← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

بشيءٍ، وما دام لم يُقَيَّدْ بشيءٍ فكأنه لَم يَكُنْ في مذهبهم (١). واللجاج: هو ما يَحصُل أثناء المعارَضة والمخاصَمَة، وهو إنما يلحق بالأيمان، ولذلك فكفارته هي كفارة يمينٍ (٢). ولذا؛ فإن أهل العلم اتفقوا على لزوم النذر المطلَق إذا كان على وجه الرضا وإذا صُرِّحَ فيه بلفظ النذر؛ هذا لِيُخرِجُوا خلافَ الشافعية، وكذلك لِيُخرِجُوا خلافَ القائلين بتقييده بالرضا (٣). قوله: (وَسَوَاءٌ أكَانَ النَّذْرُ مُصَرَّحًا فِيهِ بِالشَّيءِ المَنْذُورِ أَوْ كَانَ غَيْرَ مُصَرَّحٍ). فالمُصَرَّحُ فيه بالمنذور، كأن يقول: (الله عليَّ نذرٌ أن أحُجَّ). أما غير المُصَرَّحِ، فكأن يقول: (الله عليَّ أَنْ أَحُجَّ) ولم يَقُل: نَذْرًا (٤). قوله: (وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى لُزُومِ النَّذْرِ الَّذِي مَخْرَجُهُ مَخْرَجُ الشَّرْطِ إِذَا كَانَ نَذْرًا بِقُرْبَةٍ) (٥). كأن يقول: (إن حَصَلَ كذا فعلتُ كذا)، فأهل العلم قد اتفقوا على لزوم هذا النذر إذا كان نَذْرَ طاعةٍ، أما إذا كان نَذْرَ معصيةٍ فلا يُوَفَّى ولا يُؤَدَّى. قوله: (وَإِنَّمَا صَارُوا لِوُجُوبِ النَّذْرِ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وَلأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ مَدَحَ بِهِ،

стр. 4972

فَقَالَ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْر﴾ [الإنسان: ٧]، وَأَخْبَرَ بِوُقُوعِ العِقَابِ بِنَقْضِهِ، فَقَالَ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٥] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٧]. والمؤلِّفُ هاهنا يشير إلى حُكْمِ النذر، استنادًا منه لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾؛ حيث أَمَرَ اللَّهُ عباده بالوفاء بالعهود والعقود، والناذر إنما قد عَقَدَ العزم على شيءٍ وعاهَدَ اللَّهَ على الوفاء به، ومِن هذا الباب فإن النذر يجب الوفاء به ما لم يكن فيه معصيةٌ. واستدل كذلك بمدح الله لِلذين يوفون بنذورهم في قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾. وبِذَمِّ اللهِ لِمَن كَذبُوا في عهدهم مع الله، في قوله تعالي: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧] حيث إنهم لَمَّا عاهدوا اللَّهَ أن يتصدَّقوا ثم أخلفوا مع اللَّهِ عَهْدَهُمْ عاقَبَهُمُ اللَّهُ بأَنْ أَعْقَبَهُم نفاقًا في قلوبهم. قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي التَّصْرِيحِ بِلَفْظِ النَّذْرِ فِي النَّذْرِ المُطْلَقِ هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي هَلْ يَجِبُ النَّذْرُ بِالنِّيَّةِ وَاللَّفْظِ مَعًا أَوْ بِالنِّيَّةِ فَقَطْ؟). فمن العلماء مَن ذَهَبَ إلى الاكتفاء بالنية فقط بحيث لا يَلزَم التصريح بلفظ النذر (١)، ومنهم مَن ذَهَبَ إلى وجوب اجتماع النية واللفظ

стр. 4973

معًا (١)، ومنهم مَنْ ذَهَبَ إلى أنه وإن لم يُصَرِّحْ باللفظ إلا أن الصيغة الواردة في ذلك تكون صيغةَ نَذْرٍ (٢). فالنية معتَبَرَةٌ لا شكَّ، ولها تأثيرٌ كبيرٌ في الأعمال، بل إن مدار الأعمال عليها، لقول الرسول ﷺ : "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ". وقوله: "إِنَّكَ لَا تَعْمَلُ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهِ" (٣). وقوله: "مَنْ جَاهَدَ فِي سَبيلِ اللَّهِ لِتَكُونَ كلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" (٤). قوله: (فَمَنْ قَالَ بِهِمَا مَعًا إِذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ كذَا وَكذَا؛ وَلَمْ يَقُلْ: نَذْرًا، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ بِوُجُوبِ شَيْءٍ لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُصَرِّحَ بِجِهَةِ الوُجُوبِ). معناه أنه لو قال: (الله علَيَّ أن أصومَ)، ولم يقل: (الله علَيَّ أن أصومَ نذرًا)، فهل تكفيه نِيَّتُهُ في الصيغة الأُولى التي لم تتضمن ذِكْرَ النذر أم لا بد من الإتيان بلفظ النذر؟

стр. 4974

فهؤلاء قالوا: إنه لا يلزمه شيءٌ؛ لأن النذر ليس مقرَّرًا بأصل الشرع، وإنما قد أَلْزَمَ النَّاذِرُ نفسَهُ به (١). لكن الله قد أَقَرَّهُ على ما أَلْزَمَ به نفسَه، وكما بَيَّنَ الرسول ﷺ أن "النذر لا يأتي بخيرٍ، وإنما يُستَخرَج به مِن البخيل" (٢)؛ فالبخيل من عادته أنه لا يُنفِقُ ولا يُحِبُّ الإنفاقَ فيأتي النَّذْرُ فيكون دافعًا ومجبِرًا له على ذلك مما يعود بالفائدة على الفقراء والمحتاجين عند أدائه الكفارةَ. أما فِعْلُ الطاعات فالأصل فيه أنه لا يَحتاج إلى نَذْرٍ وإنما ينبغي التنافُسُ في الطاعة، كما قال الله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وكما قال سبحانه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]. قوله: (وَمَنْ قَالَ: لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ اللَّفْظُ قَالَ: يَنْعَقِدُ النَّذْرُ واِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِلَفْظِهِ) (٣). من المعلوم اشتراطُ النية في العبادات، لكن التلفظ بالنية ليس شرطًا

стр. 4975

فيها، إلا في الحَجِّ (١)؛ لِفِعل الرسول ﷺ لذلك فيقول الحاجُّ: (لَبَّيْكَ حَجًّا، لَبَّيْكَ عُمْرَةً، لَبَّيْكَ حَجًّا وَعُمْرَةً)، أما في باقي العبادات فلا يُشتَرَطُ ذلك، فإذا نويتَ أداءَ صلاةٍ بعينها مثَلًا فإنَّكَ تكتفي بهذه النية ولا يَلزَمُكَ التلفُّظُ بها، هذا مُرادُ المؤلِّفِ من هذه العبارة. قوله: (وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ). بل هو مذهب الأئمة الأربعة (٢). قوله: (أَعْنِي: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِلَفْظِ النَّذْرِ أَنَّهُ يَلْزَمُ). معناه: أن النذر يَلزَمُهُ وإن لم يُصَرَّحْ بلفظ النذر، فإن قال: (للَّه عَلَيَّ أن أَحُجَّ)، أو: (للَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ أن أَحُجَّ)، فكلاهما ينعقد به النذر ويَلزَمُه به سواء صَرَّحَ بلفظ النذر أو لم يُصرِّحْ (٣). قوله: (وَإِنْ كَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ النَّذْرَ لَا يَلْزَمُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ وَاللَّفْظِ، لَكِنْ رَأَى أَنَّ حَذْفَ لَفْظِ النَّذْرِ مِنَ القَوْلِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ؛ إِذْ كانَ المَقْصُودُ بِالأَقَاوِيلِ الَّتِي مَخْرَجُهَا مَخْرَجُ النَّذْرِ النَّذْرَ وإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ فِيهَا بِلَفْظِ النَّذْرِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ) (٤). ومراد المؤلِّفِ هاهنا: أنه بالرغم من أن الأصل في مذهب المالكية هو عدم لزوم النذر في حق الناذر إلا بوجود النية واللفظ معًا، إلا أن هذه الصَّيَغ التي تَخرُجُ مَخرَجَ النذر لا تحتاج للتقَيُّدِ بهذا القيد؛ لأنها في العُرْفِ صيغة نَذْرٍ.

