قد مَرَّ معنا أنه لا خلاف بين أهل العلم في وجوب المشي في الحج أو العمرة في حق مَن نَذَرَ ذلك، والآن يشير المؤلِّفُ إلى أن الخلاف بينهم إنما هو فيمن نَذَرَ المشيَ إلى مسجد الرسول ﷺ أو إلى المسجد الأقصَى بقصد الصلاة في أيٍّ منهما، والحقيقة أن هذه المساجد الثلاثة - المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ ، والمسجد الأقصى - قد وَرَدَ النَّصُّ ببيان فضلها على غيرها من المساجد، إلا أن هناك تفاوُتًا بينها في الدرجات، فأفضلها مَنْزلَةً هو المسجد الحرام، ثم المسجد النبوي، ثم المسجد الأقصى (١).
فَمَنْ نَذَرَ المشيَ إلى أحد هذه المساجد إنما هو يَنذِرُ أن يأتيَهُ لِيُصَلِّيَ فيه، والصلاة في هذه المساجد إما أن تكون صلاةً مفروضةً أو صلاةً غَيْرَ مفروضةٍ، ومن هنا نشأ الخلاف بين أهل العلم في هذه المسألة، فيما إذا كان الناذِرُ نَذَرَ أن يصلي في هذه المساجد صلاةً مفروضةً أم غير مفروضةٍ (٢)، وهذا الخلاف يتعلَّق بخلافٍ سابقٍ، وهو اختلاف العلماء فِيمَن نَذَرَ على نفسه شيئًا واجبًا (٣)، كمن نَذَرَ أَن يصلِّيَ صلاةَ الظهر أو صلاة العصر، مما يتوجب عليه أداؤه سواءٌ نَذَرَ ذلك أو لم يَنذِرْهُ؛ فيما إذا كان يَلزَمُهُ مع أدائها كفارةٌ أم لا، وهو خلافٌ يحتاج إلى مزيد بيانٍ، وسوف يتعرض المؤلف له فيما يأتي.
وتجدر الإشارة هاهنا إلى أن هذه المساجد إنما تُقصَدُ وتُشَدُّ الرحال (٤) إليها دون غيرها من المساجد من أجل الصلاة فيها؛ لقول
стр. 5007
الرسول ﷺ : "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدُ الحَرَام، وَمَسْجِدِى هَذَا، وَالمَسْجِدُ الأَقْصَى" (١)؛ فالمشروع هو شَدُّ الرِّحالِ إلى هذه المساجد من أجل الصلاة.
أما غير ذلك من الأعمال - كَشَدِّ الرِّحال إلى القبور أو الطواف حولها أو التقرب إلى أصحابها - فهو من المنكَرات غير الجائزة شرعًا، بل قد يَصِلُ إلى الشِّرك باللّه (٢).
قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: يَلْزَمُهُ المَشْيُ).
بل الأئمة الثلاثة يتفقون في هذه المسألة، وهم مالكٌ (٣)، والشافعيُّ (٤)، وأحمدُ (٥).
стр. 5008
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَحَيْثُ صَلَّى أَجَزْأَه، وَكَذَلِكَ عِنْدَهُ إِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ).
وهاهنا قد يُفهَم من إشارة المؤلِّفِ مَذهَبَ أبي حنيفة على غير وَجْهِهِ، والحقيقة أن أبا حنيفةَ في مسألة نَذْرِ الصلاة في المسجد النبوي أو المسجد الأقصى بعد شدِّ الرِّحالِ إليهما، إنما يَرَى أن الصلاةَ فيهما غير مُتعَيِّنةٍ في حق الناذر، بل تُجزِئُه الصلاة أينما صَلَّى، ويضيف إليهما أن المسجد الحرام لا يختص عن هذين المسجدين بشيءٍ فيما يتعلَّق بالصلاة فيه، وإنما حُكمُه حُكمُهما، ولكنه ينفرد عنهما فيما يتعلَّق بالحج والعمرة ليس إلا.
فأبو حنيفة هاهنا لا يخالف الأئمة الثلاثة في هذه النقطة وإنما يتفق معهم فيها، ويخالفهم في مسألة لزوم المشي، إذ يَرَوْنَ لزومَه، ويرى أبو حنيفة عدم لزومه إلا في الحج والعمرة فقط (١).
قوله: (وَإِنَّمَا وَجَبَ عِنْدَهُ المَشْيُ إِلَى المَسْجِدِ الحَرَامِ لِمَكَان الحَجِّ وَالعُمْرَةِ) (٢).
стр. 5009
هذا لأن الأصل في قَصْدِ البيت الحرام عنده أن يكون للحَجِّ والعمرة، ولأن الحج والعمرة ورد من النصوص في القرآن والسُّنة ما يدل على وجوبهما، كقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧].
وقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧].
وقول الرسول ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا" (١).
كما جاء بيان الوجوب في حديث جبريل الطويل الذي رواه عمر بن الخطاب ﵁ وإن لم يكن في "الصحيحين" (٢)، وسيأتي عند دراسة أحكام الحَجِّ تفصيلُ كلام العلماء في مسألة الوجوب.
قوله: (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ صَاحِبُهُ: مَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِ المَقْدِسِ أَوْ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﵊، لَزِمَه، وَإِنْ صَلَّى فِي البَيْتِ الحَرَامِ أَجْزَأَهُ عَنْ ذَلِكَ) (٣).
стр. 5010
أبو يوسف: هو أحد صاحبي أبي حنيفة، والصاحب الآخر لأبي حنيفة هو محمد بن الحسن.
وقبل ذِكْرِ قول أبي يوسف تجدر الإشارة إلى أن الفقهاء - رحمهم الله تعالى - لم تتفق أقوالهم في كل مسألة من المسائل؛ والسبب في ذلك هو كونهم جميعًا يريدون الوصول إلى الحق والصواب في كل مسألة مِن أقرب طريق، ومن أجل هذا كثيرًا ما نرى اختلافَ الأئمة الأربعة في مسألةٍ من المسائل، وأحيانًا أُخرى يلتقون في مسألةٍ مَا، وربما اتفقوا في مسألةٍ من المسائل ثم كان الخلاف فيها دائرًا في وسط مذهب من المذاهب، كالحال في مسألتنا هذه التي وقع الخلاف في حُكمِها بين الإمام أبي حنيفة وصاحِبِه أبي يوسف.
وحاصل قول أبي يوسف في هذه المسألة كالتالي:
- أن مَن نَذَرَ الصلاةَ في مسجد رسول الله ﷺ أو في المسجد الأقصى فإنه يَلزَمه أن يصلي فيه.
- وَمَن نَذَرَ أن يُصَلِّيَ في مسجد رسول الله ﷺ أو في المسجد الأقصى ثم صَلَّى في المسجد الحرام فإن صلاته في المسجد الحرام تجزئه عن نذره هذا وتكفيه (١).
