هذا كافٍ؟ لم يرد نصٌّ في ذلك في كتاب الله ولا في سنَّة رسوله ﷺ ، وإنما الذي جاء في المصدرين هو تعليم هذا الجارح كيف يصيد، أنْ نعلِّمه على الصيد، العلماء اختلفوا في ذلك:
١ - فبعضهم قال: أن يعوَّد على ذلك فيعطى فرصةً ثلاث مرات، وبعضهم قال: مرتين (١)، وبعضهم قال: مرة، فالذين قالوا ثلاثَ مراتٍ أخذوا ذلك من عموم أدلةٍ وردت في الشَّريعة، فإنَّ المسافرَ يمسحُ ثلاثةَ أيامٍ، والمهاجرُ يقيم ثلاثة أيامٍ، وهناك أدلةٌ كثيرةٌ اعتبرت فيها الأشياء الثلاثة: "لا يحلٍ لامرأةٍ أن تسافرَ مسيرة ثلاثة أيامٍ" (٢)، وبعضهم قال: مرةً واحدةً تعدُّ كافية (٣)، وبعضهم قال: هذا أمرٌ راجعٌ إلى العرف وإلى عاداتٍ النَّاس، فيكفي فيه ولو مرة واحدة (٤)، لكنَّ الأحوط في ذلك - والله أعلم - أن يأخذ الإنسان بالأحوط.
٢ - أن يجرح الصيد: أنك إذا أرسلت الجارح أن يجرح الصيد،
стр. 5217
يعني: لو أرسلت كلبًا لا يَخْنقه، أو فهدًا لا يخنق هذا الصيد؛ لأنه يكون منخنقًا، ولا يكون ذلك نتيجة اصطدامه به فيكون موقوذًا (١)، إذن لا بُدَّ أن يكون جُرْحًا.
٣ - وأن ترسل كلبك أو الجارح الذي ترسله إلى شيءٍ معروفٍ لا تطلقه هكذا.
هذه شروطٌ مهمةٌ ينبغي أن تتوفر في الصَّيْدِ، أما فيما يتعلق بالتَّسْمية، أولًا؛ شروط الذكاة التي ذكرها هذه لا خلاف فيها، أما ما يتعلَّق بالتسمية ففيها خلافٌ بين العلماء (٢):
١ - من العلماء وهم الشافعية (٣) من قال: لو أنَّ الإنسان ترك التسمية، أي: أرسل الجارح ولم يسمّ، أو السَّهم ولم يسمّ، فإنَّ الصيد يجوز أكله.
٢ - وأما جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، والحنابلة (٤): فقد فرَّقوا بين العمد وبين النسيان، فقالوا: إن تعمَّد ترك التسمية فلا يجوز الأكل من الصَّيْدِ، وإن نسي ذلك فيجوز، وقد أجازوا ذلك في حالة النسيان؛ لأنَّ الرسولَ ﷺ قال: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكْرِهُوا عليه" (٥) وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، إذن هناك فرقٌ بين هذا وهذا.
٣ - وللحنابلة روايةٌ أخرى (٦): لا يجوز الأكلُ من الصَّيد إذا تُركت
стр. 5218
التسمية، لا فرق بين أن يكون تركَها عمدًا أو سهوًا؛ لأنَّ نصوص الكتاب والسنة تدلُّ على وجوب التسمية وتعيُّنها، وأنها لم تفرق بين عمدٍ وبين نسيان، وقد أجابوا عن حديث: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان"، وآية ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فقالوا: المقصود من ذلك إنما هو رفعُ الإثم عن الإنسان، إذا ترك التسمية ناسيًا لا إثم عليه، لكن لو تركها متعمِّدًا يأثم، لأنَّ الإنسان على القول بوجوب التسمية قدَّم بعيرًا فنحره دون أن يسمي، على القول بوجوب التسمية، وبعدم التفريق بين الذكر والنسيان، يهدر هذا اللحم، فهذا من باب قول الرسول: "نهى عن قيلٍ وقال وإضاعة المال" (١)، فهو تسبب في هذه الإضاعة، لكن لو كان ناسيًا لا يلحقه إثمٌ وإن كان هذا الحيوا - ن على قولٍ لا يؤكل منه، لأنَّ النسيان أمرٌ خارجٌ عن إرادة الإنسان، ومن المعلوم أنَّ النسيان والإكراه إنَّما هي من الأمور التي عَفَي عنها في هذه الشريعة، فهي من الأمور التي تندرج تحت قاعدة "المشقة تجلب التيسير" (٢)، إذن ذكرنا شروط الصيد، والعلماء كما ذكرنا عندما يذكرون هذه الشروط ويحددونها إنما القصد والحرص على أن يكونَ كل ما يفعله المسلم في هذه الحياة
стр. 5219
إنما هو حلالٌ، وكل أمرٍ فيه شبهةٌ فإنَّ الإنسان ينبغي أن يبتعد عنه، والرسول ﷺ يقول: "من وقع في الشُّبهات وقع في الحرام" (١)، ويقول ﵊: "دعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبك" (٢)، وليس الأمر خاصًّا بالصيد فقط، فكل أمرٍ من الأمور إذا وجدتَ فيه شبهةً، وتردَّدت بين كونه حلالًا وبين كونه حرامًا، فعليك أن تبتعد عنه، وأن تُغلبَ جانب الحيطة في ذلك، فالله قد أحلَّ لنا الطيبات، وحرَّم علينا الخبائثَ، وأمرنا بالأكل من الطَّيِّبات، ونهانا عن الأكل من المحرَّمات، وهناك أمور نهى عنها الله وأمرنا باجتنابها، وأمورٌ أباحها الله ، وأمرنا بالأكل منها، وهناك أمورٌ عفا الله عنها، فلا ينبغي فيما عفا الله عنه أن نتشدَّد في هذا الأمر وأن نتتبع عنها، فالأمور التي سكت عنها ينبغي أن نسكت عنها، ففي الحديث: "إنَّ الله فرض فرائضَ فلا تُضَيِّعُوها، وحدَّ حُدودًا فلا تعتدُوها، وسكت عن أشياءَ من غير نسيان فلا تَسْألُوا عنها" (٣)، والله تعالى يقول: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
* قوله: (وَمِنَ الْحَيَوَان الْبَرِّيِّ الْحَلَالُ الْأَكْلِ الْغَيْرُ مُسْتَأْنَسٍ).
تعلمون أن الله يقول: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ قيَّدَهُ الله يقوله: ﴿مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] ثم قال : ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢].
