رضي الله تعالى عنه - فرخَّص لهما بلبس الحرير، والحرير لا يجوز للرجال، لأنه قال ﵊ في الذهب والحرير: "هما حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، حلٌ لإناثها" (١)، فلا يجوز للمسلم في حالة الاختيار أن يلبس حريرًا ولا ذهبًا، إلا ما استُثني فيما يتعلق بالضرس ونحو ذلك مما مضت الإشارة إليه، وسيأتي تفصيل ذلك - إن شاء الله.
والحاجة مقتضى التَّرك، فإنهما شكيا إلى الرسول ﷺ ما يجدان من ألم القمل، فرخَّص لهما في ثوب الحرير، والحرير معروفٌ بنعومته، فلا يعلق به شيءٌ من القمل، ومن هنا كان السبب واضحًا في هذا الأمر، ولما جاءه الرجل الذي يتناثر القمل من رأسه، رخَّص له رسول الله ﷺ بأن يحلق رأسه، ثم قال: رخص الله ﷺ له بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وبيَّن له الرسول ﷺ أنَّ له أنْ يحلق، وأنَّ عليه أنْ يفدي، وهكذا الأحكام في ذلك كثيرة جدًّا.
والمسلم يُمنَعُ من ارتكاب ما نُهِيَ عنه، وبخاصة الأمور المحرمة، سواءٌ كان ذلك فيما يتعلق بالأطعمة والأشربة، أو اللباس، أو ما يتعلق بأخلاق المسلم والصفات التي ينبغي أن يكون عليها.
ونحن نعلم أن من الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا يكلمهم، ولهم عذابٌ أليم؛ العائل المتكبر، ومع ذلك نجد أن أبا دجانة - رضي الله تعالى عنه - كان يمشي متبخترًا في وقت الحرب، فينظر إليه رسول الله ﷺ ويقول له: "إنَّهَا لمِشْيَةٌ يَكرَهُهَا الله، إِلَّا في هذا الموقف" (٢)؛ لأنه في الحرب يحتاج المسلم إلى أن يُظهر قوته وشجاعته وشكيمته، فهو كان يمشي بشكل الإنسان المتعالي، لكنه أراد بذلك أن
стр. 5462
يُرهِبَ ويخيف الأعداء، فلم يُرد ﵁ أن يتعالى أو يتعاظم أو يتكبر؛ لأنه يدرك معنى قول الرسول ﷺ : "أَقْرَبَكُمْ مِنِّي مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقًا، الْمُوَطَّؤُونَ أَكْنَافًا" (١)، وقوله أيضًا: "ومن تواضع لله رفعه" (٢).
فصنيعُ أبي دجانة جاء موافقًا لِما صنعه الرسول ﷺ وأمر به أصحابه؛ حين أراد أن يُظهِرَ لهم قوة المسلمين، وأنهم ليسوا ضعفاء كما زعمت قريش حيث قالت: يأتيكم أقوامٌ من أهل يثرب، وهنتهم حمى يثرب؛ فأمر الرسول ﷺ المسلمين أن يرملوا، فظهر لقريش أن المسلمين أقوياء.
قوله: (وَمَنْ مَنَعَهُ؛ فَلِقَوْلِهِ ﵊: "إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْهَا" (٣).
هذا الحديث الذي أورده المؤلف، نُقِلَ في بعض كتب الحديث، كما عند ابن حبان، وأبي يعلى الموصلي، والبزَّار، واللفظ المشهور منه: "إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ"، وهذا الحديث سببه أن رسول الله ﷺ دخل على أم سلمة ﵂ فوجدها قد صنعت نبيذًا في كوز، فنظر إليه رسول الله ﷺ فوجده يغلي، فقال: "ما هذا؟ "، فقالت: شكت ابنتي، فصنعت لها هذا النبيذ، فقال الرسول ﷺ : "إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ"، وفي الحديث الصحيح: "تَدَاوَوْا، وَلَا تَدَاوَوْا بِمحرَّمٍ" (٤)، فالدواء مطلوب، واللّه ما أنزل داءً إلا وجعل له دواء، لكن لا يجوز التداوي بالمحرم.
قوله: (وَأَمَّا جِنْسُ الشَّيْءِ الْمُسْتَبَاحِ، فَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ مُحَرَّمٍ، مِثْلَ الْمَيْتَةِ وَغَيْرِهَا).
يريد المؤلف أن يقول: وأما الشيء المستباح فهو أصلًا حرام،
стр. 5463
واستبيح لسبب؛ وهو الاضطرار؛ فالميتة التي حُرِّمَت في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ تُصبح مباحةً في حال أن يضطر المسلم إلى الأكل منها؛ لأنك إما أن تأكل فتحفظ مهجتك وتحافظ على حياتك، وإما أن تبقى بلا أكلٍ فتهلك، وبعض العلماء يرون أن من يكون في هذه الحال، ويجد ميتةً ولا يأكل منها، فإنه يكون قد تسبَّب في قتل نفسه عمدًا، فيكون مصيره النار، وقد ذكرنا الخلاف في هذه القضية فيما سبق، وعرفنا أن الأكل إنما هو للإباحة، لأن هذه رخصة، والله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معاصيه، وربما يتحرج بعض الناس فيقول: لماذا آخذ بالرخصة؟! ولكن أنت عندما تأخذ بالرخصة تكون قد استجبت لله تعالى حيث يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]؛ وتكون قد نزلت أيضًا عند حكم رسوله ﷺ وقد قال عمر - رضي الله تعالى عنه - في قصر الصلاة في السفر: سألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُم، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ" (١)، فاللّه رخَّص لك بأن تأكل من هذه الميتة، فلماذا تضيق على نفسك، ولماذا ترمي بنفسك في التهلكة، ولماذا تجعل نفسك في موقفٍ يرى فيه بعض العلماء أنه لا يجوز لك أصلًا أن تفعله؟! وأنت ما أكلت الميتة رغبةً فيها، ولا تشفِّيًا، ولا مخالفًا بذلك لأمر ربك، ولا أمر رسوله ﷺ وإنما أكلتها لأنك في حاجةٍ ألجأتك إلى ذلك.
قوله: (وَالاخْتِلَافُ فِي الْخَمْرِ عِنْدَهُمْ هُوَ مِنْ قِبَلِ التَّدَاوِي بِهَا، لَا مِنْ قِبَلِ اسْتِعْمَالِهَا فِي التَّغَذِّي).
الخمر مختلَفٌ فيها، وجماهير العلماء يرون أنه لا يجوز للإنسان أن يتداوى بها، أما بالنسبة لأبوال الإبل فالتداوي فيها ورد فيه نص، حيث أمر النبي ﷺ العُرنيين الذين جاؤوا إلى المدينة فاجتووها؛ أمرهم أن يبقوا في إبل الصدقة، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، وقد فعلوا ذلك حتى شفوا
стр. 5464
تمامًا، لكنهم قابلوا الإحسان بالإساءة، وقتلوا راعي الرسول ﷺ واستباحوا إبله، فنكَّل بهم الرسول ﷺ عقابًا لهم على غدرهم، ثم هناك خلاف؛ هل هذه الأبوال نجسة أمْ لا؟ فهناك من يرى أنها طاهرة؛ لأنه ما دام جاز التداوي بها فهي ليست بنجسة.