стр. 4976

قوله: (وَالأَوَّلُ مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) (١). وهو مِن كبار التابعِين. قوله: (وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَنْ لَمْ يَرَ لُزُومَ النَّذْرِ المُطْلَقِ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ حَمَلَ الأَمْرَ بِالوَفَاءِ عَلَى النَّدْبِ). الآن يَذكُر المؤلِّفُ تعليلَ مذهب الشافعية؛ أي: هذا شبيهٌ بذاك التعليل؛ بسبب مذهب من يقول بعدم الكفارة في النذر المُطْلَق؛ لِيُخرِجَ نَذْرَ اللجاج. قوله: (وَكَذَلِكَ مَنِ اشْتَرَطَ فِيهِ الرِّضَا، فَإِنَّمَا اشْتَرَطَهُ؛ لِأَنَّ القُرْبَةَ إِنَّمَا تَكُونُ عَلَى جِهَةِ الرِّضَا، لَا عَلَى جِهَةِ اللَّجَاجِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ). القربة هي الطاعة التي يتقرب بها الإنسان إلى الله ، والطاعات إما أن تكون طاعاتٍ واجبةً افترَضَها الله على عباده فهذه يَلزَمُهُم أداؤها، وإما أن تكون من الأُمور المندوبة كنوافل الصلاة والصيام والصدقات والإحسان وأنواع البِرِّ وغير ذلك مما يَفعَله الإنسان بقصد التقرب به إلى الله وطَلَبِ الثواب منه (٢). فالإمام الشافعي يشترط في النذر أن يكون على جهة الرِّضا لا على

стр. 4977

جهة اللجاج والغضب؛ لأن القربات إنما تُفعَل على جهة الرضا وقَصْدِ التقرُّبِ إلى الله (١). قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ، فَالنَّذْرُ عِنْدَهُ لَازِمٌ عَلَى أَيِّ جِهَةٍ وَقَعَ (٢)؛ فَهَذَا مَا اخْتَلَفُوا فِي لُزُومِهِ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ، وَأَمَّا مَا اخْتَلَفُوا فِي لُزُومِهِ مِنْ جِهَةِ الأَشْيَاءِ المَنْذُورِ بِهَا، فَإِنَّ فِيهِ مِنَ المَسَائِلِ الأُصُولِ اثْنَتَيْنِ). والمؤلِّفُ هاهنا يريد التأكيد على أنه لَمْ يتناول كلَّ مسائل الكتاب، وإنما اقتَصَرَ على الأُصول وحدها دون الفروع. قوله: (المَسْأَلَةُ الأَولَى: اخْتَلَفُوا فِيمَنْ نَذَرَ مَعْصِيَةً). أما الحديث الوارد في ذلك فهو صريحٌ؛ حيث قال رسول الله ﷺ : "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْه، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ" (٣). فلا نَذْرَ إذَنْ في معصية الله، ومن فعل ذلك فيجب عليه عدم الوفاء به، ولكن الكلام الآن فيما إذا كانت تجب عليه كفار حينئذٍ أم لا. قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ العُلَمَاءِ: لَيْسَ يَلْزَمُهُ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَسُفْيَان، وَالكُوفِيُّونَ: بَلْ هُوَ لَازِمٌ، وَاللَّازِمُ عِنْدَهُمْ فِيهِ هُوَ كفَّارَةُ يَمِينٍ، لَا فِعْلُ المَعْصِيَةِ). وهذا القول من المؤلِّف يعتريه عدم الدقة، لأن جمهور العلماء قد انقسموا في ذلك إلى فريقين: الفريق الأول: أنه لا يلزمه في ذلك شيءٌ، وهو مذهب مالكٍ (٤)،

стр. 4978

والشافعيِّ (١)، وروايةٌ عن أحمد (٢). الفريق الثاني: أنه يَلزَمُهُ في ذلك كفارةُ يمينٍ، وهو مذهب أبي حنيفةَ (٣)، والرواية الأُخرى عن أحمد (٤)، ومذهب سفيان الثوري والكوفيِّين (٥). فاللازم عند الفريق الثاني إنما هو كفارة اليمين لا فِعْلُ المعصية.

стр. 4979

فالعلماء مُجمِعُون على أنه لا يُوَفِّي بنذر المعصية (١)، لأن فِعلَ المعصية لا يجوز، ولقول الله : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء: ٦٩]. قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَعَارُضُ ظَوَاهِرِ الآثَارِ فِي هَذَا البَابِ). هناك عدة أحاديث في هذا الباب، وكل فريقٍ من الفريقين يَستَدِلُّ بما يراه هو الأَوْلَى والأقوى منها. فمراد المؤلِّفِ من قوله: (الآثار) هي الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، فمن عادته أنه يُطلِقُ الأثرَ ويريد به الحديثَ، ومن المعروف عند علماء الحديث والمصطَلَحِ أن الحديثَ هو ما كان مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ ، وأن الأثرَ ما كان موقوفًا على الصحابيِّ، ولكن إطلاق لفظ الأثر على الحديث النبويِّ يجوز؛ لأنه أُثِرَ عن الرسول ﷺ ورُوِيَ عنه (٢). قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ فِي هَذَا البَابِ حَدِيثَان: حَدِيثُ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْه، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ"، فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ النَّذْرُ بِالعِصْيَانِ. هذا الحديث أخرجه البخاريُّ في الصحيح، وأصحاب السُّنَن (٣)،

стр. 4980

وأحمد (١)، وكثيرٌ من أئمة الحديث (٢)، وهو: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْه، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ". فقوله: "فَلْيُطِعْهُ" أمرٌ، والأمر يقتضي الوجوب، وقوله: "فَلَا يَعْصِهِ" نهيٌ، والنهي يقتضي التجنب والابتعاد؛ فالحديث يفيد الأمر بفِعلِ الطاعة والنهي عن فِعلِ المعصية. ولكن مع تركِ المعصية هل يَلزَمُه أن يُكَفِّرَ أم لا يَلزَمُه؟ فأصحاب الرأي الأول (٣) يقولون بأنه لا يلزمه شيءٌ، استنادًا منهم إلى هذا الحديث الذي لم يَرِدْ فيه ذِكْرُ الكفارة، وكذلك استنادًا منهم لقوله ﷺ : "لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدمَ" (٤)، وفوله ﷺ : "لَا نَذْرَ إِلَّا فِيمَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ " (٥)، فاستدلوا من هذه الأحاديث على عدم وجوب الكفارة في نَذْرِ المعصية؛ بِناءً على ما استنبطوه من هذه الأدلة من أن نَذْرَ المعصية لا ينعقد ابتداءً. قوله: (وَالحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ (٦) الثَّابِتُ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ

стр. 4981

قَالَ: "لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَكفَّارَتُهُ كفَّارَةُ يَمِينٍ") (١). هنا وَقَعَ المؤلِّفُ - عفا الله عنه - في عدة أخطاء، وهي: - الخطأ الأول: أنه قال: (الثابت)، ومن منهج المؤلِّفِ أنه لا يُطلِقُ لفظ الثابت إلا على ما ثبت في "الصحيحين" أو في أحدهما. فأما حديث عمران بن حصين الذي ذَكَرَه المؤلِّف فليس هو الحديث الثابت في صحيح مسلم، وإنما الذي ورد في صحيح مسلم: "لا نذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم" (٢). أما الحديث الذي أورده المؤلف عن عمران بن حصين فليس في "صحيح مسلمٍ"، وإنما هو حديث ضعيفٌ تكلم العلماء فيه، ومنهم ابن عبد البر، وسيأتي بيان ذلك (٣). - الخطأ الثاني: أنه قال: (وحديث أبي هريرة)، فالحديث ليس عن

стр. 4982

أبي هريرة، وإنما هو عن عائشة (١). فأما حديث عمران، فهو: "لا نذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم" (٢) (٣)، وحديث عائشة: "لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين" (٤). فحديث عائشة إنما يحتج به القائلون بوجوب الكفارة (٥)؛ حيث وَرَدَ فيه التصريح بالكفارة ولم يَرِد في حديث عمران (٦)، لكن حديث عائشة مُختَلَفٌ فيه (٧)، وسيأتي حديث آخر، وهو حديث: "ليس في النذر كفارة، أو النذر الذي لم يُسَمَّ كفارته كفارة يمين" (٨)، وهو حديث صحيح سيأتي الكلام عنه. قوله: (وَهَذَا نَصٌّ فِي مَعْنَى اللُّزُومِ). أي: أن الحديث الثاني يَنُصُّ على لزوم الكفارة (٩). قوله: (فَمَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي هَذَا (١٠)، قَالَ: الحَدِيت الأَوَّلُ تَضَمَّنَ الإِعْلَامَ بِأَنَّ المَعْصِيَةَ لَا تَلْزَم، وَهَذَا الثَّانِي تَضَمَّنَ لُزُومَ الكَفَّارَةِ (١١).

стр. 4983

فمن جَمَعَ بين الحديثين (١) رأى أن الحديث الأول بَيَّنَ أن نَذْرَ المعصية لا ينبغي الوفاء به، وأن الحديث الثاني زاد أن الكفارة لازمةٌ. والحديث الثاني - في حقيقة الأمر - تكلَّمَ العلماءُ في شأنه (٢)، ولذلك فالإمام أحمد له في المسألة روايتان (٣). قوله: (فَمَنْ رَجَّحَ ظَاهِرَ حَدِيثِ عَائِشَةَ (٤)، إِذْ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ حَدِيثُ عِمْرَانَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ (٥)، قَالَ: لَيْسَ يَلْزَمُ فِي المَعْصِيَةِ شَيْءٌ). الآن عندنا حديثان، الحديث الأول: مُطْلَقٌ، لم يُثْبِت الكفارةَ ولم يَنْفِهَا، ولكنه تناول عدم جوازِ الوفاء بنذر المعصية (٦)، أما الحديث الثاني (٧): فقد جاء بزيادةٍ تتضمَّن حُكْمَ الكفارة، وهذه الزيادة لا شكَّ أنها

стр. 4984

تُقبَل إن جاءت في حديثٍ صحيحٍ، ولكن الحديث الذي وَرَدَت به هذه الزيادة هو حديثٌ مختلَفٌ في صحته. فأصحاب الرأي الثاني في المسألة (١) يحتجون بهذا الحديث، ويعللون ذلك بأن الحديث له من الطُّرُق والشواهد ما يجعله صالحًا للاحتجاج به، وأما أصحاب الرأي الأول فيتركون الاحتجاج به ولا يأخذون بالحُكم الوارد فيه، ويعللون ذلك بأن جميع طُرُق الحديث إما فيها راوٍ متروكٌ أو ضعيفٌ أو غير ذلك (٢). فمراد المؤلِّف هاهنا: أن مَن رَجَحَ عندهم الحديث الأول ولم يصح لديهم الحديث الثاني المشتمل على زيادة حُكْم الكفارة فهؤلاء يأخذون بظاهر الحديث الأول ولا يرَوْنَ في كفارةً في نَذْرِ المعصية. قوله: (وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الجَمْعِ بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ، أَوْجَبَ فِي ذَلِكَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ). فهناك عدة مسالك يسلكها العلماء عند التعارض، منها الجمع بين النصوص، حيث إن الجمع بينها أَوْلَى من أخذ بحضها وترك البعض الآخر، وهذا المسلك إنما يكون عندما تكون النصوص المتعارضةُ صحيحةً كلها، أما إذا كان بعضها صحيحًا وبعضها ضعيفًا فلا يُجمَع بينها وإنما يتعين الترجيح حينئذٍ (٣)، كما هو الحال في مسألتنا هذه. والمؤلف هاهنا يريد أن يقول: إن مَن ذَهَبَ إلى الجمع بين الحديثين أَوجَبَ في نَذْرِ المعصية كفارة يمينٍ.

стр. 4985

قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: ضَعَّفَ أَهْلُ الحَدِيثِ حَدِيثَ عِمْرَانَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ (١)، قَالُوا: لِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ (٢) يَدُورُ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ، وَهُوَ مَتْرُوكُ الحَدِيثِ) (٣). وكلام المؤلَّف هاهنا دليلٌ على أن الحديث ليس لأبي هريرة، فالحديت الذي يدور على سليمان بن أرقم إنما هو حديث عائشة. قوله: (وَحَدِيثَ عِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنِ يَدُورُ عَلَى زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، وَأَبُوهُ مَجْهُولٌ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ ابْنِهِ، وَزُهَيْرٌ أَيْضًا عِنْدَهُ مَنَاكِيرُ، وَلَكِنَّهُ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ). وهنا خطأ آخرُ من المؤلِّفِ - عفا الله عنه -؛ لأن حديث عمران إنما يدور على محمد بن الزبير الحنظلي، وليس على زهير بن محمد كما ذَكَرَ المؤلِّفُ (٤).

стр. 4986

قوله: (وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ المَالِكِيَّةِ أَنَّ يَحْتَجُّوا لِمَالِكٍ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ بِمَا رُوِيَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا قَائِمًا فِي الشَّمْسِ، فَقَالَ: مَا بَالُ هَذَا؟ قَالُوا: نَذَرَ ألا يَتَكَلَّمَ، وَلَا يَسْتَظِلَّ، وَلَا يَجْلِسَ، وَيَصُومَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَجْلِسْ وَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ"، قَالُوا: فَأَمَرَهُ أَنْ يُتِمَّ مَا كانَ طَاعَةً لِلَّهِ، ويتْرُكَ مَا كانَ مَعْصِيَةً (١). وهذا الرجل المذكور في الحديث هو مَن يُعرَف بأبي إسرائيل، وقد حَرَّمَ الكلامَ على نفسه، وهو مما لا يُشرَع، وكذلك حَرَّمَ على نفسه أن يَستظِلَّ أو أن يَجلِسَ، بالرغم من أن الوقوف في الشمس فيه إضرارٌ بصحة الإنسان، وقد أتَت الشريعة المُطَهَّرة بالنهي عن الضرر في قوله ﷺ : "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ" (٢)، فلا يجوز إضرار الإنسان نفسَه ولا إضراره بغيره. وإنما جاء الشرع بالأمر بالتعاون على البِرِّ والتقوى، فقال : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، ولذلك أَنكَرَ عليه الرسول ﷺ وَوَجَّهَهُ إلى أن الشريعة لم تأتِ للتشديد على الناس، وأن الله ﷺ لا يكلف عباده فوق طاقتهم، وإنما كما قال سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، فالعبادات مدارها على السماحة واليُسر ورَفْعِ الحَرَجِ. فالطاعة التي أمَرَهُ الوسول ﷺ بإتمامها هي الصيام؛ لأن الصيام في الأصل إنما هو عبادةٌ، فأَمَرَهُم ﷺ بإرشاد الرجل إلى إتمام عبادة الصيام لأنها من القُرُبَاتِ والطاعات، بخلاف الامتناع عن الكلام الذي هو في الأصل لا حاجة له ولا فائدة منه، وكذلك ترك الجلوس الاستظلال اللَّذَيْن يعودان بالضرر لا النفع.

