← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

نحوهما، وإن السعادة كل السعادة، والفوز كل الفوز، والظفر كل الظفر، أن يوفقك الله بأن تدركهما أو تدرك أحدًا منهما فتبرهما. قال المصنف ﵀: (وَالْقَوْلُ الْمُحِيطُ بِأُصُولِ هَذَا الْكِتَابِ يَنْحَصِرُ فِي سِتَّةِ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِه، وَالثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ مَحَلِّهَا، وَالثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ مَنْ يُعَقُّ عَنْهُ وَكَمْ يُعَقُّ، الرَّابعُ: فِي مَعْرِفَةِ وَقْتِ هَذَا النُّسُكِ). هذه مقدمة ذَكَرَها المؤلف في مطلَعِ حديثِهِ كعادتِهِ في تقسيمِهِ البديعِ، فإنه حصرَ المسائل التي سيتكلم عنها في أمورٍ أربعة ذكرها مجمَلَةً ثم سيأتي عليها بشيء من التفصيل (١)، فالعقيقة إنما هي نتيجةٌ بفضل الله على عبدِهِ، الذي يهبه ذَكرًا أو أنثى، فإن الله يقول: ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩]، فالعقيقة التي تذبح تكون شُكْرًا للهِ على إنعامه وإحسانه وتفضله بأن يرزق الإنسان ولدًا أو مولودًا ذكرًا كان أو أنثى، ثم هي في ذلك الأمر قربةٌ لله يتقرب بذلك إلى الله ، ويُستفاد باللَّحْمِ، فكم من نُفُوسٍ تشتاق إلى اللحم، وربما تمر بها الأيام والأشهر دون أن تذوقه، فيكون ذلك سببًا في إطعام بعض الناس، ممن هم بحاجة إلى ذلك، أو أنها أيضًا تطبخ فيأكل منها الأهل والصديق والفقير، فهذه كلها فوائد مجتمعة تأتي بسبب العقيقة. * قولُهُ: (الْخَامِسُ: فِي سِنِّ هَذَا النُّسُكِ وَصِفَتِهِ، السَّادِسُ: فِي حُكْمِ لَحْمِهَا وَسَائِرِ أَجْزَائِهَا). هذه أمور ستة ذكرها المؤلف سيبدأ بها وسنأخذها واحدًا واحدًا،

стр. 5322

والمؤلف أوجز في هذا الكتاب فهو يحتاج إلى شيءٍ من التفصيل، وبخاصة ما يتعلق بالأسماء، وكذلك هناك مسائل لم يتعرض لها المؤلف، فنحاول إن شاء الله أن نأخذ شيئًا نزيد به على ما في الكتاب مما نرى أن فيه فائدة. * قولُهُ: (فَأَمَّا حُكْمُهَا: فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ الظَّاهِرِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ) (١). العلماء انقسموا في حكم العقيقة إلى أقسام ثلاثة: القسم الأول: جماهير العلماء من السَّلَفِ والخلف يذهبون إلى أن العقيقة سنَّة (٢). القسم الثاني: ذهب أهل الظاهر والحسن البصري (٣) إلى أنها واجبة أي: يجب على الإنسان إذا ولد له مولود أن يذبح له عقيقة. القسم الثالث: ذهب أبو حنيفة (٤) إلى أنها ليست بسنة، وإنها من أمور الجاهلية التي كانوا يفعلونها.

стр. 5323

لماذا قال أهل الظاهر والحسن البصري أنها واجبة؟ والجواب: لأن الرسول ﷺ أمر فاطمة ﵂ أن تحلِقَ رأسَ ابنَيْهَا، وأن تتصدق بوزنهما (١)، وجاء أيضًا أنه "يُذبح عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة واحدة" (٢)، قالوا: ففي هذا دليل على وجوبها، وكذلك لما "سُئل رسول الله ﷺ عن العقيقة فبَيَّن أنه يَكْرَهُ العُقوقَ" (٣)، أي: يكره الاسم، لكنه ﵊ أمر بذلك، فهم فَهِمُوا من ذلك الوجوب، أما جمهور العلماء فيرون أنها ليست بواجبة، وأنها سُنَّة؛ لأن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "كلُّ مَولُودٍ مَرْهونٌ" (٤) وفي رواية "رَهينةٌ بعَقيقتِه تُذبح عنْه يوم سابِعِه، ويُحْلق رأسه ويُسَمَّى" (٥) هذا دليل آخر، والرسول الله ﷺ لما سئل عن العقيقة قال: "أكره العُقوقَ، فمن ولد له مَولود فأحب أن ينسُكَ عنه فليفعلْ" (٦)، فدل ذلك على الاستحباب، والذين قالوا: إن ذلك من أمور الجاهلية لعلهم لم يقفوا على تلك الأحاديث أو لم تصح عندهم. * قولُهُ: (وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ فَرْضًا وَلَا سُنَّةً، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ تَحْصِيلَ مَذْهَبِهِ أَنَّهَا عِنْدَهُ تَطَوُّع (٧)). نُقل عن أبي حنيفة أنه قال: إنها أمر من أمور الجاهلية؛ لأن ذلك

стр. 5324

كان يُفعل في الجاهلية (١)، لكن قد تكون أمور في الجاهلية يأتي الإسلام فيُقِرُّها، ومن ذلكم المعاملة المشهورة التي تعرف بالمضاربة (٢)، فإنها كانت موجودة في الجاهلية، فإن الإسلام جاء فأبطل كثيرًا من الأحكام التي كانت في الجاهلية، وأقر بعض الأحكام والأخلاق التي لا تتعارض مع الدِّينِ الإسلامِيِّ، فإن في الجاهلية أخلاقًا كريمة كالشجاعة، والوفاء، والكرم، وإكرام الضيف وغير ذلك من الأمور المعروفة، كما يوجد في الجاهلية أخلاقٌ ذَمِيمَةٌ فهذه أبطلها الإسلام وحاربها إلى جانب إبطاله أيضًا لتلك المعتقدات الفاسدة التي كانوا يعتقدونها في الجاهلية (٣). ولقد وَهِمَ أُناس ممن كتبوا في القانون ورأوا أنهم قد فهموا أحكام الشريعة وزعموا أنه يوجد أحكام في الشريعة الإسلامية قد استمدت من القانون الروماني، وهذا من جهلهم لأحكام الشريعة الإسلامية، فلا يوجد في الشريعة الإسلامية أحكام مستمدة من قوانين، وإنما القوانين هي التي استفدت بعض الأحكام من الشريعة الإسلامية، أما أن يُوجَدُ بعض الأحكام التي يحصل فيها توافق بين الشريعة وبين بعض القوانين، فليس ذلك أن الشريعة أخذتها من قوانين سابقة؛ لأن هذه الشريعة إنما أنزلت من

стр. 5325

لَدُنْ حكيم خبير هو العالم بشؤون عباده وما تستقيم به أمورهم وما تصلح به أحوالهم. * قولُهُ: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ تَعَارُضُ مَفْهُومِ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ سَمُرَةَ، وَهُوَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﵊: "كُلُّ غُلَامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ" (١)). "كُلُّ" من صيغ العموم، لكن ليس ذلك على إطلاقها كما يدعي أولئك الذين احتجوا بقول الله : ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى﴾ أو ﴿لَّا تُرى﴾ في القراءة الأخرى ﴿إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥] واستدلوا بذلك لجهلهم على أن القرآن مخلوق، هذا كله غير صحيح، لأن المراد: تُدمر كل شيء يقبل التدمير، أما القرآن فهو كلام الله منذ بدأ وإليه يعود تكلم الله فيه بصوت، ونزل به جبريل على رسول الله ﷺ بعد أن كان في اللوح المحفوظ فتلقَّاه الرسولُ ﷺ من جبريل وكان ينزل عليهم مرارًا ليذاكره، أي: يعرض عليه القرآن، وهذه مسألة عقدية معروفةٌ ليس هناك مجال لتفصيلها. إذن: "كل مولد مرتَهِنٌ" يعني: محبوس بعقيقتِهِ، أي: الإنسان ينتظر المولود فهو يحاول أن يغنيه فكأن هو محبوس، فإذا ما ذبحت عنه هذه الذبيحة زال ذلك القيد (٢) وكان ذلك تحصينًا وسلامة له من الشيطان، وبعضهم يفسر ذلك بتفسير آخر أي: أنه محبوس عن الشفاعة لوالديه، إلا أن تُذبح له هذه العقيقة، وقد ضعف بعض العلماء (٣) ذلك مع أنه نُقل

