← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

وقال سبحانه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾. ولا يحرم من الأطعمة إلا ما حرَّمه الله في كتابه، أو على لسان نبيّه ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾. قال سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. وقال : ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾. وقال النَّبيُّ ﷺ : "إنَّ أعْظَمَ المسلمين جرمًا مَنْ سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته" (١). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ذروني ما تركتكم، فإنما هلك مَنْ كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيءٍ فَأْتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيءٍ فَدَعوه" (٢). عن سَلْمَانَ قال: سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ عن السمن والجبن والفراء، فقال: "الحلال ما أحلَّ الله في كتابه، والحرام ما حرَّم الله في كتابه، وما سَكَت عنه فَهو ممَّا عفَا عَنْه" (٣). * قولُهُ: (وَالكَلَامُ فِي أصُولِ هَذَا الكِتَابِ تَتَعَلَّقُ بِجُمْلَتَيْنِ، الجُمْلَة الأُولَى: نَذْكُرُ فِيهَا المُحَرَّمَاتِ فِي حَالِ الاخْتِيَارِ. الجُمْلَةُ الثَّانِيَة: نَذْكُرُ فِيهَا أَحْوَالَهَا فِي حَالِ الاضْطِرَارِ).

стр. 5357

هَذَا تَطْبيقٌ من المصنِّف ﵀ لقاعدة: "الضَّرورَاتُ تبيحُ المَحْظورات". وبمَعْنَاها قَوْل بَعْضهم: "لا واجبَ مع عَجْزٍ، ولا حرَام مع ضرورةٍ". مَعْنى هذه القاعدة: أن المُحرَّمَ يصبح مباحًا إذا عرض للمكلف ضرورةٌ تَقْتضي ذلك بحيث لا تَنْدفع تلك الضَّرورة إلا بارتكاب ذلك المحرَّم، كَمَا إذا اشتدَّ الجوع بالمكلَّف، وخشي الهلاك، فإنَّه يجوز له أَكْل الميتة ونحوها، وفي معنى هذا: سقوط بعض الواجبات، أو تخفيفها بسب الضرورة، ويشير إلى هذا المعنى القاعدة التي ذَكَرتُها: "لا واجب مع عجز، ولا حرام مع ضرورة"، والمراد بالإباحة هنا ما يُقابل التحريم؛ لأن بعض العلماء أوجبوا على المضطر الأكل من الميتة، وذهب بعضهم إلى أنَّ ذلك رخصة يجوز الأخذ بها، وتركها. [الجملة الأولى: المحرمات في حال الاختيار] * قول: (الجُمْلَةُ الأُولَى: وَالأَغْذِيَةُ الإِنْسَانِيَّةُ نَبَاتٌ وَحَيَوَانٌ، فَأَمَّا الحَيَوَانُ الَّذِي يُغْتَذَى بِهِ، فَمِنْهُ حَلَالٌ فِي الشَّرْعِ، وَمِنْهُ حَرَامٌ، وَهَذَا مِنْهُ بَرِّيٌّ، وَمِنْهُ بَحْرِيٌّ، وَالمُحَرَّمَةُ مِنْهَا مَا تَكُونُ مُحَرَّمَةً لِعَيْنِهَا، وَمِنْهَا مَا تَكُونُ لِسَبَبٍ وَارِدٍ عَلَيْهَا، وَكُلّ هَذَا مِنْهَا مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَمِنْهَا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَأَمَّا المُحَرَّمَةُ لِسَبَبٍ وَارِدٍ عَلَيْهَا فَهِيَ بِالجُمْلَةِ تِسْعَةٌ: المَيْتَة، وَالمُنْخَنِقَة، وَالمَوْقُوذَة، وَالمُتَرَدِّيَة، وَالنَّطِيحَة، وَمَا أكَلَ السَّبُع، وَكُلُّ مَا نَقَصَهُ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ التَّذْكِيَةِ مِنَ الحَيَوَان الَّذِي التَّذْكِيَةُ شَرْطٌ فِي أَكْلِهِ، وَالجَلَّالَة، وَالطَّعَامُ الحَلَالُ يُخَالِطُهُ نَجِسٌ). هُنَا يُقَسِّم لَكَ المصنِّف ويُرَتِّبُ الفقه الذي سيعرضه بأسلوبٍ مَنْطِقيٍّ رائعٍ، ليرتِّب ذهن القارئ بإجمالٍ يَسْتوعب بعده التفصيل. والأطعمة تتنوع إلى نوعين: حيوانية، وغير حيوانية.

стр. 5358

ثم إن الحيوان ينقسم إلى قسمين رئيسين: مائي، وبري. وفي كل من القسمين أنواعٌ فيها ما يؤكل، وفيها ما لا يُؤْكل. وينقسم المأكول من الحيوان: أولًا: إلى: مباح ومكروه. ثانيًا: إلى: ما تشترط الذكاة في حله، وما لا تشترط. والمقصود بالحيوان في هذا المقام: أنواع الحيوان جميعًا مما يجوز للإنسان أكله شرعًا، أو لا يجوز، ولا يُرَاد به ما يشمل الإنسان نفسه بالنسبة للإنسان، بل الكلام محصورٌ فيما يحلُّ للإنسان أو لا يحل باعتبار أن ما سوى الإنسان قَدْ خلَقه الله سبحانه لمنفعة الإنسان ومصلحته، فمنه ما ينتفع به الإنسان بالأكل وغيره، ومنه ما ينتفع به لغير الأكل من وُجُوه المنافع. أمَّا الإنسان نفسه، الَّذي هو أشرف الحيوان جميعًا، والذي سخر له كل ما عداه، فلا يدخل لحمه في مفهوم الأطعمة، وتقسيمها إلى حلال وحرام؛ لكرامتِهِ في نظر الشريعة الإسلامية، أئا كانت سلالته ولونه ودينه وبيئته. * قولُهُ: (فَأَمَّا المَيْتَة، فَاتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ مَيْتَةِ البَرِّ). الحكم التكليفي ليس منصبًّا على ذوات الأطعمة، وإنما على أكلها أو استعمالها، وليس هناك حكمٌ جامعٌ للأطعمة كلها، لذلك سيذكر حكم كل نَوْعٍ عند الكلام عليه. وَيتَبيَّن لمَنْ تتبَّع ما في كُتُب الفقه المختلفة في أبواب الأطعمة وغيرها أن الأصلَ في الأطعمة الحل، ولا يُصَار إلى التحريم إلا لدليلٍ خاصٍّ، وأن لتحريم الأطعمة بوجه عام - ولو غير حيوانية - أسبابًا عامة عديدة في الشريعة متصلة بقَوَاعدها العامة ومقاصدها في إقامة الحياة الإنسانية على الطريق الأفضل، وكذلك يرى المتتبع أسبابًا لكراهة الأطعمة بوجهٍ عامٍّ غير الأسباب المتعلقة بأنواع الحيوان.

стр. 5359

* قولُهُ: (وَاخْتَلَفُوا فِي مَيْتَةِ الْبَحْرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ حَلَالٌ بِإِطْلَاقٍ (١)، وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ حَرَامٌ بِإِطْلَاقٍ (٢)، وَقَالَ قَوْمٌ: مَا طَفَا مِنَ السَّمَكِ حَرَامٌ، وَمَا جَزَرَ عَنْهُ الْبَحْرُ فَهُوَ حَلَالٌ) (٣). الله في كتابه العزيز أطلق ذلك فبَيَّنَ حِلِّيَة ما في البحر فقال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، والرسول ﷺ يقول في ما في البحر: "هو الطَّهور ماؤه الحِلُّ ميتته" (٤)، الإمام أحمد (٥) قال: هذا الحديث خير من مائة حديث مع عِبَارته الموجزة اشتمل على جُمَلٍ كثيرةٍ من الأحكام مما

