← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

سنة، ثم ذُكِّر بأنه قد أعطاها، أو وهبها لابنه داود ثم جاء الحديث يقول الرسول ﷺ : "فنسي آدم فنسيت ذريته" (١)، إذن هذا أول نبي أرسله الله أرسله إلى الأرض، ومن هذا النبي خلقت زوجته حواء، ومع هذا نسي. وإذا كان المصطفى ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى يقول: "إنما أنا بشر فإذا نسيت فذكروني" (٢). وحديث الرسول ﷺ انصرف من ركعتين في صلاة الظهر فلما جاءه المعروف بذي اليدين قال: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: "ما قصرت وما نسيت"، ثم التفت إلى أصحابه فسألهم فأقروا ذا اليدين فقام ﵊ فأتم صلاته وسجد سجود السهو (٣)، والأمثلة على ذلك كثيرة، حتى إنهم قالوا: إن الإنسان سمي إنسانًا لكثرة نسيانه (٤). فليس من الغريب أن ينسى الزهري مع حفظه لجملة من آلاف

стр. 5567

الأحاديث التي رويت عن رسول الله ﷺ فهذا لا يقدح في الحديث، وهو حديث صحيح والنسيان لا يرد ذلك (١). قوله: (قَالُوا: وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَشْتَرِطِ الْوِلَايَةَ، وَلَا الْوِلَايَةُ مِنْ مَذْهَبِ عَائِشَةَ (٢)، وَقَدِ احْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: "لَا نِكَاحَ إِلَّا بَوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ"، وَلَكِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي رَفْعِهِ (٣)). "ولا الولاية من مذهب عائشة" يعني: عائشة أيضًا لا تشترط هذا، لكن روي عن عائشة حديث: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل".

стр. 5568

وروي عن ابن عباس رواه الدارقطني (١) برواية أخرى: "لَا نِكَاحَ إِلَّا بَوَلِيٍّ مرشد وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ"، والأحاديث في ذلك كثيرة عن عدد من الصحابة. ثم لو سلمنا بذلك فالأوْلى أن هذا النكاح فيه حفظ النسب فكيف يعقد نكاح مشكوك فيه والرسول ﷺ يقول: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل" (٢). قوله: (وَكذَلِكَ اخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي نِكَاحِ النَّبِيِّ ﵊ أُمَّ سَلَمَةَ وَأَمْرِهِ لابْنِهَا أَنْ يُنْكِحَهَا إِيَّاهُ (٣)). هذا الحديث الذي يشير إليه المؤلف رواه الخمسة إلا النسائي (٤) وهو حديث صحيح، ولكن رُدَّ عليه أن الذي عقد النكاح لرسول الله ﷺ

стр. 5569

هو عمر بن سلمة يعني: ابن أم سلمة، وكان صغيرًا كما ذكر الرواة أنه ولد بعد الهجرة إلى الحبشة (١) بسنتين، وفي بعض الروايات أن الذي تولى العقد سلمة ابنها الأكبر (٢)، ثم المعقود له هو رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ له أن يتولى ذلك كما قال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٦)﴾ [الأحزاب: ٦]. إذن رسول الله ﷺ لا يقاس عليه في هذا الأمر (٣)، وهذا ليس فيه دلالة على ضعف الحديث، وإنما فيه أن الذي عقد النكاح هو: لأنها قالت قم يا عمر بعد أن قال لها الرسول ﷺ : "لا أحد من أوليائك حاضر ولا غائب" قالت: قم يا عمر فزوج رسول الله ﷺ (٤). قوله: (وَأَمَّا احْتِجَاجُ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ جِهَةِ الْمَعَانِي فَمُحْتَمَلٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الرُّشْدَ إِذَا وُجِدَ فِي الْمَرْأَةِ اكتُفِيَ بِهِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، كَمَا يُكْتَفَى بِهِ فِي التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ).

стр. 5570

فمهما وجد الرشد في النساء فهن كما قال الرسول ﵊ عنهن: "ناقصات عقلٍ ودين، لو أحسنت لهن الدهر كله تم رأت منك شْيئًا ولو يسيرًا قالت: ما رأيت خيرًا قط" (١). وقال ﵊: "يكفرن" قيل: أيكفرن بالله؟ قال: "لا؛ يكفرن العشير" (٢). وقال: "قد عوضت عليَّ النار فرأيت أكثرها النساء". ولا شك أن الكثير منهن صالحات مؤمنات كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب: ٣٥]، لكن غالب عادات النساء أنه مهما حصل لها من شيء فتنكر لما مضى؛ هذه صفة من صفاتها المرأة قاصرة ناقصة يلحقها القصور فلا يمكن أن تصل إلى درجة الريادة ولذلك لا تقاتل، ولا تجاهد، وفي كثير من الأحكام على النصف من أحكام الرجل. قوله: (وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْمَرْأَةَ مَائِلَةٌ بِالطَّبْعِ إِلَى الرِّجَالِ أَكْثَرَ مِنْ مَيْلِهَا إِلَى تَبْذِيرِ الْأَمْوَالِ). قصد المؤلف: أن المرأة تميل إلى الرجل بطبيعتها وعادتها وتأنس

стр. 5571

بالرجل شرعًا؛ لأنها ضعيفة فمن الذي يجبر نقصها هو الرجل فهذا دلالة على ضعفها، لكنها ربما تفرط في المال هذا الذي يريد المؤلف، ولكن قد نجد من النساء مَن عندهن من انرشد والتصرف ما لا قد تجده عند بعض الرجال، أليس يوجد من الرجال من يحجر عليه لسفهه؟ والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾ [النساء: ٥، ٦]، فالمرأة مهما كانت فهي ناقصة، ولذلك يقول الرسول ﷺ : "لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" (١). ويقول: "أخروهن من حيث أخرهن الله" (٢)؛ ليس ذلك لعيب في المرأة، ولكن هذه منزلة وضعها الله لها؛ فالمرأة خلقت لتكون ربة بيت، لتحمل، لتلد، لتربي الأولاد، لتقوم بشؤون المنزل، وهي فوق ذلك أم فيها الحنان والشفقة، والرحمة والعطف، وهي أيضًا تمثل جانبًا كبيرًا في المجتمع الإسلامي. قوله: (فَاحْتَاطَ الشَّرْعُ بِأَنْ جَعَلَهَا مَحْجُوزةً فِي الْمَعْنَى عَلَى التَّأْبِيدِ، مَعَ أَنَّ مَا يَلْحَقُهَا مِنَ الْعَارِ فِي إِلْقَاءِ نَفْسِهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِ كَفَاءَةٍ يَتَطَرَّقُ إِلَى أَوْليَائِهَا، لَكِنْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لِلْأَوْلِيَاءِ الْفَسْخُ أَوِ الْحِسْبَةُ). يتطرق لأوليائها؛ لأنه إن تزوجت إنسانًا قاصرًا سيترتب على هذا البيت أنه سيعيش في عذاب، وفي فلق وفي نكد، وربما يصل ذلك إلى الطلاق، لكن عندما يختار الزوجة العاقلة الحكيمة الراشدة لا شك أن هذا

