ذلك بصنف من أصناف الكلاب، ولم يقيد ذلك بِلَوْنٍ، والرسول ﷺ عندما قال لعدي بن حاتم: "إذا أرسلت كلبك المعَّلم وذكرت اسم الله" (١) فلم يُقَيِّدْ، لكنَّ بعض العلماء قيَّدَها، والإمام أحمد له روايتان (٢)، رواية مع الجمهور ورواية وافق فيها بعض السلف في أنه لا يصاد به.
* قوله: (مَا عَدَا الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ؛ فَإِنَّهُ كَرِهَهُ قَوْمٌ مِنْهُمْ الْحَسَنُ الْبَصْرِيّ، وإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ، وَقَتَادَةُ (٣)، وَقَالَ أَحْمَدُ (٤): مَا أَعْرِفُ أَحَدًا يُرَخِّصُ فِيهِ إِذَا كَانَ بَهِيمًا. وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ (٥)).
الله يقول ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] فقد يوجد بين الإنس من هم شياطين، فالإنسان الذي يتصف بصفات الشياطين يُنسب إليهم، والإنسان الذي يتصف بصفات المتقين فيوصف بأنه من المؤمنين المتقين، "بهيم" (٦) يعني: جميع لونه، فلا يوجد في أي بقعة في جسده إلا هذا اللون.
стр. 5252
* قوله: (وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَعَلَى إِجَازَةِ صَيْدِهِ إِذَا كَانَ مُعَلَّمًا (١) وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِلْعُمُومِ، وَذَلِكَ أَنَّ عُمُومَ قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]- يَقْتَضِي تَسْوِيَةَ جَمِيعِ الْكِلَاب فِي ذَلِكَ. "وَأَمْرُهُ ﵊ بِقَتْلِ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ" (٢) - يَقْتَضِي فِي ذَلِكَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ اصْطِيَادُهُ عَلَى رَأْيِ مَنْ رَأَى أَنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (٣)، وَأَمَّا الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْجَوَارِحِ فِيمَا عَدَا الْكَلْبَ، وَمِنْ جَوَارحِ الطُّيُورِ وَحَيَوَانَاتِهَا السَّاعِيَةِ).
فهناك حيوان مُجمع عليه وهو الكلب في الصيد، وهناك حيوانات أو طيور مختلف فيها هل يصاد بها أم لا؟ والفهد أشد ويفوق الكلب في الصيد؛ لأنه أسرع منه وأمكن، ولذلك يقول الفقهاء في عباراتهم: والفهد صَيود؛ لأنه اشتهر بذلك، فلو دُرب فهدٌ على الصيد أو نمرٌ فهذا أجازه العلماء.
* قوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ جَمِيعَهَا إِذَا عُلِّمَتْ حَتَّى السِّنَّوْرَ (٤)، كَمَا
стр. 5253
قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ (١)، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَبِهِ قَالَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (٢)).
وهذا مذهب جمهور العلماء بما فيهم بقية الأئمة وهم: الشافعية (٣) والحنفية (٤) والحنابلة (٥).
* قول: (أَعْنِي أَنَّ مَا قَبِلَ التَّعْلِيمَ مِنْ جَمِيعِ الْجَوَارحِ فَهُوَ آلَةٌ
стр. 5254
لِذَكَاةِ الصَّيْدِ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا اصْطِيَادَ بِجَارحٍ مَا عَدَا الْكَلْبَ، لَا بَازٌ (١)، وَلَا صَقْرٌ، وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ، إِلَّا مَا أُدْرِكَتْ ذَكَاتُهُ).
يعني: لا تصيد البزاة وهي جمع باز، ولا كذلك بالصقور، ولا بحيوانات غير ذات الكلاب، لا تأتي مثلًا بفهد أو نمر أو كذلك سنور أو غير ذلك من الحيوانات فتعلمها، ولكن منهم من قال بذلك، فإذا وجدت حيوانًا أو طيرًا فعلمته فتعلم، فذلك مما أباحه الله ؛ لأنه قال: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ والجوارح عامة تشمل الحيوان والطير، وابن عباس ﵁ فسرها بذلك، فسرها بالكلاب المعلَّمة والطيور المعلَّمة، وكذلك نص أيضًا على الفهود (٢).
* قوله: (وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ (٣)، وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ مِنَ الطُّيُورِ الْجَارِحَةِ الْبَازِيَّ فَقَطْ فَقَالَ: يَجُوزُ صَيْدُهُ وَحْدَهُ (٤)).
واستثنوا البازي، لأنه ورد فيه نص، لما سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عن صيده قال: "ما أمسكن عليكَ فَكُلْ" (٥).
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْئَانِ، أَحَدُهُمَا: قِيَاسُ سَائِرِ الْجَوَارحِ عَلَى الْكِلَابِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يُظَنُّ أَنَّ النَّصَّ إِنَّمَا
стр. 5255
وَرَدَ فِي الْكِلَابِ، أَعْنِي: قول تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]).
الفقهاء تعمَّقُوا في كتاب الصيد وبحثوا كلياته وجزئياته، وربما يرى الكثير الآن أنه لا حاجة لذلك؛ لأن الناس استغنوا، لكن القضية أنه فيما مضى كان الناس يحتاجون إلى الصيد، وربما تمرُّ بالإنسان الشهور والأيام دون أن يذوق طعم اللحم، ورسول الله قول تعالى: ﷺ تمضي عليه الأيام والليالي وليس في بيته إلا الأسودان الماء والتمر (١)، وأحيانًا نجد أنه ﵊ يربط الحجر على بطنه (٢)، وربما يضع الحصى، وحدث هذا من بعض الخلفاء (٣) ﵃ فكانوا عبادًا بالليل رهبانًا بالنهار، قد ظهرت آثار الصلاة في جباههم وأنوفهم، فالصحابة ﵃ كان أكثرهم شبابًا، لا يُشغلهم إلَّا طاعةُ الله ، فهم في هذه الحياة الدنيا يمضونها بلقيماتٍ من الطعام، وبقليلٍ من الماء يدفعون به ذلك، ولكن غاية هَمِّهِمْ الجنة، كانوا يعدون أنفسهم للآخرة؛ لأن هذه الحياة الدنيا إنما هي فانية.
стр. 5256
* قوله: (إِلَّا أَنْ يُتَأَوَّلَ أَنَّ لَفْظَةَ "مُكلِّبِينَ" مُشْتَقَّةٌ مِنْ كَلَّبَ الْجَارِحَ لَا مِنْ لَفْظِ الْكَلَبِ).
كلمة الجوارح هي أشمل من أن تُطْلَقَ على الكلاب، لكن الذي دفع بعض العلماء إلى أن يقصر ذلك على الكِلاب هو قوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]، على أنها مأخوذة من الكَلب أي من اسمه، وأن ذلك خاص بالكلاب، أما جُمهور العلماء فيرون أن ذلك أعمّ، وقد جاءت أحاديث رسول الله ﷺ تدل على ذلك كما مرَّ بالبازِيِّ، إلا أن يتأول أن لفظ مكلِّبِينَ إنما هي مشتقة من لفظ الكَلْب الجارح، لا من لفظ الكَلَب الذي هو المراد به الجرح أو الفهد.
* قوله: (وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا عُمُومُ اسْمِ الْجَوَارِحِ الَّذِي فِي الْآيَةِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ سَبَبُ الاخْتِلَافِ الاشْتِرَاكَ الَّذِي فِي لَفْظَةِ "مُكَلِّبِينَ").
فلا يقال أنه جاء ذكر الكلاب بأكثر من غيرِهَا، لأنها تعيش مع الناس وتتداخل معهم ولذلك جاء التنصيص عليها، أما ما يتعلَّق بالحيوانات الأخرى من الفهود والطيور كالصُّقُورِ والبازِيِّ وغيرها، فهذه تختلف عن الكلاب، لأن الكلاب قريبةٌ من الإنسان، ويستطيع الإنسان أن يعلِّمَها وأن يربِّيهَا بسهولة، ويستطيع أن يغلبها كما جاء ذلك فيما أُثر عن عبد الله بن عباس (١) ﵄، لذلك سيأتي أن العلماء قد إشترطوا في الكلب شُرُوطًا أكثر مما اشترطوه في غيره.
