هذا الحديث الذي أشرنا إليه هناك عندما ناقشنا ما هو الأفضل: هل هي الإبل أم البقر أم الغنم؟ وَرَأينا أنَّ مالكًا قدم الكباش بدعوى أنه لم يضحِّ الرسول ﷺ إلا بالكباش (١)، وذكرنا أن الرسول ﷺ ضحى عن نسائه بالبقر كما في "الصحيحين".
* قوله: (وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ (٢) عَلَى وَجْهِ الكَرَاهَةِ لَا عَلَى وَجْهِ عَدَمِ الإِجْزَاءِ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ الأَصْلِ فِي ذَلِكَ لِلْقِيَاسِ المَبْنِيِّ عَلَى الأَثَرِ الوَارِدِ فِي الهَدَايَا، وَذَلِكَ أَنَّ الأَصْلَ هُوَ أَلَّا يُجْزِي إِلَّا وَاحِدٌ عَنْ وَاحِدٍ، وَلِذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى مَنْعِ الاشْتِرَاكِ فِي الضَّأْنِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الأَصْلَ هُوَ أَلَّا يُجْزِي إِلَّا وَاحِدٌ عَنْ وَاحِدٍ).
الأصلُ أنه لكلِّ واحدٍ إلا ما ورد فيه نصٌّ، هذا هو مراد المؤلف.
* قوله: (لِأَنَّ الأَمْرَ بِالتَّضْحِيَةِ لَا يَتَبَعَّضُ إِذْ كَانَ مَنْ كَانَ لَهُ شِرْكٌ فِي ضَحِيَّةٍ لَيْسَ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ مُضَحٍّ إِلَّا إِنْ قَامَ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ عَلَى ذَلِكَ).
الَّذي ذَكَره المؤلف فيه تكلُّفٌ بالنسبة للبقر والإبل، فالمَسْألة ورَد فيها النُّصُوص، وبالنسبة للغنم أيضًا ثبتَ أن الرسول ﷺ ضحى وقال: "هذا عنِّي وعَمَّن لم يضحِّ من أمتي" (٣).
* قوله: (وَأَمَّا الأَثَرُ الَّذِي انْبَنَى عَلَيْهِ القِيَاسُ المُعَارِضُ لِهَذَا الأَصْلِ فَمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ: "نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ
стр. 5077
الحُدَيْبِيَةِ البَدَنَةَ عَنْ سَبْع" (١). وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الحَدِيثِ: "سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ البَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ" (٢)).
جَاءَ في عدَّة أحاديث أن البدنة عن سبعةٍ، وأن البقَرة عن سبعةٍ، هذا ورَد فيه عدة أحاديث صحيحة عن رسول الله ﷺ .
* قوله: (فَقَاسَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ الضَّحَايَا فِي ذَلِكَ عَلَى الهَدَايَا. وَأَمَّا مَالِكٌ فَرَجَّحَ الأصْلَ عَلَى القِيَاسِ المَبْنِيِّ عَلَى هَذَا الأَثَرِ؛ لِأَنَّهُ اعْتَلَّ لِحَدِيثِ جَابِرٍ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ حِينَ صَدَّ المُشْرِكونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ البَيْتِ (٣)، وَهَدْيُ المُحْصَرِ بَعْدُ وَلَيْسَ هُوَ عِنْدَهُ وَاجِبًا، وَإِنَّمَا هُوَ تَطَوُّعٌ، وَهَدْيُ التَّطَوُّعِ يَجُوزُ عِنْدَهُ فِيهِ الاشْتِرَاك، وَلَا يَجُوزُ الاشْتِرَاكُ فِي الهَدْيِ الوَاجِبِ (٤)، لَكِنْ عَلَى القَوْلِ بِأَنَّ الضَّحَايَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَقَدْ يُمْكِنُ قِيَامُهَا عَلَى هَذَا الهَدْيِ).
سبق فيما مضى أن بيَّنَّا الاختلاف في حكم الأضاحي، وأن الأكثر على أنها سُنَّةٌ، وأن الحنفية ومَنْ معهم قالوا بوجوبها.
* قوله: (وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ القَاسِمِ (٥) أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الاشْتِرَاكُ لَا فِي
стр. 5078
هَدْيِ تَطَوُّعٍ، وَلَا فِي هَدْيِ وُجُوبٍ، وَهَذَا كَأَنَّهُ رَدٌّ لِلْحَدِيثِ لِمَكَانِ مُخَالَفَتِهِ لِلْأَصْلِ فِي ذَلِكَ).
هذا يردُّ به المؤلف دَعْوى مَنْ يرى أنه بالنسبة للبدنة تكفي عن عشرة، وهذا هو القول الصحيح، أن البدنة ومثلها البقرة إنما يشترك فيها سبعة، وأما ما ورد بالنسبة للبدنة أن الرَّسُولَ ﷺ قسمها عشرًا، أي: تعدل عشرَ شِيَاهٍ، فهذا - كما قلنا - في القسمة وليس في الأضحية، ولا في الهدي، فَلَحْمها يوازي ويُسَاوي عشرًا من الضأن، وليس أن من يضحي ببدنة أنه يشترك عشرة في بدنة.
* قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَ فِي النُّسُكِ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعَةٍ (١)، وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ: "البَدَنَةُ عَنْ عَشَرَةٍ" (٢)).
هذا جاء تفصيلُهُ في بعض الأحاديث بأنه في القسمة، وليس ذلك فيما يتعلَّق بالهدي والأضحية، وإذا أخذت لحم البدنة، فإنها تُسَاوي عشرةً فأكثر.
* قوله: (وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ (٣): وَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ
стр. 5079
يَشْتَرِكَ فِي النُّسُكِ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعَةٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الآثَارَ فِي ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ).
بَلْ صَحَّ في ذلك حديث؛ لكن العلماء فسروه وبينوا أن المراد به القسمة، وهي المعادلة.
* قوله: (وَإِنَّمَا صَارَ مَالِكٌ لِجَوَار تَشْرِيكِ الرَّجُلِ أَهْلَ بَيْتِهِ فِي أُضْحِيَّتِهِ أَوْ هَدْيِهِ، لِمَا رَوَاهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: "مَا نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ إِلَّا بَدَنَةً وَاحِدَةً أَوْ بَقَرَةً وَاحِدَةً" (١)، وَإِنَّمَا خُولِفَ مَالِكٌ فِي الضَّحَايَا فِي هَذَا المَعْنَى (أَعْنِي: فِي التَّشْرِيكِ)؛ لِأَنَّ الإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى مَنْعِ التَّشْرِيكِ فِيهِ فِي الأَجَانِبِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الأَقَارِبُ فِي ذَلِكَ فِي قِيَاسِ الأَجَانِبِ، وَإِنَّمَا فَرَّقَ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الأَجَانِبِ وَالأَقَارِبِ لِقِيَاسِهِ الضَّحَايَا عَلَى الهَدَايَا فِي الحَدِيثِ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ أَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ شِهَابٍ)، فَاخْتِلَافُهُمْ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ إِذَا رَجَعَ إِلَى تَعَارُضِ الأَقْيِسَةِ فِي هَذَا البَابِ أَعْنِي: إِمَّا إِلْحَاقُ الأَقَارِبِ بِالأَجَانِبِ، وَإِمَّا قِيَاسُ الضَّحَايَا عَلَى الهَدَايَا).
