← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

فسوروها وطوقوها من جميع جهاتها وكان الناس مختلفين فيما بينهم، فأخذوا يعملون السيوف في المسلمين حتى سالت الدماء كالأنهار، فلما رجع المسلمون إلى الحق واجتمعت كلمتهم على ذلك، عادوا إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ﷺ وأزالوا جميع أسباب الخلاف وابتعدوا عن كل أسباب الذلة وسلكوا جميع الطرق التي كانت تؤدي بهم إلى نصر الله التي قال الله فيها: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١] فعندما فعلوا ذلك قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥]، لما عاد المسلمون إلى الطريق السوي، والتفوا حول كتاب الله، وحول سنة رسول الله ﷺ واتحدت كلمتهم على الحق وعلى الهدى، واجتمعت صفوفهم، وزالت أسباب الفرقة، انتصروا على عدوهم وأذاقوه كأس الموت كما ذاقه المسلمون أولًا، فتمزق شملهم فبدؤوا يتساقطون بين أموات وبين أسرى؛ لأن المسلمون عادوا إلى الله فتحققت أسباب النصر، والله وعد بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥] وقال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] وقال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]، فكلما اجتمعت كلمة المسلمين وعادوا إلى الله وتوحدت صفوفهم انحلت جميع المشاكل. قوله: (فَنَقُولُ: أَمَّا التَّسْمِيَةُ وَالنِّيَّةَ فَقَدْ تَقَدَّمَ الخِلَافُ فِيهِمَا وَسَبَبُهُ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ). النية شرطٌ في جميع العبادات إلا ما استثني من ذلك مما لا يحتَاجُ إلى قَصْدٍ، كقراءة القرآن مثلًا، فإن النية إنما شُرِعَتْ لتمييزِ العبادات عن العادات، ولتمييز العبادات بعضها عن بعض، وقد ذكرنا ذلك تفصيلًا وإجمالًا في مواطن كثيرة، ولا شك أن الإنسان إذا أراد أن يصيدَ وأن يذبَحَ فلا بد له من قَصْدٍ، وهذا القصدُ مَحِلُّه القلب وإذا كان محله القلب

стр. 5287

فهو النِّيَّة، والرسول ﷺ يقول: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امْرئٍ ما نوى" (١)، فالنية مطلوبةٌ في الصيد وهي شرط فيه (٢)، أما التسمية محل خلافٍ بين العلماء فجمهور العلماء ومنهم الحنفية (٣) والمالكية (٤) والحنابلة (٥) يشترطون التسمية في الذكاة، لكنهم يفرقون بين المتعمد والنَّاسي، فمن تعمَّد ترْكَها فلا تصح ذَبِيحَتُهُ ولا صيده، أما من نسي فالجمهور انقسموا إلى ثلاثة أقسام: الأول: أبو حنيفة (٦) ومالك (٧) يفرقون بين الناسي وبين المتعمد، فمن نسي التسمية على الذبيحة أو الصيد فإن ذبيحته وصيده حلالٌ له أن يأكل منه. الثاني: الحنابلة (٨) يرون أن من نسي أو تعمد ترك التسمية على الصيد فليس له أن يأكل من ذلك؛ لأنها متعيِّنةٌ وواجبة، لكنهم يفرقون بين الصيد وبين الذبيحة، فيسقطونها على الناسي في الذبائح ولا يسقطونها على الناسي في الصيد.

стр. 5288

الثالث: أما الشافعية (١) فيرون أنها سُنَّة فلو أن إنسانًا تركها متَعَمِّدًا فإن ذبيحته صحيحة لكنه خالف السُّنَّة وكذلك الحال بالنسبة للصيد، والذين أوجبوا التسمية عملًا بقوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] وقول الرسول ﷺ "إذا أرسلتَ كلْبكَ المعلَّم وذكرتَ اسمَ الله" (٢) فالكتاب والسنة دلا على التسمية وهي متعينةٌ، فلا ينبغي للمسلم أن يتركها على ذبيحةٍ أو صيد. قوله: (وَمَنْ قَبِلَ اشْتَرَاطَ النِّيَّةِ فِي الذَّكَاةِ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ مَن اشْتَرَطَهَا إِذَا أَرْسَلَ الجَارِحَ عَلَى صَيْدٍ، وَأَخَذَ آخَرُ ذَكَاةَ ذَلِكَ الصَّيْدِ الَّذِي لَمْ يُرْسِلْ عَلَيْهِ). يعني: كأن يرسل كَلْبًا على صيدِ مُعَيَّنٍ، فيصيد غيره، فإنه كما ذكر المؤلف هنا، لا يحل ذلك والمسألة فيها خلاف، وليس على إطلاقه. قوله: (وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (٣). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٤)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٥)،

стр. 5289

وَأَحْمَدُ (١)، وَأَبُو ثَوْرٍ (٢): ذَلِكَ جَائِزٌ وَيُؤْكَلُ). يعني: جمهور العلماء يخالفون مالكًا في هذه المسألة، فمالكٌ. يرى أنه لو أرسل صيدًا فأصاب غيره فلا يصح، والجمهور يرون ذلك؛ لأن الشروط قد توفرت، وقد قصد الصيد، وكذلك ذكر اسم الله - تعالى -، وهو أرسله ليصيد، فكونه وقع على غيره لا يؤثر ذلك، كما لو أرسل قوسه يقصد صَيْدًا فأصاب آخر، أو قصد صيدًا فأصاب جمعًا من الصيد فإن ذلك جائز. قوله: (وَمِنْ قِبَلِ هَذَا أَيْضًا اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي الْإِرْسَالِ عَلَى صَيْدٍ غَيْرِ مَرْئِيٍّ، كَالَّذِي يُرْسِلُ عَلَى مَا فِي غَيْضَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ (٣)، وَلَا يَدْرِي هَلْ هُنَالِكَ شَيْءٌ؟ أَمْ لَا؟) (٤). الغيضة (٥) هي: التي فيها لفيفٌ من الأشجار ولها عدة إطلاقات وكلها متقاربة أي: الأرض التي فيها غَلَّة، والقصد هي الأرض التي يقصد

стр. 5290

فيها الأشجار، بحيث يخفى على الإنسان كثيرٌ مما فيها، فلو أرسل الإنسان الجارحَ أو كذلك سهمه، فأصاب شيئًا لم يره هل يجوز أم لا؟ يعني: يحول بينه وبين الصيد أو مكانٍ مرتفع فيرسل الجارح فيصيد خلف تلك الأكمة أو الجبل أو الهضبة، هل يجوز ذلك أم لا. قوله: (لِأَنَّ الْقَصْدَ فِي هَذَا يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِنَ الْجَهْلِ، وَأَمَّا الشَّرْطُ الْأَوَّلُ الْخَاصُّ بِذَكَاةِ الصَّيْدِ مِنَ الشُّرُوطِ السِّتَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا). عاد المؤلف بعد أن أجمل شروط الصيد، عاد ليفصلها بعض التفصيل. قوله: (وَهُوَ أَنَّ عَقْرَ الْجَارِحِ لَهُ إِذَا لَمْ يُنْفِذْ مَقَاتِلَه، إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا لَمْ يُدْرِكْهُ الْمُرْسِلُ حَيًّا). يعني: الإنسان إذا أرسل جارحًا فصاد صيدًا فلا يخلو إما أن يجرحه فيقتله وهذا لا خلاف بين العلماء في حِلِّيَّتِهِ، إذا توفرت الشروط بأن قَصَده وذكر اسم اللّه عليه ولم تشاركه كلابٌ أخرى، أو مثلًا يشاركه فيه كلبٌ لم يذكر اسم الله عليه هذا أمر. الأمر الآخر: أن يدركه حيًّا، فإن أدركه حيًّا وفيه حياة مستقرة فيلزَمُهُ في هذه الحالة أن يُذَكِّيَه وإن لم يذكيه فلا يجوز له أن يأكل منه، وإن كانت فيه حياةٌ مستقرة فأدركه فمات فيأكل منه على القول الصحيح. قوله: (فَبِاشْتِرَاطِهِ. قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ (١): لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ

стр. 5291

عَدِيِّ بْنِ حَاتِم في بَعْضرِ رِوَايَاتِهِ أَنَّهُ قَالَ ﵊: "وَإِنْ أَدْرَكتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ" (١)). يعني: إذا أدركه حيًّا فليس له أن يتركه حتى يموت بل يلزمه أن يذكيه؛ لأنه يعجز عنه، ولذلك لو أمكن الإنسان أن ينال الصيد بيده دون ضرر فيلزمه أن يذكيه كالإنس، لكن لما كان ذلك غير مقدورٍ عليه حينئذٍ كانت ذكاته العقر، يعني أن يرسل عليه جارِحًا أو مِعْراضًا أو قوسًا فيصيبه، فإذا جرحه جاز له ذلك. قوله: (وَكَانَ النَّخَعِيُّ يَقُولُ: إِذَا أَدْرَكْتَهُ حَيًّا، وَلَمْ يَكُنْ مَعَكَ حَدِيدَةٌ فَأَرْسِلْ عَلَيْهِ الْكِلَابَ حَتَّى تَقْتُلَه، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، مَصِيرًا لِعُمُومِ قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]) (٢).

стр. 5292

الآية عامة فلو قُدر أن إنسانًا في فلاة فأرسل كلبًا - فصاد له صيدًا فأمسك به والحياة لا تزال مستقرةً فيه، وليس معه ما يذبحه، أي: لا توجد معه سكين، ولا حتى حجر مسنَّنٌ ولا غير ذلك مما يجوز الذبح به، فهل يتركه حتى يموت؟ أو يغري به ذلك الكلب والكلاب حتى تجرحه فتقتله، هذا هو الذي يريده المؤلف، وجمهور العلماء قالوا: لا يجوز ذلك، والنخعي والحسن البصري وهما من التابعين وهي رواية عن الإمام أحمد (١) يقولون: يغري به ذلك الجارح فيقتله فيأكل منه، بدليل أنه لو جرحه في الأصل فقتله جاز الأكل، فلماذا نمنع هنا ونجيز هناك! والجمهور يقولون: الصورة مختلفة لأنك هنا في هذه الحالة أمسكت به والحياة لا تزال مستقرة فيه، أما تلك فقد قتله الحيوان وهذا مما أباحه الله ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] وقول الرسول ﷺ ، قال: وإن قتله الصائد قال: "وإن قتله" يعني: الجارح "فكل" (٢). قوله: (وَمِنْ قِبَلِ هَذَا الشَّرْطِ قَالَ مَالِكٌ (٣): لَا يَتَوَانَى الْمُرْسِلُ فِي طَلَبِ الصَّيْدِ، فَإِنْ تَوَانَى فَأَدْرَكهُ مَيِّتًا؛ فَإِنْ كَانَ مَنْفُوذَ الْمَقَاتِلِ بِسَهْمٍ حَلَّ أَكْلُه، وَإِلَّا لَمْ يَحِلَّ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَوَانَ لَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُدْرِكَهُ حَيًّا غَيْرَ مَنْفُوذِ الْمَقَاتِلِ). هذه مسألة فيها تفصيل عند العلماء، يعني: لو أن الإنسان أرسل

стр. 5293

الجارح الكلب أو غيره فصاد له صيدًا فتوانى يعني: تأخر في البحث عنه ثم بعد ذلك وجده، وسيأتي الكلام في تحديد المدة، ثم أدركه بعد ذلك، بعض العلماء فَصَّل (١) وقال: إن أدركه وليس فيه إلا سهمه، فهو في هذه الحالة يجوز له أكله، أو أدركه ميتًا قد قُتِلَ وعنده كلبه ولم يشركه غيره فكذلك يأكل منه، وبعضهم منع من ذلك (٢)؛ لأن ذلك قد تطرق إليه الشك فلا ينبغي أن يؤكل. قوله: (وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مَبْدَؤُهُ مِنَ الْقَانِصِ، وَيَكُونَ مُتَّصِلًا حَتَّى يُصِيبَ الصَّيْدَ). فهناك فرق بين أن يرسل الصائد الجارح وبين أن ينطَلِقَ من نفسه، فلو قدر أن الكلب انطلَقَ من ذات نفسه، يقول جمهورُ العلماء (٣): ليس له أن يأكل من ذلك الصيد، وبعضهم قال (٤): إن انطلَقَ من ذاتِ نفْسِهِ فأدركه فسَمَّى عليه، ثم أغراهُ يعني: زَجَرَهُ فزاد في سيره فإنه يجوز الأكل منه، أما لو انطلق من ذات نفسه ولم يغره صاحبه أي: لم يزجُرْه فلا يجوز الأكل منه خشية أن يكون إنما صادَ لنفسه، وفي هذه الحالة لم يذكر اسم الله الصائد عند إرسال الجارح. قوله: (فَمِنْ قِبَلِ اخْتِلَافِهِمْ فِيهِ اخْتَلَفُوا فِيمَا تُصِيبُهُ الْحِبَالَةُ وَالشَّبَكَةُ إِذَا أُنْفِذَتِ الْمَقَاتِلُ بِمُحَدَّدٍ فِيهَا، فَمَنَعَ ذَلِكَ مَالِكٌ (٥) وَالشَّافِعِيُّ (٦) وَالْجُمْهُورُ).

стр. 5294

يعني: هناك ما يوضع من المناجِل (١) التي تخصص للصيد، بعض العلماء يرى جواز ذلك كالحنابلة (٢) إذا توفوت الشروط فيها، ولكن إذا وجدت حِبَالة، يعني: حبال أو شِرَاك موضوعة والتي تُعرف بالشبكة، فوقع فيها صيدٌ فهذه إذا أُدرك وذبَحَ لا إشكال في ذلك، ولكن الكلام فيما لو قَتَلَهُ فما الحكم هنا؟ الجواب: أكثر العلماء على أنه لا يجوز الأكل منه، ويمثِّلُون بذلك فيما لو أن إنسانًا نصب سيْفًا أو سكينًا في مكان فمرت عليه شاةٌ فذبحها، قالوا: لا يجوز الأكل منها؛ لأنه لم يُسَمِّ عليها، فكذلك هنا. قوله: (وَرَخَّصَ فِيهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ (٣). وَمِنْ هَذَا الْأَصْلِ لَمْ يُجِزْ مَالِكٌ (٤) الصَّيْدَ الَّذِي أُرْسِلَ عَلَيْهِ الْجَارِحُ فَتَشَاغَلَ بِشَيْءٍ آخَرَ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ). يعني: أرسل الجارح ثم انشغل عنه ثم عاد إليه من ذات نفسه، بمعنى أنه جدَّ في الذهاب، فهل يؤكل منه أم لا، أي: عندما أرسله الصائد صاحبه انطلق ثم توقف وانشغل بغيره، إما بصيدٍ آخر أو بنحو ذلك، ثم إنه عاد مرةً أخرى فلحق به فصادَه، فهل يكفي القصد الأول والتسمية، وكون الكلب انشغل عنه، أم لا بُدَّ من وجود اتصالٍ بين صيده

стр. 5295

وبين الإرسال هذه مسألة فيها خلاف (١). قوله: (وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ لَا يُشَارِكَهُ فِي الْعَقْرِ مَنْ لَيْسَ عَقْرُهُ ذَكَاةً لَهُ - فَهُوَ شَرْطٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِيمَا أَذْكُرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَنْ قَتَلَهُ). يعني: لو قُدر أنه أرسل كلبه المعلم فشاركه كلب مجوسي، لماذا قال شارَكَه من لا يقبل ذكاته؛ لأنه لو وجده مُسْلِمٌ فذبَحَهُ بعد أن جرحه الجارح حلَّت ذكاتُهُ ويؤكل منه، لكن لو أدركه مجوسي أو وثني فذبحَهُ فإنه في هذه الحالة لا يؤكل منه، أو لو شارك هذا الكلب كلب مجوسِيٌّ لا يؤكل منه (٢)، أو أيضًا شاركته كلاب، يدرى أذكر اسم الله عليها أم لا، لا يؤكل؛ لأن رسول الله ﷺ نهى عن ذلك.

