← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

قال به جماهير العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة (١). الثاني: جواز مس الجنب المصحف، وهذا الرأي قال به أهل الظاهر (٢). ولكلٍّ من المانعين والمجيزين أدلتهم التي استدلوا بها. والسبب في اختلافهم: اختلافهم في مفهوم قول الله : ﴿في كِتَابٍ مَّكُونٍ (٧٨) ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة:٧٨، ٧٩]، فالجمهور على أن المراد بالكتاب هو هذا المصحف الذي بين أيدينا (٣)، وأن المراد بـ "المُطهَّرون": الناس. وأهل الظاهر الذين أجازوا مسَّ المصحف قالوا: المراد بذلك اللوح المحفوظ، والكتاب الموجود في ذلك اللوح (٤).

стр. 562

وَهَذا الدَّليلُ متنازعٌ فيه، فبينما يستدلُّ به الجمهور ويُوجِّهونه توجيهًا، يستدل به أهل الظاهر ويوجهونه توجيهًا آخر (١). وَحَديث كتاب عمرو بن حزم الذي كَتَبه الرسول ﵊، وسلَّمه إلى عمرو بن حزم فيه: "لا يمسُّ القرآن إلا طاهر" (٢)، اختلفوا فيه أيضًا، هل المراد بالطهارة هنا الطهارة من الأحداث؟ أم المراد بالطهارة هنا الطهارة المعنوية، وهُوَ أن يكون مسلمًا (٣)؟ فالجُمْهورُ -ومنهم الأئمة الأربعة- فَهموا أن المراد غير محدث. ومن الأدلة أيضًا التي يتمسَّك بذكرها جمهور العلماء: ذلكم الحديث

стр. 563

الصحيح الذي أورده البخاري في "صحيحه" (١) أن الرسول ﵊ قال: "لا تُسَافِرُوا بِالقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ العَدُوِّ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ العَدُوُّ" (٢)، "لا" نهيٌ، "تُسَافروا بالقُرْآن إلى أَرْض العَدُو"، مخافة أن تناله أيديهم. قالوا: "تناله أيديهم": أن تقع عليه وهم غير طاهرين. ويقول أهل الظاهر: منعوا؛ لأنهم غير مسلمين (٣). ومن أدلة الذين أجازوا مس المصحف مطلقًا: هو الكتاب الذي كَتَبه الرسول ﵊ إلى هرقل، وفيه الآية المعروفة: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ٦٤]. قَالوا: فَهَذِهِ رسالةٌ كتبَها الرسول ﷺ إلى غير مسلمٍ (٤). فَقَدْ كَتبَها إلى قيصرَ، فلَوْ كان مسُّ المصحف لا يجوز، لما كتب، والعلماء أجابوا عنها بان هذا لا يُسمَّى مصحفًا، وإنما هذه رسالة، والرسالة لا يُطْلق عليها أنها مصحف، فهي ليست بأكثرَ من كتب التفسير والفقه والحديث وغير ذلك.

стр. 564

قوله: (وَذَهَبَ الجُمْهُورُ إِلَى مَنْعِه). الجُمْهور يقصد بهم جماهير العلماء كافة، ومنهم الأئمة الأربعة. قوله: (وَهُمُ الَّذِينَ مَنَعُوا أَنْ يَمَسَّهُ غَيْرُ مُتَوَضِّئٍ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي مَنْعِ غَيْرِ المُتَوَضِّئِ أَنْ يَمَسَّهُ، أَعْنِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٩]). كَمَا قلنا يَدُور الخلَافُ في المسألة حَوْل فَهْم كلٍّ من الجمهور وأهل الظَّاهر المراد من قوله سبحانه: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾، وحديث النبي ﵊: "لَا تُسَافِرُوا بِالقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ العَدُوِّ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ العَدُوُّ" (١). قوله: (وَقَدْ ذَكَرْنَا سَبَبَ الاخْتِلَافِ فِي الآيَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ بِعَيْنِهِ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي مَنْعِ الحَائِضِ مَسَّهُ. المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قِرَاءَةُ القُرْآنِ لِلْجُنُبِ). قوله: (اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ: فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إِلَى مَنْعِ ذَلِكَ). قراءةُ القُرْآن للمُحْدث حدثًا أصغر ليس فيها خلافٌ بين أهل العلم، أمَّا قراءة القرآن للمحدث حدثًا أكبر حفظًا من غير أن يمس المصحف، فَهَذا الذي يتحدث عنه المؤلف ﵀. وهذه المسألةُ الخلافُ فيها مُتَشعبٌ بين العلماء، فجماهير العلماء -كما هو معلوم، ومنهم الأئمة الأربعة من حيث الجملة- يمنعون الجنب أن يقرأ القرآن (٢)، لكنَّنا لَوْ دخلنا في تفصيل أقوالهم، لَوَجدنا أنَّ لبَعْضهم

стр. 565

استثناءات، فقَدْ نُقِلَ عن عبد الله بن عَبَّاسٍ ﵁ أنه قال: يَجُوز للجنب أن يقرأ وِرْدَه (١). ونُقِلَ عن الإمام الأوزاعي (٢) أنه قال: لَه أن يَقَرَأ آية الرُّكوب، وآية النزول ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣]، ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩)﴾ [المؤمنون: ٢٩]. ومن العلماء مَنْ أجاز ذلك مطلقًا، فيكون قول أهل الظاهر له مستندٌ (٣)، وهو قول سعيد بن المسيب، بل منهم مَنْ نسب ذلك إلى عبد الله بن عباس، فالذي قال به أهل الظاهر وهو جواز قراءة القرآن للجنب نُقِلَ أيضًا عن عبد الله بن عباس، وهناك مَنْ نقل عن عبد الله بن عباس أنه أجاز فقط الوِرْدَ، لكن نقلَ عن سعيد بن المسيب التابعيِّ الجليل