стр. 4987

قوله: (وَلَيْسَ بِالظَّاهِرِ أَنَّ تَرْكَ الكَلَامِ مَعْصِيَةٌ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ نَذْرُ مَرْيَمَ). فتَرْكُ الكلام ليس معصيةً، ولكنه أمر فيه مَشَقَّةٌ، وهو كذلك مِمَّا يَندَرج تحت إيجاب ما لم يَجِبْ شَرْعًا. أما نذر مريم ليس كنذر هذا الرجل، وقصة مريَمَ تختلف عن قصته، وهي المذكورة في قوله : ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦]. قوله: (وَكذَلِكَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ القِيَامُ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ إِلَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ جِهَةِ إِتْعَابِ النَّفْسِ، فَإِنْ قِيلَ: فِيهِ مَعْصِيَةٌ، فَبِالقِيَاسِ لَا بِالنَّصِّ). لا شكَّ أن الله قد حرَّمَ ما فيه ضررٌ، ولكن هناك من الطيبات ما يمنعه الله وقتٍ معيَّنٍ لحكمةٍ مَا، كما هو الحال في الصيام الذي يَحرُمُ فيه الطعامُ والشرابُ وجِماعُ الأهل في أوقات النهار، وهي أمورٌ ليست مُحَرَّمةً في نفسها، وإنما حُرِّمَت في هذا الوقت فقط؛ لأن الله يبتلي عباده ويختبرهم بالطاعات، وليس أنه سبحانه يشق عليهم ويضيقَ؛ فاللّه سبحانه غنيّ عن هذا، كما قال : ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧]. أما أن يُبادِرَ الإنسانُ فيَفرِض على نفسه ما لم يفرضه الله عليه فهذا ليس من الشرع، وإنما قد كَلَّفَ نفسه بما يشق عليها؛ ولذلك أَمَرَ الرسولُ ﷺ أصحابَه أن يُوَجِّهُوه إلى الكَفِّ عن هذا. قوله: (فَالأَصْلُ فِيهِ أَنَّهُ مِنَ المُبَاحَاتِ). فالذي يُفهَم من عموم الأدلة هو أن القيام في الشمسِ بالرغم أن الأصل فيه أنه مِن جُملة المباحات إلا أن هذا الرجل لَمَّا نَذرَهُ بالصورة التي تضر به وتشق عليه فحينئذٍ نَهَى الرسولُ ﷺ عن هذا.

стр. 4988

ومثال هذا كذلك: ما كان من الرسول ﷺ لَمَّا رأى رجلًا قد شَقَّ عليه السَّفَر، فقال: "ما هذا؟ ". قالوا: صائمٌ؛ فقال ﷺ : "ليس من البر الصيام في السفر" (١). قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِنَ المُبَاحَاتِ). يجب على الإنسان - في الحقيقة - ألا يُحَرِّمَ على نفسه ما أَحَلَّ اللَّهُ له؛ لأنَّ ما أَحَلَّ اللَّهُ للإنسان إنما هو من جِنس النِّعَم التي تَستَحِقُّ مُقابَلَتَها بالشكر والحمد. ومن أدلة ذلك: قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ [المائدة: ٨٧]. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١]. قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ؛ لَا يَلْزَمُ مَا عَدَا الزَّوْجَةَ. وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: لَيْسَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فِي ذَلِكَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ). فلدينا إِذَنْ ثلاثة أقوالٍ في هذه المسألة: القول الأول: قول مالكٍ، وهو أن ذلك لا يَلْزَمُ فيما عدا أن يُحَرَّمَ على نَفْسِهِ وَطْءَ زَوْجَتِهِ؛ فعند مالكٍ لا يَلزَمُه شيءٌ من تحريم الطعام والشراب وسائر المباحات على نفسه، وإنما يَلزَمُه فقط ما حَرَّمَهُ على نفسه من وَطْءِ زَوْجَتِهِ (٢). القول الثاني: قول أهل الظاهر، وهو أن ذلك ليس فيه شيءٌ (٣).

стр. 4989

القول الثالث: قول أبي حنيفة (١)، وأحمد (٢)، وهو أن في ذلك كفارة يمينٍ. قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارضَةُ مَفْهُومِ النَّظَرِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١]: ١]، وَذَلِكَ أَنَّ النَّذْرَ لَيْسَ هُوَ اعْتِقَادَ خِلَافِ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ؛ أَعْنِي: مِنْ تَحْرِيمِ مُحَلَّلٍ، أَوْ تَحْلِيلِ مُحَرَّمٍ). فالنذر لا يُقصَد به مخالَفة الشريعة؛ ولذلك وَرَدَ النهي عن الوفاء بنذر المعصية لبطلان مخالَفة الشريعة؛ لأن النذر ليس من معناه إباحة مُحرَّمٍ أو تحريم مباحٍ، فإباحة المُحَرَّمَات وتحريم المباحات من كبائر الذنوب، بل هو من الكفر باللّه .

стр. 4990

ولذلك لَمَّا نَزَلَ قولُ الله : ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، قال عدي بن حاتمٍ: يا رسول الله، لسنا نعبدهم. فقال رسول الله ﷺ : "أليسوا يُحَرِّمون ما أَحَلَّ اللَّهُ فتُحَرِّمونَهُ؟ ويُحِلُّون ما حَرَّمَ اللَّهُ فتُحِلُّونه؟ ". قال: بلى. قال: "فتلك عبادتهم" (١). أي: أنكم اتخذتموهم مُشَرِّعِين يُشَرِّعُون لكم من دون الله، فَمَنْ حَكَمَ بغير شريعة الله مُعتقِدًا أنَّ الحق في غير شريعة الله، أو سَوَّى بين شريعة الله وشريعة المخلوقِين فهو كافرٌ باللّه تعالى، إلا إذا كان مُكْرَهًا على ذلك أو وَقَعَ في ذلك جاهِلًا؛ لقوله : ﴿لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقوله في الآية الأُخرى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقوله في الآية الثالثة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]. قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ التَّصَرُّفَ فِي هَذَا إِنَّمَا هُوَ لِلشَّارعِ). لأن الشَّارعَ - وهو الله هو صاحب الحق في تشريع الأحكام وتقريرها، ورسول الله ﷺ إنما هو مُبَلِّغٌ لهذه الأحكام عن الله ؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧]. ومن أجل ذلك اشترَطَ اللَّهُ على عباده ثلاثةَ أمورٍ لكي يحققوا الإيمان الكامل، وهي المجموعة في قوله : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]، أي: أن الإنسان ينبغي عليه الرجوع إلى

стр. 4991

كتاب الله ﷺ وسُنَّةِ رسوله ﷺ ، كما ينبغي عليه أن يكون حينئذٍ منشرح الصدر راضيًا بما حَكَمَ به الله ، وكذلك أن يُسَلَّمَ تمام التسليم لهذا الحُكم الإلهي وينقاد له، مُعتقِدًا أن الحق فيه لا في غيره، عالِمًا أن هذا هو شرع الله الذي قال في كتابه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]. * قوله: (فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِمَكَان هَذَا المَفْهُومُ أَنَّ مَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا أَبَاحَهُ اللَّهُ لَهُ بِالشَّرْعِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُه، كمَا لَا يَلْزَمُ إِنْ نَذَرَ تَحْلِيلَ شيءٍ حَرَّمَهُ الشَّرْعُ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، أَثَرُ العَتَبِ عَلَى التَّحْرِيمِ يُوجِبُ أَنْ تَكُونَ الكَفَّارَةُ تَحُلُّ هَذَا العَقْدَ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ، وَالفِرْقَةُ الأُولَى تَأَوَّلَتِ التَّحْرِيمَ المَذْكورَ فِي الآيَةِ أَنَّهُ كَانَ العَقْدُ بِيَمِينٍ (١). وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الشَّيْءِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ (٢)، وَفِي كِتَابِ مُسْلِمٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي شَرْبَةِ عَسَلٍ) (٣). ومدار الكلام هو قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ١، ٢].