стр. 5360

يتعلق بماء البحر وأنه طهور، وكذلك ميتته حلالٌ لنا فأجمل ذلك في جملتين مكونة كل واحدة منهما من مبتدأ وخَبَر هو الطَّهور ماؤه الحل ميتته، فالآية والحديث يدلان على أن ما في البحر حلال سواء كان هذا المطعومِ طريًّا، كما قال الله تعالى: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: ١٤]، أو كانت كذلك الميتة وهذا هو تفسير عبد الله بن عباس ﵄ (١). * قولُهُ: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهم تَعَارُضُ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ). ذكرنا أن الخلاف في الطافي وجمهور العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة ﵏ مالك والشافعي وأحمد يقولون: "كل ما في البحر من حيث الجملة حلال"، ويرون أن الطافي كغيره لا فرق بين ما تأخذه من البحر طريًا وما جَزَرَ عنه البحر (٢) أي: انحسر عنه ورمى به ثم رجع عنه الماء، وما طفا ميتًا فكل ذلك مباح أباحه الله في عموم الآية، وكذلك الرسول ﷺ في قول: "الحِلُّ مَيتَتُهُ"، وخالف الحنفية في ذلك فمرة قالوا: بتحريم الطافي مطلقًا (٣)، وأُخرى فصلوا في ذلك وفرَّقوا بين أن يلفِظَهُ البحرَ أعلاه فيكون بطنه إلى أعلى فيكون محرَّمًا أو ظهره إلى أعلى فيكون مباحًا (٤)، وهذا تفصيل واجتهاد منهم، واستدلوا بحديث: "ما ألقَاهُ البحرُ أو جَزَر عنْه فكُلُوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكُلُوهُ" (٥)، وهذا الحديث

стр. 5361

تكلم عنه العلماء وبَيَّنوا أنه فيه ضُعْف (١) وعلى فرض صحته فإن المراد بذلك ما مات في أسفل البحر ثم قُذف به فظهر نَتَنُه ففي هذه الحالة تعافُه النفوس، فالنهي ليس للتحريم وإنما للكراهة لما قد يحصل فيه من رائحة غير جيدة تعافُها النفوس (٢). * قولُهُ: (وَمُعَارَضَةُ عُمُومِ الْكِتَابِ لِبَعْضِهَا مُعَارَضَةً كُلِّيَّةً). قصده: الحديثين الأول: "هو الطَّهورُ ماؤهُ والحِلُّ مَيتَتُهُ"، والآخر هو حديث جابر: "ما ألقى البحر أو جَزَرَ عنه فكُلُوه، وما مات فيه وطفَا فلا تأكُلُوه"، فهذا الأخير موقوف والأول صحيح فهذان حديثان متعارضان، الأول هو الحل ميتته مطلقًا يدل على أن كل ما في البحر حلال، والآخر: يُسْتَثْنَى من ذلك الطافي، يعني: ما طَفَا على البحر وارتفعَ عَليهِ، ومعارضة الكتاب لهذه الأحاديث، إما معارَضَةٌ جزئية أو كلية، فمثلًا الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ [المائدة: ٩٦]، هذه أطلقت، والآية الأخرى فيها قَيْد. * قولُهُ: (وَمُوَافَقَتُهُ لِبَعْضِهَا مُوَافَقَةً جُزْئِيَّةً، وَمُعَارَضَةُ بَعْضِهَا لِبَعْضٍ مُعَارَضَةً جُزْئِيَّةً. فَأَمَّا الْعُمُومُ فَهُوَ قولُهُ تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]). هذه الآية هي الأصل في تحريم الميتة واستدلال المؤلف بهذه الآية من حيث الإطلاق، فأطلقها ولم يستثن منها ميتة البحر وهذه حجة للذين

стр. 5362

يقولون: بأن ميتَةَ البحر حرام، وفي الآية الأخرى قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ [البقرة: ١٧٣] وهنا أيضًا ذكر الميتة ولم يخص ميتة بعينها، إذن هذه الآيات بينت تحريم الميته فيدخل في عموم هذا الآيات ميتة البحر، والذين يقولون: بأن ميتَةَ البحرِ كغَيرِهَا هذا استدلال ضعيف (١). * قولُهُ: (وَأَمَّا الْآثَارُ الْمُعَارِضَةُ لِهَذَا الْعُمُومِ مُعَارَضَةً كُلِّيَّةً فَحَدِيثَانِ، الْوَاحِدُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالْآخَرُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. أَمَّا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ فَحَدِيثُ جَابِرٍ، وَفِيهِ: "أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ الله ﷺ وَجَدُوا حُوتًا يُسَمَّى الْعَنْبَر، أَوْ دَابَّةً قَدْ جَزَرَ عَنْهُ الْبَحْر، فَأَكَلُوا مِنْهُ بِضْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، ثُمَّ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ فَأَخْبَرُوه، فَقَالَ: هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ؟ فَأَرْسَلُوا مِنْهُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَأَكَلَهُ (٢) "). المؤلف هنا يشير إلى الحديث المتفق عليه الذي ورد في قصة سعد بن أبي وقاص ﵁ ومعه جماعة من رفقائه في غزوة من الغزوات فحَل بهم الجُوعُ فقذَفَ لهم البَحْرُ حُوتًا يسمى العنبر (٣)، وهو نوع من أنواع الحيتان ضخم كبير فأكلُوا منه شَهرًا حتى سَمِنُوا وادَّهنوا، فلما رجعوا إلى رسول الله ﷺ سألوه عن ذلك فقال: "خيرٌ أخرجه الله لكم، أو: زِرْق أخرجه الله لكم، هل بَقِيَ معكم منه شيء فأطعمونا" (٤)، إذن

стр. 5363

الرسول ﷺ بيَّنَ أن هذه نعمَةٌ من نِعَمِ الله وخير وفضل منه ساقه لعباده المتقين؛ لأنه سبحانه الله لا يتركهم هملًا فأكلوا من ذلِكَ وحَمَلُوا منه ما بقي، لكنهم لكي يطمئنوا إلى حكم ذلك سألوا رسول الله ﷺ فبين لهم ذلك وأنه خيرٌ ساقه الله لعباده المؤمنين "وسألهم هل بقي منه من شيء" (١)، وفي رواية أنهم قالوا: "نعم، فأطعموه منها" (٢)، أي: من العنبر، إذن: هذا الحديث يدل دلالة مطلقة على أن ميتة البحر حلال، ومثله أيضًا "الحل ميتته" (٣) الحديث الآخر فإنه أيضًا نص صريح في أن جميع ما في البحر من حيوان طري أو ميت فإنه حلال. * قولُهُ: (وَهَذَا إِنَّمَا يُعَارِضُ الْكِتَابَ مُعَارَضَةً كلِّيَّةً بِمَفْهُومِهِ، لَا بِلَفْظِهِ). إن عارض الكتاب فليست المعارضة كما قال المؤلف بلَفْظِهِ (٤) وإنما بمَفْهومِهِ (٥)؛ لأن الكتاب قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾، وقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فبين حرمة الميتَةِ لكن الأدِلَّةَ الأخْرَى قيَّدتها وبيَّنت أن التحريم المقصود به غير ميتَةِ البحْر، أما ميتة البَحْرِ فالرسولُ ﷺ قال: "هو الطهور ماؤه الحل

стр. 5364

ميتته" (١)، وقال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]، ﴿وَطَعَامُهُ﴾ كما فسَّرَهُ ابن عباس هو مَيتَتُه، فجاء في القرآن ما يدل على إباحة ذلك. *قولُهُ: (وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: "أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ: هو الطَّهُورُ مَاؤُه، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ"). هذا يعرف عند علماء البلاغة بأسلوب الحكيمِ (٢) يعني: أن يُسأل الإنسان سؤالًا فيجدُ أن السائل بحاجة إلى ما هو أكثر منه، فيجيبه عنه ويجيبه بزيادة، وربما يعْدِلُ به إلى شيء آخر، فالرسول ﷺ أجاب السائل عن موضِع سُؤالِهِ، أفتاه عما أشكل عليه وزادَهُ حُكْمًا آخر يتعلق بالبحر أيضًا الحل ميتته، لأن الإنسان إذا استشكل ماءَ البحر فأوْلى أن يستَشْكِلَ ميتة البحر؛ لأنه أنواعًا عديدة فالرسول ﷺ جَلَّى عن السائل كل شبهة ورفع عنه كل إبهام وبين له أن ماء البحر كغيره من المياه وإن كان ملحًا فإنه طهور، أما حديث: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"، فهذا الحديث في مسند مالك (٣) وغيره، وهو حديث صحيح عند أحمد (٤) وعند بعض أصحاب السنن (٥). * قوله: (وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمُوَافِقُ لِلْعُمُومِ مُوَافَقَةً جُزْئِيَّةً، فَمَا رَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ

стр. 5365

وَالسَّلَامُ - قَالَ: "مَا أَلْقَى الْبَحْر، أَوْ جَزَرَ عَنْهُ فَكُلُوه، وَمَا طَفَا فَلَا تَأْكلُوه" (١)، وَهُوَ حَدِيثٌ أَضْعَفُ عِنْدَهُمْ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَسَبَبُ ضِعْفِ حَدِيثِ مَالِكٍ أَنَّ فِي رُوَاتِهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ (٢)، وَأَنَّهُ وَرَدَ مِنْ طَرِيقٍ وَاحِدٍ). هذا الحديث اختلف فيه رفعًا ووقفًا والصحيح أنه موقوفٌ، ومعنى ذلك أنه موقوف على جابر ﵁ فيكون رأي صحابي فيُعارِضُه صحابي أفضل منه، وهو رأي أبو بكر (٣) فإن أبا بكر نَصَّ على أن الطافي حلالٌ، إذن: قول صحابي عارضه صحابي آخر والصحابي الآخر أيضًا أيدتْهُ الأحاديث الأخرى الصحيحة مثل حديث: "أنَّ ما في البحر فإن الله قد تَوَلَّى ذبْحَهُ" (٤)، فما في البحر ذُكِّي فهو حلال أكله، لكن العلماء يتوقفون في بعض حيوانات البحر التي تلتَقِي مع حيوانات البر في الاسم ككلب الماء مثلًا وقنديل الماء، فهل هذه يجوز أكلها وكذلك الضفدع وبعض الحيوانات التي توقف فيها بعض العلماء. * قولُهُ: (قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: بَلْ رُوَاتُهُ مَعْرُوفُونَ، وَقَدْ وَرَدَ مِنْ طُرُقٍ وَسَبَبُ ضَعْفِ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ الثِّقَاتِ أَوْقَفُوهُ عَلَى جَابِرٍ). رواته معرفون يعني: حديث: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"، أما سبب ضَعْفِ حديث جابر أن بعض العلماء وقَّفه على جابر، فتأتي معارَضَتُه

стр. 5366

بقول صحابي آخر جاء في صحيح البخاري (١) وهو قول أبي بكر ﵁. * قوله: (فَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ جَابِرٍ هَذَا عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ لِشَهَادَةِ عُمُومِ الْكِتَابِ لَه، لَمْ يَسْتَثْنِ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا جَزَرَ عَنْهُ الْبَحْرُ). فمن يرجح حديث موقوف على حديث ثابت صحيح أو على حديثين أحدهما في الصحيحين، والآخر ليس في الصحيح فهذا حقيقة ليس بترجيح، فعندما ترجِّح أصلًا يتعذر الجمع، فلا نرجِّح حديثًا ضعيفًا على غيره، أما الآيات فليس فيها ما يمنع، فالآيات أطلقت كما قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ فالمراد بالميتة ما عادا ميتة البحر؛ لأن الله يقول: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾. * قوله: (إِذْ لَمْ يَرِدْ فِي ذَلِكَ تَعَارُضٌ. وَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ بِالْإِبَاحَةِ مُطْلَقًا (٢)، وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا فَمَصِيرًا إِلَى تَرْجِيحِ عُمُومِ الْكِتَابِ (٣)، وَبِالْإِبَاحَةِ مُطْلَقًا قَالَ مَالِكٌ (٤)، وَالشَّافِعِيُّ (٥)). ومعهم الإمام أحمد (٦) فجماهير العلماء قالوا: بأن كل ما في البحر فهو حلال، ويدخل في ذلك الطافي، وهذا الحديث الذي استدل به الحنفية كما رأينا هو حديث موقوف وعارضته أحاديث أخرى مطلقة تقدم عليه في هذا المقام.

стр. 5367

* قوله: (وَبِالْمَنْعِ مُطْلَقًا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَقَالَ قَوْمٌ غَيْرُ هَؤُلَاءِ بِالْفَرْقِ). هذا القول هو قول في مذهب أبي حنيفة. * قوله: (وَأَمَّا الْخَمْسَةُ الَّتِي ذَكرَ اللهُ مَعَ الْمَيْتَةِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ حُكْمَهَا عِنْدَهُمْ حُكْمُ الْمَيْتَةِ). ذكرت في سورة المائدة قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ لا يريد الدم (٢)؛ لأنه يتكلم عن الحيوان: ﴿الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ (٣) وَالْمَوْقُوذَةُ (٤) وَالْمُتَرَدِّيَةُ (٥) وَالنَّطِيحَةُ (٦) وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ (٧)﴾. * قوله: (وَأَمَّا الْجَلَّالَةُ (٨)، وَهِيَ الَّتِي تَأْكُلُ النَّجَاسَةَ فَاخْتَلَفُوا فِي أَكلِهَا).

стр. 5368

أصل الجلالة: تُطْلَقُ على الحيوان الذي يأكل العَذِرَة أي: النجاسات لكنها غَلَبت على الإبل فيطلقون على الإبل التي تأكل النجاسات إنها إبل جلالة يعني: تأكل الجلة، ولذلك ورد في بعض الآثار أن الرسول نهى عن بعض الحيوانات لأنها جلالة أي: لا تَتَوَقَّى النجاسات فتأكلها، وسيأتي كلام العلماء فيها أن تحبس أو لا تحبس، وهل أكلها للنجاسة يحرم لحمها أو أنه يكون مكروه؟ وجاء عن الرسولِ ﷺ : أنه نهى عن أكل الجلالة، وعن ركوبها أيضًا، وجاء النهي عن شرب ألبانها (١). * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِلْأَثَرِ). في الحقيقة الخلاف هنا ليس خلاف تحريم فالأئمة الأربعة يرون: أنه يُكره أكلها إلا إذا حُبستْ، إلا مالك فلم يأت بالحبس (٢)، أما الأئمة أبو حنيفة (٣) والشافعي (٤) وأحمد (٥) فإنهم يقولون: "لو حبست مدة معينة"

стр. 5369

ويختلفون في ذلك (١)، ومعنى: حبست أي: تُبقيها في مكان وتعلفها علفًا جيدًا كالبرسيم مثلًا: وتمنعها عن النجاسات فبذلك يتغير ما في مَعِدَتها وتتغذى على الغذاء الجيد ثلاثة أيام وهذا عام يشمل صغارَ الحيوان وكِبارَه يدخل فيه الدجاج، والإبل، البقر، والغنم، وهذا أُثر عن عبد الله بن عمر (٢) ﵁: "أن عبد الله بن عمر إذا أكل عنده حيوان شيئًا من ذلك - يعني: من العَذِرَة - حبسه ثلاثة أيام ثم بعد ذلك زال ما فيه"، وأُثر عن عبد الله بن عمرو بن العاص: "أنها تحبس أربعين يومًا" (٣)، ولذلك بعض العلماء قال: "تحبس أربعين يومًا، ثم تعلف العلف الجيد" (٤). * قوله: (أَمَّا الْأثَرُ فَمَا رُوِيَ "أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا" خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٥) عَنِ ابْنِ عُمَرَ). وفي بعض الروايات: "عن أكل لحوم الجلالة"، وفي رواية أخرى: "نهى عن الجلالة أن يُؤكَلَ لحمُها، أو أن يركب ظهرها، أو أن يُشْرَب

стр. 5370

لبنها" (١)، هذه عدة روايات، لكنها كلها تدور حول النهي عن أكل لحوم الجلالة، وفي بعض الروايات جاء التَّنْصِيصُ على الإبل، فهل النهي يقتضي التحريم هنا أو الكراهة؟ الجواب: جماهير العلماء يقولون: أن النهي للكراهة، وقالوا: "تزول بحبسها". * قوله: (وَأَمَّا الْقِيَاسُ الْمُعَارِضُ لِهَذَا فَهُوَ أَنَّ مَا يَرِدُ جَوْفَ الْحَيَوَانِ يَنْقَلِبُ إِلَى لَحْمِ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ وَسَائِرِ أَجْزَائِهِ، فَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ لَحْمَ الْحَيَوَانِ حَلَالٌ. وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِمَا يَنْقَلِبُ مِنْ ذَلِكَ حُكْمُ مَا يَنْقَلِبُ إِلَيْهِ، وَهُوَ اللَّحْم، كمَا لَوِ انْقَلَبَ تُرَابًا، أَوْ كَانْقِلَابِ الدَّمِ لَحْمًا، وَالشَّافِعِيُّ يُحَرِّمُ الْجَلَّالَةَ، وَمَالكٌ يَكْرَهُهَا). نلاحظ المؤلف هنا أخذ الرواية الثابتة (٢) من الإمام الشافعي فالرواية المشهورة عنه أنه يرى حبسها كالإمام أحمد (٣)، وله رواية أخرى يرى: عدم الحبس، وله رواية ثالثة يرى: حرمتها (٤)، أما الرواية المشهورة عنده فإنها تحبس وتزول الكراهة (٥).

