← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.

стр. 5531

الأول: منهم من قيد الثيوبة بالثيوبة الشرعية وهي التي تنكح نكاحًا شرعيًّا. الثاني: منهم من قال: لا هي التي توطأ في قُبلها سواء كان ذلك عن طريق الحلال وهو الأصل، أو عن طريق الحرام فهي تسمى ثيبًا فتستأذن. قوله: (وَتُوجِبُ النُّطْقَ بِالرِّضَا أَوِ الرَّدَّ. فَذَهَبَ مَالِكٌ (١) وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢) إِلَى أَنَّهَا الثُّيُوبَةُ الَّتِي تَكُونُ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ شُبْهَةِ نِكَاحٍ أَوْ مِلْكٍ). إما أن تكون بنكاحٍ صحيح وهو: الزواج الصحيح، وأن يكون هذا الذي وطئ له شبهة النكاح بأن يتصور أنه يستحق هذا النكاح، وإما أن يكون في ملك وهذا بالنسبة للمولى؛ أي: للأمة.

стр. 5532

قوله: (وَأَنَّهَا لَا تَكُونُ بِزِنًا وَلَا بِغَصْبٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): كَلُّ ثُيوبَةٍ تَرْفَعُ الْإِجْبَارِ). يعني: أن تكون بزنا سواء كان ذلك إجبارًا أو برضاها، هذا عند الحنفية يخرجون ذلك فلا تسمى ثيبًا في الاصطلاح الشرعي؛ لأن تعريف الثيب عندهم في هذا الباب هي: الموطوءة في فرجها سواءٌ كان هذا الوطء من نكاح صحيح أو من شبهة أو من حرام فما دام الوطء قد وقع في القبل فإنها أصبحت ثيبًا؛ لأنها قد زالت بكارتها. قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِقَوْلِهِ ﵊: "الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا" (٢) بِالثُّيُوبَةِ الشَّرْعِيَّةِ؟ أَمِ بِالثُّيُوبَةِ اللُّغَوَّيةِ؟). لا شك أن الحديث أطلق: "الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَليِّهَا" (٣)؛ لكن

стр. 5533

هنا اختلفوا؛ لأن الحنفية والمالكية يقولون: إن الإذن هو خاص بالنكاح الصحيح، وهذه فلا تدخل في ذلك، وربما تزول الثيوبة بغير نكاح بمعنى: أن الفتاة تقفز فتذهب بكارتها أو ربما تعبث بنفسها بيدها أو بعصا أو بآلة أو غير ذلك فتزول بكارتها فمثل هذا لا تدخل في الثيب التي يُؤخذ رأيها فهذه تعتبر بكرًا، والقصد هنا عند الشافعية والحنابلة، أما عند المالكية والحنفية: لا يرون الثيوبة بالنسبة للمتزوجة زواجًا صحيحًا أو بشبهة أو أن يكون ذلك عن طريق نكاحًا صحيحًا. قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْأَبَ يُجْبِرُ ابْنَهُ الصَّغِيرَ عَلَى النِّكَاحِ، وَكَذَلِكَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ الْبكْر (١)، وَلَا يَسْتَأْمِرُهَا؛ لِمَا ثَبَتَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ عَائِشَةَ ﵂ بِنْتَ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ، وَبَنَى عليها بِنْتَ تِسْعٍ بِإِنْكَاحِ أبي بَكْرٍ أَبِيهَا ﵁"). جاء في "الصحيحين": "أن رسول الله ﷺ تزوج عائشة وهي بنت ست سنين وبنى بها" يعني: دخل عليها أو دخل بها "وهي بنت تسعٍ" (٢). وفي رواية مسلم (٣): "أن رسول الله ﷺ تزوجها وهي بنت سبع"؛

стр. 5534

ولذلك أشار المؤلف إلى الروايتين ست أو سبع، لكن هو دخل بها وهي بنت تسع. ومما يدل على ذلك أيضًا أن عليًّا ﵁ زوَّج عمر بن الخطاب ابنته أم كلثوم وهي صغيرة (١). هذا دليل آخر على جواز ذلك؛ فهذا حصل من صحابيين جليلين واثنين من الخلفاء الراشدين ﵃ جميعًا -. وقضية عائشة ﵂ هناك من العلماء من علقها وقال: إن هذه كانت في أول الأمر؛ لأنها كانت في مكة وكان ذلك قبل الهجرة، وربما لا يكون في ذلك دليلٌ صريحٌ على عدم الاستئذان، إنما كان هذا في أول الأمر فقد يكون قبل الاستئذان، لكن الحقيقة أن ذلك جاء مطلقًا فهو دليل صريحٌ على أن الصغيرة لا تستأذن. قوله: (إِلَّا مَا رُوِيَ مِنَ الْخِلَافِ عَنِ ابْنِ شُبْرُمَة) (٢). ابن شُبرمة يرى أن الصغيرة تستأذن مطلقًا وإن لم تبلغ، وإلَّا فهو على عكس مذهب الجمهور. قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: هَلْ يُزَوِّجُ الصَّغِيرَةَ غَيْرُ الْأَبِ؟ وَالثَّانِيَةُ: هَلْ يُزَوِّجُ الصَّغِيرَ غَيْرُ الْأَبِ؟ فَأَمَّا هَلْ يُزَوِّجُ الصَّغِيرَةَ غَيْرُ الْأَبِ؟ أَمْ لَا؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): يُزَوِّجُهَا الْجَدُّ أَبُو الْأَبِ وَالْأَبُ فَقَطْ).

стр. 5535

هذه المسألة أُلخص لكم الخلاف فيها بين الشافعي والجمهور، ومعنى ذلك أن الأئمة الثلاثة على خلاف مذهب الشافعية؛ لأن الشافعية عندهم في هذا المقام لا يفرقون بين الأب والجد فالأحكام التي تثبت للأب في الولاية تنقل عندهم في الفقه؛ لأنه الأصل، وفي بعض مسائل أيضًا أن الشافعية يرون أن الذي يزوج هو الأب فعندما نأتي لترتيب الولي الأب وإن علا؛ يعني: الجد فأعلى، وبعد ذلك ينتقلون للإخوة ولا يرون أن الابن يزوج أمه؛ لأنهم يرون أن ذلك ربما يراه الابن مسبَّةً له، وعار وسيأتي التعليق على ذلك إن شاء الله. قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ (١): لَا يُزَوِّجُهَا إِلَّا الْأَبُ فَقَطْ، أَوْ مَنْ جَعَلَ الْأَبُ لَهُ ذَلِكَ إِذَا عَيَّنَ الزَّوْجَ إِلَّا أَنْ يُخَافَ عَلَيْهَا الضَّيْعَةُ وَالْفَسَادُ). خُص الأب بذلك؛ لأن عنده من الشفقة والرحمة والعطف ما يمنعه من أن يجحف حق ابنته، أما أن يوجد شداد ونفور بين الرجل وبنته وزوجته يرميهما بعيدًا ويقاطعهم مدة طويلة، هذا لا ينبغي، والبنات من باب الصلة والبر ألا يقطعن الصلة بأبيهم والله أوصى بالصلة بالوالدين المشركَيْن فما بالك بالأب المسلم، والولاية إذا امتنع الأب فعرضًا تنتقل إلى غيره عندما يحصل الشجار ينتقل إلى السلطان فإنه وليُّ من لا وليَّ له،

