← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.

стр. 5496

نفسها، وفي مالها، وفي أولادها، وباختصار أن المرأة الصالحة الدَّينة تكون عونًا لزوجها على طاعة الله . قوله: (وَمَنَعَ ذَلِكَ قَوْمٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ) (١). فالنظر ينبغي أن يكون في المواضع التي يُحتاج إليها وهي الوجه واليدان، أما أن يفحص جسمها فلا يزال جسمها عورة لا ينبغي ذلك. قوله: (وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ النَّظَرَ إِلَى الْقَدَمَيْنِ مَعَ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ) (٢). معلوم أن الوجه هو مجمع محاسن الجمال في المرأة، ففيه العينان وفيه الأنف وفيه الفم، وفيه حاسة السمع، فالحواس مجتمحة في الوجه، وهو موضع الجمال، فالوجه أشرف ما في بدن الإنسان؛ ولذلك يسجد لله وحده؛ لأنه هو المستحق للتعظيم، يضع أعظم شيء في بدنه على الأرض، استسلامًا وانقيادًا وإنابة، وخضوعًا لله ؛ هذه هي غاية الطاعة لله . قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ أَنَّهُ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِنَّ مُطْلَقًا، وَوَرَدَ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا، وَوَرَدَ مُقَيَّدًا؛ أَعْنِي: بِالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ).

стр. 5497

الوجه والكفين هو الذي ينظر إليهم وما عدا ذلك فلا؛ لأن الوجه هو موضع المحاسن والجمال عند المرأة. قوله: (عَلَى مَا قَالَهُ كثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] أَنَّهُ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ، وَقِيَاسًا عَلَى جَوَازِ كشْفِهِمَا فِي الْحَجِّ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَمَنْ مَنَعَ تَمَسَّكَ بِالْأصْلِ وَهُوَ تَحْرِيمُ النَّظَرِ إِلَى النِّسَاءِ). المؤلف قصد: أن المرأة في الحج لا تغطي وجهها، لكن إذا مر بها الأجانب، فإنها تُرخي خمارها كما حصل من عائشة (١) ﵂، وحديث الرسول لما جاءه رجل فقال: إنه خطب امرأة قال ﵊: "انظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئًا" (٢)، فدل ذلك على أن المقصود في الغالب الوجه. [الْبَابُ الثَّانِي: في موجبات صحة النكاح] قوله: (وَهَذَا الْبَابُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ: الرُّكْنُ الْأَوَّلِ: فِي مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ هَذَا الْعَقْدِ. الرُّكْنُ الثَّانِي: فِي مَعْرِفَة مَحَلِّ هَذَا الْعَقْدِ. الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَة شُرُوطِ هَذَا الْعَقْدِ.

стр. 5498

أما الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: فِي الْكَيْفِيَةِ: وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الرُّكْنِ فِي مَوَاضِعَ: فِي كيْفِيَّةِ الْإِذْنِ الْمُنْعَقِدِ بِهِ، وَمَنِ الْمُعْتَبَرُ رِضَاهُ فِي لُزُومِ هَذَا الْعَقْدِ). المؤلف هنا سيتكلم عن عدة مسائل فيما يتعلق بمن الذي يُعتبر رضاه؛ هل الرجال البالغون الأحرار لا بد من رضاهم؟ وهل هناك فرق بين البكر وبين الثيب؟ وهل هناك فرق بين الثيب الكبيرة والصغيرة؟ وهل للثيب أن يجبر عبده على الزواج؛ لأنه يملك رقبته؟ وهل للأب أن يجبر ابنه الصغير أو ابنته الصغيرة على الزواج؟ وهذا كله سيأتي الكلام فيه مفصلًا إن شاء الله، ونتناوله مسألة مسألة. قوله: (وَهَلْ يَجُوزُ عَقْدُهُ عَلَى الْخِيَارِ؟ أَمْ لَا يَجُوزُ؟ وَهَلْ إِنْ تَرَاخَى الْقَبُولُ مِنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَزِمَ ذَلِكَ الْعَقْدُ؟ أَمْ مِنْ شَرْطِ ذَلِكَ الْفَوْرُ؟). يعني: لو أن الولي قال: زَوَّجتك ابنتي فلانة هل يلزم أن يجيب الزوج مباشرةً ويقول: قبلت أو رضيت أم هناك تراخٍ؟ والجواب: يعطى فرصة للخيار بعد ذلك، فالإنسان إذا اشترى سلعة هناك خيار المجلس وهناك خيار الشرط، وهناك أنواع أخرى من الخيار. قال المصنف رحمه الله تعالى: (أما الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ: الْإِذْنُ فِي النِّكَاحِ عَلَى ضَرْبَيْنِ، فَهُوَ وَاقِعٌ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالثَّيِّبِ مِنَ النِّسَاءِ بِالْأَلْفَاظِ، وَهُوَ فِي حَقِّ الْأبْكَارِ الْمُسْتَأْذَنَاتِ وَاقِعٌ بِالسُّكُوتِ؛ أَعْنِي: الرِّضَا). الاستئذان واقع في حق الرجال والنساء على سواء، ومراد المؤلف

стр. 5499

من الرجال الأحرار البالغون، يعني: لو أن لك ولدًا لا تلزمه على أن يتزوج فلانة، أو ابنة أو أختًا ثيبًا بمعنى: تزوجت وطلقت أو مات عنها زوجها، ليس لك أن تجبرها. معنى بالألفاظ: أي: النطق؛ لأن الرسول ﷺ قال: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن" قيل: يا رسول الله فيكف استئذانها؟ فقال: "أن تسكت" (١). إذن الكبيرة الثيب تَردُّ، فتقول: نعم أو لا، لأنها دخلت في أمر الزواج وعرفت حلوه ومره وجربته، فلا بد أن تصرح بذلك، وسيأتي في قصة ابنة مظعون عندما زوجها عمها فأبت هي وأمها، فذهبتا تشتكيان إلى رسول الله ﷺ فأقرهما على ذلك، وفي قصة الفتاة التي جاءت إلى رسول الله ﷺ شاكية، وقالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته (٢)؛ يعني: رجل فيه نقص وقصور، فأراد أن يحافظ هذا الرجل على ابن أخيه بأن يزوجه ابنته، وهذه البنت من منطقها أنها ذكية، قالت: ليرفع بي خسيسته، فترك الرسول ﷺ الأمر إليها، فقالت: إني أقررت ما صنع أبي غير أني أردت أن أعلم ما للنساء من حقوق (٣)، أرادت أن تتأكد

стр. 5500

أو ليعرف النساء حقهن في ذلك، أو كما جاء عنه ﵊. قوله: (وَأَمَّا الرَّدُّ فَبِاللَّفْظِ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ (١) أَنَّ إِذْنَ الْبِكْرِ إِذَا كَانَ الْمُنْكِحُ غَيْرَ أَبٍ وَلَا جَدٍّ بِالنُّطْقِ، وَإِنَّمَا صَارَ الْجُمْهُورُ (٢) إِلَى أَنَّ إِذْنَهَا بِالصَّمْتِ لِلثَّابِتِ