стр. 5572

بإذن الله فيه السعادة، لكن تصرف الرجل ليس كتصرف المرأة فالرجل عنده من الإدراك، ومن البصيرة، ومن أخذ الحيطة ما ليس عند المرأة، فالمرأة كما ذكر المؤلف تأخذها العاطفة والميل إلى الرجال. والحسبة (١): من الاحتساب بمعنى: أنه يريد أن الولي يحتسب في ذلك. والفقهاء فَصَّلوا ما يعرف بالسياسة الشرعية من الفقه، وهذا مصطلح جديد ومعروف فجعلوا مثلًا: السياسة الشرعية تتعلق بأحكام النظام المالي في الإسلام نظام الدولة، ومن الحسبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحسبة كانت فيما مضى أوسع مما نحن فيه الآن كان يدخل فيها بعض الأنظمة التي تقوم بها البلديات والشرطة وغيرهم، الآن الحسبة هم الذين يسمونهم هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأصل في الحسبة أنك تحتسب وتقتضي بهذا الأمر وجه الله لا تريد عليه شيئًا، لكن إن وضع لك رزق وأنت بحاجة إليه ووقفت نفسك على هذا فهذا أمر جائز شرعًا. قوله: (وَالْمَسْأَلَةُ مُحْتَمَلَةٌ كمَا تَرَى، وَلَكِنَّ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَوْ قَصَدَ الشَّارعُ اشْتِرَاطَ الْوِلَايَةِ لَبَيَّنَ جِنْسَ الْأَوْليَاءِ وَأَصْنَافَهُمْ وَمَرَاتِبَهُمْ). في الولي الرسول ﷺ قال: "لا نكاح إلَّا بولي وشاهدي عدل" (٢)، وكثير من الأدلة التي في كتاب الله جاءت مجملة، والمجملة بينتها سُنَّة رسول الله ﷺ ، وهناك كثير من المسائل اجتهد فيها العلماء فخَرجوها عن أدلة الكتاب والسنة، فذكر الأصول: "لا نكاح إلا بولي مرشد"، فوضع المقياس السليم للولي.

стр. 5573

قوله: (فَإِنَّ تَأَخُّرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ). هذا إذا كان لا يوجد بيان، لكن البيان موجود، ولأنه لا بد من وجود الولي، وأن يكون عدلًا أي: مرشدًا عند بعض العلماء، وأن يتولى العقد بنفسه والرجل له القوامة، والله تعالى يقول: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]، ويقول تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. قوله: (فَإِذَا كانَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ ﵊ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ (١)، وَكَانَ عُمُومُ الْبَلْوَى (٢) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَقْتَضِي أَنْ يُنْقَلَ اشْتِرَاطُ الْوِلَايَةِ عَنْهُ ﷺ توَاتُرًا أَوْ قَرِيبًا مِنَ التَّوَاتُرِ، ثُمَّ لَمْ يُنْقَلْ - فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنَّهُ لَيْسَتِ الْوِلَايَةُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ، وَإِنَّمَا لِلْأَوْلِيَاءِ الْحِسْبَةُ فِي ذَلِكَ). يعني: أن يكون محتسبًا أقرب ما يكون إلى التبرع، وهذا أعلى درجة في نظر المؤلف. قوله: (وَإِمَّا إِنْ كَانَ شَرْطًا فَلَيْسَ مِنْ صِحَّتِهَا تَمْيِيزُ صِفَاتِ الْوَلِيِّ وَأَصْنَافِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ؛ وَلِذَلِكَ يَضْعُفُ قَوْلُ مَنْ يُبْطِلُ عَقْدَ الْوَلِيِّ الْأَبْعَدِ مَعَ وُجُودِ الأَقْرَبِ.

стр. 5574

الْمَوْضِعُ الثَّانِي: وَأَمَّا النَّظَرُ فِي الصِّفَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلْوِلَايَةِ وَالسَّالِبَةِ لَهَا، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْوِلَايَةِ الْإِسْلَامَ (١)، وَالْبُلُوغَ، وَالذُّكورَةَ). المؤلف يرد على نفسه بنفسه؛ لأنه الآن سيتكلم عن شروط الولاية: * الإسلام: مسألة متفق عليها عندما درسنا الصلاة قلنا أيضًا لا تُقبل الصلاة إلا من مسلم، والله تعالى يقول: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]. الصلاة، والزكاة، والحج، والصيام، هذه كلها يشترط فيها الإسلام؛

стр. 5575

إذن هذا أمر معروف ومُطِرِد في أحكام الشريعة الإسلامية وفي أحكام الفقه، فيشترط في الولى أن يكون مسلمًا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]. ويقول عن الكافرين: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]. فالإسلام مطلوب في هذا المقام؛ لأن هذه ولاية بمعنى أنها سلطة، والكافر لا سلطة له على مسلم ذكرًا كان أو أنثى، فلا ولاية لكافر على مسلم. * البلوغ: ذهبا إليه جمهور العلماء: الحنفية والمالكية والشافعية وهي رواية للإمام أحمد (١)، إلى أنه يشترط في الولي أن يكون وصل سن البلوغ، والبلوغ يُعرف بعدة علامات: الإنبات، وصوله الخمس عشرة سنة، خروج المني؛ يعني: الاحتلام، والإمام أحمد له رواية أخرى (٢) يقول: إذا بلغ الغلام عشر سنين فله أن يتزوج وله أن يعقد النكاح وله أيضًا أن يُوكل غيره وله أن يُطلِّق إذا بلغ عشر سنوات، لكن مذهب الجمهور في الحقيقة هو الراجح في هذه المسألة؛ لأن البلوغ مطلوب، والرسول ﷺ يقول في الحديث الذي رواه علي بن أبي طالب وعائشة ﵃ وغيرهم أن رسول ﷺ قال: "رُفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق وعن الصغير حتى يبلغ" (٣).

