هذا هو الذي يشير إليه المؤلف، ولا دليل فيه على استثناء نوعٍ من الأنبذة.
وعندما يقول المؤلف: العراقيون؛ يقصد علماء العراق في ذلك الوقت؛ أما الأئمة مالكٌ والشافعي وأحمد - بل جماهير العلماء عامة - فهم لا يُفرِّقون بين نبيذٍ وبين غيره، كل ما أسكر كثيره فقليله حرام.
قوله: (فَلِلْحِجَازِيِّينَ فِي تَثْبِيتِ مَذْهَبِهِمْ طَرِيقَتَانِ: الطَّرِيقَةُ الأولَى: الْآثَارُ الْوَارِدَةُ فِي ذَلِكَ، وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: تَسْمِيَةُ الْأَنْبِذَةِ بِأَجْمَعِهَا خَمْرًا).
يتتبعون الآثار، ويحتجون أيضًا بتسمية جميع الأنبذة باسم الخمر.
قوله: (فَمِنْ أَشْهَرِ الْآثَارِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِهَا أَهْلُ الْحِجَازِ: مَا رَوَاهُ مَالِكٌ (١) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبِتْعِ (٢)، وَعَنْ نَبِيذِ الْعَسَلِ، فَقَالَ: "كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ" خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ (٣)، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: "هَذَا أَصَحُّ حَدِيثٍ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ فِي تَحْرِيمِ الْمُسْكِرِ" (٤)).
مهما اختلفت مسميات الخمور فهي حرام؛ لأن العلة أنها تُسكر.
стр. 5427
قوله: (وَمِنْهَا أَيْضًا مَا خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ: "كلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ" (١)).
فأي نوع من أنواع المسكوات يسمى خمرًا، وكل خمرٍ حرام؛ إذًا هذا دليل قاطع لا توقُّف فيه.
قوله: (فَهَذَانَ حَدِيثَان صَحِيحَان، أَمَّا الْأَوَّلُ فَاتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَانْفَرَدَ بِتَصْحِيحِهِ مُسْلِمٌ).
ومثله حديث أبي موسى الأشعري، عندما جاء إلى رسول الله ﷺ فقال له: "يا رسول الله" أفتِنا في شرابين نصنعهما باليمن: البتع، والمذر"؛ والبتع هو نبيذ العسل، يُنبَذ حتى يشتد، والمذر هو نبيذ الذرة والشعير؛ فقال رسول الله ﷺ : "كل مسكرٍ حرام" (٢).
قوله: (وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ") (٣).
وهذا أيضًا يردُّ رأي الذين يقولون بأننا نقف عند المسكر، ما أسكر كثيره فقليله حرام.
قوله: (وَهُوَ نَصٌّ فِي مَوْضعِ الْخِلَافِ، وَأَمَّا الاسْتِدْلَالُ الثَّانِي مِنْ أَنَّ الْأَنْبِذَةَ كُلَّهَا تُسَمَّى خَمْرًا؛ فَلَهُمْ فِي ذَلِكَ طَرِيقَتَان؛ إِحْدَاهُمَا: مِنْ جِهَةِ إِثْبَاتِ الْأَسْمَاءِ بِطَرِيقِ الاشْتِقَاقِ، وَالثَّانِيةُ: مِنْ جِهَةِ السَّمَاعِ).
فقوله: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" يرفع الإشكال، لأنه تبيَّن بالأدلة
стр. 5428
الشرعية الصحيحة أن كل مسكر حرام، لا فرق بين قليله الذي لا يُسكر وبين كثيره، ما دام أن الإنسان لو زاد فيه أسكره؛ فإن القليل منه حرامٌ أيضًا.
قوله: (فَأَمَّا الَّتِي مِنْ جِهَةِ الاشْتِقَاقِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الْخَمْرَ إِنَّمَا سُمِّيَتْ خَمْرًا لِمُخَامَرَتِهَا الْعَقْلَ).
يقول أهل اللغة (١): اشتق اسم الخمر من مخامرة العقل - أي: تَغْطِيَتِه - فكل ما غطى العقل يسمى خمرًا.
قوله: (فَوَجَبَ لِذَلِكَ أَنْ يَنْطَلِقَ اسْمُ الْخَمْرِ لُغَةً عَلَى كُلِّ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ؛ وَهَذ الطَّرِيقَةُ مِنْ إِثْبَاتِ الْأَسْمَاءِ فِيهَا اخْتِلَافٌ بَيْنَ الأصُولِيِّينَ، وَهِيَ غَيْرُ مَرْضِيَّةٍ عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ).
يريد المؤلف أن إثبات الاسم بالاشتقاق عن طريق الإلحاق؛ ليس محل اتفاق عند الأصوليين، لكن الواقع أن اللغة تُقرر ذلك.
قوله: (وَأَمَّا الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي مِنْ جِهَةِ السَّمَاعِ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُسَلَّمْ لنَا أَنَّ الْأَنْبِذَةَ تُسَمَّى فِي اللُّغَةِ خَمْرًا؛ فَإِنَّهَا تُسَمَّى خَمْرًا شَرْعًا؛ وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ).
مراده أنه على تقدير أن الأنبذة لا تُسمى خمرًا في اللغة؛ فإن الأدلة الشرعية قد أثبتت هذا الحكم وأقرَّته، فينبغي أن نقف عند الشريعة، حتى وإن حصل خلاف بين اللغة وبين الشرع؛ فإننا نقف عند أدلة الشريعة؛ فهي صحيحة وصريحة في هذا المقام.
стр. 5429
قوله: (وَبِمَا رُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَةِ، وَالْعِنبةِ" (١).
يعني: من التمر، والعنب.
قوله: (وَمَا رُوِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ مِنَ الْعِنَبِ خَمْرًا، وَإِنَّ مِنَ الْعَسَلِ خَمْرًا، وَمِنَ الزَّبِيبِ خَمْرًا، وَمِنَ الْحِنْطَةِ خَمْرًا؛ وَأَنَا أَنْهَاكُمْ عن كُلِّ مُسْكِرٍ" (٢)).
هذا اللفظ ليس لعبد اللّه بن عمر ﵄ وهذا الحديث أخرجه الخمسة إلا النسائي، لكن الذي جاء عن طريق عبد اللّه بن عمر هو أن عمر ﵁ صعد منبر رسول الله ﷺ خطيبًا فقال: "يا أيها الناس؛ إنه قد نزل تحريم الخمر، وهي من خمس؛ ثم عدَّها عمر ﵁ فقال: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير؛ ثم قال: والخمر ما خامر العقل" (٣). هذا حديثٌ متفقٌ عليه.
قوله: (فَهَذِهِ هِيَ عُمْدَةُ الْحِجَازِيِّينَ فِي تَحْرِيمِ الأنْبِذَةِ).
يحتجون بهذه الآثار.
قوله: (وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ فَإِنَّهُمْ تَمَسَّكُوا لِمَذْهَبِهِمْ بِظَاهِرِ قَوله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧]، وَبِآثَارٍ رَوَوْهَا فِي هَذَا الْبَابِ، وَبِالْقِيَاسِ الْمَعْنَوِيِّ).
مرَّ ذكر علماء الكوفة سابقًا؛ ومنهم: إبراهيم النخعي، وأبو حنيفة؛ وهذه الآية التي ذكرها المؤلف، وذكر أنهم استدلوا بها؛ إنما ذكر الله فيها ذلك في سياق الامتنان.
стр. 5430
وهم قالوا: السَّكَرُ هو المسكر، فجمع بين السّكَر وبين الرزق الحسن؛ ولكن العلماء أجابوا بعدة أجوبة، والمؤلف لم يعرض لهذا؛ لأن هذا كان في أول الأمر؛ والتفسير الآخر لابن عباس، لهذه الآية هو: من ثمراتهما تتخذون منه ما حُرِّم، ومن ثمراتهما تتخذون ما أُحلَّ - وهو الرزق الحسن.
قوله: (وأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِالْآيَةِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: السَّكَرُ هُوَ الْمُسْكِر، وَلَوْ كَانَ مُحَرَّمَ الْعَيْنِ لَمَا سَمَّاهُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا).
يقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾ [النحل: ٦٦]؛ هذا اللبن الصافي النقي يخرج من بين الفرث والدم، فنجد أن الدم يتجه إلى العروق، وأن الفرث يتجه إلى المخرج، وأن البول يتجه إلى المثانة، ثم يخرج من بين ذلك كله هذا اللبن الصافي الأبيض النقي؛ ثم قال - تعالى - بعد ذلك: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ [النحل: ٦٧]؛ والذين يعقلون هم أصحاب العقول، فهل الذي يسكر يعقل مثل هذه الأمور؟!! - فكان ختام الآية ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ مناسبًا للحديث عن السّكَرِ.
قوله: (وَأَمَّا الْآثَارُ الَّتِي اعْتَمَدُوهَا فِي هَذَا الْبَابِ؛ فَمِنْ أَشْهَرِهَا عِنْدَهُمْ حَدِيثُ أَبِي عَوْنٍ الثَّقَفِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْخَمْرُ لِعَيْنِهَا، وَالسُّكْر مِنْ غَيْرِهَا" (١)، وَقَالُوا: هَذَا نَصٌّ لَا يَحْتَمِلُ التَّأوِيلَ).
أرادوا هنا أن يبيِّنوا أن هذا الحديث نص على أن تحريم الخمر لعينها، إذَن ينبغي أن يُقتصر على ما سُمي خمرًا، لا ما كان مسكرًا، وقد فُهِم بذلك أنهم يريدون أن يُفرِّقوا بين الخمر وبين غيرها من المسكرات
стр. 5431
وإن كان الكل مسكرًا، وإذا كانت الخمر حُرِّمت لعينها، وغيرها حُرِّم لكونه مسكرًا، فغير المسكر منه لا يكون حرامًا - وهو النبيذ - هذا هو الذي يريدون أن يصلوا إليه.
لكن هذا الحديث حديثٌ ضعيف، كما أنه موقوفٌ على عبد اللّه بن عباس، فهو غير صالح للاحتجاج به، ولا يَقوَى على مقاومة الأدلة الصحيحة الصريحة في هذا المقام.
قولهء: (وَضَعَّفَهُ أَهْلُ الْحِجَازِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ رُوَاتِهِ رَوَى "وَالْمُسْكِرُ مِنْ غَيْرِهَا") (١).
يعني بدل "السُّكر"، فكونه تعددت الروايات فيه، دليل على ضعفه.