стр. 5326

عن بعض السلف ومنهم الإمام أحمد (١). * قولُهُ: (تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيُمَاطُ عَنْهُ الْأَذَى). تذبح عنه يوم سابعه فهل هذا تحديد لليوم السابع؟ سيأتي الكلام في هذه المسألة، ويماط عنه الأَذَى وسيكون بذلك ردًّا على الذين يقولون: إنه يلطخ رأسَه بالدَّم (٢) كما كان يفعل أهل الجاهلية، فأهل الجاهلية كانوا إذا ذبحوا الذَّبِيحَة أخَذُوا من الدم فلطَّخُوا رأسَ الغُلام، فالإسلام أنكر ذلك وجاء فهذب ذلك وبَيَّن ما يصح وما لا يصِحُّ. * قولُهُ: (يَقْتَضِي الْوُجُوبَ). هذا الحديث الذي أورده المؤلف يرى أنه حجَّة للذين يقولون بالوُجوبِ، "كل مَولُدٍ مُرْتَهِنٌ" (٣) يعني: محبوسُ لعقِيقَتِهِ. * قولُهُ: (وَظَاهِرُ قَوْلِهِ ﵊، وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الْعَقِيقَةِ فَقَالَ: "لَا أُحِبُّ الْعُقُوقَ") (٤). وهذا الحديث فُسر أنه كره اسمَ العُقوق؛ لأن العقوق من عقَّ يَعِقُ، أو يَعُقُّ والأصل فيه هو عقوق الوالدين، ولذلك جاء في بعض الروايات

стр. 5327

"إن الله - تعالى - لا يحِبُّ العُقوقَ" (١)، والرسول ﷺ كره ذلك؛ لأن الإنسان مأمور بطاعة والديه، فالعقوق مكروه عند الله ﷺ وعند رسول ﷺ وعند المؤمنين الذين اهتدوا بهدي الله ﷺ في كتابه، وبِهَدْي سُنَّة رسوله الله ﷺ ؛ لأن العقوق ينافي ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ من الأمر بِبِرِّ الوالِدَيْنِ وطاعَتِهما والإحسان إليهما، وامتثال أوامرهما إلا في معصية الله وأوصت بعدم قطع الصِّلَةِ بهما، حتى وإن كان كافرين كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]، ولأنه "لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالِقِ" (٢)، فلا يطاع أحدٌ في مَعصِيَةِ الله أي إنسان مهما كان. " قولُهُ: (وَمَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْ وَلَدِهِ فَلْيَفْعَلْ) (٣). فبيَّنَ الرسول ﷺ ورتب الحكم عليه: "وَمَنْ وُلدَ لَهُ وَلَدٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ" (٤) أي: أن يذبح؛ لأن النسك هو ذبح كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]، "فَلْيَفْعَلْ" وهذا دليل على عَدَمِ الوُجوب؛ ووجه الدلالة في الأحاديث فأحب، أي: من أحَبَّ أن يعُقَّ فليفعل، إذن: الأمر ليس على الوجوب إنما هو على الاستحباب إذن هو سُنَّة وهذا من أدِلَّةِ جمهورِ العلماء.

стр. 5328

* قولُهُ: (يَقْتَضِي النَّدْبَ أَوِ الْإِبَاحَةَ. فَمَنْ فَهِمَ مِنْهُ النَّدْبَ قَالَ: الْعَقِيقَةُ سُنَّةٌ. وَمَنْ فَهِمَ الْإِبَاحَةَ قَالَ: لَيْسَتْ بِسُنَّةٍ). لأن الرسول ﷺ جاءت عنه أحاديث كثيرة "يُعَقُّ عن الغُلامِ شاتان" (١) في حديث عائشة ﵂ -: "متَكَافئتانِ" وفي بعض الروايات: "مِثْلان" (٢)، "وعن الجارية شاةٌ"، والأحاديث التي جاءت عن الرسول ﷺ أنه عقَّ عن الحسن والحسين، في بعض الروايات "كبْشًا كبشًا" (٣) وفي بعضها "كبْشَينِ كبشَيْنِ" (٤) وهذه الرواية تتفق مع حديث "يُعَقُّ عن الغلام شاتانِ" (٥). * قولُهُ: (وَلَا فَرْضٍ. وَخَرَّجَ الْحَدِيثَيْنِ أَبُو دَاوُدَ، وَمَنْ أَخَذَ بِحَدِيثِ سَمُرَةَ أَوْجَبَهَا). الحديث الأول (٦) أخرجه أصحاب السنن وغيرهم (٧)، والثاني (٨)

стр. 5329

أخرجه بعض أصحاب السنن كأبي داود والنسائي وغيرهم كالبيهقي (١)، حديث سمرة بن جندب الذي مر أوَّلًا "كلُّ مولود مَرهونٌ بعَقِيقَتِه" (٢) أي: محُبوسٌ. * قولُهُ: (وَأَمَّا مَحَلُّهَا فَإِنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْعَقِيقَةِ إِلَّا مَا يَجُوزُ فِي الضَّحَايَا مِنَ الأَزْوَاجِ الثَّمَانِيَةِ) (٣). جمهور العلماء يقولون: إن العقيقة مستَحَبَّةٌ (٤)؛ لأن الرسول ﷺ أمر بهَا ورغَّب وفعَلَها الرسول ﷺ ، وفعلها الصحابة ﵃ والرسول ﷺ قد أَرسله الله رحمةً للعالمين، فهو لا يُريدُ أن يشُقَّ على أمَّتِهِ ﵊ فأحيانًا يسأل عن بعض المسائل فيسكت عنْها؛ لأنه يقول كما سئل عن الحج في كل عام توقف مِرَارًا، فقال: "الحجٌّ مرَّة فمَنْ زاد فهو تَطَوُّعٌ" (٥) وفي حديث آخر: "لو قلت نَعَمْ لوَجَبَتْ، ولما استطعتم" (٦) والرسول ﷺ نهى عن قِيلَ وقالَ، وعن كثرةِ السُّؤالِ وقال:

стр. 5330

"إنما هَلَكَ من كان قَبْلَكُم لكثرة سُؤالِهِم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمَرْتُكم بأمر فأتُوا منه ما استَطَعْتُم، وإذا نهيتُكم عن شيء فاجتنبوه" (١)، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. يقول الله في أواخر سورة الأنعامِ: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ (٢) اثْنَيْنِ﴾ [لأنعام: ١٤٣] يعني: ذكر وأنثى ﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ [الأنعام: ١٤٣ - ١٤٤] إلى آخر الآيات فتَبَيَّنَ أنه ما يجوز إلَّا هذه الأصناف الثمانية، اثنان من الضأن، واثنان من المعز ذكر وأنثى فتكون أربعة، واثنان من الإبل، واثنان من البقر ذكر وأنثى فتكون ثمانية، إذن: هذه هي بهيمة الأنعام، وكذلك الهَدي إنما تجوز في بهيمة الأنعام، فهناك خلاف في أكل لحم الفرس (٣)،