стр. 566

المعروف من طريقٍ صحيحٍ أنه قال: له أن يقرأ القرآن، أليس هو في جوفه؟! (١). والإمام مالك ﵀ استثنى من ذلك الحائض إذا طال بها الوقت؛ خشيةَ أن تنسى القرآن، وقيلْ إنَّ له رأيًا يجيز للجنب أن يقرأ اليسير في ذلك (٢). أما الحنفية، فأَجَازوا قراءة بعض آية (٣). قوله: (وَذَهَبَ قَوْمُ إِلَى إِبَاحَتِهِ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ الاحْتِمَالُ المُتَطَرِّقُ إِلَى حَدِيتِ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: كانَ ﵊ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ قِرَاءَةِ القُرْآن شَيءٌ إِلَّا الجَنَابَةُ) (٤).

стр. 567

شَرَع المُؤلِّف يُبيِّن ويسرد الأدلة التي استدلَّ بها كل فريقٍ لتقوية مذهبِهِ، فَجَماهيرُ العُلَماء المانعون يستدلُّون بحديث عليٍّ الذي صحَّحه الترمذي وغيره أنَّ الرَّسولَ ﵊ ما كان يمنعه من قراءة القرآن شيءٌ إلا الجنابة، أي أنَّ الرَّسُولَ ﵊ يقرأ القرآن في كل أحواله إلا في هذه الحالة. أما الذين أجَازوا، فَقَد استدلوا بحديث عائشة الصحيح الذي أخرجه مسلمٌ وغيره: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ" (١). قالوا: والقرآن ذكرٌ، إذًا القرآن داخلٌ في الذكر، فللإنسان أن يقرأه، وكل أحيانه يدخل فيها حالة الجنب. ويردُّ الجمهور بالقول إن حديث: "يذكر اللّه على كل أحيانه"، هذا حديثٌ صحيح ومُسلَّم، لكنه حديثٌ عامٌّ يُخَصِّصه دليلنا، حيث إن دليلنا نص في المُدَّعَى، نصٌّ في قراءة القرآن، وذاك عامٌّ في الذِّكْر، والذِّكْرُ أشمل من القرآن. وعليه، فينبغي أن يُقيد ذلك الحديث بهذا الحديث. والمجيزون يقولون: فحديثكم أيضًا يتطرق إليه احتمال؛ لأن قول عليٍّ: "ما كان يحجبه أو يحجزه عن قراءة القرآن شيءٌ ليس الجنابة" (٢)، يمكن أن يكون فَهْمَ عليٍّ ﵁، وَلَكن العلماء دافعوا عن ذَلكَ وَنَافحوا، وقالوا: لا يقول علي بن أبي طالب ﵁ وهو الذي شهد الرسول له ﵊ بقوله: "أَقْضَاكمْ عَلِيٌّ" (٣) - مثل ذلك على رسول الله ﷺ إلا عن بَيِّنةٍ وعِلمٍ ومَعْرفةٍ. فالكلُّ يُحَاول أن يُوجِّه دليل الفريق الآخر، أو أن يذكر علةً يضعف بها دليل الفريق الآخر، أو يَخُص بها حديثهم، فالجمهور اعتبروا حديث:

стр. 568

"يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ"، عامًّا، وقالوا: حديثنا خاص، والخاصُّ يُقدَّم على العام. والآخرون قالوا: حديثكُم يتطرَّق إليه احتمالٌ، وإذا تطرَّق الاحتمال، بطل الاستدلال، لكن الجمهور لا يُسلِّمُون بذلك، وهذا احتمالٌ ضعيفٌ، وغير مُسلَّم. قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: إِنَّ هَذَا لَا يُوجِبُ شَيْئًا، لِأَنَّهُ ظَنٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَمِنْ أَيْنَ يَعْلَمُ أَحَدٌ أَنَّ تَرْكَ القِرَاءَةِ كَانَ لِمَوْضِعِ الجَنَابَةِ). وهَلْ يُمْكن أن يَحْصُلَ من عليِّ بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين المشهود لهم بالجنة أن يقول ذَلكَ عن ظنٍّ وحدسٍ (١) وتخمينٍ، هذا بعيدٌ جدًا. قوله: (إِلَّا لَوْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ؟). وكيفَ يقول ذلك عليُّ بن أبي طالب إلا وقد سَبَرَ الأمر (٢)، وعرف حقيقته، وإلا لا يمكن أن يقول ذلك. قوله: (وَالجُمْهُورُ رَأَوْا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ ﵁ لِيَقُولَ هَذَا عَنْ تَوَهُّمٍ وَلَا ظَنٍّ، وَإِنَّمَا قَالَهُ عَنْ تَحْقِيقٍ) (٣). لا شكَّ أنَّ هذا الذي ذَكَره الجمهور هو الحقُّ، فلا يُمْكن أن يقولَ ذلك عن ظنٍّ، ولا يمكن أن يصدرَ حديثًا مجملًا دون أن يذكر حقيقته، فهو ذكر الحديث، وأطلقه، وهو صريح الدلالة، فلماذا توجه إليه هذه الاحتمالات، هذه أمور غير صحيحة، وكلام الجمهور عن دليل الفريق