قوله: (وَلِذَلِكَ أَجَازُوا لِلْعَطْشَانِ أن يَشْرَبَهَا إن كَانَ مِنْهَا رِيٌّ، وَللشَّرِيقِ أن يُزِيلَ شَرَقَهُ بِهَا).
مراد المؤلف - رحمه الله تعالى - أنه إذا كانت تدفع عنه العطش؛ فله أن يشربها، ولو غص بلقمة، فله أن يشربها؛ لأنه مطالب بدفع الموت عن نفسه.
قوله: (وَأَمَّا مِقْدَارُ مَا يُؤْكلُ مِنَ الْمَيْتَةِ وَغَيْرِهَا، فَإِنَّ مَالِكًا (١) قَالَ: حَدُّ ذَلِكَ الشِّبَعُ، وَالتَّزَوُّدُ مِنْهَا حَتَّى يجِدَ غَيْرَهَا).
هذه المسألة تكلمنا عنها فيما سبق، وبينَّا أن هذا هو رأي الإمام مالك، وهو رواية في مذهب أحمد، أما مذهب جمهور العلماء فسيذكره المؤلف هنا.
وفي نظري أن مذهب مالك هو أقرب الأقوال؛ وقد ذكرنا الحديث الذي يدل عليه، في قصة الرجل الذي نفقت عنده ناقة، وليس لهم ما يتقوتون به، فقال له الرسول ﷺ : "كلوا" (٢)، ولم يقل: كلوا ما يدفع عنكم الهلاك؛ وإنما أطلق، وهذا موطنٌ يحتاج إلى بيان، فإطلاق
стр. 5465
الرسول ﷺ إنما هو دليلٌ على جواز ذلك، ثم إن الآيات مطلقة؛ قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣].
قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢): لَا يَأْكُلُ مِنْهَا إِلَّا مَا يُمْسِكُ الرَّمَقَ. وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ).
وهي الرواية الظاهرة القوية في مذهب أحمد.
وهذا كما قال العلماء: الضرورة تُقدَّر بقدرها؛ فأنت تنظر إلى المقام؛ إن كنت في مكانٍ مُوحِش، تحتاج إلى أن تشبع من هذه الميتة، وأن تحمل معك أيضًا لأنك لا تجد حولك أناسًا، فيجب أن تحتاط لنفسك، أما لو كنت في مكانٍ، وغلب على ظنك أو تيقنت أنك ستلحق بالآخرين، فادفع عنك وحشة الموت، وبعد ذلك ستجد - إن شاء الله - ما تأكله مما أباحه الله لك في حالة الاختيار.
قوله: (وَسَبَبُ الاخْتِلَافِ هَلِ الْمُبَاحُ لَهُ فِي حَالِ الاضْطِرَارِ هُوَ جَمِيعُهَا؟ أَمْ مَا يُمْسِكُ الرَّمَقَ فَقَطْ؛ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جَمِيعُهَا).
وهذا هو الذي أميل إليه حقيقة، وفي نظري أن مذهب مالك هذا هو أظهر الأقوال؛ كما وضحنا ذلك فيما سبق.
قوله: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣]).
وقد فصَّلنا ذلك فيما سبق؛ أنه لا بد أن يكون غير باغ على المسلمين ولا معتدٍ عليهم؛ وذكرنا قول العلماء في من سافر سفرًا محرَّمًا؛ أنه لا تباح له الرخص.
стр. 5466
قوله: (وَاتَّفَقَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ (١) عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْمُضْطَرِّ أَكْلُ الْمَيْتَةِ إِذَا كانَ عَاصِيًا بِسَفَرِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣]؛ وَذَهَبَ غَيْرُهُ إلى جَوَازِ ذَلِكَ).
وقد مر بنا ذلك وفصلنا فيما سبق، حتى إن جمهور الأئمة الثلاثة: مالكًا والشافعي وأحمد، يرون أن المسافر سفر معصية؛ لا يجوز له أن يقصر الصلاة، وخالفهم أبو حنيفة هنا، وإن اختلفت الأقوال هنا؛ فالعلماء بيَّنوا أن العلة في ذلك هي أن المسافر في حالة وحشة، في حالة خوف، لا يجد أمامه ما يدفع به رمقه ليتقي الموت، فإذا نزلت به هذه النازلة فله أن يأكل، والمسافر سفر معصية؛ قد خرج عن طاعة الله فقالوا: إنَّ قصر الصلاة مما يسارع به إلى الوصول إلى جريمته، فينبغي أن يُعامَل بنقيض قصده، فلا يُرخَّص له في الصلاة، والمسلم ينبغي أن تردعه صلاته؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
قال المصنف رحمه الله تعالى:
стр. 5467
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[كِتَابُ النِّكَاحِ]
هذا كتابٌ عظيم، ويعتبر جزءًا من المعاملات؛ لأنه عقدٌ من العقود، فهو عقدٌ يتم فيه الاتفاق بين اثنين، كل واحدٍ منهما غريبٌ عن الآخر، فالإنسان لا يجوز له أن يتزوج مَن تحرم عليه، والله قد أرشدنا إلى هذا الأمر في كتابه العزيز، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]، وقال أيضًا: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الروم: ٢١]. والسكن دليل الاستقرار والراحة والاطمئنان؛ ثم إنه - تعالى - قد بيَّن أمرًا آخر بقوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾؛ فلو قُدِّر أن بني آدم كلهم ذكور، وكان النساء من جنس آخر؛ هل كان الإنس يتزوجون من الجن أو من الحيوانات؟!
وهل تطمئن في ذلك النفوس وتستريح الأفئدة؟!، فينبغي أن نتفكر في نعمة الله .
والزوجان لكل منهما عند صاحبه مكانة خاصة، والرسول ﷺ قال: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" (١)، ولا شك أن هذا هو ما
стр. 5468
يتمناه كل مسلم ومسلمة؛ أن يؤدم بين الزوجين، فتوجد المحبة والمودة والرحمة.
وفي قصة مالك بن أنس ﵁ أن والده كانت له زوجة، وكان لا يحبها، ويتباعد عنها هنا وهنا، ثم إنها أوقفته في يوم من الأيام، وذكَّرته بأيام الله، وما بينهما، فخلق الله منهما هذا الإمام الجليل؛ هذه ذكرها العلماء وأمثلتها كثيرة جدًّا.
وقد قال الله : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١]؛ فهل تفكَّرنا فيما يكون بين الزوجين من علاقة، وما يحصل بينهما من تعاون، وما يحصل بينهما من إنجاب الأولاد وتربيتهما؟! وقد يفتح الله لهؤلاء الأولاد الحياة، فيسلكون في طريق السعادة، فيكونون دعاة إلى الله، مخلصين في خدمة هذا الدين، بهم تتكون الأسر، وبهم تعلو الأمم، وبهم تكون المجتمعات الإسلامية، ومن هذا المنطلق الكريم كان أصحاب رسول الله ﷺ الذين عاشوا فترة في الجاهلية، فلما أسلموا هذَّبهم الإسلام، صفَّى نفوسهم، صبغهم بصبغة واحدة ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٨].