قوله: (وَمِنْهَا حَدِيثُ شَرِيكٍ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الشَّرَابِ فِي الْأوْعِيَةِ، فَاشْرَبُوا فِيمَا بَدَا لَكُمْ وَلَا تَسْكَرُوا" خَرَّجَهَا الطَّحَاوِيُّ (٢)).
لكن الذي جاء في "صحيح مسلم" وغيره؛ أن الرسول ﷺ قال: "اشربوا في كل وعاءٍ، ولا تشربوا مسكرًا"، وتعددت الألفاظ في ذلك، وهي أقوى من هذه الرواية التي استدلوا بها.
وفي بعض الروايات، أن "الوعاء لا يحل حرامًا، ولا يحلل حلالًا" (٣)، وكان الرسول ﷺ نهى في أول الأمر عن أن يُشرب في بعض الأوعية التي سُمِّيت في الحديث، ثم جاء بعد ذلك ما يدل على جواز
стр. 5432
الشرب فيها، كما نهى أيضًا ﷺ عن ادخار لحوم الأضاحي (١)، ثم رخَّص فيها فقال: "كلوا وتصدقوا وادخروا" (٢) والعلة معروفة؛ أن الرسول ﷺ نهى عن ذلك لأجل الدافة؛ أي: الذين دفّوا المدينة؛ أي: قدموا عليها وهم في حاجة إلى هذه اللحوم، فإن الرسول ﷺ أراد أن يعطي الناس لأولئك الفقراء الذين دخلوا المدينة؛ ليأكلوا من هذه اللحوم، فلو أن كل إنسان ادخر ما عنده؛ لما بقي شيء لهؤلاء الفقراء؛ وأيضًا جاء أن الرسول ﷺ قال: "كنتُ قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها؛ فإنها تذكركم الآخرة" (٣).
إذن هناك أمور نهى عنها الرسول ﷺ ثم رخَّص فيها، وقد ذكر العلماء العلة في ذلك؛ فمثلًا بالنسبة إلى الأوعية غير الأدمة - أي: الجلد - قالوا: لأن الناس كانوا قريبي عهدٍ بتحريم الخمر، ولذلك نُهوا عنها حتى لا تكون داعية لذلك؛ لأن هذه الأواني ربما تساعد على سرعة التخمُّر.
قوله: (وَرَوَوْا عَنِ ابْنِ مَسْعُود أَنَّهُ قَالَ: "شَهِدْتُ تَحْرِيمَ النَّبِيذِ كَمَا شَهِدْتُمْ، ثُمَّ شَهِدْتُ تَحْلِيلَه، فَحَفِظْتُ وَنَسِيتُمْ").
هذ الذي نسبه المؤلف لابن مسعود لم يُعرَف عنه؛ وإنما عُرِف عن صحابي آخر هو عبد اللّه بن مُغفَّل، حيث قال: شهدت رسول الله ﷺ حين نهى عن نبيذ الجرّ، وشهدت رسول الله ﷺ حين رخَّص في ذلك (٤).
قوله: (وَرَوَوْا عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَا
стр. 5433
وَمُعَاذًا إلى الْيَمَنِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ إِنَّ بِهَا شَرَابَيْنِ يُصْنَعَانِ مِنَ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ؛ أَحَدُهُمَا يُقَالُ لَهُ: الْمِزْرُ؛ وَالآخَرُ يُقَالُ لَهُ: الْبِتْعُ؛ فَمَا نَشْرَبُ؟ فَقَالَ ﷺ : "اشْرَبَا، وَلَا تَسْكَرَا" خَرَّجَهُ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا (١)؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآثَارِ الَّتِي ذَكَرُوهَا فِي هَذَا الْبَابِ).
هذا الذي ذكره المؤلف عند الطحاوي، وكان الأولى أن يذكر الحديث المتفق عليه الذي أشرنا إليه فيما سبق؛ وهو أن أبا موسى الأشعري ﵁ جاء إلى رسول الله ﷺ مستفتيًا، فقال: يا رسول الله؛ أفتنا في شرابين نصنعهما في اليمن؛ أحدهما البِتع - وهو نبيذ العسل؛ ينبذ حتى يشتد - والمزر - وهو نبيذ الذرة والشعير؛ ينبذ حتى يشتد - ثم قال: وكان رسول الله ﷺ ينظر حتى يفهم الصحابة ﵃.
وهؤلاء الآخرون علماء مجتهدون، فالإنسان قد يجتهد في أمر من الأمور، لكن أن يعرف الإنسان الحق؛ أن هذا حرام ويستحلّه، أو أنه يتمسك ببعض العلل، أو ببعض الرخص التي ربما قال بها بعض العلماء وهي غير صحيحة؛ فهذا هو الذي يحمل الإثم.
قوله: (وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: قَدْ نَصَّ الْقُرْآنُ أَنَّ عِلَّةَ التَّحْرِيمِ فِي الْخَمْرِ إِنَّمَا هِيَ الصَّدُّ عَنْ ذِكرِ اللَّهِ، وَوُقُوعُ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ؛ كمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٩١].
يستندون إلى الآية، ولا شك أن الله ذكر عدة أمور حاسمة لبيان تحريم الخمر، وهي علل قوية وواضحة؛ ولذلك قال الصحابة ﵃ عندما خُتِمت الآية بقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] قالوا: انتهينا؛
стр. 5434
انتهينا!! فأراقوها في الشوارع، وكانت توجد خمرٌ لأيتام، فأراقوها أيضًا، وسألوا رسول الله ﷺ عن تحليلها، فنهاهم عن ذلك وقال: "أهريقوها، أهريقوها"، فكانت الأسقية تسيل في الشوارع، فاللّه تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠]، فاجتناب الخمر هو سببٌ للفلاح، وعدم اجتنابها هو سببٌ لما هو ضد الفلاح، لأنهم إذا سكروا، فقدوا عقولهم، فارتكبوا ما لا يجوز، فتقع العداوة بينهم، وهذا هو ما يُسعد الشيطان ويسره، فربما طلق الزوج زوجته، وربما اعتدى القريب على قريبته، والمؤمنون مطالبون ألا تنتشر بينهم العداوة، ومطلوب منهنم أن يتعاونوا على البرِّ والتقوى، فنحن مطالبون دائمًا بأن نخالف الشيطان، وأن ندحره في كل أمر، حتى إن الله تعالى يقول: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٠].
إذن فعلى المؤمن دائمًا أن يتجنب كل طريق يجد فيه ما يرضي الشيطان، ويسلك كل طريقٍ يجد فيه مرضاة الرحمن فالشيطان يَصُدّ عَن ذِكْرِ اللَّهِ؛ واللّه تعالى قال: ﴿آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]؛ فإذا سكر الإنسان أصبح لا يعقل، والمسلم مطالب بأن يكون مدركًا لبيبًا عاقلًا لأمور الصلاة، حتى إن الثواب في الصلاة يزداد وينقص بحسب ما فيها من الخشوع.
ثم ختم الله - تعالى - الآية بقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] فكان هؤلاء الذين فهموا الآية على وجهها الصحيح، قالوا: انتهينا؛ انتهينا!!
ورسول الله ﷺ كما بيَّن لنا أن ما أسكر كثيره فقليله حرام، وأنه لا فرق بين القليل والكثير؛ فالله أمرنا بأن نطيع رسول ﷺ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وهو الذي قد بيَّن لنا ما
стр. 5435
في كتاب الله مع أننا نجد أن الآية واضحة وليس فيها دلالة لأولئك الذين يستدلون بها.
ذكر الله العلل والأسباب التي من أجلها حرَّم الخمر، وأن من هذه العلل ما فيها من إقامة العداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهذه كلها من الأمور التي يسعى الشيطان إلى أن يُوقع فيها المسلم؛ لأن الشيطان لا يُعنى بأوليائه الذين أطاعوه؛ إنما هو يهتم بأولئك الذين سلكوا طريق السعادة والخير، فهو يحاول أن يضلَّهم، ولذلك يسعى دائمًا إلى أن يوسوس للإنسان في صلاته، وقد أرشدنا رسول الله ﷺ إلى الطريق السوي في ذلك؛ أنه إذا شك أحدنا في صلاته فلم يدرِ أصلَّى ثلاثًا أم أربعًا؛ فليطرح الشك وليبنِ على ما استيقن، فإنه إن صلَّاها خمسًا؛ كان ذلك ترغيمًا للشيطان، وإن كان أربعًا؛ شفعن له في صلاته، فالرسول ﷺ أغلق كل منفذ وكل طريقٍ يحاول الشيطان أن ينفذ منه إلى المؤمنين الذين استجابوا لأمر ربهم، ونزلوا عند أحكام رسوله ﷺ .
قوله: (وَهَذهِ الْعِلَّةُ تُوجَدُ فِي الْقَدْرِ الْمُسْكِرِ لَا فِيمَا دُونَ ذَلِكَ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقَدْرُ هُوَ الْحَرَامَ).
لكن هذا القليل وسيلةٌ إلى السُّكر، والوسيلة التي توصلك إلى المحرم محرمة، ولذلك فإن العلماء عندما تكلَّموا على الذي يسافر سفر معصية؛ فأكثرهم يقولون: ليس له أن يقصر الصلاة، ولو اضطُر إلى أكل الميتة ليس له أن يأكل منها؛ قالوا: لأن هذه رخصة، ولا يرخَّص للعصاة؛ لأن الرخصة تعينهم على فعل المعاصي؛ وقالوا: يتوب إلى الله، وإذا كان في هذا الموقف الذي يرى فيه الموت رأيَ العين، ولا يرجع إلى الله فهذا لا خير فيه، فليتب إلى الله توبة نصوحًا؛ حينئذٍ تتغير حاله، فيُباح له الأكل من هذه الميتة التي اضطر إلى الأكل منها.
قوله؛ (إِلَّا مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ مِنْ تَحْرِيمِ قَلِيلِ الْخَمْرِ
стр. 5436
وَكثِيرِهَا؛ قَالُوا: وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْقِيَاسِ يُلْحَقُ بِالنَّصِّ، وَهُوَ الْقِيَاسُ الَّذِي يُنبِّهُ الشَّرْعُ عَلَى الْعِلَّةِ فِيهِ).
المؤلف وإن عرض لأقوالٍ، فهو يردُّها شيئًا فشيئًا.
قوله: (وَقَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ: حُجَّةُ الْحِجَازِيِّينَ مِنْ طَرِيقِ السَّمْعِ أَقْوَى، وَحُجَّةُ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ أَظْهَرُ).