إذن طعام البحر كله حلالٌ، لكن هناك خلافٌ بين العلماء في بعض
стр. 5220
المسائل، مثل الضفدع، بعض العلماء يرى أنه يحرم أكلُه (١)، وهناك أيضًا بعض الحيوان ولكن لا يرى أن ذلك مباح الله قد أطلق ذلك: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ ما هو الصيد؟ اختلف العلماء في تعريفه وإن كان كله يلتقي عند أمرٍ واحدٍ، هل صيدُ البحر هو قريب ﴿وَطَعَامُهُ﴾ الشيء الذي يفطر، أو هل صيد البحر ما تأخذه من البحر؟ وطعامه ما طفا (٢)، هذا كله كلام تكلَّم عنه السلف ﵏، لكن الله تعالى قد أباح لنا صيد البحر، فقال : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ أليست هذه نعمةٌ من النعم العظيمة، التي يراها الإنسان في كل أمرٍ حتى
стр. 5221
في نفسه، قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢١ - ٢٢]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٦ - ٨]، فهذا الكون الذي أقيم، هذا الكون الذي يعجُّ بهذه المخلوقاتِ العظيمة تضاءلت (١) أمام هذه المخلوقات كلُّ الأشياء، هذه كلُّها لها خالقٌ واحدٌ، هو الله الذي يجب أن نخلص عبادتنا له ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨]، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]، هذا الكونُ العظيمُ بما فيه من بحارٍ، بما فيه من بَرارِي (٢) وصحاري، من جبالٍ، من مَدَرٍ (٣) وشجرٍ وغير ذلك، هذه كلها نعمٌ من نعم الله ، سخَّرها الله ﷺ لنا، سخر لنا البحر لنركبَه، وسخَّر لنا هذه الأرض لنسير عليها ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر: ٨٢]، كذلك أيضًا جعل الليل والنهار، لنسكن في الليل ولنعمل في النهار، وأمرنا في ذلك كله أن نعبد الله وبين لنا طريق السعادة والخير وأمرنا بأن نسلكه، وبيَّن لنا طريق الشر والغواية (٤) والضلال والفساد وحذَّرنا من سلوكه، وبيَّن لنا مخاطره، وأنَّ من يسلك هذا الطريق إنما مصيره إلى النار، أما الذي يسلك طريق السعادة، الذي قال الله فيه : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، فإذا سلكت هذا الطريق المستقيم الذي ليس فيه عوجٌ ولا انحرافٌ ولا اعوجاجٌ، لا شكَّ أنه سيصل بك إلى جنةٍ عرضها السموات والأرض، التي قال الله عنها: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ
стр. 5222
مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥] وأنت أيها الأخ الكريم وقد أسبغ الله عليك نعمه العظيمة ووفقك لإتمام هذا النسك، وها أنت قد نسيتَ كلَّ شيءٍ في هذه الدنيا، جئت مقبلًا على الله مطيعًا له، خاضعًا، ذَلِيلًا، لا ترجو إلا الله، ولا تخشى إلا الله ولا تخاف غيره، وها أنت عدت بهذه النعمة، نسأل الله - تعالى - أن تكون ممن ابيضت صحائفُهم وأشرقت واستنارت حروف بنور الإيمان، فاحفظ هذه الوديعة العظيمة، هذه التركة الكبيرة، هذه الثمار العظيمة، علَّك أن تلقى الله بقلبٍ سليمٍ، إنها التجارة الرابحة إنه الكنز العظيم الذي لا ينفد ولا يفنى، فلنستفد من ذلك أيها الإخوة.
* قوله: (وَمِنَ الحَيَوَان الْبَرِّيِّ الْحَلَالُ الأكْلِ الْغَيْرُ مُسْتَأْنَسٍ).
كذلك نجد أنَّ الله أحلَّ لنا كل الطيبات، وما حرَّمه علينا إنما هو قليل بالنسبة لما أباحه الله ، فأباح لنا الأنعام بجميع أنواعها، من الإبل والبقر والغنم، وانظروا إلى كثرتها مهما أكل الناس منها ومهما أفنوْا ومهما أهَدْوا ومهما باعُوا ومهما اشتروا، فهي باقيةٌ منتشرةٌ بحمد الله، هناك أيضًا ما أعطانا الله من النِّعَم في هذا البحر من حيوانٍ وغيره، حتى أصبح المسلمون الآن يستفيدون من ماء البحر في تحلِيَتِهِ، أليست هذه نعمةً من نعم الله ، نستخرج منه لحمًا طريًّا، هذه السفن التي تَعُبُّ هذا البحر، التي تخترق هذه البحار، هذه الطائرات التي ترون أنها تسبح في الفضاء، هذه السيارات التي نمتطيها ونقطع بها المسافات في أوقاتٍ يسيرة نتجاوز بها السهل والوعر، أليست هذه من نعم الله علينا، هذه الصحة التي نَرْفَلُ بها ونتنعَّمُ بها، أليست من نِعَمِ الله ، أليست أعظم نعمةٍ من نِعَمِ الله أن هدانا للإسلام، أليسب الدين الحق إنما هو هذا الدين، الذي قال الله فيه: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨].
إذن ينبغي أيها الإخوة أن نستفيد من هذه المراحل التي مررنا بها وأن نجعلها دائمًا نصب أعيننا، وألا نرجع على أعقابنا وقد هدانا الله سبحانه وتعالى
стр. 5223
وبخاصة ما يتعلَّق بأمور عقيدتنا، ربما بعضنا زلَّت أقدامه، فارتكب بعض الأمور، من الشركيات، من دعوة غير الله، من الذَّبح لغير الله، من رجاء غير الله، من الاستغاثة بغير الله، وكل ذلك من الشرك الأكبر الذي من فعله فإنه يكون قد ارتكب الشرك الأكبر، قال ﷺ : "لعنَ اللهُ من ذبحَ لغيرِ اللَّهِ " ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ [يونس: ١٠٦]، والله - تعالى - يقول: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾ [البقرة: ١٨٦]، فينبغي أن نخلص أعمالنا لله ، ولنحذر أن يكون إخلاصنا لأعمالنا عندما نتلبس بنُسُكٍ، بأن نكون في وقت الحجِّ أو في وقت الصيام أو في وقت الصلاة، لا؛ ينبغي أن تكون هذه العباداتُ منعكسةً أيضًا على أعمالنا الأخرى، في بيعنا في شرائنا في سيرنا في حركاتنا في تعاملنا مع الآخرين في أخلاقنا مع الناس، في علاقاتنا بإخواننا المسلمين، في علاقتنا بجيراننا، بكل فردٍ من أفراد هذه الأمة، ينبغي أن نتقيَ الله في ذلك، أُذَكِّرُكم بحديث رسولِنا ﷺ "اتَّق الله حيثُما كُنْتَ" في أي مكانٍ كنت، وفي أي زمانٍ كنت، وفي أي وقتٍ كنت، وفي أي بلدٍ حللت "اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها" (١)، لو وَقَعْتَ في سيئةٍ من السيئات أو في خطأ، فبادر إلى فعل الحَسنات، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] "اتق الله حيثُما كنت، وأتبعِ السَّيئةَ الحسنَةَ تمحُها، وخالق الناس بخُلُقٍ حسنٍ"، فهل نحن - أيها الإخوة - طبَّقنا حديث رسول الله ﷺ ؟
* قول: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا اسْتَوْحَشَ مِنَ الْحَيَوَان الْمُسْتَأْنَسِ) (٢).
стр. 5224
تعلمون الحيوان يقسمه العلماء إلى قسمين: حيوانٌ إنسي (١) وهو الذي يعيش معنا كبهيمة الأنعام، وحيوانات متوحشة (٢)، كالحُمُر الوحشية، وكذلك البقر الوحشي، والغِزْلان، والظِّباء، وغير ذلك، وهي كثيرة جدًّا، هذه هي المتوحشة، الآن المؤلِّف سيعرضُ لمسألةٍ هامَّةٍ جدًّا فيما لو توحش حيوانٌ إنسيّ كيف نعامله؟ أيجوز لنا أن نعاملَه معاملة الحيوان الوحشي التي تكون ذكاته بالعقر (٣)؟ أم لا بدَّ من أن يظلَّ الحكمُ السابق بالنسبة له ألا وهو الذبح أو النحر؟ أما النحر فيكون باللبد (٤)، أو الذبح الذي بيَّنا مراحله وينبغي أن يفري الودجين.
* قوله: (فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَى أَخْذِهِ وَلَا ذَبْحِهِ أَوْ نَحْرِهِ، فَقَالَ مَالِكٌ (٥): لَا يُؤْكَلُ إِلَّا أَنْ يُنْحَرَ).