стр. 5501

مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : "الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا") (١). المراد بالأيم (٢) هنا: هي الثيب التي وطئت، فهذه لا بد من استئذانها، إذا أراد وليها أن يُزَوَّجها لا بد أن يعرض عليها ذلك الأمر، فلا يكفي أن تسكت بل لا بد أن تقول: نعم أو لا؛ لأنها جربت الرجال وانتقلت إلى بيت الزوجية؛ فهي تختلف عن البكر التي لا يزال الحياء يسيطر عليها، والبكر تُستأمر؛ وقد ورد في بعض الأحاديث: أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد تزويج إحدى بناته جلس عند خدرها (٣)، ثم

стр. 5502

ذكر أن فلانًا يرغب في الزواج منك، فإن هزت الخدر عرف أنها لا تريده، وإن سكتت كان ذلك بمثابة إجابة منها (١). قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ انْعِقَادَ النِّكَاحِ بِلَفْظِ النِّكَاحِ مِمَّنْ إِذْنُهُ اللَّفْظ، وَكذَلِكَ بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ) (٢). هذه مسألة في غاية الأهمية ووقع خلاف فيها بين الأئمة، وانقسموا إلى فريقين: الفريق الأول قالوا: إن النكاح لا ينعقد إلا بواحد من لفظين، ولا مانع أن يكون مثلًا الإيجاب بكلمة الإنكاح والتزولج، هما لفظان عند الشافعية (٣) والحنابلة (٤) لا يقوم مقامهما غيرهما؛ يعني: أن يقول:

стр. 5503

أنكحتك ابنتي فيقول: قبلت نكاحها أو يقول زوَّجتك ابنتي فيقول: قبلت زواجها، أو يقول: أنكحتك ابني فيرد فيقول: قبلت زواجها أو العكس، الشاهد: أن يكون بأحد اللفظين وإن اختلفا إيجابًا وقبولًا، هذا في الإيجاب وهذا في القبول. الفريق الثاني وهم الحنفية (١) والمالكية (٢) ومعهم جمع من العلماء يقولون: يجوز بلفظ التمليك، وبلفظ الهبة، وبلفظ البيع، ورواية عند أبي حنيفة (٣) يقول: حتى بلفظ الإجارة، ولكن المالكية قيدوا بأن يصحبه

стр. 5504

المهر (١)؛ يعني: أن يُسمى المهر، وتعليلهم: أن المهر إنما هو ثمن لهذا الزواج فأصبح مشبهًا للبيع والهبة التي يتبادلها الناس من هذه الناحية. والعلماء قد اختلفوا في هذه المسألة: * فالشافعية والحنابلة يقولون: نحن نقف عند كتاب الله ، وعندما نقلب صفحات القرآن لا نجد فيه إلا ذكر لفظ الزواج أو الإنكاح، ولم يوجد لفظ غير ذلك، الله يقول: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فهذا هو لفظ التزويج؛ أي: الزواج. وأما النكاح فورد كثيرًا في الكتاب العزيز كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. إذن فهؤلاء الأئمة يقولون: الذي ورد في لفظ القرآن العزيز هما لفظان: لفظ النكاح ولفظ الزواج فنقتصر عليهما. * وأما الحنفية (٢) والمالكية: يستدلون بقصة الرجل الذي جاء إلى رسول الله ﷺ ، وطلب أن يزوجه امرأة فسأله: "أمعك شيء؟ " قال: لا، قال: "التمس لو خاتمًا من حديد" قال: لا، فسأله: "ما معك من القرآن؟ "

стр. 5505

فذكر له شيئًا، فقال: "مَلَّكْتُكَها بما معك من القرآن" (١)، الشاهد: "مَلَّكْتُكَها"، فقالوا: ورد لفظ التمليك، فدل ذلك على أنه يجوز لفظ التمليك. ثم قالوا: ولأن لفظ الهبة أيضًا تبت في حق رسول الله ﷺ ، وما ثبت في حقه يثبت في حق أمته، كما في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. فرد الشافعية والحنابلة على ذلك وقالوا: هذا دليل على تخصيص الرسول ﷺ بذلك الأمر (٢)، وبهذا تبيَّن أن الأولى هو الوقوف عند ألفاظ الكتاب العزيز، وأما الحديث الذي تمسكوا به، وهو حديث: "مَلَّكْتُكَها" فإنه جاء بألفاظ صحيحة: "زوجتكها" (٣)، "أنكحتها" (٤)، "زوجناكها" (٥). قوله: (وَاخْتَلَفوا فِي انْعِقَادِهِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ أَوْ بِلَفْظِ الْبَيْعِ أَوْ بِلَفْظِ

стр. 5506

الصَّدَقَةِ، فَأَجَازَهُ قَوْمٌ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢)). لكن مالك كما ذكرنا وافق على هذا شريطة أن يسمى المهر. قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): لَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ أَوِ التَّزْوِيجِ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ هُوَ عَقْدٌ يُعْتَبَرُ فِيهِ مَعَ النِّيَّةِ اللَّفْظُ الْخَاصُّ بِهِ؟ أَمْ لَيْسَ مِنْ صِحَّتِهِ اعْتِبَارُ اللَّفْظِ؟ فَمَنْ أَلْحَقَهُ بِالْعُقُودِ الَّتِي يُعْتَبَرُ فِيهَا الأمْرَانِ قَالَ: لَا نِكَاحَ مُنْعَقِدٌ إِلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ أَوِ التَّزْوِيجِ). بعض العلماء في الفقه الإسلامي أدخلوا النكاح في أبواب المعاملات؛ يعني: قسمه إلى عبادات ومعاملات، فالنكاح يدخل دي المعاملات، ومنهم من يجعل النكاح أمرًا مستقلًّا ويُسمونه بأحكام الأسوة، لكن لا شك أن النكاح معاملة، لكنها معاملة من نوع خاص، فليست بيعًا وشراءً. قوله: (وَمَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّفْظَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ اعْتِبَارًا بِمَا لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ اللَّفْظُ أَجَازَ النِّكَاحَ بِأَيِّ لَفْظٍ اتفق إِذَا فُهِمَ الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ مِنْ ذَلِكَ؛ أَعْنِي؛ أَنَّهُ إِذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ مُشَارَكَةٌ). كما ذكرنا قالوا: هذان اللفظان هما الواردان في كتاب الله ، والألفاظ الأخرى محتملة فلا نأخذ بها، والآخرون: استدلوا بحديث: "مَلَّكْتُكَها" فقد أجاب عنه الفريق الآخر، ولا شك أن الوقوف عند الكتاب والسنة أولى وأحرى، فينبغي أن نقف عند الألفاظ الشرعية.