* قوله: (وَالسَّبَبُ الثَّانِي: هَلْ مِنْ شَرْطِ الْإِمْسَاكِ الْإِمْسَاكُ عَلَى صَاحِبِهِ؟ أَمْ لَا؟).
هذه مسألة في غاية الأهميَّةِ هل من شرط الإمساك أن يمسك على
стр. 5257
صاحبه، يعني: أن يرسله صاحبه إلى الصيد، أو أنه ينطلق فهل ذلك جائز؟ الجواب: لو انطلق من نفسه فليس ذلك، وهذا سيتكلم عنه المؤلف إن شاء الله.
* قوله: (وَإِنْ كَانَ مِنْ شَرْطِهِ فَهَلْ يُوجَدُ فِي غَيْرِ الْكَلْبِ؟ أَوْ لَا يُوجَدُ؟).
يعني: الكلب يختلف عن غيره، على القول بأن الإرسال شرطٌ فالكلب إذا عُلِّم، فإذا أرسل استَرْسَلَ، يعني أغراه إلى الصيد فاندفع وراءه، لكن هل يتحقق ذلك في غير الكلب؟ الجواب: نعم، فهناك من الحيوانات والطيور ما عُلِّمت والتزمت ذلك، ولكن يختلف الوضع بينها وبين الكلب فيما يتعلق بالأكل.
* قوله: (فَمَنْ قَالَ: لا يُقَاسُ سَائِرُ الْجَوَارحِ عَلَى الْكِلَابِ، وَأَنَّ لَفْظَةَ مُكَلِّبِينَ هِيَ مُشْتَقَّة مِنِ اسْمِ الْكَلْبِ لَا مِنِ اسْمِ غَيْرِ الْكَلْبِ، أَوْ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ الْإِمْسَاكُ إِلَّا فِي الْكَلْبِ، أَعْنِي: عَلَى صَاحِبِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ).
يعني: هل هي من الكلب أو من التكليب الذي هو الإغراء.
* قَوله: (قال: لَا يُصَادُ بِجَارحٍ سِوَى الْكَلْبِ. وَمَنْ قَاسَ عَلَى الْكَلْبِ سَائِرَ الْجَوَارحِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِي الْإِمْسَاكِ الْإِمْسَاكَ عَلَى صَاحِبِهِ، قَالَ: يَجُوزُ صَيْدُ سَائِرِ الْجَوَارحِ إِذَا قَبِلَتِ التَّعْلِيمَ.
وَأَمَّا مَنِ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْبَازِيَّ فَقَطْ فَمَصِيرًا إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: "سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَيْدِ الْبَازِيِّ فَقَالَ: مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَكُلْ". خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ (١)).
стр. 5258
أراد المؤلف أن يقول: الاختلاف في هذه المسألة ينقسم إلى أقسام ثلاثة:
١ - بعض العلماء قال: بجواز الأكل من كل جارحٍ سواءٌ كان حيوانًا أو طائرًا، ولم يفرق بين الكلب وغيره إذا توفرت فيه الشروط ومنها التعليم.
٢ - وبعضهم يقول: إن ذلك خاص بالكلب.
٣ - وبعضهم من يضيف إلى الكلب البازي؛ لأنه ثبت عن الرسول ﷺ أنه سئل عن صيد البازي فقال: "ما أمسك عليكَ فَكُلْ" (١). وجمهور العلماء وقفوا عند ظاهر النص ولم يتجاوزه إلى غيره، وهذا هو الفقه؛ لأن الفقه أصله ومعناه في اللغة العربية هو الفهم والإدراك، فَقِهَ فلان بمعنى فهم، وفي قوله تعالى: ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)﴾ [طه: ٢٨] أي: يفْهموا قولي، فجمهور العلماء يرون أن ذلك أعم والواقع يشهد بذلك، وقول الرسول ﷺ أقر الصيد في البازي، إنما هو دليلٌ على ذلك، وعبد الله بن عباس قد فسر قول الله : ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ قال: الكلب المُعَلَّم والطير إذا علَّمته والفهود والصقور وغيرها. فهذا قول عبد الله بن عباس ﵄ وهو في ذلك حجة.
* قوله: (فَهَذِهِ هِيَ أَسْبَابُ اتِّفَاقِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ فِي أَنْوَاعِ الْجَوَارحِ، وَأَمَّا الشُّرُوطُ الْمُشْتَرَطَةُ فِي الْجَوَارحِ فَإِنَّ مِنْهَا مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَهُوَ التَّعْلِيمُ بِالْجُمْلَةِ).
بالجملة؛ لأنهم ما اختلفوا في التعليم، فكلهم أجمعوا على أن التعليم شرطٌ (٢)، لكنهم اختلفوا في تفصيل ذلك كيف يتِمُّ التعليم؛ ولأن الله قال: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ هذا
стр. 5259
نص في الآية على التعليم، والرسول ﷺ يقول: "إذا أرسلت قوسَكَ وذكرتَ اسمَ الله عليه فكُلْ" (١) وقال ﷺ : "إذا أرسلت كَلْبَكَ المعلَّم وذكرت اسم الله عليه، فَكُلْ" (٢) وفي رواية: "إذا أرسلت كلبك غير المعلَّم فأدركت ذكاته، فكُلْ" (٣) فجاء التنصيص عليه في كتاب الله وفي سُنَّةِ رسولِهِ ﷺ ، فكان ذلك موضع اتفاق عند العلماء، لكن الخلاف في تفصيل ذلك كيف يتم التعليم، هل التعليم بأن ترسم له طريقًا توجِّهُهُ إلى الصيد فينطَلِق، أو أن ذلك يحتاج إلى مِرَاسٍ وتدريب، بمعنى: أن تعطيَهُ فرصة مرة فيَصِيد لك، فلا يأكل منه، ثم مرة أخرى وَثالثة، فإذا ما تكررت مرات ثلاث فحينئذٍ أصبح مُعَلَّمًا، ونص أكثر العلماء على ثلاث مرات، لأن لفظ الثلاث اعتبر في كثير من أحكام الشريعة، ومنهم من قال: يكتفى بمرتين ومنهم من قال: ولو مرةً واحدة؛ لأن الله - تعالى - لم يذكر عددًا ولم يذكر رسوله ﷺ مرات محددةً للتعليم، ولو كان ذلك شرطًا لبينه رسول الله ﷺ ؛ لأن الحاجة تقتضي ذلك وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فلا شك أن العلماء الذين قالوا بتَدريبهِ على ذلك مرات إنما هو من باب الاحتياط ليطمئنوا أنه بدأ يصيد لسيده، لا أنه يصيد لنفسه، لأن الرسول ﷺ بَيَّن أنه لو صاد لنفسه فليس لك أن تأكل منه فقال: "فإن أمسك فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسكَ لنَفْسِهِ" (٤).
* قوله: (لِقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]، وَقَوْلِهِ ﵊: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ" (٥)، وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ التَّعْلِيمِ وَشُرُوطِهِ، فَقَالَ قَوْمٌ: التَّعْلِيمُ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ؛ أَحَدُهَا: أَنْ تَدْعُوَ الْجَارحَ، فَيُجِيبَ).
стр. 5260
يعني: إذا وضعت له علامة ثم دعوته يأتي مُقبلًا وهذا معروف عند الكلاب.
* قوله: (وَالثَّانِي: أَنْ تُشْلِيَه، فَيَنْشَلِيَ).
معنى تشليه فينشلي، أي: أغراه فاندفع وسارَ وراء الصيد، ويقول علماء اللغة: إن أصل كلمة أشلى دعا، أشْلاهُ بمعنى دَعاه (١)، وهذا أسلوبٌ يعرفه أهل الصيد، فالمراد بها الإغراء (٢)، بمعنى أنك تغري هذا الكلب مَثَلًا أو الجارح وراء الصيد لينطلق، فإذا أرسلته استرسل، يعني: توجهه إلى هذا الحيوان فينطلق خلفه، وأن تدعوه فيجيب، وهو الذي عبر عنه المؤلف بمعنى: شلاه فانْشَلى، يعني أشلاه على الفريسة فانشلى وراءها.
