قَسَّمَهُ من جهة لَفْظِ النذر إلى: نَذْرٍ مُطْلَقٍ، ونَذْرٍ مُقَيَّدٍ. - وقَسَّمَهُ من جهة المعاني المنذور بها إلى: نذرٍ بأشياء من جنس القُرَب، ونذرٍ بأشياء من جنس المعاصي، ونذرٍ بأشياء من جنس المكروهات، ونذرٍ بأشياء من جنس المباحات. * أقسام النذر من جهة اللفظ: أَوَلًا: النذر المُطْلَقُ: وهو الذي يَخرُجُ مَخرَجَ الخبر، كقول الإنسان: الله عَلَيَّ نَذْرٌ كذا وكذا)، دون تقييده بشرطٍ من الشروط، وهذا النوع ينقسم إلى قسمين: - نَذْرٌ مُطلَقٌ مُصَرَّحٌ فيه بالشيء المنذور به، كأن يقول: (لله عَلَيَّ نذرٌ أن أَحُجَّ)؛ حيث صَرَّحَ الناذِرُ فيه بلفظ النذر وبالشيء المنذور وهو الحَجُّ. - ونذرٌ مُطلَق غير مُصَرَّحٍ فيه بالشيء المنذور به، كأنْ يقولَ: (لله عَلَيَّ نذرٌ)؛ حيث أَطْلَقَ النذر ولم يَذكُر الشيءَ المنذورَ إذا كان حَجًّا أم صيامًا أم صدقةً أم غير ذلك (١).

стр. 4962

* قوله: (وَأَمَّا المُقَيَّدُ المُخْرَجُ مَخْرَجَ الشَّرْطِ، فَكَقَوْلِ القَائِلِ: إِنْ كَانَ كَذَا، فَعَليَّ لِلَّهِ نَذْرٌ كَذَا، وَأَنْ أَفْعَلَ كذَا). ثانيًا: النذر المُقَيَّدُ أو المُعَلَّقُ: وهو النذر الذي يَخرُجُ مَخرَجَ الشرط، أي: يشتمل على شرطٍ وجوابِ بحيث إن تَحَقَّقَ الشرطُ وَجَبَ الوفاءُ بالنذر، كأن يقول: (إن رَدَّ اللَّهُ المُسافرَ فَعَلتُ كذا وكذا)، أو: (إن نَجحَ ابني تصدَّقتُ بكذا)، أو: (إن شَفَاني اللَّهُ فعلتُ كذا) (١). وينبغي أن يكون ذلك في حدود الشريعة، لا أن يتعدَّاها إلى نَذْرِ المعصية بحالٍ (٢). * قوله: (وَهَذا رُبَّمَا عَلَّقَهُ بِفِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى، مِثْلَ أَنْ

стр. 4963

يَقُولَ: إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي، فعَلَيَّ نَذْرٌ كَذَا وَكذَا، وَرُبَّمَا عَلَّقَهُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: إِنْ فَعَلْتُ كَذَا، فَعَلَيَّ نَذْرٌ كَذَا، وَهَذَا هوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ الفُقَهَاءُ أَيْمَانًا) (١). أي: أن هذا النذر المُعَلَّقَ ربما عَلَّقَهُ النَّاذِرُ بفعلٍ من الأفعال التي لا تَصدُرُ إلا عن الله كالشفاء والعز والرزق، ومثل هذه الأمور التي لا يملكها إلا الله ، فهو الذي يَرفَع ويَخفضُ ويذل ويعز، كما قال تعالى : ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]. وربما عَلَّقَهُ بفعلٍ من الأفعال العادية كَفِعلِ نفسِهِ، كأن يقولَ: (إن فعلتُ كذا فعَلَيَّ نَذْرٌ كذا وكذا). فهذه النذور المتعلقة بفِعل الإنسان يُسَمِّيها الفقهاء أَيْمَانًا (٢)، بخلاف النذور المتعلقة بفِعل الله ؛ فالتفرقة بين الأمرين إنما هو من كمال العقيدة. * قوله: (وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِنَا: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِأَيمَانٍ).

