المؤلف يريد أن يضبط سبب الخلاف في هذه المسألة قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ والآية الأُخرى قِوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، فهل هذه مخصصة لتلك أو تلك مخصصة لهذه؛ أما إذا ذبحوا الذبيحة لغير الله فلا يجوز الأكل منها.
• قوله: (قَالَ: لَا يَجُوزُ مَا أُهِلَّ بِهِ لِلْكَنَائِسِ وَالأَعْيَادِ. وَمَنْ عَكَسَ الأَمْرَ قَالَ: يَجُوز، وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الذَّبِيحَةُ مِمَّا حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ: يَجُوزُ (١)، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ (٢)، وَقِيلَ: بِالفَرْقِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِمْ بِالتَّوْرَاةِ، أَوْ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ، أَعْنِي: بِإِبَاحَةِ مَا ذَبَحُوا مِمَّا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَمَنْعِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ (٣)، وَقِيلَ: يُكْرَهُ وَلَا يُمْنَع، وَالأَقَاوِيلُ الأَرْبَعَة مَوْجُودَةٌ فِي المَذْهَبِ: المَنْعُ عَنِ ابْنِ القَاسِمِ، وَالإِبَاحَةُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، وَابْنِ عَبْدِ الحَكَمِ، وَالتَّفْرِقَةُ عَنْ أَشْهَبَ) (٤).
стр. 5184
وأما بقية العلماء فمنهم من أباح ذلك ومنهم من منع، وقد ذكرنا أقوالهم فيما سبق.
• قوله: (وَأَصْلُ الاخْتِلَافِ: مُعَارَضَةُ عُمُومِ الآيَةِ لاشْتِرَاطِ نِيَّةِ الذَّكَاةِ، أَعْنِي: اعْتِقَادَ تَحْلِيلِ الذَّبِيحَةِ بِالتَّذْكيَةِ. فَمَنْ قَالَ: ذَلِكَ شَرْطٌ فِي التَّذْكيَةِ، قَالَ: لَا تَجُوزُ هَذِهِ الذَّبَائِحُ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ تَحْلِيلَهَا بِالتَّذْكيَةِ. وَمَنْ قَالَ: لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهَا، وَتَمَسَّكَ بِعُمُومِ الآيَةِ المُحَلِّلَةِ قَالَ: تَجُوزُ هَذِهِ الذَّبَائِح، وَهَذَا بِعَيْنِهِ هُوَ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي أكْلِ الشُّحُومِ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ غَيْرُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِه) (١).
جمهور العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة يجيزون الأكل من الشحوم أو الذبائح التي حرموها على أنفسهم (٢)، أما مالك فهو الذي خالف في ذلك فله رأيان في المسألة: رواية بالجواز كمذهب الجمهور، والرواية الأُخرى انفرد بها: لا يجوز (٣).
قوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ الشُّحُومَ مُحَرَّمَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ.
стр. 5185
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مَكْرُوهَة، وَالقَوْلَانِ عَنْ مَالِكٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مُبَاحَة (١)، وَيَدْخُلُ فِي الشُّحُومِ سَبَبٌ آخَرُ مِنْ أَسْبَاب الخِلَافِ سِوَى مُعَارَضَةِ العُمُومِ لاشْتِرَاطِ اعْتِقَادِ تَحْلِيلِ الذَّبِيحَةِ بِالذَّكَاةِ، وَهُوَ: هَلْ تَتَبَعَّضُ التَّذْكيَةُ أَوْ لَا تَتَبَعَّضُ؟ فَمَنْ قَالَ: تَتَبَعَّض، قَالَ: لَا تُؤْكلُ الشُّحُوم، وَمَنْ قَالَ: لَا تَتَبَعَّضُ قَالَ: يُؤْكَلُ الشَّحْمُ).
مراد المؤلف: إذا ذبحت ذبيحة فيها شحم ولحم، فهل نقول: إن بعضها حلال وهو اللحم، والشحم ليس بحلال، الجمهور قالوا: الكل حلال، لأن الله حرمه عليهم ولم يحرمه عليكم.
• قوله: (وَبَدُلُّ عَلَى تَحْلِيلِ شُحُومِ ذَبَائِحِهِمْ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ: "إِذْ أَصَابَ جِرَابَ الشَّحْمِ يَوْمَ خَيْبَرَ" (٢)، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كتَابِ الجِهَادِ).
هذا الحديث متفق عليه، وقصته: أن عبد الله بن مغفل رأى جرابًا دلي من قصر خيبر فأسرع ليأخذه فلاحظ رسول الله ﷺ يبتسم إلَيه، فهذا دليل على جوازه، لأن هذا شحم ودُلي من ذلك المكان وهرول إليه عبد الله ليأخذه ولم ينكر عليه رسول الله ﷺ ، فلا ينبغي أن يحصل الخلاف مع وجود هذا الدليل القطعي.
стр. 5186
• قوله: (وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ فِي أَصْلِ شَرْعِهِمْ وَبَيْنَ مَا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ قَالَ: مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ هُوَ أَمْرٌ حَقٌّ، فَلَا تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ، وَمَا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ هُوَ أَمْرٌ بَاطِلٌ، فَتَعْمَلُ فِيهِ التَذْكيَةُ).
لأنه ليس لهم أن يحرموا ما أحل الله، وليس لهم أن يحللوا ما حرم الله؛ لأن الرسول ﷺ حين بلغ قول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] قال له عدي: يا رسول الله، لا نعبدهم، قال: "أليسوا يحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله"، قال: بلى. قال: "تلك عبادتهم" (١).
الذي يشرع الأحكام هو الله ، ورسول الله ﷺ هو المبلغ عن ربه بواسطة جبريل، إذًا ليس لأحد أن يشرع شرعًا أو يسن حكمًا من الأحكام إلا الله وما عداه فهو باطل، قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
• قوله: (قَالَ القَاضِي).
هو ابن رشد ﵀.