* قوله: (وَالثَّالِثُ: أَنْ تَزْجُرَ فَيُزْدَجَرَ) (٣).
يعني: أن تردعه فيرتدع؛ لأنه إذا كان لا يسمع لكلامك إذا زجرته، حينئذٍ هو غير مُعَلَّم فرُبَّما تردعه عن الصيْد فينطلق وراءه، ثم توجهه إلى أمرٍ فيخالِفُك.
стр. 5261
* قوله: (وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي اشْتِرَاطِ هَذ الثَّلَاثَةِ فِي الْكَلْبِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الانْزِجَارِ (١) فِي سَائِرِ الْجَوَارحِ).
مراد المؤلف أن هذه الشروط الثلاثة ينبغي توفُّرها في الكلب، إذا أرسلته استرسل، وإذا دعوته أجاب، وإذا زجرته زُجِر أي: امتنع؛ لأنه يختلف عن غيره، ولأن الكلب لا يقبل الضرب إلا من مدربه، ولكن بالنسبة لغيره لا يقبل ذلك.
* قوله: (فاخْتَلَفُوا أَيْضا فِي هَلْ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ لَا يَأْكلَ الْجَارِحُ؟ فَمِنْهُمْ مَنِ اشْتَرَطَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَمِنْهُمْ مَنِ اشْتَرَطَهُ فِي الْكَلْب فَقَطْ، وَقَوْلُ مَالِكٍ: إِنَّ هَذ الشُّرُوطَ الثَّلَاثَةَ شَرْطٌ فِي الْكِلَابِ وَغَيْرِهَا (٢)).
المذهب المالكي فيه توسع فيما يتعلق بالكلب وفي ولوغه في الإناء وفي غيره، لكن المذاهب الأخرى يَتَشَددون، حتى إن العلماء يختلفون فيما لو أمسك الكلب الصيد، هل يجب أن يغسِلَ موضع فمه أم لا؟ والجواب: بعض العلماء لا يرى ذلك، وبعضهم يرى ذلك، والسبب يعود إلى أن الكلب نَجِسٌ (٣)، وأن في لعابه نجاسة، حتى أنه جاء في الحديث:
стр. 5262
"إذا ولَغَ الكلب في إناء أحدِكُم، فليغسله سبعًا أولاهنَّ بالتراب" (١)، وفي بعضها: "فليعفره الثامنة بالتراب" (٢)، ولما جاء الطب الحديث قرر إلى أن في لعاب الكلب مادة لزجة لا يذيبها أي شيء إلا التراب، وهذا من أسرار هذه الشريعة ومن حكمها، إذن: الكلب إذا أمسك فأكل من الحيوان الذي صاده لو صادَ غَزَالًا مثلًا وأكل منه عند المالكية لا يَضُرُّ، لكن جمهور العلماء (الحنفية والشافعية والحنابلة) يقولون: إن أكَلَ فَلَا تأكُلْ، وهم يتمسكون بحديث رسول الله ﷺ : "وإن أكل فلا تأكل، فإني أخافُ أن يكون أمسَكَ على نَفْسِهِ" (٣) لكن هل السبب في كونه إذا أكل لا يجوز الأكل لكونه أكل فقط أو يخشى أنه إنما صاد لنفسِهِ؛ لأنه بحاجة إلى الصيد، وليس أنه صاد لصاحبه وهذا سيأتي الكلام عنه إن شاء الله.
* قوله: (وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِهِ: لَيْسَ يُشْتَرَطُ الانْزِجَارُ فِيمَا لَيْسَ يَقْبَلُ ذَلِكَ مِنَ الْجَوَارحِ مِثْلِ الْبُزَاةِ وَالصُّقُورِ) (٤).
لأن ابن عباس ذكر أن الكلب تضربه فيرتدع أما الصقور لا يمكن أن تُضرب؛ لأنه ربما لو ضربته فر وتركك.
стр. 5263
* قوله: (وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، أَعْنِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْجَارحِ لَا كلْبٌ وَلَا غَيْرُهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ (١). وَاشْتَرَطَه بَعْضُهُمْ فِي الْكَلْبِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ فِيمَا عَدَاهُ مِنْ جَوَارحِ الطُّيُورِ، وَمِنْهُمْ مَنِ اشْتَرَطَهُ كَمَا قُلْنَا فِي الْكُلِّ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ صَيْدِ الْبَازِيِّ وَالصَّقْرِ وَإِنْ أَكَلَ) (٢).
جمهور العلماء من الأئمة الأربعة عدا مالك يرون: أن ما عدا الكلب لو أكل من الصيد فلا يضر، أما الكلب فهو الذي ورد فيه نص
стр. 5264
"وإن أكل فلا تأكُلْ" (١)، فالمالكية قولهم متحد في ذلك، فما دَاموا يُجيزُون الأكل مما أكل منه الكلب فانتهى أمرهم، لكن بعد ذلك الأئمة الثلاثة انقسموا إلى قسمين:
القسم الأول: الحنفية والحنابلة قالوا: لو أن صقرًا صادَ حيوانًا أو طيرًا أو كذلك البازي فأكل منه فيؤكل عند الحنفية والحنابلة ولا أثر لذلك.
القسم الثاني: الشافعية يقولون: لا يؤكل منه؛ لأنه جاء في بعض روايات حديث عدي بن حاتم: "فإن أكل الكلبُ أو البازِيُّ فلا تأكُلْ" (٢) وقالوا: جاء التنصيص على غير الكلب فلا يجوز أن يؤكل منه، وجمهور العلماء أجابوا بأن هذه الرواية رواية ضعيفة؛ لأنها من رواية مجاهد وهذه لا يصلح أن يُحتج بها، بل هي مخالفة للروايات الأخرى الصحيحة فتطرح، ثم هي معارضةٌ لما ثبت عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: "إن أكل الكلب فلا تأكل وإن أكل الصقر فَكُلْ" (٣) ثم ذكر العِلَّةَ؛ لأنه تستطيع أن تضرب الكلب ولا تستطيع أن تضرب الصقر، قالوا: ولم يرد خلاف من الصحابة لقول عبدِ الله بن عباس، أما بالنسبة للكلب فيه خلاف، من الصحابة من نقل عنه أن الكلب إذا أكل يؤكل، نُقل هذا عن بعض الصحابة، ولكن ابن عباس خالفهم في ذلك، وفيما عدا الكلب ابن عباس وافقهم في هذه المسألة، فتبقى المسألة مُجمعٌ عليها بين الصحابة، إذن هي موضع اتفاق بينهم ولم يخالفهم في ذلك أحد، أما الحديث الذي استدل
стр. 5265
به الشافعية فهي رواية ضعيفة، وبذلك نقول: أنه يجوز للإنسان إذا أرسل جارحًا غير الكلب فأكل الجارح من الصيد سواءٌ كان هذا الجارح حيوانًا أو طيرًا يصاد به، فإن للإنسان أن يأكل منه؛ لأنه أصلًا عندما تُعلم هذه الحيوانات أو الطيور الأخرى إنما التعليم يتم عن طَريق الأكل، لا يمكن أن تصِلَ إلى تعليمِهِ إلا عن طريق تعويده على الأكل، لأنك تُغْرِيها بذلك، أما الكلب فدائمًا يخضع لصاحبه إذا وجهه، فلا يشترط أن يتم التعليم بواسطة الأكل وإنما عن طريق التعليم والتوجيه، فالكلب يُتخذ لحراسة الماشية أو الحرث، ولذلك نهي عن اقتناء الكلب إلا لمثل هذه الأمور "إلا كلب صيدٍ أو ماشيةٍ أو حرث" (١).
* قوله: (لِأَنَّ تَضْرِيَتَهُ إِنَّمَا تَكُونُ بِالْأَكْلِ).
لأنها أصلًا هذه تعود على الأكل، فكيف تريد أن تمنعها منه.