стр. 569

الآخر واضح؛ لأنه "يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ" (١)، وأيضًا الرجلُ جَاء وسَلَّم عليه ﷺ ، ولم يرد عليه، ثُمَّ لما مال على الجدار، ضرب بيديه وتيمم وسلَّم، وقال: "إنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلَّا أَنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ" (٢)، أيضًا هذا مستثنًى، وآخَر في حديثٍ آخَرَ أنه ردَّ، ثمَّ قال له: رَدَدتُ عليك، ولو سلمت عليَّ وأنا في مثل هذه الحال لمَا رَدَدتُ عليك (٣)، فَحَديث: "يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ" (٤)، هو حديثُ صحيح لكنه عامٌّ. قوله: (وَقَوْمُ جَعَلُوا الحَائِضَ فِي هَذَا الاخْتِلَافِ بِمَنْزِلَةِ الجُنُبِ، وَقَوْمٌ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا، فَأَجَازُوا لِلْحَائِضِ القِرَاءَةَ القَلِيلَةَ اسْتِحْسَانًا؛ لِطُولِ مَقَامِهَا حَائِضًا، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، فَهَذِهِ هِيَ أَحْكَامُ الجَنَابَةِ) (٥). هذه روايةُ في مذهب الإمام مالكٍ ﵀، ووجهتُهُ طيبةٌ، وفهمُهُ دقيقٌ؛ لكونِهِ نَظَر إلى روح الشرع وَمَا فيها من يسرٍ ومراعاةٍ لمصالح العباد، فقَدْ تكون الحائض ممَّن تطول مدة حيضتها، فتنسيها بعض القرآن،

стр. 570

فَهَذا استحسان مبنيٌّ على أصول وقواعد وأدلة، وفرق كبير بين استحسانٍ مبنيٍّ على هوى النفس، وآخر مبني على قواعد الشرع، والنوع الأول هو الذي رده الشافعي، أما النوع الثاني فمُسلَّمٌ عند الشافعي وغيره من أهل العلم.

стр. 571

[أَحْكَامُ الدِّمَاءِ الخَارِجَةِ مِنَ الرَّحَمَ] [البابُ الأوَّلُ: أنوَاعُ الدِّماءِ] قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَأَمَّا أَحْكَامُ الدِّمَاءِ الخَارِجَةِ مِنَ الرَّحِمِ، فَالكَلَامُ المُحِيطُ بِأُصُولِهَا يَنْحَصِرُ فِي ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ، الأَوَّلُ: مَعْرِفَةُ أَنْوَاعِ الدِّمَاءِ الخَارِجَةِ مِنَ الرَّحِمِ. وَالثَّانِي: مَعْرِفَةُ العَلَامَاتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى انْتِقَالِ الطُّهْرِ إِلَى الحَيْضِ، وَالحَيْضِ إِلَى الطُّهْرِ أَوْ الاسْتِحَاضَةِ، وَالاسْتِحَاضَةُ أَيْضًا إِلَى الطُّهْرِ. وَالثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ أَحْكَامِ الحَيْضِ وَالاسْتِحَاضَةِ، أَعْنِي: مَوَانِعَهَا وَمُوجِبَاتِهَا. وَنَحْنُ نَذْكُرُ فِي كُلِّ بَابٍ مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ الثَّلَاثَةِ مِنَ المَسَائِلِ مَا يَجْرِي مَجْرَى القَوَاعِدِ وَالأُصُولِ لِجَمِيعِ مَا فِي هَذَا البَابِ عَلَى مَا قَصَدْنَا إِلَيْهِ، مِمَّا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ). تقييم عرض المؤلف لمسائل الدِّمَاءِ الخَارِجَةِ مِنَ الرَّحِمِ: تعرض المؤلف ﵀ كما ذكر للْمَسَائِلِ التي تَجْرِي مَجْرَى القَوَاعِدِ

стр. 572

وَالأُصُولِ، ومما تعرض له: مسألة المرأة المتحيرة (١)، فقد عرضها في مساحة صغيرة، مع أنها من أدق وأصعب المَسَائِلِ المتعلقة بالحيض، وقد أُفردت بالتصنيف، وكتب فيها بعض أهل العلم مجلدًا مستقلًّا، لكثرة ما فيها من تفريعات واختلافات للفقهاء (٢). [الباب الأول: في بيان أنواع الدماء الخارجة من الرحم] قوله: (البَابُ الأَوَّلُ: اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الدِّمَاءَ الَّتِي تَخْرُجُ مِنَ الرَّحِمِ ثَلَاثَة: دَمُ حَيْضٍ، وَهُوَ الخَارِجُ عَلَى جِهَةِ الصِّحَّةِ، وَدَمُ اسْتِحَاضَةٍ، وَهُوَ الخَارج عَلَى جِهَةِ المَرَضِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ دَمِ الحَيْضِ، لِقَوْلِهِ ﵊: "إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِالحَيْضَةِ" (٣)، وَدَمُ نِفَاسٍ وَهُوَ الخَارِجُ مَعَ الوَلَدِ). أنوَاع الدِّمَاء الَّتِي تَخْرُجُ مِنَ الرَّحِمِ: المؤلف ﵀ حصر هذه الدِّمَاء في ثلاثة أنواع؛ وهي:

стр. 573

النوع الأول: دم الحيض. النوع الثاني: دم الاستحاضة. النوع الثالث: دم النفاس. ثم ذكرُ ﵀ تعريف كل دمٍ، ونحن سنشرح ذلك -بعون اللّه- مع تفصيل الكلام حول هذه الدماء، وما يتعلق بها في هذه المقدمة، وبيان ذلك في ما يلي: (أولاً) تعريف الحيض: هُوَ الدم الذي يخرج من المرأة عَلَى جِهَةِ الصِّحَّةِ. ما يتميز به دم الحيض: يتميز دم الحيض بأمور؛ منها: (١) هو دمٌ تعرفه النساء عادةً، لكونه معتادًا لهن شهريًّا. (٢) هو دمٌ ثخين، لونه أسود، يخرج من قعر الرحم كما وصفه الفقهاء (١). وقَدْ وَصَفه النبي ﷺ في الحديث الصحيح بقوله: "إذا كان دم الحيض، فإنه دم أسود يعرف" (٢). (٣) هو دمٌ لا يسببه مرض، بل يدل على صحة الحائض. (٤) هو دمٌ زائدٌ في جسد المرأة، فإذا حملت، تحول بقدرة الله إلى غِذاء لجنينها، فإذا وضعت، تحول بإرادة الله إلى لبنٍ تُرْضع منه طفلها.

стр. 574

(٥) هو دم كَتَبه الله على بنات آدم؛ كما ورد في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري، وغيره أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ" (١). سبب تسمية دم الحيض بهذا الاسم: نص الفقهاء على أنه سُمِّى حيضًا، لسيلانه، تقوله: "حَاضَتِ المرأة تَحِيض حَيْضًا ومَحِيضًا"، يعني: سال دمها، ويقال: "حاض الوادي": إذا سال. فأصل كلمة الحيض: هو السيلان، هذا هو المراد بالحيض في لغة العرب (٢). تسمية مَنْ ينزل عليها دم الحيض: المرأة يقال عنها كما يقول الفقهاء: امرأة حائض، ولا يقال: حائضة، لأن حائض إنما هو وصف خاص بالمؤنث، ولا يوجد لبس فيه؛ لأنه لا يقال: رجل حائض. وقد أجاز بعض أهل اللغة قول: حائضة (٣)، وَلَكن المشهور المعروف أن يقال: امرأة حائض (٤).

стр. 575

أسماء دم الحيض: دم الحيض له عدة أسماء، منها: الحيض، والطمث، والعراك، وقد اشتهر الاسم الأول. ما يمنع منه دم الحيض: دم الحيض يمنع المرأة عدة أمور: الأمر الأول: يمنعها الصلاة؛ فيرفع عنها وجوبها عليها؛ فلا تلزمها الصلاة، وليس لها أن تصلي (١)، ولا تُؤْمر بقضائها بعد طهرها. الأمر الثاني: يمنعها الصيام؛ ولكن يجب عليها قضاؤه بعد طهرها. الأدلة من السنة النبوية على قضاء الحائض الصوم دون الصلاة: وردت في ذلك أحاديث، منها: الحديث الأول: حديث معاذة لما سألت عائشة ﵂، فقالت لها: "ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة" فردت عليها عائشةُ ﵂: أحروريةٌ أنتِ؟ فردَّت عليها السائلة، وقالت: لست بحرورية؛ ولكنني أسأل؟ فقالت لها عائشة ﵂: كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ ، فنُؤْمر بقَضَاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة" (٢).

стр. 576

قَوْلها: (أحروريةٌ): نسبةً إلى أهل حروراء، وهم فرقةٌ من الخوارج، نسبوا لموضع يقال له: حروراء؛ لاستقرارهم فيه (١). مراد عائشة ﵁ بقولها لمعاذة: "أحرورية أنتِ؟ ": أرادت أن تقول لها: هل أنتِ من أهل حروراء الخوارج الذين يُوجبون على الحائض قضاء الصلاة -مخالفين بذلك سنة رسول الله ﷺ الآمرة بعدم قضاء الحائض للصلاة؟ (٢). ويُسْتفاد من ذلك: أنه على المسلم أن يتجنب مواضع الشُّبه، وأماكن أهل البدع. وقد دفعت معاذة التهمة عن نفسها، وأبانت عن أنها تسأل عن أحكام دينها، ولا تقصد التنطع كالخوارج. نبذة عن الخوارج (٣): (١) الخوارجُ يُخَالفون أهل السُّنَّة في كَثِيرٍ من الأحكام.

стр. 577

(٢) الخوارج ردُّوا جملةً من الأحاديث التي وَرَدت في سُنَّة رسول الله ﷺ . (٣) الخوارج ليسوا على منهجٍ واحدٍ؛ فمنهم غلاةٌ وَقَعوا في التكفير بالذنوب، ومنهم دون ذلك. (٤) الخوارج بشتَّى فرقهم خَرَجوا عن الطريق السوي، وقد وَصَفهم النبي ﷺ كما في الحديث بقوله: "يَمْرقون من الدِّين كما يمرق السهم من الرمية" (١). (٥) الخَوارج ضلُّوا بسبب الغلو في الدِّين، وتجاوز الحد فيه. الأمر الثالث الذي يمنع منه دم الحيض: يمنعها مسَّ المصحف (٢). وَسَبق الكلام عن هذه المسألة. الأمْر الرابع الذي يمنع منه دم الحيض: يمنعها قراءة القرآن.