لدينا أدلَّة بالنسبة للاشتراك في البدنة والبقرة، سواء كان ذلك في الهدايا أو الأضحيات، أمَّا ما يتعلَّق بالكبش، فقَدْ ثبَت، عن الرسول ﷺ أنه ضحَّى بالكبش، وقال: "عَنِّي وعن أهل بيتي، ومَنْ لم يَضحِّ من أمتي"، ومن هنا أخذ العلماء بذلك، فألحقوا فيه غيره، فقالوا: يجوز للرجل أن يضحِّي عن نفسه وعن أهل بيته بشاةٍ أو بكبشٍ.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
стр. 5080
(البَابُ الثَّالِثُ فِي أَحْكَامِ الذَّبْحِ)
هذا الباب خصَّصه المؤلف لجملةٍ من المَسَائل أدرج بَعْضها ضمن بعض، وبعضها أفردها بمسائلَ تتعلَّق بأحكام الذبح، والذبح يقابله النحر، والذبح له موضع خاص ببعض الحيوانات، والنحر له مواضع أُخرى، ويمكن أن يستبدل كل منهم بالآخر إذا جاز.
* قوله: (وَيَتَعَلَّقُ بِالذَّبْحِ المُخْتَصِّ بِالضَّحَايَا النَّظَرُ فِي الوَقْتِ وَالذَّبْحِ).
يختصُّ بهذا الباب النظر في الوقت، أي: الوقت الذي يتمُّ فيه ذبح الأضاحي بدايةً ونهايةً.
* قوله: (أَمَّا الوَقْت، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: فِي ابْتِدَائِهِ وَفِي انْتِهَائِهِ، وَفِي اللَّيَالِي المُتَخَلِّلَةِ لَهُ).
أولًا: متى يبدأ الذبح أو النحر؟
وثانيًا: هل هذا الذبح خاصٌّ بالأيام، أي: بالنهار، أو يشمل ذلك الليل؟ وعلى القول بأنه لا يذبح ليلًا، فما المانع من ذلك؟ هل ورد حديث صحيح عن رسول الله ﷺ يمنع ذلك؟ أو أن هناك تعليلات وأقيسة يتمسك بها بعض الفقهاء الذين منعوا ذلك؟ الجواب: نعم.
وَمَعْلومٌ أن يوم النحر هو أول يومٍ قبل أيام التشريق، ثم يليه اليوم الثاني والثالث على القول لمَنْ يقتصر على الأيام الثلاث، وعلى القول لمَنْ يرى أنه يمتد لثالث أيام التشريق، فيكون الذبح لأربعة أيام.
стр. 5081
* قوله: (فَأَمَّا فِي ابْتِدَائِهِ: فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الذَّبْحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ لَا يَجُوزُ) (١).
هَذَا مَوْضعُ اتِّفَاقٍ بين العلماء؛ لأنها وردت في عدة أحاديث صحيحة عن الرسول ﷺ تمنع الإنسان أن يُضحِّي قبل الصلاة، وهي أحَاديث في "الصحيحين"، وفي غيرهما، ومن تلكم الأحاديث حديث أنس، وهو متفق عليه، قوله ﷺ : "من ضحَّى قبل الصلاه فليُعِد" (٢).
وقوله: "فليُعِدْ"؛ أمرٌ، والأمر يقتضي الوجوب (٣)، فعندما يأتي نص صحيح، لا يختلفون فيه، وإنما يلتفون حوله، ويستظلون بظله.
* قوله: (لِثُبُوتِ قَوْلِهِ ﵊: "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَإِنَّمَا هِيَ شَاةُ لَحْمٍ" (٤)، وَأَمْرِهِ بِالإِعَادَةِ لِمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ (٥)، وَقَوْلِهِ: "أَوَّلُ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا هُوَ أَنْ نُصَلِّيَ ثمَّ نَنْحَرَ" (٦)).
فَالرَّسُولُ ﷺ بيَّن أن أول ما يبدأ به هو الصلاة، والذبح يكون بعد الصلاة.
стр. 5082
* قوله: (إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ لآثَارِ الثَّابِتَةِ الَّتِي فِي هَذَا المَعْنَى. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ ذَبْحِ الإِمَامِ وَبَعْدَ الصَّلَاةِ).
هَذِهِ مسألةٌ أُخرى فيمَنْ ذبح قبل ذبح الإمام، وبعد الصلاة، فهل الحكم منوط بالصلاة أم هو منوط بحكم آخر ألا وهو ذبح الإمام؟
* قوله: (فَذَهَبَ مَالِكٌ (١) إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ ذَبْحُ أُضْحِيَّتِهِ قَبْلَ ذَبْحِ الإِمَامِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَالثَّوْرِيُّ (٣): يَجُوزُ الذَّبْحُ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَقَبْلَ ذَبْحِ الإِمَامِ).
وَمَذْهب أَبي حنيفَة فيه تفصيلٌ حتى أنه يرى أن الَّذين يعيشون في القرى ولا يُصلُّون وراء الإمام، فَوَقْتُ الذبح لهم يبدأ بطلوع الفجر الصادق (٤).
وأمَّا الشافعي (٥)، وأحمد (٦)، فمُتَقاربان في ذلك: يرون أنه بعد
стр. 5083
الصلاة، أو يَمْضي وقتٌ تَكُون الصلاةُ قد أُدِّيتْ فيه، لكن الحنابلة لهم تفصيلٌ أكثر (١) في هذه المسألة.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ اخْتِلَافُ الآثَارِ فِي هَذَا البَابِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَ فِي بَعْضِهَا: "أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَمَرَ لِمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَنْ يُعِيدَ الذَّبْحَ"، وَفِي بَعْضِهَا: "أَنَّهُ أَمَرَ لِمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ ذَبْحِهِ أَنْ يُعِيدَ"، خَرَّجَ هَذَا الحَدِيثَ الَّذِي فِيهِ هَذَا المَعْنَى مُسْلِمٌ (٢)).
مرافى المؤلف ما جاء على هذه المسألة: الذَّبح بعد الصلاة، وأيضًا مَنْ يذبح بعد الصلاة، لَكن قبل ذبح الإمام.
* قوله: (فَمَنْ جَعَلَ ذَلِكَ مَوْطِنَيْنِ، اشْتَرَطَ ذَبْحَ الإِمَامِ فِي جَوَازِ الذَّبْحِ، وَمَنْ جَعَلَ لِذَلِكَ مَوْطِنًا وَاحِدًا، قَالَ: إِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي إِجْزَاءِ الذَّبْحِ الصَّلَاةُ فَقَطْ. وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي حَدِيثِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: "أَنَّهُ ذَبَحَ قَبْلَ الصلَاةِ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعِيدَ الذَّبْحَ" (٣)).
стр. 5084
لكن الرواية التي تَصْلح هي الرواية التي أيدها حديث أنسٍ: "مَنْ كان ذبح قبل الصلاة فليُعِد" (١)، أي: صلاة عيد الأضحى، فليعد ذبيحته؛ لأنها أصبحت شاةً من الشياه، ولحمًا من اللحم، وله أن يتصدق به.
* قوله: (وَفِي بَعْضِهَا: "أَنَّهُ ذَبَحَ قَبْلَ ذَبْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَرَهُ بِالإِعَادَةِ" (٢)، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ؟ فَحَمْلُ قَوْلِ الرَّاوِي أَنَّهُ ذَبَحَ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَوْلِ الآخَرِ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ عَلَى مَوْطِنٍ وَاحِدٍ أَوْلَى، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ ذَبَحَ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ).
الأحوطُ هنَا أن ينتظرَ الإنسان حتى يصلي، ثم يذبح الإمام ثم يذبح هو، وهذا صعبٌ في هذا الزمان، فمن الصعب معرفة متى يذبح الإمام، لكننا نقدر وقتًا، فالرسول ﷺ قال: "دَعْ ما يريبك إلى ما لا يَريبك" (٣)، فما المَانعُ أن تتأخَّر بعض الوقت حتى تصيب سُنَّة رسول الله ﷺ .