стр. 5507

[الموضع الثاني: من المعتبر رضاه في لزوم عقد النكاح] قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَأَمَّا مَنِ الْمُعْتَبَرُ قَبُولُهُ فِي صِحَّةِ هَذَا الْعَقْدِ فَإِنَّهُ يُوجَدُ فِي الشَّرْعِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُعْتَبَرُ فِيهِ رِضَا الْمُتَنَاكِحَيْنِ أَنْفُسِهِمَا؛ أَعْنِي: الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ؛ إِمَّا مَعَ الْوَلِيِّ، وَإِمَّا دُونَه، عَلَى مَذْهَبِ مَنْ لَا يَشْتَرِطُ الْوَلِيَّ فِي رِضَا المَرْأَةِ الْمَالِكَةِ أَمْرَ نَفْسِهَا). هذه مسألة سيأتي الخلاف فيها، وهل للمرأة أن تزوج نفسها بدون ولي؟ وسيأتي الكلام عند حديث: "أيما امرأةٍ زوَّجت نفسها بغير ولي فنكاحها باطل" (١). قوله: (وَالثَّانِي: يُعْتَبَرُ فِيهِ رِضَا الْأَوْلِيَاءِ فَقَطْ، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الضَّرْبَيْنِ مَسَائِلُ اتَّفَقُوا عَلَيْهَا وَمَسَائِلُ اختلفوا فيها). الأولى في كل أمر سواءٌ كان المراد تزويجها بكرًا أو كانت ثيبًا هو أن يأخذ رأيها في ذلك؛ لأن القصد من ذلك هو حصول الاتفاق؛ فلا ينبغي أن تُكره فتاةٌ على التزوج؛ بفتًى لا تريده، كذلك ينبغي أيضًا أن يتم مشاورة بين الأب وبين الأم، لأن الرسول ﷺ يقول: "آمروا النساء في بناتهن" (٢)، يعني: أخبروهن بزواج بنا لهن. قوله: (وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْهَا قَوَاعِدَهَا وَأُصُولَهَا فنقول). مراد المؤلف: أنه لن يستقصي المسائل ذات العلاقة بهذا الموضوع

стр. 5508

المتعلقة بالإذن وبغير الإذن، والكبيرة والصغيرة، المملوك وغير المملوك، المملوك الصغير والصغير غير المملوك، هناك مسائل وفروع كثيرة جدًّا لا تتفق مع منهج المؤلف في كتابه؛ لكنه ينتقي أمهات المسائل، قواعدها أساس المسائل فيها؛ ثم بعد ذلك من أراد أن يعرف ذلك هو يُفرِّع عليها أو يرجع إلى الكتب، التي تتوسع في مسائل الحكم، فكثيرًا ما نزيد على مسائل الكتاب وننبه إلى ما يظهر لنا أن المصلحة تقتضي التنبيه عليه. قوله: (أَمَّا الرِّجَالُ الْبَالِغُونَ الْأَحْرَارُ الْمَالِكُونَ لِأَمْرِ أَنْفُسِهِمْ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى اشْتِرَاطِ رِضَاهُمْ وَقَبُولِهِمْ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ). الرجال البالغون: الذي أصبح رجلًا سويًّا؛ لأن الإنسان يسمى رضيعًا طفلًا، ثم بعد ذلك يسمى غلامًا يافعًا (١) ثم شابًّا، والشاب يدخل في الرجولة، والقصد: أن الإنسان إذا بلغ دخل سن الرجولة؛ لأنه أصبح مُكلَّفًا، وأن يكون حرًّا؛ لأن غير الحر يختلف، وهناك المملوك قد يكون ذكرًا، وقد يكون أنثى فالمملوكة الأنثى يجبرها سيدها على ذلك؛ لأنه يملك منافعها والاستمتاع بها، أما المملوك الصغير الذَّكَر فهذا فيه خلاف بين العلماء (٢)، هل يجبره سيده أو لا يجبره؟ فاشترطوا على رضاهم وقبولهم. قوله: (وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَجْبُرُ الْعَبْدَ عَلَى النِّكَاحِ سَيِّدُه، وَالْوَصِيُّ مَحْجُورَهُ الْبَالِغَ؟ أَمْ لَيْسَ يُجْبِرُهُ؟). وهنا مسألتان: المسألة الأولى: العبد، فإذا ملك الإنسان عبدًا ذكرًا وأراد تزويجه، فالزواج من حيث الأصل فيه مصلحة: فيه عفةٌ للإنسان، وحفظُ لدينه،

стр. 5509

ومحافظةٌ عليه من الوقوع في المحظور، لكن ربما يكون الزواج ليس في مصلحته فهل لسيده أن يجبره؟ المسألة الثانية: المحجور عليه وهو: السفيه: والسفيه يُحجَر عليه في ماله، يُحجر عليه في بعض تصرفاته، والسفيه: الذي بلغ سن الرشد، لكنه لا يزال سفيهًا في تصرفاته يُبذِّر أمواله، ولا يُحسن التصرف، ولا يُحسن المعاملة إلى غير ذلك من الأمور الكثيرة، فهل يُجبر المحجور على الزواج أم لا؟ قولهء: (فَقَالَ مَالِكٌ: يُجْبِرُ السَّيِّدُ عَبْدَهُ عَلَى النِّكَاحِ (١)، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُجْبِرُهُ (٣)). هذه المسألة نفس الخلاف فيها كالخلاف في الأولى في لفظ الزواج، فمالك وأبو حنيفة متفقان، وكثيرًا ما نجد تقاربًا بين مذهب الحنفية والمالكية في أبواب النكاح:

стр. 5510

فقال مالك وأبو حنيفة: للسيد أن يجبر عبده؛ أي: مملوكه على الزواج. وقال الشافعي وأحمد (١): لا يجبره. لماذا اختلف العلماء في ذلك؟ والجواب: الحنفية والمالكية استدلوا بقول الله : ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، الأيامى: جمع أيم والمراد بها هنا الحرائر من الرجال والنساء، لكن الأيم عندما تطلق يُقصد بها في الغالب المرأة الثيب كما جاء في الحديث الذي تقدم: "الأيم أحق بنفسها المرأة أحق بنفسها" (٢)، ﴿وَأَنْكِحُوا﴾ أي: زوِّجوا الأيامى؛ أي: الحرائر من الرجال والنساء، ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ يعني: من عبيدكم، وفي قراءة الحسن: ﴿من عبيدكم وإمائكم﴾ (٣)، يتمسك به الحنفية والمالكية، قالوا: هذه الآية صُدِّرت بالأمر وعطف الإماء، عُطف الصالحون على العباد الذين هم العبيد، والإماء على إمائكم وقال: على الأيامى، إذن دلَّ ذلك على اشتراك الكل في الوجوب فالآية بها الوجوب هذا أول دليل. الدليل الثاني: دليل عقلي: السيد يملك رقبة عبده؛ بدليل أن له أن يبيعه، فإذا كان يملك رقبته فله أيضا أن يملك تَزويجه، فبملكه لرقبة عبده