стр. 5576

فهذا الحديث يدل على أن الصغير ليس له حق الولاية، هذا هو الذي نرجحه وهو مذهب جمهور العلماء. * أما الذكورة: ضد الأنوثة؛ لأن المرأة كما ذكرنا خلافًا للحنفية ليس لها أن تعقد لنفسها، فمن باب أولى أن تعقد لغيرها؛ لأنه يتطرق إليها صفة النقص، هي ناقصة عن الرجال في كثير من الأحكام، وقد ذكرناها في أسباب التخفيف السبعة التي منها: المرض والسفر والنسيان والإكراه والجهل، والنقص موجود في المرأة وفي العبد المملوك، فهؤلاء يتطرق إليهم النقص، فكيف تكون لا ولاية لها على نفسها ثم تكون لها ولاية على غيرها؛ ولذلك المرأة إذا كانت عندها مملوكة فيتولى عقدها من يتولى عقد المرأة نفسها. قوله: (وَأَنَّ سَوَالِبَهَا أَضْدَادُ هَذِهِ؛ أَعْنِي: الْكُفْرَ وَالصِّغَرَ وَالْأُنُوثَةَ). السوالب يعني: الكفر، الإسلام ضده الكفر، الصغر وضده البلوغ، الجنون وضده العقل، الأنوثة ضدها الذكورة، والذكورة ضدها الأنوثة، أجمل المؤلف، وقلت لكم: ليس لكافر أن يعقد على مسلمة؛ لأنه بإجماع العلماء لا يجوز لكافر أن يعقد على مسلمة؛ لأنها ولاية، ولا ولاية لكافر على مسلم، والله تعالى قد قصر الولاية على المؤمنين بعضهم ببعض كما قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]. قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي ثَلَاثَةٍ: فِي الْعَبْدِ وَالْفَاسِقِ وَالسَّفِيهِ). اختلفوا في ثلاثة: في العبد: الذي هو المملوك هل له أن يعقد؟ جمهور العلماء ليس له أن يتولى العقد؛ لأنه كما قلنا ناقصٌ، فيه قصور، فهو مما يتطرق إليه الناس؛ ولأنه لا يتولى العقد لنفسه؛ لأنه لا ولاية له على نفسه، فمن باب أولى لا ولاية له على غيره، لكن بعض العلماء استثنى صورة: أنه إذا كانت المرأة لها مملوك فأذنت له أن يُزوِّجها هذه المسألة فيها خلاف.

стр. 5577

قوله: (فَأَمَّا الْعَبْدُ فَالْأَكثَرُ عَلَى مَنْعِ وِلَايَتِهِ (١)، وَجَوَّزَهَا أَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَأَمَّا الرُّشْدُ فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ؛ أَعْنِي: عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِ مَالِكٍ (٣) أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا). الرشد هو: أن يكون بلغ سن الرشد، وهذا قد ورد التنصيص عليه في حديث ابن عباس: "لا نكاح إلا بولي مرشد" (٤)، فالمشهور في المذهب عند أكثر المالكية هو كذلك أيضًا عند الحنابلة في المشهور وعند الشافعية. قوله: (وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ (٥)، وَبِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ قَالَ أَشْهَبُ، وَأَبُو مُصْعَبٍ (٦)، وَسَبَبُ الخِلَافِ تَشْبِيهُ هَذِهِ الْوِلَايَةِ

стр. 5578

بِوِلَايَةِ الْمَال فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ قَدْ يُوجِبُ الرُّشْدَ فِي هَذه الْوِلَايَةِ مَعَ عَدَمِهِ فِي الْمَالِ). المال يشترط أن مَن يتصرف فيه يكون راشدًا، لا أن يكون سفيهًا؛ ولذلك في قصة الرجل الذي كان يخدع في البيع، قال له الرسول: "اشترِ وقل لا خِلابة" (١)؛ يعني: لا خديعة، ولأجل ذلك وُضعت الشروط المعروفة: شرط المجلس والخيار، إلى غير ذلك من الشروط التي تُذكر في أقوال البيع. قوله: (قَالَ: لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ رَشِيدًا فِي الْمَالِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعُ الْوُجُودِ قَالَ: لا بد مِنَ الرَّشِيدِ فِي الْمَالِ، وَهُمَا قِسْمَانِ كَمَا تَرَى؛ أَعْنِي: أَنَّ الرُّشْدَ فِي الْمَالِ غَيْرُ الرُّشْدِ فِي اخْتِيَارِ الْكَفَاءَةِ لَهَا). والحقيقة أن الرشد في المال مطلوب؛ ولذلك جاء الحَجْر على السفيه، حتى لا يحصل تصرف سيئ؛ لأنه يُضيع المال ويُخدع في البيع، لكن من الناس من يوفقه الله وتجده ذو مهارة ومعرفة. لَوْ كانَتِ الأرزَاقُ تَجْري على الحِجَا … هلكْنَ إذَنْ مِنْ جَهْلِهنَّ البَهَائِمُ (٢) فليس الاشتغال بالمال علامة العقل فقد تجد الإنسان بسيطًا لكن تجد عنده مهارة في البيع، وتجد إنسان عنده الورع والتُّقى والدقة، لكن ما يعرف البيع والشراء، وقد يُخدع.

стр. 5579

قوله: (وَأَمَّا الْعَدَالَةُ فَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا (١) فِيهَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا نَظَرٌ لِلْمَعْنَى؛ أَعْنِي: هَذه الْوِلَايَةَ). العدالة: ضد السفه، والسفه ذكر في مواضع كثيرة، حتى في أبواب الصلاة، وأن السفه لا يؤثر وأن الرسول ﷺ قال: "الصلاة واجبة عليهم خلف كل مسلم برًّا كان أو فاجرًا" (٢)، وصلى الصحابة ﵃ خلف الفُسَّاق وشواهد ذلك كثيرة. ولكن الفسق أنواع: * فسق في العقيدة: مثل ما يتعلق بأن يكون جهميًّا (٣) أتباع

стр. 5580

جعد بن درهم وغير أولئك الأقوام الذين خرجوا عن الطريق السوي، فمنهم من قال: بخلق القرآن، منهم من قال: بنفي القدر، إلى غير ذلك، لكن إذا كان السفه غير ذلك بمعنى أن يكون الإنسان مقصرًا في بعض الأمور فهذا لا يؤثر في ولايته عند بعض العلماء وبعضهم قال: يؤثر فإذا وجد الإنسان الذي جمع صفات الكمال الظاهرة فهو أولى، لكن لو وُجِد مثلا أب عنده نوع من السفه، وعم يتصف بكل الصفات، فهل تنتقل الولاية؟ والجواب: إن وُجِد أخ شقيق وأخ لابن والأخ لأب أكثر تقًى وورعًا وصلاحًا من الأخ الشقيق، من أن هناك خلافًا: هل قضية الأخ الشقيق يختلف عن الأخ لأب، بعضهم يرى: أنهم سواء؛ لأنهما يدليان بالأب في هذه الولاية، فلا تأثير، وبعضهم يقول: لا، الأخ الشقيق هو أولى وهذا الصحيح، والعدالة تأتي في الشهادة، فالشاهد لا بد أن يكون عدلًا، أما الفاسق فلا تُقبل شهادته، وليست كرواية العدل. قوله: (فَلَا يُؤْمَنُ مَعَ عَدَمِ الْعَدَالَةِ أَلَّا يَخْتَارَ لَهَا الْكَفَاءَةَ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْحَالَةَ الَّتِي بِهَا يَخْتَارُ الْأَوْلِيَاءُ لِمُوَلِّيَاتِهِمُ الْكُفْءَ غَيْرُ حَالَةِ الْعَدَالَةِ، وَهِيَ خَوْفُ لُحُوقِ الْعَارِ بِهِمْ). المؤلف الآن أشار إلى أن اختيار الأولياء لمولياتهم الكفء، فلو تساهل في هذا الأمر فرمى ابنته أو أخته لرجل ليس مستقيمًا قد يجره ذلك إلى العار، فيقال: هذا هو صهرك، هذا زوج ابنتك أو زوج أختك فهذا يضره، هذا هو المراد. قوله: (وَهَذِهِ هِيَ مَوْجُودَةٌ بِالطَّبْعِ، وَتلْكَ الْعَدَالَةُ الْأُخْرَى مُكْتَسَبَةٌ). موجودة يعني: بطبيعة الإنسان، فكل إنسان يغار على محارمه، والذي لا يغار على محارمه هو الديوث، وفي قصة الشاب الذي جاء فوقف بين يدي رسول الله ﷺ ، وكان جريئًا، وقال: يا رسول الله، ائذن