حجة أولئك الذين سمَّاهم بالحجازيين - وهم جماهير العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة - لا شك أنها أقوى من حيث الأدلة الشرعية، وأيضًا من حيث النظر؛ لأن الخمر في لغة العرب: ما خامر العقل؛ أي: غطَّته.
قوله: (وَإِذَا كَانَ هَذَا كَمَا قَالُوا؛ فَيَرْجِعُ الْخِلَافُ إلى اخْتِلَافِهِمْ فِي تَغْلِيبِ الْأَثَرِ عَلَى الْقِيَاسِ، أو تَغْلِيبِ الْقِيَاسِ عَلَى الْأَثَرِ إِذَا تَعَارَضَا).
لا يمكن أن يُوازَن بين حديث صحيح وبين قياس، والعلماء والمحققون الذين وهبهم الله بسطةً في العلم، ووهبهم ذكاءً وفطنةً وغرسًا في المعاني، دقَّقوا في هذه المسألة ودرسوها بكل عناية، وانتهوا فيها إلى أنه لا يوجد قياس صحيح يتعارض مع نصٍّ صحيح، فلا يمكن أن تجد قياسًا سليمًا يعارض نصًّا صحيحًا، فلا تعارُضَ بين هذا وذاك.
قوله: (وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، لَكِنَّ الْحَقَّ أَنَّ الْأَثَرَ إِذَا كَانَ نَصًّا ثَابِتًا؛ فَالْوَاجِبُ أَنْ يُغَلَّبَ عَلَى الْقِيَاسِ).
يريد المؤلف - رحمه الله تعالى - أن يقول: لو سلَّمنا جدلًا أنه يوجد عندنا حديثٌ صحيح وقياس، على فرض أن هذا قياسٌ صحيحٌ أيضًا، وهو قياس العلة المعروف المسَلَّم به، وليس قياس الشبه الضعيف؛ لو سلَّمنا ذلك كله فلا يمكن أن نُقدِّم القياس على حديثٍ من الأحاديث، ولذلك
стр. 5437
نرى أن الحنفية الذين توسعوا في القياس، لا يقدمونه على الحديث، وما نُسِبَ إلى أبي حنيفة فهو غير صحيح؛ لأنه لما سئِلَ؛ قال: إذا جاء الأمر عن الله فعلى العين والرأس، وإذا جاء عن رسول الله فعلى العين والرأس، وإذا اتفق الصحابة على أمر؛ أخذناه، وإذا اختلفوا؛ اخترنا من أقوالهم. إذن هو لا يُقَدَّم قياسًا مهما كان على حديثٍ صح عن رسول الله ﷺ لأن هذا الحديث جاء عن الذي لا ينطق عن الهوى.
والقياس إنما يُبنى على وجوه العلة، وهو دائمًا يعتمد على العقل السليم، الذي سماه المؤلف الذوق السليم، وقد جاء عن علي - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: "لو كان الدين بالرأي؛ لكان أسفل الخفّ أولى بالمسح من أعلاه" (١)، لكن الدين ليس بالرأي؛ وإنما يُتلقى عن كتاب الله وعن نبيه ﷺ وما تُلُقِّيَ عن الرسول ﷺ دُوِّنَ في هذه السنة المطهرة التي نُقِلَت إلينا بحمد الله بعد أن مُحِّصت وجُرِّدَت من كل حديثٍ موضوع وضعيف، وبُيِّن صحيحها من زيفها.
ولذلك فإن أبا بكر ﵁ عندما جاءته الجدة تسأل عن ميراثها؛ نظر في كتاب الله، فقال: لا أجد لك شيئًا، وفي سنة رسول الله قال: لا أجد شيئًا، وما انتقل إلى القياس؛ وإنما أخذ يسأل الصحابة ﵃ حتى جاءه المغيرة فأخبره أن الرسول ﷺ أعطى الجدة السدس، فورَّثها (٢)، وهكذا غيره من الصحابة ﵃ فقد يحفظ هذا ما لا يحفظ هذا.
قوله: (وَأَمَّا إِذَا كانَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ مُحْتَمِلًا لِلتَّأوِيلِ، فَهُنَا يَتَرَدَّدُ النَّظَرُ، هَلْ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يُتَأَوَّلَ اللَّفْظ، أو يُغَلَّبَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ عَلَى مُقْتَضَى الْقِيَاسِ؟).
يقصد المؤلف إذا لم تكن دلالة النص قطعية؛ فيُنظر فيها.
стр. 5438
قوله: (وَذَلِكَ مُخْتَلِفٌ بِحَسَبِ قُوَّةِ لَفْظٍ مِنَ الْأَلْفَاظِ الظَّاهِرَةِ، وَقُوَّةِ قِيَاسٍ مِنَ الْقِيَاسَاتِ الَّتِي تُقَابِلُهَا، وَلَا يُدْرَكُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالذَّوْقِ الْعَقْلِيِّ، كَمَا يُدْرَكُ الْمَوْزُونُ مِنَ الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ الْمَوْزُون).
الفقه في اللغة هو الفهم، وقد بيَّن ابن القيم ﵀ أنه فهمٌ زائد، فكل الناس يفهمون مثلًا أن الواحد نصف الاثنين، وأن الاثنين نصف الأربعة، لكنْ هناك فهمٌ زائدٌ، وقد جاء في الحديث: "مَنْ يُرِدِ الله بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ" (١) هذا حديثٌ متفق عليه، وأورده البخاري في عدة مواضع، ويقال: فَقُهَ وفَقِهَ وفَقَهَ؛ ولكل واحدٍ منها معنى من المعاني فسَّره العلماء.
فالفقيه هو الذي يغوص في المعاني، ويقف عند لُبِّها وجوهرها، ويستطيع أن يوازن بين الأدلة، فيبين دلالة هذا ودلالة ذاك، وهو الذي يستطيع أن يستخرج علة الحكم، وأن يخرج الحكم من الدليل، وأن يُلحق به غيره، وليس هذا لكل إنسان، ولذلك الاجتهاد معروف، وقد تكلم عنه الإمام الشافعي ﵀ في كتابه "الرسالة"، وبيَّن شروطه، ليس شرطًا أن تحفظ جميع آيات الكتاب، وأن تحفظ السنة، وأن تعرف جميع أقيسة العرب؛ لكن ينبغي أن تعرف الأمور التي يحتاج إليها المجتهد والفقيه؛ أن يعرف الناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، ويعرف معاني لغة العرب، ويعرف الأحكام .. إلى غير ذلك مما تكلم عنه العلماء.
قوله: (وَرُبَّمَا كَانَ الذَّوْقَانِ عَلَى التَّسَاوِي، وَلِذَلِكَ كثُرَ الاخْتِلَافُ فِي هَذَا النَّوْعِ).
والحمد لله أن الأمر ليس بالتوقع؛ إنما هي أدلةٌ جاءت عن الله وعن رسوله ﷺ ، فلا نحتاج هنا إلى إعمال ذوق ولا فكرٍ ولا عقلٍ
стр. 5439
ولا مقايسة؛ بل الأدلة صريحةٌ في هذا المقام، ولا تحتاج إلى هذا الذوق الذي أشار إليه المؤلف، أو إعمال الفكر أو الغوص في هذه الأقيسة لنتعرف؛ فلدينا أحاديث صافية صريحة بيضاء نقية كبياض الشمس، فلا نحتاج معها إلى غيرها.
قوله: (حَتَّى قَالَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاس: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ).
هذه مسألة أخرى، وهذه لها قصة معروفة، فالرسول ﷺ أرسل عددًا من أصحابه، وقال: "لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَد الْعَصْر إِلَّا فِي بَنِي قرَيْظَة" (١)؛ فانقسم الصحابة في فَهمِ هذا الحديث إلى قسمين؛ قسمٌ أخذوا بظاهر الحديث، يعني: لا تصلُّوا إلا إذا وصلتم إلى بني قريظة، وبعضهم كان أعمق في فهم المعنى، وأن قصد الرسول ﷺ هو حثُّهم وحضُّهم على الإسراع، لكن الصَلاة إذا وجبت فإنها تؤدَّى في أي مكان؛ فاجتهدوا، وأقرّ الرسول ﷺ الأمرين.
ولذلك جاء في الحديث الصحيح: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجرٌ واحد" (٢)؛ والمقصود بذلك إنما هو العالم، فإذا اجتهد العالم الحاكم في أمر من أمور الشريعة، فإن أصاب الحق ووُفِّق إليه فله أجران: أجر اجتهاده، وأجر إصابته الحق؛ وإن أخطأ فله أجر واحد؛ وهو أجر الاجتهاد، وهو على كلا الأمرين مثاب؛ لأنه أراد الوصول إلى الحق، فلم تكن له غاية غير الحق.
نحن نرى أن العلماء يختلفون، واختلافهم هذا ليس اختلاف تشفٍّ، لا يريد أحدهم عندما يخالف المسألة أن يشتهر لأنه خالف، ولذلك من أبدع الكلمات وأنصعها التي نُقلت عن الإمام الشافعي ﵀ وهي تُكتب بماء الذهب وتُسجَّل له في سجل الخالدين، قال: "ما ناظرت أحدًا، وتمنيت أن أنتصر عليه؛ وإنما تمنيت أن يُظهِرَ الله الحق على يدي أو على
стр. 5440
يديه" (١)، فنسأل الله أن يوفقنا إلى أن نسلك هذه السيرة؛ السيرة الحميدة النيِّرة المضيئة التي تركها لنا أولئك العلماء الأعلام، وأن تكون قدوتنا برسول الله ﷺ وهو أسوتنا جميعًا، وبأصحابه الكرام، ثم بأولئك العلماء الأعلام من التابعين والأئمة ومن بعدهم.
قوله: (قَالَ الْقَاضِي: وَالَّذِي يظْهَرُ لِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ قَوْلَهُ ﵊: "كلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" (٢)؛ وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْقَدْرُ الْمُسْكِرُ، لَا الْجِنْسُ الْمُسْكِرُ؛ فَإِنَّ ظُهُورَهُ فِي تَعْلِيقِ التَّحْرِيمِ بِالْجِنْسِ، أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ مِنْ تَعْلِيقِهِ بِالْقَدْرِ).
القاضي هو ابن رشد.