стр. 4964

وهاهنا يعارِضُ المؤلِّفُ هذه العبارةَ؛ لأنه لا يراها يمينًا، وإنما هي عنده داخلةٌ في النذر (١). * قوله: (فَهَذِهِ هِيَ أَصْنَافُ النُّذُورِ مِنْ جِهَةِ الصِّبَغِ). أي: أن ما سبق من أنواع إنما هو مندرج تحت التقسيم الأول، وهو تقسيم النذر من جهة لفظه وصيغته. * قوله: (وَأَمَّا أَصْنَافُهُ مِنْ جِهَةِ الأَشْيَاءِ الَّتِي مِنْ جِنْسِ المَعَانِي المَنْذُورِ بِهَا، فَإِنَّهَا تَنْقَسِمُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: نَذْرٌ بِأَشْيَاءَ مِنْ جِنْسِ القُرَبِ، وَنَذْرٌ بِأَشْيَاءَ مِنْ جِنْسِ المَعَاصِي، وَنَذْرٌ بِأَشْيَاءَ مِنْ جِنْسِ المَكْرُوهَاتِ، وَنَذْرٌ بِأَشْيَاءَ مِنْ جِنْسِ المُبَاحَاتِ) (٢).

стр. 4965

* أقسام النذر من جهة المعاني المنذور بها: أَوَّلًا: نذرٌ بأشياء من جِنس القُرَب: والقُرَبُ جَمْعُ قُربَةٍ، وهي: ما يُتَقَرَّبُ به إلى الله ، كما جاء في الحديث القدسي: "وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيءٍ أَحَبّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَلَا زَالَ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ … " إلى آخر الحديث (١). فالقُرَبُ: هي الطاعات وأفعال الخير والبِرِّ. ثانيًا: نذرٌ بأشياء من جِنس المعاصي: بِأَنْ يَنذِرَ ما فيه معصية لله ، كَأنْ يَنذِرَ أن يَشرَبَ الخمرَ، ومعلومٌ

стр. 4966

أنها مُحَرَّمة؛ لأن الرسول ﷺ بَيَّنَ ذلك بقوله: "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ" (١)، أو يَنذِرَ أن يَسرِقَ أو يزني أو يقطع طريقًا أو يحارِب اللَّهَ ورسولَهُ أو يشيع الفاحشة بين المؤمنين أو يسعى بينهم بالنميمة؛ لقوله : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣]؛ ولذا فكل ذلك إنما هو نَذْرُ معصيةٍ لا يجوز الوفاءُ به بحالٍ. ثالثًا: نذرٌ بأشياء من جِنس المكروهات: رابعًا: نذرٌ بأشياء من جِنس المباحات: فهناك أشياءُ ليست من الطاعات ولا من المعاصي، وإنما قد تكون من المكروهات أو المباحات؛ فالأحكام التكليفية خمسة أحكامٍ كما نعلم (٢)، وهي: الواجب: وهو الذي يُثاب فاعِلُه ويعاقَبُ تاركُه، كالصلوات الخمس والزكاة وغيرها. والمندوب: وهو الذي يُثاب فاعِلُه ولا يُعاقَب تاركُه، كركعتي الفجر والسُّنَن الرواتب وغيرها. والمباح: وهو الذي يستوي فيه الطرَفان بحيث لا يترتب عليه حُكمٌ، وإنما يُثاب فاعِلُه لو ابتغى به وَجْهَ الله ، كما يشهد لذلك قول الرسول ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (٣)؛ لأن الله لا يُضيعُ أجْرَ مَن أَحسَنَ عَمَلًا. كأنْ يَنذِرَ الإنسانُ أن يلبس ثوبه أو يركب دابته أو سيارته أو يأكل

стр. 4967

الطعام أو يشرب الماء، فكل هذه من الأُمور المباحة التي تدخل في قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]. والمكروه: ما يُثابُ تارِكُهُ ولا يُعاقَبُ فاعِلُهُ. والحرام: ما يُعاقَبُ فاعِلُهُ ويُثابُ تارِكُهُ. ومِن العلماء مَن يتجاوز في ذلك ويقول إن اللجاجَ والغضبَ هو النوع الخامس من أنواع النذر، وهذا النوع لم يَذكُره المؤلِّفُ؛ لأن حُكمَ نَذْرِ اللجاج يرتبط بالأيمان، كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ [الملك: ٢١]. ونَذْرُ اللجاج معناه: أنه قد حَصَلَتْ معانَدةٌ واشتدَّ الأمرُ حتى أَلزَمَ الناذرُ نفسَه بهذا النَّذْرِ؛ ولذلك سُمِّيَ بـ (ندر اللجاج) أو: (نذر الغضب)، أو: (نذر المُغلَق). وحُكْمُهُ حُكْمُ الإيمان؛ بحيث إن فيه كفارةَ يمينٍ (١).