стр. 5511

دليل على أن له أن يُلزمه على النكاح، أي: يجبره عليه، قالوا: ولأن له أن يُؤجِّر بدنه؛ أي: يملك تأجير بدنه فكذلك له أن يُزوِّجهُ كالأمة، وقاسوا على الأمة؛ لأن الأمة للسيد أن يُلزمها، لا خلاف فيها، فالعلماء متفقون، لكنهم مختلفون في الذكر من العبيد فهذا دليلٌ نقلي وعقلي. الدليل العقلي الأول: للشافعية والحنابلة قالوا: المملوك يملك إنهاء الزواج فيُسلِّم لهم الحنفية والمالكية بذلك، يقولون: فإذن من ملك إنهاء الزواج ملك ابتداءه؛ يعني: فإذن أجبره سيده أليس له أن يُطلِّق؟ يقولون: نعم، فليس للسيد أن يجبره. الدليل العقلي الثاني: قالوا: إن الزواج هو خالص حقه، هو الذي سيتمتع بالزوجة، وهو الذي يستفيد منها، وهي التي ستقوم بخدمته، واستفادة السيد إنما هي تبع لكن الأصل أن الذي سيستفيد باستفادة كاملة المملوك، فقالوا: هذا هو خالص حقه، وما دام هذا خالص حقه فليس للسيد أن يجبره قياسًا على الحر، فكما أن الحر الكبير العاقل لا يجبر كذلك أيضًا المملوك لا يجبر، وأجابوا عن الآية في قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ﴾ [النور: ٣٢]، قالوا: ليس في الآية ما يدل على الوجوب؛ وإنما ذلك مقيد بالطلب؛ أي: إذا طلب هؤلاء الزواج وبخاصة بالنسبة للأيم إذا طلبوا ذلك، قالوا: والله تعالى عطف العبيد والإماء على الأيامى، فقال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾. فدلَّ ذلك على أنه لا يُجبر، فينبغي ألا يُجبر على هذا الأمر؛ لأن هذا فعلًا هو حقه الخالص، وربما لو أُجبر على ذلك الأمر فسيطلق وفي النهاية الذي يخسر السيد؛ لأنه هو الذي سيقوم بمئونة الزواج، وهو المسؤول عن تزويجه، والزواج دائمًا يقوم على الحكمة، وهذه الشريعة بنيت على التيسير وعدم التشديد، وذلك ينبغي أن يُستأذن في ذلك وأن يؤخذ رأيه، والأولى هو مذهب الشافعية والحنابلة في هذه المسألة كالمسألة الأولى.

стр. 5512

قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ هَلِ النِّكَاحُ مِنْ حُقُوقِ السَّيِّدِ؟ أَمْ لَيْسَ مِنْ حُقُوقِهِ؟ وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي جَبْرِ الْوَصِيِّ مَحْجُورَهُ). من حقوقه؛ لأنهم قالوا: يملك رقبته، والآخرون قالوا: ليس من حقه؛ لأن النكاح حق خالصٌ للمملوك. * أما الوصيُّ: يقصد على السفيه، ولو لم يكن سفيهًا لما احتاج إلى أن يكون عليه وصيٌّ، إذن هو محجورٌ عليه، فهل للوصي أن يجبر هذا السفيه على الزواج أم لا؟ هذا هو مراد المؤلف. قوله: (وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْمَذْهَبِ) (١). يعني: موجود في مذهب مالك وفي غيره من المذاهب الأربعة (٢).

стр. 5513

قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ النِّكَاحُ مَصْلَحَةٌ مِنْ مَصَالِحِ الْمَنْظُورِ لَهُ؛ أَمْ لَيْسَ بِمَصْلَحَةٍ وَإِنَّمَا طَرِيقُهُ الْمَلَاذُّ؟). من مصالح المنظور له؛ أي: من مصالح الموصى عليه أم لا؟ يعني: هل يُزوَّج لأجل الشهوة؟ والجواب: أن المسألة فيها تفصيل، والمعروف بين الفقهاء أن الذي يُقدِّر ذلك إنما هو الوصي، وعادة لا يُتخذ الإنسان وصيًّا إلا أن يكون أهلًا للوصية؛ لأن الذي يتخذ الوصي في الغالب هو الوالد أي: الأبُ، والأبُ دائمًا يختار من فيه الصلاح، فإن وجد أن في مصلحة الموصى عليه الزواج ففي هذه الحالة يُزوِّجه إذا خاف عليه من الوقوع في الحرام، فإذا عرف ذلك الوصي أو غلب على ظنه أن ذلك يحصل، ففي هذه الحالة يُزوِّجه، هل يجبره أم لا؟ الجواب: أن العلماء مختلفون: - أما إذا لم يكن بحاجة إلى الزواج فلا يجوز له أن يُزوِّجه، قالوا: لأنه يترتب على تزويجه أمور: أولًا: المهر. ثانيًا: السُّكنى.

стр. 5514

ثالثًا: النفقة؛ أي: الإنفاق على الزوجة والمبيت وحقوق الزوجية إلى غير ذلك من الأمور الكثيرة وهو ليس أهلًا لأنْ يقوم بها، ففي هذه الحالة قالوا: ليس له أن يُزوِّجه. لكن لو قُدِّر أن هذا السفيه نفسه تزوج، فما الحكم هنا؟ هل يتم زواجه ويُقرُّ عليه أم لا؟ هذه أيضًا مسألة فيها خلاف بين العلماء (١) هل إذا أقرَّه الولي كان بمثابة تزويجه أم لا؟

стр. 5515

ولكن نقول باختصار: طالما وُكِّلْت على هذا الوصيِّ، فستُسأل عنه أمام الله يوم القيامة، فإن كان في تزويجه حصانة له وعفة وحفظٌ لدينه وفرجه؛ فيجب عليك أن تزوِّجه، أما إذا كان في تزويجه ضياعٌ له ولزوجته فلا يجوز لك أن تُزوِّجه. قوله: (وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ النِّكَاحَ وَاجِبٌ يَنْبَغِي أَلَّا يُتَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ). ذكرنا أن الصحيح أن النكاح ليس بواجب؛ إلا في حالة إذا خشي الإنسان على نفسه من الوقوع في المحرم. قوله: (وَأَمَّا النِّسَاءُ اللَّاتِي يُعْتَبَرُ رِضَاهُنَّ فِي النِّكَاحِ). معنى هذا أن النساء على قسمين: القسم الأول: نساءٌ يعتبر رضاهن أن يُستشرن؛ أي: يؤخذ رأيهن، يُقال لها: تقدم لكِ فلان فما رأيكِ فيه؟ ولابد أن يوصف، مثلًا من الأسرة الفلانية، ويتميز بكذا، هو من أهل الخير، وظيفته كذا، إلى آخره؛ يعني: أن تُعطى وصفًا دقيقًا طيبًا، وإن سُئِلْت عن شخص من الأشخاص فإن كنت تعلم فيه عيبًا شرعيًّا لا يصلح في هذه الأسرة، فتقول: هذا لا يصلح لكم؛ لأنك مستشار والنبي ﷺ قال: "المستشار مؤتمن " (١)، وليس لك أن تجلس وتبحث عن حياته وتُقلب صفحات عمره (٢)، فربما أنك عرفته في صغره أو في أوائل عمره وتَحسَّن حاله واستقامت أموره،

стр. 5516

وأصلحه الله ربما يكون خيرًا منك، والرسول ﷺ يقول: "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا" (١). فكم من الشباب نجدهم قد انغمسوا في الشهوات وانحرفوا وأضاعوا أوقاتهم في الملاهي، وإذا بالأمر يتحول فيصبح عبدًا صالحًا تجده مستقيمًا على خير ما تتمنى أن ترى عليه أفضل الشباب، وهذا نشاهده كثيرًا؛ لأن الهداية بيد الله ؛ ولذلك الرجل الذي قال: والله لا يغفر الله لفلان؟ فغفر الله له قال: "من الذي يتألى عليَّ؟ " (٢). فلا يجوز للإنسان أن يقول: هذا إنسان منحرف، لا يمكن أن يصلح، هذه أمور بيد الله؛ فكم من أناس انحرفوا عن الطريق السوي ثم عادوا إلى طريق الهداية والرشاد، وكم من أناس كانوا على خيرٍ وصلاح فانحرفوا وأخذتهم طرق الغواية والضلال، هذه كلها بمشيئة الله وإرادته، وكما أخبر الرسول ﷺ : "إنما الأعمال بالخواتيم" (٣)؛ ولذلك الإنسان دائمًا يسأل الله تعالى حسن الخاتمة. قوله: (فَاتَّفَقُوا عَلَى اعْتِبَارِ رِضَا الثَّيِّبِ الْبَالِغِ) (٤). هي التي يُعبَّر عنها بالأيم فيما مضى؛ لأن رسول الله ﷺ قال: "لا تُنكح الأيم حتى تسُتأمر" أي: يطلب أمرها ورأيها، "ولا تنكح البكر حتى تُستأذن" قالوا: يا رسول الله، فكيف إذنها؟ قال: "أن تسكت" (٥)، وفي رواية: "إذنها