стр. 5536

والإمامان مالك وأحمد (١) يريان: أن وصي الأب يحل محله فيأخذ حكمه بالنسبة للإجبار. قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): يُزَوِّجُ الصَّغِيرَةَ كُلُّ مَنْ لَهُ عَلَيْهَا وِلَايَةٌ مِنْ أَبٍ وَقَرِيبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَهَا الْخِيَارُ إِذَا بَلَغَتْ). هذا هو المشهور في مذهب أبي حنيفة: يزوج الصغيرة كل من كان له ولاية، لكن أبا حنيفة يضع قيدًا وهو أنها إذا بلغت فحينئذٍ تخير فإن رضيت بهذا الزوج بقيت معه، وإن لم ترض فُسخ النكاح بينهما. هذا هو ملخص مذهب أبي حنيفة. قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ الْعُمُومِ لِلْقِيَاسِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ ﵊: "وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَر، وَإِذْنُهَا صِمَاتُهَا" (٣) يَقْتَضِي الْعُمُومَ فِي كُلِّ بِكْرٍ). التي لها الخيار هي التي لا تجبر وهي: الثيب؛ لأنه ليس لأبيها أن يجبرها، أم التي لأبيها له أن يجبرها، ففي هذه الحالة لا خيار عند جمهور العلماء. قوله: (إِلَّا ذَاتَ الْأَبِ الَّتِي خَصَّصَهَا الْإِجْمَاع، إِلَّا الْخِلَافَ

стр. 5537

الَّذِي ذَكرْنَاه، وَكَوْنُ سَائِرِ الْأَوْليَاءِ مَعْلُومًا مِنْهُمُ النَّظَرُ وَالْمَصْلَحَةُ لِوَلِيَّتِهِمْ يُوجِبُ أَنْ يُلْحَقُوا بِالْأَبِ فِي هَذَا الْمَعْنَى). الحقيقة ليس جميع الأولياء بمنزلة الأب فلا نقول: إن الشفقة الموجودة في الأخ أو في العم أو هي تساوي وتعادل الشفقة والرحمة الموجودة في الأب. قوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ أَلْحَقَ بِهِ جَمِيعَ الْأَوْلِيَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَلْحَقَ بِهِ الْجَدَّ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْأَبِ). الذي ألحق جميع الأولياء هو: أبو حنيفة (١)، والذي ألحق الجد هو: الشافعي (٢)، واللذان وقفا عند الأب فقط هما: مالك (٣) وأحمد (٤). قوله: (إِذْ كَانَ أَبًا أَعْلَى. وَهُوَ الشَّافِعِيُّ). لأن الجد أب قد ورد في الحديث أن الجد أب (٥) لكن الجد لا يساوي الأب؛ لأنه يدلي بواسطة الأب، وتعلمون أن إدلاءه يحجب في بعض مسائل الفرائض المعروفة، ولكن ليس حجبًا كليًّا إنما يحجب عن طريق الأب. قوله: (وَمَنْ قَصَرَ ذَلِكَ عَلَى الْأَبِ رَأَى أَنَّ مَا لِلْأَبِ فِي ذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ لِغَيْرِهِ؛ إِمَّا مِنْ قِبَلِ أَنَّ الشَّرْعَ خَصَّهُ بِذَلِكَ، وَإِمَّا مِنْ قِبَلِ أَنَّ

стр. 5538

مَا يُوجَدُ فِيهِ مِنَ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ ﵁، وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَظْهَرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَالِكَ ضَرُورَةٌ). ولأن الشرع خصه بذلك؛ لأن له الولاية المطلقة وفيها أيضًا الرحمة والشفقة، فلا شك أن الشرع يراعي مثل هذه الأمور ويعتني بهذا الحكم. قوله: (وَقَدِ احْتَجَّ الْحَنَفِيَةُ بِجَوَازِ إِنْكَاحِ الصِّغَارِ غَيْرُ الْآبَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] قَالَ: وَالْيَتِيمُ لَا يَنْطَلِقُ إِلَّا عَلَى غَيْرِ الْبَالِغَةِ، وَالْفَرِيقُ الثَّانِي قَالُوا: إِنَّ اسْمَ الْيَتِيمِ قَدْ يَنْطَلِقُ عَلَى بَالِغَةٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﵊: "تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ" (١)، وَالْمُسْتَأْمَرَةُ هِيَ مِنْ أَهْلِ الْإِذْنِ وَهِيَ الْبَالِغَةُ). هذا خلاف معتاد، وخلاف معروف؛ فاليتم يطلق على من مات أبوه ولم يبلغ هذا هو اليتيم ذكرًا كان أو أنثى؛ ولذلك جاء في الحديث: "لا يتم بعد بلوغ" (٢). قوله: (فَيَكُونُ لاخْتِلَافِهِمْ سَبَبٌ آخَر، وَهُوَ اشْتِرَاكُ اسْمِ الْيَتِيمِ. وَقَدِ احْتَجَّ أَيْضًا مَنْ لَمْ يُجِزْ نِكَاحَ غَيْرِ الْأَبِ لَهَا بِقَوْلِهِ ﵊: "تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا"). قد ورد فيه حديثان وأنه يأخذ إذن اليتيمة. قوله: (قَالُوا: وَالصَّغِيرَةُ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الاسْتِئْمَارِ بِاتِّفَاقٍ). وهذا ورد في قصة عبد الله بن عمر كما ذكرنا (٣).

стр. 5539

قوله: (فَوَجَبَ الْمَنْعُ. وَلِأُولَئِكَ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ هَذَا حُكْمُ الْيَتِيمَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَهْلِ الاسْتِئْمَارِ، وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ فَمَسْكُوتٌ عَنْهَا). هذه دعوى تحتاج إلى دليل، والحديث أطلق واليتيمة معروفة هي التي مات أبوها، ولكن الفقهاء يختلفون في ابنة تسع سنين قياسًا على زواج عائشة ﵂ هل تجبر ويؤخذ رأيها، وجمهور العلماء على أن التي تستأذن هي البالغ (١). قوله: (وَأَمَّا: هَلْ يُزَوِّجُ الْوَلِيُّ غَيْرُ الْأَبِ الصَّغِيرَ؟ فَإِنَّ مَالِكًا أَجَازَ لِلْوَصِيِّ) (٢). أجازه للوصي كالأب وهو مذهب واحد يعني: أحمد (٣) ومالك في المسألتين متفقان على إجازته للوصي؛ لأنه أجيز للأب فوصي ينزل منزلة الأب في هذه المسألة. قوله: (وَأَبَا حَنِيفَةَ (٤) أَجَازَهُ لِلْأَوْليَاءِ، إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَوْجَبَ

стр. 5540

الْخِيَارَ لَهُ إِذَا بَلَغَ وَلَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ مَالِكٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): لَيْسَ لِغَيْرِ الْأَبِ إِنْكَاحُهُ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: قِيَاسُ غَيْرِ الْأَبِ فِي ذَلِكَ عَلَى الْأَبِ). المالكية عندما قالوا: يحل الوصي محل الأب قالوا: لأن الأب عندما أوصى بهذا إنما اختار لأنه قد عرف أن فيه من الصفات التي لا تتوفر في غيره؛ ولذلك ينزل منزلة الأب؛ لأنه حل محله ولا يوجد ذلك في غير وصي الأب؛ ولذلك أعطاه المالكية والحنابلة في الإجبار. قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ الاجْتِهَادَ الْمَوْجُودَ فِيهِ الَّذِي جَازَ لِلْأَبِ بِهِ أَنْ يُزَوِّجَ الصَّغِيرَ مِنْ وَلَدِهِ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِ الْأَبِ لَمْ يجِزْ ذَلِكَ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يُوجَدُ فِيهِ أَجَازَ ذَلِكَ، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّغِيرِ فِي ذَلِكَ وَالصَّغِيرَةِ؛ فَلِأَنَّ الرَّجُلَ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ إِذَا بَلَغَ وَلَا تَمْلِكُهُ الْمَرْأَة، وَبذَلِكَ جَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ لَهُمَا الْخِيَارَ إِذَا بَلَغَا). جعل لهما الخيار؛ لأن الصغير في يده الطلاق، لكن الصغيرة فلا، فألحق لهما الخيار في ذلك. [وأمَّا الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ: هَلْ يَجُوزُ عَقْدُ النِّكَاحِ عَلَى الْخِيَارِ] قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَأَمَّا الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ: وَهُوَ هَلْ

стр. 5541

يَجُوزُ عَقْدُ النِّكَاحِ عَلَى الْخِيَارِ (١): فَإِنَّ الْجُمْهُورَ (٢) عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ (٣): يَجُوزُ). هذه مسألة مهمة من مسائل البيع التي ننتقل إليها بعد كتاب النكاح، فهناك ما يعرف بخيار الشرط (٤)، وهناك ما يعرف بخيار المجلس (٥)، فهل هذا موجود في النكاح؟

стр. 5542

الجواب: أن النكاح لا خيار فيه؛ لأن الإنسان أعطي الخيار في البيع لضيق الوقت؛ ولأنه لم يتمكن من التفكير فهو يعطى الفرصة ليفكر في المجلس، وله أن يشترط خيار الشرط، لكن بالنسبة للمتزوج لا يقدم على هذا الزواج إلا وقد تحرى وسأل عن كل شيء، فالزواج ليس فيه خيار. وقد نقل العلماء: ما يستفاد به الإجماع كابن قدامة في كتابه "المغني" (١)، أما خلاف أبي ثور فلا ينظر إليه؛ لأنه يعتبر رأيًا شاذًّا في هذه المسألة. الخلاصة: لا يجوز أن يعقد للنكاح ثم يقول لي الخيار، وهذا هو رأي الأئمة الأربعة، بل رأي جماهير العلماء عمومًا. قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ تَرَدُّدُ النِّكَاحِ بَيْنَ الْبُيُوعِ الَّتِي لَا يَجُوزُ فِيهَا الْخِيَار، وَالْبُيُوعِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا الْخِيَارُ) (٢). الحقيقة أن النكاح عقد من العقود وإن كان شبيهًا بالبيع شبهًا يلحق به، ولكن قد ذكرنا اختلاف العلماء في عقد النكاح بلفظ البيع، أو الهبة،

стр. 5543

أو العطية، أو التمليك إلى غير ذلك، وذكرنا أن الأولى الألفاظ الشرعية التي وردت في القران وهي: الزواج النكاح. قوله: (أَوْ لقُولُ: إِنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ أَنْ لَا خِيَارَ إِلَّا مَا وَقَعَ عَلَيْهِ النَّصُّ، وَعَلَى الْمُثْبِتِ لِلْخِيَارِ الدَّلِيلُ). أراد المؤلف أن يقول: هل نلحقها بالبيوع التي فيها خيار، أم البيوع التي ليس فيها خيار؟ أو نقول: من يدعي الخيار فعليه الدليل، البيع واضح في الخيار؛ لأنه معروف وهو خيار الشرط (١)، وخيار المجلس (٢) جاء فيها أحاديث، لكن في النكاح لم يرد شيء من ذلك؛ لأنه ليس له أصلٌ في النكاح. قوله: (أَوْ لقُولُ: إِنَّ أَصْلَ مَنْعِ الخِيَارِ فِي الْبُيُوعِ هُوَ الْغَرَرُ (٣)، وَالْأَنْكِحَةُ لَا غَرَرَ (٤) فِيهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا الْمُكَارَمَةُ (٥) لَا الْمُكَايَسَةُ (٦)). وهذا الذي ذكره المؤلف: شيء وجيه "البيوع فيها غرر"؛ فمثلًا تأتي بسرعة ترى سلعة من السلع فتنخدع بها يأخذك بويقها، ومظهرها، وهذا

стр. 5544

يحصل كثيرًا؛ فإذا فكر بعد ذلك وقلب السلعة وجد أنها لا تستحق ذلك، وهذا خلاف النكاح فلا غرر فيه؛ لأنك مررت بمراحل وبحثت ومحصت فلا غرر فيه. أما المكايسة في البيع والمكارمة في النكاح؛ لأنه عندما يخطب فتاة فيعطيها، فقصد بذلك إكرامها، لكن بالنسبة للبيع يقوم على المكايسة فإذا ذهبت تشتري السلعة لك أن تماكس (١) فيها، وتسأل وتحاول التنزيل؛ يعني: لك أن تبيع وتشتري مع صاحبها، وذلك جائز. قوله: (وَلأَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى الْخِيَارِ وَالرُّؤْويَةِ فِي النِّكَاحِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الْبُيُوعِ). لا خيار في النكاح؛ لأن كل الأمور التي ترد على البيع غير واردة في النكاح، أما أن يطرأ عيب من العيوب فهذه كلها بإرادة الله؛ يعني: أنه لو ظهر في الزوج عيبٌ خفيٌّ كأن يكون عنينًا هذا من أسباب الفسخ، أو أن يكون مثلًا لا ينفق على زوجته، أو تكون المرأة فيها برص (٢)، أو غير ذلك من العيوب المعروفة فذلك من أسباب فسخ النكاح، لكن الحديث هنا فيما إذا كان الأمر مبني على السلامة. [الْمَوْضِعُ الرَّابعُ: تَرَاخِي الْقَبُولِ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَنِ عَقْدِ النكاح] قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَأَمَّا تَرَاخِي الْقَبُولِ (٣) مِنْ أَحَدِ