стр. 5331

والصحيح جواز ذلك؛ لأنه كما في حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂ كما في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما: "ذبَحْنا فرسًا على عهد رسول الله ﷺ " (١) في بعض الروايات: "نَحَرْنَا فرسًا فأكلناه" (٢)، لكنه لا يضحَّى بالفَرَسِ، مرادُ المؤلف ﵀ أنه يشترط في العقيقة ما يشْتَرِطُ في الأضحيَّة، ورسول الله ﷺ قال: "لا تُجزئُ العَوراءُ البَيِّنُ عوَرُهَا، والعَرجاءُ البيِّنُ عَرجها، ولا المريضةُ البيِّنُ مَرَضُها، ولا العجفاءُ" (٣) يعني: الهزيلة التي لا تُنْقي (٤)، ووردت أشياء أخرى ألحَقَها العلماء في ذلك، إذن يشترط في العقيقة ما يشترط في الأضحية، وجاء في بعض الأحاديث "المتكافئان" يعني متماثلان، وفي رواية "مِثْلان" (٥) يعني: يذبح عن الغلام شاتان، أو كبشان، إلى غير ذلك من الأوصاف الذي ينبغي أن تتوفر. * قولُهُ: (وَأَمَّا مَالِكٌ فَاخْتَارَ فِيهَا الضَّأْنَ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي الضَّحَايَا) (٦). هناك أمور سنرى فيها أن العَقِيقَة تخالِفُ فيها الأضحيَّة، فالأضحيَّة الأفضل فيها أن تقسم ثلاثة: يأكُلُ الإنسان مع أهلِهِ الثُّلُثَ، ويتصدق

стр. 5332

بالثلث، ويُهْدي الثلث (١)، ويجوز ذلك في العقيقة لكن الأفضل قالوا: أن يطبُخها وله أن يدْعُوَ إليها الفُقراء والأصدقاءَ (٢)، أو يطبخها ويوزعها كل ذلك قال به العلماء، فهذه المسألة فيها اختلاف بين مالك وبين الجمهور، فجمهورُ العلماء يرَوْنَ أن الأفضل إنما هي الإبل، فالبقرة، فالغنم، ومالك

стр. 5333

يخالفهم فيما مضى في الهَدْي وكذلك في الأضحية، وكذلك هنا يخالف الإمام مالك في العقيقة فالأضحية يجور الاشتراك فيها، وكذلك الهَدْي، أما العقيقة فلا يشترك جماعة في شاة، ولا في بَدَنَةٍ، ولا في بقرة، هذه من الأحكام التي نضيفها (١). * قولُهُ: (وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ هَلْ يُجْزِي فِيهَا الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ؟ أَوْ لَا يُجْزِي؟ (٢) وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَصْلِهِمْ أَنَّ الْإِبِلَ أَفْضَلُ مِنَ الْبَقَرِ وَالْبَقَرَ أَفْضَلُ مِنَ الْغَنَمِ). لكنه لو ذَبَحَ بدَنَة فتكون عن واحدة مقابلة شاة، وكذلك أيضًا بقرة؛ لأن الإبل والبقر أكثر لحمًا من الغنائم، ولذلك لما قَسَّم الرسولُ ﷺ في غير الهَدْي والأضْحِيَّة، اعتبر البَدنة تُعادِلُ عشرَ شِياهٍ، لكن في الهدي وفي

стр. 5334

الأضحية تعدل سبعًا كالبقر" (١). * قول: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ تَعَارُضُ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ وَالْقِيَاسِ، أَمَّا الأثَرُ فَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَقَّ عَنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ كَبْشًا كَبْشًا") (٢). هذه رواية، ولكن جاء في عدة روايات أن الرسولَ ﷺ "عَقَّ عن الحسنِ والحسين كَبْشَينِ كَبْشَينِ" (٣)، أي: لكل واحد منهما كبشين، وهذه الروايات تَتَّفق مع أحاديث سَمُرَةَ وعائشة وغيرهم كما ذكرنا. * قولُهُ: (وَقَوْلُهُ: "عَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ، وَعَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ" خَرَّجَهُمَا أَبُو دَاوُدَ) (٤). المؤلف يريد أن يقول: إن هناكَ مِنَ العُلماءِ من يرى سببَ الخلاف هنا جاء في بعض الروايات: "أنه ذبح كبشًا كبشًا للحسن والحسين"، وجاء في بعض الروايات: "كبشين كبشين"، وهذه الروايات هي التي تلتقي مع حديث عائشة وغيره أن الرسول ﷺ عقَّ عنهما كبشين كبشين، وهذا هو الأولى. * قول: (وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَلِأنَّهُا نُسُكٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْأَعْظَمُ فِيهَا أَفْضَلَ، قِيَاسًا عَلَى الْهَدَايَا) (٥). يعني: ما دامت نُسُك فيكون الأفضل، فالإبل أعظم من البقر فتكونُ

стр. 5335

أفضل، والبقر أعظم أي: أكفَأُ لحمًا وأجود من الضأن فتكون أفضل. * قولُهُ: (وَأَمَّا مَنْ يُعَقُّ عَنْهُ فَإِنَّ جُمْهُورَهُمْ عَلَى أَنَّهُ يُعَقُّ عَنِ الذَّكرِ وَالْأُنْثَى الصَّغِيرَيْنِ فَقَطْ (١)، وَشَذَّ الْحَسَنُ (٢) فَقَالَ: لَا يُعَقُّ عَنِ الْجَارِيَةِ). دخل المؤلف في مسألة أخرى يعق عن الذكر والأنثى الصغيرين، وهو بذلك يريد أن يخرج ما يتعلق بالكبير، يعني: المسألة هذه فيها ثلاثة أقوال: القول الأول: جمهور العلماء قالوا: شاتان عن الغلام. القول الثاني: مذهب أبي حنيفة يرى أن هذا من أمور الجاهلية (٣). القول الثالث: قول الإمامين الشافعي (٤) وأحمد (٥) يريان أنه يعُق عن الغلام شاتين، أما مالك (٦) رأيه مختلف في هذه المسألة، مرة مع

стр. 5336

الجمهور، ومرة يَرَى التسوية بينهما وعبد الله بن عمر نُقِلَ عنْه (١) أنه يُسوي بين الذَّكَرِ والأنثَى، فشاة عن الغلام ومثلها عن الجارية لا فرَقَ بينهما، أما دليل الجمهور الذين قالوا: شاتان عن الغلام الأحاديث التي مرت كحديث عائشة أن الرسول ﷺ قال: "عن الغلام شاتَانِ متَكَافئتانِ، وعن الجارِيَةِ شاةٌ" (٢)، فهذا نص فيهما، والذين قالوا: كبشًا كبشًا استدلوا بالحديث الذي ساقه المؤلف أن الرسول ﷺ "عقَّ عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا" (٣)، يعني لكل واحد منهما كبشًا، وأما الذين قالوا: وَهِمَ الحسن - كما ذكر المؤلف - وقتادة (٤) لا يعق عن الأنثى، المؤلف لم يُبَيِّن السبب، لكن ذَكَرَتْ عِلَّة قولهما في ذلك أنهما قالا: إن هذه العقيقة إنما يذبحها الإنسان إذا وُلدَ له مولود فيُسَرُّ به، والمعروف أن الإنسان إنما يسَرُّ بالذَّكَرِ لا بالأنثى، ولننتبه لا يفهم من هذا أن الإنسان يسخط من قَدَرِ الله، أو أنه لا يرضى بما وهبَه الله لكن النفوس دائمًا جبلت على أنها تَسْعَدُ إذا بُشِّرَ الإنسان بذكر، لكن الإنسان المؤمن التقي النقي الورع إذا رزقه الله أنثى فيحمد الله على ذلك ولم يجعله عقيمًا (٥) والله وهبه هذه الفتاة فهذا إكرام من اللَّهِ ، فهو الذي يهَبُ من يشاء إناثًا ويهَبُ لمن يشاء الذكور، هذا هو عطاؤه، إذن: هناك رضاء بقضاء الله وبقدره، لكن السرور عادة يحصُلُ بالذَّكَرِ، فلو وجدت إنسانًا مضت عليه سِنون عديدة ولم يرزق بمولود، ثم بعد ذلك تأتيه بنت فتجد أنه تغمره السعادة وتغطيه، هذه