* قوله: (فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ المُؤَثِّرُ فِي عَدَمِ الإِجْزَاءِ إِنَّمَا هُوَ الذَّبْحُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، كَمَا جَاءَ فِي لآثَارِ الثَّابِتَةِ فِي ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ: "أَنَّ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ"، وَذَلِكَ أَنَّ تَأْصِيلَ هَذَا الحُكْمِ مِنْهُ ﷺ يَدُلُّ بِمَفْهُومِ الخِطَابِ (٤) دَلَالَةً قَوِيَّةً أَنَّ الذَّبْحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ يُجْزِئ، لِأَنَّهُ لَوْ كانَ هُنَالِكَ شَرْطٌ آخَرُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ إِجْزَاءُ الذَّبْحِ، لَمْ يَسْكُتْ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَنَّ فَرْضَهُ التَّبْيِينُ).
стр. 5085
أي: لو كان ذلك لا يجوز، لَبيَّنه رَسُولُ الله ﷺ ؛ لأنه كَمَا قال العلماء: "لا يَجُوز تأخير البيان عن وقت الحاجة" (١).
* قوله: (وَنَصُّ حَدِيتِ أَنَسٍ هَذَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ: "مَنْ كانَ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَلْيُعِدْ").
أما مَنْ ذبح بعد الصلاة، فقد أدى أضحيته؛ لكن شريطة أن تتوفر فيها الشروط التي عرفناها.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا البَابِ فِي فَرْعٍ مَسْكُوتٍ عَنْه، وَهُوَ: مَتَى يَذْبَحُ مَنْ لَيْسَ لَهُ إِمَامٌ مِنْ أَهْلِ القُرَى؟ فَقَالَ مَالِكٌ (٢): يَتَحَرَّوْنَ ذَبْحَ أَقْرَبِ الأَئِمَّةِ إِلَيْهِمْ).
أَيْ: نفرض أن أناسًا في قرية ليس لهم إمامٌ، وقريبٌ منهم مصرٌ من الأمصار وفيه إمامٌ، فإنهم يتحرون ويجتهدون، ولا بد أن يكون ذلك بعد طلوع الشمس.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): يَتَحَرَّوْنَ قَدْرَ الصَّلَاةِ وَالخُطْبَةِ وَبَذْبَحُونَ).
وهذا مذهب الإمام أحمد (٤).
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٥): مَنْ ذَبَحَ مِنْ هَؤُلَاءِ بَعْدَ الفَجْرِ أَجْزَأَهُ. وَقَالَ قَوْمٌ (٦): بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ
стр. 5086
فِي فَرْعٍ آخَرَ، وَهُوَ: إِذَا لَمْ يَذْبَحِ الإِمَامُ فِي المُصَلَّى، فَقَالَ قَوْمٌ (١): يُتَحَرَّى ذَبْحُهُ بَعْدَ انْصِرَافِهِ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ يَجِبُ ذَلِكَ) ..
ولذلك، من الحكمة، وما يلتقي مع روح الشريعة هو قول الذين يقولون: إن الذبح بعد الصلاة؛ لأن هذا يلتقي مع سماحة الإسلام، ومع روح الشريعة.
* قوله: (وَأَمَّا آخِرُ زَمَانِ الذَّبْحِ، فَإِنَّ مَالِكًا (٢) قَالَ: آخِرُهُ اليَوْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَذَلِكَ مَغِيبُ الشَّمْسِ، فَالذَّبْحُ عِنْدَهُ هُوَ فِي الأَيَّامِ المَعْلُومَاتِ: يَوْمُ النَّحْرِ، وَيَوْمَانِ بَعْدَه، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣)، وَأَحْمَدُ (٤)، وَجَمَاعَةٌ (٥). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٦)، وَالأَوْزَاعِيُّ (٧): الأَضْحَى أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ: يَوْمُ النَّحْرِ، وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ. وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ (٨) أَنَّهُمْ قَالُوا: الأَضْحَى يَوْمٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ خَاصَّةً).
هَذا حديثٌ طويلٌ فيه عدة فقرات، والمؤلف استشهد بآخره، وهذا الحديث أخرجه أحمد (١) وغيره.
* قوله: (فَمَنْ قَالَ فِي الأَيَّامِ المَعْلُومَاتِ: إِنَّهَا يَوْمُ النَّحْرِ وَيوْمَانِ بَعْدَهُ فِي هَذِهِ الآيَةِ).
وهذا هو رأي الجمهور (٢).
المسكوت عنه حكم المنطوق به، وهو يَنْقسم إلَى قِسْمَيْنِ (١).
ومفهوم المخالفة محل خلاف بين العلماء (٢)، وذكر العلماء ضمن أنواع مفهوم المخالفة:
* مفهوم الغاية، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وكذلك أسلوب الشرط؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].
ومفهوم الوصف، كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وهناك مفهوم اللقب (٣)، وهو أضعفها.
* قوله: (وأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ اخْتِلَافُهُمْ فِي اللَّيَالِي الَّتِي تَتَخَلَّلُ أَيَّامَ النَّحْرِ، فَذَهَبَ مَالِكٌ فِي المَشْهُورِ عَنْهُ (٤) إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ
стр. 5091
الذَّبْحُ فِي لَيَالِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَلَا النَّحْرِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ (١) وَجَمَاعَةٌ إِلَى جَوَازِ ذَلِك).
وكذلك أبو حنيفة (٢)، وهي رواية أُخرى للإمام أحمد (٣).
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: الاشْتِرَاكُ الَّذِي فِي اسْمِ اليَوْمِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَرَّةً يُطْلِقُهُ العَرَبُ عَلَى النَّهَارِ وَاللَّيْلَةِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥]، وَمَرَّةً يُطْلِقُهُ عَلَى الأَيَّامِ دُونَ اللَّيَالِي، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧]، فَمَنْ جَعَلَ اليَوْمَ اليَوْمِ يَتَنَاوَلُ اللَّيْلَ مَعَ النَّهَارِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨]، قَالَ: يَجُوزُ الذَّبْحُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ. وَمَنْ قَالَ: لَيْسَ يَتَنَاوَلُ اسْمُ اليَوْمِ اللَّيْلَ فِي هَذِهِ الآيَةِ قَالَ: لَا يَجُوزُ الذَّبْحُ وَلَا النَّحْرُ بِاللَّيْلِ).
هُوَ أظهر في النهار، لكن ليسَ هناك دليلٌ قطعيٌّ على أنه يخرج الليل، لكن نحن في هذه المسألة رأينَا اختلافَ العلماء، وأنَّ من العلماء مَنْ يمنع الذبح ليلًا، ومنهم مَنْ يجيزه، والذي يجيزه يقول: أليس الرمي وهو نسك يجوز في الليل (٤)؟ إذًا، فلماذا لا يجوز الذبح وهو نسك
стр. 5092
أيضًا؟ ولماذا نُفرِّق بينهما، وهذه طَاعةٌ لله وهَذِهِ طاعةٌ لله أيضًا؟ هذه تؤدَّى في مناسك الحج، وهذه تؤدَّى ضمن مناسك الحج؟! وَهو تعيينٌ مقبولٌ.
أمَّا الآخَرون، فيقولون: اللَّيل إنما هو سكنٌ، وليس محلًّا للذبح، والذبح يَنْبغي أن يكون بالنهار، لكن ليس هناك دليل قطعي ثابت على أنه لا يذبح في الليل، والأحوط للإنسان أن يتجنب الخلاف، وأن يدع المختلف فيه، ويذهب إلى المتفق عليه.