стр. 5296

قوله: (وَأَمَّا الشَّرْطُ الرَّابعُ: وَهُوَ أَنْ لَا يَشُكَّ فِي عَيْنِ الصَّيْدِ، وَلَا فِي قَتْلِ جَارِحِهِ لَه، فَمِنْ قِبَلِ ذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي أَكْلِ الصَّيْدِ إِذَا غَابَ مَصْرَعُهُ). يعني: قد يصيد صيدًا في فلاة فيمر وقتٌ لا يدري أين هو ثم يعثر عليه، فهنا إذا عثر عليه يأتي التفصيل، من العلماء من قال: لا يجوز، ومنهم: من أجازه مطلْقًا، ومنهم: من قيَّدَهُ بالنهار دون الليل، ومنهم: من فرَّقَ بين أن تطول المدة أو لا تطول، شريطة أن يجد أثر سهمه فيه، أو أن يجد كلبه عنده، وبعض العلماء يفرق بين المدة القليلة وبين الكثيرة، كالحنابلة (١) مثلًا،

стр. 5297

وأيضًا الحنابلة لهم رواية أخرى (١)، يفرقون فيها بين صيد الليل والنهار، فإن وجَدَه نهارًا ولم يُنْتِنْ أكل منه، وإن وجده ليلًا فلا، ويفرقون بين أن تكون ليلتان فدُونها أو أكثر، وهكذا التفصيلات في المذاهب الأخرى، فبعضهم منعه مطلَقًا، وبعضهم أجازه مطلقًا، وبعضهم فصل. قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (٢) مَرَّةً: لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الصَّيْدِ إِذَا غَابَ عَنْكَ مَصْرَعُهُ إِذَا وَجَدْتَ بِهِ أَثَرًا مِنْ كلْبِكَ، أَوْ كَانَ بِهِ سَهْمُكَ مَا لَمْ يَبِتْ، فَإِذَا بَاتَ فَإِنِّي أَكْرَهُهُ. وَبِالْكَرَاهِيَةِ قَالَ الثَّوْرِيُّ (٣)، وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ (٤): إِذَا بَاتَ الصَّيْدُ مِنَ الجَارحِ لَمْ يُؤْكَلْ، وَفِي السَّهْمِ خِلَافٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ (٥): يُؤْكَلُ فِيهِمَا جَمِيعًا إِذَا وُجِدَ مَنْفُوذَ الْمَقَاتِلِ، وَقَالَ مَالِكٌ

стр. 5298

فِي الْمُدَوَّنَةِ (١): لَا يُؤْكَلُ فِيهِمَا جَمِيعًا إِذَا بَاتَ وَإِنْ وُجِدَ مَنْفُوذَ الْمَقَاتِلِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢): الْقِيَاسُ أَنْ لَا تَأْكُلَهُ إِذَا غَابَ عَنْكَ مَصْرَعُهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): إِذَا تَوَارَى الصَّيْدُ وَالْكَلْبُ فِي طَلَبِهِ، فَوَجَدَهُ الْمُرْسِلُ مَقْتُولًا، جَازَ أَكْلُهُ مَا لَمْ يَتْرُكِ الْكَلْبُ الطَّلَبَ، فَإِنْ تَرَكَهُ كَرِهْنَا أَكْلَهُ). أما مذهب أحمد فقد بينا التفصيل فيه. قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ شَيْئَانِ اثْنَانِ: الشَّكُّ الْعَارِضُ فِي عَيْنِ الصَّيْدِ أَوْ فِي ذَكَاتِهِ. وَالسَّبَبُ الثَّانِي: اخْتِلَافُ الآَثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ، فَرَوَى مُسْلِمٌ (٤)، وَالنَّسَائِيُّ (٥)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٦)، وَأَبُو دَاوُدَ (٧) عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ فِي الَّذِي يُدْرِكُ صَيْدَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَقَالَ: "كُلْ مَا لَمْ يُنْتِنْ").

стр. 5299

"كل ما لم ينتن": من أنتن ينتن، أي أصابه النتن، يعني: ما لم تمض عليه ثلاثة أيام أو ثلاث ليال، هذا هو المراد من الحديث؛ لأنه إذا أنتن أصبح مضرًا، فلا ينبغي أن يؤكل منه. قوله: (وَرَوَى مُسْلِمٌ (١) عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ ﵊ قَالَ: "إِذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ، فَغَابَ عَنْكَ مَصْرَعُه، فَكُلْ مَا لَمْ يَبِتْ"). وفي رواية لمسلم: "إذا أرسلت كلبك فغاب عنك ثلاثة أيامٍ" (٢). قوله: (وَفِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أنه قال ﵊: "إِذَا وَجَدْتَ سَهْمَكَ فِيهِ، وَلَمْ تجِدْ فِيهِ أَثَرَ سَبُعٍ، وَعَلِمْتَ أَنَّ سَهْمَكَ قَتَلَه، فَكُلْ" (٣)، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي الصَّيْدِ يُصَادُ بِالسَّهْمِ أَوْ يُصِيبُهُ الْجَارِح، فَيَسْقُطُ فِي مَاءٍ أَوْ يَتَرَدَّى مِنْ مَكَانٍ عَالٍ، فَقَالَ مَالِكٌ (٤): لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مِنْ أَيِّ الْأَمْرَيْنِ مَاتَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ

стр. 5300

السَّهْمُ قَدْ أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ وَلَا يَشُكَّ أَنَّ مِنْهُ مَاتَ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ (١)). الإمام مالك: لا يرى الأكل منه إلا أن يكون السهم قد نفذ إليه بحيث لا يشك بأنه هو الذي قتله، فإذا تيقَّنا من أن الذي قتله هو السهم يؤكل منه، أما إذا شككنا فلا، مخافة أن يكون قد سقَطَ على جبلٍ وهو بعد لم يمُتْ فتردى من الجبل، فكان موته بسبب التردي، أو أنه سقَط في الماء فأغرقه الماء فمات. قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): لَا يُؤْكَلُ إِنْ وَقَعَ فِي مَاءٍ مَنْفُوذُ الْمَقَاتِلِ، وَيُؤْكَلُ إِنْ تَرَدَّى. وَقَالَ عَطَاءٌ: لَا يُؤْكَلُ أَصْلًا إِذَا أُصِيبَتِ الْمَقَاتِل، وَقَعَ فِي مَاءٍ أَوْ تَرَدَّى مِنْ مَوْضِعٍ عَالٍ) (٣).