* قوله: (فَالْخِلَافُ فِي هَذَا الْبَابِ رَاجِعٌ إِلَى مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: هَلْ مِنْ شَرْطِ التَّعْلِيمِ أَنْ يَنْزَجِرَ إِذَا زُجِرَ؟ وَالثَّانِي: هَلْ مِنْ شَرطِهِ أَلَّا يَأْكُلَ؟).
أما بالنسبة لغير الكلب فلا يشترط فيه أنه إذا زجر انزجر.
* قوله: (وَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي اشْتِرَاطِ الْأَكْلِ أَوْ عَدَمِهِ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: اخْتِلَافُ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الْمُتَقَدِّم، وَفِيهِ: "فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ" (٢)).
لكن هذا جاء التنصيص عليه في الكَلْب، والرواية التي ذكر فيها البازي هي ضعيفة، وجاء عن ابن عباس ﵁ ولم يخالفه أحدٌ من الصحابة
стр. 5266
فيكون القدوة والحجة في هذه المسألة، ثم ذكر العلة قال: لأنك تستطيع أن تضرب الكلب ولا تستطيع أن تضرب الصقر ونحوه (١)
قوله: (وَالْحَدِيثُ الْمُعَارِضُ لِهَذَا حَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ الله - فَكُلْ". قُلْتُ: وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: "وَإِنْ أَكَلَ" (٢)، فَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنْ حَمَلَ حَدِيثَ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ عَلَى النَّدْبِ، وَهَذَا عَلَى الْجَوَازِ - قَالَ: لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ ألَّا يَأكُلَ، وَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ؛ إِذْ هُوَ حَدِيث مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَحَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُخَرِّجْهُ الشَّيْخَانِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَقَالَ: مِنْ شَرْطِ الْإِمْسَاكِ أَنْ لَا يَأْكُلَ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، قَالَ: إِنْ أَكَلَ مِنَ الصَّيْدِ لَمْ يُؤْكَلْ).
يعني: لو صاد الكلب فأكل، حديث عدي المتفق عليه: "وإن أكل فلا تَأكُلْ" (٣)، وجاء في رواية مختلف فيها تكلم عنها العلماء، وذكروا أنها معلولة فيها: "وإن أكل فكُلْ" (٤) وبعض العلماء أجابوا وقالوا: إن الأصل
стр. 5267
وإن قتل؛ لأنه جاء في الرواية الصحيحة: "وإن قتل فَكُلْ" (١) يعني: إن صاده الكلب فقتله، فليس هناك ما يمنع أن تأكل منه؛ لأن الكلب جارح والصيد إنما ذكاته بعقره.
قوله: (وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٣)، وَأَحْمَدُ (٤)، وَإِسْحَاقُ (٥)، وَالثَّوْرِيُّ (٦)، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ (٧) ﵄).
هذا بالنسبة للكلب إذا أكل من الصيد فلا يؤكل عند الجمهور (٨)،
стр. 5268
وعند المالكية يؤكل، وقول المالكية نُقل عن بعض الصحابة، كسعد بن أبي وقاص، وسلمان الفارسي، وأبي هريرة ﵄.
قوله: (وَرَخَّصَ فِي أكْلِ مَا أَكَلَ الْكَلْبُ كَمَا قُلْنَا مَالِكٌ (١)، وَسَعيد (٢) بْنُ مَالِكٍ، وَابْنُ عُمَرَ وَسُلَيْمَانُ (٣)).
يعني: نُقل هذا عن سعد بن أبي وقاص وهو من العشرة المبشرين بالجنة، وعبد الله بن عمر، وعن أبي هريرة، وعن سلمان الفارسي ﵄.
قوله: (وَقَالَتِ الْمَالِكِيَّةُ الْمُتَأَخِّرَةُ (٤): إِنَّهُ لَيْسَ الْأَكلُ بِدَلِيلٍ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُمْسِكْ لِسَيِّدِهِ).
بل هو دليل أو هو شبهة، والرسول ﷺ اعتبره، ونحن مطالبون بأن نأخذ عما جاء عن الرسول ﷺ : "إني أخاف أن يكون أمسَكَ على نَفْسِهِ" (٥) فكان الرسول يخاف فنحن من باب أولى.
قوله: (وَلَا الْإِمْسَاكُ لِسَيِّدِهِ بِشَرْطٍ فِي الذَّكَاةِ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْكَلْبِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، وَقَدْ يُمْسِكُ لِسَيِّدِهِ، ثُمَّ يَبْدُو لَهُ فَيُمْسِكُ لِنَفْسِهِ، وَهَذَا الَّذِي
стр. 5269
قَالُوهُ خِلَافُ النَّصِّ فِي الْحَدِيثِ، وَخِلَافُ ظَاهِرِ الْكِتَابِ، وَهُوَ قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]).
معنى: خلاف ظاهر الكتاب أي: أنه قصد الإمساك لصاحبه، هذا يفهم من ظاهر الكتاب، وليس نصًا، أما الحديث ففيه: "وإن أكَلَ فلا تأكُلْ، فإني أخاف أن يكون إنما أمسَكَ لنَفْسِهِ" (١) فهنا جاء نصًا صريحًا، وجاء من ظاهر الكتاب ما يدل عليه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، فما دام أمسك لك، فيعني هذا أنه ما أمسك لنفسه، وإنما أمسك لصاحبه، لكنه لم يرد نصٌّ صريحٌ في ذلك إنما جاء في الحديث، فانظروا إلى عبارات الفقهاء السابقين ﵏ وإلى دِقَّتِهِمْ، وهنا جاء ظاهرًا، وهناك جاء نصًّا، وفرق بين الظاهر وبين النص، فالدلالة النصية أقوى من الدلالة الظاهرية.
قال: (وَللْإِمْسَاكِ عَلَى سَيِّدِ الْكَلْبِ طَرِيقٌ تُعْرَفُ بِهِ، وَهُوَ الْعَادَة، وَلذَلِكَ قَالَ ﵊: "فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ" (٢)).
كلام المؤلف كلامٌ وجيه؛ لأنه يقول من الذي يعرف الطريقة التي يسلكها الكلب هل صاد لنفسه أو صاد لسيده إنما هو العادة، والعادة معتبرةٌ في الشريعة الإسلامية، ولذلك جاء في أثر عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: "فما رأى المسلمون حسنًا، فهو عندَ اللّه حسَنٌ، وما رأوا سيِّئًا فهو عند الله سيئ" (٣)، ثم رتب العلماء على هذا الأثر القاعدة الفقهية
стр. 5270
الكبرى المعروفة: "العادة محكَّمَة" (١)، وهي قاعدةٌ أصولية تعرف بقاعدة العرف: العادة محكمة، فما اعتاده المسلمون من أمور واصطلحوا عليه، لا يتعارض مع نصٍّ من كتابِ ولا من سُنَّةٍ، فهي معتبرة، والاستحسان أيضًا في الشريعة معتبر، لَكن ما أُثر عن الإمام الشافعي من أنه رد الاستحسان وقال: "من استحسن فقد ابتَدَع في دِينِ الله" (٢)، مراده بذلك الاستحسان الذي لا يُبنى على دليل، وإلا فمن يقرأ في كتاب الأم، الذي دونه الإمام الشافعي بقلمه، يجد أنه ذكر الاستحسان في كثيرٍ من الأمور فقال: أستحسن في أجرة الصانع كذا، وأستحسن في أجرة العامل كذا،
стр. 5271
إذن هو يعتبر ذلك، فنحن بحاجة إلى أن نعرف عبارات الفقهاء فعباراتهم قوية وجزلة، ولما نقرأ كتاب الرسالة نجد الفرق بينها وبين ما ألف بعد ذلك في كتب أصول الفقه، فنجد العمق، ونجد قوة العبارة والألفاظ التي ترد فيها، وهذا قد لا نجده في أسلوب من الأساليب، ونحن الآن في زماننا هذا بدأنا نسلك بالطلاب مسالك المذكرات، نضع له مذكرة ميسرة مهذبة مسهلة قريبة إلى ذهنه، ونبعده عن عميق الفكر وعن الغوص في المعاني وعن الاستنباط، وهذا ليس بالصواب لأن هذه بمثابة الرياضة للفكر، فإذا عودت إنسانًا على أن يأخذ الأمر بسيطًا تعود عليه، ولكن لما يبدأ الإنسان يشغل فكرة وذهنه ويتعمق ويدقق في المسائل سيتعود على ذلك فيصبح الأمر سهلًا ميسورًا بإذن الله.
قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الازْدِجَارِ فَلَيْسَ لَهُ سَبَبٌ إِلَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي قِيَاسِ سَائِرِ الْجَوَارحِ فِي ذَلِكَ عَلَى الْكَلْبِ).
في الحقيقة له سبب، ليس كما ذكر المؤلف، والسبب ذكره ابن عباس ﵁ أنه قال: لأنك تستطيع أن تضرِبَ الكلب ولا تستطيع أن تضرب الصقر (١)، إذن له سبب، هذا تزجره فينزجر، وهذا تزجره فيتركك، وبعضهم يُلحق الفهد بالكلب؛ لأنه قريبٌ منه في الطباع، أليست هذه نعمة من نِعَمِ الله ، ونعم الله كثيرة جدًّا، الله يسخِّرُ لنا هذه الحيوانات والوحوش، ويسخر لنا الطيور التي تسبح وتحلِّقُ في الفضاء، لتكون عونًا لنا في صيد بعض الطيور وفي غيرها، أليس ذلك نِعْمة من نِعَم اللّه كما قال الله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ [النحل: ٨]، فالله سخَّرَ لنا هذه الحيوانات لنشرب لبنها ونأكل لحَمْهَا ونستَفِيدَ، من بهيمَةِ الأنعام الإبل والبقر والغَنَمِ، بعضها صالح للرُّكوب وبعضُها للحَرْثِ، نأكل لحَمْهَا ونشرَبَ لبنَها ونستفيدَ من جلودها ومن أوبارِهَا ومن أشعارها أثاثًا ومتاعًا
стр. 5272
إلى حِينٍ، والله يقول: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢] والله أمرنا أن نتدبَّرَ الكتاب عندما نقرؤه، لنقِفَ على ما فيه من العِبَرِ، وعلى ما فيه من الدروس والمواعظ، وقصص الأمم السابقة؛ لأن لها تأثيرًا كبيرًا في النفوس، والله - تعالى - يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [يوسف: ١١١]، فالله عندما قصَّ علينا قصة النبي يوسف ﵇ وإخوته وكيف أوقع الشيطان بينهم وحصل ما حصل، وانتهت إلى خير كثير، ونصر الحق وصاحبه، وأن المظلوم قد علا على عرش مصر فأصبح المُهَيْمِنَ والمسيطر عليه، وأن إخوته جاؤوا له فأظهروا ضعفهم وأنهم قد أخطؤوا في حقِّه وطلبوا منه أن يغفر لهم، فقال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: ٩٢]، وقال ذلك أيضًا لوالده، فالله - تعالى - بعد أن يحكي لنا هذه القصص، وفي قصة موسى وآدم ونوح وغيرهم من الأنبياء فهذه دروس وعبر لنا، كما قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]، وقال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العنكبوت: ٤٣] فلا بد للإنسان أن يتدبر القرآن ويفهم معانيه، ويحاول أن يُعمِلَ فِكرَه، ويدقق في الأسلوب القرآني ويتفهم ذلك، بلا شك أنه سيخرج بفوائد عظيمة.
قوله: (لِأنَّ الْكَلْبَ الَّذِي لَا يَزْدِجِرُ لَا يُسَمَّى مُعَلَّمًا بِاتِّفَاقٍ، فَأَمَّا سَائِرُ الْجَوَارحِ إِذَا لَمْ تَنْزَجِرْ هَلْ تُسَمَّى مُعَلَّمَةً؟ أَمْ لَا؟ فِيهِ التَّرَدُّد، وَهُوَ سَبَبُ الْخِلَافِ)
فالحيوانات الأخرى يصعب زَجْرُها، ويكفينا ما جاء عن الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ﵄ في ذلك.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
стр. 5273
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي مَعْرِفَةِ الذَّكَاةِ الْمُخْتَصَّةِ بِالصَّيْدِ وَشُرُوطِهَا]
قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الذَّكَاةَ الْمُخْتَصَّةَ بِالصَّيْدِ هِيَ الْعَقْرُ (١) وَاخْتَلَفُوا فِي شُرُوطِهَا اخْتِلَافًا كثِيرًا).
الذكاة أنواع، فيما يتعلق بالحيوان الإنسي:
١ - إما أن يكون الذبح كالحال بالنسبة للغنَمِ.
٢ - وإما النحر بالنسبة للإبل.
٣ - أو الجمع بينهما كالحال بالنسبة للبقر، ولو عكس الإنسان فكل ذلك جائز، لكن الأفضل بالنسبة للإبل أن تذبح قائمةً معقولةً يدها اليسرى (٢)، وتذبح البقر والغنم على صفاحها، ويستحب أن يستقبل في ذلك القبلة (٣)،
стр. 5274
وليس ذلك شرطًا (١)، لكن يجب عليك أن تذكر اسم الله - تعالى - عليها.
قوله: (وَإِذَا اعْتَبَرْتَ أُصُولَهَا الَّتِي هِيَ أَسْبَابُ الاخْتِلَافِ سِوَى الشُّرُوطِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْآلَةِ وَفِي الصَّائِدِ وَجَدْتَهَا ثَمَانِيَةَ شُرُوطٍ: اثْنَانِ يَشْتَرِكَانِ فِي الذَّكَاتَيْنِ).
يعني: لو اعتبرنا الأصول التي تجرى على الحديث وأضفناها إلى الشروط لكانت كلها ثمانية، يشتركان في الذكاتين، يعني: فيما يتعلق بالأضاحي والذبائح، كما في كتاب الذبائح كما ذكرنا أن النية معتبرة وهنا أيضًا معتبرة، وفي التسمية معتبرة وهنا أيضًا معتبرة وما يشترط في الصائد نفسه كذلك في المذكي، نحن لا نقبل ذكاة المرتد ولا ذكاة المشرك ولا ذكاة المجوسي ولا المجنون (٢)، فنفس الشروط هناك ننقلها، ولكن بالنسبة للصيد هناك شروطٌ أخرى تضاف إلى تلك الشروط التي مرت بنا. قوله: (أَعْنِي: ذَكَاةَ الْمَصِيدِ وَغَيْرِ الْمُصِيدِ، وَهِيَ: النِّيَّةُ وَالتَّسْمِيَةُ. وَسِتَّةٌ تَخْتَصُّ بِهَذ الذَّكَاةِ).
المصيد فعيل بمعنى: المفعول أي: المصيود، والمؤلف وغيره
стр. 5275
يقولون كتاب الصيد مع أن الكتاب يذكر فيه عدة أشياء، فيه حديثٌ عن الصائد، وحديثٌ عن المصيد، وكذلك أيضًا فيه حديثٌ عن الآلات التي يصاد بها، لكن عادة العلماء ﵏ أنهم يُعنونون بعنوانٍ شامل، فهذا العنوان قد يشتمل على بعض الأحكام، فيطلق الجزء ويراد به الكل، فمثلًا لما تأتي إلى كتاب القذف، يقولون "كتاب القذف" مع أن القذف له أركان، فهناك قذف وهناك قاذف وهناك مقذوف، ومع ذلك قالوا القذف.
قوله: (أَحَدُهَا: أَنَّهَا إِنْ لَمْ تَكُنِ الْآلَةُ أَوِ الجَارحُ الَّذِي أَصَابَ الصَّيْدَ قَدْ أَنْفَذَ مَقَاتِلَه، فَإِنَّهُ يجِبُ أَنْ يُذَكَّى بِذَكَاةِ الْحَيَوَانِ الْإِنْسِيِّ).