стр. 5371

* قوله: (وَأَمَّا النَّجَاسَةُ تُخَالِطُ الْحَلَالَ فَالْأَصْلُ فِيهِ الْحَدِيتُ الْمَشْهُورُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (١) وَمَيْمُونَةَ (٢) "أَنَّهُ سُئِلَ ﵊ عَنِ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ). فلننتبه لهذا جيِّدًا فلقد دَرَسْنَا في أبواب الطهارة وما جاء في ذلك من أحاديث وأن الرسول ﷺ قال: "إذا بلغ الماء قلتين لم يَحْمِلِ الخَبَثَ" (٣)، والمراد بالقلتين على تفسير عدة في ذلك، هي قلال هجر، ولكن هل هي هَجَر التي في الأحساءِ أم هجر التي هي قريبة من المدينة؟ وكم تُساوي من القِرب، لا نريد أن نعود إلى ذلك، لكننا عرفنا أن الماء إذا كان كثيرًا واختلف العلماء في الكثرة والقِلَّة (٤)، فبعضهم قال: "إذا بلغ قلتين"، والحنفية (٥) قالوا: هو الماء الكثير بحيث إذا حركته من أحد أطرافه لا تسري الحركة من الطرف الآخر من كثرة هذا الماء، والماء الجاري أيضًا لا يتأثر بالنجاسة، وحديث: "الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لَونَهُ أو طَعْمَهُ أو رِيحَهُ" (٦)، وفي قصة

стр. 5372

بئر بضاعة (١) القريبة من الحرم كانت تُلقى فيها لحوم الكلاب والخِرَقِ التي كانت تستعملها النساء بعد حيضتها، ومع ذلك كانوا يتوضؤون منها، فالماء إذا كان كثيرًا لا يتنجس؛ لأن الماء قالوا: يقاوم النجاسات إذا كان هذا الماء جاريًا، أما أن يكون جامدًا أو سائلًا فالجامد كما ذكر المؤلف السمن الذي يعرف: بالوَدَك (٢)، السمن إذا صار جامدًا، أو حتى السمن السائل لو وضعته في المُجَمِّدِ وأصبح ثلجًا يعني: مجمَّدًا ثم وقعت فيه فأرة فالحكم نأخذ فيه بحديث رسول الله ﷺ الذي دلنا على - كل خير وحذرنا عن كل شر، والرسول بَيَّن أنه لو وقعت الفأرة في سمن فبعض العلماء قالوا: "إن الذي تقع فيه النجاسات سواء كانت فأرة أو غيرها لا يخلو من أمرين: الأمر الأول: أن يكون جامدًا، فإن كان جامدًا طبَّقْنا ما في الحديث، تؤخذ هذه النجاسة وما حولها ونلقي بها ونستفيد مما بقي (٣). الأمر الثاني: إن كان سائلًا فيأتي الخلاف، بعضهم قال: "إن كان سائلًا فإن ما يقع فيه من النجاسات ينجسه لا فرق بين قليله وكثير" وهذا مذهب الشافعي (٤) وأحمد في رواية (٥)، ولأحمد رواية أخرى يفرق فيها

стр. 5373

بين القليل والكثير، فيرى أن الكثير يدفع النجاسة وأن القليل تؤثر فيه (١)، فإذا ما وقعت في سائل قليل يراق، وله رواية ثالثة (٢): يفرق بين ما كان أصله ماءً وما لا، كالخل التمر وغيره، وأما أهل الظاهر (٣) فلهم تعليل غريب في هذا هم يوافقون الجمهور فيما يتعلق بالجامِدِ، لكنهم في غير الجامد يقولون: "إن كان سمنًا فإن كان سائلًا فإنها تؤثر فيه، وإن لم يكن سمنًا وكان سائلًا فلا تؤثر فيه النجاسة سواء كانت فارة أو غيرها، إلا أن يتغير لونه أو طعمه أو ريحه" (٤) وسبب ذلك أنهم يأخذون بظاهر النص ولا يأخذون بمفهومه فوقفوا عند هذا فقالوا: ورد النص في السمن وفي الفأرة فهنا نخص ذلك بالسمن، أما ما عَداهُ من السائلات فلا يتأثر إلا أن يتغير لونه أو طعمه أو ريحه؛ لأنه لن يكون أقوى من المقاومة من الماء فيلحق بالماء في هذه الحال، قال حديث أبي هريرة وميمونة، قد يُوهم أنه حديث واحد، ولكن حديث أبي هريرة عند أبي داود (٥) وغيره ومختلف فيه صحة

стр. 5374

وضعفه (١) أما الآخر: فهو في البخاري (٢)، الذي هو حديث ابن عباس عن ميمونة، وهو حديث صحيح معروف عند البخاري وغيره، لكنه ليس في مسند أحمد. * قوله: (فَقَالَ: إِنْ كَانَ جَامِدًا فَاطْرَحُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَكُلُوا الْبَاقِيَ). هذا فيه إرشاد من الرسول ﷺ من الناحية الصحية فنَرَى الأمرَ جَلِيًّا، لأن الشيء الجامد إذا وقعت فيه النجاسة لا يمكن أن تسْرِيَ، لأن جمودته تمنع هذه النجاسة من الانطلاق والسريان في هذه المادة التي تشتمل هذا الغذاء، لكن عندما يكون سائلًا صار على ما تسرى هذه النجاسة إليه، والرسول ﷺ قال: "إن كان جامدًا فخذوها وما حولها وألقوها، وما بقي فادَّهِنُوا به". * قال: (وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا فَأَرِيقُوه، أَوْ لَا تَقْرَبُوه، وَللْعُلَمَاءِ فِي النَّجَاسَةِ تُخَالِطُ الْمَطْعُومَاتِ الْحَلَالَ مَذْهَبَان: أَحَدُهُمَا: مَنْ يَعْتَبِرُ فِي التَّحْرِيمِ الْمُخَالَطَةَ فَقَطْ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ لِلطَّعَامِ لَوْن وَلَا رَائِحَةٌ وَلَا طَعْمٌ مِنْ قِبَلِ النَّجَاسَةِ الَّتِي خَالَطَتْهُ وَهُوَ الْمَشْهُور، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور). وهذا هو مذهب جمهور العلماء (٣) الذي ذكرنا فمنهم من فرَّق بين الجامد وغيره، فقالوا: الجامد تُلقى هذه النجاسة وما حولها، والسائل يتأثر مطلقًا، وبعضهم: يفرق بين القليل والكثير، فإن كان قليلًا تأثر وإن