ويُستَدَلُّ على هذا: بقصة الرجل الذي نَذَرَ أن يُصَلِّيَ ركعتين في المسجد الأقصى إن فَتَحَ الله مَكَّةَ على رسول الله ﷺ ، فلمَّا فُتِحَت مكةُ أَخبَرَ الرجلُ رسولَ الله ﷺ بنذره، فقال له رسول الله: "هَاهُنَا صَلِّ" وكرَّرها ثلاثًا، ولكن كانت نَفْسُ الرجل متعلقةً بالوفاء بنذره والصلاة في المسجد الأقصى، فحينئذٍ قال له رسول الله ﷺ : "هَذَا شَأْنُكَ، وَشَأْنُكَ ذَا" (٢).
فهذا الحديث هو حجةٌ لأبي يوسف والحنابلة فيما ذَهَبُوا إليه في هذه المسألة.
стр. 5011
قوله: (وَأكْثَرُ النَّاسِ عَلَى أَنَّ النَّذْرَ لِمَا سِوَى هَذِهِ المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ لَا يَلْزَمُ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: "لَا تُسرَجُ المَطِيُّ (١) إِلَّا لِثَلَاثٍ"، فَذَكرَ المَسْجِدَ الحَرَامَ، وَمَسْجِدَه، وَبَيْتَ المَقْدِسِ) (٢).
وهاهنا مأخَذٌ آخَرُ نأخذه على المؤلِّفِ - عفا الله عنه -: وهو استشهادُهُ بهذا الحديث الذي أخرجه أبو داود في "سُنَنِهِ" (٣)، مع وجود حديثٍ آخر في "الصحيحين" وهو قول الرسول ﷺ : "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدُ الحَرَام، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالمَسْجِدُ الأَقْصَى" (٤). فالحديث الأول صحَّحَه بعضُ العلماءِ ووَثَّقُوا رُواته، وأَعَلَّهُ بعض العلماء الآخرين (٥)، فكان الأَوْلَى بالمؤلِّفِ أن يَستشهِدَ بالحديث المتَّفَق عليه.
فهذا من المآخذ التي تؤخَذ على مؤلِّفِ الكتاب: أنه أحيانًا يَستَدِلُّ بحديثٍ ضعيفِ السَّنَدِ أو حديثٍ ليس في "الصحيحين" مع وجودِ حديثٍ آخَرَ فيهما صريحٍ في المسألة، وأنه كذلك يأتي أحيانًا بأدلةٍ عقليةٍ مع وجود أدلةٍ نقليةٍ.
أما قول رسول الله ﷺ : "لَا تُسْرَجُ المَطِيُّ"، فمعناه: لا يوضَعُ السَّرجُ (٦) على المطِيِّ إلا لهذه المساجد الثلاثة.
стр. 5012
فما بالنا بِمَنْ يَشُدُّونَ الرِّحالَ إلى قُبورِ مَن يَدَّعُون أنهم أولياء أو صالحون، فَيَزُورُونَهُمْ رَجَاءَ أنْ يَنفَعُوهم أو يَدفَعُوا عنهم الضُّرَّ ويَكشِفُوا عنهم ما نَزَلَ بهم مِن المُلِمَّاتِ (١)؟!
لا شكَّ أن هذا كله لا يجوز؛ لأن هذه الأُمور كلها إنما هي بيد الله وحده، لا بيد أحدٍ من خَلقِهِ؛ ولهذا حَذَّرَ اللَّهُ عبادَه من هذا ونهاهم عنه بقوله : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
وقوله : ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ [الأحقاف: ٥].
قوله: (وَذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إِلَى أَنَّ النَّذْرَ إِلَى المَسَاجِدِ الَّتِي يُرْجَى فِيهَا فَضْل زَائِدٌ وَاجِبٌ (٢)، وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِفَتْوَى ابْنِ عَبَّاسٍ لِوَلَدِ
стр. 5013
المَرْأَةِ الَّتِي نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَى مَسْجِدِ قُبَاءَ، فَمَاتَتْ: أَنْ يَمشِيَ عَنْهَا) (١).
أما مسجد قُبَاءَ فمن المعلوم أن الصلاةَ فيه تَعدِلُ عُمرَةً (٢)، وأن رسول الله ﷺ كان يَذهَب إليه راكبًا وماشيًا (٣).
стр. 5014
وأما هذه الرواية فقد ورَدَت في "المُوَطَّأِ" (١)، والمشهور منها أن الفتوى كانت لابنة المرأة لا لولدها كما أورَدَ المؤلِّف، وفيها أن امرأةً نَذَرَت أن تُصلِّيَ في مسجد قُبَاءَ، فماتت قبل الوفاء بنذرها، فجاءَت ابْنَتُهَا عبدَ اللّه بنَ عباسٍ ﵄ حَبْرَ هذه الأُمَّةِ تستفتيه في ذلك، فأفتاها بأن تُصلِّيَ عنها (٢).
وهذه المسألة فيها خلافٌ كثيرٌ (٣)، وقد تَحَدَّثْنَا في أحكام الصيام عن هذا الخلاف، وعَرَفْنَا أن هناك من العلماء مَن يَرَى ذلك مُطْلَقًا دون قَيْدٍ، ومنهم مَنْ يَخُصُّهُ بالنذر كما هو الحال عند الحنابلة، وأن منهم مَن يَمنَعُ مِن ذلك مُطلَقًا كما هو المشهور في مذهب مالكٍ.
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي النَّذْرِ إِلَى مَا عَدَا المَسْجِدَ الحَرَامَ اخْتِلَافُهُمْ فِي المَعْنَى الَّذِي إِلَيْهِ تُسْرَجُ المَطِيُّ إِلَى هَذِهِ الثَّلَاثِةِ مَسَاجِدَ، - هَلْ ذَلِكَ لِمَوْضِعِ صَلَاةِ الفَرْضِ فِيمَا عَدَا البَيْتَ الحَرَامَ أَوْ لِمَوْضِعِ صَلَاةِ النَّفْلِ؟).
أي: أن سبب اختلافهم في النذر إلى المسجد النبوي والمسجد الأقصى هو اختلافهم فيما إذا كانت هذه المساجد تُقصدُ مِن أَجلِ شَدِّ الرحال إليها فقط، أم أنها تُقصَد مِن أَجلِ أداء الصلاةِ الواجبةِ، أم مِن أَجلِ أداء السُّنَن، أم مِن أَجلِ أداء الصلاة على وَجْهِ الإطلاقِ سواء كانت واجبةً أم غير واجبةٍ.
стр. 5015
قوله: (فَمَنْ قَالَ: لِمَوْضِعِ صَلَاةِ الفَرْضِ؛ وَكانَ الفَرْضُ عِنْدَهُ لَا يُنْذَرُ إِذْ كانَ وَاجِبًا بِالشَّرْعِ قَالَ: النَّذْرُ بِالمَشْيِ إِلَى هَذيْنِ المَسْجِدَيْنِ غَيْرُ لَازِمٍ).
سبب الخلاف هاهنا: هو اختلاف العلماء فيما إذا كانت الكفارةُ تَلزَمُ في نذر الواجبات أم لا تَلزَمُ (١).