وهذا سبق الإشارة إليه في درس ذكاة الذبح، وأقرب مثال في ذلك المعراض وهو عودٌ يُبرى طرفاه ثم بعد ذلك يصبح حادًّا، فإذا ما رميت به الصيد فإنه يخرقه؛ لأنه بمثابة كما لو رميته بالسكين أو برمح أو غير ذلك، فإن جرحه فهذا جائز، وقد يأتيه هذا المعراض (١) فيضربه عرضًا، فهذا لا يجوز الأكل منه، كذلك لو أخذت حجرًا كما ذكرنا، وربما تأخذ حجرًا مستطيلًا فَتسن طرفه، فيصبح حادًا فترمي به الصيد، فإذا ما جرحه أصبح عقرًا له، فيجوز ذلك لكن لو ضربته بثقله لا يصبح ذلك مبيحًا له؛ لأنه يخشى أن يكون وَقَذَه، والوقذ وهو ممنوع، وقد نص الله - تعالى - في سورة المائدة على تحريمه.
قوله: (إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ مِمَّا أَصَابَهُ مِنَ الْجَارحِ أَوْ مِنَ الضَّرْبِ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ قَدْ أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ فَلَيْسَ يَجِبُ ذَلِكَ، وإِنْ كَانَ قَدْ يُسْتَحَبُّ).
قصده: إن نفذ السهم أو نحره فقتله.
стр. 5276
قوله: (وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الَّذِي أُصِيبَ بِهِ الصَّيْدُ مَبْدَؤُهُ مِنَ الصَّائِدِ لَا مِنْ غَيْرِهِ) (١).
يعني: فقد ينطلق الكلب للصيد وهو يريد أن يصيد لصاحبه، فلماذا نقول إذا أرسله صاحبه جاز الأكل منه، وإذا استرسل من قِبَل نفسه لا يجوز (٢)؛ لأنه تخلفت شروطٌ أخرى، من هذه الشروط: النية القصد، لأنك عندما ترسل سهمًا أو ترسل كلبًا أو فهدًا إلى صيد، فإنك تقصد ذلك الصيد أي تنويه، والرسول ﷺ يقول: "إنما الأعمال بالنيات" (٣) ووضع العلماء القاعدة الفقهية الكبرى المشهورة: الأمور بمقاصدها (٤)، والقصد إنما هو عمل القلب، إذن لا بد من القصد.
الشرط الثاني: أن تذكر اسم الله عليه، كما قال الله : ﴿مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤] والرسول ﷺ يقول: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله" "إذا أرسلت قوسك وذكرت اسم الله" (٥) إذن كونه ينطلق من ذات نفسه لا تأكل منه؛ لتخلف شرطين أساسيين بالنسبة للصيد، والعلماء نصوا على أنه ينبغي أن تكون النية والتسمية عند إرسال الجارح أو السهم، أما بالنسبة للتسمية خلافًا للشافعية، فالشافعية لا يشترطون ذلك، وهناك تفصيلٌ عند الأئمة
стр. 5277
الثلاثة، فمالكٌ وأبو حنيفة وأحمد يشترطون التسمية (١)، لكنهم يختلفون إذا نسيها، فعند المالكية والحنفية لو نسيها جاز، وعند الحنابلة لا يجوز.
قوله: (أَعْنِيْ لَا مِنَ الْآلَةِ كالْحَالِ فِي الْحِبَّالَةِ، وَلَا مِنَ الْجَارِحِ كَالْحَالِ فِيمَا يُصِيبُ الْكَلْبُ الَّذِي يَنْشَلِي مِنْ ذَاتِهِ).
يعني: الحبالة التي يضعها الناس فهذا يختلف، فهناك مناجل وآلات للصيد يضعها الناس، فهذه يُخَصصونها للصيد، فإذا وقع الصيد فيها فقتلته في الحال، فالعلماء مختلفون فعند الحنابلة (٢): يؤكل منها، ويعتبرون ذلك صحيحًا، وأكثر الفقهاء لا يرون ذلك، لو نصب الإنسان حبالًا أو شراكًا فصادت فأكثر جماهير العلماء (٣) يرون أن ذلك غير جائز؛ لأنه بحاجة إلى النية، ثم لا يطمئن على ذلك؛ لأنه ربما كان ذلك تم عن طريق الخنق أو نحوه.
стр. 5278
ينشلي يعني: ينطلق من تلقاء نفسه.
قوله: (وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يُشَارِكَهُ فِي الْعَقْرِ مَنْ لَيْسَ عَقْرُهُ ذَكَاةً).
مثل هذه المسائل ننتبه لها جيدًا، فهذه العبارة جاءت مجملة، يعني: لو أن الكلب انطلق مثلًا إلى صيدٍ فجرحه، ثم جاء إنسان فذبحه، أصبح مباحًا؛ لأنه تمت التذكية، لكن لو شاركه كلبٌ أو كلابٌ أخرى حينئذٍ لا تأكل؛ لأنك لا تدري هل الذي جرحه هو كلبك أو كلب غيرك (١)، فهذا الكلب الذي سميت عليه لا تطمئن إليه وكذلك لو أنك أرسلت كلبك فغاب عنك ثم وجدت صيدًا، فإن وجدت فيه علامة سهم، لو أن كلبك موجود عندك وأنه لم يشركه أحد، فهذه فيها خلاف بعض العلماء يجيز ذلك وبعضهم يمنع، أما لو وجدت كلابًا أخرى فلا يجوز لك أن تأكل، ولو وجدت آثار سهام لغيرك فلا تأكل، هذه كلها مسائل يدقق فيها العلماء، وكل ذلك دفعهم إليه الحرص -رحمهم الله تعالى- خشية أن يقع الإنسان في حرام؛ لأن الحرام لا يجوز للإنسان أن يأكل منه، "لأن الله - تعالى - طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا" (٢)، والرسول ﷺ يقول: "إن الحلال بيِّن وإن الحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات" (٣) وفي رواية: "مشبَّهات
стр. 5279
لا يعلمها" (١) أو "لا يعلمهنَّ كثيرٌ من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه " وفي رواية: "فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى" يعني: لما يأت الراعي إلى مكانٍ قد حماه غيره وضع عليه ما يحميه، فالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، فلا تضمن ما معك من إبل، أو ما معك من بقر، أو ما معك من غنم، أن تتجاوز ذلك، فتعتدي على هذا الذي حماه غيرك، فإذا وقعت في الشبهات ربما وقعت في الحرام، والمسلم دائمًا عليه أن يتجنب الحرام، بل الرسول ﷺ نبهنا إلى أمرٍ دقيق قال: "دع ما يَريبك إلا ما لا يَريبك" (٢) فكل أمرٍ تشك فيه أو لا تتيقن منه، فعليك أن تتركه إلى أمرٍ تتيقن أنه حلال أو أنه الصواب.
قوله: (وَالرَّابِعُ: أَنْ لَا يَشُكَّ فِي عَيْنِ الصَّيْدِ الَّذِي أَصَابَه، وَذَلِكَ عِنْدَ غَيْبَتِهِ عَنْ عَيْنِهِ) (٣).
стр. 5280
يعني: لو مثلًا انطلق الكلب أو الفهد فغاب عن صاحبه فترة، هذه الفترة العلماء يُبَيِّنون، ويختلفون فيها طولًا وقصرًا، فربما تكون فترة طويلة، وربما تمر ساعات، لكن هناك علامات إن وجدها الإنسان كما جاء في الحديث ولم يمض وقت طويل، ولم يجد أي شبهة، وإنما وجد جارحته موجودة عنده ولم يجد أثرًا لغيرها، وكان قد سمى على ذلك الجارح، فنعم، وكذلك لو سميت وأرسلت سهمك على طيرٍ من الطيور فأصاب غيره لا يضر ذلك؛ لأنك سميت وقد وجهت سهمك في الصيد، أو لو أنك صدت صيد جملة هذا أي: تكون على شجرة جملة من الطيور فسميت وصدت من الطيور، ذلك يجوز لك أن تأكل منه.