مالكٌ ﵀ بقي على الأصل، ولعله لم يبلغه حديث أبي ثعلبة الخشني (٦) الذي سيعرض له المؤلف في هذا المقال، فهناك حديثٌ ورد
стр. 5225
في هذه المقام وهو نصٌّ فيه، وهو حديث في الصحيحين، ولا يتطلب الأمر أن يكون محلَّ خلاف، وربما كان للإمام مالكٍ وجهة نظرٍ في ذلك، أو أنَّ الحديث لم يبلغه، فأي عالمٍ من العلماء مهما عَلَتْ منزلته وارتفعت مكانتُه وبلغ الدرجات العليا من العلم والفضل، فإنه لا يمكن أن يحيط بكلِّ شيء، والإمام مالك ﵀ كغيره من الأئمة، كثيرًا ما سُئل عن مسائلَ فأجاب بأنه لا يدري (١)، وهذا هو شأن طلاب العلم العاملين الذين يريدون الوصول إلى الحقِّ من أقرب طريقٍ ومن أهدى سبيل.
* قوله: (مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَاتُهُ النَّحْرُ).
يعني: لو فرَّ مثلًا بعيرٌ أو ثورٌ من الثيران، وأصبَحَ متَوَحِّشًا، فتلبَّس بصفات الحيوانات الوحشية، هل نعقِرُه بمعنى: نضربه بسهم أو برمح أو بغير ذلك، فإذا ما ألقي قتيلًا حينئذٍ يكون مباحًا، أو لا بدَّ من أَصل التذكية المعروفة التي هي ذبحٌ أو نحر.
* قوله: (وَيُذْبَحَ مَا ذَكَاتُهُ الذَّبْح، أَوْ يُفعَلَ بِهِ أَحَدُهُمَا إِنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ الأمْرَانِ جَمِيعًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة (٢)،
стр. 5226
وَالشَّافِعِيُّ (١): إِذَا لَمْ يُقْدَرُ عَلَى ذَكاةِ الْبَعِيرِ).
وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد (٢)، جماهير العلماء عمومًا.
* قوله: (الشَّارِدِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ كَالصَّيْدِ).
يقصد أنه يعقر، يعني: يوجه إليه سهمٌ فإذا أصابه فقتله فإنه يؤكل على هذه الحالة وهو مباحُ الأكل، وإن أدركنا ذكاته وهو حيٌّ فإنه حينئذٍ يُذَكَّى، لكنه أصبح بمثابة الوحشي، لا نستطيع أن نمسك به، ولا أن نوقِفَه عند حدٍّ، وهذا قد حصل في وقت رسول الله ﷺ .
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ الأصْلِ فِي ذَلِكَ لِلْخَبَرِ).
معارضةُ الأصل للخبر: الأصل الذي هو القياس، أي: الثابت أنَّ الأصل في الحيوان الإنسي أن تكون ذكاته بالذبح أو النحر ولا يجوز بغير ذلك، من بهيمة الأنعام، أما الوحشيُّ فإنه تتم ذكاته وجواز الأكل منه بعَقْرِهِ، هذا هو الأصل، الأصل في الحيوان الإنسي أي: الذي يعيش مع
стр. 5227
الناس، هذا ذكاته إنما تكون بالذبح أو النحر، أما المتوحِّش فتكون بالعَقْر، هذا هو الأصل.
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ الأصْلَ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ أَنَّ الْحَيَوَانَ الْإِنْسِيَّ لَا يُؤْكَلُ إِلَّا بِالذَّبْحِ أَوِ النَّحْرِ).
الأصل في الحيوان الإنسيِّ إما أن يذبحَ كالشاة مثلًا، أو أن ينحرَ كالإبل، أو أن يفعل به أحد الأمرين كالبقر، ولو عكس ذلك في أيِّ واحدٍ منها لجاز.
* قوله: (وَأَنَّ الْوَحْشِيَّ يُؤْكَلُ بِالْعَقْرِ).
ولكن عرفنا الشروط التي يؤكل بها الوحشي، وقد ذكرنا تلكم الشروط وسنعود إليها مرةً أخرى.
* قوله: (وَأَمَّا الْخَبَرُ الْمُعَارِضُ لِهَذه الْأُصُولِ فَحَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁).
الخبر هو الحديث الذي ثبت عن رسول الله ﷺ ، وجاء في الصحيحين (١) أي: في صحيح البخاري ومسلم وفي غيرهما، وقد أورد المؤلِّف طرفًا منه ولم يذكر الحديث بتمامه وهو طويلٌ، وقصة هذا الحديث.
стр. 5228
حديث رافع بن خديج قال: "كنا مع رسول الله ﷺ بذي الحليفة (١) - والذي يعرف الآن بأبيار علي، وهو الذي يحرم منه الحاجون والمعتمرون - فأصاب الناس جوعٌ" انظروا إلى زمن رسول الله ﷺ ، وإلى كيف تبدلت الحال التي نحن علينا، قال: "فأصبنا إبلًا وغنمًا، وكان الرسول ﷺ في متأخَّرِ القَوْمِ" الرسول ﷺ لا يحرص أن يكون في أوائل الناس، يسابقهم، وإنما يبقى ﵊ في مثل ذلك المقام يرْعَى أحوالهم، وكان الرسول ﷺ في المتأخرين: يعني ممن كانوا في مؤخرة القوم، قال: "فعَجلوا" أي: فعجل الناس فنصبوا قدورهم؛ لأنهم في مجاعةٍ، وجدوا هذه الإبل وهذه البقر، فاستبشروا بذلك، فما كان منهم إلا أن نصبوا قدورهم، فلما وصل رسول الله ﷺ أمر بالقدور فأكفئت، ثم إنه ﵊ "قسم فجعل كل عشرٍ من الشياه بمثابة بدنةٍ واحدةٍ"، هذه كلها مقدمة مهمة لم يعرضها المؤلف، لكن المؤلف جاء بالشاهد: "فند بعيز" يعني: شرد هذا البعير، هام على وجهه، سعى وانطلق مسرعًا في الأرض "ولم يكن في القوم إلا خيلٌ يسيرة فأعياهم ذلك البعير" الذي ند، الذي شرد وفرَّ، فما كان من أحد الصحابة ﵁ إلا أنْ أصابه بسهمٍ "فحبسه الله" ، فقال رسول الله ﷺ : "إن لهذه البهائم أَوابِدَ (٢) كأوابدِ الوَحْشِ، فما فعل ذلك أو فما غلبكم منها فاصنَعُوا به هكذا" إذن هذا نصٌّ جاء في الصحيحين وفي غيرهما عن رسول الله ﷺ : "أن بعيرًا ندَّ" أي: شرَدَ، هام على وجهه مسرعًا ولم يتمكن القوم من القبض عليه لينحروه، فما كان من أحدهم إلا أنْ أرسلَ عليه سهمه، فأصابه، جاء في الحديث: "فحبَسَهُ الله" (٣) لأن ذلك كله بقضاء الله، فلما حبس أراد
стр. 5229
الرسول ﷺ كعادته أن يبيِّن للصحابة ذلك الحكم وأن يحدده لهم فقال: "إنَّ لهذه البهائم أوابد" أي: أنها تأبَّدَتْ كما تأبد الحيوان الوحشي، فإنه عندما شرد هذا البعير أصبح بمثابة الحيوان الوحشيِّ - الذي إذا رأى الإنسان فرَّ مسرعًا منطلقًا مبتعدًا عنه: "أوابد كأوابد الوحش"، ثم بيَّن الرسول ﷺ ، مقرِّرًا عمل ذلك الصحابي فكان حكمًا مستقرًّا "فما غالبكم منها فاصنعوا به هكذا"، إذن الرسول ﷺ أعطَى الحكم، وأنتم تعلمون أنَّ سنَّة الرسول ﷺ إما أقوالٌ عنه ﵊ وإما أفعالٌ منه ﵊، وإما إقرارٌ أن يرى إنسانًا يعمل عمَلًا فيُقِرَّه عليه، إذًا هذه سنة رسول الله ﷺ ، ولا ينبغي أن يحدثَ خلاف فيها، ومن خالف ذلك فيعتذر عنه بأنه ربَّما لم يبلغه هذا الحديث، ثم إننا لو جئنا إلى القياس، لوجدنا أنَّ القياس أيضًا يؤيد جمهور العلماء، لماذا كان الحيوان الإنسي يذبح وينحر؟ لأننا نستطيع أن نمسك به وأن نفعل ذلك، ولماذا كانت ذكاة الحيوان الوحشي العقر؟ لأننا لا نستطيع الإمساك به، فلو أمسكنا به لفعلنا به كما نفعل بالحيوان الإنسي، إذن هنا ما دام الحيوان الوحشي لو أمسكنا به فإننا نذبحه كذلك أيضًا الحيوان الإنسي لو توحش ولم نستطع أن نمسك به فإنه في هذه الحالة إنما يعقر كما فعل الصحابي ﵁ وبمرأى من رسول الله ﷺ مقرًّا لذلك.
