← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

*قوله: (وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ عَوَّلَ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ الْمَنْصُورُ عِنْدَهُمْ (١)). يعتمد المؤلف هنا وفي مواضع كثيرة على كتاب "الاستذكار" لابن عبد البر، ولو رجعنا إلى الكتاب لوجدنا أن ما يشير إليه المؤلف إما منقول نصًّا، أو له وجودٌ في هذا الكتاب. لكن ابن رشد قرَّب المسائل؛ لأن ذاك كتابٌ يُعنَى بالأحاديث والآثار، وبنقل أقوال السلف، وبذلك تتشعب مسائله، فربما تمر بك صفحات دون أن تصل إلى القَصد الذي تروم الوصول إليه، لكن ابن رشد ﵀ جمع تلك المسائل وأوجزها في شبه قواعد، ونحن نجد أن الإمام مالكًا في كتابه "الموطأ" بعد أن ذكر حديث "نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي نابٍ من السباع" (٢)، ذكر أن هذا هو مذهبه، ومن هنا وقع الخلاف في مذهب مالك. وأما جمهور العلماء فإنهم يرون تحريم كل ذي نابٍ من السباع؛ على أن هناك بعض الحيوانات يختلفون فيها؛ لأن العلماء يختلفون في تحديد الناب ما هو؟ هل هو الناب مطلقًا؟ أو أن المراد به الناب القوي الذي يضرب به الحيوان فريسته؛ فمن العلماء من أطلق، ومنهم من قيَّد ذلك بأن يكون قويًّا، ولذلك نجد أنهم اختلفوا في مثل الثعلب، واختلفوا في الضبع، لوجود حديثٍ يدل على جواز أكله (٣)، وهكذا المسائل التي تمرُّ بنا - إن شاء الله - مما أشار إليه ابن رشد.

стр. 5392

* قوله: (وَذَكَرَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإ ما دَلِيلهُ أَنَّهَا عِنْدَهُ مُحَرَّمَةٌ. وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ بِعَقِبِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ" (١)؛ "وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا" (٢)). فقد ساق حديث أبي هريرة، ثم أشار إلى أنه يأخذ به؛ أي: بما اشتمل عليه الحديث؛ وبهذه العبارة قال بعض المالكية: إن هذا هو مذهب مالك؛ ومنهم من نقل عنه أنه لا يرى تحريم السباع. * قوله: (وَإِلَى تَحْرِيمِهَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ (٣)، وَأَشْهَبُ وَأَصْحَابُ مَالِكٍ (٤)،

стр. 5393

وَأَبُو حَنِيفَةَ (١)). لعل الصواب: (وأشهب من أصحاب مالك) أو (وأشهب وبعض أصحاب مالك)؛ لأنه مرَّ بنا ما ذكره المؤلف، أن أكثر المالكية أخذوا بالرواية الأولى، فلعل العبارة بها خطأ كما أوضحنا. * قوله: (إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي جِنْسِ السِّبَاعِ الْمُحَرَّمَةِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "كُلُّ مَا أَكَلَ اللَّحْمَ فَهُوَ سَبُعٌ"، حَتَّى الْفِيلُ وَالضَّبُعُ وَالْيَرْبُوعُ عِنْدَهُ مِنَ السِّبَاعِ). أكثر المذاهب تحفُّظًا أو تشددًا في ذلك هم الحنفية؛ فإنهم ضيَّقوا ذلك، ولكن نجد أن الشافعية والحنابلة قد اختلفوا في بعض المسائل؛ هل نابه قوي أوْ لا؟ والحنفية حسموا أمرهم فقالوا: السبع هو كل ما أكل اللحم. وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِير﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فلم تتعرض الآية الكريمة للسباع ذات الأنياب، ولا أيضًا للطيور ذات المخالب، فهل سكوت الآية عنها دليلٌ على جوازها؟ أو أن ما جاء في الأحاديث إنما هو تخصيصٌ أو تقييدٌ؟ تكلم العلماء عن ذلك، وذكروا أسبابًا كثيرة، ونحن عندما نلقي نظرة سريعة على ذلك؛ نجدُ أن هذه الآية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ﴾ [الأنعام:

стр. 5394

١٤٥] في سورة مكية؛ والآيات المكية إنما عُنيت بأمر العقيدة، فهي - كما نعلم - جاءت لمحاربة الشرك، ونشر العقيدة الإسلامية. ولذلك نجد أنه في مفتتح هذه السورة بدأ الله - تعالى - بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١]، فقرر أنه وحده المستحق للحمد، ثم تكلم في هذه السورة عما يتعلق بأحكام العقيدة، وكيف كان الكفار يجعلون لله أندادًا كما في قوله: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩]، وقوله سبحانه: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠] فهذه السورة إنما تُرسخ العقيدة. فبيَّن العلماء أن الآيات المكية جاءت: أولًا: لتقرير حقيقة التوحيد، وتثبيت العقيدة الإسلامية، ومحاربة الشرك والخرافات والبدع. ثانيًا: لتقرير الأخلاق الفاضلة التي كانت موجودة، ومحاربة الرذائل والأخلاق السيئة التي كانت سائدة في تلك المجتمعات. ثم نجد أن الغالب عليها قِصَرُ فواصلها؛ آيات قصيرة أجراسها قوية تقرع القلوب فتهزها. فيقول العلماء في هذه الآية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥]: أي: شيئًا محرمًا، وبعضهم يقول: أي: لا أجد محرمًا فيما تأكلونه وتطعمونه؛ ومنهم من يقول: هذه الآية نزلت نتيجة سؤال، سُئل رسول الله ﷺ عن أمور، فجاء الجواب عنها. وأيضًا فإن تلك الأحاديث جاءت في المدينة، وتلك بمكة، إذًا هي متأخرة عنها، ولذلك تكون مقيِّدة لهذه الآية. ولكن المقياس عند أبي حنيفة هو أكل اللحم، فما يأكل من هذه السباع اللحم؛ فلا يجوز أكله، إذًا هو مُحرَّم. والمقياس عند الشافعية: هو أن يكون يعدو بطبعه، لا أن يكون غالبه العَدْو، ولذلك استثنوا الضبع والثعلب.

стр. 5395

والمقياس عند الحنابلة: أن يكون ذا نابٍ قوي، بحيث يضرب به فريسته. فكل فقيهٍ من الفقهاء وضع معيارًا يرتب عليه هذه الأحكام. والفيل مشترك في التحريم عند الحنفية والشافعية والحنابلة، بل وعند المالكية من حيث الجملة؛ لأنه إذا كان الناب فلا ناب أكبر من نابٍ الفيل؛ وأُثِر عن بعض العلماء جواز أكله. أما الضبع فهو عند المالكية - على الرواية التي قال فيها: "والأمر عندنا" - والحنفية لا يجوز أكله، وأما عند الحنابلة والشافعية فيجوز أكله. واليربوع هو الذي يسميه العوام (الجربوع)، وهو حيوانٌ صغير يشبه الفأرة تمامًا، وقد اختلف فيه العلماء؛ فعند الشافعية والحنابلة والمالكية يُؤكَل، وعند الحنفية لا يؤكل ولكن ليس لأنه سَبُعٌ عندهم؛ بل لأنهم يرونه مما استُخبِث؛ لأنه شبيهٌ بالفأر، والفأر خبيث، وهو من الخمسة الفواسق اللاتي يُقتلن في الحِل والحرم، فاليربوع يلحَق به. " قول: (وَكَذَلِكَ السِّنَّوْرُ (١)). السنور هو الهر، وقد جاء فيه نصٌّ، أن الرسول ﷺ نهى عن أكل

стр. 5396

الهِر؛ واختلفوا في السنور البري؛ فمن العلماء من منعه، ومنهم من أجازه، وأكثر العلماء على منعه. * قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُؤْكَلُ الضَّبُعُ). وكذلك أحمد (١)، فرأيُ الإمامين الشافعي وأحمد متفقٌ حول إباحة أكل الضبع، وقد ورد فيه حديثٌ يدل على جواز أكله، وهو حديث صحيح، ولما سُئِل الصحابة: رخَّص في ذلك رسول الله ﷺ ؟ قالوا: "نعم" (٢)؛ والذين يمنعون أكله يقولون: أولًا هو مستعبد، ثم إنه يأكل العذرات أحيانًا، وعُرِف أيضًا أنه يأخذ الأطفال الصغار، فهذه مبررات يذكرها الذين يمنعونه. * قوله: (وَالثَّعْلَبُ). أما الثعلب فاتفق الحنابلة الشافعية فيه، وأحمد له روايتان (٣)؛ إحداهما أنه يُؤكل، والأخرى أنه لا يُؤكل، والذي جعل بعض العلماء لا يرون أكله؛ أنه مما جعل فيه رسول الله ﷺ الفداء في حق من قتله وهو محرم، أو فيمن قتله وهو في الحرم، وقد مرَّ بنا ذلك في كتاب الحج، وأما من أجاز أكله فيرى أنه ليس مما يعدو على الإنسان، ولذلك اختلف الحنابلة فيه.