стр. 5337

هي طبيعة الإنسان، فالنفس ميَّالَةٌ كما ذكرنا إلى الولد أكثر؛ لأنه يحمل اسم أبيه وله من المزايا ما لا توجد في البنت، ولكن لا بد من وجود ذَكَرٍ وأنثى، والأنثى هي التي ستكون في المستقبل هي الأم، والأم بلا، شك أفضل من الأب فهي التي تحملت ولاقت المشقة حملت تسعة أشهر بين التألم والضجر، تتألم لتألمك، تفرح لفرحك وهكذا، فمرادهم أنه يذبح على الغلام فقط، لأن الغلام يفضل على الجارية فتجدون أن شهادة الرجل تعدل شهادة أنثيين، وللذكر مثل حظ الأنثيين في الميراث، وهناك مسائل عديدة يفضل فيها الرجل، لكن هناك مسائل تقبل فيها شهادة النساء دون الرجال، لأنه لا يطلع عليها إلا النساء كالأمور المتعلقة ببعض مسائل النساء الخفية. قولُهُ: (وَشَذَّ الْحَسَنُ) كلام المؤلف صحيح؛ لأن هذا يعتبر شُذُوذًا، وتعليلهم أن الإنسان يسر بالولد وينبغي أيضًا أن يُسَرَّ بالبنت؛ لأن هذا كله عطاء من الله، فأيُّ هدية تأتيك من الله إنما هي إنعام وإكرام منه ، فعلى المسلم أن يتقبل ذلك بالسرور، والسعادة، والطمأنينة، والفرح. * قولُهُ: (وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُعَقَّ عَنِ الْكَبِير (١)، وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ عَلَى تَعَلُّقِهَا بِالصَّغِيرِ قَوْلُهُ ﵊: "يَوْمَ سَابِعِهِ" (٢)). الذين قالوا: يعق عن الكبير هم أهل الظاهر، "يوم سابعه"، يعني في اليوم السابع كما جاء في حديث عائشة ﵂ قالت: "يوم سابعه، فإن لم يكن فالرابع عشر، فإن لم يكن فالحادي والعشرين، فإن لم يكن

стр. 5338

الحادي والعشرين فمتى شاء" (١) العلماء أيضًا بعضهم قال: يعق يوم الثامن والعشرين، فإن لم يكن فاليوم الخامس والثلاثين، فاليوم الثاني والأربعين وهكذا، وبعضهم يقول: لا تقيد يعني: لا تفضيل في ذلك، لكن يُعَقُّ عنه يوم سابعه هذه ما تكلم عنها المؤلف لو قدم على اليوم السابع يجوز ذلك، لكن لا يجوز أن يقدمها على المولود، يعني لو ذبحها بعد يوم يجوزُ ذلك، لو ذبحها بعد يومين، لكن الأفضل هو اليوم السابع فإن لم يكن فالرابع عشر، فإن لم يكن فالحادي والعشرين، فإن لم يكن فمتى يفعل؟ إلى أن يبلُغَ؛ لأن هذه العقيقة إنما هي من الوالد لولده، فإذا بلغ هل يَعُقُّ عن نفسه؟ جماهير العلماء لا يعق عن نفسه، وأهل الظاهر خالفوهم في هذه المسألة وهي التي رمز إليها المؤلف، لكن قد يرد سؤال: هل هناك حكمة في كون يذبح عنه يوم سابعه؟ والجواب: بعض العلماء قالوا: لأنهم مثلًا إذا ولد يوم الثلاثاء تذبح يوم الإثنين، خلافًا لمالك الذي لا يعد اليوم الذي يولد فيه (٢)، وإذا ولد مثلًا يوم الأربعاء يكون الثلاثاء لو كان يوم الخميس يكون يوم الأربعاء، لو كان يوم الجمعة تكون يوم الخميس وهكذا (٣)، يعني مرور سبعة أيام، قالوا: لأن القصد من ذلك هو أن يمر بجميع أيام الأسبوع، فيأخذ السبت، والأحد، والإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة، فكأنه مر بأيام الأسبوع قالوا: وفي هذا تفاؤل بسلامَتِه، لأنه مرت به هذه الأيام، فصانه الله وحفظه، فهذا تفاؤل بالسلامة له، وأعمال

стр. 5339

الناس ترفع في نهاية كل أسبوع، فالعلماء دائمًا يبحثون عن علل الأحكام. * قولُهُ: (وَدَلِيلُ مَنْ خَالَفَ مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ عَقَّ عَنْ نَفْسِهِ بَعْدَمَا بُعِثَ بِالنُبُوَّةِ") (١). هذا اختلف فيه العلماء اختلافًا كثيرًا، فمنهم من يرى أنه حديثٌ باطِلٌ (٢)، وبعضهم حاول أن يصححه، لكن أكثر العلماء على أنه حديث لا يُحتجُّ به. * قولُهُ: (وَدَلِيلُهُمْ أَيْضًا عَلَى تَعَلُّقِهَا بِالأُنْثَى قَوْلُهُ ﷺ : "عَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ، وَعَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ") (٣). يعني: هذا رد على الحسن وقتادة اللَّذان قالا: إنها خاصَّةٌ بالذَّكَر، فهذا حديث رسول ﷺ ولا اجتهاد مع النَّصِّ، فلا ينظر إلى قول أحدٍ مهما كان بعد قول الله وبعد قول رسوله ﷺ . * قولُهُ: (وَدَلِيلُ مَنِ اقْتَصَرَ بِهَا عَلَى الذَّكَرِ قَوْلُهُ ﵊: "كُلُّ غُلَامٍ مُرْتَهَن بِعَقِيقَتِهِ").

стр. 5340

"كل غلام مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه" فهذا نص عن اليوم السابع، جاء في بعض الروايات "ويُسمَّى"، أي: يذكر اسمه "ويُحْلَقُ رَأسُهُ" وإنما تعرض المؤلف للتسمية وجاء التنصيص عليها في الحديث، لكن يُسَمَّى متى؟ هل يسمى اليوم السابع؟ وهل معنى ذلك أنه عندما تَعُقُّ عنه تسمِّي أم أنه قبل ذلك؟ والجواب: قد جاء في الحديث الصحيح أن الرسول قال: "ولد لي الليلة غلام سميته إبراهيم، كاسم أبي" (١) يعني كاسم الخليل إبراهيم ﵇، إذن ولد للرسول ﷺ ابن فسماه إبراهيم في وقته، فلإنسان له أن يسمي ذلك، لكن هناك قضية هامة ينبغي أن نختار لأبنائنا الأسماء الطيبة، وقد جاءت الشريعة تحض على ذلك وترغِّبُ فيه، ومما جاء في ذلك: "إن الناس يُدْعَوْن يوم القيامة بأسمائهم، وأسماء آبائهِمْ، فأحسنوا أسماءَكم"، هذا الحديث رواه أبو داود (٢) وغيره (٣)، ثم جاء الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه، ورواه غيره قال: قال رسول الله ﷺ : "أحبُّ الأسماءِ! إلى الله عبد الله وعبد الرحمن" (٤) والله يقول: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]. إذن هذا الحديث نص على بيان فضل وأهمية التسمية بعبد الله، وبعبد الرحمن، ونقل عن سعيد بن المسيب أنه قال: "أحب الأسماءِ إلى اللَّهِ أسماءُ الأنبياءِ" (٥)، وجاء في صحيح البخاري وفي صحيح مسلم أن الرسول ﷺ قال: "تَسَمُّوا باسْمِي، ولا تَكَنَّوْا بكنيتي" (٦) ورواه أحمد (٧)