стр. 5581

لي في الزنا، فيشتد الصحابة يريدون ضربه، فيشير إليهم؛ أي: دعوه، فقال رسول الله ﷺ : "أترضاه لأمك" قال: لا، قال: "ولا الناس يرضونه لأمهاتهم"، قال: "أترضاه لابنتك"، قال: لا، قال: "ولا الناس يرضونه لبناتهم، أترضاه لأختك"، قال: لا، قال: "ولا الناس يرضونه لأخواتهم"، إلى أن وضع رسول الله ﷺ يده وقال: "اللهم حصن فرجه واغفر ذنبه وطهر قلبه"، فقال الشاب: فما كرهت شيئًا أعظم من كرهي للزنا (١). هذه هي التربية الإسلامية، فقد ربَّى رسول الله ﷺ ذلك الشاب الذي جاء في عنفوان شبابه، كانت الشهوة تسيطر على جوارحه، فأخمدها رسول الله ﷺ لأنه أعطاه درسًا مؤثرًا، لو كانت عندك أم أترضى أن يحصل لها ذلك، لا، هذا من أشد الأمور، ولذلك ترون ما جاء في الربا كما جاء في الحديث: "أعظم من أن يزني الإنسان بأمه ستة وثلاثين زنية" (٢)، هذا مما يدلنا على خطورة الربا، كما قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، وبين الله سبحانه تعالى أن من يتعامل بالربا: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]. فهذه الشريعة الخالدة تعالج المشكلة؛ فهل نحن تأثرنا بمنهج رسول الله في سيرته، في تربيته لأمته، في شفقته بهم، إننا لو سلكنا هذا المسلك الرشيد في الدعوة إلى دين الله، في تبصير الناس، في الأخذ

стр. 5582

بأيديهم إلى شاطئ الخير والسلام، فلو أمسكت شابًا فأخذت تؤثر فيه، تُبيِّن له الحق، لا شك أن دورك هذا الطيب إنما سينفذ إلى قلبه، ويستولي عليه، لكن لو تكلمت معه بشدة وبغلظة لنَفَّرْته ومن ذلك، والله تعالى يقول عن نبيه: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وفي قصة الرجل الذي بال في المسجد فيقول الرسول ﷺ : "دعوه لا تزرموه (١) "ثم يأمر بذنوب (٢) من ماء فيصبه عليه (٣). وفي قصة الرجل الذي يعطس في الصلاة فيقول: يرحمك الله، فيرميه القوم بأبصارهم ثم يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما انصرف الرسول ﷺ دعاه وهو ترتعد فرائصه، فقال له: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكببر وقراءة القرآن"، ولذلك قال: ما رأيت معلمًا أحسن منه، فوالله ما كهرني ولا شتمني ولا ضربني (٤). وفي قصة الرجلين الذين كانا في الحج في مسجد الخيف؛ لما صلى

стр. 5583

رسول الله ﷺ واتجه بوجهه إلى القوم فرأى رجلين قد اعتزلا القوم في آخر المسجد، فدعاهما فجاؤوا ترتعد فرائصهما، فقال: "ما منعكما أن تصليا معنا"، قالا: صلينا في رحالنا، قال: "إذا صليتما في رحالكما وأتيتما مسجد جماعة فصليا؛ فإنها تكون لكما نافلة" (١). فما أحوجنا أن نأخذ التربية الإسلامية من منهج وطريقة رسول الله ﷺ ، وإذا كان الجن قد أخذ هذا القرآن بقلوبهم وسيطر عليهم ونزلوا عنده ونقلوا ذلك إلى أقوامهم. فرسول الله ﷺ على هذا المنهج ربَّى أصحابه ﵃، أخذوا العلم من مشكاة النبوة صافيًا نقيًّا؛ ولذلك تأثروا بسيرة رسول الله ﷺ ، ولذلك كانوا يفتحون البلاد بهديهم بالقرآن قبل أن يفتحوها بالسيف والسنان، كانوا يرون هذا القرآن مطبقًا في أقوالهم، في أفعالهم، في أخلاقهم، في أعمالهم، هذا هو واجب المسلمين جميعًا أن يكونوا كذلك. قوله: (وَلِنَقْصِ الْعَبْدِ يَدْخُلُ الْخِلَافُ فِي وِلَايَتِهِ كمَا يَدْخُلُ فِي عَدَالَتِهِ). العبد ناقص؛ لأنه لا يملك نفسه، ولكن سيده يملك رقبته، وأنه لا يجاهد وإن كان هناك جهاد فلا بد من إذن سيده، فهو ناقص كالمرأة ولذلك ليس له أن يعقد النكاح لغيره؛ لأنه لا ولاية له على نفسه فكيف تكون له ولاية على غيره.

стр. 5584

[الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ فِي أَصْنَافِ الْأَوْليَاءِ وَتَرْتِيبِهِمْ فِي الْوِلَايَةِ] قال المصنف رحمه الله تعالى: (الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ: وَأَمَّا أَصْنَافُ الْوِلَايَةِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهَا (١) فَهِيَ نَسَبٌ، وَسُلْطَانٌ، وَمَوْلًى أَعْلَى وَأَسْفَلَ). في هذا نجد قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. وَلَستُ أَرى السَعادَةَ جَمعَ مالٍ … وَلَكِنَّ التَّقيَّ هُوَ السَعيدُ وتقوى الله للمرء ذخرٌ … وعند الله للأتقى مزيدُ (٢) إذن هذه هي التقوى، ولذلك في قصة زين العابدين، عندما سُئِلَ الفرزدق عنه فقيل: من هذا؟ قال: هَذا الَّذي تَعرِفُ البَطْحاءُ وَطْأتَهُ … وَالبَيْتُ يعْرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ هذا ابنُ خَيرِ عِبادِ الله كُلّهِمُ … هذا التَّقيُّ النَّقيُّ الطَّاهِرُ العَلَمُ (٣) ونجد أن الله يشيد بأهل التقوى في كتابه كما قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾ [مريم: ٦٣]. هل الكفاءة شرط أو ليست بشرط، وما المراد بالكفاءة، وهل هي الكفاءة فقط في الدين فقط؟ وكما هو مذهب المالكية، ويُضَافُ إليها النسب والحرية، ويضاف إليها الصناعة، ويضاف إليها اليسر، هذه شروطٌ