стр. 5397

* قوله: (وَإِنَّمَا السِّبَاعُ الْمُحَرَّمَةُ الَّتِي تَعْدُو عَلَى النَّاسِ كالْأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَالذئْبِ). يدخل في ذلك أيضًا الفهد، وكثيرٌ من الحيوانات؛ أي: من السباع ذوات الأنياب التي تلحق بهذا؛ كابن آوى، وابن عرس وغيرهما؛ أكثر العلماء على أنها محرمة. * قوله: (وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ). أي: في مذهب مالك. * قوله: (وَجُمْهُورُهُمْ عَلَى أَنَّ الْقِرْدَ لَا يُؤْكلُ وَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ). بل إن ابن عبد البر نقل أن العلماء قد اتفقوا على تحريم أكله (١)، ولكن أُثِر عن بعض السلف ما يدل على كراهته، والذين قالوا بأنه لا يُؤكَل؛ قالوا: هو مسخ، كما أنه خبيث، والله يقول: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وهو من الخبائث، ومما تعافه النفوس؛ وابن عبد البر ﵀ استقصى أقوال العلماء في ذلك، وبيَّن أنهم كلهم متفقون، وإن وُجِد قولٌ يدل على خلاف ذلك فهو قولٌ ضعيف. * قوله: (وَعِنْدَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا أَنَّ الْكَلْبَ حَرَامٌ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ فَهِمَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ سُؤْرِهِ نَجَاسَةَ عَيْنِهِ (٢)).

стр. 5398

أما أكله فهو حرامٌ بلا شك؟ لأنه أيضًا من السباع، والرسول ﷺ قال: "الكلب خبيث، وثمنه خبيث" (١)؛ إذًا هو يدخل أيضًا في الخبائث؟ وأما الانتفاع به؛ فإن الرسول ﷺ نهى عن اقتناء الكلب، إلا أن يكون كلب حراسة أو ماشية أو صيد، فالرسول استثنى ذلك؛ إذِ الراعي في الصحاري يحتاج إلى الكلاب، فالإنسان ينام، وهذا الكلب يقوم بحراسة الغنم، وهو معروفٌ بأمانته، ومعروفٌ أيضًا بوفائه لصاحبه، وبذكائه، أما أن يقتنيه الإنسان كما هو موجودٌ في هذا الزمان، أن يربي الكلاب ويُعنَى بها وينظفها؛ فهذا إنما هو تقليدٌ لغير المسلمين، ونحن منهيون أن نتشبه بأولئك الأقوام، إلى جانب أن الكلب نجس، بل يوجد في لعابه مادةٌ لا توجد في غيره، ولذلك جاء الأمر بغسل الإناء مما ولغ فيه سبع مرات

стр. 5399

إحداهن بالتراب (١)، وفي رواية: "عفروه السابعة والثامنة بالتراب" (٢)، ثم اكتشف علماء الطب أنه يوجد به مادةٌ لزجة، لا يزيلها إلا التراب. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي تَحْرِيمِ لُحُومِ السِّبَاعِ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ؛ مُعَارَضَةُ الْكِتَابِ لِلْآثَارِ). ومراد المؤلف - رحمه الله تعالى - الآية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، ولكن سورة المائدة أضافت أمورًا أخرى لم تكن في سورة الأنعام، فقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، كما حرَّم أيضًا الخمر في سورة المائدة، وقد مر تحريمها بمراحل ثلاث؛ أشار إلى ضررها فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]، ثم حُرمت الخمر وقت الصلاة: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، ثم جاء تحريمها تحريمًا قطعيًّا في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١]، وقد أجمع العلماء على تحريم الخمر. إذنْ تحريم الخمر جاء أيضًا في سورة المائدة، ولم يَرِدْ ذكرها في آية الأنعام، وهي مُجمعٌ عليها، وجاء تحريم الربا في سورة أخرى غير آية الأنعام أيضًا، فالشيء الذي نريد أن ننتهي إليه؛ هو أن آية الأنعام ليست حاصرةً للمحرمات؛ وإنما ذكرت طرفًا من المحومات، وقد نزلت في المدينة، فذكرت ما كان مناسبًا لذلك، كما أن الله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ

стр. 5400

الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، ويقول أيضًا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ٢٥]، ويقول: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾ [النور: ٥٤]. إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في هذا المعنى؛ والرسول ﷺ قد نهى عن كل ذي نابٍ من السباع، وعن كل ذي مخلبٍ من الطير (١). وجاءت سُنَّة رسول الله ﷺ بيانًا لكتاب الله إما بالتفصيل، أو بتقييد ما أُطلِق، أو بتخصيص ما عمم. وهذا ليس غريبًا، فالله عندما ذكر المحرمات في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلى أن قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، لم يَرِدْ في الآية تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها، فجاء ذلك في سُنَّة رسول الله ﷺ حيث قال: "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها" (٢)، وأخذ العلماء ذلك إجماعًا، ولا يُنظَر إلى قول الذين شذوا؛ فهم ممن لا يُعتدَّ بهم في هذه المسألة، فالذين خالفوا فيها هم فرقة من الخوارج؛ لأنهم يرون أن هذا زيادة على ما في كتاب الله. * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الْآيَةَ؛ أَنَّ مَا عَدَا الْمَذْكُورَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ حَلَالٌ). ولكن الأمر كما فصَّلنا سابقًا. * قوله: (وَظَاهِرُ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ" - أَنَّ السِّبَاعَ مُحَرَّمَةٌ. هَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).

стр. 5401

أبو ثعلبة الخشني - رضي الله تعالى عنه - من متأخري الصحابة. وهذا حديثٌ متفق عليه. * قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ فَمَا رَوَاهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ (١)، هُوَ أَبْيَنُ فِي الْمُعَارَضَةِ، وَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ"). أيضًا حديث أبي هريرة في "مسلم" وفي غيره، وليس عند مالك وحده، وقد قال المؤلف "أَبْيَنُ"؛ لأن حديث أبي ثعلبة بلفظ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ" (٢)، والنهي الأصل فيه أنه يقتضي التحريم، لكن قد توجد قرينة تصرف، أما في الحديث الآخر: "كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حرام" (٣)؛ و"كل" من صيغ العموم، فنصَّ الرسول ﷺ على تحريمه، ولذلك "قطعت جهيزة قول كل خطيب" (٤) كما قيل في المثل؛ والمؤلف - رحمه الله تعالى - سيفرق في الجمع بين الآية وبين حديث أبي ثعلبة، والجمع بين الآية وبين حديث أبي هريرة. * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْأوَّلَ قَدْ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآيَةِ بِأَنْ يُحْمَلَ النَّهْيُ الْمَذْكُورُ فِيهِ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ). يريد المؤلف - رحمه الله تعالى - أن يقول: إن الآية ذكرت لنا المحرمات، ولم يكن من بين المحرمات ما ورد عنه النهي في الحديث، فيُحمَل النهي الوارد في الحديث على الكراهة. * قوله: (وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَيْسَ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ

стр. 5402

الْآيَةِ إِلَّا أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّهُ نَاسِخ لِلآيَةِ عِنْدَ مَنْ رَأَى أَنَّ الزِّيَادَةَ نَسْخٌ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ (١)). ونحن لا نحتاج إلى النسخ؛ لأن الآية التي معنا إنما هي في سورة الأنعام، وهي مكية، والأحاديث التي معنا قالها رسول الله ﷺ في المدينة، فجاءت متأخرة عنها، فالآية ذكرت عددًا قليلًا من المحرمات. * قوله: (فَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ وَالْآيَةِ حَمَلَ حَدِيثَ لُحُومِ السِّبَاعِ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ يَتَضَمَّنُ زِيَادَةً عَلَى مَا فِي الْآيَةِ حَرَّمَ لُحُومَ السِّبَاعِ (٢). وَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ الضَّبُعَ وَالثَّعْلَبَ مُحَرَّمَانِ فَاسْتِدْلَالًا بِعُمُومِ لَفْظِ السِّبَاعِ).