والمؤلِّفُ هاهنا يشير إلى تعليل القائلين بعدم لزوم المشي إلى هذين المسجدين في حق مَن نَذرَ ذلك؛ لأن الناذرَ إنما جاء إلى هذين المسجدين ليتفرَّغَ فيهما إلى الله ويَتقَرَّبَ إليه بالصلاة فيهما، وهذه الصلاة إنما تجب عليه بأيِّ مكانٍ لا في هذين المسجدين على جهة الخصوص، هذا بخلاف البيت الحرام الذي ينفرد بأن فريضةَ الحَجِّ لا تقام إلا فيه (٢).
فالفرض واجبٌ ولازمٌ بأصل الشرع، أما النذر فليس واجبًا بأصل الشرع، وإنما الإنسان هو مَن يُوجِب النذرَ على نفسه ويلتزم به؛ ولذا فإن الإنسان عندما يَنذِرُ أن يَتصدَّقَ أو يُصَلَّيَ تَطَوُّعًا أو يَفْعَلَ شيئًا من الخير؛ فهذا لا شَكَّ أنه نَذْرُ طاعةٍ، أما إذا نَذَرَ أداءَ شيءٍ من الواجبات كأن يُصلِّيَ الفريضةَ أو أن يصومَ رمضانَ أو أن يُخرِجَ زكاةَ مالِهِ فحينئذٍ نقول له: إن هذه الأشياءَ إنما هي من الأُمور الواجبة عليكَ بأصل الشرع
стр. 5016
والمُتَحَتِّمَةِ في حَقِّكَ ابتداءً، فهي أُمورٌ لا بد مِن فِعلِها سواء نَذَرَ الإنسانُ ذلك أو لَم يَنذِر.
أما إذا نَذَرَهَا وَأَدَّاهَا فحينئذٍ هل تَلزَمُه كفارةُ يمينٍ أم لا (١)؟
بعض العلماء: ذَهَبَ إلى وجوب الكفارة في حقه؛ لأنه إنما أدى الواجب عليه بأصل الشرع لا النذر.
وبعضهم: ذَهَبَ إلى عدم لزوم الكفارة؛ لأنه عندما أدَّى الواجبَ فإنه قد أدَّى وفاءَ النذر أيضًا.
قوله: (وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ أَنَّ النَّذْرَ قَدْ يَكُونُ فِي الوَاجِبِ، أَوْ أَنَّهُ أَيْضًا قَدْ يُقْصَدُ هَذَانِ المَسْجِدَانِ لِمَوْضِعِ صَلَاةِ النَّفْلِ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: "صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ" (٢)، وَاسْمُ الصَّلَاةِ يَشْمَلُ الفَرْضَ وَالنَّفْلَ، قَالَ: هُوَ وَاجِبٌ) (٣).
стр. 5017
وهذا القول بأن النذر يكون في الواجبات كما يكون في السُّنَن مع قلة القائلين به إلا أنه موجودٌ في بعض المذاهب، كمذهب الشافعية ومذهب الحنابلة، على خلافٍ بينهم داخل المذهبين في المسألة (١).
قوله: (لَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ حَمَلَ هَذَا الحَدِيثَ عَلَى الفَرْضِ مَصِيرًا إِلَى الجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﵊: "صَلَاةُ أَحَدِكمْ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي مَسْجِدِي هَذَا إِلَّا المَكْتُوبَةَ" (٢)، وَإِلَّا وَقَعَ التَّضَادُّ بَيْنَ هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ، وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ هِيَ أَنْ تَكُونَ مِنَ البَابِ الثَّانِي أَحَقُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مِنْ هَذَا البَابِ) (٣).
стр. 5018
هذا الحديث رَوَاهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁، وهذه الرواية صحَّحَها العلماء، ولكن يُؤخَذُ على المؤلِّفِ هاهنا أيضًا أنه جاءَ بهذا اللفظ مع وجود لفظٍ آخَرَ للحديث مُتَّفقٍ عليه (١)، وهو: "أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ، إِلَّا المَكْتُوبَةَ" (٢).
وقد يُشكِلُ على بعض الناس وَيتعَجَّبُ مِن كَون صلاة تَطَوُّع الرَّجل في بيته أَفْضَلَ مِن صلاته في مسجد رسول اللّه ﷺ ، والعلة من ذلك قد بَيَّنَهَا رسول اللّه ﷺ في قوله: "اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَا تَجْعَلُوهَا قُبُورًا" (٣)؛ لأن الإنسانَ إذا هَجَرَ بيتَهُ ولم يُصَلِّ فيه فإنَّ بَيْتَهُ حينئذٍ يَكُون أَشْبَهَ ما يَكُون بالمَقْبَرَةِ، فالمَقْبَرَة لا يُصلَّى فيها لأنها غير مُعَدَّةٍ للصلاة؛ ولذا فإنَّ رسول اللّه ﷺ أَرْشَدَ إلى أهمية صلاة السُّنَنِ في البيوت، أما صلاة الفريضة فلا ينبغي أن تُؤَدَّى إلا في المسجد.
قوله: (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي الوَاجِبِ عَلَى مَنْ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ ابْنَهُ فِي مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ).
المؤلِّفُ هاهنا في هذه المسألة قد خالَفَ منهجه؛ فإنه قد التَزَمَ في هذا الكتاب بأنه لن يَذْكُرَ من المسائل إلا الأمهات والأُصول دون الخوض في المسائل الفرعية، ولكنه في هذه المسألة خَرَّجَ على مسألةٍ فرعيةٍ قد لا توجد في بعض كتب المذاهب مع شمولها وتفصيلها، فهذه المسألة قد ذُكِرَت في بعض كتب الفقهاء، ويبدو أن المؤلِّفَ تابَعَ فيها كتاب "الاستذكار" لابن عبد البَرِّ.
ومبحث هذه المسألة: يدور حول ما لو نَذَرَ إنسانٌ أن يَنْحَرَ ابنَهُ أو
стр. 5019
ابنَتَه، سواءٌ نَذَرَ أن يَفعَلَ ذلك عند مقام إبراهيم أو أَطلَقَ نَذْرَهُ دون تحديد المكان.
ولا شَكَّ أن هذا النذر لا يجوز الوفاء به؛ لِمَا يَشتمل عليه من معصيةٍ للّه، ولأن فيه قَتْلًا للنفس التي حَرَّمَ اللَّهُ قَتْلَها إلا بالحق، واللّه تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
وقال الرسول ﷺ : "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُّ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ المُفَارِقُ لِلجَمَاعَةِ" (١).
ولذا؛ فإن الوفاءَ بهذا النذر لا يجوز؛ إذْ لا يجوز الوفاء بنذر المعصية؛ لقول الرسول ﷺ : "وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ".
ولكن ما الذي يترتَّبُ على عدم الوفاء بهذا النذر؟
فهذا موضع اختلافٍ بين أهل العلم، وقد نُقِلَ في هذا عدة رواياتٍ عن عبد اللّه بن عباسٍ ﵄.
فبعض العلماء: ذَهَبَ إلى أن مَن نَذَرَ ذلك لَزِمَتهُ كفارةُ يمينٍ.
وبعضهم: ذَهَبَ إلى أن عليه ذَبْحَ شاةٍ.