стр. 5585

خمسة بعضها متفقٌ عليها وهي الدين، الدين هذا لا يخالف فيه أحد من أئمة المذاهب؛ لأن الرسول ﷺ لما قال: "تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَع: لِمَالِهَا، وَلحَسَبِهَا، وَلجَمَالِهَا، وَلدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ" (١). فالمرأة التي تكون صالحة دينة تقية ورعة ذات خلقٍ كريم، وصفاتٍ حميدة، هذه كل إنسانٍ يسعى إليها، حتى ولو كان عندها تقصير هو يريد هذا النوع من النساء، ولاية النسب هي التي تأتي في التعصيب الأب وإن علا، والابن وإن نزل، والإخوة، وأبناء الإخوة، والأعمام وأبناء الأعمام، هؤلاء هم النسب، والمملوك من الذي يتولى أمره سيده، ولذلك العلماء يشترطون ويقولون: يتولى عقد المرأة الحرة الأب وإن علا والإخوة، وأبناء الإخوة، والأعمام وأبناء الأعمام؛ لأن المملوكة لا ولاية لأبيها عليها ولا لابنها وإنما وليها هو سيدها الذي يملك رقبتها. قوله: (وَمُجَرَّدُ الْإِسْلَامِ عِنْدَ مَالِكٍ (٢) صِفَةٌ تَقْتَضِي الْوِلَايَةَ عَلَى الدَّنِيئَةِ). يعني: المالكية عمومًا يُقسِّمون النساء إلى قسمين: * نساء أشراف التي تكون من قريش أو من القبائل المعروفة المشهورة. * أو أن تكون دنيئة؛ يعني: لا أصل لها. أما تقسيم الولاية من هذا الجانب إلى قسمين: * الأولى: ولايةٌ خاصة تختص بها الشريفة.

стр. 5586

* الثانية: ولايةٌ عامة. والصحيح أن الإسلام ما جاء بهذا التفصيل ولا بهذا التفريق. قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَصِيِّ، فَقَالَ مَالِكٌ (١): يَكُونُ الْوَصِيُّ وَلِيًّا، وَمَنَعَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ (٢)). وهي رواية عن الإمام أحمد (٣) ومعه الشافعي، فلو أن وليًّا وصَّى غيره، فالوصية تنفذ بعدما يموت الإنسان ويكون تطبيقها بعد الموت، والوكالة تكون في الحياة، هذا هو الفرق بينهما. الوصيُّ: يقوم مقام الموصِي، فلو أن الأب أَوصى رجلًا بعد وفاته بأن يزوج ابنته أو بناته، وهذه البنت لها إخوةٌ إلى غير ذلك من الأولياء، فهل هذه الوصية تنفذ؛ لأنها بذلك ستحجب حق الأولياء الذين يلون الأب فهل تنفذ هذه الوصية؟ والجواب: في تنفيذها تقديم لها على بقية الأولياء الذين يلوون الأب، وكذلك لو أن الأخ أوصى بتزويج أخته، لأن الوصية تختلف عن الوكالة، والوكالة تُنفَّذ في وقت الحياة، أما الوصية فإنها لا تكون إلا بعد الممات، فهذه اختلف فيها العلماء: فذهب مالكٌ وأحمد إلى اعتبار - الوصية، وأحمد له رواية ولكن الرواية الأخرى مع بقية العلماء فيها، يرون

стр. 5587

أن الولاية لا تنتقل للوصيِّ، وتنتقل للولي الأقرب تنتقل إلى الذي يليه وهكذا. قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هَلْ صِفَةُ الْوِلَايَةِ مِمَّا يُمْكِنُ أن يُسْتَنَابَ فِيهَا؟ أَمْ لَيْسَ يُمْكِنُ ذَلِكَ؟). هذه مسألة مهمة أشار إليها المؤلف وهي: قضية الوكالة، هل لولي المرأة أن يُوكل في تزويجها؟ والجواب: مسألة الولاية هذه ثبتت عن الرسول ﷺ : "أنه وَكَّلَ أبا رافع في تزويجه ميمونة" (١)، فهذه وكالةٌ قد ثبتت في النكاح. وصح: "أن الرسول ﷺ وَكَّلَ عمرو بن أمية في تزويجه أم حبيبة بنت أبي سفيان" (٢)، وكانت في الحبشة، وقصتها "أن عمرو بن أمية ذهب إلى الحبشة وعقد للرسول ﵊ عليها والذي عقد النكاح هو النجاشي، فكان هو الوكيل"، وورد في بعض الروايات "أن النجاشي دفع أربعمائة دينار" (٣). فكل هذا يثبت صحة الوكالة، وهذا هو رأي الجمهور، ولا يُلتفت لرأي أبي ثور الذي أشار إليه المؤلف، فجمهور العلماء ومنهم الأئمة

стр. 5588

الأربعة يعتبرون الوكالة، لكنهم يختلفون في تفصيلها، هل تكون مقيدة أم تكون مطلقة، أي: للإنسان أن يُوَكِّلَ غيره في تزويج ابنته أو أخته فهذه وكالةً مطلقة، أو يقول: زوِّجها فلانًا، فهذه نسميها وكالةً مقيدة، وله أن يقول له: زوجها من تشاء، أو زوجها كفئًا، فبذلك يكون أطلق، ولا شك أن ذلك جائز، وقد جاء في قصة ذلك: "الأعرابي الذي جاء إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقدَّم إليه ابنته وقال: زوجها كفئًا إذا جاءك، فما كان من عمر ﵁ وهو الحصيف فاختار لها رجلًا نعم الكفاءة وهو عثمان بن عفان ﵁ " (١). فالذين يتكلمون في الوكالة يقولون: هل الوكيل تكون عنده الشفقة كالولاية أصلًا كالولي؟ والجواب: الأصل أن الإنسان لا يختار إلا وكيلًا يتحين فيه الخير، والصلاح والتقى، والورع، فبذلك يكون أهلًا لهذه الوكالة، وبهذا يتبين أن الوكالة في النكاح جائزة، وأنها تجوز على الصحيح إطلاقًا وتقييدًا. قوله: (وَلِهَذَا السَّبَبِ بِعَيْنِهِ اخْتَلَفُوا فِي الْوَكالَةِ فِي النِّكَاحِ، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ (٢) عَلَى جَوَازِهَا إِلَّا أَبَا ثَوْرٍ (٣)، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَكَالَةِ وَالْإِيصَاءِ؛ لِأنَّ الْوَصِيَّ وَكيلٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْوَكَالَةَ تَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ).