أسلوب المؤلف هنا هو من أدب العلماء، لم يقطع في أمر من الأمور حتى ينسب العلم إلى الله، وقد كان الصحابة ﵃ في زمن رسول الله ﷺ يقولون: الله ورسوله أعلم؛ أما الآن فنقول: الله أعلم؛ لأن رسول الله ﷺ قد توفِّيَ، ولحق بالرفيق الأعلى.
هذا الظن الذي أورده المؤلف هو يقينٌ لا إشكال فيه، كقول الله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ [التوبة: ١١٨].
قوله: (لِمَكَان مُعَارَضَةِ ذَلِكَ الْقِيَاسِ لَهُ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ الْكُوفِيُّونَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَبْعُدُ أن يُحَرِّمَ الشَّارعُ قَلِيلَ الْمُسْكِرِ وَكَثِيرَهُ؛ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، وَتَغْلِيظًا).
كم من أمورٍ حُرِّمَت سدًّا للذرائع؛ حتى تُغلَق فيها هذه الأبواب التي قد تُوصل إلى الوقوع في المحرم، ومن حام حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، والرسول ﷺ بيَّن أن الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمورٌ
стр. 5441
مشتبهات، فمن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
قوله: (مَعَ أَنَّ الضَّرَرَ إِنَّمَا يُوجَدُ فِي الْكَثِيرٍ، وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ حَالِ الشَّرْعِ بِالْإِجْمَاعِ أَنَّهُ اعْتَبَرَ فِي الْخَمْرِ الْجِنْسَ دُونَ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ).
لأنه قال ﵊: "مَا أَسْكَرَ كثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ" (١).
قوله: (فَوَجَبَ كُلّ مَا وُجِدَتْ فِيهِ عِلَّةُ الْخَمْرِ أن يُلْحَقَ بِالْخَمْرِ، وَأَنْ يَكُونَ عَلَى مَنْ زَعَمَ وُجُودَ الْفَرْقِ إِقَامَةُ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ).
أخبرنا الرسول ﷺ أنه سيأتي أناس يسمُّون الخمر بغير اسمها، والآن لها أسماء كثيرة عديدة، وكلها لا تخرج عما أشار إليه الرسول ﷺ .
قوله: (هَذَا إن لَمْ يُسَلِّمُوا لَنَا صِحَّةَ قَوْلِهِ ﵊: "مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ" (٢)).
حتى وإن لم يُسلِّم المخالف فهو حديثٌ صحيح.
قوله: (فَإِنَّهُمْ إِنْ سَلَّمُوهُ لَمْ يَجِدُوا انْفِكَاكًا؛ فَإِنَّهُ نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ).
يريد المؤلف أن يقول: إن سلَّموا لنا بهذا الحديث: "مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ" (٣) فلن يجدوا ما ينفعهم، فهم ملزمون بالحجة.
قوله: (وَلَا يَصِحُّ أن تُعَارَضَ النُّصُوصُ بِالْمَقَايِيسِ).
فالنص واضح صريح ومقدَّم على القياس.
стр. 5442
قول: (وَأَيْضًا فَإِنَّ الشَّرْعَ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ فِي الْخَمْرِ مَضَرَّةً وَمَنْفَعَةً؛ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]).
وقد تكلمنا عن هذه الآية الكريمة في مواضع سابقة.
قوله: (وَكَانَ الْقِيَاسُ إِذَا قُصِدَ الْجَمْعُ بَيْنَ انْتِقَاءِ الْمَضَرَّةِ وَوُجُودِ الْمَنْفَعَةِ؛ أَنْ يُحَرَّمَ كَثِيرُهَا وَيُحَلَّلَ قَلِيلُهَا؛ فَلَمَّا غَلَّبَ الشَّرْعُ حُكْمَ الْمَضَرَّةِ عَلَى الْمَنْفَعَةِ فِي الْخَمْرِ، وَمَنَعَ الْقَلِيلَ مِنْهَا وَالْكَثِيرَ؛ وَجَبَ أن يَكُونَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فِي كُلِّ مَا يُوجَدُ فِيهِ عَلَةُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ).
لا يزال المؤلف يناقش رأي الذين لهم وجهة نظر فيما يتعلق بنوع الخمر، وأن ما لا يبلغ حد الإسكار فإنما يجوز شربه؛ يناقشهم، ومناقشته مناقشة عقلية، وقد رأينا أن الأدلة صريحةٌ في الرد عليهم.
قوله: (إِلَّا أن يَثْبُتَ فِي ذَلِكَ فَارِقٌ شرْعيٌّ).
لأن النص هو الأساس.
قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أن الانْتِبَاذَ حَلَالٌ؛ مَا لَمْ تَحْدُثْ فِيهِ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ الْخَمْرِيَّةُ).
ومثله أيضًا العصير إذا غلى واشتد حتى قذف بالزبد؛ فإنه لا يجوز شوبه، باتفاق العلماء.
ولكن يبقى بعد ذلك أن هذا النبيذ أو هذا العصير، إذا وُضِعَ في إناءٍ، فمرت عليه ثلاثة أيام؛ هل يجوز شربها أوْ لا؟ معروفٌ أن الشراب إذا وصل إلى الغليان؛ فإنه في هذه الحالة يُصبح فيه شدةٌ مُطرِبة؛ وهي علة تحريم الخمر.
لكنْ هناك أنواعٌ من العصائر التي نعرفها؛ كالفواكه وهي مباحة، لم تصل إلى حد الإسكار، حتى وإن كانت من العنب، كذلك أيضًا أنواع المربَّى، التي تغلي ولا تصل إلى درجة الغليان؛ هذه كلها من المباحات.
стр. 5443
لكن هل هناك مدة محددة بالنسبة لهذا النبيذ؟ بعض العلماء يقولون: إذا وصل إلى ثلاثة أيام، لا يجوز شربه، بمعنى أن الإنسان يشربه في اليوم الأول والثاني والثالث؛ كما جاء في حديث عبد اللّه بن عباس: كان رسول الله ﷺ يُنبذ له الزبيب، فيشربه اليوم والغد وبعد الغد، فإذا كان مساء الثالثة؛ أمر به للخدم أو أُريق (١).
ولكن نجد في بعض الأحاديث ما يدل على الشرب بعد ذلك، ومن العلماء من يذكر أن العلة في ذلك هو أنه إذا مضت عليه ثلاثة أيام؛ يكون مظنة الإسكار، وبعضهم يقول: المقصود بذلك نوع من الأنبذة يُسرع إليه الإسكار، فهذا هو الممنوع؛ وقد وردت في ذلك عدة أحاديث.
وأما الذين قالوا بأن الانتباذ جائز وإن تجاوز ثلاثة أيام، فهم يستدلون بالحديث الذي أخرجه أبو داود وغيره - وهو حديث صحيح - أن رسول الله ﷺ قال: "اشربوا في كل وعاء، ولا تشربوا مُسكرًا" (٢)؛ فالرسول ﵊ - أطلق، ولم يفرِّق بين أن يطول الزمن أو يقصر، وإنما قال: "ولا تشربوا مسكرًا".
قوله: (لِقَوْلِهِ ﵊: "فَانْتَبِذُوا، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" (٣)، وَلمَا ثَبَتَ عَنْهُ ﵊ "أَنَّهُ كَانَ يَنْتَبِذُ، وَأَنَّهُ كَانَ يُرِيقُهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي أو الثَّالِثِ" (٤)).
هذا الجزء من الحديث الذي أشار إليه المؤلف؛ ذكره الإمام مالك في "الموطإ" أن رسول الله ﷺ نهى عن ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث،
стр. 5444
ثم قال بعد ذلك: "كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي، فكلوا، وتصدقوا وادخروا" (١)، ونهى أيضًا ﵊ عن الانتباذ، تم قال: "انتبذوا في كل وعاء، ولا تشربوا مُسكرًا" (٢)؛ وأصل النهي عن الانتباذ إنما كان في سائر الأوعية، إلا في الأوعية التي من الجلد؛ لأنها تساعد في الإسراع إلى السُّكر، كما نهى عن الشرب في الإناء المُزفَّت (٣)، وبعض العلماء قالوا: لو لم يكن مطليًّا بالزفت؛ فهذا لا يضر، ثم جاء بعد ذلك إباحة ذلك بأحاديث أخرى، واعتبر العلماء ذلك منسوخًا.
وجاء في حديث مالك أيضًا: "ونهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها" (٤)، وجاء في أحاديث أخرى: "فإنها تُذكِّر - أو تُذكِّركم - الآخرة" (٥)، لا شك أن الإنسان إذا ذهب إلى المقابر وزار أهلها ودعا لأهلها؛ فإنه يتذكر الموت، وإذا تذكر الموت؛ قلَّت الدنيا في عينه، وأصبح يفكر في الآخرة أكثر.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا من ذَلِكَ فِي مَسْأَلَتَيْنِ؛ إِحْدَاهُمَا: فِي الْأَوَانِي الَّتِي يُنْتَبَذُ فِيهَا، وَالثَّانِيَةُ: فِي انْتِبَاذِ شَيْئَيْنِ؛ مِثْل الْبُسْرِ وَالرُّطَبِ، وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ).
جاء النهي عن الانتباذ في أوعية أربعة، في روايات متعددة، بعضها اقتصرت على الدباء والحنتم، وبعضها أضافت النقير، وبعضها جاءت في الأربعة؛ أن الرسول ﵊ نهى عن الانتباذ في الدباء، والحنتم، والنقير، والمزفَّت (٦).
стр. 5445
[الْمَسْأَلَةُ الأُولَى، فِي الْأَوَانِي الَّتِي يُنْتَبَذ فِيهَا]
قوله: (فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الأُولَى، فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ الانْتِبَاذِ فِي الْأسْقِيَةِ (١)).
لأن رسول الله ﷺ عندما نهى عن الأوعية في أول الأمر؛ أمر بالانتباذ في أوعية الأدم - أي: التي من الجلد، التي نسميها الأسقية أو القِرب الكبيرة والصغيرة وغيرها - لكنْ هناك أوانٍ أخرى، كالدباء - وهي القرع أو اليقطين - وكذلك النقير، والحنتم، والمُزفَّت؛ ومعروف أن الإناء إذا وضع عليه زفت؛ فإنه يساعد في إسراع الإسكار.
ثم إنه ﵊ في حديث آخر قال: "اشربوا في كل وعاء، ولا تشربوا مُسكرًا" (٢).
قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهَا، فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ كَرِهَ الانْتِبَاذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ، وَلَمْ يَكْرَهْ غَيْرَ ذَلِكَ (٣)).