وبعضهم قال: يَذبَح جَزُورًا.
وبعضهم قال: يَذْبَحُ مائةً من الإبل.
وبعضهم قال: يَتَصَدَّقُ بقيمة نِيَّتِهِ.
وبعضهم قال: يحج به.
وبعضهم قال: يحج ويُهدِي.
وبعضهم قال: يَذْبَحُ كَبْشًا؛ إلحاقًا بِسُنَّةِ إبراهيم ﵇.
стр. 5020
فتعدَّدَت أقوال العلماء في ذلك حتى وَصَلَت إلى عشرات الأقوال (١).
وقصة إبراهيم وابنه إسماعيل ﵉ معروفةٌ مشهورةٌ، والتي ذَكَرَها اللَّهُ في كتابه في قوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ [الصافات: ١٠٢ - ١٠٧].
فهاهنا تأتي المسألة الأصولية المعروفة: (هل شَرْعُ مَن قبلنا شَرْعٌ لنا أم لا؟ وهل هناك فرقٌ بين أن يَرِدَ النَّسخُ أو لا يَرِدَ؟)، وهذه المسألة سيشير إليها المؤلِّف، وسنتوقَّفُ عندها لتفصيلها وبيانها إن شاء الله (٢).
قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: يَنْحَرُ جَزُورًا فِدَاءً لَهُ).
وقد يقيده بمقام إبراهيم قياسًا على قصة إبراهيم مع ولده إسماعيل ﵉، وقد يُطلِقُ ذلك لو نَذَرَ أن يَذْبَحَ ابنَه في أي مكانٍ، فالحكم فيهما لا يختلف (٣).
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَنْحَرُ شَاةً (٤)، وَهُوَ أَيْضًا
стр. 5021
مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ يَنْحَرُ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ).
وهذه الأقوال مَروَّيَّةٌ عن عبد اللّه بن عباس ﵄، وقد رواها البيهقي في "سُنَنِه" (١)، وابن عبد البَرِّ (٢)، وابن قدامة ذَكَرَ شيئًا من ذلك في "المغني" (٣)، كما ذَكَرَها النوويُّ في "المجموع" (٤)، وذَكَرَها آخرون في مصنَّفاتهم، وغيرهم.
قوله: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُهْدِي دِيَتَهُ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ (٥). وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ يَحُجُّ بِهِ، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ).
стр. 5022
وَللَّيْثِ روايتان:
- إحداهما: أنه يَحُجُّ به (١).
- والثانية: أنه يَحُجُّ به ويَذبَحُ له هَدْيًا (٢).
وهذه المسألة رغم تَعَدُّدِ الأقوال فيها وتَشَعُّبِها إلا أنها لا تحتاج إلى وقفاتٍ كثيرةٍ؛ لأن الأصل فيها هو عدم جواز ذَبْحِ الإنسان ابنَهُ؛ لِمَا تَوَافَرَ في ذلك من الأدلة الصحيحة الصريحة.
قوله: (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ) (٣).
стр. 5023
وهي كذلك روايةٌ عن الحنابلة (١): أن نَذْرَ المعصية لا يُوفَى به ولا تَلزَمُ به الكفار".
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: قِصَّةُ إِبْرَاهِيمَ ﵊، أَعْنِي: هَلْ مَا تَقَرَّبَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ هُوَ لَازِمٌ لِلْمُسْلِمِينَ أَمْ لَيْسَ بِلَازِمٍ؟).
والآيات الواردة في سورة الصافات واضحةٌ جَلِيَّةٌ في ذلك، فإبراهيم ﵇ إنما امتُحِنَ هو وابنُه بالرؤيا التي رآها في المنام، فَصَدَقَا القولَ مع ربِّهِما ، إذْ بادَرَ إبراهيمُ ﵇ إلى تنفيذِ الأمر الإلهي، وبادَرَ ابنُه إسماعيلُ ﵇ إلى تسليم أَمْرِهِ إلى اللّه، فقال: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾، هذا على الرغم مِمَّا في هذا الأمر من المشقة التي تصعُب على النفس ويَضيقُ بها القلب إلا أنه وَعَدَ أباه بأنه سيستسلم لأمر اللّه وسيكون صابرًا، ثم لَمَّا بادَرَ إبراهيمُ ﵇ إلى تنفيذِ الأمر وأَمْسَكَ ابنَه لِيَذبَحَه حَسَمَ اللَّهُ المسألةَ ونَجَّى إسماعيلَ ﵇ فقال تعالى: ﴿(١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾.
فكان موقف إبراهيم وإسماعيل ﵉ مثالًا يُحتَذَى ويُقتَدَى به، سواء في طاعتهما للّه أو في طاعة الابن لِأَمْرِ أَبِيهِ وَبِرِّهِ بِهِ؛ إذْ قَرَنَ اللّه طاعةَ الوالِدَين بطاعته، فقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا
وهذه هي المسألة الأصولية التي أَشَرْنَا لها فيما مضى، وهي: (هَلْ شرع مَنْ قَبْلَنَا شرْعٌ لَنَا أَمْ لَا؟).
وهي مسألة من مسائل الأُصول التى اختلَفَ العلماءُ فيها وأطالوا الكلامَ في بَحثِها وتَناوُلِها.
فبعض العلماء قال: بأن شَرْعَ مَن قَبْلَنا شرعٌ لنا ما لَم يَرِدْ نَصٌّ بنسخه.
وبعضهم قال: بأنه ليس شرعًا لنا على الإطلاق، وبعضهم ذَهَبَ إلى أنه ليس شرعًا لنا إلا إن وَرَدَ في شَرْعِنَا ما يَشهَدُ له ويُؤَيِّدُهُ (١).
قوله: (وَالخِلَافُ فِي هَلْ يَلْزَمُنَا شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا مَشهُورٌ، لَكِنْ يَتَطَرَّق إِلَى هَذَا خِلَافٌ آخَر، وَهُوَ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ هَذَا الفِعْلِ أَنَّهُ كَانَ خَاصًّا بِإِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ يَكُنْ شَرْعًا لِأَهْلِ زَمَانِهِ، وَعَلَى هَذَا، فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ هَلْ هُوَ شَرْعٌ لنَا أَمْ لَيْسَ بِشَرْعٍ؟).
هذه المسألة تَكَلَّمَ فيها أهل التفسير والفقه، فبعضهم ذَهَبَ إلى هذا القول الذي ساقَهُ المؤلِّف، وهو أن ظاهِرَ القصة يُفِيدُ خُصُوصِيَّةَ هذا الفعل بإبراهيم ﵇، وبعض العلماء كذلك أشار إلى عُمومِ الفعل (٢).
стр. 5026
وحاصل المسألة في الأصل: أن هذا نذرٌ فيه معصية فلا يُوفَّى به، ولكن المسألة تبحث فيما إذا كان فيه كفارةٌ أم لا، وما هي الكفارة الواجبة في ذلك (١).