стр. 5589

حقيقةً هناك فرقٌ بينهما؛ لأنك إذا وكلت إنسانًا في وقت حياتك وأنت موجود فنزَّلت ذلك الإنسان منزلتك، لكن الوصية تكون بعد الموت فهي لا تنفذ إلا بعد أن يذهب حقه، وولاية الأقرب تنتهي بموته، فإذا مات انتهت ولايته، وانتقلت للذي يليه، فحقه قد انتهى، لكن الكلام لو وصَّى غيره لا تنفذ الوصية، فلا شك أن الوكالة ليست بمثابة الوصية. قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي تَرْتِيبِ الْوِلَايَةِ مِنَ النَّسَبِ، فَعِنْدَ مَالِكٍ (١) أن الْوِلَايَةَ مُعْتَبَرَةٌ بِالتَّعْصِيبِ إِلَّا الابْنَ). وهذه مسألةٌ مهمة، والعلماء رتبوها على التأصيل، وهم دائمًا قياسهم في ذلك بالمواريث والتي نعرفها: بالفرائض، فإن قاسوا ولاية النكاح في الترتيب على الترتيب بالنسبة للعصبة في الميراث، معتبرة بالتعصيب إلا الابن، فأخرجه إبعادًا؛ يعني: الإمام مالك أراد أن يعطيه المقام الأول والدرجة الأولى، نظرًا لقربه بأمه؛ لأن له هو الأولى أن يزوج أمه، في نظر الإمام مالك، فهو بلا شك أقوى تعصيبًا من الأب وأكثر ميراثًا منه، كما تعلمون، فالأب الأقرب إلى الأم، فمالكٌ انفرد بهذا الرأي، ورأى أن الابن يُقَدَّم، وخالفه بقية العلماء فرأوا تقديم الأب. قوله: (فَمَنْ كَانَ أَقْرَبَ عَصَبَةً كَانَ أَحَقَّ بِالْوِلَايَةِ، وَالْأَبْنَاءُ عِنْدَهُ أَوْلَى وَإِنْ سَفَلُوا، ثُمَّ الْآبَاءُ). لأنه كما ذكرنا أنهم أقرب عصبًا؛ ولأنهم أولى بالميراث، والابن يأخذ المال تعصيبًا، ولكن يبقى للأب حق؛ إذن فهو في الميراث مُقدَّمٌ على الأب. لكن هذه القضية إذا نظرنا إليها نظرة عميقة؛ لأن المقصود من دراسة

стр. 5590

الفقه هو: أن يتعمق الدارسُ فيه وأن يجمع الأدلة، وأن يستقري ما يتعلق بالموضوع ثم بعد ذلك يقرر الحكم فيه، فإذا نظرنا من هذه الزاوية لوجدنا أن مذهب الجمهور (١) فيها أولى؛ لأن الولاية هي: احتكام؛ لأن الولي كأنه يصدر حكمًا على هذه المرأة، فأيهما أولى أن تحتكم إلى الأصل أو الفرع؟ والجواب: الأولى أن تحتكم إلى الأصل. فهذه قاعدة نؤسسها أولًا. ثانيًا: أن الابن موهوبٌ لأبيه، بنص القرآن الكريم كما قال الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وقوله تعالى: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨]. وقال عن الخليل إبراهيم ﵇: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩)﴾ [إبراهيم: ٣٩]. فتبينا من هذا بنص القرآن أن الابن موهوبٌ لأبيه، والرسول ﷺ يقول: "أنت ومالُك لأبيك" (٢)، إذن أنت موهوبٌ ومِلكٌ لأبيك. ويقول ﵊: "إن أطيَبَ ما أكل الرَّجُل من كسبِه، وإنَّ ولدَه من كسْبِه" (٣)، إذن أصبح الابن موهوبًا لأبيه، فكيف يُقَدَّم عليه الابن، فمن هذه الناحية نُقَدِّمُ الأب على الابن. ثالثًا: ولأنه تتوفر في الأب من الصفات ما لا يوجد في غيره؛ لأن الابن يحب أمه ولا شك أن لها منزلة عظيمة عنده إلا من شَذَّ فأولئك

стр. 5591

لا يُعتَدُّ بهم، لكن لا شك أن الأب عنده من الشفقة ومن الرحمة ومن المودة ومن الحرص على سعادة أبنائه بحيث إنه يتمنى أن يكونوا في أحسن حالًا منه، إذن هناك صفاتٌ أيضًا توجد في الأب لا توجد لغيره. بهذه الأسس والقواعد التي ذكرنا نميل إلى مذهب جمهور العلماء الذين قالوا: يُقَدَّمُ الأب أولًا. أما عند الإمام مالك: الأبناء أولًا ثم الآباء؛ لأنه لحظ جهة القرابة، وجهة التعصيب وجهة الميراث. لكن الجمهور: لاحظوا جهات ومعاني أخرى، وهذه الناحية هي أولى أن تراعى في جانب الولايةِ في النكاح، فليست القضية قضية أن يرث هذا أكثر وأن يكون التعصيب أكثر، ولكن ينظر إلى من هو أكثر شفقة وأولى بأن يتولى ومن هو الذي له القوامة الكبرى على المرأة هو أبوها، ولذلك ترون أن له أن يجبرها وليس ذلك لغيره. إذن مالكٌ عنده يُقَدَّمُ الأبناء، وإن نَزَلوا، ثم الآباء وإن علوا، يعني الجد فأعلى للأب، ثم بعد ذلك الأخوة فأبناؤهم فالأعمام فأبناؤهم وهكذا. وعند غيره وبخاصة عند الشافعية والحنابلة: يُقَدَّمُ الأب أولًا، ثم بعد ذلك يختلف الشافعية والحنابلة، فعند الشافعية يُقَدَّمُ الجد (١)، وعند الحنابلة في المشهور يُقَدَّمُ الابن (٢)، فبهذه يتفقون مع المالكية، والمالكية لهم رأيٌ وجيه اتفقوا فيه مع الشافعية والحنابلة في تقديم الأب وهو الذي استحسنه المؤلف.

стр. 5592

لماذا الشافعية خالفوا في تقديم الابن؟ والجواب: لأن الشافعية لا يرون أن الابن يتولى العقد أصلًا إلا أن يكون ابن عم، يعني: من أبناء عمها، أو أن يكون حاكمًا أو سلطانًا، ففي هذه الحالة له أن يُزوِّجها، فهو يُزوِّجها من حيث إنه ابن عمٍ لها، لا إنه ابن، ومن حيث إنه سلطان لو كان سلطانًا. ولكن ناقشهم غيرهم وقالوا: ما الفرق؟ أنتم تقولون لا يُزوج الابن؛ لأنه يلحقه عارٌ ومذلةٌ في تزويج أمه؛ ولأن نفس الابن لا تطمئن أن يُزوِّج أمه فيدخل عليها رجلًا غريبًا، لا ترتاح نفسه وإن كان ذلك أمرًا أحله الله، لكن طبيعته ومروءته تأبى ذلك، هذا عند الشافعية (١)، وغيرهم يناقشهم يقول أبدًا هذا غير وارد؛ لأن هذا هو شرع الله، وشرع الله ينبغي أن ننزل عنده، ثم ما الفرق فيما لو كان سلطانًا؟ أو كان حاكمًا أو ابن عم؟ هو نفسه ابنها، فلم يختلف الوضع، فما ذكرتم من العلل لو قُدِّر وجوده يلحقه في الصفات الأخرى، هم يقولون: في هذه الناحية لا يدلي بأنه ابن وإنما يدلي بأنه ابن عم أو حاكم أو سلطان، فالأولى أن يُقَدَّمُ الأب ثم الابن، وهكذا، ويختلفون بعد ذلك في الجد فمنهم الحنابلة مثلًا عندهم: بعد الابن يُقدم الجد وفي روايةٍ يُقدم الأخ، وفي رواية يتساوون معًا، ولذلك نجد أن الحنابلة لهم في الجد أربع روايات (٢):