والنكاح قدوتنا فيه خير البرية، أفضل خلق الله وأشرف أنبيائه ورسله؛ محمد بن عبد الله ﷺ وهو القائل: "يا معشر الشباب؛ من استطاع الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاءٌ" (١).
وقد أنكر الرسول ﷺ على عثمان بن مظعون التبتُّل (٢)، وأنكر على أولئك النفر الذين قال بعضهم: أصوم ولا أفطر؛ وقال بعضهم: أقوم الليل ولا أنام؛ وقال بعضهم: لا أتزوج النساء - يريد أن يكون مُتبتِّلًا متقطعًا للعبادة - (٣).
стр. 5469
فلو أن كل إنسان في هذه الحياة انقطع للعبادة ولم يتزوج النساء؛ ينقطع النسل، والمسلمون بحاجة إلى التكاثر؛ لذلك يقول رسول الله ﷺ : "تزوجوا الودود الولود؛ فإني مُكاثر بكم الأمم يوم القيامة" (١)؛ وقد حضَّ الرسول ﷺ على الزواج، ورغَّب فيه.
والنكاح في اللغة (٢) يطلق على عدة معانٍ؛ يأتي في مقدمتها الوطء، والضم؛ ولذلك يقولون: تناكحت الأشجار - أي: تمايلت - إذا أخذ الهواء يداعبها ويميل بها يمينًا وشمالًا، وانضم بعضها إلى بعض.
والعلماء مختلفون في لفظ النكاح هل هو يُطلق على العقد، أم الوطء؟ ونلاحظ اختلافهم في تفسيرهم للنكاح، في قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ والخلاصة أن معناه الشرعي: هو استمتاع كلٍّ من الزوجين بصاحبه، وهذا مما أباحه الله .
والنكاح مشروعٌ في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ وأجمع العلماء على مشروعيته؛ أما مشروعيته في الكتاب؛ فتدل عليه آيات كثيرة؛ منها قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]؛ وفي السنة الأحاديث التي ذكرناها في السطور السابقة.
وأنت حين تتزوج؛ تحتاج إلى السعي لطلب الرزق؛ للإنفاق على زوجتك وأبنائك، فتتعود الانضباط، بعد أن كنت تضيِّع وقتك في أمور لا فائدة منه.
стр. 5470
وهذه الزوجة التي تزوجتها وحفظتها وصنتها، لو أمسكتَ لقمة ووضعتها في فيها؛ فإنه سيؤجرك ويثيبك عليها؛ كما جاء في الحديث الصحيح: "إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله؛ إلا أجرت عليها، حتى اللقمة تضعها في فيِّ امرأتك" (١)؛ وأنت عندما تكدح في هذه الحياة وتتعب في طلب الرزق، لتنفق على زوجتك وأولادك، على تربيتهم تربية صحيحة، ليكونوا ذرية صالحة؛ فإن ذلك ينفعك في حياتك وبعد مماتك؛ قال رسول الله ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له" (٢).
قوله: (وَأُصُولُ هَذَا الْكِتَابِ تَنْحَصِرُ فِي خَمْسَةِ أَبْوَابٍ:
الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي مُقَدِّمَاتِ النِّكَاحِ.
الْبَابُ الثَّانِي: فِي مُوجِبَاتِ صِحَّةِ النِّكَاحِ.
الْبَابُ الثَّالِثُ: فِي مُوجِبَاتِ الْخِيَارِ فِي النِّكَاحِ.
الْبَابُ الرَّابعُ: فِي حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ.
الْبَابُ الْخَامِسُ: فِي الْأَنْكِحَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا وَالْفَاسِدَةِ).
هناك حقوق للزوج، وحقوق للزوجة، والله تعالى يقول: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، لكن ليس معنى هذا أن الرجل يستغل ضعف المرأة وحاجتها فيؤذيها؛ بل يتدبر قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١].
لا شك أن أي نكاح يخرج عن منهج كتاب الله وعن منهج سنة رسول الله ﷺ يكون غير موافق لما في هذه الشريعة، لكن من هذه
стр. 5471
الأنكحة ما يكون باطلًا، ومنها ما قد يطرأ عليه نقص؛ فهناك شروط لأركان النكاح.
ويجب أن نعلم طبيعة المرأة حتى نستطيع التعامل معها؛ فالرسول ﷺ بيَّن، قال: "عُرِضَت عليَّ النار، فرأيت أكثرها النساء؛ يكفرن؛ قيل: أيكفرن بالله؟ قال: لا، يكفرن العشير، لو أحسنتَ إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت شيئًا منك؛ لقالت: ما رأيت خيرًا قط!! " (١)؛ وقد بيَّن الرسول ﷺ أنهن خُلِقن من ضلع أعوج، فإن أردت أن تقيمه كسرته (٢)؛ لأن الضلع يابس، وإن تركته؛ تركته على ما فيه من عوج، كما قال الشاعر (٣):
إنَّ الغصون إذا قومتها اعتدلت … ولا تلين إذا قومتها الخشبُ
فهذه هي سنة النساء، لكن منهن الصالحات، كما قال ﷺ : "نعمت المرأة الصالحة للرجل الصالح" (٤)، والمرأة الصالحة هي التي قال عنها ﷺ في كلمات قليلة موجزة: "هي التي إذا نظر إليها سرَّته، وإذا غاب عنها حفظته، وإذا أمرها أطاعته" (٥) وما أقل النساء اللاتي ينطبق عليهن هذا! لكن لا ننسى أن الإنسان إذا ابتلي بامرأة حادة الطبع، وصبر عليها؛ فإنه يؤجر على صبره عليها وتحمُّله.
قوله: (الْبَابُ الأَوَّلُ: وَفِي هَذَا الْبَابِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ فِي حُكْمِ النِّكَاحِ، وَفِي حُكْمِ خُطْبَةِ النِّكَاحِ، وفي الخطبة على الخطبة، وفي النظر إلى المخطوبة قبل التزويج).
стр. 5472
تكلمنا فيما سبق عن مشروعية النكاح. أما حكمه فإنه في الأصل عند جمهور العلماء سنة مؤكدة؛ وينقسم النكاح إلى خمسة أقسام: الواجب، المندوب، المباح، الحرام، المكروه.
فقد يريد إنسان أن يتزوج امرأة ليسيء إليها؛ انتقامًا منها مثلًا أو من أهلها؛ فهذا يحرم عليه هذا الزواج؛ لأنه ما تزوجها ليكون ممتثلًا لسنة رسول الله ﷺ الذي قال: "النكاح سنتي" (١).
وأحيانًا يكون واجبًا؛ إذا خاف الإنسان على نفسه أن يقع في محظور؛ لأن الزواج هو الذي يمنعه ويردعه عن الحرام؛ فهو في هذه الحال يجب عليه أن يتزوج.
[الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي مُقَدِّمَات النِّكَاح (٢)]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَفِي هَذَا الْبَابِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: فِي
جمهور العلماء: يذهبون إلى أنه مندوب إليه، وقد تعرضنا لما يعتري هذا النكاح من أحكام.
فإنه قد يتعين أحيانًا فيكون واجبًا في بعض الناس فيما يخشى على نفسه الوقوع في محرم.
وقد يكون مكروهًا فيمن يقصد بنكاحه إيذاء الزوجة.
ويكون مباحًا في بعض الأحوال.
لكن من حيث الجملة النكاح مندوب إليه.
والله قد حض عليه في كتابه العزيز وأمر به في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النور: ٣٢].
وقال : ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣].
والرسول ﷺ قد حض عليه وفعله - بقوله ﵊: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحفظ للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" (١).
فالرسول ﷺ بيَّن فضل الزواج وذكر الحكمة وبعض الأسرار المتعلقة بالزواج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، وأن من لم يجد طَولًا للنكاح فإن عليه بالصوم فإن له وجاء.
وقوله ﵊: "تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثرٌ بكم الأمم يوم القيامة" (٢).
فهذه الأدلة قال العلماء فيها: لما ربط الله ذلك بالاستطاعة، وكذلك الرسول ﷺ قال: "من استطاع منكم الباءة"؛ فدل ذلك على أنه ليس بواجب.
стр. 5475
وأما أهل الظاهر (١): فإنهم يأخذون بظواهر النصوص فيقولون بوجو به.
لا وهي أن الإنسان ينقطع عن هذه الحياة الدنيا؛ لأنه ربما يفكر ويقول: لو أنني تزوجت لانشغلت بزوجتي وبمسؤولياتها، ثم بعد ذلك يأتي الأولاد فأقوم على رعايتهم وتربيتهم والكد والسعي في طلب الرزق للإنفاق عليهم، ثم بعد ذلك أنشغل بتربيتهم ومتابعتهم إلى غير ذلك.
فجمهور العلماء: يرون أن الزواج أفضل، فلو أن الناس تركوا الزواج لتعطلت مصالح كثيرة، ولأن الزواج فيه فضائل ومنافع وأسرار وحكم عظيمة؛ منها:
١ - أن المجتمع الإسلامي يخرج منه أمة صالحة؛ لأن هؤلاء الأبناء يتربون في هذه البيوت تربية صالحة، ويكونون في خدمة هذا المجتمع من جهاد وتعليم ودعوة وطلب للعلم واشتغال بالطب والهندسة وبغيرها، بكل ما يخدم المجتمع الإسلامي، فلا يكون المسلمون عالة على غيرهم.
٢ - أن فيه تكثيرًا لهذه الأمة، كما أشار الرسول ﷺ إلى ذلك بقوله: "تزوجوا الودود الولود فإنه مكاثر بكم الأمم يوم القيامة".
ويكفينا ذلك أن قدوتنا هو محمد بن عبد الله، وقد تزوج ﵊، وأنكر على أولئك النفر الذين تحدثوا فيما بينهم، فقال بعضهم: أقوم الليل ولا أنام، وقال بعضهم: أصوم ولا أفطر، وقال بعضهم: لا أتزوج النساء، فرد عليهم رسول الله ﷺ وقال: "أما أنا فأصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (٢).
стр. 5476
- وأما الذين قالوا: بأن الانقطاع للعبادة والانشغال بها والانصراف إلى أمور الآخرة هو أفضل، واستدلوا بقول الله عن يحيى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُوَرًا﴾ [آل عمران: ٣٩]، وقالوا: ذكر الله ذلك في موضع المدح والثناء، وهو قد انقطع عن النساء، فأثنى الله عليه، ولو لم يكن الانقطاع للعبادة والتخلي عن الزواج أفضل لما أُثني عليه في هذه الآية.
وقال الله تعالى في ذم ما يتعلق بشأن هذا الأمر وما يقوم له: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤]، فقالوا: ذكر الله ذلك في موضع الذم، هذه أدلتهم وتعليلاتهم.
ولكننا نقول: أدلة الكتاب وأدلة السنة هي خير دليل على ذلك، ثم إن رسول الله ﷺ فعل ذلك وأنكر على ابن مظعون تبتُّله (١).
وأُثر عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: "لو لم يبقَ من عمري إلا عشرة أيام، وكان عندي طَول" يعني: أستطيع الزواج "لتزوجت" (٢)، لا يريد أن يختم حياته دون أن تكون له زوجة، ولا ننس ما في الزواج من منافع كثيرة منها:
١ - استجابة لأمر الله .
٢ - توجيه رسوله ﷺ إلى غير ذلك من الأمور الكثيرة.
стр. 5477
" قوله: (وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ (١): هُوَ وَاجِبٌ، وَقَالَتِ المُتَأَخِّرَةُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: هُوَ فِي حَقِّ بَعْضِ النَّاسِ وَاجِبٌ، وَفِي حَقِّ بَعْضِهِمْ مَنْدُوبٌ إِلَيهِ (٢)).
هذا التعليق ذُكر عند المالكية وعند غيرهم، وبعض العلماء يقولون: إذا خشي الإنسان على نفسه أن يقع في محرم فيجب عليه في هذه الحالة أن يتزوج (٣)؛ لأنه يعصمه عن الوقوع في المحرم؛ فالزواج يحصنه عن الوقوع في معصية الله، والوقوع في المعصية تترتب عليه مخاطر كثيرة:
الأمر الأول: أنه ارتكب محرمًا.
الأمر الثاني: أنه يترتب على ذلك حد.
стр. 5478
الأمر الثالث: أنه أثم في هذا العمل.
فترتبت على ذلك مساوئ كثيرة، أما إذا كانت عنده شهوة ورغبة في الزواج ولا يخشى على نفسه، فنرجع إلى الأصل أنه مندوب وسنة مؤكدة؛ كما أشار إلى ذلك رسول الله ﷺ .
أما إذا كان الإنسان لا يجد في نفسه قوة للنساء كأن يكون عِنِّينًا (١) أو كبيرًا قد ضعف، ففي هذه الحالة يصبح مباحًا في حقه شريطة ألا يهدر حق المرأة، يأتي الإنسان يريد أن يتزوج من الأسرة الفلانية ليؤذي هذه المرأة هذا أمر محرم لا يجوز له؛ لأنه لم يقصد الزواج، وإنما قصد إيقاع الضرر، والرسول ﷺ يقول: "لا ضرر ولا ضرار" (٢).
أما ما يتعلق بحكم الطلاق: أن الإنسان ربما يتزوج امرأة وفي نيته طلاقها، هذه مسألة اختلف فيها العلماء.
فجمهور العلماء يقولون: إن قصد أن يتزوج امرأة وفي نيته أن يطلقها ولم يصرح بذلك فله ذلك، لكن أن يشترط ذلك فلا يجوز، والإنسان ربما يأخذ المرأة وهو ينوي طلاقها فيلقي الله محبتها في قلبه، ويقذف المودة فيما بينهما، فتحصل الألفة والمودة وتتغير الحال، فبدل أن كان ينوي طلاقها يتمسك بها، وهذه أمور إنما هي بإرادة الله وقدره، فهو يقضي هذه الأمور.