* قوله: (وَالنَّظَرُ: هَلِ اسْمُ اليَوْمِ أَظْهَرُ فِي أَحَدِهِمَا مِنَ الثَّانِي، وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ أَظْهَرُ فِي النَّهَارِ مِنْهُ فِي اللَّيْلِ، لَكِنْ إِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ دَلَالَتَهُ فِي الآيَةِ هِيَ عَلَى النَّهارِ فَقَطْ، لَمْ يُمْنَعِ الذَّبْحُ بِاللَيلِ إِلَّا بِنَحْوٍ ضعِيفٍ مِنْ إِيجَابِ دَلِيلِ الخِطَابِ، وَهُوَ تَعْلِيقُ ضِدِّ الحُكْمِ بِضِدِّ مَفْهُومِ الاسْمِ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ أَنْوَاعِ الخِطَابِ هُوَ مِنْ أَضعَفِهَا، حَتَّى أَنَّهُمْ قَالُوا: مَا قَالَ بِهِ أَحَدُ المُتَكَلِّمِينَ إِلَّا الدَّقَّاقُ فَقَطْ (١)، إِلَّا أَنْ يَقُولَ القَائِلُ: إِنَّ الأَصْلَ هُوَ الحَظْرُ فِي الذَّبحِ، وَقَدْ ثَبَتَ جَوَازُهُ بِالنَّهَارِ، فَعَلَى مَنْ جَوَّزَهُ بِاللَّيْلِ الدَّلِيل، وَأَمَّا الذَّابِحُ فَإِنَّ العُلَمَاءَ اسْتَحَبُّوا أَنْ يَكُونَ المُضَحِّي هُوَ الَّذِي يَلِي ذَبْحَ أُضْحِيَّتِهِ بِيَدِهِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوكِّلَ غَيْرَهُ عَلَى الذَّبْحِ (٢). وَاخْتَلَفُوا: هَلْ تَجُوزُ الضَّحِيَّةُ إِنْ ذَبَحَهَا غَيْرُهُ
стр. 5093
بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَقِيلَ: لَا يَجُوزُ (١)، وَقِيلَ بِالفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ صَدِيقًا أَوْ وَلَدًا أَوْ أَجْنَبِيًّا، أَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ إِنْ كَانَ صَدِيقًا أَوْ وَلَدًا، وَلَمْ يَخْتَلِفِ المَذْهَبُ فِيمَا أَحْسَبُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا أَنَّهَا لَا تَجُوزُ) (٢).
قال العُلَماء: لا مانع ما دام قد عيَّن الأضحية.
قال المصنف ﵀:
стр. 5094
(البَابُ الرَّابعُ فِي أَحْكَام لَحُومِ الضَّحَايَا
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ المُضَحِّيَ مَأْمُورٌ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْم أُضْحِيَّتِهِ وَيَتَصَدَّقَ) (١).
بينَّا أهمِّيَّة الأضحية، وأنها عند كَثِيرٍ من العلماء أفضل من الصدقة ولو بقيمتها (٢)، وأنَّ إراقة الدم تقربًا إلَى الله مما يرفع درجات المؤمن عند ربه ؛ لأنه بذلك يُخَالف أولئك الَّذين يتقرَّبون إلى معبوداتهم من الأصنام وغيرها، وبينَّا ما جاء في الأحاديث من فضل الأضحية، وما يترتب على ذلك من الثواب، والمؤلف سيبحث في هذا الباب ما يتعلَّق بلحوم الأضاحي، كيف تتم الاستفادة من ذلك؟ وهل للمضحي أن يأكل
стр. 5095
من تلك الأضحية؟ أو أنه يتصدق بها جميعًا، فيكون نَفْعها خاصًّا بالفقراء، ولا يطعم منها شيئًا، أو أنه يُهْديها إلى الأصدقاء والجيران، فيكون قَدْ حصرها في جانبٍ واحدٍ، أو أنه يوزعها بين صنفين: يأكل هو ومَنْ هو تحت سلطته، وبَعد ذلك يَتَصدَّق بنصفها الآخر، أو أنَّه يُوزِّعها أثلاثًا، فيأكل ثلثًا، وَيَتصدَّق بثُلُثٍ، ويُهْدي ثلثًا، هذا كلُّه حقيقةً تكلَّم عنه العلماء، وقَدْ وردت في ذلك ايتان تتعلَّقان بهذا الموضوع، وَجَاءتْ أيضًا بعض الآثار عن الصحابة ﵃ في كيفية تقسيم هذه الأضحية.
* قوله: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]).
الآيةُ الكَريمَة قد أَوْضَحَتْ أمرين:
* أنَّ للمضحِّي أن يأكلَ من أضحيته ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾، ولا شكَّ أن أسرته ومَنْ هم تحت سلطته ويده تابعون له في ذلك.
* وقوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ (١) الْفَقِيرَ﴾، هذه الآية ذَكَرتْ صنفين فقط، وَالآيةُ الأُخْرى ذكرت صنفين آخرين ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ (٢) وَالْمُعْتَرَّ (٣)﴾ [الحج: ٣٦]، إذًا الآية الثانية ذكرت أصنافًا ثلاثة، فالأولى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾، إذن يأكل المرء منها، ويطعم منها الفقراء والمساكين، والآية الثانية: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾، فمَنْ هو القانع ومَنْ هو المعتر؟ ورد في ذلك عدة تفاسير، أشهرها أن القانع: هو السائل .. والمعتر: هو الَّذي يعترض الإنسان في طريقه، أَيْ: يقابله دون أن يسأله، فيُعْطيه منها.
стр. 5096
فَمِنْ هنا الَّذين قَالوا: تُقسَّم الأضحية أثلاثًا، اعتبروا بأن هذه الآية حجة لهم ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾، هذا هو الصنف الأول، ثم بعد ذلك ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ﴾، والقانع هو السائل .. والمعتر هو الذي يقابلك في طريقك ويعترضك، فتعطيه منها، فكأنه هو الذي تُهْدي إليه، فهذه أصناف ثلاثة.
وَجَاء في أثر عبد الله بن عباس ﵄ أنه بيَّن أنَّ رسول ﷺ : "كان يُجزِّئ أضحيته ثلاثًا، فيأكل الثلث مع أهله، ويُهْدي الثلث، ويتصدق بالثلث" (١).
وجاء أيضًا ذلك عن عبد الله بن عمر (٢).
وَجَاء عَنْ عبد الله بن مَسْعودٍ (٣): "كان إذا ذبح أضحيةً، أمرَ بأن تُوزَّع في هَذِهِ الأصناف الثلاثة: يأكل مع أهله، وبتصدق، ويُهْدي لمن يحتاج إلى الهدية".
فمن العلماء مَنْ قال: توزع أثلاثًا، ومنهم من قال: تقسم بين صنفين.
ولكن، هل يجوز للإنسان أن يأكلها؟ أو يتصدق بها؟ هذا لا خلاف
стр. 5097
فيه بين العلماء، فبعض العلماء يقول: لا بد أن يأكل منها ولو شيئًا قليلًا في مذهب الحنابلة (١)، وأهل الظاهر (٢)، وبعضهم يقول: لو تصدق من جميعها ولم يأكل لجاز له ذلك، ولو أهداها جميعًا لجاز له ذلك؛ لكن الأفضل في ذلك والأَوْلَى أن نتَّبع سُنَّة رسول الله ﷺ ، وما أُثِرَ عن الصحابة ﵃ في ذلك.