стр. 4992

وسبب نزول الآية: هو ما رَوَتْهُ عَائِشَةُ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَيَمْكُثُ عِنْدَهَا، فَوَاطَيْتُ (١) أَنَا وَحَفْصَةُ عَلَى أَيَّتُنَا دَخَلَ عَلَيْهَا فَلْتَقُلْ لَهُ: أَكَلْتَ مَغَافِيرَ (٢)، إِني أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، قَال: "لَا، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَلَنْ أَعُودَ لَه، وَقَدْ حَلَفْت، لَا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا"، فَنَبَّهَ اللَّهُ تعالى رسولَه الكريمَ ﷺ إلى أن ذلك لا ينبغي. وهذا الحديث متَّفَقٌ عليه (٣)، فقد وردَ في "الصحيحين"، وقد جاء في بعض الروايات أنهما عائشة وحفصة (٤)، وفي بعض الروايات أنهما عائشة وسودة (٥). والحديث يَدُلُّنَا على مدى ما بالنساء من غيرةٍ على أزواجهن مهما بلغَت المرأة من القدر في الطاعة والصلاح والخير، كما يَدُلُّنا على ذلك ما قد مَرَّ بنا أثناء دراسة باب الاعتكاف مِن أنَّ الرسول ﷺ لما اعتَكَفَ تسابَقَتْ زوجاته على الاعتكاف، فجعَلَ ﷺ اعتكافَه في شَهْر شَوَّال؛ لأنه

стр. 4993

خَشِيَ أن يكون الدافع لهنَّ في هذه العبادة هو التنافُسُ عليه وليس العبادة الخالصة لله (١). فالغيرة موجودة في المرأة مهما بلغَت من العقل والخير والصلاح، ولكن المرأة العاقلة الصالحة يمنعها صلاحُها من ارتكاب المعصية بسبب غيرتها، بحيث لا تضيق على ضرتها (٢) أو تسعى في طلاقها، لأن الرسول ﷺ نَهَى عَنْ "أَنْ تَسَألَ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْتَفِيَ مَا فِي صحفتها (٣) فَإِنَّ اللَّهَ رَازِقُهَا" (٤)، وهذا من بلاغته الدقيقة ﷺ ، فكأن هذه المرأة التي تطلب طلاق ضرتها إنما تُرِيقُ ما بين يديها في إنائها وتسكبه؛ ولذلك سُمِّيَت الزوجة الأُخرى بالضرة؛ لأنها تجد في نفسها وتأكلها الغيرة على الزوج، وهو أمرٌ طبيعيٌّ جُبِلَت عليه النساء وليس بمُستَغرَبٍ. قوله: (وَفِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَبْهِ امْرَأَتَه، فَهُوَ يَمِين يُكَفِّرُهَا").

стр. 4994

وهذا ثابتٌ في "الصحيحين" عن ابن عباس ﵄ (١) ومعناه: أن علي الزوج كفارة يمينٍ إذا حَرَّمَ زوجَتَه على نفسه. قوله: (وَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. ومعنى هذا: أن رسول الله ﷺ ينبغي أن يكون قدوتَنَا وأسوَتَنا في كل حُكمٍ من أحكام هذه الشريعة المطَهَّرة، فإذا لم نجد له قولًا أو فعلًا نقتدي به اقتَدَينا بأصحابه الذين زَكَّاهُم الرسولُ ﷺ ومات وهو راضٍ عنهم، والذي زكاهم ربُّنا في كتابه ورضي عنْهم. قال المصنف -رحمه الله تعالى-: (الفصل الثالث في مَعْرِفَةِ الشَّيءِ الَّذي يَلْزمُ عَنْهَا وَأَحْكَامهَا وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي مَاذَا يَلْزَمُ فِي نَذْرِ نَذْرٍ مِنَ النُّذُورِ وَأَحْكَامِ ذَلِكَ؟ فَإِنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا كثِيرًا، لَكِنْ نُشِيرُ نَحْنُ مِنْ ذَلِكَ إِلَى مَشْهُورَاتِ المَسَائِلِ فِي ذَلِكَ، وَهِيَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِأَكْثَرِ ذَلِكَ بِالنُّطْقِ الشَّرْعِيِّ عَلَى عَادَتِنَا فِي هَذَا الكِتَابِ، وَفِي ذَلِكَ مَسَائِلُ خَمْسٌ). أي: أن مقصود المؤلف ليس استقصاء المسائل، وإنما يقصد الاقتصار على مشهورات المسائل وأمهاتها؛ لأن المقام يضيق عن تَتَبُّعِها وتَقَصِّيها (٢).

стр. 4995

[المسألة الأولى: الواجب في النذر المطلق] قوله: (المَسْأَلَةُ الأُولَى: اخْتَلَفُوا فِي الوَاجِبِ فِي النَّذْرِ المُطْلَقِ الَّذِي لَيْسَ يُعَيِّنُ فِيهِ النَّاذِرُ شَيْئًا سِوَى أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْزٌ). النذر المُطلَق هو أن يقول الناذر: (الله عليَّ نَذْرٌ)، دون أن يُعَيِّنَ إن كان نَذْر هذا صلاةً أم صيامًا أم حجًّا أم صدقةً أم غير ذلك من أنواع القربات (١). وعند الحنابلة يقسمون النذر المُطلَقَ قسمين، فيجعلون قوله: (الله عليَّ نَذْرٌ) مُبهَمًا، ويجعلون قوله: الله عليَّ نذرٌ حَجٌّ) مُطلَقًا (٢). وقد مَرَّ بنا أن المؤلف يعتبر في النذر أمرين، وهما النية ولفظ النذر، وقد بيَّنَّا أن النية معتَبَرَةٌ بلا شكٍّ، أما اللفظ فلا يُشترَط ورود ذِكر كلمة النذر ما دامت الصيغة متعارَفًا عليها ومشتمِلةً معنى النذر، وسَبَقَ أن ذَكَرْنا تعليل المالكية لهذا الأمر (٣). قوله: (فَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَمَاءِ: فِي ذَلِكَ كفَّارَةُ يَمِينٍ لَا غَيْرَ.