قوله: (وَفِي حَقِّ بَعْضِهِمْ مُبَاحٌ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يَخَافَ عَلَى تَفْسِهِ مِنَ الْعَنَتَ، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هَلْ تُحْمَلُ صِيغَةُ الْأَمْرِ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وَفِي قَوْلِهِ ﵊: "تَنَاكَحُوا، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ" (٣). وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ
стр. 5479
مِنَ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ؟ أَمْ عَلَى النَّدْبِ؟ أَمْ عَلَى الْإِبَاحَةِ؟).
العلماء قالوا: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ دليل على عدم الوجوب.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النور: ٣٢]، فالآية لا تدل على أن الأمر متعين للوجوب، والرسول ﷺ قال: "يا مشعر الشاب من استطاع منكم الباءة فليتزوج" (١).
والرسول ﷺ أنكر على ابن مظعون تبتله، ولا شك أن الزواج أولى وفيه فوائد عظيمة.
قوله: (فَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهُ فِي حَقِّ بَعْضِ النَّاسِ وَاجِبٌ، وَفِي حَقِّ بَعْضِهِمْ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَفِي حَقِّ بَعْضِهِمْ مُبَاحٌ - فَهُوَ الْتِفَاتٌ إِلَى الْمَصْلَحَةِ، وَهَذَا نَوْعٌ مِنَ الْقِيَاسِ هُوَ الَّذِي يُسَمَّى الْمُرْسَلَ (٢)).
فهناك قياس مُرسل أي: أرسل دون قيد، وليس قياسًا لعلة تجمع بينهما، وهناك ما يعرف بالمصالح المرسلة، والمؤلف عَده من القياس المرسل، وهو أيضًا من المصالح المرسلة (٣)، فينظر في ذلك إلى المصلحة، هل هي في الزواج أو في عدم الزواج؟ لكن الزواج من حيث الجملة هو مشروع، والزواج أفضل من تركه في حق القادر عليه.
قوله: (وَهُوَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ
стр. 5480
كثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ الْقَوْلُ بِهِ (١)، وَأَمَّا خُطْبَةُ النِّكَاحِ الْمَرْوِيَّةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فقال الجمهور: إنها ليست واجبة (٢)).
خُطبة النكاح: تعرف بخطبة الحاجة، وهذه هي التي وردت في
стр. 5481
حديث عبد الله بن مسعود (١) ﵁ عندما ذكر أن رسول الله ﷺ علمهم خُطبة الحاجة، هذه الخطبة التي نحتاج إليها في كل مقال، يحتاج إليها الخطيب إذا أراد أن يخطب الناس في الجمعة أو في العيدين، وليست هي لازمة، لكنها منهج للخُطب التي ثبتت عن رسول الله ﷺ ، وعلمها أصحابه، وتشتمل على عدة آيات من كتاب الله ، وهي: "إن الحمد لله نحمد ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد لله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنت محمدًا عبده ورسوله، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢] "، فيها تذكير للزوجين ابتداءً بتقوى الله ، وختمها بقوله: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، فمن يداوم على تقوى الله ويحافظ عليها هو الذي سيموت على الإسلام، كما قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾ [مريم: ٦٣].
ثم جاءت الآية الأخرى: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١]، النفس الواحدة هي: آدم ﵇ الذي خلقه من تراب؛ فهذا تذكير لنا جميعًا نحن الأمم العظيمة التي
стр. 5482
تجاوزت المليارات، يموت أقوام، ويحيا أقوام، يولد أقوام، ويشب أقوام، ويكبر أقوام، ويهرم أقوام، كلنا من آدم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء:١].
ولا ينبغي أن تنشغل بهذا الزواج عن والديك، وعن إخوانك، وعن أقاربك وعن أصدقائك، وعن جيرانك، في كل أحوال المؤمن فالله يراقب أعمالنا لا تخفى عليه خافية: كما قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
ثم جاءت الآية الخاتمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيضًا وصية بالتقوى ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ صوابًا، وإذا اتقيت الله وصدقت في قولك وعملك ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]، لا شك أن السعادة كل السعادة، والفوز كل الفوز والنجاة إنما هي في طاعة الله وفي طاعة رسوله ﷺ ؛ فهذه خطبة جليلة تشتمل على فوائد عظيمة، فيها تذكير بأمور عظيمة بحمد الله، بطاعة الله، بتقوى الله، بالاستقامة على ذلك، بالاستمرار على طاعة الله تعالى والدوام عليها حتى يلقى الإنسان ربه وهو يداوم على هذا الشكر في جميع الأمور.
قوله: (وَقَالَ دَاوُدُ: هِيَ وَاجِبَةٌ (١)، وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ يُحْمَلُ فِعْلُهُ فِي ذَلِكَ ﵊ عَلَى الْوُجُوبِ؟ أَوْ عَلَى النَّدْبِ؟) (٢).
стр. 5483
الحقيقة هي ليست واجبة؛ لأنها ليست ركنًا من أركان الزواج، فهناك الإيجاب والقبول، وهناك ما يتعلق بمن يعقد الزواج، وهناك وليٌّ وشاهدان، لكنها مقدمات، وهي لا شك مستحبة وينبغي العناية بها، وعدم تركها لكنها ليست بواجبة.
قوله: (فَأَمَّا الْخِطْبَةُ (١) عَلَى الْخِطْبَةِ فَإِنَّ النَّهْيَ فِي ذَلِكَ ثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ ﵊).
الخِطبةُ على الخِطبةِ أي: إذا رأى أخاه قد أقدم على خطبة امرأة من النساء فيأتي فيخطبها، فيترتب على ذلك إلحاق الضرر بأخيه المسلم، والرسول ﵊ يقول: "المؤمن أخو المؤمن، لا يحل
стр. 5484
لمؤمن أن يبتاع على بيعة أخيه، ولا يحل لمؤمن أن يخطب على خطبة أخيه" (١).
وقال ﵊: "ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه" (٢).
فالرسول ﷺ حذر من أن يُقدِم أحدنا على هذا؛ لأن هذا من الضرر الذي نهت عنه الشريعة الإسلامية، أما لو خطب هذا الرجل ورُدَّ؛ بمعنى لم يستجب إليه؛ ففي هذه الحالة له أن يتقدم كغيره من الخاطبين، وهناك أمر وهو: ألا يُعطى الإجابة صريحةً، ولكن يشار إليه بمعنى أنه يُعطى الموافقة تعريضًا لا تصريحًا كأن تقول المرأة لا غنى لي عنك، أو لا رغبة لي عنك أو غير ذلك من العبارات التي تأتي تعريضًا لا تصريحًا.
وهناك عدة صور لبعض الحالات:
الصورة الأولى: العلماء مجمعون على أنه لا يجوز للمسلم أن يخطب على خطبة أخيه إذا تمت الموافقة والإجابة للخاطب الأول (٣).
الصورة الثانية: أن يُرد الخاطب الأول؛ فله أن يخطب ولا خلاف في هذه.