• قوله: (وَالحَقُّ أَنَّ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ، أَوْ حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ هُوَ فِي وَقْتِ شَرِيعَةِ الإِسْلَامِ أَمْرٌ بَاطِلٌ؛ إِذْ كَانَتْ نَاسِخَةً لِجَمِيعِ الشَّرَائِعِ، فَيَجِبُ أَلَّا يُرَاعَى اعْتِقَادُهُمْ فِي ذَلِكَ، وَلَا يُشتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ اعْتِقَادُهُمْ فِي تَحْلِيلِ الذَّبَائِحِ اعْتِقَادَ المُسْلِمِينَ، وَلَا اعْتِقَادَ
стр. 5187
شَرِيعَتِهِمْ، لِأَنَّهُ لَوِ اشْتُرِطَ ذَلِكَ، لمَا جَازَ أَكلُ ذَبَائِحِهِمْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، لِكَوْنِ اعْتِقَادِ شَرِيعَتِهِمْ فِي ذَلِكَ مَنْسُوخًا، وَاعْتِقَادِ شَرِيعَتِنَا لَا يَصِحُّ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا هَذَا حُكْمٌ خَصَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، فَذَبَائِحُهُمْ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - جَائِزَةٌ لَنَا عَلَى الإِطْلَاقِ، وَإِلَّا ارْتَفَعَ حُكْمُ آيَةِ التَّحْلِيلِ جُمْلَةً، فَتَأَمَّلْ هَذَا، فَإِنَّهُ بَيِّنٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا المَجُوسُ: فَإِنَّ الجُمْهُورَ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ ذَبَائِحُهُمْ، لِأَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ (١)، وَتَمَسَّكَ قَوْمٌ فِي إِجَازَتِهَا بِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵊: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ" (٢).
حكى بعض العلماء الإجماع أن ذبائح المجوس لا تجوز، أما صيدهم من السمك فهذا أمر متفق عليه (٣) ولم يخالف فيه إلا مالك في
стр. 5188
جوازه (١)، أما ذبائحهم فلا تجوز عند جمهور العلماء، ولم يجز ذلك إلا أبو ثور، واعتبر العلماء خلافه شاذًّا لا يعتد به.
وقد استدل الذين أجازوا ذبائحهم بدليلين:
- الأول: حديث: "سنُّوا بهم سُنَّة أهل الكتاب" (٢).
- الثاني: أن الرسول ﷺ كتب إلى مجوس هجر، وطلب منهم الإسلام أو الجزية (٣)). قالوا: فدلَّ ذلك على أنهم كأهل الكتاب.
إذن؛ الدليل الأول: الحديثان، وثانيًا: أخذ الجزية، وأخذ الجزية لا يأخذ إلا من أهل الكتاب؛ إذن يعاملون معاملة أهل الكتاب.
وجمهور العلماء على أن ذلك لا يجوز وقالوا: إن بقية الحديث: "سنُّوا بهم سُنَّة أهل الكتاب" - "غير آكلي ذبائحهم ولا ناكحي نسائهم" (٤).
وجاء في الحديث الآخر الذي عند البيهقي (٥) وعبد الرزاق في "مصنفه" (٦)، وكذلك ابن أبي شيبة (٧): "أن الرسول ﷺ كتب إلى أهل هجر يدعوهم للإسلام فإن أبوا فيدفعوا الجزية غير ألا تنكح نساؤهم ولا تؤكل ذبائحهم"، هذا هو دليل الجمهور.
وأولئك قالوا: إنه بالنسبة للحديث الأول: "غير ناكحي نسائهم غير
стр. 5189
آكلي لحومهم" قالوا: هذا مدرج، وقد تكلم عنه الحافظ ابن حجر بأنه مدرج (١) أيضًا (٢)، والحديث الآخر إنما هو مرسل (٣)(٤).
لكن مذهب الجمهور هو الصحيح في هذه المسألة.
قوله: (وَأَمَّا الصَّابِئُونَ: فَالاخْتِلَافُ فِيهِمْ مِنْ قِبَلِ اخْتِلَافِهِمْ فِي: هَلْ هُمْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ أَمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ؟) (٥).
أما ذبيحة الصابئين وهم فرقة من النصارى:
فعند أبي حنيفة: تؤكل إذا كانوا يؤمنون بنبي ويقرّون بكتاب، وإن كانوا يعبدون الكواكب ولا يقرَون بنبوة عيسى ﵇ لم تؤكل (٦).
ومذهب مالك: أنها لا تؤكل على معنى الكراهة (٧).
стр. 5190
وعن أحمد روايتان؛ مأخذهما: هل هم من النصارى أم لا؟ (١).
وقيل: إنها حرام، وهو مذهب الحسن وسعيد بن جبير في أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم، وهم قوم بين المجوسية والنصرانية (٢).
وسبب منعهم ذبيحة الصابئين؛ لأنهم بين النصرانية والمجوسية.
والشافعية يفصلون؛ فيقولون: الصابئون إن وافقوا أهل الكتاب في أصول العقائد تؤكل ذبائحهم، وإن لم يوافقوهم وكان دينهم بين المجوسية والنصرانية، أو يعتقدون بتأثير النجوم، فلا تؤكل ذبائحهم (٣).
• قوله: (وَأَمَّا المَرْأَةُ وَالصَّبِيُّ: فَإِنَّ الجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ ذَبَائِحَهُمْ جَائِزَةٌ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ (٤)، وَكَرِهَ ذَلِكَ أَبُو المُصْعَبِ (٥)).
стр. 5191
كلُّ مَن أمكنه الذبح من المسلمين وأهل الكتاب، إذا ذبح حل أكل ذبيحته، رجلًا كان أو امرأة، بالغًا أو صبيًّا، حرًّا كان أو عبدًا، ليس في هذا خلاف (١).
• قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: نُقْصَانُ المَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ، وإنَّمَا لَمْ يَخْتَلِفِ الجُمْهُورُ فِي المَرْأَةِ، لِحَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ سَعِيدٍ: "أَنَّ جَارِيَةً لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ كَانَتْ تَرْعَى بِسَلْعٍ (٢)، فَأُصِيبَتْ شَاةٌ، فَأَدْرَكَتْهَا فَذَبَحَتْهَا بِحَجَرٍ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: "لَا بَأْسَ بِهَا، فَكُلُوهَا" (٣)، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
ففي هذا الحديث إباحة ذبيحة المرأة، والأمة، والحائض؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يستفصل.
• قوله: (وَأَمَّا المَجْنُونُ وَالسَّكْرَانُ: فَإِنَّ مَالِكًا لَمْ يُجِزْ ذَبِيحَتَهُمَا (٤)، وَأَجَازَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ (٥)).
стр. 5192
قال مالك: يشترط في المذكِّي أن يكون عاقلًا، فإن كان طفلًا، أو مجنونًا، أو سكران لا يعقل، لم يصح منه الذبح.
وقال الشافعي: لا يعتبر العقل.
• قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ: اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ فِي الذَّكَاةِ، فَمَنِ اشْتَرَطَ النِّيَّةَ مَنَعَ ذَلِكَ؛ إِذْ لَا يَصِحُّ مِنَ المَجْنُون، وَلَا مِنَ السَّكْرَان، وَبِخَاصَّةٍ المُلْتَخُّ (١)).
والصواب: أنَّ الذكاة يعتبر لها القصد، فيعتبر لها العقل؛ كالعبادة؛ فإنَّ من لا عقل له لا يصح منه القصد، فيصير ذبحه كما لو وقعت الحديدة بنفسها على حلق شاة فذبحتها.
• قوله: (وَأَمَّا جَوَازُ تَذْكِيَةِ السَّارِقِ وَالغَاصِبِ: فَإِنَّ الجُمْهُورَ (٢) عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ، وَرَأَى أَنَّهَا مَيْتَةٌ، وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيهِ (٣)).
مذهب أبي حنيفة (٤)، ومالك (٥)، والشافعي (٦): إباحة أكل ذبيحة
النَّبِيِّ عَلَيْهِ ﵊ فِي الشَّاةِ الَّتِي ذُبِحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ رَبِّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَطْعِمُوهَا الأُسَارَى" (١)).
ووجه الاستدلال: أنَّ الأُسارى ممن تجوز عليهم الصدقة مثلها، ولو لم تكن ذكية ما أطعمها رسول الله ﷺ .
• قوله: (وَهَذَا القَدْرُ كَافٍ فِي أُصُولِ هَذَا الكِتَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ).
* * *
стр. 5195
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[كتاب الصيد (١)]
[الباب الأول في حكم الصيد وفي محل الصيد]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وهذا الكتاب في أصولِهِ أيضًا أربعةُ أبواب، الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي حُكْمِ الصَّيْدِ وَفِي مَحَلِّ الصيد).
стр. 5196
أولًا: الصيد ليس واجبًا، لكن أحيانًا قد ينتقل الصيدُ من الإباحة إلى الوجوبِ (١)، قد يسأل سائل فيقول: كيف ذلك؟ قد يكون الإنسان في قطعةٍ منَ الفلاة، في صحراءَ ليس فيها أنيسٌ، فتدركه المجاعة، الله ، حرَّم علينا الميتَةَ، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣]، وقال. تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، إذن الميتة لا يجوز أكلها، لكن لو اضطرَّ الإنسان إليها بأنْ خافَ الهلاك على نفسه، فإنه في هذه الحالة يجب عليه أن يأكل من المَيتَةَ، كذلك قد يكون الإنسانُ في مكانٍ ما، فلا يجد ما يسُدُّ رمقَهُ ولا ما يدفع عنه الموت، فيرى قُدورًا قريبةً منه، أو يجدُ صَيْدًا من الصيد قريبًا منه، فيجب عليه في هذه الحالة أن يصطادَ وأن يأكلَ، لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، وقد يكون الصيد أيضًا منْدوبًا (٢)، فقد لا يكون الإنسان قد وصل إلى ما يُؤَدِّي بِهِ إلى الهلاك، لكنه بحاجةٍ شديدةٍ إلى الصيد فيكون مَنْدُوبًا أي: مسنونًا في حقّه. أما في سائر الأمور فهو مباحٌ (٣)، لكن إذا كان قصدُ الإنسان هو التشَهِّي بالصيد (٤)، بمعنى: أنَّ لديه هوايةً في قتل الصيد دون أن يكون محتاجًا إلى ذلك، فهذا لا ينبغي له، وهذا يدخل في الحديث الذي مرَّ بنا، وهو أنَّ الرسول ﷺ قال: "مَا مِنْ إنسان يَقْتُلُ عصفورًا"، وهذا الحديث فيه مقالٌ لكن جاء من عدَّة طرق، وعموم الأدلة تشهد له، والعصفور: هو الطائر الصغير "فما فوقها بغير حَقِّها إلا سأله الله عنها يوم القيامَةِ" قيل: يا رسول الله وما حقها؟ قال: "أن تذْبَحَها فتأكُلَها" (٥)،
стр. 5197
يعني: أن تصيد هذا الطير فتكون بحاجة إليه، لا أنْ تقتله ثم ترمِيَه في الزبالة أو في غيره، هذا من باب الأذَى، والأذى غيرُ مطلوبٍ.
(البابُ الثَّاني: فِيمَا بِهِ يَكُونُ الصَّيْدُ).
يعني: يكون الصيد بآلةٍ، والآلةُ قد تكون بحيوانٍ، والله قد نصَّ على الكلاب كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤]، ونصَّ أيضًا على الرِّماح بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤].
• قوله: (الثالثُ: في صِفَةِ ذَكَاةِ الصَّيْدِ والشَّرَائِطِ المُشْتَرَطَةِ في عَمَلِ الذَّكَاةِ بالصَّيد. الرابع: "فيمن يجوز صيده").