стр. 5301

أبو حنيفة يرى: أنه لو أصيب فسقط على مكانٍ فتردى فإنه يؤكل منه سواء كان قد نفذ السهم منه كما قال مالك أو لم ينفذ في مقاتله، لكن لو وقع في الماء فلا يجوز الأكل منه وإن نفذ السهم إلى مقاتله؛ لأنه يوجد شبهةٌ قوية في أنه قد غرق فلا يجوز الأكل منه، أما الحنابلة: مذهبهم قريبٌ من مذهب مالك، لهم رواية على مذهب (١) ورواية أخرى (٢) لا يؤكل منه، إذا تردى من على جبل أو في الماء فلا يؤكل منه مطلقًا. قوله: (لإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ زَهُوقُ نَفْسِهِ مِنْ قِبَلِ التَّرَدِّي أَوْ مِنَ الْمَاءِ قَبْلَ زُهُوقِهَا مِنْ قِبَلِ إِنْفَاذِ الْمَقَاتِلِ. وَأَمَّا مَوْتُهُ مِنْ صَدْمِ الْجَارحِ لَهُ). يعني: إذا أرسل الجارح لا يخلو إما أن يجرحه بمعنى: أن يفرِيَ أوداجَهُ يقطَعُها، أو أن يخرج غشاءه ففي هذه الحالة يؤكل، أما لو اصطدم به فمات من الصدمة أو مات خوفًا فإنه في هذه الحالة لا يؤكل. قوله: (فَإِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ مَنَعَهُ قِيَاسًا عَلَى الْمُثَقَّلِ، وَأَجَازَهُ أَشْهَبُ (٣)؛ لِعُمُومِ قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]).

стр. 5302

أكثر العلماء يمنعون ذلك (١). قوله: (وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْمَذْهَبُ أَنَّ مَا مَاتَ مِنْ خَوْفِ الْجَارحِ أَنَّهُ غَيْرُ مُذَكَّى. وَأَمَّا كَوْنُهُ فِي حِينِ الْإِرْسَالِ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ شَرْطٌ فِيمَا عَلِمْتُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ يُوجَدُ إِذَا كَانَ الصَّيْدُ مَقْدُورًا عَلَى أَخْذِهِ بِالْيَدِ دُونَ خَوْفٍ أَوْ غَرَرٍ؛ إِمَّا مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَدْ نَشَبَ فِي شَيْءٍ، أَوْ تَعَلَّقَ بِشَيْءٍ، أَوْ رَمَاهُ أَحَدٌ فَكَسَرَ جَنَاحَهُ أَوْ سَاقَهُ). يعني: إذا أمكن الإمساك بالصيد أو الطائر فكُسر جناحه أو وقع في حبالٍ أو في شراكٍ أو شباك ونحو ذلك، فإن تذكِيَتَهُ هنا متعينة، هذا هو المراد؛ لأنه مقدورٌ على تذكيته. قوله: (وَفِي هَذَا الْبَابِ فُرُوعٌ كثِيرَةٌ مِنْ قِبَلِ تَرَدُّدِ بَعْضِ الْأَحْوَالِ بَيْنَ أَنْ يُوصَفَ فِيهَا الصَّيْدُ بِأَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ، مِثْلَ أَنْ تَضْطَرَّهُ الْكِلَابُ فَيَقَعَ فِي حُفْرَةٍ، فَقِيلَ فِي الْمَذْهَبِ: يُؤْكَل، وَقِيلَ: لَا يُؤْكَلُ (٢)، وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ الْعَقْرِ إِذَا ضُرِبَ الصَّيْد، فَأُبِينَ مِنْهُ عُضْوٌ - فَقَالَ قَوْمٌ: يُؤْكَلُ الصَّيْدُ إلّا مَا بَانَ مِنْه، وَقَالَ قَوْمٌ: يُؤْكَلَانِ جَمِيعًا) (٣).

стр. 5303

هذه المسألة فيها خلاف كبير وتفصيل، فمن العلماء من قال: إذا صوب نحو حيوانٍ، طائرٍ أو حيوان، فقطع منه عضوًا فبعضهم قالوا: يؤكل

стр. 5304

ما انفصل عنه وما بقي فيه، سواءٌ كان المنفصل أكثر أو أقل، وبعضهم قال: إن كان قد انفصل منه عضوٌ والحياة لا تزال مستقرة في الحيوان ففي هذه الحالة يؤكل الحيوان دون ما انفصل عنه فهذا لا يجوز، وبعضهم: فرق بين النصف أو غيره، فإن كان قد انفصل نصفه وكان من الجهة التي مع الرأس فإنه في هذه الحالة يؤكل أو لا يؤكل، هذه كلها تفصيلات، وأكثر العلماء الذين فرقوا كالشافعية والحنابلة يقولون: إذا كان قد قطع منه عضو ومات الحيوان فيؤكلان جميعًا، لكن لو بقيت الحياة في الحيوان فلا يجوز أكل ما أبين منه. قوله: (وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ (١) الْعُضْوُ مَقْتَلًا أَوْ غَيْرَ

стр. 5305

مَقْتَلٍ، فَقَالُوا: إِنْ كَانَ مَقْتَلًا أُكِلَا جَمِيعًا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَقْتَلٍ أُكِلَ الصَّيْدُ وَلَمْ يُؤْكَلِ الْعُضْوُ). يعني: قُطع هذا العضو نتيجة إصابته بالسهم فمات الحيوان أُكلا جميعًا، وهذا ما ذكرنا في المذهبين الشافعي والحنبلي، وإن لم يكن كذلك فيؤكل الصيد دون ما أبين منه، وقد جاء في حديث: "ما أُبِينَ من حيٍّ فهو ميت" (١). قوله: (وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ، وَإِلَى هَذَا يَرْجِعُ خِلَافُهُمْ فِي أَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ بِنِصْفَيْنِ، أَوْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَكبَرَ مِنَ الثَّانِي، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ قَوْلِهِ ﵊: "مَا قُطِعَ مِنَ الْبهيمَةِ

стр. 5306

وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتَةٌ" (١)؛ لِعُمُومِ قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، وَلِعُمُومِ قوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]؛ فَمَنْ غَلَّبَ حُكْمَ الصَّيْدِ وَهُوَ الْعَقْرُ مُطْلَقًا قَالَ: يُؤْكَلُ الصَّيْدُ وَالْعُضْوُ الْمَقْطُوعُ مِنَ الصَّيْدِ، وَحَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى الْإِنْسِيِّ، وَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْوَحْشِيِّ وَالْإِنْسِيِّ مَعًا، وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْعُمُومِ بِالْحَدِيثِ الْعُضْوَ الْمَقْطُوعَ، فَقَالَ: كُلُّ الصَّيْدِ دُونَ الْعُضْوِ الْبَائِنِ، وَمَنِ اعْتَبَرَ فِي ذَلِكَ الْحَيَاةَ الْمُسْتَقِرَّةَ، - أَعْنِي: فِي قَوْلِهِ: وَهِيَ حَيَّةٌ - فَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْعُضْوُ مَقْتَلًا أَوْ غَيْرَ مَقْتَلٍ). الآيتان أطلقتا، والحديث فصَّل وبين ما أُبينَ من الحيوان وما بَقِيَ فلا يؤكل، ما قطع من البهيمة فهو مَيْتٌ، فهل القصد من ذلك مطلقًا أم أنه خاصٌ بغير حالة الصيد. [الْبَابُ الرَّابعُ فِي شُرُوطِ الْقَانِصِ] (٢) المؤلف انتقل إلى الصائد نفسه وهو الإنسان الذي يرسل الآلة أو يرسل الجارح، الذي يعرف بالصائد أو القانص، الذي يتتبع قنص الحيوانات أو الذي يتتبع الصيد، أي: يجري وراء الصيد، وقد ذكرنا في مقدمة هذا الكتاب "كتاب الصيد" أن الصيد مما يُفتتن به الإنسان، فكم من