ثم هناك شواهدُ حصلت تؤيد ذلك في زمان الصحابة:
١ - فإنه حصل أن ثَوْرًا من الثِّيران في أحد بيوت الأنصار كما ورد في الأثر حرب، يعني: غضب، وثار، فعجز الناس عنه، فما كان من أحد القوم إلا أنْ ضربه بسيفه فقتله، فاستَفْتَوا في ذلك الصحابي الجليل رابع الخلفاء الأربعة، علي بن أبي طالبٍ ﵁ فأقرَّهم على أكله (١)، وأنتم
стр. 5230
تعلمون أن الرسول ﷺ قد قال في شأن علي: "أقضاكم علي" (١) إذن قضى في ذلك.
٢ - وأيضا حصل أنَّ بعيرًا تردى في بئرٍ فلم يستطيعوا النزول إليه، ولم يستطيعوا أيضًا نحره، فما كان من أحدهم إلا أن رماه بسهم في شاكلته فقتله، فبيع بعشرين درهمًا بعدما استخرج، فاشترى عُشْرَه عبد الله بن عمر بن الخطاب، اشترى ذلك بدرهمين (٢)، ومن المعلوم أنَّ عبد الله بن عمر من أشد الصحابة وأكثرهم احتياطًا في هذا الموضوع.
إذن دلَّ هذا على أنَّ هذا أصل ثابتٌ بسنَّةِ رسول الله ﷺ ، والله - تعالى - يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، والرد إلى الله إنما هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ إنما هو إليه في زمن حياته، وبعد مماته يكون الرد إلى سنَّتِه ﵊ (٣).
* قوله: (وَفِيهِ قَالَ: "فَنَدَّ (٤) مِنْهَا بَعِيرٌ، وَكَانَ فِي الْقَوْمِ خَيْلٌ
стр. 5231
يَسِيرَةٌ، فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَجُلٌ بِسَهْمٍ، فَحَبَسَهُ الله - تعالى - بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﵊: "إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا") (١).
أوابد: يعني أنها تأبدت أي: أنها توحشَّت فصارت الوحشيةُ صفةً فيها، فالحيوان الإنسي لو أنه ابتعد عن الناس واختلط بتلك الحيوانات فإنه يتوحَّش.
* قوله: (وَالْقَوْلُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَوْلَى لِصِحَّتِهِ).
المؤلف مع أنه مالكي كما ترون، ومع هذا لم يؤيد مذهبه؛ لأنه رأى الحق مع غيره، وهذا هو شأن كل مؤمنٍ منصفٍ أنه إذا رأى الحق يأخذ به ويدع قول غيره؛ لأن هذا هو منهج الأئمة ﵃ جميعًا، إذا صحَّ حديث رسول الله ﷺ فإنهم يأخذون به ولا ينظرون إلى قول قائلٍ مهما كان، إذا جاء الأمر عن الله فعلى العين والرأس، وإذا جاء عن الرسول ﷺ فكذلك، وإذا أجمع الصحابة على أمرٍ أخذنا به ولا نتردد، وإن اختلفوا ينظر في أقوالهم فما بالكم إذا كان الخلاف فيمن بعدهم.
* قوله: (لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ ذَلِكَ الأصْلِ، مَعَ أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ جَارٍ مَجْرَى الْأَصْلِ فِي هَذَا الْبَابِ).
يعني المؤلِّف يقول: لا يمكن أن نأتيَ فنخصص حديثًا متفَّقًا عليه بل رواه أيضًا غير أصحاب الصحيحين بقياسٍ، هذا أمرٌ غير صحيح، بل العكس هناك قياسٌ يؤيد ذلك وهو الذي ذكرته لكم.
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي كَوْنِ الْعَقْرِ ذَكَاةً فِي بَعْضِ الْحَيَوَانِ
стр. 5232
لَيْسَ شَيْئًا أَكْثَرَ مِنْ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، لَا لِأَنَّهُ وَحْشِيٌّ فَقَطْ، فَإِذَا وُجِدَ هَذَا الْمَعْنَى مِنَ الْإِنْسِيِّ جَازَ أَنْ تَكُونَ ذَكَاتُهُ ذَكَاةَ الْوَحْشِيِّ).
أنا وضحت لكم ذلك بصفة أقرب وأيسر وأكثر لو أنَّ حيوانًا وحشيًّا استأنس فإننا نعامله معاملة الحيوان الإنسي ذبحًا أو نحرًا، ولو أن حيوانًا، إذن يلزم من ذلك أنه لو توحش حيوان إنسي، نعامله معاملة الوحشي، فنحن ننقض هذا القياس بقياسٍ آخر.
* قوله: (فيَتَّفِقُ الْقِيَاسُ وَالسَّمَاعُ).
ولذلك قال بعض العلماء المحققين: إنه لا يمكن أن نجد قياسًا صحيحًا صريحًا معارضًا لنصٍّ صحيحٍ (١)، الأقيسة الصحيحة دائمًا تلتقي مع النصوص ولا تعارضها، لأنَّ القياس الصحيح ينبغي أن يكونَ موافقًا للفطرة السليمةِ، وللعقول السلمية، إذن هو لا يتعارض مع النصوص؛ لأن الذي جاءت عن طريقه هذه النصوص إنما هو علام الغيوب، قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤] فليست هذه الشريعة قوانين من أفكار البشر، من زُبَدِ أفكارهم، يضعون هذه الأصول يومًا ثم يُغَيِّرُون ويبدلون، وهناك عوامل كثيرة قد تكون سببًا في الزيادة أو الحذف أو التغيير أو التبديل، لكنْ هذه شريعةٌ خالدٌ، والله قال في غيرها: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠].
قال المصنف رحمه الله تعالى:
стр. 5233
[الْبَابُ الثَّانِي فِيمَا يَكُونُ بِهِ الصَّيْدُ]
* قوله: (وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ آيَتَانِ وَحَدِيثَانِ: الْآيَةُ الْأُولَى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]).