стр. 578

فمَسْألة قراءة الحائض القرآن: فيها خلافٌ للعلماء، وليس الخلاف فيها كالخلاف في مسِّها المصحف؛ فقَدْ وَرَدتْ روايةٌ في مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣) بجواز قراءتها القرآن. وأكثر الفُقَهاء تشدُّدًا في ذلك هُمُ الشافعية، فقد منعوها من قراءة القرآن (٤). والقول بالمنع: هو مَشْهور المذاهب الثلاثة (الحنفية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة) (٧).

стр. 579

الأمر الخامس الذي يمنع منه دم الحيض: يمنعها الطواف. الدليل من السُّنة على منع الحائض من الطواف: دليل ذلك: قَوْل رسول الله ﷺ لعائشة ﵂ عندما ذُكِرَ له بأن صفية حاضت: "أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ "، فأَشَارت إليه عائشة ﵁ إلى أنها قَدْ أفاضت، فَقَال رسول الله ﷺ : "فَلَا إِذًا" (١). يعني: زال الإشكال، واتضح الأمر. الأمر السادس الذي يمنع منه دم الحيض: يمنعها المكث في المسجد. هذه المسألة محل خلافٍ بين الفقهاء (٢). الدليل من القرآن: هو قول الله : ﴿وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِى سَبيلٍ حَتَّى تَغتسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣].

стр. 580

حُجَّة مَنْ منع الحَائض من المكث في المسجد: قال: لقَدْ منع الله تعالى في هذه الآية الجنبَ من المُكْث في المسجد، فالحائضُ أوْلَى بالمنع؛ لأنها متلبسةٌ بدمٍ، ولو زال دمها، فَتَكون بمنزلة الجنب، لكونها غير طاهرةٍ مثل الجنب. الأمر السابع الذي يَمْنع منه دم الحيض: يمنعها من الوطء في فرجها في فترة الحيض، فلا يجوز لزوجها أن يطأها في قُبُلها في هذه الحالة. الدليل من القرآن على هذه المسألة: هو قول الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. والدليل من السُّنَّة: هو قول رسول الله ﷺ : "اصنعوا كل شيءٍ إلا النكاح" (١). الأمر الثامن الَّذي يَمْنع منه دم الحيض: يمنع زوجها من طَلَاقها في فترة الحيض. الدليل من القرآن على هذه المسألة: هو قول الله . ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١]. والدليل من السُّنَّة: ما وَرَد في حديث عبد الله بن عمر ﵁: "أنَّ رَسُولَ الله ﷺ أنكرَ علَى عبد الله بن عُمَر ﵄ عندما طلَّق زوجتَه في الحيض، وقال لعمر ﵁: "مُرْهُ فليُرَاجعها" (٢).

стр. 581

الأمر التاسع الذي يمنع منه دم الحيض: يمنعها أن تعتدَّ بالأشهر، وإنما بالأقراء. الدليل من القرآن على هذه المسألة: هو قول الله : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. ما يحل للحائض بعد انقطاع دم الحيض وقبل الاغتسال: أجازَ الفُقَهاءُ لها الصومَ، وصححوه منها؛ لكونها طهرت وانقطع الدم عنها (١). أما الصلاة: فلا تزال على المنع حتى تغتسل فتباشر الصلاة (٢). (ثانيًا) تعريف دم الاستحاضة: هُوَ الدَّم الَّذي يخرج من المرأة عَلَى جِهَةِ المَرَضِ؛ فيمتد ويستمر ويتجاوز أيام الحيض المعتادة، فَهُوَ مغايرٌ لدم الحيض في ميعاده، وفي مدة مكوثه، وفي طبيعته، وفي سببه (٣).

стр. 582

مميزات دم الاستحاضة: يتميَّز دم الاستحاضة بأنه دمٌ يخرج من أول الرحم؛ من عرقِ يُسمَّى العاذِل (١)، وقَدْ وصَفه النبي ﷺ في الحديث الصحيح بقوله: "إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِالحَيْضَةِ" (٢). وأمَّا المرأة المستحاضة: فَسَيأتِي فيما يلي مزيد كَلَامٍ عن الأحكام المختصة بها، وهي تَخْتلف عن الحائض في هذه الأحكام. (ثالثًا) تعريف دم النفاس: هُوَ الدَّمُ الخَارج مَعَ الوَلَدِ، فيصحبه، أو يسبقه قليلًا (٣). وأما المرأة النفساء: فأحكامُهَا قريبة جدًّا من أحكام الحائض. مسألة ينبني على العلم بها فَهْم أحكام الحيض: هذه المسألة من الأهمية بمكانٍ، ومع ذلك فقد أغفلها كثير من الفقهاء، وهي متعلقة بالأسماء التي عَلَّقت الشريعة الإسلامية الأحكام عليها، وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أسماء ورد بيان حدها ومقدارها في الشريعة الإسلامية. حكم هذا القسم: هذه الأسماء لا مجال للاجتهاد في تعيين المراد بها.