стр. 5375

كان كثيرًا لم يتأثر، وفرق بين ما أصله الماء مثلًا كما يقولون: الخل التمر ليس أصله الماء، مثل الدُّهن والعسل إذا سال فهذا يتأثر بالنجاسة، أما ما أصله الماء ففيه قوة مقاومة فيقاوم ذلك. * قوله: (وَالثَّانِي: مَذْهَبُ مَنْ يَعْتَبِرُ فِي ذَلِكَ التَّغَيُّرَ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ (١)، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ الْحَدِيثِ، وَذَلِكَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ مِنْ بَابِ الْخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ، وَهُمْ أَهْلُ الظَّاهِرِ (٢) فَقَالُوا: هَذَا الْحَدِيثُ يُمَرُّ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَسَائِرُ الْأَشْيَاءِ يُعْتَبَرُ فِيهَا تَغَيُّرُهَا بِالنَّجَاسَةِ أَوْ لَا تَغَيُّرُهَا بِهَا). فأهل الظاهر يقولون: بظواهر النصوص ولا يقيسون عليها غيرها، أي: لا يلحقون بها غيرها، فقالوا النص ورد في سمن جامد وقعت فيه فأرة، فلو وقعت في شيء غير جامد فإن هذا لا يؤثر إلا أن تتغير أوصافه كالماء تمامًا. * قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ مِنْ بَابِ الْخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ الْعَامُّ وَهُمُ الْجُمْهُور، فَقَالُوا: الْمَفْهُومُ مِنْهُ أَنَّ بِنَفْسِ مُخَالَطَةِ النجِاسَةِ يَنْجُسُ الْحَلَال، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّلْ لَهُمُ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ جَامِدًا أَوْ ذَائِبًا؛

стр. 5376

لِوُجُودِ الْمُخَالَطَةِ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي إِحْدَى الْحَالَتَيْنِ أَكْثَرَ، أَعْنِي فِي حَالَةِ الذَّوَبَانِ، وَيَجِبُ عَلَى هَذَا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمُخَالَطَةِ الْقَلِيلَةِ وَالْكَثِيرَةِ). لا شك أن الأمر مختلف في نجاسة تقع في طعام جامد تختلف عن طعام سائل، فإن السائل تسري إليه النجاسة بسرعة وتتمدد، أما الجامد فتقف في مكانها. * قوله: (فَلَمَّا لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُمَا فَكَأَنَّهُمُ اقْتَصَرُوا مِنْ يَعْضِ الْحَدِيثِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَمِنْ بَعْضِهِ عَلَى الْقِيَاسِ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ أَقَرَّتْهُ الظَّاهِرِيَّةُ كُلَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ). المؤلف ربما لم يقِفْ عندَ الحنابلة (١) فهم فصلُوا القول في ذلك وفرَّقُوا بينَ القليل والكثير. جاء الحديث: "أن الفأرة لو وقَعَتْ في سمن" أو حتى وقعت في غير السمن كعسل أو نحوه، هذه القضية نَرُدُّهَا إلى النفس، كم من الأشياء الطيبة تعافُهَا نفسك وغيرك يشتَهِيهَا، فليس من الضرورة أكلها، فالضَّب قُدِّمَ على مائدة رسول الله ﷺ فلما قدَّم يده ﵊ ليتناولَهُ وكانت عادتهم أنه إذا قُدِّمَ طعام لرسول الله ﷺ نبَّهوه إلى محتوياته، فقالت إحدى النساء: إنه ضبٌّ، فرفع الرسول ﷺ يده وقال: "إنه لم يكن بأرضِ قَوْمِي (٢)، ولذلك فإني أعافُهُ" (٣) أي: لا أعرفه، ولذلك فإني أعافه، كرهته

стр. 5377

نفسه، أما خالد بن الوليد فإنه مَدَّ ذِراعَهُ وافترسه وأكله والرسول ينظر إليه ولم ينكر عليه، فهذا شيء يرجع إلى النَّفْسِ، فكلنا نمر بهذه الأمور فربما تتوقف نفسك عن طعام وتجد أنه من أشهى أنواع الأطعمة عند الآخر، فهذا له أثره في النفوس. * قوله: (وَأَمَّا الْمُحَرَّمَاتُ لِعَيْنِهَا فَمِنْهَا مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَمِنْهَا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَأَمَّا الْمُتَّفَقُ مِنْهَا عَلَيْهِ فَاتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهَا عَلَى اثْنَيْنِ: لَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَالدَّمِ). وهذا لا شك أنه جاء التَّنْصِيصُ عليه كتاب الله : ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقال : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فهذا فيه نص فلا يختلف فيه العلماءُ. * قوله: (فَأَمَّا الْخِنْزِيرُ فَاتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ شَحْمِهِ وَلَحْمِهِ وَجِلْدِهِ (١)،

стр. 5378

وَاخْتَلَفُوا فِي الانْتِفَاعِ بِشَعْرِهِ وَفِي طَهَارَةِ جِلْدِهِ مَدْبُوغًا وَغَيْرَ مَدْبُوغٍ (١)). وقد جاء حديث متفق عليه عن الرسول ﷺ أنه قال: "إن الله حَرَّم الميتة والخنزير والأصنام" (٢) فهذا نص في كتاب الله، والصحابة قالوا: يا رسول الله شحوم الميتة تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس (٣) أي: يضعونها في السراج ليستضيئوا بها -، فقال الرسول ﷺ : "هي حرام" فهذا حديث متفق عليه، فما دام الخنزير حرام فيدخل في ذلك شحمه وجلده وغير ذلك، وهذا هو الأولى والصحيح.

стр. 5379

* قوله: (وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كتَابِ الطَّهَارَةِ). تقدم في كتاب الطهارة الحديث عن الجُلودِ وقضية الصلاة عليها ولُبْسها وغير ذلك وهل الجلد إذا دُبغ يختلف عن غيرِهِ، وذكرنا أن جِلْدَ الميتَةِ التي أصلُها حلال على الصحيح كالشياه وكذلك الغنم والبقر والإبل، فهذه وإن كانت ميتَةٌ إذا دُبغت فإنها تطهر جُلودها؛ لأن الرسولَ ﷺ قال: "إذا دُبغ الإهابُ فقَدْ طَهُرَ" (١) أي: الجلد، وإذا ظرف لما يستقبل من الزَّمانِ، "كل إهاب دبغ فقد طَهُرَ" وهذا من صيغ العُموم (٢)، والرسول ﷺ عندما مر بشاة ميتة فقال: "هلا انتفعتم بجلدها" (٣)، وأما من يقول: كل جلد ميتة دُبِغَ أو لم يُدبَغْ فهو نجس، وهذا معروف من مذهب الحنابلة فهو رأي ضعيف تخالفه الأدلة الصحيحة، وهو من مفاريد مذهبِ الإمام أحمد (٤). * قوله: (وَأَمَّا الدَّمُ فَاتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ الْمَسْفُوحِ مِنْهُ مِنَ الْحَيَوَانِ الْمُذَكَّى) (٥).

стр. 5380

اتفقوا عليه؛ لأن الله نص على ذلك كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ مسفوح يعني: سائل، فعندما تَذْبَحُ الكبش أو البقرة تجِدُ أن الدَّمَ يسيلُ أمامك، هذا هو المسفوحُ. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ الْمَسْفُوحِ مِنْهُ) (١). اختلفوا فيه غير المسفوح القليل، وهذا مرَّ بِنَا أيضًا في كتاب الطهارة، ثم يفرِّق بعضهم بين دم الإنسان وبين دم الحيوان الطاهر (٢) يعني: من بهيمة الأنعام.

стр. 5381

* قوله: (وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي دَمِ الْحُوت فَمِنْهُمْ مَنْ رَآهُ نَجِسًا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَرَهُ نَجِسًا). دم الحوت جاء في الحديث: "أُحِلَّتْ لنَا مَيتتانِ ودَمانِ، فأما المَيتَتانِ: السمك والجراد، والدَّمانِ الكبدُ والطحالُ" (١) فأحلت لنا ميتتان هي السمك والجراد، ودمان الكبد والطحال، وهو حديث صحيح أخرجه أحمد (٢)، وهذا من المآخذ على هذا الكتاب عفا الله عنا وعنه، فهذا الدم الذي يخرج من الحوتِ هل هو نجس أم لا؟ الجواب: الأئمة مالك (٣) والشافعي (٤) وأحمد (٥) يرون: أنه نجس، وأبو حنيفة (٦) يرى: أنه ليس بنجس، ووجهة أبي حنيفة في ذلك وجهة قوية، لأنه يفرق بين دَم السَّمكِ ولين غيره، يقول: "سائر الدم إذا جف تجدْ أنه يَسْودّ، لكن دم السمك إذا جف أو يبس تجد أنه يكون أبيض" فهو يختلف عن غيره، ولذلك لا يرى أنه نَجِسٌ، وفيه تفصيل في بعض المذاهب.