نقف عند الآية الأولى، من المعلوم أنَّ الله عندما خلق الخلق هو ليس بحاجة إليهم، فنحن عباد الله، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. إذن الله خلقنا لماذا؟ ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] أي: ليختبرنا، هذه الآية الأولى التي معنا، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: ٩٤] العلماء تكلموا عن ذلك وبيَّنوا أنَّ ذلك إنما هي صغار الحيوانات أو ضعافها التي لا تستطيع أن تفرَّ على الإنسان، الإنسان قد يَرضاها، وقد حصل ذلك كثيرًا في عمرة الحديبية، ومع ذلك نُهِيَ المسلمون، هذا اختبار من الله وابتلاء، الله قد يختبر المؤمن ببعض الأمور، فإن كان المؤمن وقَّافًا عند حدود الله، فالله سيجزيه الجزاء الأوفى، أما إذا تعدى المؤمن هذه الحدود وتجاوزها، فإنه بلا شك يعتبر معتد ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ﴾ ليختبرنكم الله ، ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾، إذن أنت تتناوله باليد لكنك متلبس بالإحرام، أو أنت في الحرم فلا يجوز لك أن تُنَفِّرَ صيدًا (١) ولا أن تعتدي عليه، إذن أنت ممنوع من ذلك، هنا يتبين المؤمن من غيره، هذا حد ضابطٌ وضعه الله لك، نهاك أن تقترف
стр. 5234
هذا العمل وأن تقترب منه، فأنت إذا وقَفْتَ عند هذا الأمر تكون بذلك قد التَزَمْتَ أوامر الله واجتنبتَ نواهِيَه، وبذلك تكون قد سعدت في الدنيا وفزت في الآخرة، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: ٩٤]، إذن الذي يمنعك من أن تأكل هذا الصيد وأن تعتدي عليه وأن تأخذه وقد تكون بحاجة إليه، إنما هي مخافة اللَّهِ ، وخشيتُهُ ، ولذلك نجد أن الله - تعالى - يقول عن رُسُلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا الله﴾ [الأحزاب: ٣٩]. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ١ - ٤]، إذن خشية الله وخوفه هي التي تمنع الإنسان من أن يقع في مثل هذا كما قال الله تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٤]، إذن هذه هي الآية الأولى.
* قوله: (وَالثَّانِيَةُ قوله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ (١) وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] الْآيَةَ).
إذن هذه الآية الأخرى جاءت لتبين الاستثناء: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾ [المائدة: ٤] فكثيرٌ من آياتِ الأحكام تُختَتَمُ بِالتخويف من أن يُرتكب ذلك العمل المنهي عنه، فقال : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: اجعلوا بينكم وبين
стр. 5235
عذاب الله وقاية؛ وتعليل ذلك قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، ثم قال بعدها: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، إذن إذا منعنا الله من أمرٍ فقد يسَّر لنا أمورًا كثيرةً، وهئأَ لنا سُبُلًا متعددةً، إذن هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ أي: جميع الطيبات ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ الجوارح (١): جمع جارحة، وأصل الجارح إنما هو الكاسب، ولذلك يقال: فلانٌ جارحة أهله أي: هو الذي يأتي بالمعيشة لهم، يؤيد ذلك قول الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أي: ويعلم ما كسبتم بالنهار، وقوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ أي: من التكليب وهو الإغراء، أي: أنكم أغريتم هذه الجوارح.
إذن الله أباحَ لنا الصيد بعد أن مَنَعَه، فقال : ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة؛ ١]، ثم بعد ذلك أباحه في آيةٍ ليست ببعيدة من ذلك، فقال - سبحانه -: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، أيضًا هنا مي ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] يعني: تُسمِّ الله إذا أرسلت سهمًا أو كَلْبًا أو صقرًا أو فهدًا أو غير ذلك من الأمور التي يُصاد بها.
* قوله: (وَأَمَّا الْحَدِيثَانِ فَأَحَدُهُمَا حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ).
مراد المؤلف أنَّ الصيد ثَبَتَ بالكتاب وبالسنة.
* قوله: (وَفِيهِ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ لَهُ: "إِذَا أَرْسَلْتَ كِلَابَكَ الْمُعَلَّمَةَ) (٢).
стр. 5236
وفي بعض الروايات: "إذا أرسلت كلَبْكَ المعلَّم" (١) بالإفراد، وفي بعضها: "إذا أرْسَلْتَ كِلابك المعلَّمة"، وقد تكلمنا عن التعليم، وأنه يتم بثلاثة أمورٍ:
١ - إذا أرسلته استَرْسَلَ: يعني إذا ونجهته إلى صيد انطلق وراءه.
٢ - وإذا زجرته: أي: منعته عنه امتنع.
٣ - وإذا صاد لا يأكل.
وسيأتي الكلام فيما صاده، وإذا أكل لا يأكل منه، جمهور العلماء (٢) خصوا ذلك بالجوارح، أي: خصُّوا ذلك بالكلب، أما ما عداه فقالوا: لو أكَلَ فإنَّك تأكل -، لأن الكلب إذا زُجر ينزجر، فتستطيع أن تضربه وأن تمنعه، لكن لا يحصل ذلك بالنسبة لغيره، فاختلف من هذه الناحية.
* قوله: (وَذَكَرْتَ اسْمَ الله عَلَيْهَا، فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ).
إذا أرسلت كلبك المعلم، هنا الشروط المؤلف سينبه عليها، أمَّا الشروط التي نأخذها نحن من الآية والأحاديث فهي: الشرط الأول: "إذا أرسلت" أرسلت الكلب، لا أنه ذهب بنفسه. الشرط الثاني: "كلبك المعلَّم" أي: الذي عَلَّمته. الشرط الثالث: "وذكرت اسم الله عليه". الشرط الرابع: "فكل" إذن ما لم يأكل، وسيأتي في آخر الحديث معنى ذلك أنه إذا أكل فلا تأكل.
стр. 5237
* قوله: (وَإِنْ أَكَلَ الْكَلْبُ فَلَا تَأْكلْ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ).
إذا أكل الكلب فلا تأكل لأنك لا تضمن أنَّ الكلب عندما صادَ هذا الصيدَ، إنَّما كان يتضور من الجوع فقصد ذلك لنفسه لا لصاحبه، وبناءً عليه لا تأكل منه: "دع ما يَرِيبُك إلى ما لا يَريبُكَ" (١).
* قوله: (وَإِنْ خَالَطَهَا كِلَابٌ غَيْرُهَا فَلَا تَأْكلْ فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ").
فهذا الكلب الذي أرسلته، يوجد آخرون يصيدُونَ كما تصيد، وربما أنهم وجهوا كلابهم أو سهامهم إلى هذا الحيوان الوحشي أو إلى هذا الطير، فإذا ما صيد فالرسولُ ﷺ قال: "لا تأكل"؛ لأنك سمَّيْت على كلبك ولم تسمِّ على غيره، وربما أنَّ الذي صاده غير كلبك لم يسمَّ عليه، وأنت إنما سمَّيت عندما أرسلت كلبك المعلم.
* قوله: (وَسَأَلَهُ عَنِ الْمِعْرَاضِ (٢) فَقَالَ: "إِذَا أَصابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ (٣)) (٤).
المعراض: هو عودٌ طرفه محدَّدٌ، أي: حدٌّ يسنَّن، وبعضهم: يضع
стр. 5238
في آخره حديدة، أي: يلبسه بحديدةٍ فيقذف به الصيد، فإذا أصابه بحده يعتبر عقره، فيحل لك أن تأكل منه، لكن لو ضربَه بعرضه يعتبر ذلك إنما هو ضربٌ بثقله، لأنه لما جاء عرضه جاءت الضربة فأصابته، فكأنه مات من الصدمة فيصبح موقوذًا، والمسألة فيها خلافٌ كما سيأتي.
* قوله: (وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ أَصْلٌ فِي أكْثَرِ مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ).
والله - تعالى - قال في سورة المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَة﴾ [المائدة: ٣]، والموقوذة (١): هي التي تضرب بشيءٍ مثقل كحجرٍ كبيرٍ، أو أنْ تضرب بعرْضِ المعراض أو بخشبةٍ أو نحوها، فإنها تقتلها بثِقَلِها لا بجرحها، وأكثر العلماء يشترطون أن يكون الصائد جارحًا (٢).