стр. 5545

الطَّرَفَيْنِ عَنِ الْعَقْدِ: فَأَجَازَ مَالِكٌ (١) مِنْ ذَلِكَ التَّرَاخِيَ الْيَسِيرَ). مالك وأحمد (٢) في هذه المسائل رأيهما متقارب، يعني: أجازا التراخي اليسير، لكنهما يختلفان في التفصيل فمثلًا عند الحنابلة: لا مانع من التراخي اليسير كأن يقول: زوجتك فيتوقف قليلًا، لكن يقيدون ذلك بألا ينصرف عن موضوع النكاح إلى غيره، مثلًا ينتقل إلى أمر من أمور البيع، أو إلى أحاديث أخرى لا علاقة لها بالنكاح، فيرون أنه يؤثر في ذلك، أما أن يوجد فصل يسير فهذا جائز. قوله: (وَمَنَعَهُ قَوْمٌ (٣)، وَأَجَازَهُ قَوْمٌ (٤)، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يُنْكِحَ الْوَلِيُّ امْرَأَةً بِغَيْرِ إِذْنِهَا، فَيَبْلُغَهَا النِّكَاحُ فَتجِيزَه، وَمِمَّنْ مَنَعَهُ مُطْلَقًا الشَّافِعِيُّ (٥)). يرى المؤلف: التوقف يُنتظر حتى ترى المرأة فتجيزه فهذا لا يعتبر انقطاعًا عند هؤلاء.

стр. 5546

قوله: (وَمِمَّنْ أَجَازَهُ مُطْلَقًا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (١)، وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْأَمْرِ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ لِمَالِكٍ، وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ مِنْ شَرْطِ الانْعِقَادِ وُجُودُ الْقَبُولِ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مَعًا؟ أَمْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهِ؟ وَمِثْلُ هَذَا الْخِلَافِ عَرَضَ فِي الْبَيْعِ). الحنفية: أكثر المذاهب تسامحًا في مواضع النكاح والولاية، ليس معنى هذا أنه أيسر المذاهب، إنما الحق ما كان معه الدليل من الكتاب والسنة، يعني: هناك مسائل نسبية قد يرجع فيها عادة إلى عرف الناس وعادتها، والعادة محكَّمة. والعادة بنيت على الأثر الذي جاء عن عبد الله بن مسعود ﵁: "ما رآه المسلمون حسن فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئًا فهو عند الله سيئ" (٢)، فالعادات التي لا تتعارض مع الأحكام الشرعية معتبرة، وهي تُعتبر في أبواب كثيرة منها: ١ - أحكام الحيض. ١ - أحكام النفاس. ٣ - مسائل البيوع. ٤ - وهناك مسائل متفرقة العادة معتبرة فيها، مثل التعامل من بلد إلى بلد كيف تتعامل مع عملة هذه البلد وتنتقل إلى بلد أخرى فالمعتبر هنا البلدة التي أنت تعيش فيها (٣).

стр. 5547

[الرُّكْنُ الثَّانِي: فِي شُرُوطِ العَقْدِ] [الْفَصْلُ الْأَوَّل: فِي الأَوْلِيَاءِ] [والنَّظرُ في الأولياءِ في مواضعَ أربعة] [أمَّا الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ: قِي اشْتِرَاطِ الْوِلَايَةِ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ] قال المصنف رحمه الله تعالى: (الرُّكْنُ الثَّانِي: فِي شُرُوطِ الْعَقْدِ. وَفِيهِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ: الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي الْأَوْليَاءِ. وَالثَّانِي: فِي الشُّهُودِ. وَالثَّالِثُ: فِي الصَّدَاقِ) (١). فيما يتعلق في الأولياء: الولي هو الذي يتولى عقد النكاح. المسألة الأخرى في الشهود: هل لا بد في النكاح من الشهود؟ كما

стр. 5548

في حديث النبي ﷺ : "لا نكاح إلَّا بوليٍّ وشاهدي عدل" (١)، أو أنه لا حاجة للولي؟ والجواب: أكثر العلماء يشترطون أمورًا أربعة: الأمر الأول: الولي (٢). الأمر الثاني: الشاهدان (٣). الأمر الثالث: الزوج. الأمر الرابع: والولي الذي كلفه الأب للزوجة؛ لأن الولي ينوب عنها في هذه الحالة. قوله: (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي الْأَوْليَاءِ وَالنَّظَرُ فِي الْأَوْليَاءِ فِي مَوَاضِعَ أَرْبَعَةٍ: الْأَوَّلُ: فِي اشْتِرَاطِ الْوِلَايَةِ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ. الْمَوْضِعُ الثَانِي: فِي صِفَةِ الْوَلِيِّ. الثَّالِثُ: فِي أَصْنَافِ الْأَوْليَاءِ وَتَرْتِيبِهِمْ فِي الْوِلَايَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ. الرَّابِعُ: فِي عَضْلِ (٤) الْأَوْليَاءِ مَنْ يَلُونَهُمْ، وَحُكْمِ الاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْوَلِيِّ وَالْمَوْلَى عَلَيْهِ). هذه الولاية شرط في صحة النكاح، بمعنى: لو لم يُعقد للزوجين بوجود الولي يفسد النكاح، فإن قلنا هو شرط تمام حينئذ ينعقد النكاح كمذهب أبو حنيفة (٥)، هل الأولياء يُرتبون كترتيبهم في الفرائض، أم أنهم يختلفون؟

стр. 5549

الجواب: لا شك أن في ذلك بعض الخلاف، والمقصود بعضل الأولياء: أن يثق الولي في سبيل تزويج من تولى أمرها فإذا جاءها كفءٌ ومنعها أن تتزوج به فعضلها، فالولاية تنتقل إلى من بعده، فإن اشتكت وحصل خلاف فيرجع بعد ذلك إلى السلطان لحديث النبي ﷺ : "فإن اشْتَجَرُوا (١) فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ" (٢). قوله: (الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلِ الْوِلَايَةُ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ النِّكَاحِ؟ أَمْ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ؟). فإذا قلنا هي: شرط صحة لم يصح النكاح وإن عقد فالعقد باطل ويفسخ، وعلى القول أنه ليس شرط صحة، فالأولى هو رأي الجمهور الذي ذكرنا. والثاني: هو رأي الحنفية، ومعهم جماعة ليس الولي شرطًا في عقد النكاح، وإن كانوا يستحبون ذلك فهم يرون أنه من شروط التمام والكمال لا بشروط الصحة، فرق بين الأمرين؛ لأنك إذا قلت شرط صحة، ولم يكن ولي فسد النكاح؛ أي: يبطل العقد، وإن قلت هو شرط تمام وكمال معنى هذا: إن لم يوجد فالمرأة تعقد لنفسها ولها أن تُوكل غيرها، فنجد أن المؤلف وسع البحث فيها وفصل القول فيها تفصيلًا طيبًا. قوله: (فَذَهَبَ مَالِكٌ (٣) إِلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ النِّكَاحُ إِلَّا بِوَلِيٍّ، وَأَنَّهَا