قال بَعْضُ العلماء: لم ينقل خلاف عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، فيكون قول هؤلاء الصحابة إجماعًا، إذ لم يرد ولم يوقف علَى مَنْ خالفهم من الصحابة.
* قوله: (وقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]).
فسرت بأن "القانع" هو السائل .. و"المعتر" هو: الذي يقابلك ويعترضك في طريقك، ومنهم مَنْ فسر "القانع" بأنَّه هو الذي يقيم في بيتِهِ، ويقبع فيه ولا يخرج، وأن المعترَّ هو السائل، لَكن التفسير الأوَّل هو الذي يكون حُجَّةً لأولئك الذين يرون التقسيم أثلاثًا، وهو يلتقي مع أثر ابن عباس، وأيضًا ما ذكر عن عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر ﵃ جميعًا.
* قوله: (وَلقَوْلِهِ ﷺ فِي الضَّحَايَا: "كُلُوا، وَتَصَدَّقُوا، وَادَّخِرُوا" (٣)).
هذا حديث متفق عليه، فالرسول ﷺ أمر المُضحِّي بأن يأكلَ ويتصدقَ ويدخر، وفي الآثار التي مرَّت بأنه يهدي، والادخارُ قَدْ يُفْهم منه معنى الإهداء؛ لأن الإنسان إذا ادخر شيئًا، فله أن يُهْدي منه.
стр. 5098
* قوله: (وَاخْتَلَفَ مَذْهَبُ مَالِكٍ: هَلْ يُؤْمَرُ بِالأَكْلِ وَالصَّدَقَةِ مَعًا، أَمْ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَفْعَلَ أَحَدَ الأَمْرَيْنِ؟ (١)).
مُرَاد المؤلِّف: هل هناك إلزامٌ في مذهب مالك على الجمع بينهما؟ أم أن للإنسان أن يقتصر على الأكل وحده أو على الصدقة وحدها؟
* قوله: (أَعْنِي: أَنْ يَأْكُلَ الكُلَّ، أَوْ يَتَصَدَّقَ بِالكُلِّ؟).
تَكلَّمنا عن أهمية الأضحية وما بها من الفضل، وأن الإنسان إذا ذبح هذه الأضحيَّة، فكَمْ من النفوس التي تشتاق إليها، وتتعلَّق بها، وكَمْ من أُنَاسٍ تمرُّ عليهم الشهور دون أن يطعموا لحمًا، فما أجمل أن يأخذ المسلم قطعةً من هذه الأضحية، أو عدة قطع، فيُوزِّعها على الفقراء والمحتاجين في هذا المقام، وهذه لا شك أنها قربةٌ، وهي فضيلةٌ وصدقةٌ من الصدقات، والله سيدخر له هذا الجزاء، وسيجده الإنسان مسجلًّا ومدونًا في كتاب الله، فلا تجد صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها في يومٍ هو أحوج ما يكون إلى الحسنة الواحدة.
إذًا، هَذَا عملٌ جليلٌ، ولقد كان الصحابة والسلف ﵃ يُعْنون بهذه الأُمور، وفيما يتعلَّق بالصدقات تجد أنَّ بعضهم يعس في الليل يتفقد أحوال الفقراء، يساعد هذا، ويرفع الحاجة عن هذا، ويساعد المنكوب، ويعين مَنْ أصابه عسرٌ … إلى غَير ذلك.
فَهذِهِ من الأُمُور الَّتي توجدُ رباطًا وثيقًا بين المؤمنين، وهذا هو التكافل الاجتماعي الذي أقامته هذه الدولة الإسلامية بعد أن كان العَرَبُ في تفككٍ وتمزقٍ، وسنشير إلى ذلك - إن شاء الله - عندما نأتي إلى الزكاة. إذًا، هذا عملٌ عظيمٌ، فخيرٌ للمرء أن يأكل؛ لأن هذه أضحيته، فينبغي أن يتمتع منها، ونحن نجد أن رسول الله ﷺ عندما ذبح، أمَرَ بأن يؤخذ من كل واحدةٍ منها قطعةً، وأن تطبخ، فطبخت فأكل منها ﷺ ومعه
стр. 5099
علي بن أبي طالب، وجاء أنه ذبح خمسًا من البدن، فلم يأكل منها الرسول ﷺ .
فالأَوْلَى أن الإنسانَ يأكل من أضحيته هو وأهل بيته، ولا ينبغي أن يقطعها وَيَضعها في ثلاجته كما يفعل بعض الناس، وأن يُهْدي إلى أصدقائه وجيرانه؛ لأن الرَّسولَ ﷺ يَقُولُ: "تَهَادوا تَحَابوا" (١)؛ لأنَّ هذه الهدية وإن كانت يسيرةً، فهي مما توثق المودة والمحبة بين المؤمنين، لكن لا ينبغي أن يكون وراء الهدية هدف غير محمودٍ، كذلك أن تعطي الفقراء، فكلُّ هَذَا عملٌ طيبٌ، فمن أَجَلِّ الأقوَال قول مَنْ يرى أنه يُوزِّعها أثلاثًا.
* قوله: (وَقَالَ ابْنُ المَوَّازِ (٢): لَهُ أَنْ يَفْعَلَ أَحَدَ الأَمْرَيْنِ).
ابن المواز هذا من المالكية، ونجد عند الحنابلة (٣)، وكذلك رواية للشَّافعية (٤)، وقول أهل الظاهر (٥): أنه يُوزِّعها ثلاثًا، لكن ليس هذا ملزمًا، المهم أن يوزعها ليأكل منها، وأن يتصدق، وأن يهدي، لكن لو وَزَّعها ثلاثًا لكان أفضل.
стр. 5100
والمشهور في مذهب الشافعية (١) أنه يقسمها قسمين: يأكل النصف، ويتصدَّق بالنصف ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]، فالشَّافعيَّة بمَذْهبهم المشهور وَقَفوا عند ظاهرِ هَذِهِ الآية؛ لكن الآخرين أخذوا بالآية الأُخرى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]، قالوا: فذكر صنفين؛ لكن قول القائلين بأنها توزع أثلاثًا يؤيدها الآثار التي جاءت عن الصحابة ﵃.
" قوله: (وَاسْتَحَبَّ كثِيرٌ مِنَ العُلَمَاءِ (٢) أَنْ يُقَسِّمَهَا أَثْلَاثًا: ثُلُثًا للادِّخَارِ، وَثُلُثًا لِلصَّدَقَةِ، وَثُلُثًا لِلْأَكْلِ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: "فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا" (٣). وَقَالَ عَبْدُ الوَهَّابِ فِي الأَكْلِ: إِنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي المَذْهَبِ خِلَافًا لِقَوْمٍ أَوْجَبُوا ذَلِكَ) (٤).
стр. 5101
مَنْ أوجب ذلك: أهل الظاهر، فَهم يقولون: "يَجب عليه أن يأكل منها ولو قليلًا؛ لأن الرسول ﷺ أكل" (١)، والذين يقولون بعدم الوجوب قالوا: "إن الرسول ﷺ ذبح خمسًا من البدن، ولم يأكل منها، وقال: "مَنْ شاء فليقتطع" (٢)، كما ورد في الحديث الصحيح.
فالرَّسُولُ ﷺ ما أكل منها، وأكلَ منها مَرَّةً أُخرى، فَهَذا دليلٌ على عدم الوجوب، وَهَذا هو الأَوْلَى.
* قوله: (وَأَظُنُّ أَهْلَ الظَّاهِرِ يُوجِبُونَ تَجْزِئَةَ لُحُومِ الضَّحَايَا إِلَى الأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي يَتَضَمَّنُهَا الحَدِيثُ).