стр. 4996

وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ فِيهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ. وَقَالَ قَوْمٌ: أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الاسْمُ مِنَ القُرَبِ: صيَامُ يَوْمٍ، أَوْ صَلَاةُ رَكعَتَيْنِ). فلدينا إِذَنْ في هذه المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: وهو قول جمهور أهل العلم، أن في ذلك كفارةَ يمينٍ لا غير، وهو مذهب الأئمة الأربعة فيما عدا الشافعية الذين خالَفوا في هذا وقالوا: لا كَفَّارَةَ في النذر المُطلَق، إذ النذر المطلَق لا يَترَتَّب عليه حُكْمٌ مِن الأحكام عندهم، بسبب عدم ذِكر المنذور (١)، واستثنى الشافعية من هذا ما لو كان النذر مُقَيَّدًا بوصفٍ، كأن يقول الناذرُ: (لله عليَّ نَذْرٌ صَلَاةٌ) أو: (صِيَامٌ) أو: (صَدَقَةٌ)، فقالوا: حينئذٍ نرجع إلى أقل ما يَنطَلِق عليه اسم القُربة التي نَذَرَها (٢). القول الثاني: أنَّ فيه كفارةَ ظِهارٍ، وهو قولٌ بعيدٌ عن الصحة؛ ولذلك لم يُسَمِّ المؤلِّفُ أصحاب هذا القول. القول الثالث: أن فيه أقل ما ينطلق عليه اسم القربة، بمعنى أنه لو نذرَ أن يصلِّيَ ولم يُعيِّنْ عدد ركعات هذه الصلاة فحينئذٍ يكون عليه صلاة ركعتين؛ لأنه أقل ما ينطلق عليه اسم الصلاة، ولو نَذَرَ أن يصومَ ولم يُعَيِّن عدد أيام الصيام فحينئذٍ يكون عليه صيام يومٍ، لأنه أقل الصيام، حيث لا يُشرَعُ صيام جُزء من اليوم أو صيام ساعةٍ (٣)، لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا

стр. 4997

وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ أي: أن الصيام المشروع هو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. قوله: (وَإِنَّمَا صَارَ الجُمْهُورُ لِوُجُوبِ كفَّارَةِ اليَمِينِ فِيهِ، لِلثَّابِتِ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: "كفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ"، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ) (١). وهذا الحديث نَصٌّ صريحٌ في أن من نَذَرَ ولم يُوفِ بنذره فإنه يُكفِّر كفارةَ يمينٍ؛ ولذلك استَحَبَّ العلماء لِمَن نَذَرَ تحريمَ امرأته على نفسه أَلَّا يُطلِّقَها وأن يُكَفِّرَ عن هذا كفارةَ يمينٍ (٢)، أما فيما يرتبط بالعبادة فالأَوْلَى في حقه أن يُوفِيَ بِنَذْرِهِ ويَفعَلَ الطاعات التي نَذَرَهَا، بل إن بعض العلماء

стр. 4998

يُلزِمُه بهذا كالرواية الموجودة عند الحنفية (١). قوله: (وَأَمَّا مَنْ قَالَ: صِيَامُ يَوْمٍ، أَوْ صَلَاةُ رَكعَتَيْنِ؛ فَإِنَّمَا ذَهَبَ مَذْهَبَ مَنْ يَرَى أَنَّ المُجْزِئَ أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الاسْم، وَصَلَاةُ رَكعَتَيْنِ أَوْ صِيَامُ يَوْمٍ أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ النَّذْرِ) (٢). لأن من أصول الشريعة أن يُرَدَّ الأمرُ المُبهَمُ أو المُطْلَقُ إلى أقرب الأشياء شبهًا به. قوله: (وَأَمَّا مَنْ قَالَ: فِيهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ؛ فَخَارجٌ عَنِ القِيَاسِ وَالسَّمَاعِ). والمؤلِّفُ لم يُسَمِّ أصحابَ هذا القول كما ذَكَرْنَا، ويا ليته سَمَّاهم، وربما كان قولًا لأهل الظاهر، وهو - على أية حال - مما يحتاج إلى بحثٍ ونظرٍ. قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اتَّفَقُوا عَلَى لُزُومِ النَّذْرِ بِالمَشْيِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ أَعْنِي: إِذَا نَذَرَ المَشْيَ رَاجِلًا) (٣). هناك مَن يَنذِرُ أن يَحُجَّ إلى بيت الله ماشيًا، وهناك من يَنذِرُ أن يمشي إلى بيت الله ليصلي فيه. فالمراد هاهنا هو: لو أن إنسانًا نَذَرَ أن يمشي إلى بيت الله؛ أي: يَذهَبَ إليه ماشيًا، لأنهم يقسِّمون المشي في اللغة قسمين، وهما: المشي راكبًا، كمن يَركَب دابَّةً أو سيارةً، والمشي راجلًا، وهو مَن يذهب إلى مقصده ماشيًا على قدميه. والعلماء تحدَّثوا في هذه المسألة وبَيَّنُوا أن مَن نَذَرَ أن يمشي إلى بيت الله راجِلًا فإنه لا يخلو من أمرين:

стр. 4999

الأمر الأول: أن يكون قادرًا على ذلك، فهذا يَلزَمُهُ الوفاءُ بنذره (١). الأمر الثاني: أن يعجز عن هذا الفعل، فحينئذٍ يَعدِلُ عنه ويؤدي الكفارة (٢)،

стр. 5000

كما كان في قصة أخت عقبة بن عامر التي نَذَرَت المشي إلى بيت الله، وستأتي القصة معنا (١). وقد كان العلماء فيما مضى يسافرون في كثير من أسفارهم راجِلِين إلى أماكن بعيدةٍ جدًّا كي يلتقي الواحد منهم بعالِمٍ من العلماء، فيَقطَع المسافات البعيدة جدًّا ويتخطَّى السهلَ والوَعرَ (٢) ويقابل الوحوشَ والشدائدَ، كل هذا كي يلتقي بعالِمٍ يَطلُب على يديه العلم أو يسمع منه حديثًا يحفظه عن رسول الله ﷺ خَشية أن يموت ذلك العالِمُ فيضيع معه ما يحفظه من حديث الرسول ﷺ ح فيتحمل في سبيل ذلك كل هذه الصعاب، لأنه يعلم أن من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سَهَّلَ الله له به طريقًا إلى الجنة. قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا عَجَزَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ). وهذه مسألة متفرعة عن المسألة السابقة. ومراد المؤلِّف منها: ما إذا نَذَرَ إنسان أن يمشيَ إلى بيت الله الحرام، ومَضَى في الوفاء بهذا النذر، ثم في أثناء الطريق لَحِقَهُ مِن المَشَقَّة ما عَجَزَ معه عن إكمال السَّيْرِ. والقاعدة الفقهية هاهنا تقول: "إذا ضَاقَ الأمْرُ اتَّسَعَ، وإذا اتَّسَعَ ضَاقَ" (٣).

стр. 5001

فمثلًا: إذا ضاق الأمر في حق المسافر صار بإمكانه أن يأكل من الميتة، وإذا اتَّسَعَ الأمرُ في حقه ووجد كبشًا ميتًا ضاقَ في حقه من جهة أنه لا يمكنه أن يتزوَّدَ من الميتة حينئذٍ ويحمل معه منها ما شاء، وإنما يكفيه أن يأكل منها قدر كفايته. فشريعة الإسلام شريعةٌ عظيمةٌ، مليئةٌ بالأسرار والحِكَم، بحيث كلما أَمْعَنَ (١) الإنسانُ النظرَ فيها تَبَيَّنَ مَدَى عِظَمِها، ولذا كان الناس يتسابقون على الدخول في هذا الدِّين أفواجًا (٢) في زمن الوسول ﷺ وزمن الصحابة ﵃، لأن الشريعة كانت تُنقَلُ لهم على وجهها الصحيح، ولأنهم كانوا يرونها مُطَبَّقةً في الداخل والخارج، فكان الآمِرُ بمعروفٍ إنما يأمر به ويفعله في ذات نفسه، والناهي عن مُنكَرٍ ينهى عنه الناسَ ويَكُفُّ نفسَه عنه. لذلك كان المسلمون الأوائل قبل أن يفتحوا البلادَ بالسيوف والسنان (٣) إنما يفتحون قلوب أهلها بهدي القرآن، فكان الناس يتقبلون الدِّينَ ويحبونه لأنهم يرونه مُطَبَّقًا على مَن يدعونهم إليه، فَمِنْ أقبح الأُمور أن تأمر بالمعروف ولا تأتيه، أو أن تنهى عن المنكر وتأتيه، ولذلك قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾ [الصف: ٢]، وكما قال الشاعر: لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَاتِيَ مِثْلَهُ … عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ (٤) (فَقَالَ قَوْمٌ: لَا شَيءَ عَلَيْهِ (٥). وَقَالَ قَوْمٌ: عَلَيْهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَاذَا عَلَيْهِ