стр. 5550

شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْهُ (١)، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٢). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣)، وَزُفَرُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ: إِذَا عَقَدَتِ الْمَرْأَةُ نِكَاحَهَا بِغَيْرِ وَليٍّ، وَكَانَ كفُؤًا - جَازَ (٤)، وَفَرَّقَ دَاوُدُ (٥) بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ، فَقَالَ بِاشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ فِي الْبِكْرِ وَعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ فِي الثَّيِّبِ (٦)). الفرق واضح؛ لأنه يرى أن الثيب من أدركت وعرفت نعمة الزواج،

стр. 5551

وأما البكر فهي جاهلة في هذا الأمر، وربما يلحقها الغرر فليس لها أن تعقد النكاح، والقولان المشهوران هما: رأي الجمهور وهو الأولى والأسلم؛ ولأنه لا يجوز للمرأة أن تعقد لنفسها، وإنما الذي يعقد لها وليها، والحنفية أدلتهم قوية كما سيعلق المؤلف. قوله: (وَيَتَخَرَّجُ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْوِلَايَةِ قَوْلٌ رَابعٌ: أَنَّ اشْتِرَاطَهَا سُنَّةٌ لَا فَرْضٌ) (١). التخريج (٢) طِبق أصول المذهب وتفرع عليه المسمائل، وهذا هو المسلك الذي سار عليه التلاميذ، لما عوفوا أصول كل إمام عوفوا علل الأحكام، فأخذوا يُخَرِّجون على علل هذه الأحكام، ولذلك تجد من يقول: هذا قول الإمام فلان، هذه رواية (٣) في المذهب، وأحيانًا يقال: وجه (٤) وهو: التخريج أيضًا. قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَرَى الْمِيرَاثَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ

стр. 5552

بِغَيْرِ وَلِيٍّ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ غَيْرِ الشَّرِيفَةِ (١) أَنْ تَسْتَخْلِفَ رَجُلًا مِنَ النَّاسِ عَلَى إِنْكَاحِهَا) (٢). هذه مسألة أخرى؛ يعني: المرأة إذا لم تجد وليًّا أصلًا ولم تجد من يعقد لها فبعض العلماء (٣) يقول: تختار لها رجل من الصالحين. قوله: (وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ تُقَدِّمَ الثَّيِّبُ وَلَيَّهَا لِيَعْقِدَ عَلَيْهَا (٤)، فَكَأَنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ شُرُوطِ التَّمَامِ لَا مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ). أصبح عندهم من شروط التمام والكمال لا من شروط الصحة، وثمرة الخلاف تحصل فيما لو تم ذلك، فالشريعة أعطت للولي الإذن؛ أي: يُستأذن.

стр. 5553

قوله: (بِخِلَافِ عِبَارَةِ الْبَغْدَادِيِّينَ (١) مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ؛ أَعْنِي: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّهَا مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ لَا مِنْ شُرُوطِ التَّمَامِ، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: أَنَّهُ لَمْ تَأْتِ آيَةٌ وَلَا سُنَّةٌ هِيَ ظَاهِرَةٌ فِي اشْتِرَاطِ الْوِلَايَةِ فِي النِّكَاحِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ نَصٌّ بَلِ الْآيَاتُ وَالسُّنَنُ الَّتِي جَرَتِ الْعَادَةُ بِالاحْتِجَاجِ بِهَا عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُهَا هِيَ كُلُّهَا مُحْتَمَلَةٌ، وَكَذَلِكَ الْآيَاتُ وَالسُّنَنُ الَّتِي يَحْتَجُّ بِهَا مَنْ يَشْتَرِطُ إِسْقَاطَهَا هِيَ أَيْضًا مُحْتَمَلَةٌ فِي ذَلِكَ، وَالْأَحَادِيثُ مَعَ كوْنِهَا مُحْتَمَلَةً فِي أَلْفَاظِهَا مُخْتَلَفٌ فِي صِحَّتِهَا إِلَّا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ) (٢). الحقيقة لم تأت آية قاطعة يُستدل بها على هذا الذي ذكره المؤلف، وإنما الاستدلال بالآيات عن طريق المفهوم، بلاليل أن الحنفية والجمهور (٣) يستدلون بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، فالجمهور يرون: أن الخطاب للأولياء، والحنفية: يجعلون هذا من أقوى الأدلة على مذهبهم؛ لأنه أضاف النكاح إليهن، لكن جاء في الحديث: "لا نكاح إلا بولي" (٤)، والذين قدحوا فيه قالوا: إنه من رواية الزهري وهو في

стр. 5554

حديث ابن عباس، وعائشة (١) وأبي هريرة (٢)، وجابر بن عبد الله ﵄ (٣) كلها جاءت بألفاظ متقاربة: "لا نكاح إلا بولي". قوله: (وَإِنْ كَانَ الْمُسْقِطُ لَهَا لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَنَحْنُ نُورِدُ مَشْهُورَ مَا احْتَجَّ بِهِ الْفَرِيقَانِ). المؤلف سيناقش المسألة مناقشة تفصيلية فيها إنصاف، وفي النهاية يميل إلى مذهب الحنفية (٤)، لأن هذا هو الذي ظهر له في النهاية ليس متعصبًا؛ لأنه لو كان متعصبًا لأخذ برأي المالكية فلا يتهم بهذه المسألة وهذا هو شأن العلماء. قوله: (وَنُبَيِّنُ وَجْهَ الاحْتِمَالِ فِي ذَلِكَ؛ فَمِنْ أَظْهَرِ مَا يَحْتَجُّ بِهِ مِنَ الْكتَابِ مَنِ اشْتَرَطَ الْوِلَايَةَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، قَالُوا (٥): وَهَذَا خِطَابٌ لِلأَوْلِيَاءِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَقٌّ فِي الْوِلَايَةِ لَمَا نُهُوا عَنِ الْعَضْلِ). هذه الآية سيحتج بها الجمهور، وهي في نفس الوقت حجة للحنفية؛ لأن الجمهور سيحتجون بها على أن الخطاب للأولياء، قوله تعالى: ﴿فَلَا

стр. 5555

تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾، هذا خطاب على قول الجمهور من الله للأولياء، فلو لم يكن لهم الحق وكامل الولاية في تزويج منهن لما نهوا عن العضل؛ فلما نهوا عن عضلهن دل ذلك على أن الأمر منوط بهم هذا هو وجه الدلالة، أما الحنفية استدلوا بدليلين الأول قالوا: الله تعالى أضاف النكاح إليهن وهذا دليل على أنه خاص بهن، وأنهن هن الآتي يعقدن النكاح. الدليل الثاني قالوا: والله تعالى نهى عن منعهن من ذلك هذا تأويل الحنفية، هذا نهي للأولياء أن يمنعوا النساء من التمتع بحقهن أن يعقدن العقد بأنفسهن. وهنالك دليل ثالث قالوا: النكاح هو خالص حق المرأة وهي التي ستستفيد به، وهي التي ستتمتع بالنكاح فهي أولى به ما دام يخصها أن تعقد لنفسها، أليس من حقها أن تبيع وتشتري في ملكها، فهذا مراد المؤلف، وبهذا يتبين لنا أن الاستدلال بالآيات ليست صريحة الدلالة، وكلام الجمهور والاستدلال بالحديث أوضح وهو: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" (١). قوله: (وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١] قَالُوا (٢): وَهَذَا خِطَابٌ لِلْأَوْليَاءِ أَيْضًا، وَمِنْ أَشْهَرِ مَا احْتَجَّ بِهِ هَؤُلَاءِ مِنَ الْأَحَادِيثِ مَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ)، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَالْمَهْرُ لَهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا

стр. 5556

فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ". خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ فِيهِ: حَدِيثٌ حَسَنٌ (١)). هذا الحديث فيه تحذير للمرأة: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلَيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ؛ فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ"، إن اختلفوا في الأمر فيرجع بعد ذلك على القاضي، وهذا أقوى دليل تمسك به جمهور العلماء، وهو نص في هذه المسألة أورده المؤلف، وهذا الحديث رواه الخمسة إلا النسائي (٢)، وقد جاء عن طريق أبي هريرة، وعن طريق عائشة، وعن طريق ابن عمر (٣)، وعن طريق جابر بن عبد الله، وعن غير هؤلاء من الصحابة ﵃، والحديث بلا شك بتعدد طرقه فهو صحيح (٤). قوله: (وَأَمَّا مَنِ احْتَجَّ بِهِ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطِ الْوِلَايَةَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ). الدين لا يشترطون الرواية: هم الحنفية والحنابلة معًا والتابعين وغيرهم (٥)، وأيضًا هناك أقوال في بعض المذاهب تتفق مع الحنفية.

стр. 5557

قوله: (فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤]. قَالُوا: وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَصَرُّفِهَا فِي الْعَقْدِ عَلَى نَفْسِهَا. قَالُوا: وَقَدْ أَضَافَ إِلَيْهِنَّ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ مِنَ الْكِتَابِ الْفِعْلَ، فَقَالَ: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]). الآية التي ذكرت هي من أقوى الأدلة عند الحنفية، وبعض العلماء يقتصر عليها. قوله: (وَأَمَّا مِنَ السُّنَّةِ فَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: "الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صِمَاتُهَا" (١)). المتفق على صحته إن كان يريد أنه صحيح باتفاق، ولكن إن كان المراد المتفق على صحته أنه في الصحيحين فهذا الحديث رواه الجماعة إلا البخاري، "الأيم أحق بنفسها" فسَّرته الرواية الأخرى: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر" (٢)، فالقصد أنها أحق بنفسها أنه يؤخذ رأيها، فإن أكرهت وهي ثيب فيفسخ النكاح في هذه الحالة (٣)، وليس الحديث فيه دلالة على أنها هي التي تعقد لنفسها.

стр. 5558

قوله: (وَبِهَذَا الْحَدِيثِ احْتَجَّ دَاوُدُ فِي الْفَرْقِ عِنْدَهُ بَيْنَ الثَّيِّب وَالْبِكْرِ فِي هَذَا الْمَعْنَى (١). فَهَذَا مَشْهُورُ مَا احْتَجَّ بِهِ الْفَرِيقَانِ مِنَ السَّمَاعِ). من أجمل ما في المسائل الفقهية أن تعرض الأقوال، ثم تبين الخلاف، ثم تناقش كل قول، ثم تنتهي إلى الراجح في المسألة على ضوء الدليل، أن يكون عندك دليل صحيح، أو أن يكون علة دليل صحيح، أو تعليل سليم مقبول؛ لأنه قد لا تجد دليلًا فيكون عندك حجة أخرى. قوله: (فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] فَلَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ نَهْيِ قَرَابَةِ الْمَرْأَةِ وَعَصَبَتِهَا مِنْ أَنْ يَمْنَعُوهَا النِّكَاحَ، وَلَيْسَ نَهْيُهُمْ عَنِ الْعَضْلِ مِمَّا يُفْهَمُ مِنْهُ اشْتِرَاطُ إِذْنِهِمْ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا) (٢). وهذا يناقش مذهب الجمهور؛ يعني: المؤلف: يُظهر أنَّه يميل إلى مذهب الحنفية.

стр. 5559

قوله: (أَعْنِي: بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ أَدِلَّةِ الْخِطَابِ الظَّاهِرَةِ أَوِ النَّصِّ، بَلْ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ ضِدُّ هَذَا، وَهُوَ أَنَّ الْأَوْلِيَاءَ لَيْسَ لَهُمْ سَبِيلٌ عَلَى مَنْ يَلُونَهُمْ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١] هُوَ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِأُولِي الْأَمْرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوِ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَحْرَى مِنْهُ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلْأَوْلِيَاءِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلْأَوْلِيَاءِ أَوْ لِأُولِي الْأَمْرِ، فَمَنِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ أَنَّهُ أَظْهَرُ فِي خِطَابِ الْأَوْلِيَاءِ مِنْهُ فِي أُولِي الْأَمْرِ) (١). باختصار يريد المؤلف أن يقول: التردد في الاستدلال بالآية يضعف كونها حجة لجمهور العلماء. قوله: (فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا عَامٌّ، وَالْعَامُّ يَشْمَلُ ذَوِي الْأَمْرِ وَالْأَوْلِيَاءَ - قِيلَ: إِنَّ هَذَا الْخِطَابَ إِنَّمَا هُوَ خِطَابٌ بِالْمَنْعِ، وَالْمَنْعُ بِالشَّرْعِ، فَيَسْتَوِي فِيهِ الْأَوْلِيَاءُ وَغَيْرُهُمْ، وَكَوْنُ الْوَلِيِّ مَأْمُورًا بِالْمَنْعِ بِالشَّرْعِ لَا يُوجِبُ لَهُ وِلَايَةً خَاصَّةً فِي الْإِذْنِ، أَصْلُهُ الْأَجْنَبِيُّ) (٢). يعني: الأصل الذي يقاس عليه هو الأجنبي يلحق به في ذلك. قوله: (وَلَوْ قُلْنَا: إِنَّهُ خِطَابٌ لِلْأَوْليَاءِ يُوجِبُ اشْتِرَاطَ إِذْنِهِمْ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ لَكَانَ مُجْمَلًا لَا يَصِحُّ بِهِ عَمَلٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ أَصْنَافِ الْأَوْلِيَاءِ وَلَا صِفَاتِهِمْ وَلَا مَرَاتِبِهِمْ). هذا الكلام لو لم ترد هناك أحاديث، ولكن القدح كله في حديث:

стр. 5560

"لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" (١)، وفي بعض الروايات: "لا نكاح إلا بولي مرشد" (٢)، الكلام هنا فيما يتعلق بنسيان الزهري راوي هذا الحديث في القصة التي حكيت عن ابن جريج (٣). قوله: (وَالْبَيَانُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ (٤). وَلَوْ كانَ فِي هَذَا كُلِّهِ شَرْعٌ مَعْرُوفٌ لَنُقِلَ تَوَاتُرًا أَوْ قَرِيبًا مِنَ التَّوَاتُرِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى) (٥). لكننا ننقض هذه المقايسة، وهذا التعليل، ونقول: لو كان ذلك مطلوبًا لنقل. قوله: (وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ كَانَ فِي الْمَدِينَةِ مَنْ لَا وَلِيَّ لَه، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَعْقِدُ أَنْكِحَتَهُمْ وَلَا يُنَصِّبُ لِذَلِكَ مَنْ يَعْقِدُهَا). لم ينقل عن النبي ﵊ أنه وكل إلى النساء أن يعقدن نكاحهن فيبقى الأمر على ما سبق، وحديث: "لا نكاح إلا بولي

стр. 5561

وشاهدي عدل" (١)، لا نافية، ونكاح نكرة، والنكرة في سياق النفي تعم (٢)، ثم جاء بعد ذلك أداة الحصر. وأما تعليل المؤلف: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها" (٣) فالمقصود: على أغلب الأحوال هو أن تُستأذن المرأة فجاء هذا الحديث ليبين أنه ليس المقصود من الولي أن يأذن لها بأن تتزوج، وإنما المطلوب في ذلك أنه هو الذي يتولى عقد النكاح؛ لأن الولاية نوع من السلطة والمرأة قاصرة. قوله: (وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْآيَةِ لَيْسَ هُوَ حُكْمٌ، وإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهَا تَحْرِيمُ نِكَاحِ الْمُشْرِكينَ وَالْمُشْرِكاتِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ). عبد الرحمن بن عوف ﵁ عندما قال لأم حكيم: أتأذنين لي أن أُزوجك قالت: نعم، فقال: تزوجتكِ (٤)، فبين لها أنه يريد أن يتزوجها فقال: تزوجتك ولم يقل زوجيني نفسك، وعبد الرحمن بن عوف من الصحابة المشهود لهم بالجنة، فالأدلة تدل على خلاف ما ذكره المؤلف. قوله: (وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ (٥): فَهُوَ حَدِيثٌ مُخْتَلَفٌ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِه، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَا لَا يُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ أَنَّهُ لَيْسَ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ.

стр. 5562

وَأَيْضًا فَإِنْ سَلَّمْنَا صِحَّةَ الْحَدِيثِ فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا اشتِرَاطُ إِذْنِ الْوَلِيِّ لِمَنْ لَهَا وَلِيٌّ). إذا كان الحديث قد اختلف في صحته فحينئذٍ يختلف في العمل به، وهذا الحديث جاء عن طريق ابن عباس (١)، وعائشة (٢)، وعمران بن الحصين (٣)، وفيه أيضًا عدة روايات عن عبد الله بن عباس (٤)، فهذا الحديث جاء بألفاظ متعددة، وهي بمجموعها صالحة للاستدلال بها، بل إن حديث الزهري: "لا نكاح إلا بولي وشاهدى عدل" وهو حديث صحيح (٥)، لكن هذا الحديث لم يتحدث عن الإذن، وإنما الذي تحدث عن الإذن هو حديث: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل". ولذلك أضاف بعض العلماء: العدالة؛ أي: أن الفاسق ليس له أن يعقد النكاح، وهي مسألة مختلف فيها، والفسق أيضًا أنواع: فهناك من الفسق ما لا يمنع عقد النكاح، ومن الفسق ما يمنعه إذا كان فسقًا في العقيدة كما مثل العلماء لذلك. قوله: (أَعْنِي: الْمَوْلَى عَلَيْهَا. وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ امْرَأَةٍ فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ الْمَرْأَةُ لَا تَعْقِدُ عَلَى نَفْسِهَا؛ أَعْنِي: أَلَّا تَكُون هِيَ الَّتِي تَلِي الْعَقْدَ، بَلِ الْأَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا أَذِنَ الْوَلِيَّ لَهَا جَازَ أَنْ تَعْقِدَ عَلَى نَفْسِهَا دُونَ أَنْ تَشْتَرِطَ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ إِشْهَادَ الْوَلِيِّ مَعَهَا) (٦).

стр. 5563

الحديث صريح في الدلالة على مذهب جمهور العلماء، و "أي" تدل على العموم (١)، فهي تدل على عموم النساء جميعًا، وأن المرأة ليس لها أن تعقد لنفسها إلا إذا تعطل ذلك كله، فتستند ذلك إلى أحد المسلمين كما قال العلماء لكنها ترجع قبل ذلك إلى السلطان. قوله: (وَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ الْفَرِيقُ الْآخَرُ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤]- فَإِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهُ النَّهْيُ عَنِ التَّثْرِيبِ (٢) عَلَيْهِنَّ فِيمَا اسْتَبْدَدْنَ (٣) بِفِعْلِهِ دُونَ أَوْلِيَائِهِنَّ، وَلَيْسَ هَاهُنَا شَيْءٌ يُمْكِنُ أَنْ تَسْتَبِدَّ بِهِ الْمَرْأَةُ دُونَ الْوَلِيِّ إِلَّا عَقْدَ النِّكَاحِ) (٤). المرأة لها أن تتصرف في أمور كثيرة، وليست مقصورة حقيقة على عقد النكاح؛ لأن عقد النكاح أصلًا ليس من اختصاصها، ولا من شأنها فإن الشريعة فوَّضته إلى الرجال الأولياء على حسب ترتيبهم الأب، ثم بعد ذلك الابن أو الجد على خلاف بين العلماء، وهكذا الإخوة الأشقاء، وهناك من يسوي بينهم.

стр. 5564

قوله: (فَظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ لَهَا أَنْ تَعْقِدَ النِّكَاحَ، وَللْأَوْليَاءِ الْفَسْخُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِالْمَعْرُوفِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الشَّرْعِ، إِلَّا أَنَّ هَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ (١)، وَأَنْ يُحْتَجَّ بِبَعْضِ ظَاهِرِ الْآيَةِ عَلَى رَأْيِهِمْ (٢)، وَلَا يُحْتَجَّ بِبَعْضِهَا (٣) - فِيهِ ضَعْفٌ، وَأَمَّا إِضَافَةُ النِّكَاحِ إِلَيْهِنَّ فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِنَّ بِالْعَقْدِ، لَكِنَّ الْأَصْلَ هُوَ الاخْتِصَاص، إِلَّا أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ). المؤلف عاد وقال: إن إضافة النكاح ليس فيه دلالة قطعية على أنهن يتولَّين عقد النكاح إلا أن يأتي دليل آخر، بل الدليل أثبت أنها لا تعقد لنفسها. قوله: (وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَهُوَ لَعَمْرِي ظَاهِرٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الثَّيِّبِ وَالْبِكْرِ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُسْتَأْذَن، وَيَتَوَلَّى الْعَقْدَ عَلَيْهِمَا الْوَلِيُّ فَبِمَاذَا - لَيْتَ شِعْرِي - تَكُونُ الْأَيِّمُ أَحَقَّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا؟ وَحَدِيثُ الزُّهْرِيِّ (٤) هُوَ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا هَذَا الْحَدِيثَ أَحْرَى مِنْ أَنْ يَكُونَ مُعَارِضًا لَه، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا فِي السُّكُوتِ وَالنُّطْقِ فَقَطْ، وَيَكُونَ السُّكُوتُ كَافِيًا فِي الْعَقْدِ) (٥). الكل يستأذن لكن الثيب لا بد أن تقول: نعم، أو لا؛ لأنها قد