стр. 4968

وهناك مِن العلماء مَن يزيد في هذا التقسيم، بأن يجعَلَ النَّذر المُطلَقَ نوعين، فيكون هناك نذر مطلَق ونذر مُبهَمٌ (١). ومِنهُم مَن زادَ النَّذرَ الواجبَ، كأنْ يَنذِرَ الإنسانُ أن يُصلِّيَ اليومَ صلاةَ العشاءِ التي هي واجبة عليه في الأصل، لكنه نَذَرَ أن يُؤدِّيَها (٢). فحاصل الأمر: أن هناك من العلماء من جَعَلَ أقسامَ النذر سبعةَ أقسامٍ، ولكن - كما ذَكَرْنَا - فإن نَذْرَ اللجاج والغضب إنما يُذكَر في الأيمان؛ لأن كَفَّارَتَهُ كَفَّارَةُ يمينٍ؛ ولذا فإنه يأخذ أحكام الأيمان.

стр. 4969

قوله: (وَهَذِهِ الأَرْبَعَةُ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ). يعني: أقسام النذر من جهة المعاني المنذور بها، تنقسم إلى قسمين، وهما: قوله: (نَذْرٌ بِتَرْكهَا، وَنَذْرٌ بِفِعْلِهَا). - نذرٌ بتركِهَا: كأن يكون له أخطاء يرتكبها، فيَنذِر أن يَترُكَها. - ونذرٌ بفِعلِها: وهو أن يَنذِرَ فِعلَ شيءٍ مُعَيَّنٍ كصلاةٍ أو صدقةٍ أو غيرها من القُربات. قال المصنف -رحمه الله تعالى-: (الفَصْلُ الثَّانِي فِيمَا يَلْزَمْ مِنَ النُّذورِ وَمَا لا يَلْزَمُ وَأَمَّا مَا يَلْزَمُ مِنْ هَذ النُّذُورِ وَمَا لَا يَلْزَمُ). العلماء مُجمِعون على وجوب الوفاء بنذر الطاعة، ووجوب ترك الوفاء بنذر المعصية، لا خلاف في هذا (١)، أما باقي مسائل هذا الكتاب - أعني: باقي الأصناف السبعة -، فليست من المسائل المُجمَع عليها، بل إن بعضها فيه خلافٌ، فالشافعية لا يَرَوْنَ النذرَ المُطْلَقَ (٢) ولا الكفارةَ فيه (٣).

стр. 4970

قوله: (فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى لُزُومِ النَّذْرِ المُطْلَقِ فِي القُرَبِ). فالاتفاق إنما هو على وجوب الوفاء بالنذر المُطلَقِ في الطاعات (١). قوله: (إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ النَّذْرَ المُطْلَقَ لَا يَجُوزُ). بعضهم يُطلِقُ ذلك فيقول: خلافًا للشافعية، والصواب أن القائلين بعدم جواز النذر المُطْلَقِ هم بعض أصحاب الشافعي (٢)، أما الشافعية، فلهم رأيٌ آخر سَيَذكُرُها المؤلِّفُ في مسألةٍ أُخرى. قوله: (وَإِنَّمَا اتَّفَقُوا عَلَى لُزُومِ النَّذْرِ المُطْلَقِ إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الرِّضَا لَا عَلَى وَجْهِ اللَّجَاجِ، وَصُرِّحَ فِيهِ بِلَفْظِ النَّذْرِ لَا إِذَا لَمْ يُصَرَّحْ). فالشافعية يبنون هذا الرأي استنادًا إلى أن النذر المُطلَق لم يُقيَّد