* قوله: (وَالْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ، وَفِيهِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : "مَا أَصَبْتَ بِقَوْسِكَ فَسَمِّ اللهَ ثُمَّ كُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، وَأَدْرَكتَ ذَكَاتَه، فَكُلْ") (٣).
стр. 5239
معنى هذا: أنَّ المؤلف لم يستوعب الأحاديث ولم يأت بجَمِيعها، وكان الأولى أن يأتيَ بجمِيعها؛ لأنَّ الحديث كلَّه يشتمل على أحكام، حديث أبو ثعلبة الخشني، قال: أتيتُ إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله - وأنتم تعلمون حِرْص الصحابة ﵃ على معرفة الحلال من الحَرام، والتوقي فيما فيه شبهة - إنا بأرض قومٍ أهل كتاب، وبأرض صيدٍ، أصيد بقَوْسي، وأصيد بكلبِيَ المعلَّم، أو بكلبي غير المعلَّم، فإذا يحلُّ لي وما يحرم (١)؟ فأجابه رسول الله ﷺ البشير النذير الحريص، الذي قد أوتي جَوامع الكلم (٢)، وهذا مما خصه الله به "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحدٌ من الأنبياء قبلي: وذَكَر منها ﵊: أنه أُوتِيَ جوامع الكلم" (٣)، وهو: أن يتكلم بكلام قليل الألفاظ يحمل المعاني الكثيرة، وأصحابه ﵃ تأثروا برسول الله لأنهم ترَبَّوا في مدرسته، وأخذوا العلم والوحي من فيه ﵊، فكانوا قدوةً بعد رسول الله ﷺ لأنَّ قُدوتهم في ذلك هو رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ للصحابي: "أما ما ذَكَرْتَ بأنكم بأرض أهل كتاب وأنكم تأكلون بآنيتهم" قال ﷺ : "لا تأكُلوا في آنِيَتِهم إلَّا ألَّا تجدوا غيرَها، فإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها، وإذا أرسلت قوسك وذكرت اسم الله فكُلْ، وإذا
стр. 5240
أرسلت كلبك المعلَّم وذكرت اسم الله فكُلْ، وإذا أرسلت كلبك غيرَ المعلَّم فإن أدركته فذكيته فكُلْ"، إذن الحكم مختلف ما دام أنك بأرض كتاب لا تأكل بآنيتهم وأنت تجد غيرها، فإن لم تجد فاغسلها، ثم بعد ذلك بيَّن أنه إذا أرسل قوسهُ وسمَّى، أو كلبه المعلم وسمى فإنه يأكل، أما إن أرسل كلبًا معلمًا غير مسمى عليه، أو غير معلم ولم يسم فلا يجوز له أن يأكل إلا أن يلحق ذلك الذي صاده الكلب فيذكيه، حينئذٍ يجوز له أن يأكل منه.
* قوله: (وَهَذَانَ الْحَدِيثَانِ اتَّفَقَ أَهْلُ الصَّحِيحِ عَلَى إِخْرَاجِهِمَا).
أي: اتفق على إخراجهما البخاري ومسلم.
*قوله: (وَالْآلَاتُ الَّتِي يُصَادُ بِهَا مِنْهَا مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ بِالْجُمْلَةِ، وَمِنْهَا مَا اخْتَلَفُوا فِيهَا وَفِي صِفَاتِهَا).
ما الآلات التي يصاد بها؟ وجدنا أنه نص على الجوارح، فقال : ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]، ذهب بعضهم إلى أنَّ كلمة مكلبين (١) المقصود بها الكلاب وحدها، وذهب بعضهم: أنه من التَّكْلِيب وهو الإغراء فتشمل الكلب وغيره، وجاءت أحاديثُ تدل على شمول ذلك. أيضًا الله - تعالى - يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، جاء التنصيص في الآية على الرماح، ويلحق بها السهام، وكذلك البنادق (٢) التي حدثت بعد ذلك (٣)،
وقد جدَّت أسلحةٌ كثيرةٌ لم تكن معروفةً فيما مضى، ولكن عندنا قاعدة عامة: "أن هذا السَّهْم إذا أرسلته بأي طريقةٍ، وذكرتَ اسم الله عليه فإذا جرحه فإنك تأكل، فإذا لم يكن موقوذةً فكل منه، أما إذا وَقَذَهُ لك، فلا يجوز لك أن تأكل منه إلا أن تُدركه فتذبحه".
* قوله: (وَهِيَ ثَلَاثٌ: حَيَوَانٌ جَارحٌ، وَمُحَدَّدٌ، وَمُثَقَّلٌ).
الذي يصاد به لا يخلو من واحدٍ من أمورٍ ثلاثة:
١ - إما حيوان: كالكلاب والفهود.
٢ - أو طير: كالصقر والبازي.
٣ - أو آلة: كالسهام وكالرماح وكالبنادق، أو مثقل كالمعراض، وأحيانًا يكون سهمًا أو بمثابة السهم، أو حجرًا كبيرًا تلقيه، أو خشبة أو غيرها، هذه هي الأمور الثلاثة، أما الآلات المحددة فلا خلاف فيها، والكلب أيضًا لا خلافَ فيه، لكن الخلاف إذا قيل للجوارح، وفيما كان مثقلًا.
* قوله: (فَأَمَّا الْمُحَدَّدُ (١) فَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ كَالرِّمَاحِ وَالسُّيُوفِ وَالسِّهَامِ؛ لِلنَّصِّ عَلَيْهَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَكَذَلِكَ بِمَا جَرَى مَجْرَاهَا).
стр. 5243
لأنه جاء في السنة النص على القوس، وكذلك على المعراض (١)، وجاء في الكتاب الرماح، إذن يلحق بها ما هو مثلها، أو ما هو أشد منها فتكًا.
* قوله: (مِمَّا يَعْقِر، مَا عَدَا الْأَشْيَاءَ الَّتِي اخْتَلَفُوا فِي عَمَلِهَا فِي ذَكَاةِ الْحَيَوَانِ الْإِنْسِيِّ، وَهِيَ: السِّنُّ وَالظُّفْرُ وَالْعَظْمُ (٢)، وَقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلَافُهُمْ فِي ذَلِكَ، فَلَا مَعْنَى لإِعَادَتِهِ).
стр. 5244
في حديث رافع، قال: قلنا: يا رسول الله، إنا لاقُو العدو غدًا وليس معنا مُدًى أفنذبح بالقصب فقال رسول الله ﷺ : "ما أنهر الدَّمَ وذُكِرَ اسمُ الله فكُلْ، ما خلا السِّنَّ والظُّفُر، وسأخبرك عن ذلك، أما السِّنُّ فعظم، وأما الظفر فمُدَى الحبشة" (١)، هذه مسألة في أحكام الذبائح، والأولى عدم الذبح بها؛ لأن الرسول ﷺ نهى عن ذلك، ولكن لو وُجِدَ حَجَرٌ محدد، يعني: قد تأخذ قطعة حَجَرٍ وتحدها فتصير كالسِّكِّين، فهذه يجوز لك أن تذبح بها، وفي قصة الجاريةِ (٢) التي كانت ترعى غَنمًا
стр. 5245
فوجدت أن شاةً كاد أن يدركها الموت فقامت فقطعت حَجَرًا وسنته ثم ذبَحتها، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "كلوا إن شئتم" فالشاهد هنا أن الرسول ﷺ قال له: "ما أَنْهَرَ الدَّمَ وذُكلرَ اسمُ الله عليه" فهذه قاعدة عامة وأصل ثابتٌ مستقر، فإذا وجدت ما يفري الأوداج (١) والبلعوم ويقطع، القصد أن يسيل الدم سواء كانت حديدة من الحديد أو من نحاس، أو حتى من فضة أو من ذهب أو من غير ذلك: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل"، وهنا سؤال هل يجوز للإنسان أن يذبح بسِنٍّ؟ والجواب: بعض العلماء أجاز ذلك، وقال: ما لم يكن متصلًا، فإن كان متصلًا فلا، وبعضهم: منع ذلك للحديث، وكذلك الظُفر بعضهم: منعه وبعضهم: أجازه، وكذلك العظم، لكن الأولى أن الإنسان يتجنب ذلك، لكن لو وجدت صيدًا وليس معك سكين لكي تذبحه فإذا تفعل؟ ولو معك كلب أو فهد، هل تدفعه عليه ليجرَحَه ويمزِّق شيئًا منه، ثم بعد ذلك تأكله؟ والجواب: بعض العلماء قال: لا ينبغي ذلك؛ لأنه لا تقبله النفس، وبعضهم: أجاز ذلك، والمسألة فيها خلاف (٢).