قوله: (وَالذِينَ قَالُوا: إِنَّهُ شَرْعٌ، إِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الوَاجِبِ فِي ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ اخْتِلَافِهِمْ أَيْضًا فِي هَلْ يُحْمَلُ الوَاجِبُ فِي ذَلِكَ عَلَى الوَاجِبِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، أَمْ يُحْمَلُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ القُرَبِ الإِسْلَامِيَّةِ، وَذَلِكَ إِمَّا صَدَقَة بِدِيَتِهِ، وَإِمَّا حَجٌّ بِهِ، وَإِمَّا هَدْيُ بَدَنَةٍ).
أي: أنهم اختلَفُوا في أمورٍ، منها:
- أنهم اختَلَفُوا فيما إذا كان الكَبْشُ الذي وَجَبَ على إبراهيمَ ﵇ هو بعينه ما يجب على كُلِّ مَن نَذَرَ أن يَذْبَحَ ابنَه أم أنه يُزادُ على ذلك.
- واختَلَفُوا فيما إذا كانت الكفارة تنحصر في بهيمة الأنعام وحدها أو تتعداها إلى غير ذلك.
- وكذلك اختَلَفُوا فيما إذا كانت هذه الكفارةُ كفارةَ يمينٍ أم لا.
وكل هذا قد سَبَقَت الإشارةُ إليه (٢).
وأما قوله: (القُرَب الإسلامية)، فيعني به: الطاعات التي يَتقَرَّبُ بها العبدُ إلى اللّه قاصدًا به وَجْهَهُ وحده؛ فهذا يختلف عن التقرُّب للمَخلُوقِين بأُمورٍ جائزةٍ في الشرع أو غير جائزةٍ، كأن تُقَدِّمَ هديَّةً لصديقِكَ فهذا أمر جائزٌ شرعًا إذا لم يَدخُل فيه غرضٌ غيرُ محمودٍ، ولكنه ليس من باب القربات الإسلامية الذي نتناوله هاهنا.
стр. 5027
قوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ (١)، فَذَهَبُوا إِلَى حَدِيثِ عَبْدِ المُطَّلِبِ).
وحديث عبد المطلب هذا هو ما أخرجه الحاكم في قوله: "مستدركه" وأشار إليه الطبريُّ في "تفسيره" من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الصُّنَابِحِيِّ أنه قَالَ: "حَضَرْنَا مَجْلِسَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَتَذَاكَرَ القَوْمُ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الذَّبِيحُ إِسْمَاعِيل، وَقَالَ بَعْضهُمْ: بَلْ إِسْحَاقُ الذَّبِيح، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: سَقَطْتُمْ عَلَى الخَبِيرِ، كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَتَاهُ الأَعْرَابِيُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، خَلَّفْتُ البِلَادَ يَابِسَةً وَالمَاءَ يَابِسًا، هَلَكَ المَالُ وَضَاعَ العِيَال، فَعُدْ عَلَيَّ بِمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ؛ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، فَقُلْنَا: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، وَمَا الذِّبِيحَانِ؟ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ لَمَّا أَمَرَ بِحَفْرِ زَمْزَمَ نَذَرَ لِلَّهِ إِنْ سهَّلَ اللَّهُ أَمْرَهَا أَنْ يَنْحَرَ بَعْضَ وَلَدِهِ، فَأَخْرَجَهُمْ، فَأَسْهَمَ بَيْنَهُمْ، فَخَرَجَ السَّهْمُ لِعَبْدِ اللَّهِ، فَأَرَادَ ذَبْحَه، فَمَنَعَهُ أَخْوَالُهُ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، وَقَالُوا: أَرْضِ رَبَّكَ وَافْدِ ابْنَكَ. قَالَ: فَفَدَاهُ بِمِائَةِ نَاقَةٍ. قَالَ: فَهُوَ الذَّبِيحُ وَإِسْمَاعِيلُ الثَّانِي" (٢).
فهناك خلافٌ مشهورٌ بين المُفَسِّرِينَ فيما إذا كان الذبيح هو إسماعيل
стр. 5028
أم إسحاق ﵉ (١)، وفي هذا الحديث إشار إلى هذا الخلاف الذي وَقَعَ كذلك في مجلس معاوية ﵁ واختَلَفَ الحاضرون في الذَّبِيحِ، فقال معاوية: "سَقَطْتُمْ عَلَى الخَبِيرِ"، وقَصَّ عليهم قصةَ الأعرابيِّ الذي جاء إلى رسول اللّه ﷺ وشَكَا له ضِيقَ الحال وناداه بابن الذبيحين، فلما تساءَلَ الصحابةُ عن ذلك أَخبَرَهُم رسول اللّه ﷺ بِخَبَرِ جَدِّهِ عبد المُطَّلِبِ لَمَّا نَذَرَ إن سَهَّلَ اللَّهُ له حَفْرَ زَمْزَمَ لَيَنْحَرَنَّ بَعْضَ وَلَدِهِ … إلى آخر القصة التي أشار إليها المؤلِّف، وهو حديثٌ ضعيفٌ (٢)، لكننا نَسُوقُهُ إتمامًا للفائدة ولأنَّ المؤلِّفَ أشارَ إليه.
قوله: (المَسْأَلَةُ الخَامسَةُ: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَجْعَلَ مَالَهُ كُلَّهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ فِي سَبِيلٍ مِنْ سُبُلِ البِرِّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ) (٣).
стр. 5029
هذا الإنسان ينذر أنه سيتصدق بهذا المال كله، ولا يترك له شيء، ففي قصة أبي بكر وعمر عندما كان عمر ﵁ يسارع إلى فعل الخيرات حتى إن رسول اللّه ﷺ حث أصحابه على الصدقات ذات يوم، لكن عمر تصدق بنصف ماله، فوجد أن أبا بكر تصدق بجميع ماله (١).
فوقف العلماء عند هذه المسألة، فقالوا: إن كان الذي يتصدق بماله جميعًا عنده من القدرة والخبرة والصلة بالتجار ما يجعله يعود ويستغني عما في أيدي الناس "فلا شيء في ذلك، أما أن يأتي إنسان ويخرج جميع ما في يديه ثم يجلس يتكفف الناس لا يدري يحسنون إليه أو لا، ويترك أبناءه عالةً على الناس، فلا.
وقد ورد في قصة سعد بن أبي وقاص عندما جاء إلى رسول اللّه ﷺ وذكر له أنه يريد أن يتصدق بماله، فقال له رسول اللّه ﷺ : "لا"، ثم قال سعد: فالثلثان؟ قال: "كثير"، ثم قال النصف؟ قال: "كثير"، ثم قال: الثلث؟ قال: "نعم، والثلث كثير"، فذكر رسول اللّه ﷺ الحكم مربوطًا بعلة، وهو الثلث، ثم قال: "إنَّك إنْ تَدَع ورثتَك أغنياء خير من أن تَدَعهم عالةً يتكفَّفون الناس" (٢).