стр. 4971

بشيءٍ، وما دام لم يُقَيَّدْ بشيءٍ فكأنه لَم يَكُنْ في مذهبهم (١). واللجاج: هو ما يَحصُل أثناء المعارَضة والمخاصَمَة، وهو إنما يلحق بالأيمان، ولذلك فكفارته هي كفارة يمينٍ (٢). ولذا؛ فإن أهل العلم اتفقوا على لزوم النذر المطلَق إذا كان على وجه الرضا وإذا صُرِّحَ فيه بلفظ النذر؛ هذا لِيُخرِجُوا خلافَ الشافعية، وكذلك لِيُخرِجُوا خلافَ القائلين بتقييده بالرضا (٣). قوله: (وَسَوَاءٌ أكَانَ النَّذْرُ مُصَرَّحًا فِيهِ بِالشَّيءِ المَنْذُورِ أَوْ كَانَ غَيْرَ مُصَرَّحٍ). فالمُصَرَّحُ فيه بالمنذور، كأن يقول: (الله عليَّ نذرٌ أن أحُجَّ). أما غير المُصَرَّحِ، فكأن يقول: (الله عليَّ أَنْ أَحُجَّ) ولم يَقُل: نَذْرًا (٤). قوله: (وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى لُزُومِ النَّذْرِ الَّذِي مَخْرَجُهُ مَخْرَجُ الشَّرْطِ إِذَا كَانَ نَذْرًا بِقُرْبَةٍ) (٥). كأن يقول: (إن حَصَلَ كذا فعلتُ كذا)، فأهل العلم قد اتفقوا على لزوم هذا النذر إذا كان نَذْرَ طاعةٍ، أما إذا كان نَذْرَ معصيةٍ فلا يُوَفَّى ولا يُؤَدَّى. قوله: (وَإِنَّمَا صَارُوا لِوُجُوبِ النَّذْرِ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وَلأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ مَدَحَ بِهِ،

стр. 4972

فَقَالَ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْر﴾ [الإنسان: ٧]، وَأَخْبَرَ بِوُقُوعِ العِقَابِ بِنَقْضِهِ، فَقَالَ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٥] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٧]. والمؤلِّفُ هاهنا يشير إلى حُكْمِ النذر، استنادًا منه لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾؛ حيث أَمَرَ اللَّهُ عباده بالوفاء بالعهود والعقود، والناذر إنما قد عَقَدَ العزم على شيءٍ وعاهَدَ اللَّهَ على الوفاء به، ومِن هذا الباب فإن النذر يجب الوفاء به ما لم يكن فيه معصيةٌ. واستدل كذلك بمدح الله لِلذين يوفون بنذورهم في قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾. وبِذَمِّ اللهِ لِمَن كَذبُوا في عهدهم مع الله، في قوله تعالي: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧] حيث إنهم لَمَّا عاهدوا اللَّهَ أن يتصدَّقوا ثم أخلفوا مع اللَّهِ عَهْدَهُمْ عاقَبَهُمُ اللَّهُ بأَنْ أَعْقَبَهُم نفاقًا في قلوبهم. قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي التَّصْرِيحِ بِلَفْظِ النَّذْرِ فِي النَّذْرِ المُطْلَقِ هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي هَلْ يَجِبُ النَّذْرُ بِالنِّيَّةِ وَاللَّفْظِ مَعًا أَوْ بِالنِّيَّةِ فَقَطْ؟). فمن العلماء مَن ذَهَبَ إلى الاكتفاء بالنية فقط بحيث لا يَلزَم التصريح بلفظ النذر (١)، ومنهم مَن ذَهَبَ إلى وجوب اجتماع النية واللفظ