стр. 5307

أناسٍ أمضوا أوقاتهم في تتبع الصيد، وربما تمضي عليه ساعات النهار وهو ينتقل من مكان إلى مكان فلا يدري إلا وقد قامت عليه الشمس، وجاء في الأثر: "من تَتَبَّعَ الصيدَ فُتِنَ" وهذا يعرفه الذين اشتغلوا بالصيد، فإنه يأخذ أوقاتهم، وهذا قد عرف عن العرب منذ أيام الجاهلية، فكانوا يذهبون وراء الصيد فتعلقوا به، وتعلقت نفوسهم به حتى ذكروه كثيرًا في أشعارهم وامتدحوه وتمجدوا به. قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَشُرُوطُ الْقَانِصِ هِىَ شُرُوطُ الذَّابِحِ نَفْسِهِ). ما هي شروط الذابح؟ والجواب: أولًا: أن يكون غيرَ مجوسِيٍّ أو وثني. ثانيًا: وألَّا يكون مجنونًا. ثالثًا: مكلفًا، أيَّ: عالمًا بحكم ذلك. أن يكون مسلمًا أو كتابيًا؛ لأن الله يقول في أهل الكتاب: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] والمراد بالطعام هنا إنما هي الذبائح والصيد. فلا بد أن تتوفر في الصائد الشروط التي تتوفر في الذابح، وأن يذكر اسم الله ، وأن يقصد الصيد. قوله: (وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا وَالْمُخْتَلَفِ فِيهَا). قصد المؤلف: أن هناك شروطًا متفقًا عليها، وهناك شروطٌ مختلفٌ فيها، فمن الشروط المتفق عليها ألا يكون الذابح مجوسِيًّا ولا وثنيًا وكذلك لا يكون مجنونًا، لكن الصبي مختلفٌ فيه (١)،

стр. 5308

والمرأة (١)، والصحيح جواز ذبح الصبي إذا كان مدركًا وكذلك المرأة، وقد مر بنا قصة المرأة التي كانت ترعى غنمًا لسيدها في سلع، في مكان قريب يعرف بالعطن، فرأت شاةً قد أدركها الموت فكسرت حجرًا فذبحتها، فأذن لهم الرسول ﷺ بأن قال: "فكُلوا إن شئتم" (٢). قوله: (وَيَخُصُّ الاصْطِيَادَ فِي الْبَرِّ شَرْطٌ زَائِدٌ، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ مُحْرِمًا) (٣). فهناك فرق بين صيد البر وصيد البحر بالنسبة للقانص، فالله يقول: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] إذن الشرط الزائد هو ألا يكون محرِمًا، أي: متلبسًا بالإحرام حاجًا أو معتمرًا، ألّا يكون في مكان يمنع فيه الصيد كالبلد الحرام أو المدينة.

стр. 5309

قوله: (وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ؛ لِقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، فَإِنِ اصْطَادَ مُحْرِمٌ فَهَلْ يَحِلُّ ذَلِكَ الصَّيْدُ لِلْحَلَالِ؟ أَمْ هُوَ مَيْتَةٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَصْلًا؟). هذه المسألة مرت بِنَا وعرفنا أنه لا يجوز للمسلم إذا أحْرَمَ أن يصيد؛ لأن هذا من محظورَات الإحرام التسع، فليس له أن يصيد ولا أن يُعاوِنَ على الصيد بإشارةٍ أو غيرها، لكن الكلام هنا بالنسبة للصائد المحرم لو صاد حيوانًا، فما الحكم؟ والجواب: لا يجوز له أن يأكل منه باتفاق العلماء (١)، لكن هل لغيره أن يأكل منه؟ من العلماء من قال: هو بمثابة الميتة، والميتة لا يجوز الأكل منها إلا في حالة الضرورة، والعلماء انقسموا إلى قسمين: الأول: مالكٌ (٢) وأحمد (٣) في جانب. الثاني: أبو حنيفة (٤) والشافعي (٥) في جانبٍ آخر، علمًا بوجود خلاف في المذهب الشافعي.

стр. 5310

قوله: (اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاء، فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهَا مَيْتَةٌ (١)، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ (٢) وَأَبُو حَنِيفَةَ (٣)، وَأَبُو ثَوْرٍ (٤) إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِغَيْرِ الْمُحْرِمِ أَكْلُه، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ الْأَصْلُ الْمَشْهُور، وَهُوَ هَلِ النَّهْيُ يَعُودُ بِفَسَادِ الْمَنْهِيِّ؟ أَمْ لَا؟ (٥) وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ ذَبْحِ السَّارِقِ وَالْغَاصِبِ).

стр. 5311

العلماء قسموا الحقوق عدة أقسام: أولًا: هناك حقٌّ خاصٌّ بالله ، لا يجوز أن يشركه معه أحدٌ من الخلق، وذلك في عبادة الله ؛ لأن العبادة هي لله وحده، وقد كان المشركين يقرون بأن هناك رَبًّا كما قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨] وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٥]، والآيات في ذلك كثيرة فهم يعرفون توحيد الربوبية لكنهم لا يُقِرُّون بتوحيد الألوهية فهم يعبدون مع الله غيره، وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، لكن عندما تشتدُّ بهم الأهوال وتَنْسَدُّ أمامهم المسالك، وتغلق أمامهم الدنيا وتحيط بهم العواصف من كل مكان، يدركون حينئذٍ بأنه ليس هناك إلا إلهٌ واحد، ألا وهو الله كما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ [العنكبوت:٦٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤)﴾ [الأنعام: ٦٣ - ٦٤]، وكانوا يدركون تمامًا أن الله واحدٌ لا شريك له، لكنهم يتخذون تلك الأصنام وتلك الأوثان ومن يتخذونهم معبودات، يجعلونهم وسطاء بينهم وبين الله ، فلم ينفعهم توحيدُ الربوبية ولذلك وقعوا في الشرك، إذن: العبادة أمرٌ خاصٌّ لله كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [لبينة: ٥]، وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٤ - ١٥] هذه العبادة خاصةٌ لله . ثانيًا: هناك حقوقٌ مشتركة بين الخالق والمخلوق، بمعنى: أن للخالق حقًّا فيها وللمخلوق، ولكن في الحدود، ولنأخذ مثلًا حد القذف،

стр. 5312

فلو أن إنسانًا قَذَفَ إنسانًا، بأن رماه بأحد والديه أو قذفه بكلمةٍ قبيحة تؤثر فيه ففي هذه الحالة قد تعدى على هذا الإنسان، ويستحق في هذه الحالة أن يجلد حد القذف ثمانين جلدة، وفي نفس الوقت هناك حقٌّ خاصٌّ لله وهو إقامة الحد عليه، وكذلك الحال بالنسبة لحد السرقة والزِّنا، وكذلك أيضًا القصاص، وحدُّ البغاة، والمحاربين، فهذه الحدود فيها حقوق لله وحقوق للمعتدى عليه. ثالثًا: هناك حقٌّ خاصٌّ بالمخلوق، وهو حق الإنسان في أن يتصرف في ملكه، في بيته، في أمواله إلى غير ذلك. فالذي حرم عليك الصيدَ ما دُمْت محرِمًا، هو الله ؛ لأنه قال: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، وقال تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]؛ لأنه حق لله ، فمن يعتدي على ذلك تعدَّى على حق الله وانتهكه، ويقول المالكية والحنابلة: من يقتل صيدًا وهو حُرُم، فإن الصيد ميتة لا يجوز له أن يأكل منه ولا أن يأكل منه غيره. قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي كلْبِ الْمَجُوسِ الْمُعَلَّمِ فَقَالَ مَالِكٌ (١): الاصْطِيَادُ بِهِ جَائِزٌ، فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ الصَّائِدُ لَا الْآلَةُ). العلماء قاسوا ذلك على ذكاة المجوسي فقالوا: إنها بمثابة الميتة لا يجوز الأكل منها؛ لأنه حرم عليك الصيد ما دمت مُحْرِمًا، وهذا رأي المالكية والحنابلة (٢)،