стр. 5382

* قوله: (وَالاخْتِلَافُ فِي هَذَا كُلِّهِ مَوْجُودٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَخَارِجًا عَنْهُ). هذا الاختلاف في دم السمك هل هو نجس أم لا؟ فيه خلاف بين أصحاب مالك (١)، كما أنه موجود في مذهب الشافعي (٢) وأبي حنيفة (٣) وأحمد (٤) أيضًا، لكن المؤلف ما فصل فيه؛ لأنه يرى أنها مسألة فرْعِيَّة لم يفصل القول فيها، والكلام فيها ليس مفصلًا، وهناك من يرى أنه نجس وهو الصحيح عند الشافعية وعند الحنابلة، ورواية عند مالك كل منهم من يرى أنه ليس بنجس وهو مذهب أبي حنيفة. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي غَيْرِ الْمَسْفُوحِ: مُعَارَضَةُ الْإِطْلَاقِ لِلتَّقْيِيدِ، وَذَلِكَ أَنَّ قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] يَقْتَضي تَحْرِيمَ مَسْفُوحِ الدَّمِ وَغَيْرِهِ). جاء في القرآن ذكر الدم غير مقيد فلم يأت التفريق بين دم السمك وبين غيره، قالوا: فيعُمّ، فمن أخذ بالعموم قال بالتحريم، ومن لم يأخذ به قال: يفرق بين هذا وذاك. * قوله: (وقوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] يَقْتَضِي بِحَسَبِ دَلِيلِ الْخِطَابِ تَحْرِيمَ الْمَسْفُوحِ فَقَطْ). المؤلف يناقش قضية الفَرْقِ بين الدَّمِ القليل والكثير، الله - تعالى -

стр. 5383

قال: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ وفي الآية الأخرى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ وذُكر الدم مطلقًا يعني: لفظ الدم، لكن في الأنعام جاء التنصيص على الدم المسفوح أي: الكثير، فهل كلمة: ﴿مَسْفُوحًا﴾ مرادها الدم الذي يحرُمُ هو الكثير أم أن ذلك جاء لأنه الأغلب ويدخل فيه القليل؟ هذا هو سرُّ الخلاف بين العلماء في هذه المسألة، ونحن نقول: إن كان الدَّمُ قَلِيلًا جدًّا فإن هذا لا يؤثر، وهذا يرجع دائمًا إلى نفس الإنسان، "استَفْتِ نفْسَكَ وإن أفتوك، وإن أفتوك" (١) فما ترى أنه فاحش كثير فعليك أن تتَوَقَّى ذلك إن وقع في بدَنِكَ أو ثوبك، فأشد نجاسة بني آدم العذرة التي تخرج منه والبول وكذلك الدم، ومع ذلك أُثر عن بعض الصحابة أنه كان يخرج دمًا من أسنانهم ومن أضراسهم رعافٌ يسير ومع ذلك يمسحونه ويخرجُون إلى الصلاة (٢)، فاليسير لا أثر له، أما الكثير فله أثر حتى وإن لم يكن سائلًا. * قوله: (فَمَنْ رَدَّ الْمُطْلَقَ إِلَى الْمُقَيَّدِ اشْتَرَطَ فِي التَّحْرِيمِ السَّفْحَ، وَمَنْ رَأَى أَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي حُكْمًا زَائِدًا عَلَى التَّقْيِيدِ، وَأَنَّ مُعَارَضَةَ الْمُقَيَّدِ لِلْمُطْلَقِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ دَلِيلِ الْخِطَابِ). أما دليل الخطابِ (٣): فهو الذي يُعرف بمفهوم المخالفة أي الذي

стр. 5384

يدل عليه الخطاب، يعني: مراد المؤلف: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ هذا مطلَقٌ، هل نقيِّدْهُ بالدَّمِ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ أم لا؟ * قوله: (وَالْمُطْلَقُ عَامٌّ، وَالْعَامُّ أَقْوَى مِنْ دَلِيلِ الْخِطَابِ - قَضَى بِالْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَقَالَ: يَحْرُمُ قَلِيلُ الدَّمِ وَكَثِيرُهُ). يعني: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ جاء ذكر الدم غير مُقَيَّدٍ، وفي قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ أُطلق أيضًا، لكن في قوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ قُيِّدَ بكونه مسفوحًا أي: سائلًا، وعلى هذا إذا أخذنا بمفهوم المخالفة أن الدم غير المسفوح هو غير نَجِسٍ. * قوله: (وَالسَّفْحُ الْمُشْتَرَطُ فِي حُرْمِيَّةِ الدَّمِ إِنَّمَا هُوَ دَمُ الْحَيَوَانِ الْمُذَكَّى). فإذا ذبحت حيوان فذكيته هذا هو المسفوح، لكن الدم الذي يخرج من الحيوان الحي حتى ولو لم يكن مسفوحًا فإنه نجس. " قول: (أَعْنِي أَنَّهُ الَّذِي يُسِيلُ عِنْدَ التَّذْكيَةِ مِنَ الْحَيَوَانِ الْحَلَالِ الأكْلِ، وَأَمَّا أَكْلُ دَمٍ يَسِيلُ مِنَ الْحَيَوَانِ الْحَيِّ فَقَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ حَرَامٌ). يعني: لو جُرح حيوان حتى وإن كان هذا الحيوان مأكول اللحم لكنه لا يزال حيًّا فليس للإنسان أن يشرب هذا الدَّم؛ لأنه محرم بإجماع العلماء (١)، كذلك لو جِيءَ بحيوان لا يجوز تذكيته، أي: حيوان محرم الأكل فلا يجوز حتى وإن ذَكَّيْتَهُ كما تذكى الحيوان الذي يجوز أكله، فإن ذلك لا يكون سببًا في إباحة دمه عند من يقول بإباحة القليل لا يجوز ذلك.

стр. 5385

*قوله: (وَكَذَلِكَ الدَّمُ مِنَ الْحَيَوَانِ الْمُحَرَّمِ الأكلِ، وَإِنْ ذُكِّيَ فَقَلِيلُهُ وَكثِيرُهُ حَرَامٌ وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا). يعني: لو جيء بأسدٍ فذُبِحَ أو بنَمِرٍ أو بفهد هذه الحيوانات المحرمة تذكيها لا يبيح لك شيئًا من دَمِهَا حتى ولو كان قَلِيلًا إلا في حالة الضرورة، والضرورة سيتكلم عنها المؤلف وسنفصل القول فيها - إن شاء الله - فالمضطر له أحكامه، فلو خشي الهلاك على نفسه يأكل من الميتة، ولو خَشِيَ على نفسه أن يموت من الظمأ ولم يجد ما يدفع به إلا شيئًا من خمر فيدفع به، أو شيء فيه نجاسَةٍ؛ لأنه مهجةُ الإنسان وحياته هي مقدمة في بقائها على ما يتعلق بأمر محرم كميتة أو غيرها. * قوله: (وَأَمَّا سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي دَمِ الْحُوتِ فَمُعَارَضَةُ الْعُمُومِ لِلْقِيَاسِ، أَمَّا الْعُمُومُ فَقوله تعالى: (وَالدَّمُ)، وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَمَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَهَّمَ مِنْ كَوْنِ الدَّمِ تَابِعًا فِي التَّحْرِيمِ لِمَيْتَةِ الْحَيَوَانِ، أَعْنِي أَنَّ مَا حَرُمَ مَيْتَتُهُ حَرُمَ دَمُه، وَمَا حَلَّ مَيْتَتُهُ حَلَّ دَمُه، وَلِذَلِكَ رَأَى مَالِكٌ أَنَّ مَا لَا دَمَ لَهُ فَلَيْسَ بِمَيْتَةٍ) (١). الفصد (٢): الدم اليسير الذي يبقى مع اللحم أحيانًا تأخذ اللحم فتجد أثر الدم هذا معفو عنه. * قوله: (قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ تَكَلَّمْنَا فِي هَذ الْمَسْأَلَةِ فِي كتابِ الطَّهَارَةِ، وَيَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ فِي هَذَا حَدِيثًا مُخَصِّصًا لِعُمُومِ الدَّمِ قَوْلَهُ ﵊: "أُحِلَّتْ لنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ"، وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي

стр. 5386

غَالِبِ ظَنِّي لَيْسَ هُوَ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ). المؤلف يكثر من ذكر القاضي لكن مضى وقت كثير جِدًّا لم يذكر كلمة القاضي، والمقصود بالقاضي هنا نفسه أبو الوليد بن رشد مؤلف كتاب بداية المجتهد، فالقاضي عند الأصوليين يطلق ويراد به شخص، أما هنا إذا قال: قال القاضي يعني نفسه كأنه يقول: قلت، والصحيح أن ظنه ليس صحيحًا؛ لأنه موجود في مسند الإمام الشافعي (١) وفي مسند الإمام أحمد (٢) وفي السنن الكبرى للبيهقي (٣) وفي سنن الدارقطني (٤) وفي عدة كتب، وهذه الكتب كلها مشهورة، وكلمة الظن أحيانًا يطلق ويراد به اليقين، لكن المؤلف هنا يقصد بالظن: الشك، يعني: هو لا يعلم ذلك، لكن الواقع أنها موجودة في جُلِّ الكتب المشهورة. * قوله: (وَأَمَّا الْمُحَرَّمَاتُ لِعَيْنِهَا الْمُختلَفُ فِيهَا فَأَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا: لُحُومُ السِّبَاعِ (٥) مِنَ الطَّيْرِ وَمِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ). ما هي الحيوانات المحرمة لعينها أي: عينها حرام فهناك شيء يحرم لسبب منها: المنخنقة، والموقوذة والمتردية والنطيحة، وما أكل السبع، هذه عُرض لها سبب من الأسباب فجعلها محرمة، لكن هذه التي سيتحدث عنها المؤلف محرمة لعينها أي لذاتها.

стр. 5387

" قول: (وَالثَّانِي: ذَوَاتُ الْحَافِرِ (١) الْإِنْسِيَّةُ). ذات الحوافر مثل: البغال والخيل والحمر الأهلية. * قوله: (وَالثَّالِثُ: لُحُومُ الْحَيَوَان الْمَأْمُورِ بِقَتْلِهِ فِي الْحَرَمِ). وهم خمسة من الفواسق كما في الحديث: "يُقتلن في الحل والحرم: الغُراب والحِدَأة، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور" (٢)، وفي بعض الروايات بدل العقرب الحية (٣)، وسيأتي الكلام في الحية والمالكية (٤) يتوسعون في هذا الأمر ويَرَوْنَ أن الأمور التي يراها الشافعية والحنابلة أنها مستقذرة كالعقارب والحيات والصراصير يرون الجواز فيها، ويرون أن الحيَّة إذا ذَبَحْتها يجوز أكلها، فتجد خلافًا بين المذاهب في هذه المسألة، وهذا ليس تعسفًا من العلماء، ولكن هم مجتهدون وبعضهم قد يوفق إلى الصَّوابِ وبعضهم قد يخطِئُ في مسألة من المسائل لا قصدًا وإنما اجتهادًا، وفي قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ ما المراد بالخبائث؟ وكيف نعرف أن هذه خبيثة؟ هل الخبيثة كما يقول الفقهاء: "ما استخبثه العرب، الذين يقيمون في المدن، ولا يأخذون برأي البادية مثلًا في ذلك؛ لأن أهل البادية يتساهلون في هذه الأمور، فبعضهم يقول: "كل ما في البر فهو حلال" وهكذا، هذه مسائل يختلف فيها الفقهاء، لكن هل أحدنا يستطيع أن يأكل صُرْصورًا؟ ما في إنسان يستطيع ذلك، أو يأكل الخنفسة أو الجعل أو الوزغ، فالعلماء أجمعوا على تحريمها" (٥)،

стр. 5388

ولكن المالكية استثنوا فقط الوزغ من هذا، ونترك ذلك لمحِلِّهِ - إن شاء الله. * قوله: (وَالرَّابعُ: لَحْمُ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي تَعَافُهَا النُّفُوسُ وَتَسْتَخْبِثُهَا بِالطَّبْعِ). يعني: نأتي مثلًا إلى الضَّبُع تجد عند الشافعية يرون أنه صيدٌ ويؤكل، وتجِدُ عندَ الحنفية والمالكية لا يُؤكَل، لكن هل تقبله؟ فربما لا تقبله نفسك، فالضَّبُّ لا شك أن الأدلة دلت على حِلِّيَتِهِ أما حديث: "نهى عن الضَّبِّ" (١) هذا حديث ضعيف، وإنما الحديث الذي في الصحيحين أنه أُكِلَ على مائدة رسولِ اللَّهِ ﷺ (٢). * قوله: (وَحَكَى أَبُو حَامِدٍ عَنِ الشَّافِعِيُّ (٣) أَنَّهُ يُحَرِّمُ لَحْمَ الْحَيَوَانِ الْمَنْهِيِّ عَنْ قَتْلِهِ، قَالَ: كَالْخُطَّافِ وَالنَّحْلِ). العلماء مختلفون في هذا، وقد جاء في الحديث: "نهى رسول الله ﷺ عن كل ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ ومخلبٍ من الطَّير" (٤) هذا في الصحيحين: "كل ذِي ناب من السِّبَاعِ حرام" (٥) وهذا نص في التحريم في صحيح مسلم، فالرسول ﷺ عرض لنا قواعد عامة، هذه هي الشريعة الإسلامية

стр. 5389

تضع أسسًا وقواعدَ يأتي بعد ذلك الفقهاء فَيُخَرِّجون على هذه الأصول، فالرسول ﷺ وضع لنا قاعدة ثابتة: كل ذي مخلب من الطير لا تأكله، ونهى عنه وبيَّن أنه حرام، وكل ذى ناب من السباع لا تأكله، لكن الفقهاء يختلفون يقولون: هذا نابُه قصير، وربما يوجد فيه كذا وكذا ويختلفون في تفسير كلمة ناب (١) ومخلب (٢)، وبعضهم: يجعل المقياس في ذلك في سباع العدو وغَيْرِهَا، فيقولون: "كل ما يعتدي على الإنسان بطبيعته لا يجوز أكله" وهم الشافعية (٣)، هذا المعيار عندهم، فلا تأكلوا الأسد، ولا تأكلوا الذئب، ولا تأكلوا الفهد، ولا تأكلوا النمر، وهكذا كل ما يَعْتَدِي على الإنسان لا تأكله، لكن الذي لا يعتَدِي يؤكل عندهم كالثَّعْلَبِ، وكالضب والحنابلة (٤) يوافقونهم في شيء ويخالفونهم في شيء، لكن عندنا أصول نرجع إليها. * قوله: (فَيَكُونُ هَذَا جِنْسًا خَامِسًا مِنَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ). الخطاف: ورد فيه نهي ومختلف فيه، وسيأتي الخلاف في النمل والنَّحل والصُّرَدِ (٥) والهدهد؛ لأن هذه جاء فيها حديث، أشياء كثيرة جدًّا، وربما هناك حيوانات يقف الإنسان فيها، ولكن هناك قاعدة ثابتة وهي:

стр. 5390

يُرْجِعُ كلَّ شيء إلى أصله، فإذا شككت في هذا الحيوان ولم يرد التنصيص فيه فانظر، هل هو من ذوي الأنياب أم لا؟ فإن كان ذا ناب فدعه، وإن كان هذا الطير له مخلب فدعه كالغراب ونحو ذلك، فينبغي تجنب كل ما ينطبق عليه النهي. [الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: السِّبَاعُ ذَوَاتُ الْأَرْبَعِ] * قوله: (فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: وَهِيَ السِّبَاعُ ذَوَاتُ الْأَرْبَعِ، فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ (١)). الله قال: ﴿خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور: ٤٥]؛ هذه صنعة الله وهذه الحيوانات التي تمشي على أربع؛ منها ما أباحه الله لنا؛ كبهيمة الأنعام، وذلك بشروط معروفة؛ هي: التذكية؛ وهي أن نسمي الله ونذبح له، وأن يكون الذابح أهلًا للذبح .. إلى آخر ما سبق ذكره في كتاب "الذبائح". وهناك حيواناتٌ حُرِّمت علينا، ممن يمشي على أربع؛ كالسباع. وابن القاسم المذكور هذا من أصحاب الإمام مالك، وله أثر كبير في المدونة، وهو الذي كان يسأل الإمام مالكًا عن كثيرٍ من المسائل، فإذا لم يجب الإمام مالك؛ نجد أنه هو أحيانًا يجيب، وقد روَى عن مالك في السباع ذوات. الأربع أنها مكروهة.