стр. 5403

هذا الكلام الذي ذكره المؤلف لا حاجة له؛ فالله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، ويقول أيضًا: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]؛ وفي هذه الأحاديث الصحيحة مما آتانا رسول الله ﷺ الجواب، فنعمل به، فنقول: هذا مُخصصٌ لما في كتاب الله فالآية أطلقت، والحديث جاء تخصيصًا أو تقييدًا لها. * قوله: (وَمَنْ خَصَّصَ مِنْ ذَلِكَ الْعَادِيَةَ فَمَصيرًا لِمَا "رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الضَّبُعِ آكُلُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَصَيْدٌ هِي؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَأَنْتَ سَمِعْتَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ" (١)). وُجِّه هذا السؤال لجابر، وهو من أصحاب رسول الله ﷺ وهو أيضًا ممن اشتهر برواية الحديث، وإن لم يكن أكثر الصحابة؛ فأكثر الصحابة إنما هو أبو هريرة، وإن كان إسلامه جاء متأخرًا، لكنه كان متفرغًا، كان من أهل الصُّفَّة، فهو دائمًا يتتبع رسول الله ﷺ ولا يكاد ينطق بكلمة إلا ويتلقفها ﵁. وهذا الحديث أسنده جابر إلى رسول الله ﷺ عندما قيل له: "فَأَنْتَ سَمِعْتَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ ﷺ ؟ " فقَالَ: نَعَمْ.

стр. 5404

* قوله: (وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ انْفَرَدَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ؛ فَهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ جَمَاعَةِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ). لا شك أن الحديث إنما هو صالح للاحتجاج به، وهو حجة في هذا الموضوع، لكن ليس معنى هذا أنه ذهب إمامان جليلان كالإمام الشافعي وأحمد إلى جواز ذلك، وأنه جاء ذلك عن رسول الله؛ ربما نفسه عافته فتركه، كما فعل الرسول ﷺ في الضب (١). * قوله: (وَلِمَا ثَبَتَ مِنْ إِقْرَارِهِ ﵊ عَلَى أُكْلِ الضَّبِّ بَيْنَ يَدَيْهِ (٢)). أدخل المؤلف الآن مسألة في مسألة؛ انتقل إلى الضب، والضب قصته أن ميمونة زوج الرسول ﷺ وهي خالة لخالد بن الوليد، ولعبد الله بن عباس، ولها أخت اسمها حفيدة، قدمت من نجد ومعها زوجها، فأهدت إلى أختها ضبًّا، فطبخته، فقدمته شواءً، فلما أراد رسول الله ﷺ أن يمد يده ليأكل منه، وكان عادتهم أن يخبروهم ما الطعام الذي قُدِّم أمامهم إن كان فيه غرابة، فقالت إحدى النساء: لو ذكرتم ذلك لرسول الله!! فأبلغوه، فرفع ﵊ يده عنه، فقال له خالد بن الوليد: "أحرام هو يا رسول الله؟ " قال: "لا؛ ولكنه ليس بأرض قومي، فأجدني أعافه" (٣)؛ فالرسول ﷺ لم يعرفه في قومه فرآه غريبًا عليه، فعافته نفسه، عافه مع أنه طيب، فما كان من خالد بن الوليد ﵁ إلا أن اجتره ثم قطَّعه فأكله، ورسول الله ﷺ ينظر إليه مُقرًّا له على ذلك، فاجتمع فيه نوعان من سُنَّة رسول الله ﷺ : القول، والإقرار.

стр. 5405

* قوله: (وَأَمَّا سِبَاعُ الطَّيْرِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا حَلَالٌ؛ لِمَكَانِ الْآيَةِ الْمُتَكَرِّرَةِ). جاء حديث جمع بين الأمرين: "نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي نابٍ من السباع، وكل ذي مخلبٍ من الطير" (١) هذا في "سنن أبي داود" وبعض أصحاب السُّنَن، وقد أورد المؤلف - رحمه الله تعالى - هذا الحديث، كما أورد الحديث الآخر: "كل ذي نابٍ من السِّباع حرام" (٢)؛ لأنه في "صحيح مسلم" وفي غيره. وجاء في "صحيح مسلم" أن الرسول ﷺ نهى عن كل ذي مخلبٍ من الطير (٣)؛ والمخلب بمثابة الأظفار التي في يد الإنسان، فهذه المخالب يستعين بها على فريسته، يستفيد منها، هذه هي طريقته. فالله هو الذي خلق هذا الخلق ولم يضيعه ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]؛ فهناك من يأكل اللحم، وهناك من يأكل النبات، وهناك من يعيش على نوع من الأطعمة، وهناك من أعطاه الله نابًا، وهناك من أعطاه الله مخلبًا، وهنًاك من أعطاه الله أسنانًا، وهناك من جمع الله له أشياء من تلك، فوضع لكل دابة ما تستعين به على طلب معيشتها. والمراد بالآية المتكررة التي كررنا الاستدلال بها: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. * قوله: (وَحَرَّمَهَا قَوْمٌ؛ لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أُكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلِّ مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ).

стр. 5406

هذا اللفظ عند أبي داود وغيره. * قوله: (إِلَّا أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يُخَرِّجْهُ الشَّيْخَانِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ (١)). لكنْ هناك لفظٌ آخر أخرجه مسلم: "نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي مخلبٍ من الطير" (٢)؛ وجمع بينهما عند أبي داود، وكذلك حديث خالد بن الوليد: "نهى رسول الله ﷺ عن أكل الخيل والبغال والحمير، وكل ذي مخلبٍ من الطير"؛ والمؤلف لم يعرض هذا؛ فهو يذكر بعض الأدلة، ولا يستقصيها كلها. ولم يُطل المؤلف - رحمه الله تعالى - الكلام عن الطَّير، فمثلًا الغراب الأبقع، وكذلك الحدأة التي عدَّها رسول الله ﷺ من الخمس الفواسق (٣)، وكذلك النسور والباز وغير ذلك، لكن أكثر الطيور مُباحة، وما حرَّمه الله فهو قليلٌ جدًّا. [الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتِلَافُهُمْ فِي ذَوَاتِ الْحَافِرِ الْإِنْسِيِّ] * قوله: (وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ؛ وَهِيَ اخْتِلَافُهُمْ فِي ذَوَاتِ الْحَافِرِ الْإِنْسِيَّةِ؛ أَعْنِي: الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ). يعني التي عُرِفت بالحوافر في أقدامها. * قوله: (فَإِنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِ لُحُومِ الْحُمُرِ

стр. 5407

الْإِنْسِيَّةِ (١)، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (٢) وَعَائِشَةَ (٣) أَنَّهُمَا كَانَا يُبِيحَانِهَا). كان يجب على المؤلف - رحمه الله تعالى - أن يُقيِّد هذا الأمر ولا يُطلق هذا وينسبه إلى عبد الله بن عبَّاس وعائشة ﵄ من الصحابة؛ وسنده في ذلك هو ابن عبد البر، وابن عبد البر نبَّه على هذا، ونُقِل عنهما ما يُخالف ذلك. إذن نُقِل عنهما ما يدل على جواز أكله، ونقل عنهما ما يدل على تحريم أكله؛ وقالوا: محرمة لأنها جلَّالة؛ يعني: تأكل العذرة. وهناك حديث لم يذكره المؤلف؛ في قصة أحد الصحابة؛ أنَّه مرَّت بهم سنة من السنين - أي: سَنة أدركهم فيها الجوع - فشكوا إلى رسول الله ﷺ ذلك، وأنَّه لا يوجد عندهم إلا حُمُرٌ سِمان، وأنَّ الرسول ﷺ أذن لهم؛ لكن العلماء أجابوا عن ذلك بأن هذه حالة ضرورة؛ وستأتي الأدلَّة الصحيحة في الصحيحين وغيرهما على تحريم أكل لحوم الحُمُر الأهلية.