* قوله: (وَأَمَّا الْمُثَقَّلُ فَاخْتَلَفُوا فِي الصَّيْدِ بِهِ، مِثْلَ الصَّيْدِ بِالْمِعْرَاضِ وَالْحَجَرِ، فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ لَمْ يجِزْ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا أُدْرِكَتْ ذَكاتُه، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ (٣)، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا قَتَلَهُ الْمِعْرَاضُ أَوِ الْحَجَرُ بِثِقَلِهِ أَوْ بِحَدِّهِ).
стр. 5246
أي: من العلماء مَن لم يجز من ذلك إلا ما أُدركت ذكاته، وهذا نقل عن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر (١) ﵁ وعن التابعي الحسن البصري (٢) رحمة الله عليه، ومنهم من أجازه مطلقًا وهم كثير من علماء الشام، كمكحول (٣) والأوزاعي (٤)، ومنهم من فرق كالأئمة الأربعة وأتباعهم (٥)، وهذا هو القول الراجح الذي تلتقي عنده الأدلة؛ لأن هذا جاء نصًّا عن رسول الله ﷺ ما أصابه المعراض بحده قال: "إن أصابه بحده فكُلْ، وإن أصابه بعرضه فلا تأكل" (٦)، لأنه موقوذ، فهذا جاء فيه نص فلا يُختلف فيه.
* قوله: (إِذَا خَرَقَ جَسَدَ الصَّيْدِ فَأَجَازَهُ إِذَا خَرَقَ، وَلَمْ يُجِزْهُ إِذَا لَم يَخْرِقْ).
يعني: لو أن إنسانًا أخذ حَجَرًا مستطيلًا، ثم سَنَّهُ سنًّا وجعل رأسه محددًا، ثم رمى به صيدًا فجرحه فقتله، فهذا يعتبر مسنَّنٌ، لكن لو أخذت حجرًا مدبَّبًا وغير مسنن وضربته به بهذا تكون قتلته بمثقله يعني: عندما ترمي شيئًا ثقيلًا على شيء، إما أنه يقتله أو أنه يلحق به الضرر، فهذا يعتبر من الموقوذة.
* قوله: (وَبِهَذَا الْقَوْلِ قَالَ مَشَاهِيرُ فُقَهَاء الْأَمْصارِ: الشَّافِعِيُّ (٧)،
стр. 5247
وَمَالكٌ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَأَحْمَدُ (٣)، وَالثَّوْرِيُّ (٤)، وَغَيْرُهُمْ (٥)، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى أَنَّهُ لَا ذَكَاةَ إِلَّا بِمُحَدَّدٍ).
وهنا فائدة مهمة نستفيدها وكثيرًا ما يحدث عندَ طلَّاب العِلْم، أن ابن رشدٍ ﵀ لا يذكر الإمام أحمد في كثيرٍ من المسائل، هَل لأنه يرى أنه محدِّث أو أنه لم يقف على جميع آرائه؟ والجواب: ذكرنا أن ابن رشد كثيرًا ما ينقل عن صاحب كتاب "الاستذكار" لابن عبد البر، فإن ذكر مذهب أحمد ذكره قليلًا ليقف عليه عند غيره، لكن هنا قال: فقهاء الأمصار، وعدَّ منهم أحمد، والإمام أحمد إنما يأتي في مقدمة الفقهاء؛ لأنه قد فاق الأئمة الأربعة جميعًا في الحديث وحفظًا لسُنَّةِ رسول الله ﷺ ، ويكفي في ذلك ديوانه العظيم الذي يعرف بمسند الإمام أحمد، الذي جمع ما نيف (٦) على أربعين ألف حديث، وهذه لا توجد في بقية الكتب، فهو محدِّث وفقيه الشاهد: أن ابن رشد: يرى أن الإمام أحمد من أئمة الفقه الكبار فاشتهر بالحديث واشتهر بالفقه.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ الْأُصُولِ فِي هَذَا الْبَابِ بَعْضَهَا بَعْضًا، وَمُعَارَضَةُ الأثَرِ لَهَا، وَذَلِكَ أَنَّ مِنَ الْأُصُولِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْوَقِيذَ (٧) مُحَرَّمٌ بِالْكِتَابِ وَالْإِجْمَاعِ).
أما دليل الكتاب قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ
стр. 5248
وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وأجمع العلماء على أن الموقوذة لا يحل أكلُها.
* قوله: (وَمِنْ أُصُولِهِ: أَنَّ الْعَقْرَ (١) ذَكَاةُ الصَّيْدِ).
يعني: عندما تُرْسِلُ سهمًا فتصيب الصيد هذا يسمى عقرًا، كأنك عقرته أي: منَعْتَهُ ووقَفْتَهُ.
* قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ مَا قَتَلَ الْمِعْرَاضُ وَقِيذٌ مَنَعَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَمَنْ رَآهُ عَقْرًا مُخْتَصًّا بِالصَّيْدِ، وَأَنَّ الْوَقِيذَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِيهِ - أَجَازَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَمَنْ فَرَّقَ بيْنَ مَا خَرَقَ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ لَمْ يَخْرِقْ - فَمَصِيرًا إِلَى حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الْمُتَقَدِّمِ، وَهُوَ الصَّوَابُ).
الله يقول: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤]، جاءت كلمة مكلِّبين، فهل هي من الكلب أو من التكليب الذي هو الإغراء؟ ومن هنا حدث الخلاف، ولا خلاف بين العلماء في أن الكلب المعلّم يضاد به (٢)، لكن هل يصاد بغيره؟ والجواب: فيه خلاف (٣)، وكلمة الجوارح لا يختص بها الكلب بل يوجد من الحيوانات من هو أشدُّ فتْكًا وجرحًا من الكلب، إذن هذا عام، وهذا هو تفسير عبد الله بن عباس للآية، لأنه نص على أنها الكلاب المعلّمة وكذلك الفهودُ والطيورُ (٤)، وعبد الله بن عباس رسول ﷺ دعا له وقال: "اللهُمَّ فقِّهه في
стр. 5249
الدين، وعلِّمه التأويل" (١) وكان بارعًا في تفسير كتاب الله ، وتخرج على يديه جمعٌ كثيرٌ من التابعين (٢) - ﵃ -، واشتهروا بتفسير كتاب الله ، إذن ابن عباس نُقل عنه ذلك.
* قوله: (وَأَمَّا الْحَيَوَانُ الْجَارحُ فَالاتِّفَاقُ وَالاخْتِلَافُ فِيهِ مِنْهُ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّوْعِ وَالشَّرْطِ، وَمِنْهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ. فَأَمَّا النَّوْعُ الَّذِي اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فَهُوَ الْكِلَابُ).