стр. 583

مثال لهذا القسم: الصلوات الخمس. توضيح ذلك: الشريعة الإسلامية أبَانَت عن عدد الصلوات، وجعلتها خمس صلوات. الدليل من القرآن الكريم على عدد الصَّلوات المفروضة: قال الله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)﴾ [الروم: ١٧]. وقال تعالى: ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ [الروم: ١٨]. الدليل من السُّنَّة على ذلك: وَرَد في الحَديث الصحيح المتفق عليه قول النَّبيِّ ﷺ : "خمس صلواتٍ كتبهنَّ الله على العباد في اليوم والليلة، مَنْ حافظ عليهن، كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومَنْ لم يحافظ عليهنَّ، لَمْ يكن له عَهدٌ عند الله؛ إن شاء عذَّبه، وإنْ شاء غَفَر له" (١). وعليه: فالشريعة الإسلاميَّة، حدَّدت لنا عدد الصلوات، وهذا أمرٌ مجمعٌ عليه. الدليل من القرآن الكريم على مواقيت الصلوات: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] مَعْنى الآية: أي: الصلاة مفروضة في أوقاتها (٢). الدليل من السُّنة النَّبوية على مواقيت الصلوات: وَرَد في الحديث: "أنَّ جِبْريلَ ﵇ صلَّى برسول الله ﷺ عند البيت

стр. 584

مرتين، صلَّى به في اليوم الأول كل صلاةٍ في أول وقتها، وصلَّى به في التالي كل صلاةٍ في آخر وقتها" (١) شرح الحديث: يعني أمَّ جبريل ﵇ رسولَ الله ﷺ في الصلوات الخمس على التالي: (١) في صلاة الظهر: أَمَّه في اليوم الأول عندما زالت الشمس، وفي اليوم الثاني أخَّر ذلك حتى أبرد بها. (٢) وفي صلاة العصر: أمَّه في اليوم الأول حين صار ظل كل شيءٍ وفي اليوم الثاني حين صار ظل كل شيءٍ مثليه. (٣) وفي صلاة المغرب: أمَّه في اليوم الأول والثاني في وقت واحد. (٤) وفي صلاة العشاء: أمَّه في اليوم الأول والثاني في وقتين مختلفين. (٥) وفي صلاة الفجر: أمَّه في اليوم الأول والثاني في وقتين مختلفين، فمرةً أغلس- أو غلَّس (٢) - بها، ومرة أسفر (٣) بها.

стр. 585

تتمة الحديث: "صلَّى جبريل ﵇ برسول الله ﷺ عند البيت مرتين، مرةً في أول الوقت، ومرة في آخره، ثم قال له: "الوقت ما بين هذين". الشاهد: أن الصلوات الخمس لها أوقاتٌ محددةٌ محصورةٌ فيها، وهذه الأوقات لها أول وآخر. خلاصة ما سبق: الصَّلواتُ الخَمْس ورَد في الشَّريعة الإسلاميَّة بيان عَددها وأوقاتها، فلا مَجَال لاجتهاد الفقهاء في ذلك. مثال آخر لهذا القسم: الزكاة. توضيح ذلك: الشريعة الإسلامية أبَانت ما تخرج منه الزكاة، وأنصبة ذلك. فكُلُّ هذه الأمور -وهي كثيرة- وَرَدتْ في الشريعة الإسلامية محددة مبيَّنة، ولا مجال للرأي فيها، ولا للاجتهاد؛ لوجود نصوصٍ قطعيَّةٍ توقيفيةٍ فيها. القسم الثاني: أسماء لم يرد بيان حدها، ولا مقدارها في الشريعة الإسلامية. حكم هذا القسم: هذه الأسماء يُعْرف المراد بها من كلام العرب، واستعمالهم لها.

стр. 586

أمثلة هذا القسم: نحو مصطلحات الفجر والحر والبرد والسُّنَّة وفُصُولها. كل هذه نعرف تفصيلاتها من كلام العرب، ومُرَادهم حين إطلاقها. القسم الثالث: أسماء لم يرد بيان حدها ولا مقدارها في الشريعة الإسلامية، ولا في كلام العرب. ذَكَر الفقهاء إلى أن المرجعَ في تعيين المراد بهذه الأسماء وحُدُودها هو العادة، أو العرف (١). شروط اعتبار العادة، أو العرف في الشرع: الشرط الأول: ألا تعارض نصًّا (٢). الشَّرط الثاني: ألا تكون مضطربةً؛ بل لا بد أن تكون مطردةً، يَعْني: مستقرة (٣). مثال: لو كانت عادة المرأة مستقرةً على ستة أيام أو سبعة، أو على يومٍ وليلة، فيعتد بالمستقر منها لا على الطارئ المضطرب.

стр. 587

وتوجد أمثلة أُخرى كثيرة في سائر أبواب الفقه، وخاصة في أبواب المعاملات (١). القسم الذي تندرج تحته مسائل الحيض: غالب مسائل الحيض تتبع هذا القسم الثالث؛ الخاص بالأسماء التي لم يرد بيان حدها، ولا مقدارها في الشرع، ولا في كلام العرب. أمثلة لذلك من مسائل الحيض والنفاس: (١) أقل الحيض وأكثره (٢).

стр. 588

(٢) وأقل الطهر وأكثره (١).

стр. 589

(٣) وأقل الطهر بين الحيضتين (١).

стр. 590

(٤) وأقل النفاس وأكثره (١).