الظنُّ هنا بمعنى اليقين، وهذا هو مَذْهب أهل الظاهر، وقَدْ نص عليه ابن حزم في كتابه "المحلى" (٣).
* قوله: (وَالعُلَمَاءُ مُتَّفِقُونَ - فِيمَا عَلِمْتُ - أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ لَحْمِهَا) (٤).
стр. 5102
كما جاء في الحديث المتفق عليه، وهو حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: "أَمَرنِي رَسُولُ الله ﷺ أن أقوم على بدنه، وأن أقسِّم جلودَها وجلالها، وألا أعطي الجازر منها شيئًا، وقال: نحن نعطيه من عندنا" (١).
فَالرَّسُولُ ﷺ وَكَّل عليَّ بنَ أبي طالبٍ بأن يذبح بدنه، وأمره بأن يقسِّم جلودها وجلالها (الجلود) وهو الذي يغطي الحيوان، وأما الجلال: فهو الغطاء الذي يُوضَع عليها (٢) كاللحاف ونحوه الذي يقيها البَرْد، أو غير ذلك من الأُمور التي يحفظ بها جسمها.
إذن، نجد أنه تصدق بجلودها وبجلالها، وأمره ألا يعطي الجازر (أي: الجزَّار) منها شيئًا، وقال: "نحن نعطيه من عندنا"، فَهَذا اعتبره جمهور العلماء حُجَّة لهم بأنه لا يجوز للإنسان أن يبيعَ منها.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي جِلْدِهَا وَشَعْرِهَا، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْهَا).
جمهور العلماء يرى أن جلدها لا يُبَاع (٣)؛ لكن نقل عن الحسن
стр. 5103
البصري من التابعين (١)، وقال بعض العلماء: يباع جلدها، ويُشْترى به ما يحتاج إليه من أثاث البيت مثل: المنخل والغربال، ونحو ذلك من الأشياء الخفيفة التي يحتاج إليها الإنسان في بيته.
* قوله: (فَقَالَ الجُمْهُورُ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): يَجُوزُ بَيْعُهُ بِغَيْرِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنانِيرِ: أَيْ: بِالعُرُوضِ. وَقَالَ عَطَاءٌ (٣): يَجُوزُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا فَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ الدَّرَاهِمِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ المُعَاوَضَةَ بِالعُرُوضِ هِيَ مِنْ بَابِ الانْتِفَاعِ، لإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُنْتَفَعَ بِهِ).
أبو حنيفة ﵀ لا يجيز بيعَه بالدراهم والدنانير؛ لكن عروض مقابل عروض، وهو يرى أنها سلعة بسلعة، لكن مَنْ رأى أنها تباع بالدراهم - كما قلنا - إنما هو الحسن وبعض العلماء، أما بقية العلماء (الأئمة الثلاثة) فلا يرون بيعها، ولا بيع جلدها.
* قوله: (وَهَذَا القَدْرُ كَافٍ فِي قَوَاعِدِ هَذَا الكِتَابِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ).
стр. 5104
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[كِتَاب الذَّبَائِحِ] (١)
[البَابُ الأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ مَحَلِّ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ]
هذا الكتَابُ سيبحث فيه المؤلف أحكامًا تتعلَّق بالذبائح، وهي من الحيوانات مما يجوز أكله، ومما تشرع فيه الذكاة، ومنها ما لا تُشْترط فيه الذكاة أي: يجوز أكله ميتًا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَالقَوْلُ المُحِيطُ بِقَوَاعِدِ هَذَا الكِتَاب يَنْحَصِرُ فِي خَمْسَةِ أَبْوَابٍ. البَابُ الأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ مَحَلِّ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ، وَهُوَ المَذْبُوحُ أَوِ المَنْحُورُ. البَابُ الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ).
هناك ما يُعْرف بالذبح (٢)، وهناك ما يعرف بالنحر (٣)، فغير الإبل
стр. 5105
تُذْبح، وأما الإبل فإنها تُنْحر، ولو عكس الأمر فذلك جائز أيضًا (١).
* قوله: (البَابُ الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ الآلَةِ الَّتِي بِهَا يَكُونُ الذَّبْحُ وَالنَّحْرُ).
هَل الآلة مقصورةٌ على السكين؟ فهل يجوز للإنسان أن يذبح بحَجَرٍ أو قطعة من حَدِيدٍ؟ وسيأتي حديث صحيح في قصة المرأة أو الأَمَة التي أُصيبَت عندها شاةٌ، فأخذت حجرًا وذبحتها به، والرسول ﷺ قال: "كلوا"، وهي شاةٌ لكعب بن مالكٍ (٢).
وهل الحجر يذبح به؟ وإن قلنا: يذبح به، فهل يشترط أن يسن حتى يكون طرفه حادًّا يفري الأوداج، ويقطع العروق؟ هذا كله سيأتي - إن شاء الله - مفصَّلًا.
* قوله: (البَابُ الرَّابِعُ: فِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ الذَّكاةِ. البَابُ الخَامِسُ: فِي مَعْرِفَةِ الذَّابِحِ وَالنَّاحِرِ، وَالأُصُولُ هِيَ الأَرْبَعَةُ).
هل هناك صفاتٌ تُشْتَرط في الذابح أم لا؟ وهل المجنون والمرأة والطفل يذبح؟ وهل يذبح غير المسلم؟ وَإنْ قلنا: غير المسلم يذبح، فهل هذا خاصٌّ بالكتابيِّ أم بغَيْر المسلم بصفة عامة كالمجوسي وغيره؟
* قوله: (وَالشُّرُوطُ يُمْكِنُ أَنْ تَدْخُلَ فِي الأَرْبَعَةِ الأَبْوَابِ، وَالأَسْهَلُ فِي التَّعْلِيمِ أَنْ يُجْعَلَ بَابًا عَلَى حِدَتِهِ).
стр. 5106
قُلْنا: من مزايا هذا الكتاب أنه انفرد بميزة قد لا تتوفر إلا نادرًا في الكتب القديمة: حسن التدوين والترتيب، فهنا يجعلها أبوابًا أربعةً، وأنه ربما تُوزَّع الشروط على هذه الأربعة، لكنَّه استحسن ورأى أن الأفضل أن تُجْعل في مَوْضعٍ مستقلٍّ ليكونَ ذلك جمعًا لشَتَاتها، وربطًا لجزئيَّاتها، وهذا ملحظٌ طيبٌ من المؤلف.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(البَابُ الأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ مَحَلِّ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ
وَالحَيَوَانُ فِي اشْتِرَاطِ الذَّكَاةِ فِي أَكْلِهِ عَلَى قِسْمَيْنِ: حَيَوَانٌ لَا يَحِلُّ إِلَّا بِذَكَاةٍ).
نحوَ: بَهِيمَةِ الأنعام، لَا يحلُّ أن تؤكلَ إلا بذكاةٍ، أي: بذبحٍ.
(وَحَيَوَانٌ يَحِلُّ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ).
كحيوان البحر، ولذلك لما قال الله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، جاء عن الرسول ﷺ : "أُحلَّت لنا ميتتان ودمان … " (١)، الميتتان إنما هما: الحوت والجراد، وأما بالنسبة للدمان: فالكبد والطحال، فالرسول ﷺ استثنى ذلك من عموم الآية.
* قوله: (وَمِنْ هَذِهِ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَمِنْهَا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ).