فالإنسان إذا مَاتَ وترك وراءه أطفالًا صغارًا ذكورًا وإناثًا، يتركهم عالةً يحتاجون إلى الناس، يمدُّون أيديهم إلى الناس، قد يعطونهم وقَدْ لا يُعْطونهم، فينبغي أن يتركهم في غنًى ليترفعوا عن ذلك، ولا يذلوا
стр. 5030
أنفسهم للناس، ولينشغلوا بأمورٍ أهم بدل أن ينشغلوا بمثل هذه الأُمور، إذ يقول النبي ﷺ : "مَنْ يسأل الناس، يأتي يوم القيامة وليس في وجهة مزعة من لحم" (١).
وقَدْ أرشدَ الرسول ﷺ ذلك السائل، وأعطاه ليشتري حبلًا وفأسًا ليحتطب ويتكسب (٢)، ولذلك في الحديث: "الغنى ما جاء عن كسب" (٣)، وقوله: "أفضل الصدقة ما كانت عن غنًى" (٤)، فَخَير ما يَتَقدَّم به الإنسان مَا يكون عن غنًى، لكن لَيْس للإنسان أن يخرج جميع ماله، وَإِنْ كان السلف ﵃ قد تَسَابقوا في هذا الميدان، لكن يَنْبغي للإنسان أن يعرف المقَام الذي يعيش فيه، هل لو أخرج ماله جميعًا يترتب عليه ضررٌ؟ هل المصلحة في إخراج هذا المال؟ فهذه المسألة تحتاج إلى الدقة.
ونرى أن رسول اللّه ﷺ في أشد المواقف بالنسبة إلى التائبين ما أقرَّهم بأن يخرجوا جميع أموالهم، ففي حديث أبي لُبَابة لما قال لرسول اللّه ﷺ : إنَّ من توبتي أن أنخلع عن مالي (جميع مالي) إلى اللّه ورسوله للتقرُّب إلى اللّه ، وطاعة لرسوله ﷺ ، فقال لى رسول اللّه ﷺ : "يجزيك الثلث"، أيْ: يَكْفيك الثلث (٥).
стр. 5031
وفي قصة كعب بن مالك، وهو ممَّن تخلَّفوا عن غزوة تبوك، وقصة كعب بن مالك وردت في "الصحيحين" (١) فيها الحِكَمُ والعبر، وفيها الدروس والمواعظ ما لو قرأها المسلم بقلب خاشع، وبصيرة ودقة لاستفاد منها دروسًا ومواعظ، وتجنب المعاصي، والمؤلف لم يشر إليه.
قوله: (وَأَنَّهُ لَيْسَ تَرْفَعُهُ الكَفَّارَة، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ نَذْرًا عَلَى جِهَةِ الخَبَرِ (٢) لَا عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِ وَهُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ يَمِينًا).
تكلمنا عن صيغ النذر، وأنه أحيانًا تأتي بصيغة الخبر كقَوْله: "عليَّ نَذرٌ"، وأحيانًا يقول الإنسان: إنْ شفى اللّه مريضي، فَعلتُ كذَا، وتَصدَّقت
стр. 5032
بكذا .. إن قدم والدي فعلت كذا .. هذا هو المرتبط بالشرط، فهذا على طريق الخبر، وهذا على طريق الشرط (١).
قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ نَذَرَ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: مَالِي لِلْمَسَاكينِ إِنْ فَعَلْتُ كَذَا فَفَعَلَهُ؛ فَقَالَ قَوْمٌ (٢): ذَلِكَ لَازِمٌ كَالنَّذْرِ عَلَى جِهَةِ الخَبَرِ وَلَا كفَّارَةَ فِيهِ وَهوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي النُّذُورِ الَّتِي صِيَغُهَا هَذِهِ الصِّيَغُ أَعْنِي أَنَّهُ لَا كفَّارَةَ فِيهِ، وَقَالَ قَوْمٌ (٣): الوَاجِبُ فِي ذَلِكَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فَقَطْ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي النُّذُورِ الَّتِي مَخْرَجُهَا مَخْرَجُ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ أَلْحَقَهَا بِحُكْمِ الأَيْمَانِ).
عاد المؤلف مرةً أُخرى ليُحرِّر المسألة لتلتقي مع أقوال الأئمة (٤).
قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ فَأَلْحَقَهَا بِحُكْمِ النُّذُورِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِنَا
стр. 5033
فِي كتَابِ الأَيْمَان، وَالَّذِينَ اعْتَقَدُوا وُجُوبَ إِخْرَاجِ مَالِهِ فِي المَوْضِعِ الَّذِي اعْتَقَدُوهُ اخْتَلَفُوا فِي الوَاجِبِ عَلَيْهِ).
الوَاجبُ علَيه في هذا المقام هو لو أن إنسانًا نذر أن يتصدق بماله، وأن ينخلع عن جميع ماله كما ينخلع الإنسان عن ملابسه، هل يلزمه الوفاء بذلك أم لا؟
قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: يُخْرِجُ ثُلُثَ مَالِهِ فَقَطْ) (١).
وَهُوَ قَوْل الإمَام أحمد (٢) أيضًا، وهو: لو أن إنسانًا نذر أن يخرجَ جميع ماله، أو أن يَتَصدَّق به، فإنه في هذه الحالة يقتصر فقط على الثُّلُث، وهذا هو مَذْهب الإمامين مالك وأحمد.
قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ جَمِيعِ مَالِهِ، وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَزُفَرُ) (٣).
إبراهيم النخعي هو من التابعين، وزفر من أصحاب أبي حنيفة.
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤): يُخْرِجُ جَمِيعَ الأَمْوَالِ الَّتِي تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا).
стр. 5034
تَعدَّدت روايات أبي حنيفة في هذه المسألة، فمرةً يرى أن ليس عليه شيء، ومرة يرى أنه يخرج المال الذي يجب فيه الزكاة، وهناك قول وهو أن الانسانَ يُخْرج مقدار زكاته مالًا (١).
قوله: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ أَخْرَجَ مِثْلَ زَكاةِ مَالِهِ أَجْزَأَهُ. وَفِي المَسْأَلَةِ قَوْلٌ خَامِسٌ، وَهُوَ إِنْ كَانَ المَالُ كثِيرًا أَخْرَجَ خُمُسَهُ وَإِنْ كَانَ وَسَطًا أَخْرَجَ سُبُعَهُ وَإِنْ كانَ يَسِيرًا أَخْرَجَ عُشْرَهُ) (٢).
فلو أن إنسانًا نذر أن يتصدق بشيءٍ من ماله، كأن يتصدق مثلًا بعشرة آلاف، لا يخرج العشرة، بل يخرج بعضها. وقال الفُقَهاء فيما مَضَى: لَوْ نذَر أن يتصدَّق بألفين من ماله، لا يخرج الألفين. وبعضهم قال: يخرج ألفًا. والبعض قال: خمسمائة. وبعضهم قال: يخرجها جميعًا (٣).
قوله: (وَحَدَّ هَؤُلَاءِ الكَثِيرَ بِأَلْفَي وَالوَسَطَ بِأَلْفٍ، وَالقَلِيلَ بِخَمْسِمِائَةٍ، وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ قَتَادَةَ) (٤).