قوله: (وَالْخَامِسُ: أَنْ لَا يَكُونَ الصَّيْدُ مَقْدُورًا عَلَيْهِ فِي وَقْتِ الْإِرْسَالِ عَلَيْهِ).
يعني: صيدٌ بين يديك لا ترسل إليه كلبًا، إنما تستطيع أن تمسك به فتعامله كالإنسي، تمسك به وتذكيه أو تذبحه، أو تنحره.
стр. 5281
قوله: (وَالسَّادِسُ: أَنْ لَا يَكُونَ مَوْتُهُ مِنْ رُعْبٍ مِنَ الْجَارحِ أَوْ بِصَدْمَةٍ مِنْهُ).
فربما ترسل عليه فهدًا أو نمرًا فمن الخوف يموت، أو ربما يصطدم فيه هذا الحيوان اصطدامًا، فيكون موته إنما هو بسبب الاصطدام فيكون موته موقوذًا، وربما يخنقه خنقًا، فيكون ذلك بسبب الخنق (١).
قوله: (فَهَذِهِ هِيَ أُصُولُ الشُّرُوطِ الَّتِي مِنْ قِبَلِ اشْتِرَاطِهَا أَوْ لَاشْتِرَاطِهَا عَرَضَ الْخِلَافُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَرُبَّمَا اتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ بَعْضِ هَذِهِ الشُّرُوطِ، وَيَخْتَلِفُونَ فِي وُجُودِهَا فِي نَازِلَةٍ نَازِلَةٍ).
مراد المؤلف: أن هذه الشروط التي ذكرها بالإجمال وسيعود إليها تفصيلًا، منها ما هو مجمعٌ عليه ومنها ما هو مختلفٌ فيه، فمثلًا النية مجمعٌ عليها التي هي القصد، كذلك أيضًا الشروط التي تشترط في الصائد متفقٌ عليها، أن يكون مسلمًا أو كتَابيًا، بمعنى: لا يكون مجوسيًّا، ولا وثنيًّا، ولا غير ذلك مما اتفق العلماء على عدم قبول ذبيحته، وهناك شروطٌ مختلفٌ فيها كالتسمية.
стр. 5282
قوله: (كَاتِّفَاقِ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْفِعْلِ أَنْ يَكُونَ مَبْدَؤُهُ مِنَ الصَّائِدِ).
هذا شرط عند المالكية وغيرهم، يعني: أن يكون المرسل هو الصائد لا أن يكون الصيد هو الذي أرسل نفسه (١).
قوله: (وَاخْتِلَافِهِمْ إِذَا أَفْلَتَ الْجَارِحُ مِنْ يَدِهِ أَوْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ أَغْرَاهُ؛ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ الصَّيْدُ؟ أَمْ لَا؟).
يعني: لو أن الإنسان معه كلب، فبصر صيدًا، ربما صاحبه ما التفت إليه، فانفلت منه وانطلق خلف الصيد، هنا ما أرسله، إذن ما تم الإرسال، لكن ما هو الشرط الثاني؟ إذا أغراه أشلاه انشلى، انطلق من يده، ففجأة رأى أن الكلب يجري وراء الصيد، هل يكفيه في هذه الحالة أن يسمي وأن يزجر الجارح، فإذا زاد في مشيه يبهون استجابةً لذلك، حينئذٍ عند بعض العلماء: يجوز أن يأكل منه، وبعضهم: لا يرى ذلك، لكن لو انطلق ومشى على حالته، ولم يلتفت إلى زجر صاحبه، فحينئذٍ يكون إنما قصد الصيد لنفسه، أو في ذلك شبهة.
قوله: (لِتَرَدُّدِ هَذ الْحَالِ بَيْنَ أَنْ يُوجَدَ لَهَا هَذَا الشَّرْطُ أَوْ لَا يُوجَدَ (٢).
الْأَوَّلِ، أَعْنِي: إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَخْلِيصِهِ مِنَ الْجَارحِ حَتَّى مَاتَ؛ لِتَرَدُّدِ هَذ الْحَالِ بَيْنَ أَنْ يُقَالَ: أَدْرَكَهُ غَيْرَ مَنْفُوذِ الْمَقَاتِلِ، وَفِي غَيْرِ يَدِ الْجَارِحِ، فَأَشْبَهَ الْمُفَرِّطَ أَوْ لَمْ يُشْبِهْهُ فَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ، وَإِذَا كَانَتْ هَذ الشُّرُوطُ هِيَ أُصُولَ الشُّرُوطِ الْمُشْتَرَطَةِ).
هذه مسألة سيعود إليها مرة أخرى ونفصلها.
قوله: (فِي الصَّيْدِ مَعَ سَائِرِ الشُّرُوطِ الْمَذْكورَةِ فِي الْآلَةِ وَالصَّائِدِ نَفْسِهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي يَجِبُ أَنْ يُذْكَرَ مِنْ مَا مَا اتَّفَقُوا مِنْهُ عَلَيْهِ وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَأَسْبَابُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَمَا يَتَفَرَّعُ عَنْهَا مِنْ مَشْهُورِ مَسَائِلِهِمْ).
يعني: المؤلف سيذكر هذه المسائل مرةً أخرى، وسيورد أدلتها وأسباب الخلاف، ما الفائدة من ذكر سبب الخلاف، فعندما يذكر أسباب الخلاف نقف على توجيهات العلماء، لنتبين أن العلماء ﵏ عندما يختلفون في مسألةٍ من المسائل، ليس ذلك رغبةً في الاختلاف ولكنه في الحقيقة اختلاف ينتهي إلى وفاق، وقد يسأل سائل ويقول: كيف اختلاف وينتهي إلى وفاق، نعم ينتهي إلى وفاق؛ لأن هؤلاء الأئمة وغيرهم من العلماء الأعلام الذين وقَّفوا حياتهم وأفنوا أعمارهم في خدمة دين الله وفي الدفاع عنه، إنما كان غايتهم من خدمة هذا الفقه، هو أن يصلوا إلى الحق، وأن يبلغوا الغاية من ذلك، وهم في ذلك يدورون في فلك كتاب الله ، وفي سنة رسول الله ﷺ ، ولو قال أحدهم قولًا وتبين أن الحق في غيره، فسرعان ما يرجع إليه ويترك قوله، ولذلك أُثر عن الإمام الشافعي أنه قال: "إذا صح الحديث فهو مذهبي" (١)، والإمام
стр. 5285
أحمد يقول: "لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكًا ولا الأوزاعي، ولكن خذوا من حيث أخذوا" (١)، والإمام مالك ﵀ إمام دار الهجرة كان يقول: "ما منا إلا رادٌّ ومردودٌ عليه إلا صاحب هذه الحجرة" (٢) يعني رسول الله ﷺ ، فكلنا عرضة للخطأ وللصواب، أما الرسول لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحي، إذًا لأمر مختلفٌ تمامًا، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]، وأيضًا أبو حنيفة يقول: "إذا جاء الأمر عن الله فعلى العين والرأس (٣)، وإذا أجمع الصحابة على أمرٍ من الأمور فكذلك، وإذا اختلفوا اخترنا من بين أقوالهم، وإذا جاء عن التابعين فهم رجالٌ ونحن رجال"، إذن كما أنهم اجتهدوا نجتهد، فمن يتبين له الحق يأخذ به، فغاية الأئمة وغيرهم من العلماء الأعلام إنما هو الوصول إلى الحق، وأن يهتدوا في ذلك، لكن أخطر ما يهدد المسلم وبخاصة طالب العلم أن يغلب عليه هواه، وأن يتعصب لمذهبٍ من المذاهب، والله يقول: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] والله - تعالى - يقول لنَبيِّهِ داود ﵇: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] فما وقع في الأمم الإسلامية كثيرٌ من الأمور إلا نتيجة التعصب للآراء أو اتباع الأهواء، وخير دليل على ذلك، أعظم نكبةٍ مرت بالأمم الإسلامية، كانت نكبة التتار، عندما جاؤوا إلى قصبة الخلافة الإسلامية عاصمة الإسلام في ذلك الوقت بغداد،
стр. 5286
فسوروها وطوقوها من جميع جهاتها وكان الناس مختلفين فيما بينهم، فأخذوا يعملون السيوف في المسلمين حتى سالت الدماء كالأنهار، فلما رجع المسلمون إلى الحق واجتمعت كلمتهم على ذلك، عادوا إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ﷺ وأزالوا جميع أسباب الخلاف وابتعدوا عن كل أسباب الذلة وسلكوا جميع الطرق التي كانت تؤدي بهم إلى نصر الله التي قال الله فيها: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١] فعندما فعلوا ذلك قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥]، لما عاد المسلمون إلى الطريق السوي، والتفوا حول كتاب الله، وحول سنة رسول الله ﷺ واتحدت كلمتهم على الحق وعلى الهدى، واجتمعت صفوفهم، وزالت أسباب الفرقة، انتصروا على عدوهم وأذاقوه كأس الموت كما ذاقه المسلمون أولًا، فتمزق شملهم فبدؤوا يتساقطون بين أموات وبين أسرى؛ لأن المسلمون عادوا إلى الله فتحققت أسباب النصر، والله وعد بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥] وقال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] وقال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]، فكلما اجتمعت كلمة المسلمين وعادوا إلى الله وتوحدت صفوفهم انحلت جميع المشاكل.