ابن القاسم هذا من أصحاب الإمام مالك ومن ملازميه، وله أثر كبير في المدونة العظيمة التي حُكِيَ فيها كثير من أقوال الإمام مالك.
قوله: (وَكَرِهَ الثَّوْرِيُّ الانْتِبَاذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ (٤)).
стр. 5446
وهذا جاء في أحاديث صحيحة، وهو قول الإمام أحمد أيضًا، والمشهور عند جماهير العلماء أنه ينتبذ في كل وعاء، وأن النهي كان في أول الأمر ثم نُسخ.
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (١): لَا بَأْسَ بِالانْتِبَاذِ فِي جَمِيعِ الظُّرُوفِ وَالْأَوَانِي (٢)).
وهذا هو رأي الجمهور؛ يعني جمهور العلماء يرون جواز الانتباذ في كل إناء.
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ اخْتِلَافُ الآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ النَّهْيُ عَن الانْتِبَاذِ فِي الْأَرْبَعِ الَّتِي كَرِهَهَا الثَّوْرِيُّ، وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ (٣)، وَرَوَى مَالِكٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي "الْمُوَطَّإ"، أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ "نَهَى عَنِ الانْتِبَاذِ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ" (٤)، وَجَاءَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ عَنْ سِمَاكٍ، أَنَّهُ قَالَ: "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ أَنْ تَنْبِذُوا فِي الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ، فَانْتَبِذُوا، وَلَا أُحِلُّ مُسْكِرًا") (٥).
стр. 5447
الحديث بيَّن أن علة النهي في الأصل هي خشية الوقوع في المسكر، أو أن هذه الأواني تكون سببًا في إسراع الوصول إلى درجة الإسكار.
قوله: (وَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ فِي "الْمُوَطَّإِ"، وَهُوَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ الانْتِبَاذِ فَانْتَبِذُوا، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" (١)، فَمَنْ رَأَى أَنَّ النَّهْيَ الْمُتَقَدِّمَ الَّذِي نُسِخَ إِنَّمَا كَانَ نَهْيًا عَنْ الانْتِبَاذِ فِي هَذِهِ الْأَوَانِي - إِذْ لَمْ يُعْلَمُ هَا هُنَا نَهْيٌ مُتَقَدِّمٌ غَيْرُ ذَلِكَ - قَالَ: يَجُوزُ الانْتِبَاذُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ النَّهْيَ الْمُتَقَدِّمَ الَّذِي نُسِخَ إِنَّمَا كَانَ نَهْيًا عَنْ الانْتِبَاذِ مُطْلَقًا، قَالَ: بَقِيَ النَّهْيُ عَنْ الانْتِبَاذِ فِي هَذِهِ الْأَوَانِي).
فهناك أدلة دلت على النهي عن الانتباذ في هذه الأواني؛ لأنه جاء عن الوسول ﷺ في آخر الأمرين ما يدل على جواز ذلك.
قوله: (فَمَنِ اعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَر؛ قَالَ بِالْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِيهِ، وَمَنِ اعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ بِالْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَزِيدًا، وَالْمُعَارَضَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ إِنَّمَا هِيَ مِنْ بَابِ دَلِيلِ الْخِطَابِ).
دليل الخطاب الذي هو مفهوم المخالفة.
قوله: (وَفِي كتَابِ مُسْلِمٍ النَّهْيُ عَنِ الانْتِبَاذِ فِي الْحَنْتَمِ، وَفِيهِ أَنَّهُ رَخَّصَ لَهُمْ فِيهِ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُزَفَّتٍ (٢)).
وقد جاء عن الرسول ﷺ ما يدل على جواز الجميع، وأن النهي كان في بداية الأمر فنُسخ.
стр. 5448
[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: انْتِبَاذ شيْئَيْنِ؛ مِتْلَ الْبُسْرِ وَالرُّطَبِ، وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ]
قوله: (وأَمَّا الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة - وَهِيَ انْتِبَاذُ الْخَلِيطَيْنِ - فَإِنَّ الْجُمْهُورَ قَالُوا بِتَحْرِيمِ الْخَلِيطَيْنِ مِنَ الأشْيَاءِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أن تَقْبَلَ الانْتِبَاذَ، وَقَالَ قَوْمٌ: بَل الانْتِبَاذُ مَكْرُوهٌ؛ وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ مُبَاحٌ؛ وَقَالَ قَوْمٌ: كلُّ خَلِيطَيْنِ فَهُمَا حَرَامٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مِمَّا يَقْبَلَانِ الانْتِبَاذَ فِيمَا أَحْسَبُ الْآنَ (١)).
هذه مسألة مهمة، والخليطان أن يؤخذ مثلًا شيء من التمر، وشيء من الزهو - وهو البسر - فيُجمعا معًا، فيلقيا في الماء؛ وسبب النهي عنه أنه يسارع في الوصول إلى الإسكار، أما لو لم يكن كذلك؛ بمعنى أنه شربه في أول أمره؛ فهذا ليس منهيًّا عنه؛ لأنه فُعِلَ لرسول الله ﷺ ولا يمكن أن يُفعل شيء في بيت رسول الله ﷺ ثم يكون غير جائز.
إنما الكلام عما إذا وصلا إلى درجة الإسكار؛ وقد جاء في حديث أبي قتادة المتفق عليه، قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الجمع بين التمر والزهو، وبين التمر والزبيب، ولينبذ كل واحد منهما على حدة" (٢).
стр. 5449
وقال الجمهور بتحريم الخليطين إذا وصلا إلى درجة الإسكار، وهناك من قال بالكراهة مطلقًا؛ وهذه رواية في مذهب مالك وأحمد، ومنهم من قال بإباحة ذلك مطلقًا؛ وهم الحنفية، والشافعية لهم قولان؛ مع هؤلاء ومع أولئك، ثم الذين قالوا بالتحريم ليس قصدهم أن الخليطين محرمان مطلقًا.
قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ تَرَدُّدُهُمْ فِي هَلِ النَّهْيُ الْوَارِدُ فِي ذَلِكَ هُوَ عَلَى الْكَرَاهَةِ أو عَلَى الْحَظْرِ؟).
فرسول الله ﷺ نهى عن الخليطين، وجاء أيضًا في حديث أبي قتادة تفصيل ذلك أكثر، وهو حديث متفقٌ عليه، بل موجود أيضًا عند بعض أصحاب السنن، وعند أحمد.
والخلاصة أن النهي ليس للتحريم، إلا أن يصل إلى درجة الإسكار.
قوله: (وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ عَلَى الْحَظْرِ؛ فَهَلْ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَمْ لَا؟ وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ نَهَى عَنْ أن يُخْلَطَ التَّمْرُ وَالزَّبِيب، وَالزَّهْوُ وَالرُّطَب، وَالْبُسْرُ وَالزَّبِيبُ؛ وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ قَالَ ﵊: "لَا تَنْتَبِذُوا الزَّهْوَ وَالزَّبِيبَ جَمِيعًا، وَلَا التَّمْرَ وَالزَّبِيبَ جَمِيعًا؛ وَانْتَبِذُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ" (١)).
جاء في ذلك عدة أحاديث، لكن أشهرها حديث أبي قتادة الذي ذكرناه.
لكن هنا الآن كيف يُقَالُ مع هذه الأحاديث بأن الخليطين جائزان؟! وقد جاء في حديث أبي داود والنسائي وغيرهما، من حديث عائشة ﵂
стр. 5450
قالت: كُنَّا نَنْبِذُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَاخُذُ قَبْضَةً مِنْ تَمْرٍ، وقَبْضَةً مِنْ زَبِيبٍ، فَنَطْرَحُهَا فِيهِ - يعني في الإناء - ثُمَّ نَصبُّ الْمَاءَ عَلَيْهِ، فَنَنْبذُهُ له غُدْوَةً، فَيَشْرَبُهُ عَشِيَّةً، وَنَنْبِذُهُ عَشِيَّةً، فَيَشْرَبُهُ غُدْوَةً (١).
فهذا دلَّ على أنه كان يُنبَذ للرسول ﷺ وأن الرسول ﷺ كان يشربه، لكن كان يُنبَذ له في الصباح فيشربه في المساء، أو في المساء فيشربه في الصباح، فلم تمر عليه مدة طويلة تستدعي أن يصل إلى درجة الإسكار، فهو لا يزال حلالًا ولم يصل إلى درجة الممنوع.
لكن يبين لنا حديث أبي هريرة، حيث قال: عَلِمْتُ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَصُوم، فَتَحَيَّنْتُ فِطْرَه، فصنعتُ له نبيذًا فِي دُبَّاء، فأتيته به، فَإِذَا هُوَ يَنِشُّ، فنظر إليه رسول الله ﷺ فَقَالَ: "اضْرِبْ بهَذا الْحَائِطَ، فَإِنَّ هَذَا شَرَابُ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ" (٢).
لكن هذا النبيذ وصل إلى درجة شِبهِ غليان، بدأ ينش - أي: يتحرك - فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "اضْرِبْ بهَذا الْحَائِطَ" يعني: اقذفه" ثم بيَّن له فقال: "هَذَا شَرَابُ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْم الآخِرِ"، أما من يؤمن باللّه واليوم الآخر، فإنه لا يشرب مثل هذه الأشربة التي تُذهِب العقول.
وليس المراد في هذا المقام نفيُ الإيمان كاملًا، بل هذا كحديث "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِق السَّارِق حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ" (٣) إلى آخر ما جاء في ذلك.
وبعض العلماء قالوا: إن الإيمان يخرج فيكون شبه مظلَّة عليه،
стр. 5451
فإذا خرج من معصيتة عاد إليه؛ وهذا فيه كلام معروف في مباحث علم العقيدة.
قوله: (فَيَخْرُجُ فِي ذَلِكَ بِحَسِبِ التَّأوِيلِ الْأَقَاوِيلُ الثَّلَاثَةُ: قَوْلٌ بِتَحْرِيمِهِ، وَقَوْلٌ بِتَحْلِيلِهِ مَعَ الْإِثْمِ فِي الانْتِبَاذِ، وَقَوْلٌ بِكَرَاهِيَةِ ذَلِكَ).
ونحن نتبين أن الأدلة مجتمعة تبين أن النهي ليس للتحريم؛ وأن النهي خشية الوقوع في المحظور، أما إذا اطمأن الإنسان إلى أنه لا يقع في محظورٍ بإذن الله؛ فإنه يجوز له.