стр. 5391

*قوله: (وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ عَوَّلَ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ الْمَنْصُورُ عِنْدَهُمْ (١)). يعتمد المؤلف هنا وفي مواضع كثيرة على كتاب "الاستذكار" لابن عبد البر، ولو رجعنا إلى الكتاب لوجدنا أن ما يشير إليه المؤلف إما منقول نصًّا، أو له وجودٌ في هذا الكتاب. لكن ابن رشد قرَّب المسائل؛ لأن ذاك كتابٌ يُعنَى بالأحاديث والآثار، وبنقل أقوال السلف، وبذلك تتشعب مسائله، فربما تمر بك صفحات دون أن تصل إلى القَصد الذي تروم الوصول إليه، لكن ابن رشد ﵀ جمع تلك المسائل وأوجزها في شبه قواعد، ونحن نجد أن الإمام مالكًا في كتابه "الموطأ" بعد أن ذكر حديث "نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي نابٍ من السباع" (٢)، ذكر أن هذا هو مذهبه، ومن هنا وقع الخلاف في مذهب مالك. وأما جمهور العلماء فإنهم يرون تحريم كل ذي نابٍ من السباع؛ على أن هناك بعض الحيوانات يختلفون فيها؛ لأن العلماء يختلفون في تحديد الناب ما هو؟ هل هو الناب مطلقًا؟ أو أن المراد به الناب القوي الذي يضرب به الحيوان فريسته؛ فمن العلماء من أطلق، ومنهم من قيَّد ذلك بأن يكون قويًّا، ولذلك نجد أنهم اختلفوا في مثل الثعلب، واختلفوا في الضبع، لوجود حديثٍ يدل على جواز أكله (٣)، وهكذا المسائل التي تمرُّ بنا - إن شاء الله - مما أشار إليه ابن رشد.

стр. 5392

* قوله: (وَذَكَرَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإ ما دَلِيلهُ أَنَّهَا عِنْدَهُ مُحَرَّمَةٌ. وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ بِعَقِبِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ" (١)؛ "وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا" (٢)). فقد ساق حديث أبي هريرة، ثم أشار إلى أنه يأخذ به؛ أي: بما اشتمل عليه الحديث؛ وبهذه العبارة قال بعض المالكية: إن هذا هو مذهب مالك؛ ومنهم من نقل عنه أنه لا يرى تحريم السباع. * قوله: (وَإِلَى تَحْرِيمِهَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ (٣)، وَأَشْهَبُ وَأَصْحَابُ مَالِكٍ (٤)،

стр. 5393

وَأَبُو حَنِيفَةَ (١)). لعل الصواب: (وأشهب من أصحاب مالك) أو (وأشهب وبعض أصحاب مالك)؛ لأنه مرَّ بنا ما ذكره المؤلف، أن أكثر المالكية أخذوا بالرواية الأولى، فلعل العبارة بها خطأ كما أوضحنا. * قوله: (إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي جِنْسِ السِّبَاعِ الْمُحَرَّمَةِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "كُلُّ مَا أَكَلَ اللَّحْمَ فَهُوَ سَبُعٌ"، حَتَّى الْفِيلُ وَالضَّبُعُ وَالْيَرْبُوعُ عِنْدَهُ مِنَ السِّبَاعِ). أكثر المذاهب تحفُّظًا أو تشددًا في ذلك هم الحنفية؛ فإنهم ضيَّقوا ذلك، ولكن نجد أن الشافعية والحنابلة قد اختلفوا في بعض المسائل؛ هل نابه قوي أوْ لا؟ والحنفية حسموا أمرهم فقالوا: السبع هو كل ما أكل اللحم. وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِير﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فلم تتعرض الآية الكريمة للسباع ذات الأنياب، ولا أيضًا للطيور ذات المخالب، فهل سكوت الآية عنها دليلٌ على جوازها؟ أو أن ما جاء في الأحاديث إنما هو تخصيصٌ أو تقييدٌ؟ تكلم العلماء عن ذلك، وذكروا أسبابًا كثيرة، ونحن عندما نلقي نظرة سريعة على ذلك؛ نجدُ أن هذه الآية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ﴾ [الأنعام:

стр. 5394

١٤٥] في سورة مكية؛ والآيات المكية إنما عُنيت بأمر العقيدة، فهي - كما نعلم - جاءت لمحاربة الشرك، ونشر العقيدة الإسلامية. ولذلك نجد أنه في مفتتح هذه السورة بدأ الله - تعالى - بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١]، فقرر أنه وحده المستحق للحمد، ثم تكلم في هذه السورة عما يتعلق بأحكام العقيدة، وكيف كان الكفار يجعلون لله أندادًا كما في قوله: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩]، وقوله سبحانه: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠] فهذه السورة إنما تُرسخ العقيدة. فبيَّن العلماء أن الآيات المكية جاءت: أولًا: لتقرير حقيقة التوحيد، وتثبيت العقيدة الإسلامية، ومحاربة الشرك والخرافات والبدع. ثانيًا: لتقرير الأخلاق الفاضلة التي كانت موجودة، ومحاربة الرذائل والأخلاق السيئة التي كانت سائدة في تلك المجتمعات. ثم نجد أن الغالب عليها قِصَرُ فواصلها؛ آيات قصيرة أجراسها قوية تقرع القلوب فتهزها. فيقول العلماء في هذه الآية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥]: أي: شيئًا محرمًا، وبعضهم يقول: أي: لا أجد محرمًا فيما تأكلونه وتطعمونه؛ ومنهم من يقول: هذه الآية نزلت نتيجة سؤال، سُئل رسول الله ﷺ عن أمور، فجاء الجواب عنها. وأيضًا فإن تلك الأحاديث جاءت في المدينة، وتلك بمكة، إذًا هي متأخرة عنها، ولذلك تكون مقيِّدة لهذه الآية. ولكن المقياس عند أبي حنيفة هو أكل اللحم، فما يأكل من هذه السباع اللحم؛ فلا يجوز أكله، إذًا هو مُحرَّم. والمقياس عند الشافعية: هو أن يكون يعدو بطبعه، لا أن يكون غالبه العَدْو، ولذلك استثنوا الضبع والثعلب.

стр. 5395

والمقياس عند الحنابلة: أن يكون ذا نابٍ قوي، بحيث يضرب به فريسته. فكل فقيهٍ من الفقهاء وضع معيارًا يرتب عليه هذه الأحكام. والفيل مشترك في التحريم عند الحنفية والشافعية والحنابلة، بل وعند المالكية من حيث الجملة؛ لأنه إذا كان الناب فلا ناب أكبر من نابٍ الفيل؛ وأُثِر عن بعض العلماء جواز أكله. أما الضبع فهو عند المالكية - على الرواية التي قال فيها: "والأمر عندنا" - والحنفية لا يجوز أكله، وأما عند الحنابلة والشافعية فيجوز أكله. واليربوع هو الذي يسميه العوام (الجربوع)، وهو حيوانٌ صغير يشبه الفأرة تمامًا، وقد اختلف فيه العلماء؛ فعند الشافعية والحنابلة والمالكية يُؤكَل، وعند الحنفية لا يؤكل ولكن ليس لأنه سَبُعٌ عندهم؛ بل لأنهم يرونه مما استُخبِث؛ لأنه شبيهٌ بالفأر، والفأر خبيث، وهو من الخمسة الفواسق اللاتي يُقتلن في الحِل والحرم، فاليربوع يلحَق به. " قول: (وَكَذَلِكَ السِّنَّوْرُ (١)). السنور هو الهر، وقد جاء فيه نصٌّ، أن الرسول ﷺ نهى عن أكل
следующие страницы →