قوله: (فَنَقُولُ: أَمَّا التَّسْمِيَةُ وَالنِّيَّةَ فَقَدْ تَقَدَّمَ الخِلَافُ فِيهِمَا وَسَبَبُهُ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ).
النية شرطٌ في جميع العبادات إلا ما استثني من ذلك مما لا يحتَاجُ إلى قَصْدٍ، كقراءة القرآن مثلًا، فإن النية إنما شُرِعَتْ لتمييزِ العبادات عن العادات، ولتمييز العبادات بعضها عن بعض، وقد ذكرنا ذلك تفصيلًا وإجمالًا في مواطن كثيرة، ولا شك أن الإنسان إذا أراد أن يصيدَ وأن يذبَحَ فلا بد له من قَصْدٍ، وهذا القصدُ مَحِلُّه القلب وإذا كان محله القلب
стр. 5287
فهو النِّيَّة، والرسول ﷺ يقول: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امْرئٍ ما نوى" (١)، فالنية مطلوبةٌ في الصيد وهي شرط فيه (٢)، أما التسمية محل خلافٍ بين العلماء فجمهور العلماء ومنهم الحنفية (٣) والمالكية (٤) والحنابلة (٥) يشترطون التسمية في الذكاة، لكنهم يفرقون بين المتعمد والنَّاسي، فمن تعمَّد ترْكَها فلا تصح ذَبِيحَتُهُ ولا صيده، أما من نسي فالجمهور انقسموا إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أبو حنيفة (٦) ومالك (٧) يفرقون بين الناسي وبين المتعمد، فمن نسي التسمية على الذبيحة أو الصيد فإن ذبيحته وصيده حلالٌ له أن يأكل منه.
الثاني: الحنابلة (٨) يرون أن من نسي أو تعمد ترك التسمية على الصيد فليس له أن يأكل من ذلك؛ لأنها متعيِّنةٌ وواجبة، لكنهم يفرقون بين الصيد وبين الذبيحة، فيسقطونها على الناسي في الذبائح ولا يسقطونها على الناسي في الصيد.
стр. 5288
الثالث: أما الشافعية (١) فيرون أنها سُنَّة فلو أن إنسانًا تركها متَعَمِّدًا فإن ذبيحته صحيحة لكنه خالف السُّنَّة وكذلك الحال بالنسبة للصيد، والذين أوجبوا التسمية عملًا بقوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] وقول الرسول ﷺ "إذا أرسلتَ كلْبكَ المعلَّم وذكرتَ اسمَ الله" (٢) فالكتاب والسنة دلا على التسمية وهي متعينةٌ، فلا ينبغي للمسلم أن يتركها على ذبيحةٍ أو صيد.
قوله: (وَمَنْ قَبِلَ اشْتَرَاطَ النِّيَّةِ فِي الذَّكَاةِ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ مَن اشْتَرَطَهَا إِذَا أَرْسَلَ الجَارِحَ عَلَى صَيْدٍ، وَأَخَذَ آخَرُ ذَكَاةَ ذَلِكَ الصَّيْدِ الَّذِي لَمْ يُرْسِلْ عَلَيْهِ).
يعني: كأن يرسل كَلْبًا على صيدِ مُعَيَّنٍ، فيصيد غيره، فإنه كما ذكر المؤلف هنا، لا يحل ذلك والمسألة فيها خلاف، وليس على إطلاقه.
قوله: (وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (٣). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٤)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٥)،
стр. 5289
وَأَحْمَدُ (١)، وَأَبُو ثَوْرٍ (٢): ذَلِكَ جَائِزٌ وَيُؤْكَلُ).
يعني: جمهور العلماء يخالفون مالكًا في هذه المسألة، فمالكٌ. يرى أنه لو أرسل صيدًا فأصاب غيره فلا يصح، والجمهور يرون ذلك؛ لأن الشروط قد توفرت، وقد قصد الصيد، وكذلك ذكر اسم الله - تعالى -، وهو أرسله ليصيد، فكونه وقع على غيره لا يؤثر ذلك، كما لو أرسل قوسه يقصد صَيْدًا فأصاب آخر، أو قصد صيدًا فأصاب جمعًا من الصيد فإن ذلك جائز.
قوله: (وَمِنْ قِبَلِ هَذَا أَيْضًا اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي الْإِرْسَالِ عَلَى صَيْدٍ غَيْرِ مَرْئِيٍّ، كَالَّذِي يُرْسِلُ عَلَى مَا فِي غَيْضَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ (٣)، وَلَا يَدْرِي هَلْ هُنَالِكَ شَيْءٌ؟ أَمْ لَا؟) (٤).
الغيضة (٥) هي: التي فيها لفيفٌ من الأشجار ولها عدة إطلاقات وكلها متقاربة أي: الأرض التي فيها غَلَّة، والقصد هي الأرض التي يقصد
стр. 5290
فيها الأشجار، بحيث يخفى على الإنسان كثيرٌ مما فيها، فلو أرسل الإنسان الجارحَ أو كذلك سهمه، فأصاب شيئًا لم يره هل يجوز أم لا؟ يعني: يحول بينه وبين الصيد أو مكانٍ مرتفع فيرسل الجارح فيصيد خلف تلك الأكمة أو الجبل أو الهضبة، هل يجوز ذلك أم لا.
قوله: (لِأَنَّ الْقَصْدَ فِي هَذَا يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِنَ الْجَهْلِ، وَأَمَّا الشَّرْطُ الْأَوَّلُ الْخَاصُّ بِذَكَاةِ الصَّيْدِ مِنَ الشُّرُوطِ السِّتَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا).
عاد المؤلف بعد أن أجمل شروط الصيد، عاد ليفصلها بعض التفصيل.
قوله: (وَهُوَ أَنَّ عَقْرَ الْجَارِحِ لَهُ إِذَا لَمْ يُنْفِذْ مَقَاتِلَه، إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا لَمْ يُدْرِكْهُ الْمُرْسِلُ حَيًّا).
يعني: الإنسان إذا أرسل جارحًا فصاد صيدًا فلا يخلو إما أن يجرحه فيقتله وهذا لا خلاف بين العلماء في حِلِّيَّتِهِ، إذا توفرت الشروط بأن قَصَده وذكر اسم اللّه عليه ولم تشاركه كلابٌ أخرى، أو مثلًا يشاركه فيه كلبٌ لم يذكر اسم الله عليه هذا أمر.
الأمر الآخر: أن يدركه حيًّا، فإن أدركه حيًّا وفيه حياة مستقرة فيلزَمُهُ في هذه الحالة أن يُذَكِّيَه وإن لم يذكيه فلا يجوز له أن يأكل منه، وإن كانت فيه حياةٌ مستقرة فأدركه فمات فيأكل منه على القول الصحيح.
قوله: (فَبِاشْتِرَاطِهِ. قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ (١): لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