قوله: (وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مُبَاحٌ؛ فَلَعَلَّهُ اعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ عُمُومَ الْأَثَرِ بِالانْتِبَاذِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ).
حديث أبي سعيد الخدري أيضًا فيه جواز الانتباذ مطلقًا، لكن أصح الأدلة هو حديث عائشة الذي ذكرناه.
قوله: (وَأَمَّا مَنْ مَنَعَ كُلَّ خَلِيطَيْنِ؛ فَإِمَّا أن يَكُونَ ذَهَبَ إلى أن عِلَّةَ الْمَنْعِ هُوَ الاخْتِلَاط، لَا مَا يَحْدُثُ عَنْ الاخْتِلَاطِ مِنَ الشِّدَّةِ فِي النَّبِيذِ).
الحقيقة ليست علة المنع هي الاختلاط؛ وإنما الاختلاط يسارع فقط في الوصول إلى المنهي عنه؛ وإنما العلة هي أن الإنسان قد ينخدع، فقد تعوَّد أن يضع النبيذ في إناء فيشرب فيه مدة ثلاثة أيام وربما أكثر - هذا ما لم يُسكِر - ثم يجمع بين الخليطين فيفاجأ به قد وصل إلى درجة الإسكار، فربما لو شرب منه وقع في المحظور، وهذا هو الذي نهى عنه الرسول ﷺ لأن الإنسان أحيانًا ينسى؛ ومن وقع في الشبهات؛ وقع في الحرام.
قوله: (وَإِمَّا أن يَكُونَ قَدْ تَمَسَّكَ بِعُمُومِ مَا وَرَدَ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْخَلِيطَيْنِ).
كما جاء لفظ الحديث.
стр. 5452
قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أن الْخَمْرَ إِذَا تَخَلَّلَتْ مِنْ ذَاتِهَا؛ جَازَ أكْلُهَا (١)).
الخمر لا تخلو إما أن تتخلل من نفسها؛ بمعنى أن توضع في مكان فتتخلل، وإما أن يُخلِّلها الإنسان بنفسه؛ بمعنى أن يضع فيها مادة من المواد التي تسارع في تخليلها، فتنقلها من كونها خمرًا مسكرًا إلى أن تصبح خلًّا.
الطريقة الأخرى لا يُحدِثُ فيها شيئًا؛ لكنه ينقلها من مكانٍ إلى مكان، قد تكون موضوعةً مثلًا في الشمس فينقلها إلى الظل فتتخلل، أو العكس، بمعنى أنه حملها من مكان إلى مكان؛ هذه صورٌ ثلاث:
الصورة الأولى: لا خلاف بين العلماء؛ أن الخمر لو كانت في مكانٍ مستقر وتخلَّلت بتفسها؛ فقد زالت نجاستها وزالت أيضًا حرمتها.
الصورة الثانية: إذا خلَّلها الإنسان بنفسه؛ فهي حرامٌ عند جمهور العلماء، وجائز عند الحنفية وبعض التابعين.
وأما الشافعية، والقول الأول الذي أجازها مطلقًا إذا تخللت بنفسها، ومنعها أيضًا بسببٍ من الأسباب، هذا قول المالكية والحنابلة قولًا واحدًا، وتوجد رواية في مذهب مالك لكنها ضعيفة، والصحيح في مذهب مالك كمذهب الحنابلة، والشافعية مع المالكية والحنابلة، إلا أنهم قالوا: كونها تنقل من مكانٍ إلى مكانٍ فتتخلل، فالمشهور في مذهبهم أن ذلك جائز.
هذا هو خلاصة ما في أقوال العلماء في هذه المسألة، فلماذا حصل الخلاف فيها؟
نحن لو ألقينا نظرة فاحصة على الأدلة التي وردت في ذلك؛ لوجدنا أنها صريحةٌ في عدم جواز تخليلها، وفي حديث أنسٍ أيضًا قال: "سُئِلَ
стр. 5453
رسول الله ﷺ : أنتخذ الخمر خلًّا؟ " قال: "لا" (١).
قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا قُصِدَ تَخْلِيلُهَا؛ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: التَّحْرِيمِ، وَالْكَرَاهِيَةِ، وَالْإِبَاحَةِ؛ وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِلأثَرِ، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ الْأَثَر).
وقد أُثر عن عمر ﵁ أنه قال: لا يحلّ تخليل الخمر بإفسادها، إما أنْ تفسد، أو أن يُفسدها الله (٢).
قوله: (وَذَلِكَ أن أَبَا دَاوُدَ خَرَّجَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ "أَنَّ أَبَا طَلْحَة سَأَلَ النَّبِيَّ ﵊ عَنْ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًا، فَقَالَ: "أَهْرِقْهَا"! قَالَ: أَفَلَا أَجْعَلُهَا خَلًّا؟ قَالَ: لَا (٣)).
هذا دليلٌ على أن الخمر كما هو معلوم كانت مباحة، وكانت هناك خمرٌ عند أبي طلحة لأيتام، فلما نزل تحريم الخمر؛ أخذوا يلقونها في الأزقَّة، ورأى أن هذه خمرٌ لأيتام، فأشكل على أبي طلحة، فسأل رسول الله ﷺ : أنُخلِّلها لتتحول خلًّا؟ لأنها إذا تحولت خلًّا؛ يستفيد منها، وتباع؛ والرسول قد أمره بإهراقها، وقطع أي طريقٍ يوصل إلى ذلك.
قوله: (فَمَنْ فَهِمَ مِنَ الْمَنْعِ سَدَّ ذَرِيعَةٍ؛ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ، وَمَنْ فَهِمَ النَّهْيَ لِغَيْرِ عِلَّةٍ؛ قَالَ بِالتَّحْرِيمِ، وَيخَرَّجُ عَلَى هَذَا أن
стр. 5454
لَا تَحْرِيمَ أَيْضًا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أن النَّهْيَ لا يَعُودُ بِفَسَادِ الْمَنْهِيِّ).
مراد المؤلف: هل النهي يدل على فساد المنهي عنه أوْ لا؟ هذه مسألة أصولية معروفة، لكن نحن نقول: الأدلة صريحة، وليس هناك ما يعارضها، وهذه كما حملها العلماء على أنه لا يجوز تخليل الخمر، أما أن تتخلل هي فنعم، وتخلُّلُها مجمعٌ عليه.
قوله: (وَالْقِيَاسُ الْمُعَارِضُ لِحَمْلِ الْخَلِّ عَلَى التَّحْرِيمِ، أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِنْ ضَرُورَةِ الشَّرْعِ أن الْأَحْكَامَ الْمُخْتَلِفَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلذَّوَاتِ الْمُخْتَلِفَة، وَأَنَّ الْخَمْرَ غَيْرُ ذَاتِ الْخَلِّ، وَالْخَلُّ بِإِجْمَاعٍ حَلَالٌ، فَإِذَا انْتَقَلَتْ ذَاتُ الْخَمْرِ إلى ذَاتِ الْخَلِّ، وَجَبَ أن يَكُونَ حَلَالًا كَيْفَمَا انْتَقَلَ).
هذا التعليل ذِكرُه مناقشة عقلية، لكن هذه مردودة مع وجود النصوص، نعم كونها تتحول بإرادة الله فنعم كما قال عمر - رضي الله تعالى عنه، لكن كون الإنسان يعالجها ويضيف إليها مواد، ويُدخِل عليها أشياء فتصبح حلالًا؛ فهذا كما فعلت اليهود؛ لما حُرِّمَت عليهم شحوم الميتة؛ أذابوها وجملوها فباعوها، كذلك أيضًا هنا هذه حيلةٌ لإصلاحه، ولو كان هناك أحدٌ يستحق العطف والرأفة والحنان في ذلك؛ لكان الأيتام أولى، وقد أمر ﵊ بإهراق خمرٍ لهم كما مر بنا في السطور السابقة.
قال المصنف -رحمه الله تعالى-:
([الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ] فِي اسْتِعْمَالِ الْمُحَرَّمَاتِ فِي حَالِ الاضْطِرَارِ
وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩].
هذا مبحث مهم جدًّا، والمؤلف لم يستقصِ هذه المسألة، وقد وضع
стр. 5455
العلماء قاعدة فقهية عامة تُعد من القواعد الأساسية وهي: "الضرر يُزال"، وهناك أيضًا قاعدة شبيهة بها: "المشقة تجلب التيسير"؛ وقاعدة: "الضرر يُزال" تفرَّع عنها أيضًا قواعد كلية؛ كقاعدة "الضرورات تبيح المحظورات"، ثم قُيِّدت مثل هذه القاعدة بقواعد أخرى؛ كـ "الضرورة تُقدَّر بقدرها".
فنجد أن الله قد بيَّن لنا الحلال والحرام، وحضَّنا على أن نطعم الحلال، وخوَّفنا من أن نأكل من الحرام؛ وكل ذلك رأفة ورحمة بنا منه .
ونحن عندما ندخل في هذه المسألة نجد أن العلماء قد أجمعوا على أنه لا يجوز للمسلم أن يأكل من الميتة في حالة الاختيار؛ فحالة الاختيار غير الاضطرار؛ والاضطرار كأن تكون مضطرًّا لأنك لا تجد ما تسد به رمقك، ولأنك لو لم تأكل من هذه الميتة لذهبت روحك، أو تكون مكرهًا يوضع السيف على رقبتك؛ فهذا هو كلام العلماء على قضية الاختيار، لكن أن تكون شَبِعًا أو قريبًا من الشبع، أو لست مضطرًّا على أي حال من الأحوال؛ فلا يجوز لك.
وأجمعوا على أنه يجوز للإنسان أن يأكل من الميتة في حالة الاضطرار؛ لأن الله ذكر ذلك في مواضع كثيرة، يقول سبحانه: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ [البقرة: ١٧٣]؛ وقيدها أيضًا بألا يكون باغيًا ولا عاديًا؛ أما أن يكون باغيًا على المسلمين معتديًا عليهم فلا، وهذه من الأدلة التي يستدل بها الذين قالوا: لا يجوز للمسافر سفر معصية أن يأكل من الميتة.
الآية الأخرى التي في سورة المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ … فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣].
والثالثة في سورة الأنعام: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ
стр. 5456
فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وكذلك جاء في سورة النحل: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥].
هذه كلها أدلة على أنه يجوز للإنسان أن يأكل من الميتة في حالة الاضطرار، وكذلك الحال بالنسبة للمشروبات؛ كما لو غصَّ بلقمة ولم يجد إلا خمرًا.