الصورة الثالثة: التي فيها التعريض بالموافقة، كثير من العلماء يلحقها بالصورة الأولى، وبعضهم لا يلحقها، والخلاف هنا يدور حول حديث فاطمة بنت قيس، فقد جاءت إلى رسول الله ﷺ تستأذنه، والرسول قد قال لها: "لا تفوتيني بنفسك"، يعني: عرَّض لها، فجاءت إلى رسول الله ﷺ ،
стр. 5485
فذكرت له أن أبا جهم ومعاوية بن أبي سفيان خطباها (١). إذن هي جاءت لتخبر رسول الله ﷺ ، إذن هي مستشيرة تطلب من الرسول ﵊ النصح، فإذا جاءك أخوك المسلم يستشيرك فعليك أن تخلص له النصح، وليس لك أن تغشه في أمر من الأمور، "فمن غشنا فليس منا" (٢)، كما قال الرسول ﷺ ، فالقصد من ذلك أن تكون نيتك وقصدك خالصًا لله، تريد له الخير، أما أن تجتهد وتخطئ في اجتهادك فلا إثم عليك.
فقال لها رسول الله ﷺ :"أما أبو جهم فإنه لا يضع عصاه (٣) عن عاتقه" كناية عن ضربه للنساء، "وأما معاوية فصعلوك (٤) لا مال له" يعني: فقيرًا ليس عنده مال.
ثم قال لها: "انكحي أسامة بن زيد"، فأشارت بيدها كالمترددة، فأمرها ﵊ أن ينكحها وتطيع الله ورسوله، فنكحته، قالت: فاغتبطت (٥) به.
стр. 5486
الشاهد: أن هذه المرأة جاءت لتستشير الرسول، فحصل في هذا العقد عدم وجود الكفاءة في النسب، وسيأتي الكلام على هذا الشرط، وهذه هي حجة من الحجج التي يتمسك بها أن الكفء لصاحب الدين؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣].
وقال رسول الله ﷺ : "وليس لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي فضل إلا بالتقوى" (١)، فالذي يميز المسلم عن أخيه المسلم تقوى الله .
أبي الإسلام لا أب لي سواه … إذا افتخروا بقيسٍ أو تميمِ (٢)
فقال لها الرسول ﷺ : "أما أبو جهم فإنه رجل لا يضع عصاه عن عاتقه"، دائمًا رافعًا العصا يضرب النساء؛ أي: رجل فيه قسوة وفيه غلظة، ولذلك أرشدها الرسول ﷺ إلى حقيقة الأمر، أراد أن يبين لها الحق، وهذا من بلاغة رسول الله ﷺ رجل لا يضع عصاه عن عاتقه، وفي رواية: "رجل ضراب للنساء" (٣)، ضراب: صيغة مبالغة؛ أي: كثير الضرب للنساء، وأما معاوية فلم يذكر فيه إلا أنَّه رجل صعلوك لا مال له؛ أي: فقير، مع أن هذا الرجل أصبح يقود أمة وأصبح الخليفة بعد الخلفاء الراشدين، وهو مؤسس الدولة الأموية، وهو صهر (٤) رسول الله ﷺ ، وهو
стр. 5487
أحد كَتَبة الوحي (١)، ونفع الله به العباد وفتح الله به البلاد، وهو أحد أصحاب رسول الله ﷺ الذين أثنى عليهم، وحض على بيان فضلهم (٢) وعدم الطعن فيهم (٣) إلى غير ذلك، والله هو الذي يعطي وهو الذي يمنع، هو الذي يعز وهو الذي يخفض، وهو الذي يرفع قال الله تعالى: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦].
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
فكم من أناس تجد أن الفقر قد بلغ بهم الفاقة (٤) حتى ربما لصق أحدهم في التراب، وكم من أناس تجد عندهم الأموال الكثيرة الطائلة، وإذا بالأحوال تتحول فيصبح الفقير غنيًّا، ويصبح الغني فقيرًا، وهذا كله بإرادة الله .
والإنسان مهما بذل من الجهد، مهما أتعب نفسه وأذاب (٥) قلبه في أن يصل إلى أمر من أمور الدنيا فلن يصل إلا إلى ما كتبه الله له في بطن أمه، ويُكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد، كما قال النبي ﷺ :
стр. 5488
"إن أحدكم يخلق في بطن أمه أربعين يومًا … " إلى آخره (١).
فكم من أناس قضوا أكثر عمرهم في الفقر، فإذا كانوا في أخريات حياتهم تجد أن الدنيا أصبحت تنهال وتتهافت (٢) عليهم وتنساق إليهم، وكم من أناس عاشوا في رخاء وفي ترف وفي نعيم، فانسدت عليهم المسالك، وضاقت عليهم حياتهم وماتوا فقراء، والإنسان في هذه الحياة لا يدري الخير في أن تكون فقيرًا فيعوضك الله عن ذلك، أو أن تكون غنيًّا؛ هذه كلها بإرادة الله ، لكن الشيء الذي ينبغي ألا نغفل عنه "أن الدنيا لو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة لما سقى منها الكافر شربة ماء" (٣).
ولو كان في الدنيا مقام لأحد لكان محمد بن عبد الله في مقدمة أولئك، ولقد خيره الله تعالى بين أن يكون ملكًا نبيًّا، فاختار أن يكون عبدًا رسولًا (٤)، "إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله" (٥)؛ فلا ينبغي أن
стр. 5489
نشغل أوقاتنا في التفكير في الدنيا، فما يقدره الله لنا هو الخير، وربما تنفتح عليك الدنيا فتأخذ كثيرًا من أوقاتك عن طاعة الله.
فمعاوية صحابي جليل كان فقيرًا، ولما جاءت فاطمة بنت قيس تستشير رسول الله ﷺ فذكر أن الرجل على فضل، وأنه على خير، لكنه رجل فقير، فبين لها هذه الصفة، وإذا بالأحوال تتغير؛ يصبح هذا الرجل هو القائم على خزائن الدولة الإسلامية، القائم على مُلكها، هو الذي يعطي هذا ويمنع هذا، وكل ذلك بتوفيق الله، فهذه أمور مقدرة ينبغي أن نؤمن بها، "فما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك" (١)، فما ينزل بك إنما هو بقضاء الله وقدره.
ولذلك ترون أن العلماء الذين وقفوا حياتهم في طاعة الله وفي الدعوة إلى دينه وفي الإخلاص لهذا الدين إنما هم عزفوا (٢) عن الحياة الدنيا، صرفوا أنفسهم عنها، كانوا يخشون أن تشغلهم هذه الحياة الدنيا عن الآخرة، فهم آثروا الباقية عن الفانية، وهذا الفرق بيننا وبينهم فنحن نؤثر الفانية على الباقية،
قوله: (وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى فَسَادِ النَّهْيِ عَنْهُ؟ أَوْ لَا يَدُلُّ؟ وَإِنْ كَانَ يَدُلُّ فَفِي أَيِّ حَالَةٍ يَدُلُّ؟).