стр. 5593

الرواية الأولى: يلي الأب يعني: يأتي بالمنزلة التي بعد الأب. الرواية الثانية: من الناحية الأخرى يُقدَّم على الأخ. الرواية الثالثة: يتساوى مع الأخ. الرواية الرابعة: يقدم الأخ على الجد؛ لأنهما متساويان في الإدلاء كل منهما يدلي بالأب هذا من جهة البنوة وهذا من جهة الأبوة. وهذه مسائل اجتهادية، وهي مسائل في الحقيقة إنما بناها العلماء على التعصيب، وقاسوها أيضًا على مسائل الفرائض، ودائما الإنسان يأخذ بما يجد أنه أقرب. قوله: (ثُمَّ الْإِخْوَةُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ (١) ثُمَّ لِلْأَبِ). قضية الإخوة الأشقاء مختلفٌ فيها؛ يعني: الأخ لأب وأم يسمى شقيقًا، ولأب غير شقيق، أما لأم غير واردٍ هنا بالنسبة للولاية؛ لأن الولاية تكون عن طريق الأب، بعض العلماء يقول: لا نرى فرقًا بين الأخ الشقيق والأخ لأب (٢)، قالوا: لأن الإدلاء بهذه الولاية عن طريق الأب، فهذه لا يختلف فيها الوضع، وبعضهم يقول (٣): لا، وإن كان

стр. 5594

الأمر كذلك لكن إدلاؤه أيضًا من جهة الأم لكونه شقيقًا هو أقوى وغالبًا، ولا نقول في كل الأمور: غالبًا؛ لأن الأخ الشقيق يكون عنده شفقة أكثر، لكن ليس هذا على إطلاقه فقد رأينا عددًا من الإخوة لأب عندهم من الشفقة والرحمة لأخواتهم ما ليس عند الإخوة الأشقاء، وهذا يرجع إلى الاستقامة، إذا كان الإنسان مستقيمًا على طريق الهداية، عنده من الورع، عنده من الزهد، عنده من الخشية والرأفة، حتى وإن كان أخًا لأب فإنه يتغلب على الأخ الشقيق، فما قيمة الأخ الشقيق إن ضلَّ الطريق السوي، ولكن الغالب أن الأخ الشقيق يكون عنده من الشفقة أكثر، وقد يوجد عددٌ من الإخوة لأبٍ ما يمتاز على الإخوة الأشقاء. قوله: (ثُمَّ بَنُو الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ، ثُمَّ لِلْأَبِ فَقَطْ، ثُمَّ الْأَجْدَادُ لِلْأَبِ وَإِنْ عَلَوْا، وَقَالَ الْمُغِيرَةُ (١): الْجَدُّ وَأَبُوهُ أَوْلَى مِنَ الْأَخِ، وَابْنِهِ لَيْسَ مِنْ أَصْلٍ). هذه مسألةٌ مختلفٌ فيها منهم من يُقدِّم الجد على الابن، ومنهم من يُقدِّم الجد على الإخوة، ومنهم من يُقدِّم الإخوة على الجد الأشقاء، ومنهم من يسوي بينهم، وهذا موجود هذه الصور الأربعة في مذهب الحنابلة، وعند الشافعية يُقَدَّم الجد على الابن كما ذكرنا.

стр. 5595

قوله: (ثُمَّ الْعُمُومَةُ عَلَى تَرْتِيبِ الْإِخْوَةِ وَإِنْ سَفَلُوا، ثُمَّ الْمَوْلَى، ثُمَّ السُّلْطَانُ). والمولى: فهناك مولى أعلى وهناك مولى أسفل، كالأب هناك أبٌ أعلى، يأتي الجد فأعلى، وهناك أسفل وهم الأبناء، فالمولى قد يأتي عن طريق العلو، وقد يكون عن طريق الأبناء فيكون مولى أسفل، هذا الذي أشار إليه المؤلف. قوله: (وَالْمَوْلَى الْأَعْلَى عِنْدَهُ أَحَقُّ مِنَ الْأَسْفَلِ، وَالْوَصِيُّ عِنْدَهُ أَوْلَى مِنْ وَليِّ النَّسَبِ؛ أَعْنِي: وَصِيَّ الْأَبِ). قضية الوصيِّ: عند مالك (١) يُقَدَّمُ على الولي الذي يلي الأب، لكن أكثر العلماء (٢) يرون: أنه بعد الأب لنتقل إلى الولي الأبعد ولا تنتقل إلى الوصيِّ. قوله: (وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِيمَنْ هُوَ أَوْلَى: وَصِيُّ الْأَبِ

стр. 5596

أو وَليُّ النَّسَبِ؟ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ (١): الْوَصِيُّ أَوْلَى مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ). الوصيُّ أولى؛ ولكي أقرب المسألة أقول: إذا أوصى الأب لشخصٍ تنفذ وصيته بعد الموت، وهل له أن يُزوِّج هذه البنت أم تنتقل الولاية للأخوة الأشقاء؟ الجواب: مالكٌ وأحمد في رواية نفذوا الوصية، وبقية العلماء وهي الرواية الأخرى للإمام أحمد يُنتَقلُ إلى الولي الأبعد وهو الأخ هنا. قوله: (وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ (٢): الْوَلِيُّ أَوْلَى، وَخَالَفَ الشَّافِعِيُّ مَالِكًا فِي وِلَايَةِ الْبُنُوَّةِ فَلَمْ يُجِزْهَا أَصْلًا). هذا تعليل الشافعية (٣): أن الابن لا يرضى أن يُزوِّج أمه، كيف يُدخِلُ رجلًا عليها؟ نفسه تنفر من ذلك، ويرى في ذلك عارًا عليه، وهذا التعليل لا يُنظَر إليه؛ لأن الشريعة ينبغي أن نأخذها مُسَلَّمةً. قوله: (وَفِي تَقْدِيمِ الْإِخْوَةِ عَلَى الْجَدِّ، فَقَالَ: لَا وِلَايَةَ لِلابْنِ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أن الأب أَوْلَى مِنَ الابْنِ وَهُوَ أَحْسَنُ (٤)). عاد المؤلف فذكر الرواية الأخرى عن الإمام مالك، وبذلك يلتقي في هذه الرواية مع جمهور العلماء، وهذا ما رجَّحناه، قال: وعند مالكٍ تقديم الأب على الابن في الولاية ثم علَّق وقال: وهو أحسن، وننظر إلى المسألة من ناحية واقعية، فمثلًا هذه المرأة لها ابنٌ وأب، ثم يأتي الابن