стр. 5341

وغيره (١)، وجاء في رواية عند أحمد (٢) وغيره (٣): "لا تَجْمَعُوا بين اسْمِي وكنْيَتِي" القصد: هو عدم الجمع بينهم، فمن الأسماء المحببة المرغب فيها اسم محمد، فهذا من أَجلّ الأسماء، فهو اسم رسول الله ﷺ اسمه محمد وأحمد، كما قال الله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. ولكن تجد أن بعض الناس وبخاصة في البادية مثلًا يقول: فلان اسمه مثلًا: نَجَر أو مجول وغير ذلك، هذه أسماء أصبح الناس لا يرغبون فيها فيَنْبَغِي للإنسان أن يختار أسماء طيبة، لأنك لو سميتَ ابنك اسمًا غير طيب تجد أنه يُضايَقُ من بين زملائه الصغار، فلماذا لا تجعل ابنَك منشرحَ الصَّدر، مطمئنًّا، لهذا الاسم، وهناك أسماء لا يجوز أصلًا أن يُتَسَمَّى، يعني: لا يجوز للإنسان أن يقول: عبدُ علي، أو مثلًا عبد محمد، أو عبد الكعبة، أو عبد الرسول لا يجوز ذلك للمسلم أن يسمي ابنه بهذه الأسماء؛ لأن التسميةَ بهذه نوع من الشِّرْكِ، كذلك أيضًا ينبغي أن نختارَ لأبنائنا الأسماء الطيبة، ولما جاء أنس بطفل مولود إلى رسول الله ﷺ وهذا الحديث في صحيح مسلم (٤)، فالرسول ﷺ حنَّكه يعني: أن تمضغ التمرة ثم تَضَعُهُ بيدِكَ أو من فَمِكَ في فم هذا الصغير، فالرسول ﷺ فعل، و"كانَ ﵊ يُحَنِّكُ أطفالَ الأنصارِ" (٥).

стр. 5342

فالرسول سماه عبد الله وهو ابن أبي طلحة، فاختار له اسْمًا كَرِيمًا محبوبًا إلى الله وإلى رسول الله ﷺ ، وقال كما في الحديث: "إنما أنَا عبدٌ فقُولُوا: عبدَ اللَّهِ ورسوله" (١) فهذه فضيلة، ولذلك الله لما ذَكَر مَوضِعَ الثَّناءِ على محمد ﷺ وعلى فضلِهِ عليه وإحسانه قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]، فالناس كلهم عبيد لله وليسوا عبيدًا لغيره، وعندما يقال: فلانًا عبد فلان لا أنه يعبده لا، وإنما لأنه مملوك له فهناك مالك وهناك مملوك، فينبغي أن نختار الأسماء الطيِّبة؛ لأنَّنا نُدْعَى بهذه الأسماء يوم القيامة، ولذلك أمَرَنَا الرسولُ ﷺ بأن نحسن أسماءنا، وأن نحسن أيضًا اختيار الأسماء لأبنائنا. * قولُهُ: (وَأَمَّا الْعَدَدُ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ مَالِكٌ (٢): يُعَقُّ عَنِ الذَّكَرِ وَالأْنْثَى بِشَاةٍ شَاةٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣) وَأَبُو ثَوْرٍ (٤)، وَأَبُو دَاوُدَ (٥)، وَأَحْمَدُ (٦): يُعَقُّ عَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ، وَعَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ). لم يذكر أبو حنيفة؛ لأنه لا يرى استحباب ذلك ويقول: إنه أمر من أمور الجاهلية، وهناك بعض تعليقات لبعض المعلقين يَذُمُّ فيها أبا حنيفة ﵀ لماذا وأبو حنيفة بشر، وإذا كان الصحابة ﵃ فاتَتْهُم أحاديث عن الرسولِ ﷺ ، ولا شك أن أقرب الناس إلى قلبِ رسولِ الله ﷺ ،

стр. 5343

والذي قال عنه: "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خَليلًا" (١) والذي قال عنه: "سُدُّوا عَلَيَّ هذه الخوخَةَ إلا خوخةَ أبي بَكْرٍ" (٢) وهو الذي ناب عنه ﵊ في الصلاة (٣) وفضائله أكثر من أن تُعَدَّ أو تحصى، وأنه "هو لو وُزِنَ إيمانه بالأُمَّة لرَجَح" (٤) ومع ذلك فاتته بعض أحاديثِ رسول الله ﷺ عندما جاءته الجدة (٥) تطلب الميراث فقال: لا أجد

стр. 5344

لكِ شيئًا في كتاب الله، ثم إنه سأل الصحابة فأخبره المغيرةُ بن شعبة - ﵄ -: "أن الرسول ﷺ أعطاها الثلث"، وكذلك عمر أيضًا فاتَتْه أمور، وعثمان، وعلي، فإذا كان هذا في شأن الصحابة الذين واكَبُوا التَّنْزِيل، ونشؤوا في مدرسة الرسولِ ﷺ ، وأخَذُوا مِنْ فِيهِ ﵊ وتعلموا العِلْمَ من مشكاةِ النُّبُوَّةِ، إذا كان هذا شأنهم تفوتهم بعض المسائل فما بالُك بغيرهم، إذن أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، والشافعي ربما تفوتهم بعض الأحاديث، وربما أنه بَلَغَهُ الحديث لكنه ما صح عندَهُ وفي العراق وجدت الزنادقة وبدأَ الدَّسُّ على رسولِ الله ﷺ فهناك من وَضَعُوا الأحاديث تحقيقًا لأهدافهم وأهوائهم ولفرقهم، فكم من أناس وضَعُوا أحاديث فانبرى لهم العلماء، فمحَّصوا سُنَّةَ رسولِ الله ﷺ وبيَّنُوا صحيحها من سَقِيمِهِا، ووقفوا لها ووضعُوا عِلْمَ السند، ووفقهم الله ﷺ فجَلَوْا لنا هذه السُّنة التي نُقِلَتْ إلينا في الكتب المذكورة مبَينةً صحيحها من ضَعْيفهَا، ولقد وقف العلماء - رحمهم الله تعالى - أنفسُهم في هذا المجال، فخَدَمُوا سنَّة رسولِ الله ﷺ لأنها هي المصدر الثاني بعد كتاب الله وهي المبينة لكتاب الله فبيّنوا لنا أحاديث رسول الله ﷺ ودافَعُوا عن سُنَّةِ الرسولِ ﷺ وبينُوا ذلك غاية البَيانِ، فرَحِمَهُم الله رحمَةً واسِعَةً، وجزاهم عن ذلك جنات عدن. * قولُهُ: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ اخْتِلَافُ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ؛ فَمِنْهَا حَدِيثُ أُمِّ كرْزٍ الْكَعْبِيَّةِ خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ (١) قَالَت: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ فِي الْعَقِيقَةِ: "عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافَأَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ") (٢). مكافأتان يعني: متماثلتين، وقد جاء في بعض الروايات متماثلتان متساويتان، أي: سِنُّهُما إن لم يتحد فهو متقارب، جِسْمهما إن لم يتفق فهو متَقَارِب من حيث السِّنُّ والشكْل، فينبغي للمسلم كما أنه يختار الأضحية