стр. 5408

* قوله: (وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُهَا، رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ مِثْلُ قَوْلِ الْجُمْهُورِ (١)). وهم الأئمة أبو حنيفة والشَّافعي وأحمد، قولهم في ذلك واحد؛ أنَّه يحرُم أكل لحوم الحُمُر، ويلحقون بها أيضًا: البغال، وما تَولَّد من مُحرَّم وغير مُحرَّم؛ لأنَّ هذا من تغليب المحظور على المبيح. * قوله: (وَكذَلِكَ الْجُمْهُورُ عَلَى تَحْرِيمِ الْبِغَالِ (٢). وَقَوْمٌ كَرِهُوهَا وَلَمْ يُحَرِّمُوهَا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ (٣)). البغال هي التي تتولد بين الخيل والحمير، والبغال فيها مزايا لا تجدها في الخيل ولا في الحمار؛ لأنَّها أخذت نشاط الخيل وسرعته وقوته، وأخذت قوة تحمُّل الحمار، ولذلك تجد أنَّهم يستخدمونها في الأعمال الشَّاقة؛ مثل صعود الجبال ونحوها.

стр. 5409

* قوله: (وَأَمَّا الْخَيْلُ فَذَهَبَ مَالِكٌ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢) وَجَمَاعَةٌ - إِلَى أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ). يقول الله : ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ [النحل: ٨]؛ وهذا مما يُحتجّ به المالكية والحنفية على تحريم الخيل، قالوا: لأنَّ الله - تعالى - ذكرها مع البغال والحمير، والبغال والحمير مُحرَّمة، ولأنَّ الله حصر فائدتها في أمرين: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾، ورسول الله ﷺ قد حرَّمها، وذلك قد ثبت في السُّنَّة الصحيحة بأحاديث مُتَّفق عليها، وقد جاء النَّهي عنها في حديث جابر عندما قال: "نحرنا الخيل والبغال يوم خيبر، فنهانا رسول الله ﷺ عن البغال والحمير، وأَذِن لنا - أو ورخَّص - في الخيل". أما بالنسبة لبهيمة الأنعام؛ فقد أشار إلى الأكل منها، فقال تعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤]، وقال أيضًا: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]. * قوله: (وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ (٣)، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ وَجَمَاعَةٌ إِلَى إِبَاحَتِهَا (٤)). أكثر العلماء يذهبون إلى أنَّ لحوم الخيل ليست بمُحرَّمة، وأنَّها حلال.

стр. 5410

* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ مُعَارَضَةُ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ لِلأحَادِيثِ الثَّابِتَةِ فِي ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ" (١)). هذا حديث جابر، والحديث الآخر أنَّهم ذبحوا الخيل والبغال والحمير، فنهاهم رسول الله ﷺ عن البغال والحمير، ورخَّص لهم في الخيل؛ ولم يذكر المؤلف حديث أسماء الذي جاء في الصحيحين، قالت: "نحرنا فرسًا على عهد رسول الله ﷺ في المدينة فأكلناه" وفي لفظٍ عند البُخاري: "ذبحنا فرسًا". والأدلة في هذا كثيرةٌ جدًّا وصريحة، ولذلك نجد أنَّ من المالكية من مال إلى هذا القول - كابن عبد البر - لقوة أدلَّة هذا المذهب وصحتها. * قوله: (فَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْآيَةِ وَهَذَا الْحَدِيثِ حَمَلَهَا عَلَى الْكَرَاهِيَةِ، وَمَنْ رَأَى النَّسْخَ قَالَ بِتَحْرِيمِ الْحُمُرِ، أَوْ قَالَ بِالزِّيَادَةِ دُونَ أَنْ يُوجِبَ عِنْدَهُ نَسْخًا. وَقَدِ احْتَجَّ مَنْ لَمْ يَرَ تَحْرِيمَهَا بِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: "أَصَبْنَا حُمُرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ وَطَبَخْنَاهَا، فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ أكْفِئُوا الْقُدُورَ بِمَا فِيهَا" (٢). قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: إِنَّمَا نَهَى عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَأْكُلُ الْجِلَّةَ). فبيَّن أنَّ النَّهي إنَّما هو لأجل أكلها الجلَّالة، وفي بعض الروايات أيضًا في "الصحيحين" النَّص على أكلها العذرة. وهذا الحديث ورد في بعض ألفاظه أنَّه أصابتهم مجاعة.

стр. 5411

* قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْبِغَالِ فَسَبَبُهُ مُعَارَضَةُ دَلِيلِ الْخِطَابِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] وَقَوْلِهِ مَعَ ذَلِكَ مِنَ الْأَنْعَامِ: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [غافر: ٧٩] للآية الحاصرة للمحرمات). قالوا: فجاء التنصيص في كتاب الله على أكل الأنعام، وبالنسبة للخيل والبغال والحمير فقد بيَّن الله فوائدها، أنَّها للركوب وللزينة. فمراد المؤلِّف أنَّ الله عندما ذكر الخيل والبغال؛ حدَّد فوائدها بأمرين: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾، ولمَّا ذكر الأنعام؛ قال: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾؛ فهناك ركوبٌ، وهناك أيضا أكلٌ لها. " قول: (لِأَنَّهُ يَدُلُّ مَفْهُومُ الْخِطَابِ فِيهَا أَنَّ الْمُبَاحَ فِي الْبِغَالِ إِنَّمَا هُوَ الرُّكُوب، مَعَ قِيَاسِ الْبَغْلِ أَيْضًا عَلى الْحِمَارِ). أمَّا البغال فهي مُتولِّدةٌ من نجسٍ ومن طاهر، متولدةٌ مما يُؤكل - وهو الخيل - ومما حرم أكله - وهي الحمير الأهلية - ولذلك نُهي عنها، وهي أيضًا من ذوات الحوافر، فتلحق أيضًا بالحمير؛ بجامع أنَّ كُلًّا منهما له حافر، والحافر بالنسبة لهذه الحيوانات: الخيل والبغال والحمير، هو بمثابة القدم للإنسان، والخف للبعير. وقد جاء في الأحاديث الصحيحة النَّهي عن أكل لحم البغال - كما في حديث جابرٍ وغيره - عندما ذبحوا الخيل والبغال والحمير، فنهاهم رسول الله ﷺ عن لحوم البغال والحمير؛ ورخَّص لهم في لُحوم الخيل. * قوله: (وَأَمَّا سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْخَيْلِ فَمُعَارَضَةُ دَلِيلِ الْخِطَابِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ، وَمُعَارَضَةِ قِيَاسِ الْفَرَسِ عَلَى الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ لَه، لَكِنَّ إِبَاحَةَ لَحْمِ الْخَيْلِ نَصٌّ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَارَضَ بِقِيَاسٍ وَلَا بِدَلِيلِ خِطابٍ). هذا كلامٌ ينقله المؤلف عن ابن عبد البر.

стр. 5412

فحُجَّة الذين قالوا بتحريم لحوم الخيل هو مفهوم الآية، والآية لا تدل على التَّحريم؛ وإنَّما ذكرت: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، ولم تعرض لحكم لحمها، وجاء في حديث خالد بن الوليد - وهو في السُّنن - أنَّ رسول الله ﷺ "نهى عن لحوم الخيل والبِغال والحمير، وكل ذي نابٍ وكلل ذي مِخلبٍ من الطير"، وفي رواية: "وكل ذي نابٍ من السباع، ومِخلبٍ من الطير"، لكن الأحاديث الأخرى بالنسبة للخيل - وهي في الصحيحين وفي غيرهما - تدل دلالةً واضحة على جواز أكلها. والقياس الذي أشار إليه المُؤلِّف، هو القياس على الحمير، قالوا: فالخيل تلحق بالحمير؛ بجامع أنَّ كل واحدٍ منهما له خُفٌّ، فتلحق به في التَّحريم، لكن الأدلة الصحيحة الصريحة نصٌّ في إباحة أكل لحم الخيل. لكننا نجد أنَّ الخيل يُسهَم لها في الحرب، وأنَّ الحمير والبغال لا يُسهَم لها، كما مر بنا في أبواب الجهاد. [الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ؛ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْحَيَوَانِ الْمَأْمُورِ بِقَتْلِهِ فِي الْحَرَمِ] * قوله: (وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَة، وَهِيَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْحَيَوَانِ الْمَأْمُورِ بِقَتْلِهِ فِي الْحَرَمِ؛ وَهِيَ الْخَمْسُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهَا: الْغُرَاب، وَالْحِدَأَة، وَالْعَقْرَب، وَالْفَأرَة، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ). مراد المؤلف - كما سيأتي صريحًا - أن تلك الحيوانات التي نُهِيَ عن قتلها في الحرم، هل النهي عن قتلها يدل على تحريم أكل لحمها، أو أنه لسببٍ آخر؟ قال الرسول ﷺ في الحديث المتفق عليه: "خمسٌ فواسق:

стр. 5413

الْغُرَاب، وَالْحِدَأَة، وَالْفَأْرَة، وَالعَقْرَب، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ" (١) فوصفها ﵊ بالفسق؛ فالغراب كما هو معلوم من الفواسق، والحدأة نعتدي على بعض الطيور وعلى بعض الأطعمة، والفأرة نعلم نجاستها وأثرها وما يترتب عليها من أضرار؛ وقد مر الكلام في الفواسق، وأنه لا يجوز أكلها - على الصحيح -، وأن القول بجواز ذلك قولٌ ضعيفٌ لا يُلتفت إليه. * قوله: (فَإِنَّ قَوْمًا فَهِمُوا مِنَ الْأَمْرِ بِالْقَتْلِ لَهَا، مَعَ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الْبَهَائِمِ الْمُبَاحَةِ الْأَكلِ؛ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ هُوَ كَوْنُهَا مُحَرَّمَةً؛ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيُّ (٢)). وأيضًا هو مذهب أحمد (٣) وأبي حنيفة (٤).