стр. 5002

عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَذَهَبَ أَهْلُ المَدِينَةِ إِلَى أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَمْشِيَ مَرَّةً أُخْرَى مِنْ حَيْثُ عَجَزَ، وَإِنْ شَاءَ رَكِبَ وَأَجْزَأَهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ) (١). يقصد بالمدينة: الفقهاء الذين كانوا قبل مالك. قوله: (وَقَالَ أَهْلُ مَكَّةَ: عَلَيْهِ هَدْيٌ دُونَ إِعَادَةِ مَشْيٍ (٢). وَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ الأمْرَان جَمِيعًا؛ يَعْنِي: أَنَّهُ يَرْجِعُ فَيَمْشِي مِنْ حَيْثُ وَجَبَ، وَعَلَيْهِ هَدْيٌ، وَالهَدْيُ عِنْدَهُ بَدَنَهٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ شَاةٌ إِنْ لَمْ يَجِدْ بَقَرَةً أَوْ بَدَنَةً) (٣). ومن العلماء مَن ذَهَبَ إلى أن عليه كفارة يمينٍ (٤)؛ استنادًا إلى أنَّ كفارةَ النَّذْرِ هي كفارةُ يمينٍ. قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُنَازَعَةُ الأُصُولِ لِهَذِهِ المَسْأَلَةِ، وَمُخَالَفَةُ الأَثَرِ لَهَا، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ شَبَّهَ العَاجِزَ إِذَا مَشَى مَرَّةً ثَانِيَةً بِالمُتَمَتِّعِ وَالقَارِنِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ القَارِنَ فَعَلَ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي سَفَرَيْنِ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ؛

стр. 5003

وَهَذَا فَعَلَ مَا كانَ عَلَيْهِ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ فِي سَفَرَيْنِ قَالَ: يَجِبُ عَلَيْهِ هَدْيُ القَارِز أَوِ المُتَمَتِّعِ. وَمَنْ شبَّهَهُ بِسَائِرِ الأَفْعَالِ الَّتِي تَنُوبُ عَنْهَا فِي الحَجِّ إِرَاقَةُ الدَّمِ قَالَ: فِيهِ دَمٌ). وهذا من باب القياس على ما يُؤَدِّيهِ الحاجُّ إذا أتى محظورًا من محظورات الإحرام، كمَن جامَعَ قبل التحلل الأول فعليه أن يُهْدِيَ بدنةً، إلى غير ذلك من محظورات الإحرام، فبعض العلماء قَاسَ هذا على ذاك، فَذهَبَ إلى أن عليه أن يُهْدِيَ. ومنهم مَن ذَهَبَ إلى أن مَن نَذَرَ المشي إلى بيت الله الحرام ثم عَجَزَ عن ذلك أنَّ عليه أن يُكَفِّرَ. ومنهم مَن ذَهَبَ إلى أن عليه أن يصومَ (١). قوله: (وَمَنْ أَخَذَ بِالآثَارِ الوَارِدَةِ فِي هَذَا البَابِ قَالَ: إِذَا عَجَزَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَالسُّنَنُ الوَارِدَةُ الثَّابِتَةُ فِي هَذَا البَابِ دَلِيلٌ عَلَى طَرْحِ المَشَقَّةِ (٢)، وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَأَحَدُهَا: حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الجُهَنِيِّ قَالَ: "نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ ، فَأَمَرَتْنِي

стр. 5004

أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَفْتَيْتُ لَهَا النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "لِتَمْشِ وَلتَرْكَبْ"، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ) (١). وهذا الحديث في "الصحيحين"، وهو أن أخت عقبة بن عامر نَذَرَت أن تمشي إلى بيت الله، ثم لَمَّا لَحِقَتْها المشقةُ والعجز عن ذلك طَلَبَت من أخيها عقبة بن عامرٍ أن يَسألَ لها رسولَ الله ﷺ ، فقال له الرسول: "مُرْهَا لِتَرْكَبْ"، دون أن يشير إلى كفارةٍ أو شيءٍ. وهناكَ رواية أُخرى عند أبي داود وغيره أن الرسول ﷺ قالَ: "وَلْتَصُمْ" (٢)، وبلفظٍ آخر: "وَلْتُكَفِّرْ" (٣). فَمَنْ قالوا بالكفارة عَلَّلوا ذلك بأنَّ زيادة الكفارة وَرَدَ ذِكْرُها في روايةٍ صحيحةٍ، كأنَّ الراوي اقتَصَرَ على بعض الحديث في بعض الروايات، وجاءت الزيادةُ في رواياتٍ صحيحةٍ أُخرى، وليس هناك تَعَارُضٌ بين الروايتين مما يدعو إلى الأخذ بها. فكان هذا سببًا مِن أسباب الخلاف في المسألة. قوله: (وَحَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: "أَنَّ رَسُولَ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُهَادَى). (يُهَادَى) أَيْ: يُحْمَلُ (٤).

стр. 5005

قوله: (بَيْنَ ابْنَتَيْهِ، فَسَأَلَ عَنْه، فَقَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ، فَقَالَ ﵊: "إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ"، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ. وَهَذَا أَيْضًا ثَابِتٌ) (١). هذا الرجل المذكور في الحديث إنما قد شَقَّ على نفسه بإلزامها ما لم يجب عليها بالشرع؛ فإذا به يهادَى بين ابنتيه حتى يُتِمَّ ذلك النَّذْرَ الذي أَلْزَمَ به نفسَه، واللّه غنيٌّ عن تعذْيب عباده؛ فحينما حَدَّ اللَّهُ الحدودَ وفَرَضَ الفرائض وبَيَّنَ المنكَرات الواجب اجتنابها راعى فيها اليُسْرَ وعدم المشقة؛ ولذا فإن الرسول ﷺ لَمَّا رأى ذلك وَضَّحَ أنَّ هذا ليس مرادَ الشرع وأن الله غنيٌّ عن هذا، وأَمَرَ الرَّجُلَ بسلوك الطريق الذي ينبغي سلوكُهُ في طاعة الله . وقد سَبَقَ أن ذَكَرْنَا حديثَ رسولِ الله ﷺ : "إِنَّ النَّذْرَ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ" (٢)؛ ولهذا فإن العلماء قد اختلفوا في حُكْمِ النذر، فيما إذا كان مباحًا أم مُستَحَبًّا أم مكروهًا. - فكثيرٌ مِن العلماء ذهبَ إلى أنه مكروهٌ؛ لأن هذه هي أقل درجاته عندهم. - ومِن العلماء مَن ذَهَبَ إلى أنه مباحٌ؛ لأن الإنسانَ يجوز له أن يُخْرِجَ ما يجب عليه إخراجُه من مالٍ أو عبادةٍ أو سائر أنواع الطاعات دون أن يُلزِمَ نفسَه بهذا (٣). قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا - بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى لُزُومِ المَشْيِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ - فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، يُرِيدُ بِذَلِكَ الصَّلَاةَ فِيهِمَا).