стр. 5313

أما الحنفية (١) والشافعية (٢): يخالفون في ذلك، مع أن مذهب الشافعية ليس على إطلاقه كما ذكر المؤلف، ولننتبه إلى أن هناك فرقًا بين أن يرسل إنسانٌ صيده كلبه المعلَّم فيشاركه كلب مجوسي، فلا يجوز الأكل من الذبيحة؛ لأنه لا يجوز لك أن تأكل من صيدِ المجوسِيِّ؛ ولأنه لا بد فيه من القَصد ومن التسمية، والمجوسي لا يصح منه شيء من ذلك، واستثني من ذلك أهل الكتاب، لكن هناك صورة أخرى لو أن مجوسِيًّا علَّم كلبَهُ فَوَهَبَه لمسلمٍ فصاد به، هل يجوز الصيد به أم لا؟ الجواب: أكثر العلماء يجيزون ذلك وهو الصحيح، ومن العلماء: من منع والخلاف يدور حول قول الله : ﴿مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤]، فهنا الخطاب للمسلمين، فمن قصر النص على ظاهره قال: لا يجوز أن تصيدَ بكلبِ مَجُوسي، وإن صدت فلا يجوز لك أن تأكل منه؛ لأن الله - تعالى - قيد ذلك بقوله: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤] وهذا لم تعلمه أنت، وإنما علمه غيرك، والذي علَّمه لا يجوز أن تؤكل ذبيحته ولا صيده، فلا يجوز أن تأكل منه، لكن الجواب أن هذه آلة، وفرق بين الصائد وبين آلته، فلو أخذت سِكِّينًا من مجوسي وذبحت بها لجازت هذه الذبيحة، إذن هذه بمثابة آلة أو هي آلة فلا يُلحق الحكم بالصائد نفسه. قوله: (وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمْ (٣) وَكَرِهَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله، وَالْحَسَن، وَعَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالثَّوْرِيُّ (٤)).

стр. 5314

كرهوا ذلك كراهة تنزيه، لكن الصحيح أنه حيوان ومدَرَّبٌ فلا فرق بينه وبين غيره. قوله: (لِأَنَّ الْخِطَابَ فِي قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]- مُتَوَجِّهٌ نَحْوَ الْمُؤْمِنِينَ). فالخطاب للمسلمين، فمن قَصَرَ النصَّ على ظاهره قال: لا يجوز أن تصيد بكلب مجوسي، وإن صِدْتَ، فلا يجوز لك أن تأكل منه؛ لأنَّ الله تعالى قيَّد ذلك بقوله: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤]، وهذا لم تُعلِّمه أنت، وإنما علَّمه غيرك، والذي علَّمه لا يجوز أن تأكل ذبيحته، ولا صيده، كذلك لا يجوز أن تأكل منه، لكن الجواب: أن هذه آلة، وفرق بين الصائد وبين آلته، فلو أخذت سكينًا من مجوسي، وذبحت بها، لجازت أيضًا هذه الذبيحة، إذًا هذه بمثابة آلة، فلا يلحق الحُكْم بالصائد نفسه. قوله: (وَهَذَا كَافٍ بِحَسَبِ الْمَقصُودِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، وَاللهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ). بعد أن ذكر لنا جملة من أحكام الصيد، وقصر مباحثه على قواعده وأساسياته بيَّن أن هذا كافٍ، فكأنه يقول: وضعت في هذا الكتاب أمهات المسائل وقواعده، ومن أراد تتبع الفروع والسير خلف الجزئيات، فعليه أن يقرأ في غير هذا الكتاب من الكتب المطولة التي تعنى بتلك الفروع. وفي الختام: الصيدُ نعمةٌ من نعم الله ، فساقه لنا كغيره مما تفضل علينا، ولَا ينبغي للمسلم أن يؤذي الصيد، أو يجور فيه، أو يتعدَّى عليه دون أن تكون له حاجة، وقد ذكرنا حديثًا في هذا المقال: "ما من إنسان يقتل عصفورًا فما فوقه بغير حقها إلا سأله الله تعالى عنها يوم القيامة"، قيل: وما حقها؟ قال: "تذبحها فتأكلها لا أن تقطع رأسها وترميها" (١).

стр. 5315

وثبت عن الرسول ﷺ في الحديث المتفق عليه أنه نهى عن صبر البهائم (١)، يعني: أن تأتي بالطير أو البهيمة فتضعه في مكانٍ، فتتعلم عليه الصيد، وقد مر عبد الله بن عمر الصحابي الجليل على نفرٍ من قريش وهم يَفْعَلون ذلك، فتَفرَّقوا مبتعدين، فأنكر عليهم ذلك، وأورد نَهْي رسول الله ﷺ (٢) عن ذلك. إذن، لا ينبغي حقيقةً للمسلم أن يؤذي حيوانًا، وأخرج مسلم وغيره: "إنَّ اللهَ كَتَب الإحسانَ على كلِّ شيءٍ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته" (٣)، و"في كل ذات كبد رطبة (٤) أجر" (٥). إذن، لا ينبغي التجاوز في أمرٍ من الأمور، فينبغي للإنسان حقيقةً ألَّا يؤذي حيوانًا أو طيرًا.

стр. 5316

[كِتَابُ الْعَقِيقَة (١)] مَن يتتبع مسائل الفقه الإسلامي، ويُقَلِّب النظر في مباحثه يجد أن هناك أحكامًا اختص بها الذكور، وأحكامًا اختصت بها الإناث، وفي باب

стр. 5317

العقيقة نجد - أيضًا - مسألة اختص بها الذكور دون الإناث؛ فإنه يُذبح عن الغلام شاتان مُتماثلتان، ويُذبح عن الجارية - أي: المولودة - شاة واحدة. العقيقة (١) هي: التي تذبح عن المولود ذكرًا كان أو أنثى، وقد ثبتَتْ عن الرسول ﷺ وقد جاءت فيها أحاديث صحيحة، كذلك في هذا الباب يذكرُ العلماءُ تسميةَ الغلام والجارية عند الولادة، وهل هناك وقت محدد لذبح هذه العقيقة؟ وهل هناك فرقٌ بين الذكر والأنثى؟ من يتتبَّعْ مسائل الفقه الإسلامي ويقلب النظر في مباحثه يجد أن هناك أحكامًا اختُصر بها الرجال دون النساء، وأحكامًا اختُصَّتْ بها النساء، وفي باب العقيقة نجد مسألةً اختص بها الرجال دون النساء، فإنه: "يذبحُ عن الغلام شَاتانِ متَماثِلَتَان، ويُذْبَحُ عن الجارية شاةٌ واحدة" (٢)، وعادة يرد في الأحاديث ذِكْر الشاة، ويدخل في ذلك الكبش ونحوه، فهنا نريد أن نعرف ما معنى العقيقة، تأتي من مصدر عَقَّ يعُقُّ أو يعِق، وهو ما يعرف بالعقوق ومن ذلك عقوق الوالدين، فكل إنسانٍ يقطع صلته بوالديه، لا يبرهما، يتنكَّر لجَمِيلِهِمَا، يعتبر عاقًّا (٣)، وهذه من أشنع الأمور التي يرتكبها المسلم نحو والديه، وكثيرًا ما نسمع عن الحوادث في هذا الزمان، فمنذ زمن ليس بالبعيد كان يستَحِي الغلام أو الابن أن ينظر في وجْه والده تأدُّبًا وإكرامًا وإجلالًا لوالده، لا يرفع صوته ووالده في المجلس، لا يتكلم ووالده في المجلس إلا إذا أشار إليه، لا يسبقه في حديثٍ ولا مِشْيةٍ ولا في أي شيء، يخفض له الجناح، يذل له، يكرمه، لأنه هو السبب بعد الله في الدنيا.