وأما النوع الذي اتفقوا عليه فهو الكلاب ما عدا الكلب الأسود وليس المنع؛ لأن لونه أسود، فهذا لا يختلف فيه، وكذلك في بني آدم كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، فالقصد من ذلك هو أن هذا النوع هو شيطان كما نبه الرسول ﵊ على ذلك، وذكر ﷺ وقال: "يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود" (٣)، والمرأة هي مؤمنة، فهذه صفات ليس القصد منها اللون وإنما القصد منها وجود سبب آخر، وفي حديث آخر أن الرسول ﷺ قال: "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمَرْتُ بقتْلِها"، يعني: خلقٌ من خلق الله ، وجماعة من الجماعات، والرسول ﷺ قال: "اقتلوا كل أسْود بَهِيمٍ" هذا الحديث جاء عند أصحاب السنن (٤) وعند
стр. 5250
أحمد (١) بسند صحيح، وجاء من حديث جابر بن عبد الله في صحيح مسلم قال: "أمرنا رَسُولُ الله ﷺ بقتل الكلاب، فكانت المرأة تأتي من البادية بكَلْبِهَا فتَقْنُله"، ثم إن الرسول ﷺ نهى عن ذلك وقال: "اقتلوا الأسود البهيم فإنه شيطان" (٢) فالسبب أن هذا يتصف بهذه الصفة، ومع ذلك اختلف العلماء، والأئمة الثلاثة أبو حنيفة (٣) ومالك (٤) والشافعي (٥): لا يرون فرقًا بين كلب وكلب؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] فلم يقيد الله
стр. 5251
ذلك بصنف من أصناف الكلاب، ولم يقيد ذلك بِلَوْنٍ، والرسول ﷺ عندما قال لعدي بن حاتم: "إذا أرسلت كلبك المعَّلم وذكرت اسم الله" (١) فلم يُقَيِّدْ، لكنَّ بعض العلماء قيَّدَها، والإمام أحمد له روايتان (٢)، رواية مع الجمهور ورواية وافق فيها بعض السلف في أنه لا يصاد به.
* قوله: (مَا عَدَا الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ؛ فَإِنَّهُ كَرِهَهُ قَوْمٌ مِنْهُمْ الْحَسَنُ الْبَصْرِيّ، وإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ، وَقَتَادَةُ (٣)، وَقَالَ أَحْمَدُ (٤): مَا أَعْرِفُ أَحَدًا يُرَخِّصُ فِيهِ إِذَا كَانَ بَهِيمًا. وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ (٥)).
الله يقول ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] فقد يوجد بين الإنس من هم شياطين، فالإنسان الذي يتصف بصفات الشياطين يُنسب إليهم، والإنسان الذي يتصف بصفات المتقين فيوصف بأنه من المؤمنين المتقين، "بهيم" (٦) يعني: جميع لونه، فلا يوجد في أي بقعة في جسده إلا هذا اللون.
стр. 5252
* قوله: (وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَعَلَى إِجَازَةِ صَيْدِهِ إِذَا كَانَ مُعَلَّمًا (١) وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِلْعُمُومِ، وَذَلِكَ أَنَّ عُمُومَ قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]- يَقْتَضِي تَسْوِيَةَ جَمِيعِ الْكِلَاب فِي ذَلِكَ. "وَأَمْرُهُ ﵊ بِقَتْلِ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ" (٢) - يَقْتَضِي فِي ذَلِكَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ اصْطِيَادُهُ عَلَى رَأْيِ مَنْ رَأَى أَنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (٣)، وَأَمَّا الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْجَوَارِحِ فِيمَا عَدَا الْكَلْبَ، وَمِنْ جَوَارحِ الطُّيُورِ وَحَيَوَانَاتِهَا السَّاعِيَةِ).
فهناك حيوان مُجمع عليه وهو الكلب في الصيد، وهناك حيوانات أو طيور مختلف فيها هل يصاد بها أم لا؟ والفهد أشد ويفوق الكلب في الصيد؛ لأنه أسرع منه وأمكن، ولذلك يقول الفقهاء في عباراتهم: والفهد صَيود؛ لأنه اشتهر بذلك، فلو دُرب فهدٌ على الصيد أو نمرٌ فهذا أجازه العلماء.
* قوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ جَمِيعَهَا إِذَا عُلِّمَتْ حَتَّى السِّنَّوْرَ (٤)، كَمَا
стр. 5253
قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ (١)، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَبِهِ قَالَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (٢)).
وهذا مذهب جمهور العلماء بما فيهم بقية الأئمة وهم: الشافعية (٣) والحنفية (٤) والحنابلة (٥).
* قول: (أَعْنِي أَنَّ مَا قَبِلَ التَّعْلِيمَ مِنْ جَمِيعِ الْجَوَارحِ فَهُوَ آلَةٌ
стр. 5254
لِذَكَاةِ الصَّيْدِ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا اصْطِيَادَ بِجَارحٍ مَا عَدَا الْكَلْبَ، لَا بَازٌ (١)، وَلَا صَقْرٌ، وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ، إِلَّا مَا أُدْرِكَتْ ذَكَاتُهُ).
يعني: لا تصيد البزاة وهي جمع باز، ولا كذلك بالصقور، ولا بحيوانات غير ذات الكلاب، لا تأتي مثلًا بفهد أو نمر أو كذلك سنور أو غير ذلك من الحيوانات فتعلمها، ولكن منهم من قال بذلك، فإذا وجدت حيوانًا أو طيرًا فعلمته فتعلم، فذلك مما أباحه الله ؛ لأنه قال: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ والجوارح عامة تشمل الحيوان والطير، وابن عباس ﵁ فسرها بذلك، فسرها بالكلاب المعلَّمة والطيور المعلَّمة، وكذلك نص أيضًا على الفهود (٢).
* قوله: (وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ (٣)، وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ مِنَ الطُّيُورِ الْجَارِحَةِ الْبَازِيَّ فَقَطْ فَقَالَ: يَجُوزُ صَيْدُهُ وَحْدَهُ (٤)).
واستثنوا البازي، لأنه ورد فيه نص، لما سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عن صيده قال: "ما أمسكن عليكَ فَكُلْ" (٥).
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْئَانِ، أَحَدُهُمَا: قِيَاسُ سَائِرِ الْجَوَارحِ عَلَى الْكِلَابِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يُظَنُّ أَنَّ النَّصَّ إِنَّمَا
стр. 5255
وَرَدَ فِي الْكِلَابِ، أَعْنِي: قول تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]).
الفقهاء تعمَّقُوا في كتاب الصيد وبحثوا كلياته وجزئياته، وربما يرى الكثير الآن أنه لا حاجة لذلك؛ لأن الناس استغنوا، لكن القضية أنه فيما مضى كان الناس يحتاجون إلى الصيد، وربما تمرُّ بالإنسان الشهور والأيام دون أن يذوق طعم اللحم، ورسول الله قول تعالى: ﷺ تمضي عليه الأيام والليالي وليس في بيته إلا الأسودان الماء والتمر (١)، وأحيانًا نجد أنه ﵊ يربط الحجر على بطنه (٢)، وربما يضع الحصى، وحدث هذا من بعض الخلفاء (٣) ﵃ فكانوا عبادًا بالليل رهبانًا بالنهار، قد ظهرت آثار الصلاة في جباههم وأنوفهم، فالصحابة ﵃ كان أكثرهم شبابًا، لا يُشغلهم إلَّا طاعةُ الله ، فهم في هذه الحياة الدنيا يمضونها بلقيماتٍ من الطعام، وبقليلٍ من الماء يدفعون به ذلك، ولكن غاية هَمِّهِمْ الجنة، كانوا يعدون أنفسهم للآخرة؛ لأن هذه الحياة الدنيا إنما هي فانية.