стр. 5565

جربت النكاح، وذاقت حلوه ومره، أما البكر فالمعروف فيها أنها تستحي، ويصعب عليها أن تنطق، وإن كان في زماننا هذا قد تغيرت الأمور فهي تعبر عما في نفسها. قوله: (وَالاحْتِجَاجُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤] هُوَ أَظْهَرُ فِي أَنَّ الْمَرْأَةَ تَلِي الْعَقْدَ مِنَ الاحْتِجَاجِ بقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١] عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ هُوَ الَّذِي يَلِي الْعَقْدَ، وَقَدْ ضَعَّفَتِ الْحَنَفِيَّةُ (١) حَدِيثَ عَائِشَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ حَدِيثٌ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَحَكَى ابْنُ عُلَيَّةَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ عَنْهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ) (٢). الذين رووا الحديث ثقات وغير متهمين بالكذب، ثم إن الزهري بشر، وهو ينسى (٣). وفي قصة آدم ﵇ لما رأى ابنه داود فمنحه من عمره أربعين سنة فلما جاء ملك الموت يقبضه قال: يا رب بقي من عمري أربعون

стр. 5566

سنة، ثم ذُكِّر بأنه قد أعطاها، أو وهبها لابنه داود ثم جاء الحديث يقول الرسول ﷺ : "فنسي آدم فنسيت ذريته" (١)، إذن هذا أول نبي أرسله الله أرسله إلى الأرض، ومن هذا النبي خلقت زوجته حواء، ومع هذا نسي. وإذا كان المصطفى ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى يقول: "إنما أنا بشر فإذا نسيت فذكروني" (٢). وحديث الرسول ﷺ انصرف من ركعتين في صلاة الظهر فلما جاءه المعروف بذي اليدين قال: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: "ما قصرت وما نسيت"، ثم التفت إلى أصحابه فسألهم فأقروا ذا اليدين فقام ﵊ فأتم صلاته وسجد سجود السهو (٣)، والأمثلة على ذلك كثيرة، حتى إنهم قالوا: إن الإنسان سمي إنسانًا لكثرة نسيانه (٤). فليس من الغريب أن ينسى الزهري مع حفظه لجملة من آلاف

стр. 5567

الأحاديث التي رويت عن رسول الله ﷺ فهذا لا يقدح في الحديث، وهو حديث صحيح والنسيان لا يرد ذلك (١). قوله: (قَالُوا: وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَشْتَرِطِ الْوِلَايَةَ، وَلَا الْوِلَايَةُ مِنْ مَذْهَبِ عَائِشَةَ (٢)، وَقَدِ احْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: "لَا نِكَاحَ إِلَّا بَوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ"، وَلَكِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي رَفْعِهِ (٣)). "ولا الولاية من مذهب عائشة" يعني: عائشة أيضًا لا تشترط هذا، لكن روي عن عائشة حديث: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل".

стр. 5568

وروي عن ابن عباس رواه الدارقطني (١) برواية أخرى: "لَا نِكَاحَ إِلَّا بَوَلِيٍّ مرشد وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ"، والأحاديث في ذلك كثيرة عن عدد من الصحابة. ثم لو سلمنا بذلك فالأوْلى أن هذا النكاح فيه حفظ النسب فكيف يعقد نكاح مشكوك فيه والرسول ﷺ يقول: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل" (٢). قوله: (وَكذَلِكَ اخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي نِكَاحِ النَّبِيِّ ﵊ أُمَّ سَلَمَةَ وَأَمْرِهِ لابْنِهَا أَنْ يُنْكِحَهَا إِيَّاهُ (٣)). هذا الحديث الذي يشير إليه المؤلف رواه الخمسة إلا النسائي (٤) وهو حديث صحيح، ولكن رُدَّ عليه أن الذي عقد النكاح لرسول الله ﷺ

стр. 5569

هو عمر بن سلمة يعني: ابن أم سلمة، وكان صغيرًا كما ذكر الرواة أنه ولد بعد الهجرة إلى الحبشة (١) بسنتين، وفي بعض الروايات أن الذي تولى العقد سلمة ابنها الأكبر (٢)، ثم المعقود له هو رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ له أن يتولى ذلك كما قال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٦)﴾ [الأحزاب: ٦]. إذن رسول الله ﷺ لا يقاس عليه في هذا الأمر (٣)، وهذا ليس فيه دلالة على ضعف الحديث، وإنما فيه أن الذي عقد النكاح هو: لأنها قالت قم يا عمر بعد أن قال لها الرسول ﷺ : "لا أحد من أوليائك حاضر ولا غائب" قالت: قم يا عمر فزوج رسول الله ﷺ (٤). قوله: (وَأَمَّا احْتِجَاجُ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ جِهَةِ الْمَعَانِي فَمُحْتَمَلٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الرُّشْدَ إِذَا وُجِدَ فِي الْمَرْأَةِ اكتُفِيَ بِهِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، كَمَا يُكْتَفَى بِهِ فِي التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ).

стр. 5570

فمهما وجد الرشد في النساء فهن كما قال الرسول ﵊ عنهن: "ناقصات عقلٍ ودين، لو أحسنت لهن الدهر كله تم رأت منك شْيئًا ولو يسيرًا قالت: ما رأيت خيرًا قط" (١). وقال ﵊: "يكفرن" قيل: أيكفرن بالله؟ قال: "لا؛ يكفرن العشير" (٢). وقال: "قد عوضت عليَّ النار فرأيت أكثرها النساء". ولا شك أن الكثير منهن صالحات مؤمنات كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب: ٣٥]، لكن غالب عادات النساء أنه مهما حصل لها من شيء فتنكر لما مضى؛ هذه صفة من صفاتها المرأة قاصرة ناقصة يلحقها القصور فلا يمكن أن تصل إلى درجة الريادة ولذلك لا تقاتل، ولا تجاهد، وفي كثير من الأحكام على النصف من أحكام الرجل. قوله: (وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْمَرْأَةَ مَائِلَةٌ بِالطَّبْعِ إِلَى الرِّجَالِ أَكْثَرَ مِنْ مَيْلِهَا إِلَى تَبْذِيرِ الْأَمْوَالِ). قصد المؤلف: أن المرأة تميل إلى الرجل بطبيعتها وعادتها وتأنس
следующие страницы →