هذا مصطلح الفقهاء فيما مضى، وتغيرت الأُمور، وأصبح الألف في هذا الزمن لا يساوي شيئًا، إذ تغيرت الأحوال، لكن مَنْ كان يملك ألفًا، أو ألفين، أو أكثر، أو أقل من ذلك، ثم يتصدق منه، كان ذلك عملًا عظيمًا.
стр. 5035
قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذ المَسْأَلَةِ أَعْنِي مَنْ قَالَ: المَالُ كلُّهُ أَوْ ثُلُثُهُ مُعَارَضَةُ الأَصْلِ فِي هَذَا البَابِ لِلأَثَرِ).
هناك قاعدة ثابتة في ذلك، وهناك أحاديث وردت، فالأصل هو أن هذا الإنسان يملك ماله، فهو حرٌّ فيه، أو يتبرع به، فجاء الأثر فعارض هذا الأصل وقيده، وهو أن الإنسان يتصدق بثلث ماله، فالإنسان يوصي بثلث ماله، وأن الإنسان إذا نذر يكتفي بإخراج ثلث ماله على الخلاف المذكور آنفًا.
قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي لُبَابَةَ ابْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ حِينَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَرَادَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ) (١).
وهو من الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، ونعلم أن مَنْ تخلَّف عن غزوة تبوك أنواعٌ، فيهم المنافقون، وهناك من تخلَّف متعذرًا لبعض الأعذار غير المقبولة، ومنهم أبو لبابة، وهو لما تخلَّف عن رسول اللّه ﷺ في تلك الغزوة، لم يكلمه رسول اللّه ﷺ ، وقاطعه المسلمون، فربط نفسه بسارية من سواري المسجد، وأخذ على نفسه سبعة أيام لا يأكل، ولا يفك رباطه، وحلف أنه لن يأكل إلا أن تُقْبل توبته إلى أن سقط مغشيًّا عليه، وقد حلف أنه لا يفك قيده إلا رسول اللّه ﷺ (٢).
стр. 5036
قوله: (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَجْزِيكَ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ"، هُوَ نَصٌّ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ).
وكذلك نص في مذهب أحمد (١)، فهم متفقون في هذه المسألة؛ لكن الخلاف عند بعض العلماء الذين عارضوا هذين الحديثين، فبعضهم يعلل ذلك؛ لأن الحديثين ليس المقصود بهما المال، وإنما هي الصدقة، وقالوا: للإنسان أن يتصدق بجميع ماله (٢).
قوله: (وَأَمَّا الأَصْلُ فَيُوجِبُ أَنَّ اللَّازِمَ لَهُ إِنَّمَا هُوَ جَمِيعُ مَالِهِ حَمْلًا عَلَى سَائِرِ النَّذْرِ).
الأَصْلُ اللازمُ أن يخرج جميع ماله ما دام أنه نذر أن يخرج الجميع، هذا هو الأصل، فلماذا اقتصر على الثلث؟! فقد ورد في قصة سعد بن أبي وقاص أنه عرض على رسول اللّه ﷺ أنه صاحب مال، وأنه ليس له عيال، ويريد أن يتصدق بجميع ماله، فلم يوافقه رسول اللّه ﷺ ، ثم عرض عليه الثلثين إلى أن انتهى إلى الثلث، فقال له رسول اللّه ﷺ : "الثُّلُث، والثُّلث كثير؛ إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالةً يتكفَّفون الناس"، وبيَّن رسول اللّه ﷺ العلة في ذلك أن الإنسان لو أخرج جميع ماله، فلماذا يترك نفسه، ويترك أولاده عالةً (٣)؟!
"قوله: (أَعْنِي أَنَّهُ يَجِبُ الوَفَاءُ بِهِ عَلَى الوَجْهِ الَّذِي قَصَدَه، لَكِنَّ
стр. 5037
الوَاجِبَ هُوَ اسْتِثْنَاءُ هَذِهِ المَسْأَلَةِ مِنْ هَذِهِ القَاعِدَةِ، إِذْ قَدِ اسْتَثْنَاهَا النَّصُّ).
الأَصْلُ أن الإنْسَانَ إذا نذرَ فعلًا من الأفعال؛ فعليه أن يُوَفِّي، أو يكفر، وفيما يتعلَّق بتَرْك أَمْرٍ من الأُمور، عليه أن يتركه، وإنْ لم يتركه فعليه الكفَّارة، وإنْ كان لا يجوز أن نفعله أصلًا، لكن هذين الحديثين خلاف تلك القاعدة وذلك الأصل، حيث نص على أن الإنسان إذا نذر أن يتصدَّق بجميع ماله؛ فإنه يُكْتفى بالثلث.
قوله: (إِلَّا أَنَّ مَالِكًا (١) لَمْ يَلْزَمْ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ أَصْلًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ حَلَفَ أَوْ نَذَرَ شَيْئًا مُعَيَّنًا لَزِمَهُ وَإِنْ كانَ كُلُّ مَالٍ وَكَذَلِكَ يَلْزَمُ عِنْدَهُ إِنْ عَيَّنَ جُزْءًا مِنْ مَالِهِ وَهُوَ أَكْتَرُ مِنَ الثُّلُثِ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِنَصِّ مَا رَوَاهُ فِي حَدِيثِ أَبِي لُبَابَةَ، وَفِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ للَّذِي جَاءَ بِمِثْلِ بَيْضَةٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ: أَصَبْتُ هَذَا مِنْ مَعْدِنٍ فَخُذْهَا فَهِيَ صَدَقَةٌ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهَا).
جاء بقطعة من ذهب كالبيضة، وقدمها إلى رسول اللّه ﷺ ليتصدق بها، فأنكر عليه رسول اللّه ﷺ .
قوله: (فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ جَاءَهْ عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ عَنْ يَسَارِهِ، ثُمَّ مِنْ خَلْفِهِ، فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَحَذَفَهُ بِهِ، فَلَوْ أَصَابَهُ بِهَا لأَوْجَعَه، وَقَالَ ﵊: "يَأْتِي أَحَدُكمْ بِمَا يَمْلِكُ فَيَقُولُ: هَذِهِ صَدَقَةٌ، ثُمَّ يَقْعُدُ يَتَكَفَّفُ النَّاسَ، خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى (٢)).
стр. 5038
إعراض الرسول ﷺ وهو الذي يحض الصدقات، وحتى إنه قال للنساء عندما جمعهم: "تصدقن لتقينَ حر جهنم" (١)، نجد أن رسول اللّه ﷺ يُعْرض عن هذا الرجل؛ لأنه قدم جميع ما يملك ليخرج من هذا الذي يملكه، ويبقى بعد ذلك فقيرًا يحتاج إلى أن يُحسِنَ إليه الناس، لكن لو كان هذا الإنسان لديه من القوة والخبرة في التجارة؛ فإنه يستطيع أن يعيدَ ماله.
فهو يحتاج إلى ما عند الناس، ولا يدري أعطوه أو منعوه، ثم يبقى ذليلًا، فبعد أن ستره اللّه وأعزه ورفعه حتى لا ينظر إلى ما في أيدي الناس، يأتي فيخرج جميع ماله، فيحتاج إلى الناس، وكان الأَوْلَى أن يُبْقي شيئًا مما عنده، وأن تكون حاجته دائمًا إلى اللّه .