стр. 5517

صُماتها" (١)؛ يعني: سكوتها؛ لأن الثيب كما ذكرنا تزوجت وعرفت الرجال ما في الزواج من حلاوة ومرارة، فأدركت ما فيه؛ ولذلك ينبغي أن تحدد رأيها في هذا الموقف، أما هذه البكر الصغيرة فهي حيية، كيف يقال: فلان يريدك، إنسان غريب عنها فتجد في ذلك مشقة، لكن ربما هذا في هذا الزمن أصبح سهلًا، هذا كان صعبًا فيما مضى، أما الآن فربما في الغالب إذا سُئلت البكر تُعبِّر عن رأيها، وهذا هو الأولى شرعًا. قوله: (لِقَوْلِهِ ﵊: "وَالثَّيِّبُ (٢) تُعْرِبُ (٣) عَنْ نَفْسِهَا" (٤). إِلَّا مَا حُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ (٥). وَاخْتَلَفُوا فِي الْبِكْرِ الْبَالِغِ وَفي الثَّيِّبِ الْغَيْرِ الْبَالِغِ). "تُعرب عن نفسها"؛ يعني: تُصرِّح عما في نفسها وتُظهر ما عندها. والعلماء قد اتفقوا على أنه لا يجوز للولي أن يجبر الثيب على الزواج، وقد حصلت قضية في زمن رسول الله ﷺ : "أن زوجة أُنيس بن قتادة لما قُتل في أحد، فوالدها زوَّجها من رجل من بني عمرو بن عوف، فذهبت تشكو إلى رسول الله ﷺ وتخبره بأن والدها زوَّجها من زوج لا ترغب فيه، فأبطل الرسول ﷺ ذلك النكاح فتزوجت بعد ذلك أبا لبابة" (٦)،

стр. 5518

هذه القضية في صحيح البخاري وغيره، فلا يجوز لولي مهما كان أبًا أو جدًّا أو أخًا أو عمًا أو خالًا أو غير ذلك لا يجوز له في هذه الحالة أن يرغم ثيبًا على الزواج؛ لأن ذلك ثبت عن رسول الله ونحن مأمورون بأن نتبع ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ . فعندنا صنفان: الأول: البكر، والثاني: البالغ الثيب أي: وصلت سن البلوغ، أو الثيب الصغيرة يعني: التي تزوجت قبل أن تبلغ، فهل هذه الثيب التي تزوجت صغيرة يؤخذ رأيها كالحال بالنسبة الثيب الكبيرة أو أنها تُعامل معاملة البكر؟ قوله: (مَا لَمْ يَكُنْ ظَهَرَ مِنْهَا الْفَسَادُ. فَأَمَّا الْبِكْرُ (١) الْبَالِغُ فَقَالَ مَالِكٌ (٢) وَالشَّافِعِيُّ (٣) وَابْنُ أبي لَيْلَى (٤): لِلْأَبِ فَقَطْ أَنْ يُجْبِرَهَا عَلَى النِّكَاحِ).

стр. 5519

يعني: إذا ظهر منها فجورٌ فالوضع يختلف، فإنه يُختار لها الخير والصلاح ولا تُترك في ذلك الأمر، فإنه لا يُنظر إلى رأيها في ذلك الأمر، وهي رواية للإمام أحمد (١)، فالآن تغير الأمر وأصبح الشافعي مع مالك. قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢) وَالثَّوْرِيُّ (٣) وَالْأَوْزَاعِيُّ (٤) وَأَبُو ثَوْرٍ وَجَمَاعَةٌ (٥): لا بد مِنِ اعْتِبَارِ رِضَاهَا، وَوَافَقَهُمْ مَالِكٌ فِي الْبِكْرِ الْمُعَنَّسَةِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عَنْهُ (٦)). وقال أبو حنيفة: وهي الرواية الأخرى للإمام أحمد (٧) أيضًا،

стр. 5520

والشافعي مع مالك، وأحمد له روايتان في مذهب الحنابلة، البكر المعنسة (١)؛ يعني: التي تجاوزت السن المعتاد الذي يتزوج عنده النساء، دخلت في العنوسة، وأصبحت كبيرة، فعادةً النساء مثلًا أن يتزوجن في سن العشرين وإلى الخمس وعشرين، وهذه وصلت الثلاثين فيعتبر دخلت في سن العنوسة. وقضية العنوسة: إن كان سببها ولي الأمر فهذا لا يجوز له، فمثلًا الأب أو الأخ يترك هذه البنت يُقبل عليها الأزواج فيصرفهم ثم بعد ذلك يبدأ الانصراف عنها إما أن تكون مثلًا موظفة، مُدرِّسة ليستفيد من راتبها وليستفيد من خدمتها، هذه أمور ينبغي أن نتقي الله ؛ لأن الإنسان مأمور بأن يتقي الله في نفسه وفيما من هم تحت ولايته، والرسول ﷺ قال: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته" (٢). فلا يجوز لولي الأمر أن يقف حجر عثرة أمام هذه البنت لمصالح تعود عليه ويقف متشددًا ويقول: لا بد أن يأتيني من الأسرة الفلانية، أنا رجل غني لا بد أن يأتيني كذا، أو أنا من قبيلة كذا لا بد أن يأتيني كذا، أو يضع أوصافًا مُعجزة، لا بد أن يكون حاصلًا على شهادة كذا وعنده كذا وفي وظيفة كذا، هذه أمور لا يُنظر إليها كثيرًا، فابحث عن صاحب الدين، هذا الذي تتكلم عنه وتضع المواصفات له ربما أنك تجده، لكن بعد وقت من الزمن ربما تتغير الأحوال، فكم من أناس كنا نراهم في أسفل الأقوام فيرفعهم الله بالعلم فتتغير الأحوال، لأن هذا العلم

стр. 5521

يرفع الله به أقوامًا ويضع به آخرين (١)، وإما أن يرفعه الله بالمال وبمكانته في المجتمع، فالإنسان في الغالب لا يبقى على حال معينة، تجد أن الإنسان صحيحًا قويًّا ثم تتغير الأحوال فتجده ضعيفًا في بدنه، وربما ترى إنسانًا ضعيفًا في بدنه فتتغير الأحوال فتراه من المُعمَّرين، ترى إنسان غنيًّا ثم بعد ذلك تمر عليه السنون ويختلف فيتحول فقيرًا، ويصبح هذا الفقير يحتاج إليه ذلك الذي كان فقيرًا فاغتنى، والله تعالى يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]. فكثرة المال ليست هي المقياس الدقيق في هذا الأمر؛ فالإنسان يبحث لابنته عن إنسانٍ يسترها في الخير والصلاح، ولا مانع أنك تجد إنسانًا جمع بين الصلاح والمال، وهذا شيء طيب، ولكن لا يجوز أن أقف في وجه هذه البنت وأضع شروطًا فيها تعجيز، هذا لا ينبغي، وقد قالت عائشة ﵂: "أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة" (٢). قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ دَلِيلِ الْخِطَابِ (٣) فِي هَذَا لِلْعُمُومِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊ من قوله: "لَا تُنْكَحُ الْيَتِيمَةُ إِلَّا بِإِذْنِهَا" (٤)، ...........................