стр. 5345

كذلك أيضًا يختار العقيقة، والرسول ﷺ ضَحَّى بكبشَين أمْلَحَين أقرَنَين، وذَبَحَهُما بيده ﵊ وقال: "بسمِ اللَّهِ والله أكبر" (١) فكذلك هنا ينبغي أن نختار. * قولُهُ: (وَالْمُكَافَأَتَانِ: الْمُتَمَاثِلَتَانِ. وَهَذَا يَقْتَضِي الْفَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُتْثَى، وَمَا رُوِيَ "أَنَّهُ عَقَّ عَنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ كَبْشًا كَبْشًا" (٢) يَقْتَضِي الاسْتِوَاءَ بَيْنَهُمَا). الشافعية والحنابلة قالوا: يعق يعني يَذبح عن الغلام شاتين شاتين، وعن الجارية شاة، وهذا هو الذي جاء في حديث رسول الله ﷺ ، ونُقل عن عبد الله بن عمر وفي رواية الإمام مالك: "كبشًا كبشًا" (٣) يعني: التساوي، ودليل ذلك هو حديث الرسول ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا، لكن ذكرنا روايات أخرى جاءت "أنَّه عَقَّ عنهما كبشين كبشين" (٤)، فالتقت مع حديث عائشة حديث أم كُرْز وغيرها، وأما الذي قال لا يَعُقُّ عن الجارية فهذا بيَّنا سببه، وهو قول ضعيف حقيقة لا يلتفت إليه .. * قولُهُ: (وَأَمَّا وَقْتُ هَذَا النُّسُكِ فَإِنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ يَوْمُ سَابِعِ الْمَوْلُودِ). يوم سابع المولود؛ لأنه ذكر عن عائشة ﵂: "أنه يُذْبَحُ يوم سابعه، فإن لم يكن فالرابع عشر، فإن لم يكن فاليوم الحادِي والعِشْرِينَ" (٥).

стр. 5346

* قولُهُ: (وَمَالكٌ لَا يَعُدُّ فِي الْأُسْبُوعِ الْيَوْمَ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ إِنْ وُلِدَ نَهَارًا) (١). يعني: الإمام مالك لو قُدر أن إنسانًا ولد في هذه الليلة في هذا اليوم لا يعد؛ لأنه يقول مضى بعض الوقت، والشافعية والحنابِلَةُ: يعدون ذلك، فمثلًا: ولد في يوم الثلاثاء فعندَ الشافعية والحنابلة يدور عليه الأسبوع يوم الإثنين، وعند مالك يوم الثلاثاء. * قولُهُ: (وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ يَحْتَسِبُ بِهِ) (٢). ابن الماجشون من أصحاب مالك مع جمهور العلماء. * قولُهُ: (وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي "الْعُتْبِيَّةِ": إِنْ عَقَّ لَيْلًا لَمْ يُجْزِهْ) (٣). قضية الذبح ليلًا فيها خلاف، وذكرنا أن الشافعية (٤) والحنابلة (٥) يرون جواز ذلك ليلًا ونهارًا؛ لأنه لم يرد في ذلك حديث يمنعُ ذلِكَ، بل جاء ما يدل على جوازه.

стр. 5347

* قولُهُ: (وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي مَبْدَأِ وَقْتِ الْإِجْزَاءِ فَقِيلَ: وَقْتُ الضَّحَايَا، أَعْنِي: ضحًى (١). وَقِيلَ: بَعْدَ الْفَجْرِ، قِيَاسًا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْهَدَايَا (٢). وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ أَجَازَ الضَّحَايَا لَيْلًا أَجَازَ هَذِهِ لَيْلًا (٣). وَقَدْ قِيلَ: يَجُوزُ فِي السَّابِعِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ) (٤). الرأي الراجح في هذا أنه في أي وقت من الأوقات، سواء كان

стр. 5348

صباحًا، أو ظهرًا، أو عصرًا، أو ليلًا، لكن الإنسان يختار الوقت الذي يجده مناسبًا له، فلو كان الليل فيه ظلمة ولا يستطيع الإبصار ربما تقع يده خطأً على الذبيحة حينئذ يُكره له، لكن الآن بحمد الله زالت هذه الأمور فأصبحت الإضاءة في كل مكان. * قولُهُ: (وَأَمَّا سِنُّ هَذَا النُّسُكِ وَصِفَتُهُ فَسِنُّ الضَّحَايَا وَصِفَتُهَا الْجَائِزَةُ). بالنسبة للماعز لا يجوز أن يُضحي بأقل مما مضى عليه سَنَة (١)، وللضأن ما أكمل ستة أشهر، وللبقر ما مضى سنتان، وللإبل خمس سنوات، وهذا كله تكلمنا عنه سابقًا مفصَّلًا. * قولُهُ: (أَعْنِي أَن يُتَّقَى فِيهَا مِنَ الْعُيُوبِ مَا يُتَّقَى فِي الضَّحَايَا، وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا فِي الْمَذْهَبِ وَلَا خَارِجًا مِنْهُ). الذي يُتَّقَى في الضَّحَايا كما بَيَّن الرسولُ ﷺ وقال: "العوراءُ البَيِّنُ عَورُها، والعرْجاءُ البَيِّن عرَجُها، والمريضة البَيِّن مرَضُها، والعَجْفَاءُ" (٢) يعني: الهزيلة التي ليس فيها لحْمٌ، وهناك من يضع شروطًا إضافية فيقول: إذا كانت العوراءُ لا يجزئ بها، فالعمياءُ من باب أولى، لكنَّ القصدَ بالعوراءِ هي: التي ذهبت عينُها، أما مجرد أنه ذهب بعضها فهذه لا تدخل في ذلك، فهي جائزة، وكذلك العرجاء البيّنُ عرَجُها وحددها العلماءُ: هي التي إذا مشَتْ مع الغنم تسبِقُها إلى المرعى وهذه يفوتها المرْعى، أما إذا كان عرَجُها بسيطًا فهذا لا أثر له عند العلماء، كذلك المرض اليسير لا يؤثر وإنما المرض الذي يظهر أثره على جِسمهِا، كذلك العجفاء الهزيلة، وقد قال الله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧] فالله طيِّبٌ لا يقبل إلا الطَّيِّبَ، فإذا أردت أن

стр. 5349

تضحِّيَ أو أن تذبح عقيقة أو هَدْيًا؛ فعليك أن تختارَ السَّمِينَةَ الجيدة الخالية من العيوب؛ لأن هذا تتقرب به إلى الله هذا قُربان، نُسُكٌ تذبَحُهُ طاعةً لله وابتغاء مرضاته، فعليك أن تختار الطيب؛ "فالله طيِّبٌ لا يقبلُ إلا طَيِّبًا" (١) كما جاء في الحديث. * قولُهُ: (وَأَمَّا حُكْمُ لَحْمِهَا وَجِلْدِهَا وَسَائِرِ أَجْزَائِهَا فَحُكْمُ لَحْمِ الضَّحَايَا فِي الْأَكلِ وَالصَّدَقَةِ وَمَنْعِ الْبَيْعِ) (٢).