العلماء متفقون، وبعضهم حكى الإجماع على أنه يحرم على المسلم
стр. 5490
أن يخطب على خطبة أخيه فإذا سُكن ورُكن إليه؛ أي: إذا أجيب إلى ذلك، فلا يدل ذلك على الفساد، ولكن يحرم على الإنسان أن يخطب على خطبة أخيه هذا هو رأي الجمهور.
قوله: (فَقَالَ دَاوُدُ: يُفْسَخُ (١)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٣): لَا يُفْسَخُ، وَعَنْ مَالِكٍ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا (٤)، وَثَالِثٌ وَهُوَ أَنْ يُفْسَخَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَا يُفْسَخَ بَعْدَهُ (٥)، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ (٦): إِنَّمَا مَعْنَى النَّهْيِ إِذَا
стр. 5491
خَطَبَ رَجُلٌ صَالِحٌ عَلَى خِطْبَةِ رَجُلٍ صَالِحٍ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْأَوَّلُ غَيْرَ صَالِحٍ وَالثَّانِي صَالِحٌ - جَازَ).
فإذا ركن إليها فلا يجوز لك أن تتقدم، وإن رُدَّ فلك أن تتقدم كغيرك ولا لوم عليك ولا إثم (١)، وإن وُجد تعريض فبعض العلماء يلحقه بالأول، فيقال في هذه: رب إشارة أبلغ من عبارة، لا رغبة لي عنك، معنى هذا أن فيه إشارة إلى الرغبة، وفي قصة جرير وعمر وغيرهما لما خطب امرأة، فالمرأة عرَّضت لعمر ﵁، ثم بعد ذلك تزوجت، وفي رواية أنها تزوجت جريرًا (٢).
قوله: (وَأَمَّا الْوَقْتُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ فَهُوَ إِذَا رَكَنَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ لَا فِي أَوَّلِ الْخِطْبَةِ).
وهذا هو الصحيح، فإذا ركن بعضهم إلى بعض حصل الإجابة،
стр. 5492
فحينئذٍ لا يجوز للمسلم أن يخطب على خطبة أخيه، كما أنه لا يجوز له أن يبتاع على بيع أخيه (١)، ولا على شرائه؛ لأن هذا فيه إيذاء لأخيك المسلم، وكما قال النبي ﷺ : "والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" (٢).
وقال ﷺ : "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه" (٣)، فلا ينبغي للمسلم أن يُلحق أي ضرر بأخيه المسلم.
قوله: (بِدَلِيلِ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ حَيثُ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَذَكَرَتْ لَهُ أَنَّ أَبَا جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أبي يسُفْيَانَ خَطَبَاهَا، فَقَالَ: "أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَرَجُلٌ لَا يَرْفَعُ عَصَاهُ عَنِ النِّسَاءِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَه، وَلَكِنِ انْكِحِي أُسَامَةَ" (٤)).
فأشارت بيدها كالمترددة، فأكد عليها الرسول ﷺ ، ومن يستجيب لأوامر رسوله ﷺ ، ومن يقف عند هذه الشريعة سيجد الخير والغبطة، ولذلك قالت: "نكحت فاغتبطت به"؛ أي: حصلت السعادة بنكاحها أسامة بن زيد؛ لأن رسول الله ﷺ أرشدها إلى الخير، وبيَّن لها ما هو الأولى.
قوله: (وَأَمَّا النَّظَرُ إِلَى الْمَرْأَةِ عِنْدَ الْخِطْبَةِ (٥)، فَأَجَازَ
الْبَدَنِ عَدَا السَّوْءتَيْنِ) (١).
بالنسبة لخطبة المرأة، الناس في هذا الزمان تجد بعضهم يتشدد ويقول: كيف يأتي رجل أجنبي فينظر إلى ابنتي أو إلى أختي أو إلى عمتي أو خالتي، كيف أسمح له بذلك يأتي فينظر إلى وجهها، وتجد أن من الناس من يتوسع في ذلك، فربما ترك هذا الشاب يخلو بالبنت وربما تخرج معه، وربما تحصل الاتصالات الكثيرة وهكذا، والإسلام رسم الطريق السوي الذي ينبغي أن نسير فيه، فالرسول ﷺ يرشدنا إلى ما فيه الخير، ولا يأمرنا إلا بما فيه سعادتنا، فقال: "إذا خطب أحدكم امرأة فلينظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينهما" (٢)؛ أي: يُوفق بينهما.
فالإنسان عندما يُدخل على امرأة لم يرها، ربما تنفر نفسه منها؛ فقد تكون هذه المرأة جميلة لكنها لا تدخل نظره، وقد تكون جميلة في نظر هذا، لكنها غير جميلة في نظر هذا، فلا مانع أن ينظر إليها، ولكن نظرة حشمة ويكون عند أحد أولياء أمرها.
وجاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال إني خطبت امرأة، فقال له رسول الله ﷺ : "انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئًا" (٣)، ووردت عدة أحاديث في ذلك؛ فالرسول ﷺ حث الخطيب على أن ينظر.
стр. 5495
لكن هناك آداب إسلامية ينبغي الالتزام بها، فلو قدر أن إنسانًا دخل على امرأة ولم تعجبه لا يجوز له أن يذهب ويتحدث في المجالس أنا رأيت فلانه وفيها كذا، هذا لا يجوز، وهو من الإساءة، ومن باب إشاعة أمور تلحق الضرر بالفتاة، ولكن لا ينبغي أن يكون الجمال هو كل شيء، فما الفائدة أن تتزوج امرأة جميلة المنظر ذميمة الأخلاق، هذا أمر لا يفيدك؛ لأن هذه حقيقة ستلهب حياتك وتنقلب نارًا ونكدًا.
فكما قال الرسول ﷺ : "تنكح المرأة لأربعه لمالها وجمالها وحسبها ودينها" (١)؛ فأوصى الرسول ﷺ وقال: "فاظفر بذات الدين تربت يداك"، فقدَّم ذات الدين والخلق؛ فبذلك تسعد وتنال الخير في الدنيا والآخرة، أما أن تنكح امرأة لجمالها ولا تهتم بدينها، أو لنسبها، فربما يحصل لك السعادة، لكن لا ينبغي أن نجعل الجمال هو الأصل أو الحسب، وإنما ينبغي أن نجعل الدين والخلق هو الأصل، وما يأتي بعد ذلك فهو تابع، لكن أن يحصل الدين والجمال والأخلاق هذا أمر طيب.
فلو أن إنسانًا أخذ امرأة ذات دين وهي متوسطة الجمال لكنها غمرت هذا الإنسان بأخلاقها، مثل المرأة الصالحة التي أرشدها الرسول ﷺ بقوله: "نعم الرجل الصالح للمرأة الصالحة، إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته" (٢)؛ أي: لا يسمع منها إلا الكلمة الطيبة، إذا أمرها لا يسمع منها إلا كلمة لبيك ومرحبًا ونحو ذلك، لا تتردد في الأمر، هي تكرمه تقدره تقوم بجميع حقوقه، ترعاه حق رعاية، ترعاه في بيته، تحافظ على أولاده أيضًا إذا غاب عنها حفظته في
стр. 5496
نفسها، وفي مالها، وفي أولادها، وباختصار أن المرأة الصالحة الدَّينة تكون عونًا لزوجها على طاعة الله .