стр. 5522

وَقَوْلِهِ: "تُسْتَأْمَرُ (١) الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا" خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٢)). قالوا: الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تُستأذن وإذنها صماتها، فهنا قسَّم الرسول ﷺ النساء إلى قسمين، فأثبت الحق لأحدهن فدلَّ ذلك على نفيه عن الأخرى، فثبوته للثيب دليلٌ على نفيه عنها. وقوله ﷺ : "لَا تُنْكَحُ الْيَتِيمَةُ إِلَّا بِإِذْنِهَا" (٣)، له مناسبة، وهو أن عثمان بن مظعون لما مات أخوه قدامة أراد أن يُزوِّج ابنة أخيه وهذه البنت ابنة خالة لعبد الله بن عمر، فشكتا إلى رسول الله ﷺ فقال هذا الحديث ﵊ بمعنى: أن اليتيمة لا تُجبر. "تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا"، هذا جزءٌ من حديث، "فإن سكتت فذلك إذنها" (٤)، وفي رواية: "فذلك رضاها، وإن أبت فلا تُكره" (٥)، وفي رواية: "لا جواز عليها" (٦)، أي: لا إرغام لها في الزواج. قوله: (وَالْمَفْهُومُ مِنْهُ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ: أَنَّ ذَاتَ الْأَبِ بِخِلَافِ الْيَتِيمَةِ). اليتيمة هي: التي مات أبوها ولم تبلغ، والأم لا أثر لها؛ لأن اليُتم

стр. 5523

إنما هو ينسب إلى عدم وجود الأب لا عدم وجود الأم، لكن هذا اليُتم لا يستمر مع الإنسان، فكثيرٌ من الناس يموت أبوهم وهم في السن التي لم يبلغوا فيها، فهل يظل حتى أن يصبح شيخًا يقال له: يتيم؟ لا، ولذلك قال الرسول ﷺ : "لا يُتم بعد بلوغ" (١)، فاليُتم يزول ببلوغ الإنسان سن الرشد، فما قبل ذلك يسمى يتيمًا؛ لأنه بحاجة إلى رعاية وعناية. ولذلك الرسول ﷺ بيَّن لنا فضل من يمسح على رأس اليتيم (٢)، ومن يُحسن إلى اليتيم (٣)، ومن يتصدق على اليتيم (٤)، من يلاطف اليتيم ولو بكلمات بسيطات فيها رحمة وعطفٌ وحنان، لا شك أن الإنسان يُثاب على هذا العمل. والله حذر من أكل أموال اليتامى فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]، فما بالك بأولئك الذين يستضعفون اليتامى فيستولون على أموالهم ويغشونهم ويستخدمونهم استخدامًا شديدًا بالقوة، إن كان في

стр. 5524

العمل زاد عليه في العمل، إن كان في الخطاب يلومه ويعاتبه، فينبغي أن تتقي الله فيه؛ لأنك لا تدري ربما يمر هذا بأولادك، فالرسول ﷺ يحضنا على أن نَبَرَّ بوالدينا لتَبَرَّنا أبناؤنا (١)؛ فكذلك أيضًا ينبغي أن نُحسن معاشرة هؤلاء اليتامى المساكين حتى يُحسن الله إلى أولادنا، فاعمل صالحًا تجد ذلك في نفسك وفي أبنائك. قوله: (وقوله ﵊ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاس الْمَشْهُورِ: "وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ"). هذا جزء من الحديث الذي أخرجه الجماعة إلا البخاري: "الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تُستأمر وإذنها صماتها" (٢)، فإذا أُطلق الجماعة: فهم السبعة: البخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة وأحمد، لكن البخاري ليس معهم، إذن أخرجه مسلم وأحمد وأصحاب السنن الستة، وأخرجه أيضًا البيهقي وغيره، المشهور، لأن المؤلف وضع لنا مصطلحًا في أول الكتاب، فإذا قلت: الحديث المشهور فأعني به: ما اتفق عليه الشيخان وما رواه أحدهما؛، يعني: ما أخرجه البخاري ومسلم أو أحدهما وإذا قلت: الثابت، فأعني به: ما أخرجه أحدهما، فهذا نسميه على مصطلح المؤلف حديثٌ ثابت؛ لأن أي حديث في "الصحيحين" أو في أحدهما لا يحتاج أن تبحث عنه، أما أن صحيح البخاري أصح أو صحيح مسلم هذه مسألة تكلم فيها العلماء، لكن الصحيح أن ما في البخاري أصح (٣)؛ لأن شروطه أقوى.

стр. 5525

تَشَاجَرَ قَوْمٌ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ … لَدَيَّ وَقَالُوا أَيَّ ذَيْنِ تُقَدِّمُ فَقُلْت لَقَدْ فَاقَ الْبُخَارِيُّ صِحَّةً … كَمَا فَاقَ فِي حُسْنِ الصِّنَاعَةِ مُسْلِمُ (١) ولذلك تجد في البخاري في بعض رواته ما تجد في رواة مسلم، لكن مسلم فاق في حسن الصنعة (٢)؛ ولذلك تجد أن البحث في صحيح مسلم أسهل، لكن الحمد لله الآن أصبح لا يوجد مشقة، فمثلًا حديث: "إنما الأعمال بالنيات" (٣). فأحيانًا طلبة العلم يقولون: هذا ليس في البخاري مع أنه موجود في موضع آخر، ولذلك يقول العلماء: إن فقه البخاري في تراجمه (٤) إلى

стр. 5526

جانب كونه مُحدِّثًا وهبه الله حصافةً (١) ودقةً وفهمًا عميقًا في الفقه، ولذلك تجد أنه يضع التراجم التي تدل على فقهه بل إنه كثيرًا ما يضع لك الترجمة وهي جزء من حديث لا يكون على شرطه وقد يكون هذه الترجمة جزءًا أو حديثًا في صحيح مسلم أو عند أبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجه وأحمد وغير ذلك. قوله: (يُوجِبُ بِعُمُومِهِ اسْتِئْمَارَ كُلِّ بَكْرٍ، وَالْعُمُومُ أَقْوَى مِنْ دَلِيلِ الْخِطَابِ، مَعَ أَنَّهُ خَرَّجَ مُسْلِمٌ (٢) فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ زِيَادَةً: وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ ﵊: "وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا"، وَهُوَ نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ). فهذا يشهد له قصة الفتاة التي جاءت إلى رسول الله ﷺ وقالت: يا رسول الله، إن أبي زوَّجني بابن أخيه ليرفع بي خسيسته؛ أي: ليجبر النقص والعيب الذي فيه، وسألت رسول الله ﷺ وشكت إليه، والرسول جعل الخيار لها، فقالت: "أجزت ما صنع والدي إلا أنني أردت أن يُعلم أن للنساء حقًّا في ذلك" (٣). فالإسلام نظام كامل ودقيق لا تجد فيه عوجًا ولا أمتًا (٤)، ليس فيه