стр. 5318

يقولون الزمان به فسادُ … وهم فسدوا وما فَسَدَ الزَّمان (١) لكن الأحوال قد تغيَّرَتْ وتبدَّلَتْ، وكلنا نسمع عن المصائب، فهذا ابنٌ قد يعتدي على والده بالضَّرْب، وذاك بالشتم، وأشنع من ذلك وأخطر أن يقتله، فهل هناك بعد الشرك مصيبة أكبر من هذه المصيبة، نسأل الله العفو والعافية، هذا كله إنما هو بسبب البُعْدِ عن عبادة الله . الرسول ﷺ يقول: "إياكم ومُحْدَثاتُ الأمورِ، فإن كلَّ مُحدَثةٍ بِدعة، وكلَّ بدعةٍ ضَلالةٌ، وكل ضلالةٍ في النار" (٢) إذن المراد بالعقيقة هي: الذبيحة التي تذبح عن الغلام أو الجارية، ومن أهل اللغة من يقول: إن الأصل في العقيقة هو هذا الشَّعْرُ الذي يولد المولود وقد نبت على رأسِهِ (٣)، فإنه يحلق برفق، فقالوا: هذا من باب تسمية الشيء بسببه أو بمجاوره، هكذا يقولون، وبعض العلماء أنكروا ذلك وقالوا: إن المقصود أصلًا بالعقيقة هي الذبيحة كما جاء في الحديث: "كلُّ مولودٌ مرتَهَنٌ بعقيقتِهِ" (٤) أي: محبوسٌ (٥) بعقيقته، وجاء أن الرسول ﷺ "قد عَقَّ عن الحسنِ والحُسَين، وحلق شَعْرَهُما، وتصدق بوزنه ورِقًا (٦) " (٧) أي: فضة (٨)، هذه كله يحتاج

стр. 5319

إلى وقفات، وإذا تأملنا في العقيقة نجد أنها تجوز هذه الذبيحة، ولكن هناك من يجعلها قربانًا لآلهته، فمن يذبح لغير الله فقد أشركَ شِرْكًا أكبر، ومن يذبح لله فهذه قربةٌ لله، فإذا رزق الله الإنسان بمولود ذكرًا أو أنثى، فإنه يُدخِلُ عليه البهجة والسرور والفرحة؛ لأن كل إنسان في هذه الحياة يسعد بأن يوفقه الله بعددٍ من البنين والبنات، ولا يدرى أين الخير فيه، ولا ينبغي أن يكون المسلم كما قال الله في شأن الجاهليين: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)﴾ [النحل: ٥٨]، فهذه الشاة التي تذبحها أو الكبش، أولًا: اعترافًا بفضل الله عليك؛ لأنه أنعم عليك بهذا المولود أو المولودة، والله - تعالى - يقول: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]، فهذه فرحة وسرور وبهجة بأن الله يهب لك غلامًا أو جارية، فتقابل ذلك بأن تذبح هذه الذبيحة لتكون ذلك قربانًا تتقرب به إلى الله ، وأضرب مثالًا: الإنسان إذا ذهب حاجًّا أو معتمرًا، يطوف بالبيت العتيق، أليس هذا البيت يبنى من حجر ومن غيره، فالله جعل الطواف بالبيت فرضًا من فروض الإسلام، فرضًا من فروض الحج، وجعل الطواف بالقبور شركًا أكبر لا يجوز للإنسان أن يفعله، فالعبادات توقيفية لا يجوز للمسلم أن يخترع من عند نفسه كما قال النبي ﷺ : "اياكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار" (١) ويقول ﷺ : "من عَمِلَ عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢) فكل والد في هذه الحياة أبًا كان أو أُمًّا تكون سعادته بسعادة أولاده، فهو يسعد بسعادتهما ويشقى بشقاوتهما، يسهر الليل من أجلهما ويبذل ذوبُ قلبه وطاقة جِسْمه، في جمع المال للإنفاق عليهما، وأذكركم بقصة هاجر مع ابنها إسماعيل ﵉، عندما كان نبِيُّ الله إبراهيم الخليل ﵇ أتى بطفله الرضيع وبزوجته هاجر ثم يتركهما بواد غير ذي زرع، ليس فيه إنسان ولا نبات ولا حيوان، تركهما في ذلك

стр. 5320

المكان الموحش، ثم يدير ظهره راجعًا وتلحق به زوجه هاجر وتقول له: لمن تتركنا، فلا يجيبها في بعض الروايات، ثم تسأله: "آلله أمرك بذلك؟ فيقول: نعم، فتقول: إذن لا يُضيِّعُنا" (١)، لكن لماذا وضعهما في هذا المكان؟ والجواب: لأنه يعلم أن هناك عناية أعظم من عِنَايتِهِ كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود: ١١٥]، فقالت المرأة المؤمنة: إذن لا يُضِيِّعُنا فما دام أن الله - تعالى - هو الذي أمرك بذلك، فإنما أمرك بذلك لسبب ولحكمة لا بُدَّ من أن تتحقق، وقد تحققت عندما تفجر عين زمزم وعندما بني البيت العتيق، إذن لنعلم أن من كان الله معه فلا ينبغي أن يبالي بأيِّ أمرٍ من الأمور، هذا هو شأن الله مع رُسُلِهِ ومع عباده المؤمنين فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، فينفذ الماء والتمر، وتذهب إلى الصفا ثم تمشي في الوادي ثم يكاد قلبها يتقطع ويتمزق من اللوعة والحزن على هذا الطفل الرضيع، نسيت نفسها، فلنتدبر جيِّدًا إن كانت قد حصلت منا قطيعة أو تقصيرًا في حق الوالدين، "فالجنة تحت أقدام الأمهات" (٢)، والله قد قرن طاعتهما بطاعته، وهما السبب في إيجادك بعد الله ، وما عليك إلا أن تشكرهما وأن تؤدي حقوق الله