стр. 5350

هذا فيه تفصيل، هل يطبخها ويدعو الناس إليها، أو يطبخها ويوزعها، أو أنه يُوَزِّعُها كالأضحية أثلاثًا مع خلاف العلماء في ذلك، فليس معنى هذا أنه لا بد أن يُوَزِّعَها ثلاثًا، فلو أكل أكثَرَها أو تصدق بأكثرها وهو الأولى أو أهدى أكثرها كله جائز، لكن بعضَ العلماء قال: لا يجوز أن يأكلها جميعًا (١)، بل يبقي ولو جزءًا يسيرًا ليتصدق به، وهذا مرَّ بنا الحديث عنه مفصلًا. ليس معنى هذا أنه لا بد أن يُوَزِّع أثلاثًا لو أكل أكثرها، أو تصدق بأكثرها وهو الأولى، أو أهدى أكثرها كله جاز .. لكن بعض العلماء قال: "لا يجوز أن يأكلها جميعًا، بل يُبقِي ولو جزءًا يسيرًا ليتصدق به" (٢)، وقد مر بنا الحديث عنه مفصلًا، لكنها تختلف عن الضحايا في أمور، أنتم رأيتم أن الأضحية تُكسَّر عظامها (٣)، هذه كما جاء في أثر عائشة قالت:

стр. 5351

"تُذبح أجزالًا" (١) (٢). * قولُهُ: (وَجَمِيعُ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ وإنَّ يُدَمَّى رَأْسُ الطِّفْلِ فِي الجَاهِلِيَّةِ بِدَمِهَا، وَأَنَّهُ نُسِخَ فِي الإِسْلَامِ). وَلذَلكَ، فَإنَ عَائشةَ ﵂ قالت: كانوا في الجاهليَّة إذا عقوا عن الصَّبيِّ، خضبوا قطنة بدم العقيقة، فإذا حلقوا رأس الصبي، وضعوها على رأسه، فقال النَّبيُّ ﷺ : "اجعلوا مكان الدم خلوقًا"، ونهى أن يُمسَّ رأس المولود بدمٍ (٣). فدلَّ هذا على نسخ الإسلام لهذا الفعل الجاهليِّ. * قولُهُ: (وَذَلِكَ لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيِّ قَالَ: "كنَّا فِي الجَاهِلِيَّةِ

стр. 5352

إِذَا وُلدَ لِأَحَدِنَا غُلَامٌ، ذَبَحَ لَهُ شَاةً، وَلَطَخَ رَأْسَهُ بِدَمِهَا، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ كنَّا نَذْبَحُ وَنَحْلِقُ رَأْسَه، وَنَلْطَخُهُ بِزَعْفَرَانٍ" (١)). قولُهُ: "ونلطخه بزعفران"؛ أَيْ: بعد غسله تطييبًا بعد التطهير، والزعفران معروف، وإذا كان في بيتٍ لا يدخله سام أبرص. * قولُهُ: (وَشَذَّ الحَسَنُ (٢) وَقَتَادَةُ (٣)، فَقَالَا: يُمَسُّ رَأْسُ الصَّبِيِّ بِقُطْنَةٍ قَدْ غُمِسَتْ فِي الدَّمِ). أمَّا عَنْ قَتادَة، فقَدْ حكَاه غير وَاحِدٍ من أهل العلم، وأما الحسن فمنهم مَنْ حكَى عنه النهي، ومنهم مَنْ حكى الأمر بالفعل! * قولُهُ: (وَاسْتُحِبَّ كسْرُ عِظَامِهَا لَمَّا كَانُوا فِي الجَاهِلِيَّةِ يَقْطَعُونَهَا مِنَ المَفَاصِلِ). استحبَّ فُقَهَاءُ المالكيَّة (٤) أن تُكْسَرَ عظام العقيقة، وأمَّا الشافعية (٥)

стр. 5353

فاستحبوا ألا تُكْسر، ولكنهم لم يُحرموا، ولا حتى كرهوا كسرها، وإستحبَّ الحنابلة (١) ألَّا يُكْسر عظمها، وأمَّا الأحناف (٢) فأجازوا دونما استحباب أو كراهية. * قولُهُ: (وَاخْتُلِفَ فِي حِلَاقِ رَأْسِ المَوْلُودِ يَوْمَ السَّاجِ، وَالصَّدَقَةِ بِوَزْنِ شَعْرِهِ فِضَّةً، فَقِيلَ: هُوَ مُسْتَحَبٌّ (٣)، وَقِيلَ: هُوَ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ، وَالقَوْلَانِ عَنْ مَالِكٍ (٤)، وَالاسْتِحْبَابُ أَجْوَد، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ).

стр. 5354

يُسَنُّ أن يُحْلق رأس الصبي كله في اليوم السابع للولادة، وذلك بعد أن يَقُومُوا بذبح العقيقة تمامًا كما يُفْعل في الحج، وقال يَعْضهم: يكون الحلق أولًا، ثمَّ يليه الذبح (١)، وليس هناك فارقٌ في هذا الحلق بين أن يكون المولود ذكرًا أو أن يكون أنثى، وإن كان هناك من أهل العلم مَنْ قَدْ كره ذلك في حقِّ الأُنثى. * قولُهُ: (لِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي "المُوَطَّإِ": أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَلَقَتْ شَعْرَ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ وَزَيْنَبَ وَأُمِّ كُلْثُومٍ، وَتَصَدَّقَتْ بِزِنَةِ ذَلِكَ فِضَّةً (٢)). وأَهْلُ العِلْم يستحبُّون ما جَاءَ عن فاطمة في ذَلكَ مع العقيقة أو من غيرها، وَيرَون ذلَك على مَنْ لم يَعُقَّ لقلَّة ذاتِ يدِهِ أَوْكد.

стр. 5355

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [كِتَابُ الأطْعِمَةِ وَالأَشْرِبَةِ] " الأطعمة": جمع طعام، وهو في اللغة: كل ما يؤكل مطلقًا، وكذا كل ما يتَّخذ من القوت كالحنطة والشعير والتمر، ويدخل في هذا التعريف كلُّ ما تُخْرجه الأرض من زروعٍ وثمارٍ، وكل الحيوانات التي تُؤْكل سواء البرية والبحرية. ويُقَال: طعم الشيء يطعمه طُعْمًا، إذا أكله أو ذاقه، وقد يطلق الفقهاء لفظ "الأطعمة" على: "كل ما يُؤْكل وما يُشْرب سوى الماء والمسكرات". ومَوْضوع الأطعمة عنوان يدلُّ على ما يُبَاح وما يُكْره، وما يَحْرم منها. والأشربة: جمع شراب، والشراب: اسم لما يُشْرب من أيِّ نَوْعٍ كَانَ، ماء أو غيره، وعلى أي حال كان، وكل شيءٍ لا مضغ فيه، فإنه يُقَال فيه: يُشْرب. والأَصْلُ في الأطعمة الحلُّ حتى يدل دليلٌ على تحريمها: قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾.

стр. 5356

وقال سبحانه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾. ولا يحرم من الأطعمة إلا ما حرَّمه الله في كتابه، أو على لسان نبيّه ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾. قال سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. وقال : ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾. وقال النَّبيُّ ﷺ : "إنَّ أعْظَمَ المسلمين جرمًا مَنْ سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته" (١). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ذروني ما تركتكم، فإنما هلك مَنْ كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيءٍ فَأْتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيءٍ فَدَعوه" (٢). عن سَلْمَانَ قال: سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ عن السمن والجبن والفراء، فقال: "الحلال ما أحلَّ الله في كتابه، والحرام ما حرَّم الله في كتابه، وما سَكَت عنه فَهو ممَّا عفَا عَنْه" (٣). * قولُهُ: (وَالكَلَامُ فِي أصُولِ هَذَا الكِتَابِ تَتَعَلَّقُ بِجُمْلَتَيْنِ، الجُمْلَة الأُولَى: نَذْكُرُ فِيهَا المُحَرَّمَاتِ فِي حَالِ الاخْتِيَارِ. الجُمْلَةُ الثَّانِيَة: نَذْكُرُ فِيهَا أَحْوَالَهَا فِي حَالِ الاضْطِرَارِ).