стр. 591

كلُّ هَذِهِ المسائل لم يرد بيانها في الشرع، ولا في كلام العرب؛ فرجع الفقهاء فيها إلى العرف والعادة. ولأَجْل ذَلكَ: كثرت آراء الفقهاء وتنوَّعت وتعدَّدت في مسائل الحيض. مسألة سن المحيض: نُقِلَ عن الإمام الشافعي أنه وجد أثناء رحلته إلى اليمن امرأة جدَّة وهي في سن الحادية والعشرين (١)، فهَذ الجدة ينبغي أن تكون تزوَّجت وهي ابنة تسعٍ، وأنجبت في العاشرة من عُمُرها، فذهب بعض الفقهاء إلى أن الحيض يبَدأ من السنة التاسعة من عمر المرأة (٢). مسألة أقل الحيض وأكثره: ورد في تحديده حديثٌ؛ ولكنه ضعيفٌ (٣). وجُلُّ مسائل الحيض لم يرد فيها نصُّ؛ فكان المرجع فيها للعادة. فالمَرأةُ الَّتي تحيضُ ستةَ أيام أو سبعةً من كل شهرٍ أو أكثر أو أقل تأخذ بعادتها؛ كمَا قال رسول الله ﷺ : "فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامِ، أَوْ سَبْعَةَ أَيَّام؟ فِي عِلْمِ اللَّهِ" (٤). وكذلك المرأة التي تستطيع التمييز بين الدمين: لا إشكال في أمرها، بخلاف المرأة المتحيرة -وهي التي ترى الدم يومًا، ثم ينقطع يومًا آخر،

стр. 592

ثم يعود إليها- فلا تدري هل هو دم حيض، أو استحاضة، ولا تستطيع التمييز بين الدمين: فهذه حيرت الفقهاء في الجواب على هذه المسألة، ولذَا سمَّاها الفقهاء: مسألة التلفيق (١). فهَلْ تضمُّ أيَّام الدم بعضها إلى بعضٍ؟ وأيام الطهر بعضها إلى بعضِ؟ وكيف تصلي؟ سيأتي -إن شاء الله- الكلام على ذلك في التعليق عَلى كلام المصنف. مثالٌ آخر لما يرجع فيه للعرف والعادة: وَرَد في الحديث أن رَسُولَ الله ﷺ قال: "لا تَشْربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلُوا في صحَافها؛ فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة" (٢)، وقال ﷺ : "الذي يشرب في آنية الفضة: إنما يُجَرجرُ في بطنه نارًا" (٣). حكم تضبيب (٤) الإناء بالذهب أو الفضة: أجاز الفقهاء تضبيب الإناء الذي فيه شق بالذهب أو الفضة (٥)،

стр. 593

ولكنهم اختلفوا في مقدار هذا التضبيب؛ لعدم ورود نصٍّ في مقدار ذلك، فكان المرجع في ذلك للعادة والعُرف (١). مثالٌ ثانٍ لما يرجع فيه للعرف والعادة: النجاسة المعفو عنها. ذَهَب الفقهاء إلى أن قليل النجاسة معفو عنه (٢)، وَلَكنهم اختلفوا في

стр. 594

مقدار هذه النجاسة؛ لعدم وُرُود نصٍّ في مقدار ذلك، فكان المرجع في ذلك للعادة والعُرف (١). مثال ثالث لما يرجع فيه للعرف والعادة: الموالاة (٢).

стр. 595

اختلف الفقهاء في حكم الموالاة؛ فأوجبها البعض، دون آخرين (١). واختلفوا أيضًا في تحديدها: هل الموالاة ألا تؤخر غسل عضوٍ حتى ينشف الآخر؟ أو ألا توجد مسافةٌ بعيدةٌ بينهما؟ وقال بعضهم: إذا كان الفصل لمصلحة الصلاة أو الوضوء، فلا يضر. مثال آخَر لما يرجع فيه للعرف والعادة: النهي عن صيام يوم الشَّكِّ (٢). ذَهَبَ الفقهاء إلى استثناء مَنْ له عادة صيام وافقت يوم الشك (٣).

стр. 596

فاعتُبِرَتِ العادة في ذلك أيضًا. وَاستدلُّوا بحجيَّة العمل بالعرف والعادة بالأثر الوارد عَنْ عبد اللّه بن مسعود ﵁، قال: "ما رَآه المسلمون حسنًا، فهو عند الله حسنٌ، وما رأوه سيئًا، فهو عند الله سيئًا" (١). وختامًا: كانت هذه مقدمة تمهيدية للكلام على الدماء التي تخرج من فرج المرأة قبل الكلام عليها.

стр. 597

[الباب الثاني: في معرفة علامات انتقال الطهر إلى الحيض، وانتقال الحيض إلى الطهر] قوله: (البَابُ الثَّانِي: أَمَّا مَعْرِفَةُ عَلَامَاتِ انْتِقَالِ هَذِهِ الدِّمَاءِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ، وَانْتِقَالِ الطُّهْرِ إِلَى الحَيْضِ، وَالحَيْضِ إِلَى الطُّهْرِ، فَإِنَّ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ- فِي الاكثَرِ- تَنْبَنِي عَلَى مَعْرِفَةِ أَيَّامِ الدِّمَاءِ المُعْتَادَةِ، وَأَيَّامِ الأَطْهَارِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ فِيهَا مَا يَجْرِي مَجْرَى الأُصُولِ؛ وَهِيَ سَبْعُ مَسَائِلَ). القواعد التي يعرف بها نوع الدم الخارج من فرج المرأة: المؤلف ﵀ يتكلم هنا عن قواعد وأسس للتمييز بين دم الحيض ودم الاستحاضة. مبررات الاعتداد بهذه القواعد: خُلُوُّ جُلِّ مسائل هذا الباب من نصوصٍ شرعيةٍ، وخلو اللغة العربية من تحديدٍ دقيقٍ لجل متعلقاته؛ فكان المرجع في بيان ذلك للعادة والعرف. مُرَاعاة اختلاف العادة من مكانٍ لآخر: راعَى الفقهاء اختلاف عادات الناس باختلاف بلدانهم. مثال: العملة المتعامل بها الآن في المملكة العربية السعودية هي الريال، فعندما تشتري سلعة، ويُقَال لك: بعشرة، تعرف أن المراد ريالات، بخلاف ما لو كان هذا الشراء من الكويت مثلًا، فيكون المراد دنانير؛ لاختلاف عادة البائع في المكانين؛ نظرًا لاختلاف العملة.