إذن لا يجوز للإنسان أن يأكل الميتة في حالة الاختيار، ولكن يجوز أن يأكل من الميتة ما يسد به الرمق فقط؛ أي: يدفع شبح الموت، ولا يجوز له أن يزيد. ومن العلماء من أجاز له أنه إذا اضطر فله أن يأكل إلى درجة الشبع، يشبع من هذه الميتة ما دام الله قد أباح له، وهي موجودة عنده، وهذا هو مذهب مالك، ورواية عن الإمام أحمد، أما أبو حنيفة والشافعي - وهي رواية عند الإمام أحمد؛ أو الأظهر في المذهب - فقالوا: لا يجوز له أن يأكل إلى درجة الشبع، وإنما يأكل ما يسد به رمقه.
هناك قضية وقعت لرجل نزل الحرَّة، فنفق عنده بعير، أي: مات، وكان هذا البيت بيتًا فقيرًا لا يجد شيئًا، فقالت له زوجته: اسلخها حتى نُقدِّد لحمها وشحمها، فقال: لا، حتى أسأل رسول الله ﷺ على ذلك؛ فذهب الرجل إلى رسول الله ﷺ وأخبره بما حصل، وسأله عن حكم ذلك البعير، أيجوز أكله أمْ لا؟ فقال ﷺ "هل عندكم ما يغنيكم عنها؟ "، قال الرجل: لا، قال: "فكلوها" (١).
فهُم مضطرون إليها، والرسول ﷺ لم يُفصِّل في ذلك، فقال: "كلوها"؛ والأكل هنا إنما يصل إلى درجة الشبع، فهذا دليلٌ على أن الإنسان يأكل منها إلى ما يصل إلى درجة الشبع.
أما الآخرون فقالوا: لا يجوز له أن يأكل إلا ما يسد به الرمق؛ لأنه
стр. 5457
لو كان في حالة قبل الأكل من الميتة عنده ما يسد رمقه؛ فلا يجوز له أن يأكل.
نأتي بعد ذلك إلى القضية الأخرى المتفرعة عنها؛ وهي مسألة: هل الإنسان إذا اضطر إلى الميتة؛ يجب عليه أن يأكل منها أوْ لا؟ انقسم العلماء في ذلك إلى قسمين: ففريقٌ منهم ذهب إلى أنه يجب عليه أن يأكل منها، وليس الأمر أمر اختيار؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩].
ونعلم قصة عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل؛ أنه أصبح جنبًا في ليلةٍ باردة، فقام وتيمم وصلى بأصحابه، فشكوه إلى رسول الله ﷺ فسأله رسول الله ﷺ : "أفعلت ذلك يا عمرو؟ " قال: نعم؛ قال: "لمَ؟ "، قال: أليس الله يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]! فابتسم رسول الله ﷺ مقرًّا له على هذا العمل؛ وهناك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].
فالمؤمن مطالب بأن يحفظ نفسه، وأن يقيها من الموت، فالنفوس لا تقدَّم رخيصة إلا في سبيل الله، وفي هذه الحال يكون ثمن هذه النفس التي تُباع: جنة عرضها السموات والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسوله؛ قالب تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١].
فالإسلام يحافظ على النفوس، لكن هذه النفوس إذا خرجت عن الطريق السوي؛ فلا بد أن تؤدب، وأن يوضع لها الحد الذي يتناسب مع هذه الجرائم والذنوب التي اقترفت.
وفي مسألتنا هذه؛ فإن الإنسان يجب عليه أن يأكل من الميتة إذا اضطر؛ فإن لم يأكل سيكون قد تسبب في قتل نفسه بغير حق، فمصيره النار.
стр. 5458
وهناك فريق من العلماء يقول: هذه أصلها رخصة، واللّه يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معاصيه، والرخصة ليست واجبة، فإن أديتها فإنك عملت بها، وإن أخذت بالعزيمة فأنت لم ترتكب منهيًّا؛ ويستدلون بقصة عبد الله السهمي الذي أسرته الروم، ثم وضعوه بيت فأغلق عليه، ووضعوا عنده ماءً مشوبًا بالخمر، ولحمًا مشويًّا من لحم الخنزير، وتركوه عنده، فلم يشرب شربةً من هذا الماء الذي مُزِج بالحرام، ولم يأكل قطعة من اللحم الذي شُوِي له من الخنزير، بقي ثلاثة أيام على هذه الحال، فمال رأسه، فخشوا عليه من الموت وهو أسير، فأخرجوه ثم دار نقاش بينهم، فبيَّن أن الله قد رخَّص له في أن يشرب من هذا ويأكل من ذلك؛ لأنه مضطر، ثم قال: لكنني كرهت ذلك لئلا أُشمِّتَكم بالإسلام.
لكن يقال في حاله: إنه قد امتنع خشية أن يستغله أعداء الإسلام، فيقولوا: هذا مسلم ضعيف، خشي على نفسه الهلاك فخرج عن دينه؛ فشرب الخمر، وأكل الخنزير.
ولو قيل لإنسان: إما أن تكفر بالله، وإما أن نقتلك؛ يجوز له أن ينطق بكلمة الكفر، شريطة أن يكون قلبه مستضيئًا بنور الإيمان، لكن أن يقولها بلسانه ويعتقدها قلبه؛ فقد خرج عن الإسلام، وهذا حصل لبعض الصحابة؛ مثل بلال وغيره، الذين كانوا يُعذَّبون في شدة الحر، توضع على أحدهم الصخرة ويقول: أحدٌ أحَدٌ!! (١)، صبروا ليظهروا قوة هذا الدين وشكيمته، ومن هنا تكلم العلماء في هذه المسألة فقالوا: إن كان هذا
стр. 5459
الذي يريد أن يقدم نفسه رخيصة؛ في ذلك مصلحة لإعزاز الإسلام، نعم يفعل ذلك، وإذا رأى في بقائه وحياته مصلحة؛ فله ذلك أي ينطق بما لا يعتقد؛ قد يكون هذا الإنسان شجاعًا، صاحب فكر، يخطط للمسلمين؛ فهذا في وجوده نفع، فلا مانع أن ينطق بالكلمة ما دام قلبه مطمئنًّا، وهذه من المسائل التي تبيِّن لنا مزايا ومكانة هذه الشريعة الإسلامية، التي نجد - مع الأسف - أن كثيرًا من المسلمين فرَّطوا فيها وخرجوا عنها، واحتكموا إلى قوانين وُضِعَتْ من أفكار البشر، تعشش فيها الرذائل، يضعونها اليوم وينقضونها غدًا؛ وعدلوا عن شريعة علَّام الغيوم الذي خلق هذا الكون وما فيه.
وإذا أردت أن تعرف قيمة هذه الشريعة؛ فانظر إلى البلاد التي تطبقها؛ تجد فيها من الأمن والاستقرار والرخاء ما لا تجده في دولة لا تطبق تعاليم الإسلام.
إذن ننتهي من مسألتنا؛ إلى أن الأولى في هذا المقام أن الإنسان يحفظ مهجة نفسه، ويحافظ عليه ولا يُفرِّط فيها.
بقيت أيضًا مسألة أخرى: هل للإنسان أن يحمل معه شيئًا من هذه الميتة؟ والجواب أن بعض العلماء قالوا: يحمل؛ وبعضهم قالوا: لا.
قوله: (وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الْبَابِ فِي السَّبَبِ الْمُحَلِّلِ، وَفي جِنْسِ الشَّيْءِ الْمُحَلَّلِ، وَفِي مِقْدَارِهِ).
هذه المسألة لو أردنا أن نستطرد في مسائلها؛ فإنها هي القاعدة؛ فحالات الضرورة معروفة، وهي تختلف، ولا تكون حالة الضرورة على إطلاقها؛ فأحيانًا تُكرَهُ على شيء وتضطر إليه فتنفذه، لو قيل لك: خذ هذا المال لغيرك؛ تأخذه ثم بعد ذلك ترده لصاحبه.
وقد ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - مقدمة لهذا الكتاب، وحصر ما يدور في جزئياته في جملٍ مجملةٍ، ثم أفاض في شيءٍ من التفصيل في بعض مسائله.
стр. 5460
قوله: (فَأَمَّا السَّبَبُ فَهُوَ ضَرُورَةُ التَّغَذِّي، أَعْنِي: إِذَا لَمْ يجِدْ شَيْئًا حَلَالًا يَتَغَذَّى بِهِ؛ وَهُوَ لَا خِلَافَ فِيهِ).
وذلك لِمَا ورد من آيات متعددة في كتاب الله وقد ذكرناها فيما مضى، وكلها تدل على أنه يجوز للمسلم أن يأكل من الميتة، وأن يدفع غصته بما هو محرم، مما لا يجوز له في حالة الاختيار.
قوله: (وَأَمَّا السَّبَبُ الثَّانِي: طَلَبُ الْبُرْء).
أدخل المؤلف هنا ما يتعلق بالبُرءِ؛ يعني ما يتعلق بصحة الإنسان وبُرئه من الأذى، والشريعة حرصت على إبعاد الأذى عن كل مسلم، حتى وإن كان في إبعاد الأذى عنه ما قد يخالف بعض الأحكام، فيكون ذلك إما تخصيصًا من بعضها، أو تقييدًا بعد إطلاقٍ أو غير ذلك؛ وقد مرَّ بنا مسائل كثيرة جدًّا رأينا أنها استُثنيت من عموم النصوص، لضرورةٍ أو حاجة، والحاجة كما هو معلوم تنزل منزلة الضرورة، عامةً كانت أو خاصة.
قوله: (وَهَذَا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ، فَمَنْ أَجَازَه، احْتَجَّ بِإِبَاحَةِ النَّبِيِّ ﵊ الْحَرِيرَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، لِمَكَان حَكَّةٍ به (١)).
بحث المؤلف هنا هذه المسألة من جانبين، بحث حالة الاضطرار، كما بحثها من جانب آخر، وهو الجانب العلاجي أو الدوائي، فهذا له علاقةٌ وثيقةٌ بالأطعمة، فالمؤلف من هذه الناحية عرَّج على هذا الموضوع، وهذا له قصة، وهي أن عبد الرحمن بن عوف - رضي الله تعالى عنه - اشتكى إلى رسول الله ﷺ ما يجد من الحكة - وكذلك الزبير بن العوام -
стр. 5461
رضي الله تعالى عنه - فرخَّص لهما بلبس الحرير، والحرير لا يجوز للرجال، لأنه قال ﵊ في الذهب والحرير: "هما حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، حلٌ لإناثها" (١)، فلا يجوز للمسلم في حالة الاختيار أن يلبس حريرًا ولا ذهبًا، إلا ما استُثني فيما يتعلق بالضرس ونحو ذلك مما مضت الإشارة إليه، وسيأتي تفصيل ذلك - إن شاء الله.