الصيد أنواع، هناك نوع قد توجِّه سهْمَك له فتقتله، فأنت في هذه الحالة إذا توفرت الشُّروط تأكل منه، حتى وإن أدركته ميِّتًا، أو ترسل عليه حيوانًا معلَّمًا فيصيده أي: يجرحه، ففي هذه الحالة تأكلُ منه، حتى وإن أدْرَكْتَه ميِّتًا، لكن لو أرسلت كلبًا غير معلَّمٍ أو طائرًا غير معلَّم فصاده لك، فإنك تأكل منه إن أدركت ذكاته، لأنَّ هناك شروطًا يشترطها العلماء في الصيد (١)، بعضهم يوصلها إلى سبعةٍ وبعضهم إلى دون ذلك، بعضها متفق عليه، وبعضها محِلُّ خِلافٍ بين العلماء، وقد ذكرنا بعضًا منها أثناء دراستنا لأحكام الأضحية والذبائح.
(الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي حُكْمِ الصَّيْدِ وَمَحَلِّهِ).
إذن سيتكلم المؤلف أولًا عن حكم الصيد، هل هو واجب؟ هل هو مندوب؟ هل هو مكروه؟ هل هو مستحَبٌّ؟ هل هو مُباح؟ فهناك أحكامٌ تكليفية خمسةٌ معروفةٌ: الواجب، والمندوب، والمباح، والمحرَّم، والمكروه، فأيُّ الأحكام الخمسة تنطبقُ على الصيد (٢)؟ الذي ينطبق عليه
стр. 5198
إنَّما هو حكم الإباحة، لأنَّ الله - تعالى - بعد أن نهى عنه، فقال: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] قال : ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، يعني: إذا ارتفع الحظرُ أُبِيحَ لكم الصيدُ.
• قوله: (فَأَمَّا حُكْمُ الصَّيْدِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ مُبَاحٌ (١)، لِقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]).
يعني: الإنسانُ إذا كان مُحرِمًا فإنَّ الله قد أباحَ له الصَّيد، لكنَّ الله بالنسبة لصيد البر حَظَره علينا ما دُمنا مُحرِمِين، أو كذلك لو كنَّا في الحرم، فإنَّ الحرم لا يُنَفَّرُ صيدُه (٢) لكن الكلام في غير الحَرَم.
• قوله: (ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]).
стр. 5199
إذن نهى الله عنه في حالة التلبس بالإحرام، وقد مرَّ بالكثير منا قبل فترة: "وأما إذا حَلَلْنَا" وها نحن قد حلَلْنا فإنه يجوز الصيد (١).
لكنْ أيضًا في المدينة لا ينبغي أن يُصاد في الحَرَم (٢) كالحال بالنَّسبة لمكة، وإنْ اختلفت المدينةُ عن مكةَ من حيث تفصيل الأحكام (٣).
• قوله: (وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالصَّيْدِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بَعْدَ النَّهْيِ يَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ، كمَا اتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ فِي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا
стр. 5200
قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠].
أَعْنِي: أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ الْإِبَاحَة) (١).
الله قال في شأن الجمعة، أيْ صلاة الجمعة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، ولا شكَّ أنَّ السعي إلى الجمعة إنما هو واجبٌ (٢)، لأنَّ الجمعة فريضةٌ (٣)، والجمعة فرضيتها آكدُ من فرضية صلاة الجماعة (٤)، والرسول ﷺ
стр. 5201
يقول: "من ترك ثلاثَ جُمَعٍ تهاونًا طبع الله على قَلبه" (١)، وقال ﵊: "لينتهين أقوَامٌ عن ودعهم الجمعات" (٢) يعني: عن تركهم الجمعات، "أو ليختمنَّ اللهُ على قُلوبهم" أي: ليطبع على قلوبهم "ثم ليكونُنَّ من الغافلين" (٣)، فهل يرضى المسلم أنْ يُختم على قلبِهِ، فلا يميِّز بين الخير وبين الشر وأن تكون نهايته من الغافلين، هو لا يريد ذلك، بل هو يريد أنْ يكون من الموفَّقين الذين يعرفون الحقَّ فيتَّبعونه، ويعرفون الضلالة والشر فيبتعدون عنهما.
ثم قال : ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ٩]، وهذه الآية لها سببٌ (٤)، فإنَّ جمعًا من الصحابة كانوا مع رسول الله ﷺ فلمَّا علموا بقدُوم العير وكان ذلك فرِحًا، ليس انشغالًا عن العبادة، فالصحابة ﵃ كانت الدنيا لا تساوي عندهم ولا جناح بعوضة بالنَّسبة لأمور الآخرة، لكنَّ النَّاس كانوا بحاجة إلى قوَّة فيما يتعلق بأبدانهم وفيما يتعلق بقوتهم الدفاعية، فجاءت هذه العير، فنتيجة الفرح والسرور، وهذه النعمة التي أنعم الله بها على المؤمنين أن أوصل هذه التجارة بسلامة
стр. 5202
خرجوا ليطمئنوا، لكن الله عاتَبهم؛ لأنه لم يبق مع رسول الله ﷺ إلا اثنا عشر رجلًا، قال - سبحانه -: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾، [الجمعة: ١١] أنت تكون في مسجدك مقبلًا على الله مدبرًا عما سواه، أنت في تجارة الآخرة، فإنَّ الله لنْ يضيِّعك؛ لأنَّك لو توكلت على الله حق توكله، لرزقك كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانا (١)، كما في الحديث الصحيح (٢).
ولذلك يقول الله في شأن الله عُمَّار بيوته ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ أي: في المساجد ﴿ … أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧] ما هو السبب؟ ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧]، والنتيجة ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾ [النور: ٣٨]، فعطاء الله لا حدود له، لا ينتهي عند قدرٍ ولا يقف عند حدٍّ، فكنوز الله عظيمة، ويمينُ الله مَلأى سحاء (٣) لو أنفق منها ليلًا ونهارًا لا تنقص إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر (٤)، إذن كنوزُ الله عظيمة، وفضل الله علينا عظيمٌ، فأذكركم مرةً وقد ظفرنا بهذه النعمةِ العظيمةِ، وسعدنا بتلك السعادة الكريمة،
стр. 5203
ورجعنا بهذه الأعمال الطيبة، وبهذه الحسنات الكثيرة، ينبغي ألا نفرِّط فيها وألا نضيع شيئًا منها، بل علينا أن نضيف إلى رصيدنا رصيدًا آخر حتى نَلْقى الله - تعالى - وهو راضٍ عنا.