стр. 5414

* قوله: (وَقَوْمًا فَهِمُوا مِنْ ذَلِكَ مَعْنَى التَّعَدِّي، لَا مَعْنَى التَّحْرِيمِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ (١)، وَأَبِي حَنِيفَةَ (٢) وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِمَا). يبدو أن ذِكرَ أبي حنيفة هنا وهمٌ من المؤلف، أو أنها رواية في المذهب؛ إنما المعروف عن الحنفية أنهم مع الشافعية والحنابلة في هذه المسألة.

стр. 5415

[الْجِنْسُ الرَّابعُ؛ الَّذِي تَسْتَخْبثُهُ النُّفُوسُ] * قوله: (وَأَمَّا الْجِنْسُ الرَّابِعُ؛ وَهُوَ الَّذِي تَسْتَخْبِثُهُ النُّفُوسُ؛ كَالْحَشَرَاتِ وَالضَّفَادِعِ وَالسَّرَطَانَات وَالسُّلَحْفَاةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا، فإن الشافعي حرمها، وأباحها الغير، ومنهم من كرهها فقط). يقول الله : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، ويقول أيضًا: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٥]؛ فإذا قلنا: إن الخبائث هي ما يستخبثه الإنسان، وتنفر منه نفسه وتعافه؛ فما هو المقياس والمعيار في ذلك؟! هذا ما سيعرض له المؤلف قريبًا. حرمها الشافعي، وأحمد أيضًا؛ والسلحفاة فيها روايتان عند الحنابلة؛ بعض العلماء أجاز أكلها، وبعضهم نهى عن ذلك. أما بالنسبة للضفادع فقد جاء أيضًا النهي عنها، وجاء في أثر أن صوته الذي نسمعه إنما هو تسبيح، لذا نُهي عن قتلها، وكذلك غيرها؛ مثل النملة والنحلة والصرد والهدهد. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ؛ اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ مَا يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْخَبَائثِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]؛ فَمَنْ رَأَى أَنَّهَا الْمُحَرَّمَاتُ بِنَصِّ الشَّرْعِ؛ لَمْ يُحَرِّمْ مِنْ ذَلِكَ مَا تَسْتَخْبِثُهُ النُّفُوسُ مِمَّا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ). مراد المؤلف أنه لا يمكن أن يُقال بتحريم أي واحدٍ منها إلا بنص؛ لأن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه، فهل هذه مما سكت عنه؟ وهل التحريم لكونها خبائث؟ إن قلنا: نعم؛ نُطَالبُ بدليلٍ يدل على تحريمها، وإن قلنا: إن النهي عن أكلها لكونها مستخبثة؛ فالله نهى عن كل خبيث.

стр. 5416

قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّ الْخَبَائِثَ هِيَ مَا تَسْتَخْبِثُهُ النُّفُوسُ؛ قَالَ: هِيَ مُحَرَّمَةٌ). وليس أيضًا كل ما تستخبثه، أو ما أطلق عليه أنه خبيث، فهو محرم؛ فالكراث والبصل ونحوهما مُنِعَ لوجود رائحةٍ تؤثر على المصلين كما في الحديث: "من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا - أو ليعتزل مسجدنا"؛ والمراد ما تستخبثه العرب، والعرب هم الذين يعيشون في الفدن، أي: الذين بُعِثَ فيهم رسول الله ﷺ فما كانوا يرونه خبيثًا فهو أيضًا من الخبائث، وما لا فلا؛ أما الذين يسكنون في الصحاري فربما يتساهلون في هذه الأمور، هكذا ذكر الفقهاء. قوله: (وَأَمَّا مَا حَكَاهُ أَبُو حَامِدٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي تَحْرِيمِهِ الْحَيَوَانَ الْمَنْهِيَّ عَنْ قَتْلِهِ، كَالْخُطَّافِ (١) وَالنَّحْلِ (٢)، زعم، فَإِنِّي لَسْتُ أَدْرِي أَيْنَ وَقَعَتِ الآثَارُ الْوَارِدَةُ فِي ذَلِكَ، وَلَعَلَّهَا فِي غَيْرِ الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ عِنْدَنَا). إذا أطلق (أبو حامد) فإنه يقصد به الإمام الغزالي عند الشافعية، وهو إمامٌ له كتبٌ كثيرة في الفقه والأصول وغيرها، ومع غزارة علمه هناك مأخذ يأخذها عليه العلماء في بعض كتبه المعروفة عند طلاب العلم. وهذا القول الذي نُسِبَ إلى الإمام الشافعي هو أيضًا مذهب الإمام أحمد، ولهذا نرى تقاربًا كبيرًا بين المذهبين الشافعي والحنبلي فيما يتعلق بالأطعمة، ولا نرى إلا فرقًا صغيرًا بين المذهبين. والخُطَّاف نوع من الطيور، وينص عليه أهل الاختصاص بأنه طويل

стр. 5417

الذيل، دقيقُه، ومثله أيضًا الخفاش، الذي يُعرَفُ بالوطواط، وقد ورد النهي عن قتل النحل والنمل والصردِ والهدهد، في أحاديث صحيحة، لكن بالنسبة للخطاف إنما ورد فيه حديث ضعيف (١)، وكذلك الحال بالنسبة للخفاش. وهذا أيضًا غريبٌ من المؤلف - ﵀ وعفا عنه - فإنه يستغرب ويتساءل: أين الأدلة والآثار التي وردت في النهي عن قتل النمل والنحلِ والصرد والهدهد؟ ثم رجع وعلَّق وقال: ولعلها في الكتب غير المشهورة؛ يعني: في الكتب النادرة، لكن مثلًا الصحيحان، والسنن، ومسند أحمد، والبيهقي، والدارقطني، ومصنف عبد الرزاق، ومصنف ابن أبي شيبة، وكتب الطحاوي؛ هذه كلها كتبٌ مشهورة. ولكن هذا لعدم وقوف المؤلف عليها؛ وإلا فهي في "مسند أحمد"، وعند أبى داود، وابن ماجه، والبيهقى، والدارقطني وغيرهم، وبأسانيد صحيحة (٢). وجاء في حديثٍ آخر النهي عن قتل الخطاف، وكذلك الخفاش - وفسره العلماء بالوطواط - وذُكِرَ أثرٌ عن عائشة ﵂ أنها قالت: "لمَّا خرِبَ بيت المقدس، كانت الأوزاغ تنفخ في النار، وكان الخفاش يطفئها بجناحيه" (٣)، هذا أثر موقوفٌ على عائشة، ونُقِلَ ما يشبهه عن عبد الله بن عمرو، ووقف العلماء عند ذلك؛ كالحافظ ابن حجر وغيره، وقالوا: والمعروف عن عائشة أنها لا تنقل عن أهل الكتاب من الإسرائيليات؛ ولذلك اعتبروه موقوفًا صحيحًا؛ والنهي عن قتل النمل منفردًا جاء في "صحيح مسلم" (٤).