стр. 598

وليسَ هذا الاختلاف ممَّا يطعن في الاعتداد بالعادة والعرف؛ فيؤخذ بعادة القوم في مَكَانهم، وهذا ما سَار عليه الفقهاء (١). قوله: (المَسْأَلَةُ الأُولَى: اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي أَكثَرِ أَيَّامِ الحَيْضِ، وَأَقَلِّهَا، وَأَقَلِّ أَيَّامِ الطُّهْرِ). المَسْأَلَةُ الأوُلَى: أَكْثَرِ أَيَّامِ الحَيْضِ، وَأَقَلِّهَا، وَأَقَلِّ أَيَّامِ الطُّهْرِ: ينقل المؤلف ﵀ العُلَمَاء فِي ذلك، فيرى أصحاب المذهب الشافعي والحنبلي: أن أقل الحيض يوم وليلة (٢)، وقد نُقل عن الإمام أحمد: أن أقل الحيض يوم، فاختلف أتباع مذهبه في تفسير كلمة (يوم)، هل المراد يومٌ بليلته؟ أو بدونها؟ وهذا الاختلاف موجود أيضًا بين أتباع المذهب الشافعي. وأما بالنسبة لمذهب المالكية، ففي رواية عن مالك: أنه لا حدَّ لأقل الحيض دفعة واحدة؛ فلو ثجَّت المرأة مرة واحدة، اعْتُبر الدم حيضًا، واعْتُبرت حائضًا (٣). سبب الاختلاف: خُلوُّ المسألة من دليلٍ من القُرْآن، أو السُّنة؛ فكان المرجع لعَادات النِّساء، وَهي مُخْتلفةٌ اختلافًا كبيرًا؛ بسَبب اختلاف المكان والزمان والبيئة وغَير ذَلكَ من العوامل المؤثرة على وقت نزول دم المرأة، وقدره … إلخ. فمما ورد في عادات النساء: أن منهنَّ مَنْ قالت: أمضيت عشرين سنةً لم أفطر في رمضان إلا يومين فقط، فهَذِهِ لا ترى دم الحيض إلا في

стр. 599

يومين فقط كل شهر، وبعضهن تراه يومًا واحدًا، وبعضهن لا تراه في حياتها كلها إلا يومين فقط، وبعضهن ترى النفاس أربعين يومًا، فلأجل اختلاف عادات النساء في ذلك، اخْتلَفت آرَاء سَائر فقهاء الأمه -بمَا فِيهِم الأئمَّة الأربعة- في هَذِهِ المسائل، كَمَا سيأتي بعض ذلك في كلام المصنف ﵀. قوله: (فَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ أَكثَرَ أَيَّامِ الحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) (١). هذا ممَّا التقَى فيه الشافعية والحنابلة (٢) مَعَ الإمام مَالِكٍ، فَجَميعهم يرى أن أكثر أيام الحيض إنَّما هي خمسةَ عَشَر يومًا. قوله: (وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ) (٣). والإمام أحمد ممَّن يرى ذلك أيضًا كما سبق بيانه. قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَكْثَر عَشَرَةُ أَيَّامٍ). أما الحنفية والثوري (٤)، وبعض علماء العراق فيرون أن أقل الحيض ثلاثة أيام، وأن أكثره عشرة أيام (٥)، واستدلوا بالحديث الذي وَرَد في ذلك أن رسول الله ﷺ قَالَ: "أقلُّ الحيض ثلاثة أيام، أكثره عشرة" (٦)، وبأَحَاديث سواه، وَلَكن كلها ضعيفة؛ فكلُّ حديثٍ وَرَد في ذلك ضعيف، فالفقهاء لم يعتمدوا في جُلِّ مسائل الحيضِ على النصوص، وإنَّما على

стр. 600

عادات النساء، فمما أثر عن الإمام الأوزاعي قوله: لنا جارة كانت تحيض يومًا واحدًا (١)، وهذا عطاء بن أبي رباح يقول: كانت امرأة كذا (٢)، وهذا إسحاق بن راهويه يقول: كانت امرأة من أقاربنا (٣)، فتجدهم يسألون النساء في ذلك، وَيرْكنون لعاداتهن (٤). وَسَبق حديث المرأة التي سألت عائشة ﵂ عن الحيض (٥). ولذَا، فلَا تجد مفتيًا يقطع بجواب مسألةٍ في ذلك على سبيل اليقين؛ لاختلاف عَادَات النساء في ذلك، فبعضهن تطول حيضتها، وبعضهن لا تطول معها، وبعضهن يكون لها عادةٌ، ثم تضطرب، وبعضهن ترى العادة وتنساها، إلى غير ذلك (٦). قوله: (وَأَمَّا أَقَلُّ أَيَّامِ الحَيْضِ: فَلَا حَدَّ لَهَا عِنْدَ مَالِكٍ؛ بَلْ قَدْ تَكُونُ الدُّفْعَةُ الوَاحِدَةُ عِنْدَهُ حَيْضًا (٧) إِلَّا أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِهَا فِي الأَقْرَاءِ فِي الطَّلَاقِ) (٨).
следующие страницы →