стр. 5006

قد مَرَّ معنا أنه لا خلاف بين أهل العلم في وجوب المشي في الحج أو العمرة في حق مَن نَذَرَ ذلك، والآن يشير المؤلِّفُ إلى أن الخلاف بينهم إنما هو فيمن نَذَرَ المشيَ إلى مسجد الرسول ﷺ أو إلى المسجد الأقصَى بقصد الصلاة في أيٍّ منهما، والحقيقة أن هذه المساجد الثلاثة - المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ ، والمسجد الأقصى - قد وَرَدَ النَّصُّ ببيان فضلها على غيرها من المساجد، إلا أن هناك تفاوُتًا بينها في الدرجات، فأفضلها مَنْزلَةً هو المسجد الحرام، ثم المسجد النبوي، ثم المسجد الأقصى (١). فَمَنْ نَذَرَ المشيَ إلى أحد هذه المساجد إنما هو يَنذِرُ أن يأتيَهُ لِيُصَلِّيَ فيه، والصلاة في هذه المساجد إما أن تكون صلاةً مفروضةً أو صلاةً غَيْرَ مفروضةٍ، ومن هنا نشأ الخلاف بين أهل العلم في هذه المسألة، فيما إذا كان الناذِرُ نَذَرَ أن يصلي في هذه المساجد صلاةً مفروضةً أم غير مفروضةٍ (٢)، وهذا الخلاف يتعلَّق بخلافٍ سابقٍ، وهو اختلاف العلماء فِيمَن نَذَرَ على نفسه شيئًا واجبًا (٣)، كمن نَذَرَ أَن يصلِّيَ صلاةَ الظهر أو صلاة العصر، مما يتوجب عليه أداؤه سواءٌ نَذَرَ ذلك أو لم يَنذِرْهُ؛ فيما إذا كان يَلزَمُهُ مع أدائها كفارةٌ أم لا، وهو خلافٌ يحتاج إلى مزيد بيانٍ، وسوف يتعرض المؤلف له فيما يأتي. وتجدر الإشارة هاهنا إلى أن هذه المساجد إنما تُقصَدُ وتُشَدُّ الرحال (٤) إليها دون غيرها من المساجد من أجل الصلاة فيها؛ لقول

стр. 5007

الرسول ﷺ : "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدُ الحَرَام، وَمَسْجِدِى هَذَا، وَالمَسْجِدُ الأَقْصَى" (١)؛ فالمشروع هو شَدُّ الرِّحالِ إلى هذه المساجد من أجل الصلاة. أما غير ذلك من الأعمال - كَشَدِّ الرِّحال إلى القبور أو الطواف حولها أو التقرب إلى أصحابها - فهو من المنكَرات غير الجائزة شرعًا، بل قد يَصِلُ إلى الشِّرك باللّه (٢). قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: يَلْزَمُهُ المَشْيُ). بل الأئمة الثلاثة يتفقون في هذه المسألة، وهم مالكٌ (٣)، والشافعيُّ (٤)، وأحمدُ (٥).

стр. 5008

قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَحَيْثُ صَلَّى أَجَزْأَه، وَكَذَلِكَ عِنْدَهُ إِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ). وهاهنا قد يُفهَم من إشارة المؤلِّفِ مَذهَبَ أبي حنيفة على غير وَجْهِهِ، والحقيقة أن أبا حنيفةَ في مسألة نَذْرِ الصلاة في المسجد النبوي أو المسجد الأقصى بعد شدِّ الرِّحالِ إليهما، إنما يَرَى أن الصلاةَ فيهما غير مُتعَيِّنةٍ في حق الناذر، بل تُجزِئُه الصلاة أينما صَلَّى، ويضيف إليهما أن المسجد الحرام لا يختص عن هذين المسجدين بشيءٍ فيما يتعلَّق بالصلاة فيه، وإنما حُكمُه حُكمُهما، ولكنه ينفرد عنهما فيما يتعلَّق بالحج والعمرة ليس إلا. فأبو حنيفة هاهنا لا يخالف الأئمة الثلاثة في هذه النقطة وإنما يتفق معهم فيها، ويخالفهم في مسألة لزوم المشي، إذ يَرَوْنَ لزومَه، ويرى أبو حنيفة عدم لزومه إلا في الحج والعمرة فقط (١). قوله: (وَإِنَّمَا وَجَبَ عِنْدَهُ المَشْيُ إِلَى المَسْجِدِ الحَرَامِ لِمَكَان الحَجِّ وَالعُمْرَةِ) (٢).

стр. 5009

هذا لأن الأصل في قَصْدِ البيت الحرام عنده أن يكون للحَجِّ والعمرة، ولأن الحج والعمرة ورد من النصوص في القرآن والسُّنة ما يدل على وجوبهما، كقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]. وقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وقول الرسول ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا" (١). كما جاء بيان الوجوب في حديث جبريل الطويل الذي رواه عمر بن الخطاب ﵁ وإن لم يكن في "الصحيحين" (٢)، وسيأتي عند دراسة أحكام الحَجِّ تفصيلُ كلام العلماء في مسألة الوجوب. قوله: (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ صَاحِبُهُ: مَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِ المَقْدِسِ أَوْ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﵊، لَزِمَه، وَإِنْ صَلَّى فِي البَيْتِ الحَرَامِ أَجْزَأَهُ عَنْ ذَلِكَ) (٣).

стр. 5010

أبو يوسف: هو أحد صاحبي أبي حنيفة، والصاحب الآخر لأبي حنيفة هو محمد بن الحسن. وقبل ذِكْرِ قول أبي يوسف تجدر الإشارة إلى أن الفقهاء - رحمهم الله تعالى - لم تتفق أقوالهم في كل مسألة من المسائل؛ والسبب في ذلك هو كونهم جميعًا يريدون الوصول إلى الحق والصواب في كل مسألة مِن أقرب طريق، ومن أجل هذا كثيرًا ما نرى اختلافَ الأئمة الأربعة في مسألةٍ من المسائل، وأحيانًا أُخرى يلتقون في مسألةٍ مَا، وربما اتفقوا في مسألةٍ من المسائل ثم كان الخلاف فيها دائرًا في وسط مذهب من المذاهب، كالحال في مسألتنا هذه التي وقع الخلاف في حُكمِها بين الإمام أبي حنيفة وصاحِبِه أبي يوسف. وحاصل قول أبي يوسف في هذه المسألة كالتالي: - أن مَن نَذَرَ الصلاةَ في مسجد رسول الله ﷺ أو في المسجد الأقصى فإنه يَلزَمه أن يصلي فيه. - وَمَن نَذَرَ أن يُصَلِّيَ في مسجد رسول الله ﷺ أو في المسجد الأقصى ثم صَلَّى في المسجد الحرام فإن صلاته في المسجد الحرام تجزئه عن نذره هذا وتكفيه (١). ويُستَدَلُّ على هذا: بقصة الرجل الذي نَذَرَ أن يُصَلِّيَ ركعتين في المسجد الأقصى إن فَتَحَ الله مَكَّةَ على رسول الله ﷺ ، فلمَّا فُتِحَت مكةُ أَخبَرَ الرجلُ رسولَ الله ﷺ بنذره، فقال له رسول الله: "هَاهُنَا صَلِّ" وكرَّرها ثلاثًا، ولكن كانت نَفْسُ الرجل متعلقةً بالوفاء بنذره والصلاة في المسجد الأقصى، فحينئذٍ قال له رسول الله ﷺ : "هَذَا شَأْنُكَ، وَشَأْنُكَ ذَا" (٢). فهذا الحديث هو حجةٌ لأبي يوسف والحنابلة فيما ذَهَبُوا إليه في هذه المسألة.
следующие страницы →