стр. 5418

قوله: (وَأَمَّا الْحَيَوَانُ الْبَحْرِيُّ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى تَحْلِيلِ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ مُوَافِقًا بِالاسْمِ لِحَيَوَانٍ فِي الْبَرِّ مُحَرَّمٍ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِ جَمِيع حَيَوَان الْبَحْرِ؛ إِلَّا أَنَّهُ كَرِهَ خِنْزِيرَ الْمَاءِ، وَقَالَ: أَنْتُمْ تُسَمُّونَهُ خِنْزِيرًا (١)). بالنسبة للحيوان البحري هناك أدلةٌ أطلقها قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]، ولذلك فالراجح عندي هو مذهب الإمام مالك؛ لأنه يرى أن كل ما في البحر فهو حلال، وقد جاء في ذلك أثر؛ أن كل ما في البحر فقد ذكَّاه الله . ويختلف العلماء في بعض حيواناته؛ فالسمك لا يحتاج إلى ذكاة، لكن بعضها يحتاج إلى ذكاة، ونحن نرى أنه توجد حيوانات في البحر تُطابق مسمياتها مسميات حيوانات محرمة في البر؛ فهناك الخنزير البري المعروف وهو محرم، وهناك الخنزير البحري، وهناك الكلب المعروف في البر، وهناك الكلب البحري، وكذلك الإنسان المعروف، وهناك إنسان البحر؛ فهل يلحق هذا بذاك في التحريم بجامع التسمية، أو أنه لا أثر للتسمية في ذلك؟ الإمام مالك - -رحمه الله تعالى- - أطلق وقال: كل ما في البحر فإن الله أحله لنا، إلا أنه سأل عن الخنزير، ولكن سؤاله لا يدل على تحريمه؛ لأن الله يقول ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]؛ فهذا نصٌّ صريح في القرآن الكريم يدل على إباحة كل ما في البحر، إذًا هناك خلافٌ بين الفقهاء عدا الإمام مالك في بعض الحيوانات التي لها أسماء موافقة في البر.

стр. 5419

قوله: (وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمُجَاهِدٌ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ). بل جمهور العلماء يستثنون مثل هذه الأشياء، لكن ليسوا متفقين عليها، فالكلب البحري لا خلاف فيه، وهم يرون إباحته، ويختلفون في خنزير البحر. أما أبو حنيفة فإنه أشد الفقهاء في حيوانِ البحر؛ فإنه يرى أنه لا يؤكل في البحر إلا السمك، أما ما عدا السمك فلا يجوز أكله؛ والحنابلة والشافعية مذهبهم قريبٌ جدًّا من مذهب المالكية. قوله: (إِلَّا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَشْتَرِطُ فِي غَيْرِ السَّمَكِ التَّذْكيَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ). وقد سبق تفصيل ذلك. قوله: (وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: أَمَّا إِنْسَانُ الْمَاءِ، وَخِنْزِيرُ الْمَاءِ فَلَا يُؤْكلَان عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْحَالَاتِ (١)؛ وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ هَلْ يَتَنَاوَلُ لُغَةً أو شَرْعًا اسْمُ الْخِنْزِيرِ وَالْإِنْسَانِ؛ خِنْزِيرَ الْمَاءِ وَإِنْسَانَهُ؛ وَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يَتَطَرَّقَ الْكَلَامُ إلى كُلِّ حَيَوَانِ فِي الْبَحْرِ مُشَارِكٍ بِالاسْمِ فِي اللُّغَةِ أو فِي الْعُرْفِ لِحَيَوَانٍ مُحَرَّمٍ فِي الْبَرِّ؛ مِثْلَ الْكَلْبِ عِنْدَ مَنْ يَرَى تَحْرِيمَهُ). يقولون: كون هذا وافق ذلك في الاسم؛ فإنه ليس دليلًا واضحًا على تحريم ما في البحر.

стр. 5420

قوله: (وَالنَّظَرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَرْجِعُ إلى أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: هَلْ هَذِهِ الأسْمَاءُ لُغَوِيَّةٌ؟ وَالثَّانِي: هَلْ لِلاسْمِ الْمُشْتَرَكِ عُمُومٌ أَمْ لَيْسَ لَهُ؟ فَإِنَّ إِنْسَانَ الْمَاءِ وَخِنْزِيرَهُ يُقَالَان مَعَ خِنْزِيرِ الْبَرِّ وإنْسَانِهِ بِاشْتِرَاكِ الاسْمِ، فَمَنْ سَلَّمَ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ لُغَوِيَّةٌ، وَرَأَى أَنَّ لِلاسْمِ الْمُشْتَرَكِ عُمُومًا؛ لَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ بِتَحْرِيمِهَا، وَلذَلِكَ تَوَقَّفَ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ وَقَالَ: أَنْتُمْ تُسَمُّونَهُ خِنْزِيرًا). وقد فصَّلنا ذلك فيما سبق. قوله: (فَهَذِهِ حَالُ الْحَيَوَانِ الْمُحَرَّمِ الأكل فِي الشَّرْعِ، وَالْحَيَوَانِ الْمُبَاحِ الأكلِ، وَأَمَّا النَّبَاتُ الَّذِي هُوَ غِذَاءٌ فَكُلُّهُ حَلَالٌ، إِلَّا الْخَمْرَ، وَسَائِرَ الْأَنْبِذَةِ الْمُتَّخَذَةِ مِنَ الْعُصَارَاتِ الَّتِي تَتَخَمَّرُ وَمِنَ الْعَسَلِ نَفْسِهِ). ينبهنا المؤلف - -رحمه الله تعالى- - إلى أن ما مضى مما يتعلق بالأطعمة؛ فإن الحديث عنه كله منصب بالنسبة للحيوان؛ سواء كان هذا الحيوان بريًّا أو بحريًّا، طائرًا أو غير طائر، والآن يريد أن يتكلم عن النبات، والله سخر لنا الأرض وفيها كثير من النباتات. ويقصد بالخمر والأنبذة: ما ينتهي إلى الخمر والأنبذة، وفي هذا الزمن صاروا يزرعون الحشيش، وظهرت المخدرات، ويعدونها أيضًا من النباتات، فهذه مما حُرمت، أما ما عدا ذلك فهو من الطيبات التي أباحها الله لنا. نحن نحرث الأرض، ونغرس الغرس، ونضع البذر، واللّه قد أرشد الإنسان إلى هذا الطريق السوي، فهناك القمح، وهناك الشعير، وهناك الذرة، وهناك الأرز، وهذا جاء بعد عهد رسول الله ﷺ وهناك أيضًا ما يعرف بالخضراوات؛ كالفاصولياء والبامية والكوسة والدُّباء وغير ذلك من أنواع الخضراوات الكثيرة. وهناك الفواكه، وقد تعددت وتنوعت أصنافها في زماننا هذا؛ التفاح والبرتقال والكمثرى والموز والخوخ والرمان، وأنواع كثيرة جدًّا يصعب

стр. 5421

حصرها، وهذه كلها مما أباح الله وأباح لنا عصير هذه الأشياء، حتى ما تضعه في الماء من تمر أو من نبيذ، هذا كله مباح، إلا أن يصل إلى درجة الإسكار؛ فإذا بلغ ذلك الحد فهنا يأتي التحريم. وكلام المؤلف هنا عن الأنبذة؛ كأنه الآن انتهى من الأطعمة ويريد أن يدخل في الأشربة، ولا شك أن الفقهاء عندما يتكلمون عن الأشربة فكل الأشربة قد أباحها الله لنا ما لم تكن خمرًا أو فيها ضرر يلحق بالإنسان، أو بها نجاسة؛ فهذه هي التي يمنع شربها، أما ما عدا ذلك فإن للإنسان أن يشرب ما شاء منها. والخمر قد جاء تحريمها في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ وأجمع العلماء على ذلك، ولا شك أن الخمر كانت مما يتلذذ فيه العرب في جاهليتهم، وما أكثر ما تغنوا بها ورددوها في أشعارهم، ولكنّ عقلاءهم مع ذلك كانوا ينفرون منها، حتى إن أحدهم يقول: رأيتُ الخمرَ صالحةً وفيها … خصاذ تفسدُ الرَّجُلَ الحليما فلا واللّه أشربُها حياتي … ولا أدعو لها أبدًا نديما لأنَّ الخمرَ تَفضحُ شاربيها … وتجنيهم بها الأمرَ العظيما هذا هو قول المنقري؛ وهو من عقلاء العرب في الجاهلية، فإنه نظر إلى الخمر وما يترتب عليها من الأضرار، وكانت من أكثر ما يتلذذون به في جاهليتهم، وظلوا يشربونها حتى في أول الإسلام، وقد مرت الخمر بمراحل، لكن الشاعر هنا يقول: رأيت الخمر صالحة، وهي في الواقع ليست صالحة؛ لكن الذي يشرب الخمر يجد أنها ربما تعطيه نشوة، ربما تعطيه قوة ونشاطًا، وتجعله شجاعًا، هذه كلها من الخيالات، لأنه غاب فكره فأصبح لا يُفرق بين النافع والضار، وبين الصلاح والفساد، وربما وقع في بعض المنكرات التي تجره إلى الويلات. وقد شُرِع حد الخمر للمحافظة على عقول الناس، التي وهبها الله لهم ليميزوا به بين النافع والضار، بين الخير والشر، بين الفساد والصلاح؛