هناك أُمُورٌ موضعُ اتِّفاقٍ لا نزاعَ فيه بين العلماء، وَمنها مَا هو مَوْضع خِلَافٍ؛ لأنه قَدْ يوجد من الحيوان الذي يعيش في البحر ما يَعيش في
стр. 5107
البَر، فهل يلحق حكمُهُ بحيوانات البحر؟ لأنَّ الأصلَ أنه يعيش فيه، أو يلحق بحَيَوانات البَر؟
* قَالَ: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الحَيَوَانَ الَّذِي يَعْمَلُ فِيهِ الذَّبْحُ هُوَ الحَيَوَانُ البَرِّيُّ ذُو الدَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ).
هُوَ أوَّلًا حيوانٌ، وفي نَفْس الوقت يعيش في البَر، ولَه دَمٌ، وهذَا التعريف يخرج منه الجراد، والجراد فيه خلافٌ؛ فالمالكية انفردوا من بين العلماء (١) بأنه يُذكَّى، وغيرهم لا يَرى ذلك، والمؤلف لم يَعْرض له، هل يشوى في النار أم لا؟ وإنما يُقَص ريشه، ويُوضَع في القدور، وهذا هو الأَوْلَى، وهذه المسألة يتكلَّم عنها العلماء؛ لكن الصحيح أنه لا يُمْنع من ذلك.
وَأيضًا أن يكونَ غير محرَّم؛ لأنَّ من الحيوانات ما هو محرَّم، وسيأتي الخلاف في جلود السباع إذا ذُكِّيت، وهل ذكاتها تبيح جلودها؟
* قوله: (وَلَا مَنْفُوذِ المَقَاتِلِ) (٢).
أَيْ: الَّذي أُصِيبَ في مَقْتلٍ من المَقَاتل، وهذا ينصُّ علَيه المالكيَّة أكثَر من غَيْرهم، مثل حيوانٍ قطَع نخاعه، والنخاع الَّذي يَأْتِي من جهة الظهر والرأس، فلو قطع نخاعه مات، فهل هذا يعتبر قد انتهى أم لا؟ كذلك أيضًا لو ضُرِبَ في رأسه فَسَالت دماؤه، أو قُطعَتْ أوداجه، أو اعتدى عليه حيوانٌ، أو شق بطن الحيوان، ثمَّ بعد ذلك سالت قصباته
стр. 5108
وغيرها، فهل هذا يؤكل ويذكى أم لا؟ هذه كلها أُمورٌ هي التي يقصدها المؤلف.
* قوله: (وَلَا مَيْئُوسٍ مِنْهُ بِوَقْذٍ).
الميؤوس عنه بأن يكون مريضًا.
* قوله: (أَوْ نَطْحٍ أَوْ تَرَدٍّ أَوِ افْتِرَاسِ سَبُعٍ أَوْ مَرَضٍ، وَأَنَّ الحَيَوَانَ البَحْرِيَّ لَيْسَ يَحْتَاجُ إِلَى ذَكَاةٍ (١)، وَاخْتَلَفُوا فِي الحَيَوَالق الَّذِي لَيْسَ يَدْمَى مِما يَجُوزُ آكْلُهُ مِثْلَ الجَرَادِ وَغَيْرِهِ، هَلْ لَهُ ذَكاةٌ أَمْ لَا، وَفِي الحَيَوَان المُدْمَى الَّذِي يَكُونُ تَارَةً فِي البَحْرِ، وَتَارَةً فِي البَرِّ مِثْلَ السُّلَحْفَاةِ وَغَيْرِهِ؟).
أَيْ: عندما يُصَاد الجراد، هل يُوضَع في القِدْرِ مباشرةً، أم يُذْبح ثم بعد ذلك يُوضَع في القدر؟
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْثِيرِ الذَّكَاةِ فِي الأَصْنَافِ الَّتِي نُصَّ عَلَيْهَا فِي آيَةِ التَّحْرِيمِ) (٢).
هي الأُمور الخمسة، بعد أن قال الله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وَهَذَا هو الذي سيأتي الخلاف فيه، وَسَيَبْحث المؤلف هذه المسألة بحثًا مطولًا.
قَالَ رحمه الله تعالى: (وَفِي تَأْثِيرِ الذَّكَاةِ فِيمَا لَا يَحِلُّ آكْلُهُ أَعْنِي: فِي تَحْلِيلِ الانْتِفَاعِ بِجُلُودِهَا، وَسَلْبِ النَّجَاسَةِ عَنْهَا، فَفِي هَذَا البَابِ - إِذًا - سِتُّ مَسَائِلَ أُصُولٌ، المَسْأَلَةُ الأُولَى: فِي تَأْثِيرِ الذَّكاةِ فِي
стр. 5109
الأَصْنَافِ الخَمْسَةِ الَّتِي نُصَّ عَلَيْهَا فِي الآيَةِ إِذَا أُدْرِكتْ حَيَّةً. المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي تَأْثِيرِ الذَّكَاةِ فِي الحَيَوَانِ المُحَرَّمِ الأَكْلِ).
مثل السباع، فلو أن إنسانًا ذبح منها شيئًا، هل هذه الذكاة تكون سببًا في طهارة جلده فيُسْتخدم أم لا؟ هذا سيأتي أيضًا، وهذه كلها مقدمة ذكرها المؤلف، وبعد ذلك يبدأ في تفصيلها.
* قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي تَأْثِيرِ الذَّكَاةِ فِي المَرِيضَةِ. المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي هَلْ ذَكاةُ الجَنِينِ ذَكاةُ أُمِّهِ أَمْ لَا؟).
فإذا ذُبِحَتِ الأم وفي بطنها جنين، هل تكفي ذكاة الأم أم لا؟ ويظهر الخلاف أكثر فيما لو خرج الجنين ميتًا، فالمسألة فيها خلاف.
* قوله: (المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: هَلْ لِلْجَرَادِ ذَكاةٌ أَمْ لَا؟ المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: هَلْ لِلْحَيَوَانِ الَّذِي يَأْوِي فِي البَرِّ تَارَةً وَفِي البَحْرِ تَارَةً ذَكاةٌ أَمْ لَا؟).
هذه كلها مقدمةٌ جعلها المؤلف ليطلعنا على هذه المسائل الأمهات التي سيتكلم عنها.
* قوله: (المَسْأَلَةُ الأُولَى: أَمَّا المُنْخَنِقَةُ (١)، وَالمَوْقُوذَةُ (٢)، وَالمُتَرَدِّيَةُ (٣)، وَالنَّطِيحَةُ (٤)، وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ) (٥).
стр. 5110
ليس المقصود بـ "أكل السَّبُع" أنه أكلها وانتهت؛ بل المقصود أنه أكل منها؛ كأن يكون قطع أليتها، أو شق بطنها ولا تزال على قيد الحياة، و"المتردية" التي سقطت من أعلى، و"النطيحة" التي نطحتها دابة أُخرى، و"الموقوذة" هي الَّتي يَضْربها الإنسان بحَجَرٍ وتدرك حياتها، أو يصيبها بالبندقية.
وَلذلك، لمَّا سُئِلَ عبد الله بن عبَّاس عن شاةٍ شق الذئب بطنها، فقال: "تؤكل إذا كانت حيةً، وذكر له السائل أنه أدركها قبل موتها، فقال: تؤكل، ولكن تجتنب تلك الأُمور التي خرجت منها" (١).
ويفرِّق العلماء بين أن تخرج منها مشققةً، وبين أن تخرج منها مخرقةً، يعني: كالمصران وغيره (٢).
* قوله: (فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا - فِيمَا أَعْلَمُ - أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَبْلُغِ الخَنْقُ مِنْهَا أَوِ الوَقْذُ مِنْهَا إِلَى حَالَةٍ لَا يُرْجَى فِيهِ أَنَّ الذَّكاةَ عَامِلَةٌ فِيهَا، أَعْنِي: أَنَّهُ إِذَا غَلَبَ الظَّنُّ أَنَّهَا تَعِيش، وَذَلِكَ بِأَلَّا يُصابَ لَهَا مَقْتَلٌ) (٣).