стр. 5357

هَذَا تَطْبيقٌ من المصنِّف ﵀ لقاعدة: "الضَّرورَاتُ تبيحُ المَحْظورات". وبمَعْنَاها قَوْل بَعْضهم: "لا واجبَ مع عَجْزٍ، ولا حرَام مع ضرورةٍ". مَعْنى هذه القاعدة: أن المُحرَّمَ يصبح مباحًا إذا عرض للمكلف ضرورةٌ تَقْتضي ذلك بحيث لا تَنْدفع تلك الضَّرورة إلا بارتكاب ذلك المحرَّم، كَمَا إذا اشتدَّ الجوع بالمكلَّف، وخشي الهلاك، فإنَّه يجوز له أَكْل الميتة ونحوها، وفي معنى هذا: سقوط بعض الواجبات، أو تخفيفها بسب الضرورة، ويشير إلى هذا المعنى القاعدة التي ذَكَرتُها: "لا واجب مع عجز، ولا حرام مع ضرورة"، والمراد بالإباحة هنا ما يُقابل التحريم؛ لأن بعض العلماء أوجبوا على المضطر الأكل من الميتة، وذهب بعضهم إلى أنَّ ذلك رخصة يجوز الأخذ بها، وتركها. [الجملة الأولى: المحرمات في حال الاختيار] * قول: (الجُمْلَةُ الأُولَى: وَالأَغْذِيَةُ الإِنْسَانِيَّةُ نَبَاتٌ وَحَيَوَانٌ، فَأَمَّا الحَيَوَانُ الَّذِي يُغْتَذَى بِهِ، فَمِنْهُ حَلَالٌ فِي الشَّرْعِ، وَمِنْهُ حَرَامٌ، وَهَذَا مِنْهُ بَرِّيٌّ، وَمِنْهُ بَحْرِيٌّ، وَالمُحَرَّمَةُ مِنْهَا مَا تَكُونُ مُحَرَّمَةً لِعَيْنِهَا، وَمِنْهَا مَا تَكُونُ لِسَبَبٍ وَارِدٍ عَلَيْهَا، وَكُلّ هَذَا مِنْهَا مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَمِنْهَا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَأَمَّا المُحَرَّمَةُ لِسَبَبٍ وَارِدٍ عَلَيْهَا فَهِيَ بِالجُمْلَةِ تِسْعَةٌ: المَيْتَة، وَالمُنْخَنِقَة، وَالمَوْقُوذَة، وَالمُتَرَدِّيَة، وَالنَّطِيحَة، وَمَا أكَلَ السَّبُع، وَكُلُّ مَا نَقَصَهُ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ التَّذْكِيَةِ مِنَ الحَيَوَان الَّذِي التَّذْكِيَةُ شَرْطٌ فِي أَكْلِهِ، وَالجَلَّالَة، وَالطَّعَامُ الحَلَالُ يُخَالِطُهُ نَجِسٌ). هُنَا يُقَسِّم لَكَ المصنِّف ويُرَتِّبُ الفقه الذي سيعرضه بأسلوبٍ مَنْطِقيٍّ رائعٍ، ليرتِّب ذهن القارئ بإجمالٍ يَسْتوعب بعده التفصيل. والأطعمة تتنوع إلى نوعين: حيوانية، وغير حيوانية.

стр. 5358

ثم إن الحيوان ينقسم إلى قسمين رئيسين: مائي، وبري. وفي كل من القسمين أنواعٌ فيها ما يؤكل، وفيها ما لا يُؤْكل. وينقسم المأكول من الحيوان: أولًا: إلى: مباح ومكروه. ثانيًا: إلى: ما تشترط الذكاة في حله، وما لا تشترط. والمقصود بالحيوان في هذا المقام: أنواع الحيوان جميعًا مما يجوز للإنسان أكله شرعًا، أو لا يجوز، ولا يُرَاد به ما يشمل الإنسان نفسه بالنسبة للإنسان، بل الكلام محصورٌ فيما يحلُّ للإنسان أو لا يحل باعتبار أن ما سوى الإنسان قَدْ خلَقه الله سبحانه لمنفعة الإنسان ومصلحته، فمنه ما ينتفع به الإنسان بالأكل وغيره، ومنه ما ينتفع به لغير الأكل من وُجُوه المنافع. أمَّا الإنسان نفسه، الَّذي هو أشرف الحيوان جميعًا، والذي سخر له كل ما عداه، فلا يدخل لحمه في مفهوم الأطعمة، وتقسيمها إلى حلال وحرام؛ لكرامتِهِ في نظر الشريعة الإسلامية، أئا كانت سلالته ولونه ودينه وبيئته. * قولُهُ: (فَأَمَّا المَيْتَة، فَاتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ مَيْتَةِ البَرِّ). الحكم التكليفي ليس منصبًّا على ذوات الأطعمة، وإنما على أكلها أو استعمالها، وليس هناك حكمٌ جامعٌ للأطعمة كلها، لذلك سيذكر حكم كل نَوْعٍ عند الكلام عليه. وَيتَبيَّن لمَنْ تتبَّع ما في كُتُب الفقه المختلفة في أبواب الأطعمة وغيرها أن الأصلَ في الأطعمة الحل، ولا يُصَار إلى التحريم إلا لدليلٍ خاصٍّ، وأن لتحريم الأطعمة بوجه عام - ولو غير حيوانية - أسبابًا عامة عديدة في الشريعة متصلة بقَوَاعدها العامة ومقاصدها في إقامة الحياة الإنسانية على الطريق الأفضل، وكذلك يرى المتتبع أسبابًا لكراهة الأطعمة بوجهٍ عامٍّ غير الأسباب المتعلقة بأنواع الحيوان.

стр. 5359

* قولُهُ: (وَاخْتَلَفُوا فِي مَيْتَةِ الْبَحْرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ حَلَالٌ بِإِطْلَاقٍ (١)، وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ حَرَامٌ بِإِطْلَاقٍ (٢)، وَقَالَ قَوْمٌ: مَا طَفَا مِنَ السَّمَكِ حَرَامٌ، وَمَا جَزَرَ عَنْهُ الْبَحْرُ فَهُوَ حَلَالٌ) (٣). الله في كتابه العزيز أطلق ذلك فبَيَّنَ حِلِّيَة ما في البحر فقال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، والرسول ﷺ يقول في ما في البحر: "هو الطَّهور ماؤه الحِلُّ ميتته" (٤)، الإمام أحمد (٥) قال: هذا الحديث خير من مائة حديث مع عِبَارته الموجزة اشتمل على جُمَلٍ كثيرةٍ من الأحكام مما

стр. 5360

يتعلق بماء البحر وأنه طهور، وكذلك ميتته حلالٌ لنا فأجمل ذلك في جملتين مكونة كل واحدة منهما من مبتدأ وخَبَر هو الطَّهور ماؤه الحل ميتته، فالآية والحديث يدلان على أن ما في البحر حلال سواء كان هذا المطعومِ طريًّا، كما قال الله تعالى: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: ١٤]، أو كانت كذلك الميتة وهذا هو تفسير عبد الله بن عباس ﵄ (١). * قولُهُ: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهم تَعَارُضُ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ). ذكرنا أن الخلاف في الطافي وجمهور العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة ﵏ مالك والشافعي وأحمد يقولون: "كل ما في البحر من حيث الجملة حلال"، ويرون أن الطافي كغيره لا فرق بين ما تأخذه من البحر طريًا وما جَزَرَ عنه البحر (٢) أي: انحسر عنه ورمى به ثم رجع عنه الماء، وما طفا ميتًا فكل ذلك مباح أباحه الله في عموم الآية، وكذلك الرسول ﷺ في قول: "الحِلُّ مَيتَتُهُ"، وخالف الحنفية في ذلك فمرة قالوا: بتحريم الطافي مطلقًا (٣)، وأُخرى فصلوا في ذلك وفرَّقوا بين أن يلفِظَهُ البحرَ أعلاه فيكون بطنه إلى أعلى فيكون محرَّمًا أو ظهره إلى أعلى فيكون مباحًا (٤)، وهذا تفصيل واجتهاد منهم، واستدلوا بحديث: "ما ألقَاهُ البحرُ أو جَزَر عنْه فكُلُوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكُلُوهُ" (٥)، وهذا الحديث
следующие страницы →