والرَّسولُ ﷺ بيَّن علة إعراضه عنه يمينًا وشمالًا، ولماذا لم يستجب له، ولماذا رمى عليه ﷺ تلك القطعة من الذهب التي تشبه البيضة؛ لأنه لا يملك غيرها، وبإخراجها يكون فقيرًا، ثم بيَّن الرسول ﷺ أن الصدقة ما كانت عن ظهر غنًى، فخير الصدقة وأفضلها ما كان عن ظهر غنًى.
قوله: (وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ المَالُ المُعَيَّنُ إِذَا تَصَدَّقَ بِهِ وَكَانَ جَمِيعَ مَالِهِ؛ وَلَعَلَّ مَالِكًا لَمْ تَصِحَّ عِنْدَهُ هَذِهِ الآثَار، وَأَمَّا سَائِرُ الأَقَاوِيلِ الَّتِي قِيلَتْ فِي هَذ المَسْأَلَةِ فَضِعَافٌ وَبِخَاصَّةٍ مَنْ حَدَّ فِي ذَلِكَ غَيْرَ الثُّلُثِ، وَهَذَا القَدْرُ كَافٍ فِي أُصُولِ هَذَا الكِتَابِ، وَاللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ).
يريد المؤلف أن يقول: ما عرضناه من مسائل هي كافية في أصول هذا الكتاب، وأن القارئ في هذا الكتاب عليه أن يلحق ما عداه.
وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يَلْزَمُ الَّذِي يُرِيدُ التَّضْحِيَةَ أَلَّا يَأْخُذَ مِنَ العَشْرِ الأُوَلِ مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ (١)، وَالحَدِيثُ بِذَلِكَ ثَابِتُ) (٢).
(البَابُ الثانِي فِي أَنْوَاع الضَّحَايَا وَصِفَاتِهَا وَأَسْنَانِهَا وَعَدَدِهَا
وَفِي هَذَا البَابِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ مَشْهُورَةٌ، إِحْدَاهَا: فِي تَمْيِيزِ الجِنْسِ. وَالثَّانِيَةُ: فِي تَمْيِيزِ الصِّفَاتِ. وَالثَّالِثَةُ: فِي مَعْرِفَةِ السِّنِّ. وَالرَّابِعَةُ: فِي العَدَدِ).
إنَّ هذا الكتاب يمتاز بترتيبه البليغ، فربما لو قرأت في الكتب المطولة وغيرها تدخل في المسائل، لكن هذا أعطانا تصورًا مجملًا عما سيتكلم عنه، والذي يشتمل عليه هذا الباب أربع مسائل وضع لها عناوين
стр. 5043
بمثابة قواعد فقهية، هي مدخل إلى كل مسألة من هذه المسائل.
قوله: (المَسْأَلَةُ الأُولَى: أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الضَّحَايَا مِنْ جَمِيعِ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) (١).
كما قال اللّه تعالى: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤]، فلا خلاف بين العلماء في أن الأضحية تجوز في أيِّ صنفٍ من أصناف بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم، لكن الخلاف بينهم فيما هو الأفضل كما سيأتي، فهل الأفضل: الإبل أم البقر أم الغنم؟ أو أن الأفضل من ذلك إنَّما هي الغنم، ثم بعد ذلك الإبل، ثم البقر، الخلاف هنا بين الإمام مَالِكٍ وبين الجمهور في هذه المسألة، وسيأتي كلام المؤلف ﵀، وسنذكر أدلة ذلك إضافةً إلى ما أشار إليه.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الأَفْضَلِ مِنْ ذَلِكَ، فَذَهَبَ مَالِكٌ (٢) إِلَى أَنَّ الأَفْضَلَ فِي الضَّحَايَا الكِبَاش، ثُمَّ البَقَر، ثُمَّ الإِبِلُ).
"الكباش": جمع كبش، وهو فحل الضأن (٣)، يُسمَّى كبشًا، وهو معروفٌ، وهناك الشاة، وهي الأنثى، فَمَالكٌ فضَّل الكبش؛ لأن الرسول ﷺ اشتهر عنه أنه كان يضحي بالكبش (٤)، فهل كان الرسول ﷺ يضحي بالكبش لأنه أفضل؟ أم لأن لحمه أجود؟ أم أنه كان يضحي بالكبش؛ لأن قيمته أقل وهو أيسر بالنسبة للناس؟
стр. 5044
نحن لا نشك بأن الإبل أكثر لحمًا، وأغلى ثمنًا، أما الكبش فإنك تجده ما فيه من اللحم والشحم والعظم، فهو قليل لا يساوي سُبُع بدنة، ولا سُبُع بقرة، فَوِجْهَة الإمام مالك في ذلك أن النَّبيَّ ﷺ فعل ذلك، وهو لا يختار إلَّا ما هو الأفضل، إذ إنه ﷺ : "ضحَّى بكبشين أملحين (١) أقرنين" (٢)، وضحى ﷺ بعد أن صلى صلاة العيد بكبش وقال: "اللَّهمَّ هذا عني وعمن لم يضحِّ من أمتي" (٣).
إذًا، هذَا هو الذي ضحَّى به رسول اللّه ﷺ ، وهذا هو المشهور عنه.
ويَقُول المالكية: نحن نجد أن اللّه ﷺ عندما اختار لإسماعيل أو لإسحاق أيهما الذبيح (٤)، اختار له كبشًا، فقال تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ [الصافات: ١٠٧]، وهذا الذبح إنما هو كبش، فاللّه لا يختار لنبيه فداءً إلا ما هو أفضل، وكونه اختار كبشًا دليل على أفضليته.
стр. 5045
وَأمَّا جمهور العلماء: أبو حنيفة (١)، والشافعي (٢)، وأحمد (٣)، يقولون: إن الأفضلَ هي الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، ودليل ذلك أن الرَّسول ﷺ أورد ذَلكَ في مَوْضع أعلى مما يكون من الثناء ورفع الدرجات عندما تحدث عن فضيلة السعيً مبكرًا يوم الجمعة، فقال ﷺ في الحديث المتفق عليه: "من راح في الساعة الأُولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا، ومن راح في الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الخامسة فكأنما قرَّب بيضة، ثم تطوى الصحف" (٤).
فرتب وقدم: الإبل (بدنة) ثم البقرة ثم الكبش، فجعله في الدرجة الثالثة، هناك من يعلل فيقول: لأنه تقريب للبدنة كاملة، وهذا يختلف عن تقريب الكبش، وهكذا، لكن هذا من أدلة الجمهور، ومالك وافق الجمهور بالنسبة للهدايا ليرى أن الهديَ الأفضلُ فيه البدنة ثم البقرة ثم الكبش؛ لكنه وقف عند ظاهر النص: "مَنْ راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة"، أي: أهدى، فهذا هو تعليل المالكية في هذه المسألة.
قوله: (بِعَكْسِ الأَمْرِ عِنْدَهُ فِي الهَدَايَا (٥). وَقَدْ قِيلَ عَنْهُ: الإِبِل،