стр. 4973

معًا (١)، ومنهم مَنْ ذَهَبَ إلى أنه وإن لم يُصَرِّحْ باللفظ إلا أن الصيغة الواردة في ذلك تكون صيغةَ نَذْرٍ (٢). فالنية معتَبَرَةٌ لا شكَّ، ولها تأثيرٌ كبيرٌ في الأعمال، بل إن مدار الأعمال عليها، لقول الرسول ﷺ : "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ". وقوله: "إِنَّكَ لَا تَعْمَلُ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهِ" (٣). وقوله: "مَنْ جَاهَدَ فِي سَبيلِ اللَّهِ لِتَكُونَ كلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" (٤). قوله: (فَمَنْ قَالَ بِهِمَا مَعًا إِذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ كذَا وَكذَا؛ وَلَمْ يَقُلْ: نَذْرًا، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ بِوُجُوبِ شَيْءٍ لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُصَرِّحَ بِجِهَةِ الوُجُوبِ). معناه أنه لو قال: (الله علَيَّ أن أصومَ)، ولم يقل: (الله علَيَّ أن أصومَ نذرًا)، فهل تكفيه نِيَّتُهُ في الصيغة الأُولى التي لم تتضمن ذِكْرَ النذر أم لا بد من الإتيان بلفظ النذر؟

стр. 4974

فهؤلاء قالوا: إنه لا يلزمه شيءٌ؛ لأن النذر ليس مقرَّرًا بأصل الشرع، وإنما قد أَلْزَمَ النَّاذِرُ نفسَهُ به (١). لكن الله قد أَقَرَّهُ على ما أَلْزَمَ به نفسَه، وكما بَيَّنَ الرسول ﷺ أن "النذر لا يأتي بخيرٍ، وإنما يُستَخرَج به مِن البخيل" (٢)؛ فالبخيل من عادته أنه لا يُنفِقُ ولا يُحِبُّ الإنفاقَ فيأتي النَّذْرُ فيكون دافعًا ومجبِرًا له على ذلك مما يعود بالفائدة على الفقراء والمحتاجين عند أدائه الكفارةَ. أما فِعْلُ الطاعات فالأصل فيه أنه لا يَحتاج إلى نَذْرٍ وإنما ينبغي التنافُسُ في الطاعة، كما قال الله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وكما قال سبحانه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]. قوله: (وَمَنْ قَالَ: لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ اللَّفْظُ قَالَ: يَنْعَقِدُ النَّذْرُ واِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِلَفْظِهِ) (٣). من المعلوم اشتراطُ النية في العبادات، لكن التلفظ بالنية ليس شرطًا

стр. 4975

فيها، إلا في الحَجِّ (١)؛ لِفِعل الرسول ﷺ لذلك فيقول الحاجُّ: (لَبَّيْكَ حَجًّا، لَبَّيْكَ عُمْرَةً، لَبَّيْكَ حَجًّا وَعُمْرَةً)، أما في باقي العبادات فلا يُشتَرَطُ ذلك، فإذا نويتَ أداءَ صلاةٍ بعينها مثَلًا فإنَّكَ تكتفي بهذه النية ولا يَلزَمُكَ التلفُّظُ بها، هذا مُرادُ المؤلِّفِ من هذه العبارة. قوله: (وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ). بل هو مذهب الأئمة الأربعة (٢). قوله: (أَعْنِي: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِلَفْظِ النَّذْرِ أَنَّهُ يَلْزَمُ). معناه: أن النذر يَلزَمُهُ وإن لم يُصَرَّحْ بلفظ النذر، فإن قال: (للَّه عَلَيَّ أن أَحُجَّ)، أو: (للَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ أن أَحُجَّ)، فكلاهما ينعقد به النذر ويَلزَمُه به سواء صَرَّحَ بلفظ النذر أو لم يُصرِّحْ (٣). قوله: (وَإِنْ كَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ النَّذْرَ لَا يَلْزَمُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ وَاللَّفْظِ، لَكِنْ رَأَى أَنَّ حَذْفَ لَفْظِ النَّذْرِ مِنَ القَوْلِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ؛ إِذْ كانَ المَقْصُودُ بِالأَقَاوِيلِ الَّتِي مَخْرَجُهَا مَخْرَجُ النَّذْرِ النَّذْرَ وإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ فِيهَا بِلَفْظِ النَّذْرِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ) (٤). ومراد المؤلِّفِ هاهنا: أنه بالرغم من أن الأصل في مذهب المالكية هو عدم لزوم النذر في حق الناذر إلا بوجود النية واللفظ معًا، إلا أن هذه الصَّيَغ التي تَخرُجُ مَخرَجَ النذر لا تحتاج للتقَيُّدِ بهذا القيد؛ لأنها في العُرْفِ صيغة نَذْرٍ.
следующие страницы →