إنَّ الأعمال إنما هي بالخواتيم (١)، والرسول ﷺ يقول: "لن يدخل أحدٌ منكم الجنة بعَمَلِهِ" قالوا: ولا أنت يا رسول الله! قال: "ولا أنا إلا أن يتغَمَّدَنِي الله برَحْمتِهِ" (٢)، إذن نحن نعمل الأعمال الطيبة، ونبادر فيها، ونحرص عليها، والتوفيق إنما هو من الله ، لكن لا ننسى أنَّ الله تعالى كما قال: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]،
والله لا يضيع أجر المحسنين.
• قوله: (أَعْنِي: أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ الْإِبَاحَة؛ لِوُقُوعِ الْإمْرِ بَعْدَ النَّهْيِ، وَإِنْ كانَ اخْتَلَفُوا هَلِ الْأَمْرُ بَعْدَ النَّهْيِ يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ؟ أَوْ لَا يَقْتَضِيهِ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي عَلَى أَصْلِهِ الْوُجُوبَ؟).
هذه مسألةٌ أصوليةٌ اختلف فيها الأصوليُّون (٣)، هل إذا ورد أمرٌ ثم
стр. 5204
جاء بعد ذلك ما يتعلق بالإباحة، هل هذه الإباحة تصرفُ الأمر عن أصله وهو الوجوب أو يبقى؟ الصحيح أنَّ هذا يحتاج إلى قَرائن، فهنا المنع كان لأجلِ الإحرام، والإحرام قد ارتفع، إذن أصبح الأمرُ مباحًا فلا إشكال فيه، وهذا مما اتفق عليه العلماء على أنَّ الصيد مباح، وأنَّ الله قد أباحَ لنا أكْلَه.
• قوله: (وَكرِهَ مَالِكٌ الصَّيْدَ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ السَّرَفُ) (١).
الإمام مالك بن أنسٍ ﵀ هو إمام دار الهجرة، ذلكم الإمامُ الفذُّ الجليلُ الذي كانت تضرب إليه أكباد الإبلِ (٢) من مشارق الأرض ومغاربها (٣)، يأتون إليه في هذا المسجد الكريم، ينهل من مَعينه ليستَفِيدوا من علمه، ليأخذوا من دروسه، وليستفيدوا من سيرته النَّيِّرة، التي كان يصحبها الورع، والزهد، وعفة اللسان، وتقوى الله ﷺ ، والتأسي بسيرة أصحاب رسول الله ﷺ ، والعمل بسنته ﷺ ، هذا هو إمام دار الهجرة، ينبِّه إلى أنه لا ينبغي أن يكون قصدنا ونحن نتَتَبَّعُ الصيد هو الإسراف؛ لأنَّ الله ﷺ نهى عن الإسراف، قال تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]، وقال في شأن الإنفاق: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان: ٦٧] أي: يكونون وسطًا في الأمور، والرسول ﷺ نهانا عن الإسراف حتى في العبادات، والوضوء شرطٌ في صحة الصلاة، قال ﷺ : "لا يقبل الله صلاةَ أحدكم إذا
стр. 5205
أحدث حتَّى يتوضَّأ" (١)، ومع ذلك نبَّه الرسول ﷺ إلى أنَّه لو كان أحدنا على جانب نَهْرٍ (٢)، أي: لو كان يتوضأُ ويغتسلُ من نهرٍ، فلا ينبغي له أن يُسْرِفَ وأن يبالغَ في ذلك، إذن الإسراف ممنوعٌ؛ لأنَّ هذه شريعةٌ وسطيةٌ جاءت بالعدل، بأنْ يكونَ الناس على وسط، جاءت بالتيسير، بالسماحة، باليسر؛ ليكونَ الناسُ في مسيرتهم على وَفق هذه الشريعةِ الغراءِ الخالدة.
• قوله: (وَلِلْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِ تَفْصِيلٌ (٣)، مَحْصُولُ قَوْلِهِمْ فِيهِ: أَنَّ مِنْهُ مَا هُوَ فِي حَقِّ بَعْضِ النَّاسِ وَاجِبٌ (٤)).
يعني: لو اضطر الإنسانُ إلى الصَّيد أو إلى الميتة، حتى ولو كان مُحرِمًا وهو ممنوعٌ من الصيد واضطرَّ إلى الأكل ليحفظَ مُهجة نفسه، فإنه يصيدُ الصيدَ، ويأكل ويؤدي الفدية التي أوجبها الله عليه، وأوجبها رسول الله ﷺ .
• قوله: (وَفِي حَقِّ بَعْضِهِمْ مَنْدُوبٌ) (٥).
مندوب إذا كانت هناك حاجة لكنَّها لا تصل إلى درجة المخمصَة.
стр. 5206
• قوله: (وَفِي حَقِّ بَعْضِهِمْ مَكْرُوهٌ (١)، وَهَذَا النَّظَرُ فِي الشَّرْعِ تَغَلْغُلٌ فِي الْقِيَاسِ).