стр. 5422

وقد جعك الله تعالى عقوبة من يشرب الخمر في الدنيا؛ ألَّا يشربها في الآخرة، إلا أن يتوب فيتوب الله عليه. ولما كان العرب قد تعودوا على هذه الخمر، وجرت في دمائهم؛ فإن الله لم يُحرمها عليهم دفعةً واحدة؛ لأنها استقرت في نفوسهم وأصبحت جزءًا من حياتهم وأبدانهم، ولكي تُستل من سخائمهم ويُباعد بينهم وبينها؛ نجد أن الله حرم الخمر على مراحل ثلاثٍ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]، وهذا النفع أنهم كانوا يتقوون بها على الأعمال، وقد تركها بعض الصحابة ﵃ وقالوا: لا حاجة لنا بما فيه إثمٌ؛ ثم قال تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]؛ لأن الإنسان إذا سكر هذى، وإذا هذَى افترى. ثم جاءت المرحلة النهائية الحاسمة التي في سورة المائدة، التي قطعت كل شيء؛ قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠ - ٩١]. ويقول العلماء: إن التعبير هنا بالاستفهام في قول تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ أقوى وأبلغ من قوله: انتهوا، وقد قال الصحابة رضي الله تعالى عنهم: انتهينا؛ انتهينا!! فأخذوا الأسقية فألقوها في الشوارع، وهذا هو شأن الصحابة ﵃ كما قال الله تعالى في شأن المؤمنين: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]. وأما السنة فأحاديث كثيرة جاءت عن الرسول ﷺ منها ما هو في الصحيحين، ومنها ما هو في غيرهما؛ ومنها قوله - ﷺ : "كل مسكرٍ خمر، وكك خمرٍ حرام" (١)؛ و (كل): من صيغ العموم، مهما تغيرت أسماء

стр. 5423

الخمر، وقد جاء في الحديث أنها ستسمى بأسماء أخرى، لكنها مهما تعددت أسماؤها وتنوعت واختلفت صناعتها، فإن الرسول ﷺ قد بيَّن أنها حرام، وقال ﵊: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" (١)، وقال: "ما أسكر منه الفرق؛ فملء الكف منه حرام" (٢)، وجاء أيضًا أنه ﷺ لعن شارب الخمر، وساقيها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومبتاعها. وأجمع العلماء على تحريمها، وأما ما نُقِل (٣) عن قدامة بن مظعون، وعمرو بن معد يكرب، وأبي جندل، من أن هؤلاء شربوا الخمر وتأوَّلوا قول الله : ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، فإن الصحابة ﵃ أنكروا عليهم ذلك، وبيَّنوا خطأهم، وأن الخمر قد حُرِّمت فلا يجوز شربها، ولذلك لما دار نقاش بين عمر بن الخطاب ﵁ وبين قدامة بن مظعون - وقدامة هذا ممن شهد بدرًا وأُحُدًا، لكنه تأوَّل الآية، وفرقٌ بين من يتأول الأمر ويلتبس عليه، وبين من يعرف الدليل ويُحرمه، وهذا أمرٌ قد انتهى - فإنه قد ناقشه عمر وطلب من الصحابة أن يردُّوا عليه عندما ذكر الآية فسكتوا، فقال لابن عباس: أجبه؛ فقال ابن عباس: ذلك بالنسبة للماضين؛ لِمن شرب الخمر فيما مضي،

стр. 5424

فإن الله قد عفا عنه، كالحال بالنسبة للربا، فالربا حُرِّم تحريمًا قطعيًّا، لكن الله تجاوز عما سلف. قوله. (أَمَّا الْخَمْرُ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا، أَعْنِي الَّتِي هِيَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ (١)، وَأَمَّا الْأَنْبِذَةُ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْقَلِيلِ مِنْهَا الَّذِي لَا يُسْكِر، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُسْكِرَ مِنْهَا حَرَامٌ). هناك خلافٌ بين جمهور العلماء وبين الحنفية في مسائل، والخمر من أي نوع كانت فهي خمر، لا تختلف، لأن رسول الله ﷺ نهى عن كل مسكرٍ ومُفتِّر (٢)، وهو حديثٌ صحيح، فيدخل في ذلك الحشيش، والمخدرات بكل أنواعها، والحبوب التي أصبحت الآن تصنع في بعض البلاد؛ وهي مجموعة من السموم، القصد منها تدمير الإنسانية، وبالدرجة الأولى يُقصد بها إيذاء المسلمين، بل هذه الحبوب أشد ضررًا من الخمر، والحشيش لم يكن معروفًا في الأزمنة السابقة، وإنما عُرِف في أواخر القرن السابع، ونجد أن بعض العلماء تكلموا عن هذه الأشياء - كشيخ الإسلام ابن تيمية - وبيَّنوا خطورتها، وأنها أشد ضررًا من الخمر، واستدلوا على تحريمها بحديث: "نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكرٍ ومُفتِّر"، والآن تنوعت هذه الأشياء وتكاثرت وتجاوزت الحد، وقد شاهدنا ما تنتهي إليه أحوال أولئك المساكين الذين تعاطوا المخدرات، نسوا أنفسهم، نسوا أهليهم، نسوا أبناءهم، وربما باعوا أنفسهم أو أبناءهم أو أعراضهم لأجل

стр. 5425

الحصول على دريهمات ليصلوا بها إلى هذه المخدرات!! هذا كله من إغواء الشيطان. واللّه تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]. قوله: (فَقَالَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ وَجُمْهُورُ الْمُحَدِّثِينَ: قَلِيلُ الْأَنْبِذَةِ وَكثِيرُهَا الْمُسْكِرَةُ حَرَامٌ). كل ما أسكر من أي نوعٍ كان؛ سواء كان من عصير العنب أو التمر أو الشعير، أو كان من زبيب أو غير ذلك مما يُصنع؛ فكل ما غطَّى العقل - أي: خمر - فهو حرام، وقد سميت الخمر خمرًا لأنها تُخامر العقل - أي: تغطيه - فهي حرام، وإن سميت بغير اسمها؛ قال ﵊: "كل مسكرٍ خمر" (١). قوله: (وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ؛ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ مِنَ التَّابِعِينَ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَشَرِيكٌ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَسَائِرُ فُقَهَاءِ الْكُوفِيِّينَ، وَأكْثَرُ عُلَمَاءِ الْبَصْرِيِّينِ: إِنَّ الْمُحَرَّمَ مِنْ سَائِرِ الْأنْبِذَةِ الْمُسْكِرَةِ هُوَ السُّكْرُ نَفْسُهُ لَا الْعَيْنُ (٢)؛ وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ تَعَارُضُ الآثَارِ وَالأقْيِسَةِ فِي هَذَا الْبَابِ). قال تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧].

стр. 5426

هذا هو الذي يشير إليه المؤلف، ولا دليل فيه على استثناء نوعٍ من الأنبذة. وعندما يقول المؤلف: العراقيون؛ يقصد علماء العراق في ذلك الوقت؛ أما الأئمة مالكٌ والشافعي وأحمد - بل جماهير العلماء عامة - فهم لا يُفرِّقون بين نبيذٍ وبين غيره، كل ما أسكر كثيره فقليله حرام. قوله: (فَلِلْحِجَازِيِّينَ فِي تَثْبِيتِ مَذْهَبِهِمْ طَرِيقَتَانِ: الطَّرِيقَةُ الأولَى: الْآثَارُ الْوَارِدَةُ فِي ذَلِكَ، وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: تَسْمِيَةُ الْأَنْبِذَةِ بِأَجْمَعِهَا خَمْرًا). يتتبعون الآثار، ويحتجون أيضًا بتسمية جميع الأنبذة باسم الخمر. قوله: (فَمِنْ أَشْهَرِ الْآثَارِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِهَا أَهْلُ الْحِجَازِ: مَا رَوَاهُ مَالِكٌ (١) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبِتْعِ (٢)، وَعَنْ نَبِيذِ الْعَسَلِ، فَقَالَ: "كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ" خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ (٣)، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: "هَذَا أَصَحُّ حَدِيثٍ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ فِي تَحْرِيمِ الْمُسْكِرِ" (٤)). مهما اختلفت مسميات الخمور فهي حرام؛ لأن العلة أنها تُسكر.