стр. 5527

خلل، يعالج كل مشكلة، فلا يوجد شيء أعظم من هذا الدين ولا أشمل منه، استوعب كل قضية ووضع الحل لكل مشكلة وكل مسألة، وإن كان هناك نقصٌ فليس في هذا الدين العظيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]، فإن كان هناك نقصٌ فهو فينا نحن الذين ننتسب إلى الإسلام، هل أدَّينا حق الإسلام؟ هل تمثَّلنا بأخلاق الإسلام سنُسأل عن ذلك أمام الله . فالأب كما في الأحاديث له أن يجبر ابنته البكر، ولكن الأولى أن يَستأذنها، وأقل ما يقال في ذلك الاستحباب، وكلام العلماء الذين يقولون: يجبرها، هم ينظرون إلى حكمٍ آخر؛ لأنه: لو أجبر الثيب ولم ترضَ فالنكاح يُفسخ، فالبكر لو أُجبرت النكاح صحيح، هذا المقصود ولكن الصحيح والأصل والأولى والأكمل أن تُستاذن البكر والثيب معًا. قوله: (وَأَمَّا الثَّيِّبُ الْغَيْرُ الْبَالِغِ فَإِنَّ مَالِكًا (١) وَأَبَا حَنِيفَةَ (٢) قَالَا: يُجْبِرُهَا الْأَبُ عَلَى النِّكَاحِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُجْبِرُهَا (٣)).

стр. 5528

رجع الاتفاق بين الإمامين: أبي حنيفة ومالك؛ يعني: هناك تقارب بين المذهبين: الحنفي والمالكي، وهناك تقارب بين المذهبين: الشافعي والحنبلي (١)، وهذا الذي نسميه اختلافٌ يؤدي إلى وفاق قُصِدَ به الوصول إلى الحق. قوله: (وَقَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ: إِنَّ فِي الْمَذْهَبِ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: قولٌ: إن الأب يجبرها ما لم تبلغ بعد الطلاق، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ (٢)، وَقَوْلٌ: إِنَّهُ يُجْبِرُهَا وَإِنْ بَلَغَتْ، وَهُوَ قَوْلُ سُحْنُونٍ (٣)). هذه كلها تفصيلات في مذهب مالك، وهي تفصيلات في المذاهب الأخرى أيضًا، والمؤلف في ذلك خالف منهجه، فهو هنا يقول: بأنه اقتصر على أصول المسائل ولم يُعوِّل على الفروع، وذكر في كتاب القذف: "وإن أنسأ الله في عمري فسأضع فروعًا في مذهب مالك"، هنا خالف فبدأ يتتبع بعض الفروع أو الخلافات المذهبية. قوله: (وَقَوْلٌ: إِنَّهُ لَا يُجْبِرُهَا وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ، وَهُوَ قَوْلُ أبي تَمَّامٍ (٤)، وَالَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنْ مَالِكٍ هُوَ الَّذِي حَكَاهُ أَهْلُ مَسَائِلِ الْخِلَافِ

стр. 5529

كَابْنِ الْقَصَّارِ (١) وَغَيْرِهِ عَنْهُ (٢)). الذي يهمنا هنا أن نبين ما في الكتاب، وأن ننظر إلى أهم المسائل وما هو الظاهر لنا من الحق إن شاء الله، وهذا هو الذي يتفق فيه مع أبي حنيفة ﵏ جميعًا -. قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ دَلِيلِ الْخِطَابِ لِلْعُمُومِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ ﵊: "تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا، وَلَا تُنْكَحُ الْيَتِيمَةُ إِلَّا بِإِذْنِهَا"). قوله: "تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا"، هذا جزءٌ من حديث خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ: "فإن سكتت فذلك إذنها" (٣) وفي رواية: "فذلك رضاها، وإن أبت فلا تُكره" (٤) وفي رواية: "لا جواز عليها" (٥) أي: لا إرغام لها. قوله: (يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ ذَاتَ الْأَبِ لَا تُسْتَأْمَرُ إِلَّا مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنِ اسْتِئْمَارِ الثَّيِّبِ الْبَالِغِ. وَعُمُومُ قَوْلِهِ ﵊: "الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا" (٦) يَتَنَاوَلُ الْبَالِغَ وَغَيْرَ الْبَالِغِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ" (٧) يَدُلُّ بِعُمُومِهِ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ).

стр. 5530

ذكرنا تفصيل ذلك كله، على ما قاله الشافعي (١): وهي رواية للإمام أحمد أيضًا (٢). قوله: (وَلاخْتِلَافِهِمْ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ سَبَبٌ آخَر، وَهُوَ اسْتِنْبَاطُ الْقِيَاسِ مِنْ مَوْضِعِ الْإِجْمَاعِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأَبَ يُجْبِرُ الْبِكْرَ غَيْرَ الْبَالِغِ، وَأَنَّهُ لَا يُجْبِرُ الثَّيِّبَ البَالِغَ إِلَّا خِلَافًا شَاذًّا فِيهِمَا جَمِيعًا كَمَا قُلْنَا اخْتَلَفُوا فِي مُوجِبِ الْإِجْبَارِ هَلْ هُوَ الْبَكَارَةُ؟ أَوِ الصِّغَرُ؟). إذن هناك مَن تجبر اتفاقًا وهي الصغيرة البكر، وهناك من لا تجبر اتفاقًا وهي الثيب وإنما يؤخذ رأيها، فبقيت البكر الكبيرة. قوله: (فَمَنْ قَالَ: الصِّغَرُ قَالَ: لَا تُجْبَرُ الْبِكْرُ الْبَالِغُ. وَمَنْ قَالَ: الْبَكَارَةُ قَالَ: تُجْبَرُ الْبِكْرَ الْبَالِغ، وَلَا تُجْبَرُ الثَّيِّبُ الصَّغِيرَةُ. وَمَنْ قَالَ: كُلُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا يُوجِبُ الْإِجْبَارَ إِذَا انْفَرَدَ قَالَ: تُجْبَرُ الْبِكْرُ الْبَالِغُ وَالثَّيِّبُ الْغَيْرُ الْبَالِغِ. وَالتَّعْلِيلُ الْأَوَّلُ تَعْلِيلُ أبي حَنِيفَةَ، وَالثَّانِي تَعْلِيلُ الشَّافِعِيِّ، وَالثَّالِثُ تَعْلِيلُ مَالِكٍ. وَالْأُصُولُ أَكْثَرُ شَهَادَةً لِتَعْلِيلِ أبي حَنِيفَةَ (٣)، وَاخْتَلَفُوا فِي الثُّيُوبَةِ الَّتِي تَرْفَعُ الْإِجْبَارَ). المؤلف عاد مرة أخرى ليبين لنا هل في طلاق الثيب يشمل كل ثيب؛ لأن الأصل أن تكون موطوءة حلالًا؛ أي: بعقد صحيح وبنكاح صحيح، لكن قد يقع عليها وطءٌ غير صحيح، إما أن تجبر على ذلك وإما ألا تجبر، ولا يختلف الأمر بالنسبة للإجبار وعدمه في هذه المسألة؟ والجواب: هذه مسألة انقسم فيها العلماء إلى قسمين:

стр. 5531

الأول: منهم من قيد الثيوبة بالثيوبة الشرعية وهي التي تنكح نكاحًا شرعيًّا. الثاني: منهم من قال: لا هي التي توطأ في قُبلها سواء كان ذلك عن طريق الحلال وهو الأصل، أو عن طريق الحرام فهي تسمى ثيبًا فتستأذن. قوله: (وَتُوجِبُ النُّطْقَ بِالرِّضَا أَوِ الرَّدَّ. فَذَهَبَ مَالِكٌ (١) وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢) إِلَى أَنَّهَا الثُّيُوبَةُ الَّتِي تَكُونُ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ شُبْهَةِ نِكَاحٍ أَوْ مِلْكٍ). إما أن تكون بنكاحٍ صحيح وهو: الزواج الصحيح، وأن يكون هذا الذي وطئ له شبهة النكاح بأن يتصور أنه يستحق هذا النكاح، وإما أن يكون في ملك وهذا بالنسبة للمولى؛ أي: للأمة.