مراد المؤلِّف أنَّ هذا لم ترد فيه نصوصٌ صريحةٌ، وأنَّ هذا الذي ذهب إليه بعضُ الفقهاء من باب التَّعمقِ والغوصِ في أعماق الفقه الإسلامي، يعني: في هذه القضايا عندما ندرس قضيةً كليةً نحاول أن نفهمَ أصلَ هذه القاعدة، هل لها مستندٌ من الكتاب والسُّنَّة؟، غالبُ قواعدنا الأساس نجد لها أدلَّة أو هي مأخوذةٌ من استقراء الشريعة وعموماتها، فلما نأتي إلى هذه ونحاول أن نتعمَّق في الوصول في جُزْئياتها، إذن نحن لمَّا ندقق النظر في ذلك، نعم الله أباح لنا الصيد، لكن ينبغي أن تكون أعمالنا تسير على وفق هذه الشريعة، لأنَّ هذه الشريعة كل لا يتجَزَّأ، لأنَّ الشريعة عقيدة، قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ … وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩]، كذلك أيضًا الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك (٢)، فالشريعة تشتمل على العقيدة، والعبادات، والمعاملات، والأخلاق.
стр. 5207
إذن ثم هي من حيث الجملة تنقسم إلى قسمين: هناك علاقة تربطك بخالقك أي: تنظم العلاقة بين المخلوق وبين الخالق، وعلاقةٌ تنظم العلاقة بين المخلوقين، وفي كلا الأمرين ينبغي أن نحافظ على ذلك، ينبغي أن تكون علاقَتُنَا مع الله مستمدةٌ من كتاب الله ومن سُنَّة رسوله ﷺ ، وأن تكون علاقاتُ بعضنا ببعض أيضًا مستمدةً من رحاب الإسلام ومن عِقَاله، من مصدريه الأساسيين الكتاب والسُّنَّة، فالمسلم في علاقته بأخيه يجب أن يتعاونَ معه على البرِّ والتقوى ولا يتعاون على الإثم والعدوان، لا يجوز أن يعتدي على حُرمَتِهِ، ولا على ماله، ولا على نفسه، كل المسلم على المسلم حرامٌ دمُهُ ومالُهُ وعرضه (١)، لا ينبغي له أن يتعدَّى على مال الآخرين، ولا على مال اليتيم، ولا أن يسفِكَ دمًا، ولا أنْ يظلمَ غيره ولا أنْ يتكلَّم في حقِّ غيره، وهذا الكلام فيه يطول.
وهناك أخلاقٌ عظيمةٌ، هناك خلُق الإحسان، وخلُق الإيمان، وخلُق البرِّ، وخلُق الوفاء، وخلُق الشجاعة، وخلُق الكرم، وخلُق صلة الرحم، وعلاقة الجار بجاره، وعلاقتك بأبويك، وحقوق الضيفِ عليك، حقوقُ أخيك المسلم، صيانة اللسان، أنْ تحفَظَ لسانَك إلى غير ذلك من أمور، إذن الإسلام عبادةٌ، ومعاملة، وأخلاق، نظام أسرة كما تعلمون أحكام النكاح وغيره، علاقات دولية، روابط تربط بين المجتمع حتى الإسلام
стр. 5208
بعضه ببعض، وهناك علاقة المسلمين بغيرهم أيضًا من غير المسلمين، هذه علاقات نظمها الفقه الإسلامي، وبيَّنها غايةَ البيان.
• قوله: (وَبُعْدٌ عَنِ الْأُصُولِ الْمَنْطُوقِ بِهَا فِي الشَّرْعِ).
يعني: ليس مرادُ المؤلِّف هنا أن ينقد ذلك، لا، بل يقصد أنَّ هذا تغلغلٌ وعمقٌ وغوصٌ في أعماق الشريعة، وغوصٌ في أعماقِ الفقه، لكنه لم يأت النطق به في الأصول التي مرَّت بنا في الآيات والأحاديث، لكن كما تعلمون أيها الإخوة أنَّ العلماء ﵏ عندما تلقَّوا هذا الكنز العظيم، هذا العلم العظيم، الذي جاء به كتاب الله وسنة رسوله، وما نقل عن رسول الله ﷺ من بيانٍ، وما نقل علينا من أقوال الصحابة، ثم حمَلَهُ التابعون، ثم أتباع التابعين، ثم جاء الأئمة، ثم جاء تلاميذ الأئمة، وهكذا إلى أن بدأ العلماء يُعنون بهذا الكنز العظيم، الفقه، فبدؤوا يبحثون عن علل الأحكام، ما هي الأصول التي اعتمد عليها الأئمةُ في مدى تحرير المسائل، وفي تأصيلها، فوقفوا عند أصول الأئمة، فبدؤوا يخرجون عليها.
إذن هذا نوعٌ من التخريج، لأنَّ الشريعة الإسلامية إما أن تأتي وقد نطق بها النص، أو ما هو قريبٌ من النص، لأنها إما أن يكون الدليل في كتاب الله ، أو فيما صحَّ عن سنة رسول الله ﷺ ، أو أنْ يكون هناك إجماعٌ، أو أن يكونَ هناك قياسٌ صحيحٌ، أو أن نفهمَ ذلك من خلال استقراء الشريعة الإسلامية، وهذه كلها أمورٌ قد تكلم عنها العلماء - رحمهم الله تعالى - وبينوها.
• قوله: (فَلَيْسَ يَلِيقُ بِكِتَابِنَا هَذَا؛ إِذْ كَانَ قَصْدُنَا فِيهِ إِنَّمَا هُوَ ذِكْرُ الْمَنْطُوقِ بِهِ مِنَ الشَّرْعِ، أَوْ مَا كَانَ قَرِيبًا - مِنَ الْمَنْطُوقِ بِهِ).
بيَّنَ المؤلف العفَة في أنه لم يستطرد في بيان ذلك، وفي الغوصِ في هذا الأمر، لأنه وضع هذا الكتاب ليكون قاصِرًا على أصول المسائل، لا أنه يشتمل على جميع المسائل والجزئيات، فلما كان الأمر كذلك لو دخل
стр. 5209
في الأمور القياسية وفي تتبع الفروع وفي جزئيات المسائل لطال به الأمر، ولخرج عن الخط الذي رسمه لنفسه، والقاعدة التي تمثل السير عليه.
• قوله: (إِذْ كَانَ قَصْدُنَا فِيهِ إِنَّمَا هُوَ ذِكْرُ الْمَنْطُوقِ بِهِ مِنَ الشَّرْعِ)، يعني: ما جاء منطوقًا به بالنص ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ١]، ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] هذه نطَقَ بها النصُّ، أو ما هو قريبٌ من النَّصِّ، يعني: نفهمه من ظاهر النصِّ.