стр. 5111
أَيْ: إذَا خنقت وَانتهَت حَيَاتها، وأَصبحت ميتةً، أو تردَّت وماتت وانتهت، لَكن الكلام في هذه الأُمور الخمسة التي بَقِيَ فيها شيءٌ من الحياة، فلم تُفَارق الحياة بعد، فهل تُذْبح ويُؤكل لَحْمها؟ أيْ: هل تُذكَّى أم لا؟ وكل الخلاف يدور حول قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾، فهل الاستثناء هنا متصل أو أن الكلام قد انتهى؟ وقوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾، أي: من حيوان آخر غير هذه المذكورة، وهذا رأي المالكية وهو في نظري أضعف من رأي الجمهور، أما رأي الأئمة الثلاثة ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾، هو استثناء متصل ولا يمنع أنه ذكر الميتة؛ لأن الميتة لا تذكى.
стр. 5112
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا تَهْلِكُ مِنْ ذَلِكَ بِإِصَابَةِ مَقْتَلٍ أَوْ غَيْرِهِ).
هَذِهِ جزئياتٌ يَتَحدَّث عنها المؤلف، والكلام العام في هذه الأُمور إذا أدركت وفيها حياة، أو بقية حياة، وذكيت، هل تكون ذكاتها سببًا في جواز أكل لحمها؟ يقول الجمهور: نعم، وعند المالكية: لا.
* قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: تَعْمَلُ الذَّكَاةُ فِيهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ (١)، وَالمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ) (٢).
وأحمد (٣)، بل جمهور العلماء، وهو روايةٌ للمالكية (٤).
* قوله: (وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ (٥)، وَابْنِ عَبَّاسٍ (٦). وَقَالَ قَوْمٌ: لَا تَعْمَلُ الذَّكاةُ فِيهَا (٧). وَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ الوَجْهَانِ، وَلَكِنَّ الأَشْهَرَ
стр. 5113
أَنَّهَا لَا تَعْمَلُ فِي المَيْئُوسِ مِنْهَا (١) وَبَعْضُهُمْ تَأَوَّلَ فِي المَذْهَبِ أَنَّ المَيْؤُوسَ مِنْهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: مَيْؤُوسَةٌ مَشْكُوكٌ فِيهَا، وَمَيْؤُوسَةٌ مَقْطُوعٌ بِمَوْتِهَا، وَهِيَ المَنْفُوذَةُ المَقَاتِلِ عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ أَيْضًا فِي المَقَاتِلِ) (٢).
وَ"المَنْفُوذة" (٣): هي الَّتي قطع نخاعها، أو سالت دماؤها، أو قطعت أوداجها، بمعنى ذبحت، وشقت أوداجها، أو كذلك أُخْرجت أمعاؤها فسُلَّت منها، هذا ما يطلق عليه المالكية: "نَفَذَ إلى مقاتلها".
* قوله: (قَالَ: فَأَمَّا المَيْؤُوسَةُ المَشْكُوكُ فِيهَا، فَفِي المَذْهَبِ فِيهَا رِوَايَتَانِ مَشْهُورَتَانِ، وَأَمَّا المَنْفُوذَةُ المَقَاتِلِ، فَلَا خِلَافَ فِي المَذْهَبِ المَنْقُولِ أَنَّ الذَّكَاةَ لَا تَعْمَلُ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ يَتَخَرَّجُ فِيهَا الجَوَازُ عَلَى وَجْهٍ ضَعِيفٍ).
العُلَماءُ انقسَموا في هذه الأُمور الخمسة إلى أقسامٍ: إذا أدركت فيها الحياة هل الذكاة تبيح لحمها أم لا؟
* عند الجمهور: نعم.
стр. 5114
* وفي روايةٍ للمالكية: لا.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]).
فَهَذِهِ جاءت بعد قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فَهَذا الاستثناء يَعُود للأمور الخمسة، فيكون استثناءً متصلًا، ويكون حجةً قويةً للجمهور، أو أنه يكون استثناءً منقطعًا، فيكون حجةً للمالكيَّة.
ومن أقوى الأدلَّة التي يردُّ بها جمهور العلماء على المالكية قولهم: أنتم ترون أن البهيمة إذَا مَرِضَت مرضًا شديدًا لو أُدْركت؛ فإن الذكاة تَعْمل فيها وَتبيحها، فلمَاذا فرقتم بين هذه وتلك؟! وكلها أُدْركت فيها الحياة، ولا نرَى فرقًا بينهما، فلماذا أجزتم هذه، ومنعتم تلك؟
* قوله. (هَلْ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ).
والاستثناء المتصل: هو الذي له علاقةٌ بالمتصل منه، أما المنقطع فهو مَن انقطع عن الكلام (١)، كقولهم: ما قام إلا زيدٌ، هذا استثناء متصل، أما قوله: قام القوم إلا حمارًا، هذا استثناء منقطع.
* قوله: (فَيَخْرُجُ مِنَ الجِنْسِ بَعْضُ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظ، وَهُوَ المُنْخَنِقَةُ وَالمَوْقُوذَةُ وَالمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَة، وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ عَلَى عَادَةِ الاسْتِثْنَاءِ المُتَّصِلِ، أَمْ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ،
стр. 5115
إِذْ كَانَ هَذَا أَيْضًا شَأْنَ الاسْتِثْنَاءِ المُنْقَطِعِ فِي كَلَامِ العَرَبِ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ مُتَّصِلٌ قَالَ: الذَّكَاةُ تَعْمَلُ فِي هَذِهِ الأَصْنَافِ الخَمْسَةِ).
المنقطع لا صلة له بما مضى، فكونه متصلًا، أي: متصل الحكم بما تقدم، أي: ما قبله متصل بما بعده.
* قوله: (وَأَمَّا مَنْ قَالَ: الاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا تَعْمَلُ الذَّكَاةُ فِيهَا، وَقَدِ احْتَجَّ مَنْ قَالَ: إِنَّ الاسْتثْنَاءَ مُتَّصِلٌ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الذَّكَاةَ تَعْمَلُ فِي المَرْجُوِّ مِنْهَا، قَالَ: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِيهَا، فَهُوَ مُتَّصِلٌ. وَقَدِ احْتَجَّ أَيْضًا مَنْ رَأَى أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ بِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِأَعْيَانِ هَذِهِ الأَصْنَافِ الخَمْسَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا بَعْدَ المَوْتِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَالاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] إِنَّمَا هُوَ لَحْمُ المَيْتَةِ).
هذا التعليل ضعيف؛ لأن "الميتة" لا تُذكَّى كما هو معلوم، وما بعدها "الدم" لا يدخل في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾، فَهَذه كلُّها غير داخلة، وإنَّما الكلامُ عن تلكم الأُمُور التي تطرَّق إليها سببٌ من الأسباب، وَعَيبٌ من العُيُوب، هَل تَنْفع فيها الذكاة أم لا؟ لو رجعتم مثلًا إلى كتاب القرطبي (١) عندما يناقش هذه المسألة، وهو مالكيٌّ، تجد أنه يرد على المالكية ويقول: "سبحان الله! كيف نقول بأن هذه لا تنفع فيها الذكاة، ولا تعمل، وأنتم تجيزون المريض مرضًا شديدًا"، يَعْني: هو نفسه يرد على مذهبه، ويبطل حجته، وهذا هو شأن الفقيه المنصف.