стр. 5532

قوله: (وَأَنَّهَا لَا تَكُونُ بِزِنًا وَلَا بِغَصْبٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): كَلُّ ثُيوبَةٍ تَرْفَعُ الْإِجْبَارِ). يعني: أن تكون بزنا سواء كان ذلك إجبارًا أو برضاها، هذا عند الحنفية يخرجون ذلك فلا تسمى ثيبًا في الاصطلاح الشرعي؛ لأن تعريف الثيب عندهم في هذا الباب هي: الموطوءة في فرجها سواءٌ كان هذا الوطء من نكاح صحيح أو من شبهة أو من حرام فما دام الوطء قد وقع في القبل فإنها أصبحت ثيبًا؛ لأنها قد زالت بكارتها. قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِقَوْلِهِ ﵊: "الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا" (٢) بِالثُّيُوبَةِ الشَّرْعِيَّةِ؟ أَمِ بِالثُّيُوبَةِ اللُّغَوَّيةِ؟). لا شك أن الحديث أطلق: "الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَليِّهَا" (٣)؛ لكن

стр. 5533

هنا اختلفوا؛ لأن الحنفية والمالكية يقولون: إن الإذن هو خاص بالنكاح الصحيح، وهذه فلا تدخل في ذلك، وربما تزول الثيوبة بغير نكاح بمعنى: أن الفتاة تقفز فتذهب بكارتها أو ربما تعبث بنفسها بيدها أو بعصا أو بآلة أو غير ذلك فتزول بكارتها فمثل هذا لا تدخل في الثيب التي يُؤخذ رأيها فهذه تعتبر بكرًا، والقصد هنا عند الشافعية والحنابلة، أما عند المالكية والحنفية: لا يرون الثيوبة بالنسبة للمتزوجة زواجًا صحيحًا أو بشبهة أو أن يكون ذلك عن طريق نكاحًا صحيحًا. قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْأَبَ يُجْبِرُ ابْنَهُ الصَّغِيرَ عَلَى النِّكَاحِ، وَكَذَلِكَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ الْبكْر (١)، وَلَا يَسْتَأْمِرُهَا؛ لِمَا ثَبَتَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ عَائِشَةَ ﵂ بِنْتَ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ، وَبَنَى عليها بِنْتَ تِسْعٍ بِإِنْكَاحِ أبي بَكْرٍ أَبِيهَا ﵁"). جاء في "الصحيحين": "أن رسول الله ﷺ تزوج عائشة وهي بنت ست سنين وبنى بها" يعني: دخل عليها أو دخل بها "وهي بنت تسعٍ" (٢). وفي رواية مسلم (٣): "أن رسول الله ﷺ تزوجها وهي بنت سبع"؛

стр. 5534

ولذلك أشار المؤلف إلى الروايتين ست أو سبع، لكن هو دخل بها وهي بنت تسع. ومما يدل على ذلك أيضًا أن عليًّا ﵁ زوَّج عمر بن الخطاب ابنته أم كلثوم وهي صغيرة (١). هذا دليل آخر على جواز ذلك؛ فهذا حصل من صحابيين جليلين واثنين من الخلفاء الراشدين ﵃ جميعًا -. وقضية عائشة ﵂ هناك من العلماء من علقها وقال: إن هذه كانت في أول الأمر؛ لأنها كانت في مكة وكان ذلك قبل الهجرة، وربما لا يكون في ذلك دليلٌ صريحٌ على عدم الاستئذان، إنما كان هذا في أول الأمر فقد يكون قبل الاستئذان، لكن الحقيقة أن ذلك جاء مطلقًا فهو دليل صريحٌ على أن الصغيرة لا تستأذن. قوله: (إِلَّا مَا رُوِيَ مِنَ الْخِلَافِ عَنِ ابْنِ شُبْرُمَة) (٢). ابن شُبرمة يرى أن الصغيرة تستأذن مطلقًا وإن لم تبلغ، وإلَّا فهو على عكس مذهب الجمهور. قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: هَلْ يُزَوِّجُ الصَّغِيرَةَ غَيْرُ الْأَبِ؟ وَالثَّانِيَةُ: هَلْ يُزَوِّجُ الصَّغِيرَ غَيْرُ الْأَبِ؟ فَأَمَّا هَلْ يُزَوِّجُ الصَّغِيرَةَ غَيْرُ الْأَبِ؟ أَمْ لَا؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): يُزَوِّجُهَا الْجَدُّ أَبُو الْأَبِ وَالْأَبُ فَقَطْ).

стр. 5535

هذه المسألة أُلخص لكم الخلاف فيها بين الشافعي والجمهور، ومعنى ذلك أن الأئمة الثلاثة على خلاف مذهب الشافعية؛ لأن الشافعية عندهم في هذا المقام لا يفرقون بين الأب والجد فالأحكام التي تثبت للأب في الولاية تنقل عندهم في الفقه؛ لأنه الأصل، وفي بعض مسائل أيضًا أن الشافعية يرون أن الذي يزوج هو الأب فعندما نأتي لترتيب الولي الأب وإن علا؛ يعني: الجد فأعلى، وبعد ذلك ينتقلون للإخوة ولا يرون أن الابن يزوج أمه؛ لأنهم يرون أن ذلك ربما يراه الابن مسبَّةً له، وعار وسيأتي التعليق على ذلك إن شاء الله. قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ (١): لَا يُزَوِّجُهَا إِلَّا الْأَبُ فَقَطْ، أَوْ مَنْ جَعَلَ الْأَبُ لَهُ ذَلِكَ إِذَا عَيَّنَ الزَّوْجَ إِلَّا أَنْ يُخَافَ عَلَيْهَا الضَّيْعَةُ وَالْفَسَادُ). خُص الأب بذلك؛ لأن عنده من الشفقة والرحمة والعطف ما يمنعه من أن يجحف حق ابنته، أما أن يوجد شداد ونفور بين الرجل وبنته وزوجته يرميهما بعيدًا ويقاطعهم مدة طويلة، هذا لا ينبغي، والبنات من باب الصلة والبر ألا يقطعن الصلة بأبيهم والله أوصى بالصلة بالوالدين المشركَيْن فما بالك بالأب المسلم، والولاية إذا امتنع الأب فعرضًا تنتقل إلى غيره عندما يحصل الشجار ينتقل إلى السلطان فإنه وليُّ من لا وليَّ له،
следующие страницы →