قوله: (وَمَنَعَ ذَلِكَ قَوْمٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ) (١).
فالنظر ينبغي أن يكون في المواضع التي يُحتاج إليها وهي الوجه واليدان، أما أن يفحص جسمها فلا يزال جسمها عورة لا ينبغي ذلك.
قوله: (وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ النَّظَرَ إِلَى الْقَدَمَيْنِ مَعَ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ) (٢).
معلوم أن الوجه هو مجمع محاسن الجمال في المرأة، ففيه العينان وفيه الأنف وفيه الفم، وفيه حاسة السمع، فالحواس مجتمحة في الوجه، وهو موضع الجمال، فالوجه أشرف ما في بدن الإنسان؛ ولذلك يسجد لله وحده؛ لأنه هو المستحق للتعظيم، يضع أعظم شيء في بدنه على الأرض، استسلامًا وانقيادًا وإنابة، وخضوعًا لله ؛ هذه هي غاية الطاعة لله .
قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ أَنَّهُ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِنَّ مُطْلَقًا، وَوَرَدَ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا، وَوَرَدَ مُقَيَّدًا؛ أَعْنِي: بِالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ).
стр. 5497
الوجه والكفين هو الذي ينظر إليهم وما عدا ذلك فلا؛ لأن الوجه هو موضع المحاسن والجمال عند المرأة.
قوله: (عَلَى مَا قَالَهُ كثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] أَنَّهُ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ، وَقِيَاسًا عَلَى جَوَازِ كشْفِهِمَا فِي الْحَجِّ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَمَنْ مَنَعَ تَمَسَّكَ بِالْأصْلِ وَهُوَ تَحْرِيمُ النَّظَرِ إِلَى النِّسَاءِ).
المؤلف قصد: أن المرأة في الحج لا تغطي وجهها، لكن إذا مر بها الأجانب، فإنها تُرخي خمارها كما حصل من عائشة (١) ﵂، وحديث الرسول لما جاءه رجل فقال: إنه خطب امرأة قال ﵊: "انظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئًا" (٢)، فدل ذلك على أن المقصود في الغالب الوجه.
[الْبَابُ الثَّانِي: في موجبات صحة النكاح]
قوله: (وَهَذَا الْبَابُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ: الرُّكْنُ الْأَوَّلِ: فِي مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ هَذَا الْعَقْدِ. الرُّكْنُ الثَّانِي: فِي مَعْرِفَة مَحَلِّ هَذَا الْعَقْدِ. الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَة شُرُوطِ هَذَا الْعَقْدِ.
стр. 5498
أما الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: فِي الْكَيْفِيَةِ:
وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الرُّكْنِ فِي مَوَاضِعَ: فِي كيْفِيَّةِ الْإِذْنِ الْمُنْعَقِدِ بِهِ، وَمَنِ الْمُعْتَبَرُ رِضَاهُ فِي لُزُومِ هَذَا الْعَقْدِ).
المؤلف هنا سيتكلم عن عدة مسائل فيما يتعلق بمن الذي يُعتبر رضاه؛ هل الرجال البالغون الأحرار لا بد من رضاهم؟ وهل هناك فرق بين البكر وبين الثيب؟ وهل هناك فرق بين الثيب الكبيرة والصغيرة؟ وهل للثيب أن يجبر عبده على الزواج؛ لأنه يملك رقبته؟ وهل للأب أن يجبر ابنه الصغير أو ابنته الصغيرة على الزواج؟ وهذا كله سيأتي الكلام فيه مفصلًا إن شاء الله، ونتناوله مسألة مسألة.
قوله: (وَهَلْ يَجُوزُ عَقْدُهُ عَلَى الْخِيَارِ؟ أَمْ لَا يَجُوزُ؟ وَهَلْ إِنْ تَرَاخَى الْقَبُولُ مِنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَزِمَ ذَلِكَ الْعَقْدُ؟ أَمْ مِنْ شَرْطِ ذَلِكَ الْفَوْرُ؟).
يعني: لو أن الولي قال: زَوَّجتك ابنتي فلانة هل يلزم أن يجيب الزوج مباشرةً ويقول: قبلت أو رضيت أم هناك تراخٍ؟
والجواب: يعطى فرصة للخيار بعد ذلك، فالإنسان إذا اشترى سلعة هناك خيار المجلس وهناك خيار الشرط، وهناك أنواع أخرى من الخيار.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(أما الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ:
الْإِذْنُ فِي النِّكَاحِ عَلَى ضَرْبَيْنِ، فَهُوَ وَاقِعٌ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالثَّيِّبِ مِنَ النِّسَاءِ بِالْأَلْفَاظِ، وَهُوَ فِي حَقِّ الْأبْكَارِ الْمُسْتَأْذَنَاتِ وَاقِعٌ بِالسُّكُوتِ؛ أَعْنِي: الرِّضَا).
الاستئذان واقع في حق الرجال والنساء على سواء، ومراد المؤلف
стр. 5499
من الرجال الأحرار البالغون، يعني: لو أن لك ولدًا لا تلزمه على أن يتزوج فلانة، أو ابنة أو أختًا ثيبًا بمعنى: تزوجت وطلقت أو مات عنها زوجها، ليس لك أن تجبرها.
معنى بالألفاظ: أي: النطق؛ لأن الرسول ﷺ قال: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن" قيل: يا رسول الله فيكف استئذانها؟ فقال: "أن تسكت" (١).
إذن الكبيرة الثيب تَردُّ، فتقول: نعم أو لا، لأنها دخلت في أمر الزواج وعرفت حلوه ومره وجربته، فلا بد أن تصرح بذلك، وسيأتي في قصة ابنة مظعون عندما زوجها عمها فأبت هي وأمها، فذهبتا تشتكيان إلى رسول الله ﷺ فأقرهما على ذلك، وفي قصة الفتاة التي جاءت إلى رسول الله ﷺ شاكية، وقالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته (٢)؛ يعني: رجل فيه نقص وقصور، فأراد أن يحافظ هذا الرجل على ابن أخيه بأن يزوجه ابنته، وهذه البنت من منطقها أنها ذكية، قالت: ليرفع بي خسيسته، فترك الرسول ﷺ الأمر إليها، فقالت: إني أقررت ما صنع أبي غير أني أردت أن أعلم ما للنساء من حقوق (٣)، أرادت أن تتأكد
стр. 5500
أو ليعرف النساء حقهن في ذلك، أو كما جاء عنه ﵊.
قوله: (وَأَمَّا الرَّدُّ فَبِاللَّفْظِ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ (١) أَنَّ إِذْنَ الْبِكْرِ إِذَا كَانَ الْمُنْكِحُ غَيْرَ أَبٍ وَلَا جَدٍّ بِالنُّطْقِ، وَإِنَّمَا صَارَ الْجُمْهُورُ (٢) إِلَى أَنَّ إِذْنَهَا بِالصَّمْتِ لِلثَّابِتِ