стр. 5321

نحوهما، وإن السعادة كل السعادة، والفوز كل الفوز، والظفر كل الظفر، أن يوفقك الله بأن تدركهما أو تدرك أحدًا منهما فتبرهما. قال المصنف ﵀: (وَالْقَوْلُ الْمُحِيطُ بِأُصُولِ هَذَا الْكِتَابِ يَنْحَصِرُ فِي سِتَّةِ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِه، وَالثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ مَحَلِّهَا، وَالثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ مَنْ يُعَقُّ عَنْهُ وَكَمْ يُعَقُّ، الرَّابعُ: فِي مَعْرِفَةِ وَقْتِ هَذَا النُّسُكِ). هذه مقدمة ذَكَرَها المؤلف في مطلَعِ حديثِهِ كعادتِهِ في تقسيمِهِ البديعِ، فإنه حصرَ المسائل التي سيتكلم عنها في أمورٍ أربعة ذكرها مجمَلَةً ثم سيأتي عليها بشيء من التفصيل (١)، فالعقيقة إنما هي نتيجةٌ بفضل الله على عبدِهِ، الذي يهبه ذَكرًا أو أنثى، فإن الله يقول: ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩]، فالعقيقة التي تذبح تكون شُكْرًا للهِ على إنعامه وإحسانه وتفضله بأن يرزق الإنسان ولدًا أو مولودًا ذكرًا كان أو أنثى، ثم هي في ذلك الأمر قربةٌ لله يتقرب بذلك إلى الله ، ويُستفاد باللَّحْمِ، فكم من نُفُوسٍ تشتاق إلى اللحم، وربما تمر بها الأيام والأشهر دون أن تذوقه، فيكون ذلك سببًا في إطعام بعض الناس، ممن هم بحاجة إلى ذلك، أو أنها أيضًا تطبخ فيأكل منها الأهل والصديق والفقير، فهذه كلها فوائد مجتمعة تأتي بسبب العقيقة. * قولُهُ: (الْخَامِسُ: فِي سِنِّ هَذَا النُّسُكِ وَصِفَتِهِ، السَّادِسُ: فِي حُكْمِ لَحْمِهَا وَسَائِرِ أَجْزَائِهَا). هذه أمور ستة ذكرها المؤلف سيبدأ بها وسنأخذها واحدًا واحدًا،

стр. 5322

والمؤلف أوجز في هذا الكتاب فهو يحتاج إلى شيءٍ من التفصيل، وبخاصة ما يتعلق بالأسماء، وكذلك هناك مسائل لم يتعرض لها المؤلف، فنحاول إن شاء الله أن نأخذ شيئًا نزيد به على ما في الكتاب مما نرى أن فيه فائدة. * قولُهُ: (فَأَمَّا حُكْمُهَا: فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ الظَّاهِرِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ) (١). العلماء انقسموا في حكم العقيقة إلى أقسام ثلاثة: القسم الأول: جماهير العلماء من السَّلَفِ والخلف يذهبون إلى أن العقيقة سنَّة (٢). القسم الثاني: ذهب أهل الظاهر والحسن البصري (٣) إلى أنها واجبة أي: يجب على الإنسان إذا ولد له مولود أن يذبح له عقيقة. القسم الثالث: ذهب أبو حنيفة (٤) إلى أنها ليست بسنة، وإنها من أمور الجاهلية التي كانوا يفعلونها.

стр. 5323

لماذا قال أهل الظاهر والحسن البصري أنها واجبة؟ والجواب: لأن الرسول ﷺ أمر فاطمة ﵂ أن تحلِقَ رأسَ ابنَيْهَا، وأن تتصدق بوزنهما (١)، وجاء أيضًا أنه "يُذبح عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة واحدة" (٢)، قالوا: ففي هذا دليل على وجوبها، وكذلك لما "سُئل رسول الله ﷺ عن العقيقة فبَيَّن أنه يَكْرَهُ العُقوقَ" (٣)، أي: يكره الاسم، لكنه ﵊ أمر بذلك، فهم فَهِمُوا من ذلك الوجوب، أما جمهور العلماء فيرون أنها ليست بواجبة، وأنها سُنَّة؛ لأن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "كلُّ مَولُودٍ مَرْهونٌ" (٤) وفي رواية "رَهينةٌ بعَقيقتِه تُذبح عنْه يوم سابِعِه، ويُحْلق رأسه ويُسَمَّى" (٥) هذا دليل آخر، والرسول الله ﷺ لما سئل عن العقيقة قال: "أكره العُقوقَ، فمن ولد له مَولود فأحب أن ينسُكَ عنه فليفعلْ" (٦)، فدل ذلك على الاستحباب، والذين قالوا: إن ذلك من أمور الجاهلية لعلهم لم يقفوا على تلك الأحاديث أو لم تصح عندهم. * قولُهُ: (وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ فَرْضًا وَلَا سُنَّةً، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ تَحْصِيلَ مَذْهَبِهِ أَنَّهَا عِنْدَهُ تَطَوُّع (٧)). نُقل عن أبي حنيفة أنه قال: إنها أمر من أمور الجاهلية؛ لأن ذلك

стр. 5324

كان يُفعل في الجاهلية (١)، لكن قد تكون أمور في الجاهلية يأتي الإسلام فيُقِرُّها، ومن ذلكم المعاملة المشهورة التي تعرف بالمضاربة (٢)، فإنها كانت موجودة في الجاهلية، فإن الإسلام جاء فأبطل كثيرًا من الأحكام التي كانت في الجاهلية، وأقر بعض الأحكام والأخلاق التي لا تتعارض مع الدِّينِ الإسلامِيِّ، فإن في الجاهلية أخلاقًا كريمة كالشجاعة، والوفاء، والكرم، وإكرام الضيف وغير ذلك من الأمور المعروفة، كما يوجد في الجاهلية أخلاقٌ ذَمِيمَةٌ فهذه أبطلها الإسلام وحاربها إلى جانب إبطاله أيضًا لتلك المعتقدات الفاسدة التي كانوا يعتقدونها في الجاهلية (٣). ولقد وَهِمَ أُناس ممن كتبوا في القانون ورأوا أنهم قد فهموا أحكام الشريعة وزعموا أنه يوجد أحكام في الشريعة الإسلامية قد استمدت من القانون الروماني، وهذا من جهلهم لأحكام الشريعة الإسلامية، فلا يوجد في الشريعة الإسلامية أحكام مستمدة من قوانين، وإنما القوانين هي التي استفدت بعض الأحكام من الشريعة الإسلامية، أما أن يُوجَدُ بعض الأحكام التي يحصل فيها توافق بين الشريعة وبين بعض القوانين، فليس ذلك أن الشريعة أخذتها من قوانين سابقة؛ لأن هذه الشريعة إنما أنزلت من

стр. 5325

لَدُنْ حكيم خبير هو العالم بشؤون عباده وما تستقيم به أمورهم وما تصلح به أحوالهم. * قولُهُ: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ تَعَارُضُ مَفْهُومِ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ سَمُرَةَ، وَهُوَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﵊: "كُلُّ غُلَامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ" (١)). "كُلُّ" من صيغ العموم، لكن ليس ذلك على إطلاقها كما يدعي أولئك الذين احتجوا بقول الله : ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى﴾ أو ﴿لَّا تُرى﴾ في القراءة الأخرى ﴿إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥] واستدلوا بذلك لجهلهم على أن القرآن مخلوق، هذا كله غير صحيح، لأن المراد: تُدمر كل شيء يقبل التدمير، أما القرآن فهو كلام الله منذ بدأ وإليه يعود تكلم الله فيه بصوت، ونزل به جبريل على رسول الله ﷺ بعد أن كان في اللوح المحفوظ فتلقَّاه الرسولُ ﷺ من جبريل وكان ينزل عليهم مرارًا ليذاكره، أي: يعرض عليه القرآن، وهذه مسألة عقدية معروفةٌ ليس هناك مجال لتفصيلها. إذن: "كل مولد مرتَهِنٌ" يعني: محبوس بعقيقتِهِ، أي: الإنسان ينتظر المولود فهو يحاول أن يغنيه فكأن هو محبوس، فإذا ما ذبحت عنه هذه الذبيحة زال ذلك القيد (٢) وكان ذلك تحصينًا وسلامة له من الشيطان، وبعضهم يفسر ذلك بتفسير آخر أي: أنه محبوس عن الشفاعة لوالديه، إلا أن تُذبح له هذه العقيقة، وقد ضعف بعض العلماء (٣) ذلك مع أنه نُقل
следующие страницы →