• قوله: (وَأَمَّا مَحَلُّ الصَّيْدِ فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَحَلَّهُ مِنَ الْحَيَوَانِ الْبَحْرِيِّ، وَهُوَ السَّمَكُ وَأَصْنَافُهُ (١)).
العلماء ﵏ تكلَّموا عن أحكام الصيد، فقد وضعوا شروطًا لهذا الصيد: أوَّلها: أن يكون الصَّائدُ من أهل الذكاة، أنا أريد أن أصيدَ يشترط أن أكون قد توفَّرت بي شروط الذكاة، تعلمون الذكاة مرت بنا فيما مضى عندما تكلمنا عن الأضحية وعن الذبائح؛ يشترط في المذكي، أن يكون مسلِمًا أو كتابيًا (٢)؛ لأنَّ الله قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥].
стр. 5210
إذن أهل الكتاب مما أباح الله لنا ذبائحهم، فالمراد بالطعام هنا إنما هي الذبائح (١)، إذن الشرط الأول: أن يكونَ الصائدُ من أهل الذكاة، فلا يكون مجوسيًّا ولا يكون وثنيًّا، ولا يكون إنسانًا قد ذاق لذة الإيمان وحلاوته ثم ارتدَّ على عقبيه (٢) فتنكَّف وكفر بالله ، ولا يكون أيضًا مجنونًا؛ لأنّ المجنون ليس أهلًا للصيد.
стр. 5211
إذن هذا هو الشرط الأول: أن يكون الصائدُ من أهل الذكاة، أي: تتوفر فيه شروط الذكاة، وأنْ يذكُرَ أن يُسَمِّ الله ، فإذا أردت أن تُرسِلَ كلبك ليصيد فسمِّ الله (١)، بسم الله الرحمن الرحيم، وإذا أردت أن ترسل
стр. 5212
قوسك أو سهمك فسمِّ الله واقصد الصيد بذلك أي: بنيةٍ، إذن لا بدَّ من التسمية؛ لأنَّ الله يقول: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] وقال في سورة الأنعام: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] وقال : ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨]، والرسول ﷺ قال: "إذا أرسلت كلابك المعلَّمَة فسمِّ الله" (١)، وجاء: "إذا أرسلت قَوْسَك وسمَّيت الله فكُلْ" (٢).
стр. 5213
إذن التسمية مطلوبة بنصِّ الكتاب العزيز، وبسنَّة رسول الله ﷺ .
إذن الشرط الأول أن يكون الصائدُ من أهل الذكاة أي: ممن تجوز تَذْكِيتهم، وأن يكون أيضًا قد سمَّى الله عندما أرسل السَّهْم أو أرسل الجارح أي: الحيوان الذي يصيدُ له.
الشَّرطُ الثَّالث: أن يرسل هو نفسه الجارحة، لا أن يسترسل من نفسه (١)، فإن استرسل من نفسه، أي: انطلق الكلب وراء الصيد دون أن يرسله صاحبه، فبعض العلماء لا يجيز ذلك، وبعضهم يقول: إن تدارك
стр. 5214
ذلك وذكر اسم الله، فزجره فزاد في عدوه أسرع، فإنه في هذه الحال يجوز أن يأكل منه.
الشرط الرابع: أن يكون معلَّمًا (١)؛ لأنَّ الله يقول: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤]، والرسول ﷺ يقول: "إذا أرسلت كلْبَكَ المعلَّم وذكرت
стр. 5215
اسم الله" (١)، إذن لا بد أن يكون معلَّمًا، لكن ما معنى أن يكون معلَّمًا؟ كيف نعرف ذلك؟ يعني: أن يُعوَّدَ على ذلك، ما علامات ذلك؟ قالوا: إذا أرسلته استرسل، يعني: إذا أطلقته خلف الصيد ينطلق، إذا زجرته عن ذلك انزجر، وإذا أمسك لا يأكل، هذه هي الشروط، لكن مسألة الأكل إنما تشترط باتفاقٍ في الكلاب وغيرها من الحيوانات (٢)، أما بالنسبة للطيور فالصحيح أنَّ ذلك ليس بشرطٍ، وسنبيِّنه إن شاء الله تفصيلًا، لكنْ قد يسأل سائل فيقول: كيف يتمُّ تعليمه؟ هل لو علمته وانطلق أولَ مرة وأصاب هل
стр. 5216
هذا كافٍ؟ لم يرد نصٌّ في ذلك في كتاب الله ولا في سنَّة رسوله ﷺ ، وإنما الذي جاء في المصدرين هو تعليم هذا الجارح كيف يصيد، أنْ نعلِّمه على الصيد، العلماء اختلفوا في ذلك:
١ - فبعضهم قال: أن يعوَّد على ذلك فيعطى فرصةً ثلاث مرات، وبعضهم قال: مرتين (١)، وبعضهم قال: مرة، فالذين قالوا ثلاثَ مراتٍ أخذوا ذلك من عموم أدلةٍ وردت في الشَّريعة، فإنَّ المسافرَ يمسحُ ثلاثةَ أيامٍ، والمهاجرُ يقيم ثلاثة أيامٍ، وهناك أدلةٌ كثيرةٌ اعتبرت فيها الأشياء الثلاثة: "لا يحلٍ لامرأةٍ أن تسافرَ مسيرة ثلاثة أيامٍ" (٢)، وبعضهم قال: مرةً واحدةً تعدُّ كافية (٣)، وبعضهم قال: هذا أمرٌ راجعٌ إلى العرف وإلى عاداتٍ النَّاس، فيكفي فيه ولو مرة واحدة (٤)، لكنَّ الأحوط في ذلك - والله أعلم - أن يأخذ الإنسان بالأحوط.