والحاجة مقتضى التَّرك، فإنهما شكيا إلى الرسول ﷺ ما يجدان من ألم القمل، فرخَّص لهما في ثوب الحرير، والحرير معروفٌ بنعومته، فلا يعلق به شيءٌ من القمل، ومن هنا كان السبب واضحًا في هذا الأمر، ولما جاءه الرجل الذي يتناثر القمل من رأسه، رخَّص له رسول الله ﷺ بأن يحلق رأسه، ثم قال: رخص الله ﷺ له بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وبيَّن له الرسول ﷺ أنَّ له أنْ يحلق، وأنَّ عليه أنْ يفدي، وهكذا الأحكام في ذلك كثيرة جدًّا.
والمسلم يُمنَعُ من ارتكاب ما نُهِيَ عنه، وبخاصة الأمور المحرمة، سواءٌ كان ذلك فيما يتعلق بالأطعمة والأشربة، أو اللباس، أو ما يتعلق بأخلاق المسلم والصفات التي ينبغي أن يكون عليها.
ونحن نعلم أن من الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا يكلمهم، ولهم عذابٌ أليم؛ العائل المتكبر، ومع ذلك نجد أن أبا دجانة - رضي الله تعالى عنه - كان يمشي متبخترًا في وقت الحرب، فينظر إليه رسول الله ﷺ ويقول له: "إنَّهَا لمِشْيَةٌ يَكرَهُهَا الله، إِلَّا في هذا الموقف" (٢)؛ لأنه في الحرب يحتاج المسلم إلى أن يُظهر قوته وشجاعته وشكيمته، فهو كان يمشي بشكل الإنسان المتعالي، لكنه أراد بذلك أن
стр. 5462
يُرهِبَ ويخيف الأعداء، فلم يُرد ﵁ أن يتعالى أو يتعاظم أو يتكبر؛ لأنه يدرك معنى قول الرسول ﷺ : "أَقْرَبَكُمْ مِنِّي مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقًا، الْمُوَطَّؤُونَ أَكْنَافًا" (١)، وقوله أيضًا: "ومن تواضع لله رفعه" (٢).
فصنيعُ أبي دجانة جاء موافقًا لِما صنعه الرسول ﷺ وأمر به أصحابه؛ حين أراد أن يُظهِرَ لهم قوة المسلمين، وأنهم ليسوا ضعفاء كما زعمت قريش حيث قالت: يأتيكم أقوامٌ من أهل يثرب، وهنتهم حمى يثرب؛ فأمر الرسول ﷺ المسلمين أن يرملوا، فظهر لقريش أن المسلمين أقوياء.
قوله: (وَمَنْ مَنَعَهُ؛ فَلِقَوْلِهِ ﵊: "إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْهَا" (٣).
هذا الحديث الذي أورده المؤلف، نُقِلَ في بعض كتب الحديث، كما عند ابن حبان، وأبي يعلى الموصلي، والبزَّار، واللفظ المشهور منه: "إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ"، وهذا الحديث سببه أن رسول الله ﷺ دخل على أم سلمة ﵂ فوجدها قد صنعت نبيذًا في كوز، فنظر إليه رسول الله ﷺ فوجده يغلي، فقال: "ما هذا؟ "، فقالت: شكت ابنتي، فصنعت لها هذا النبيذ، فقال الرسول ﷺ : "إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ"، وفي الحديث الصحيح: "تَدَاوَوْا، وَلَا تَدَاوَوْا بِمحرَّمٍ" (٤)، فالدواء مطلوب، واللّه ما أنزل داءً إلا وجعل له دواء، لكن لا يجوز التداوي بالمحرم.
قوله: (وَأَمَّا جِنْسُ الشَّيْءِ الْمُسْتَبَاحِ، فَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ مُحَرَّمٍ، مِثْلَ الْمَيْتَةِ وَغَيْرِهَا).
يريد المؤلف أن يقول: وأما الشيء المستباح فهو أصلًا حرام،
стр. 5463
واستبيح لسبب؛ وهو الاضطرار؛ فالميتة التي حُرِّمَت في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ تُصبح مباحةً في حال أن يضطر المسلم إلى الأكل منها؛ لأنك إما أن تأكل فتحفظ مهجتك وتحافظ على حياتك، وإما أن تبقى بلا أكلٍ فتهلك، وبعض العلماء يرون أن من يكون في هذه الحال، ويجد ميتةً ولا يأكل منها، فإنه يكون قد تسبَّب في قتل نفسه عمدًا، فيكون مصيره النار، وقد ذكرنا الخلاف في هذه القضية فيما سبق، وعرفنا أن الأكل إنما هو للإباحة، لأن هذه رخصة، والله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معاصيه، وربما يتحرج بعض الناس فيقول: لماذا آخذ بالرخصة؟! ولكن أنت عندما تأخذ بالرخصة تكون قد استجبت لله تعالى حيث يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]؛ وتكون قد نزلت أيضًا عند حكم رسوله ﷺ وقد قال عمر - رضي الله تعالى عنه - في قصر الصلاة في السفر: سألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُم، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ" (١)، فاللّه رخَّص لك بأن تأكل من هذه الميتة، فلماذا تضيق على نفسك، ولماذا ترمي بنفسك في التهلكة، ولماذا تجعل نفسك في موقفٍ يرى فيه بعض العلماء أنه لا يجوز لك أصلًا أن تفعله؟! وأنت ما أكلت الميتة رغبةً فيها، ولا تشفِّيًا، ولا مخالفًا بذلك لأمر ربك، ولا أمر رسوله ﷺ وإنما أكلتها لأنك في حاجةٍ ألجأتك إلى ذلك.
قوله: (وَالاخْتِلَافُ فِي الْخَمْرِ عِنْدَهُمْ هُوَ مِنْ قِبَلِ التَّدَاوِي بِهَا، لَا مِنْ قِبَلِ اسْتِعْمَالِهَا فِي التَّغَذِّي).
الخمر مختلَفٌ فيها، وجماهير العلماء يرون أنه لا يجوز للإنسان أن يتداوى بها، أما بالنسبة لأبوال الإبل فالتداوي فيها ورد فيه نص، حيث أمر النبي ﷺ العُرنيين الذين جاؤوا إلى المدينة فاجتووها؛ أمرهم أن يبقوا في إبل الصدقة، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، وقد فعلوا ذلك حتى شفوا
стр. 5464
تمامًا، لكنهم قابلوا الإحسان بالإساءة، وقتلوا راعي الرسول ﷺ واستباحوا إبله، فنكَّل بهم الرسول ﷺ عقابًا لهم على غدرهم، ثم هناك خلاف؛ هل هذه الأبوال نجسة أمْ لا؟ فهناك من يرى أنها طاهرة؛ لأنه ما دام جاز التداوي بها فهي ليست بنجسة.
قوله: (وَلِذَلِكَ أَجَازُوا لِلْعَطْشَانِ أن يَشْرَبَهَا إن كَانَ مِنْهَا رِيٌّ، وَللشَّرِيقِ أن يُزِيلَ شَرَقَهُ بِهَا).
مراد المؤلف - رحمه الله تعالى - أنه إذا كانت تدفع عنه العطش؛ فله أن يشربها، ولو غص بلقمة، فله أن يشربها؛ لأنه مطالب بدفع الموت عن نفسه.
قوله: (وَأَمَّا مِقْدَارُ مَا يُؤْكلُ مِنَ الْمَيْتَةِ وَغَيْرِهَا، فَإِنَّ مَالِكًا (١) قَالَ: حَدُّ ذَلِكَ الشِّبَعُ، وَالتَّزَوُّدُ مِنْهَا حَتَّى يجِدَ غَيْرَهَا).
هذه المسألة تكلمنا عنها فيما سبق، وبينَّا أن هذا هو رأي الإمام مالك، وهو رواية في مذهب أحمد، أما مذهب جمهور العلماء فسيذكره المؤلف هنا.
وفي نظري أن مذهب مالك هو أقرب الأقوال؛ وقد ذكرنا الحديث الذي يدل عليه، في قصة الرجل الذي نفقت عنده ناقة، وليس لهم ما يتقوتون به، فقال له الرسول ﷺ : "كلوا" (٢)، ولم يقل: كلوا ما يدفع عنكم الهلاك؛ وإنما أطلق، وهذا موطنٌ يحتاج إلى بيان، فإطلاق
стр. 5465
الرسول ﷺ إنما هو دليلٌ على جواز ذلك، ثم إن الآيات مطلقة؛ قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣].
قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢): لَا يَأْكُلُ مِنْهَا إِلَّا مَا يُمْسِكُ الرَّمَقَ. وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ).
وهي الرواية الظاهرة القوية في مذهب أحمد.
وهذا كما قال العلماء: الضرورة تُقدَّر بقدرها؛ فأنت تنظر إلى المقام؛ إن كنت في مكانٍ مُوحِش، تحتاج إلى أن تشبع من هذه الميتة، وأن تحمل معك أيضًا لأنك لا تجد حولك أناسًا، فيجب أن تحتاط لنفسك، أما لو كنت في مكانٍ، وغلب على ظنك أو تيقنت أنك ستلحق بالآخرين، فادفع عنك وحشة الموت، وبعد ذلك ستجد - إن شاء الله - ما تأكله مما أباحه الله لك في حالة الاختيار.
قوله: (وَسَبَبُ الاخْتِلَافِ هَلِ الْمُبَاحُ لَهُ فِي حَالِ الاضْطِرَارِ هُوَ جَمِيعُهَا؟ أَمْ مَا يُمْسِكُ الرَّمَقَ فَقَطْ؛ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جَمِيعُهَا).
وهذا هو الذي أميل إليه حقيقة، وفي نظري أن مذهب مالك هذا هو أظهر الأقوال؛ كما وضحنا ذلك فيما سبق.
قوله: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣]).
وقد فصَّلنا ذلك فيما سبق؛ أنه لا بد أن يكون غير باغ على المسلمين ولا معتدٍ عليهم؛ وذكرنا قول العلماء في من سافر سفرًا محرَّمًا؛ أنه لا تباح له الرخص.