стр. 5427

قوله: (وَمِنْهَا أَيْضًا مَا خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ: "كلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ" (١)). فأي نوع من أنواع المسكوات يسمى خمرًا، وكل خمرٍ حرام؛ إذًا هذا دليل قاطع لا توقُّف فيه. قوله: (فَهَذَانَ حَدِيثَان صَحِيحَان، أَمَّا الْأَوَّلُ فَاتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَانْفَرَدَ بِتَصْحِيحِهِ مُسْلِمٌ). ومثله حديث أبي موسى الأشعري، عندما جاء إلى رسول الله ﷺ فقال له: "يا رسول الله" أفتِنا في شرابين نصنعهما باليمن: البتع، والمذر"؛ والبتع هو نبيذ العسل، يُنبَذ حتى يشتد، والمذر هو نبيذ الذرة والشعير؛ فقال رسول الله ﷺ : "كل مسكرٍ حرام" (٢). قوله: (وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ") (٣). وهذا أيضًا يردُّ رأي الذين يقولون بأننا نقف عند المسكر، ما أسكر كثيره فقليله حرام. قوله: (وَهُوَ نَصٌّ فِي مَوْضعِ الْخِلَافِ، وَأَمَّا الاسْتِدْلَالُ الثَّانِي مِنْ أَنَّ الْأَنْبِذَةَ كُلَّهَا تُسَمَّى خَمْرًا؛ فَلَهُمْ فِي ذَلِكَ طَرِيقَتَان؛ إِحْدَاهُمَا: مِنْ جِهَةِ إِثْبَاتِ الْأَسْمَاءِ بِطَرِيقِ الاشْتِقَاقِ، وَالثَّانِيةُ: مِنْ جِهَةِ السَّمَاعِ). فقوله: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" يرفع الإشكال، لأنه تبيَّن بالأدلة

стр. 5428

الشرعية الصحيحة أن كل مسكر حرام، لا فرق بين قليله الذي لا يُسكر وبين كثيره، ما دام أن الإنسان لو زاد فيه أسكره؛ فإن القليل منه حرامٌ أيضًا. قوله: (فَأَمَّا الَّتِي مِنْ جِهَةِ الاشْتِقَاقِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الْخَمْرَ إِنَّمَا سُمِّيَتْ خَمْرًا لِمُخَامَرَتِهَا الْعَقْلَ). يقول أهل اللغة (١): اشتق اسم الخمر من مخامرة العقل - أي: تَغْطِيَتِه - فكل ما غطى العقل يسمى خمرًا. قوله: (فَوَجَبَ لِذَلِكَ أَنْ يَنْطَلِقَ اسْمُ الْخَمْرِ لُغَةً عَلَى كُلِّ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ؛ وَهَذ الطَّرِيقَةُ مِنْ إِثْبَاتِ الْأَسْمَاءِ فِيهَا اخْتِلَافٌ بَيْنَ الأصُولِيِّينَ، وَهِيَ غَيْرُ مَرْضِيَّةٍ عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ). يريد المؤلف أن إثبات الاسم بالاشتقاق عن طريق الإلحاق؛ ليس محل اتفاق عند الأصوليين، لكن الواقع أن اللغة تُقرر ذلك. قوله: (وَأَمَّا الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي مِنْ جِهَةِ السَّمَاعِ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُسَلَّمْ لنَا أَنَّ الْأَنْبِذَةَ تُسَمَّى فِي اللُّغَةِ خَمْرًا؛ فَإِنَّهَا تُسَمَّى خَمْرًا شَرْعًا؛ وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ). مراده أنه على تقدير أن الأنبذة لا تُسمى خمرًا في اللغة؛ فإن الأدلة الشرعية قد أثبتت هذا الحكم وأقرَّته، فينبغي أن نقف عند الشريعة، حتى وإن حصل خلاف بين اللغة وبين الشرع؛ فإننا نقف عند أدلة الشريعة؛ فهي صحيحة وصريحة في هذا المقام.

стр. 5429

قوله: (وَبِمَا رُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَةِ، وَالْعِنبةِ" (١). يعني: من التمر، والعنب. قوله: (وَمَا رُوِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ مِنَ الْعِنَبِ خَمْرًا، وَإِنَّ مِنَ الْعَسَلِ خَمْرًا، وَمِنَ الزَّبِيبِ خَمْرًا، وَمِنَ الْحِنْطَةِ خَمْرًا؛ وَأَنَا أَنْهَاكُمْ عن كُلِّ مُسْكِرٍ" (٢)). هذا اللفظ ليس لعبد اللّه بن عمر ﵄ وهذا الحديث أخرجه الخمسة إلا النسائي، لكن الذي جاء عن طريق عبد اللّه بن عمر هو أن عمر ﵁ صعد منبر رسول الله ﷺ خطيبًا فقال: "يا أيها الناس؛ إنه قد نزل تحريم الخمر، وهي من خمس؛ ثم عدَّها عمر ﵁ فقال: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير؛ ثم قال: والخمر ما خامر العقل" (٣). هذا حديثٌ متفقٌ عليه. قوله: (فَهَذِهِ هِيَ عُمْدَةُ الْحِجَازِيِّينَ فِي تَحْرِيمِ الأنْبِذَةِ). يحتجون بهذه الآثار. قوله: (وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ فَإِنَّهُمْ تَمَسَّكُوا لِمَذْهَبِهِمْ بِظَاهِرِ قَوله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧]، وَبِآثَارٍ رَوَوْهَا فِي هَذَا الْبَابِ، وَبِالْقِيَاسِ الْمَعْنَوِيِّ). مرَّ ذكر علماء الكوفة سابقًا؛ ومنهم: إبراهيم النخعي، وأبو حنيفة؛ وهذه الآية التي ذكرها المؤلف، وذكر أنهم استدلوا بها؛ إنما ذكر الله فيها ذلك في سياق الامتنان.

стр. 5430

وهم قالوا: السَّكَرُ هو المسكر، فجمع بين السّكَر وبين الرزق الحسن؛ ولكن العلماء أجابوا بعدة أجوبة، والمؤلف لم يعرض لهذا؛ لأن هذا كان في أول الأمر؛ والتفسير الآخر لابن عباس، لهذه الآية هو: من ثمراتهما تتخذون منه ما حُرِّم، ومن ثمراتهما تتخذون ما أُحلَّ - وهو الرزق الحسن. قوله: (وأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِالْآيَةِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: السَّكَرُ هُوَ الْمُسْكِر، وَلَوْ كَانَ مُحَرَّمَ الْعَيْنِ لَمَا سَمَّاهُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا). يقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾ [النحل: ٦٦]؛ هذا اللبن الصافي النقي يخرج من بين الفرث والدم، فنجد أن الدم يتجه إلى العروق، وأن الفرث يتجه إلى المخرج، وأن البول يتجه إلى المثانة، ثم يخرج من بين ذلك كله هذا اللبن الصافي الأبيض النقي؛ ثم قال - تعالى - بعد ذلك: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ [النحل: ٦٧]؛ والذين يعقلون هم أصحاب العقول، فهل الذي يسكر يعقل مثل هذه الأمور؟!! - فكان ختام الآية ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ مناسبًا للحديث عن السّكَرِ. قوله: (وَأَمَّا الْآثَارُ الَّتِي اعْتَمَدُوهَا فِي هَذَا الْبَابِ؛ فَمِنْ أَشْهَرِهَا عِنْدَهُمْ حَدِيثُ أَبِي عَوْنٍ الثَّقَفِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْخَمْرُ لِعَيْنِهَا، وَالسُّكْر مِنْ غَيْرِهَا" (١)، وَقَالُوا: هَذَا نَصٌّ لَا يَحْتَمِلُ التَّأوِيلَ). أرادوا هنا أن يبيِّنوا أن هذا الحديث نص على أن تحريم الخمر لعينها، إذَن ينبغي أن يُقتصر على ما سُمي خمرًا، لا ما كان مسكرًا، وقد فُهِم بذلك أنهم يريدون أن يُفرِّقوا بين الخمر وبين غيرها من المسكرات
следующие страницы →