٢ - أن يجرح الصيد: أنك إذا أرسلت الجارح أن يجرح الصيد،
стр. 5217
يعني: لو أرسلت كلبًا لا يَخْنقه، أو فهدًا لا يخنق هذا الصيد؛ لأنه يكون منخنقًا، ولا يكون ذلك نتيجة اصطدامه به فيكون موقوذًا (١)، إذن لا بُدَّ أن يكون جُرْحًا.
٣ - وأن ترسل كلبك أو الجارح الذي ترسله إلى شيءٍ معروفٍ لا تطلقه هكذا.
هذه شروطٌ مهمةٌ ينبغي أن تتوفر في الصَّيْدِ، أما فيما يتعلق بالتَّسْمية، أولًا؛ شروط الذكاة التي ذكرها هذه لا خلاف فيها، أما ما يتعلَّق بالتسمية ففيها خلافٌ بين العلماء (٢):
١ - من العلماء وهم الشافعية (٣) من قال: لو أنَّ الإنسان ترك التسمية، أي: أرسل الجارح ولم يسمّ، أو السَّهم ولم يسمّ، فإنَّ الصيد يجوز أكله.
٢ - وأما جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، والحنابلة (٤): فقد فرَّقوا بين العمد وبين النسيان، فقالوا: إن تعمَّد ترك التسمية فلا يجوز الأكل من الصَّيْدِ، وإن نسي ذلك فيجوز، وقد أجازوا ذلك في حالة النسيان؛ لأنَّ الرسولَ ﷺ قال: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكْرِهُوا عليه" (٥) وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، إذن هناك فرقٌ بين هذا وهذا.
٣ - وللحنابلة روايةٌ أخرى (٦): لا يجوز الأكلُ من الصَّيد إذا تُركت
стр. 5218
التسمية، لا فرق بين أن يكون تركَها عمدًا أو سهوًا؛ لأنَّ نصوص الكتاب والسنة تدلُّ على وجوب التسمية وتعيُّنها، وأنها لم تفرق بين عمدٍ وبين نسيان، وقد أجابوا عن حديث: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان"، وآية ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فقالوا: المقصود من ذلك إنما هو رفعُ الإثم عن الإنسان، إذا ترك التسمية ناسيًا لا إثم عليه، لكن لو تركها متعمِّدًا يأثم، لأنَّ الإنسان على القول بوجوب التسمية قدَّم بعيرًا فنحره دون أن يسمي، على القول بوجوب التسمية، وبعدم التفريق بين الذكر والنسيان، يهدر هذا اللحم، فهذا من باب قول الرسول: "نهى عن قيلٍ وقال وإضاعة المال" (١)، فهو تسبب في هذه الإضاعة، لكن لو كان ناسيًا لا يلحقه إثمٌ وإن كان هذا الحيوا - ن على قولٍ لا يؤكل منه، لأنَّ النسيان أمرٌ خارجٌ عن إرادة الإنسان، ومن المعلوم أنَّ النسيان والإكراه إنَّما هي من الأمور التي عَفَي عنها في هذه الشريعة، فهي من الأمور التي تندرج تحت قاعدة "المشقة تجلب التيسير" (٢)، إذن ذكرنا شروط الصيد، والعلماء كما ذكرنا عندما يذكرون هذه الشروط ويحددونها إنما القصد والحرص على أن يكونَ كل ما يفعله المسلم في هذه الحياة
стр. 5219
إنما هو حلالٌ، وكل أمرٍ فيه شبهةٌ فإنَّ الإنسان ينبغي أن يبتعد عنه، والرسول ﷺ يقول: "من وقع في الشُّبهات وقع في الحرام" (١)، ويقول ﵊: "دعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبك" (٢)، وليس الأمر خاصًّا بالصيد فقط، فكل أمرٍ من الأمور إذا وجدتَ فيه شبهةً، وتردَّدت بين كونه حلالًا وبين كونه حرامًا، فعليك أن تبتعد عنه، وأن تُغلبَ جانب الحيطة في ذلك، فالله قد أحلَّ لنا الطيبات، وحرَّم علينا الخبائثَ، وأمرنا بالأكل من الطَّيِّبات، ونهانا عن الأكل من المحرَّمات، وهناك أمور نهى عنها الله وأمرنا باجتنابها، وأمورٌ أباحها الله ، وأمرنا بالأكل منها، وهناك أمورٌ عفا الله عنها، فلا ينبغي فيما عفا الله عنه أن نتشدَّد في هذا الأمر وأن نتتبع عنها، فالأمور التي سكت عنها ينبغي أن نسكت عنها، ففي الحديث: "إنَّ الله فرض فرائضَ فلا تُضَيِّعُوها، وحدَّ حُدودًا فلا تعتدُوها، وسكت عن أشياءَ من غير نسيان فلا تَسْألُوا عنها" (٣)، والله تعالى يقول: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
* قوله: (وَمِنَ الْحَيَوَان الْبَرِّيِّ الْحَلَالُ الْأَكْلِ الْغَيْرُ مُسْتَأْنَسٍ).
تعلمون أن الله يقول: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ قيَّدَهُ الله يقوله: ﴿مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] ثم قال : ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢].
إذن طعام البحر كله حلالٌ، لكن هناك خلافٌ بين العلماء في بعض
стр. 5220
المسائل، مثل الضفدع، بعض العلماء يرى أنه يحرم أكلُه (١)، وهناك أيضًا بعض الحيوان ولكن لا يرى أن ذلك مباح الله قد أطلق ذلك: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ ما هو الصيد؟ اختلف العلماء في تعريفه وإن كان كله يلتقي عند أمرٍ واحدٍ، هل صيدُ البحر هو قريب ﴿وَطَعَامُهُ﴾ الشيء الذي يفطر، أو هل صيد البحر ما تأخذه من البحر؟ وطعامه ما طفا (٢)، هذا كله كلام تكلَّم عنه السلف ﵏، لكن الله تعالى قد أباح لنا صيد البحر، فقال : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ أليست هذه نعمةٌ من النعم العظيمة، التي يراها الإنسان في كل أمرٍ حتى