стр. 5597

أمه وأبوها موجود، فمن حيث الأدب أن الأب هو صاحب السلطة وهو الذي ينبغي أن يُزوِّج. قوله: (وَقَالَ أيضًا: الْجَدُّ أَوْلَى مِنَ الْأَخِ، وَبِهِ قَالَ الْمُغِيرَةَ (١)). الجد يُقَدَّم على الأخ، وهذه مسائل فيها خلاف، لكننا نُرجِّح أنه يقدم الأب، الأب مباشرةً ثم الابن ثم بعد ذلك الجد وإن علا ثم الإخوة الأشقاء ثم الإخوة لأب، ثم أبناء الإخوة الأشقاء، ثم أبناء الإخوة لأب، ثم الأعمام الأشقاء، وهكذا كالحال بالنسبة للمواريث. قوله: (وَالشَّافِعِيُّ اعْتَبَرَ التَّعْصِيبَ؛ أَعْنِي: أن الْوَلَدَ لَيْسَ مِنْ عَصَبَتِهَا؛ لِحَدِيثِ عُمَرَ: "لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ إِلَّا بِإِذْنِ وَلَيِّهَا، أو ذِي الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا، أو السُّلْطَانِ" (٢)). وهذا يرده قصة عمر بن أبي سلمة، عندما خطب الرسول ﷺ أم سلمة، وقالت: لا أحد من أوليائي موجود، فقال لها الرسول ﵊: "لا أحد من أوليائك شاهدًا ولا غائبًا يكره ذلك"، قال: "قم يا عمر فزوِّج رسول الله" ﷺ ، وهو صغير في السن. قوله: (وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ مَالِكٌ فِي الابْنِ؛ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ ابْنَهَا أن يُنْكِحَهَا إِيَّاهُ") (٣). وهذا الذي ذهب إليه الإمام مالك وهو الأولى.

стр. 5598

قوله: (وَلأَنَّهُمُ اتَّفَقُوا؛ أَعْنِي: مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ عَلَى أن الابْنَ يَرِثُ الْوَلَاءَ الْوَاجِبَ لِلْأُمِّ، وَالْوَلَاءُ عِنْدَهُمْ لِلْعَصَبَةِ). مالك والشافعي وجمهور العلماء (١) كلهم اتفقوا على هذا، ولكن كونه يرث الولاء ليس معنى هذا أنه يُقَدَّم. قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْجَدِّ هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنْ هُوَ أَقْرَبُ هَلِ الْجَدُّ؟ أو الْأَخُ؟). من حيث الأبوة فلا شك أن الجد أولى؛ لأن الجد يحل محل الأب إذا غاب، فهو أولى في هذه الناحية. قوله: (وَيَتَعَلَّقُ بِالتَّرْتِيبِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ مَشْهُورَةٍ: أَحَدُهَا: إِذَا زَوَّجَ الْأَبْعَدُ مَعَ حُضُورِ الْأَقْرَبِ). بدأ يدخل المؤلف في المسائل الجوهرية ذات الأهمية في هذا الموضوع: * منها: إذا زَوَّجَ الأبعد مع وجود الأقرب، فهذه لها عدة صور: الصورة الأولى: ممكن أن يُزوِّج الأبعد مع وجود الأقرب وهو حاضرٌ معه؛ يعني: موجودًا؛ يعني: معه في البلدة ويقوم الأبعد ويزوج،

стр. 5599

مثلًا امرأةٌ لها أبٌ وأخ فيقوم الأخ فيُزوِّج أخته وأبوه موجود، هذا زوَّج وهو حاضر. الصورة الثانية: أن يكون الأب غير موجود؛ يعني: يكون مسافرًا، والسفر يختلف فيه العلماء بُعدًا وقصرًا، وكذلك يختلفون في بُعدِ الأبِ، أن تكون غيبته منقطعة أم لا، فإن كانت منقطعة فلها حال، وإن كانت غير منقطعة بمعنى أنه يمكن الوصول إليه وبإمكانه أن يُرسَل إليه فيرد في الكتاب أم أن يعقد في ذلك المكان الذي هو فيه. الصورة الثالثة: قد يكون الولي الأقرب أسيرًا أو محبوسًا وهو يختلف، فإن كان أسيرًا أو محبوسًا ويمكن الوصول إليه، فهو الأولى، وإن كان الوصول إليه مُتعذِّرًا فحينئذٍ يُلحَق بالغيبة المنقطعة. قوله: (وَالثَّانِيَةُ: إِذَا غَابَ الْأَقْرَبُ هَلْ تَنْتَقِلُ الْوِلَايَةُ إلى الْأَبْعَدِ؟ أو إلى السُّلْطَانِ؟). يعني: الولي الأقرب يكون موجودًا وأحيانًا يكون غير موجود؛ أي: غائبًا، والحقيقة أنها لا تنتقل مباشرةً بمجرد الغياب، نفرض مثلًا: أن أبًا سافر للحج أو لأداء العمرة هل نقول انقطع حقه وانتقلت الولاية؟ لا، يُنتَظَر، والعلماء عللوا في قضية غيبة الأب إذا كانت هناك دوافع أخرى يُخشَى على هذه المرأة من الفتنة والوقوع في محرم أو غيره، فبعض العلماء يجتهد في هذه المسائل، ويرى أن للولي الذي يليه أن يعقد له. قوله: (وَالثَّالِثَةُ: إِذَا غَابَ الأب عَنِ ابْنَتِهِ الْبِكْرِ هَلْ تَنْتَقِلُ الْوِلَايَةُ أو لَا تَنْتَقِلُ؟). هذه في غيبة الولي المطلقة، لكن هو نصَّ على الأب؛ لأهمية الأب، فإذا غاب هل غيبة الأب فقط تقتضي الانتقال أو لا بد أن يكون في مكانٍ منقطع؟ تُرسَلُ إليه الرسائل، فلا تصل إليه، أو تُرسَلُ إليه وتصل ولكنه لا يرد عليها، ويُخشَى على هذه المرأة، هذه كلها مسائل فيها خلاف.

стр. 5600

قوله: (فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الأُولَى فَاخْتَلَفَ فِيهَا قَوْلُ مَالِكٍ (١)). إذن الإمام مالك له روايتان: * الرواية الأولى: يوافق فيها جمهور العلماء (٢) أنه إذا زوَّج الأبعد مع وجود الأقرب فالنكاح غير صحيح ويُفسخ. * الرواية الثانية: لو زوَّج الأبعد مع وجود الأقرب فالنكاح صحيح وهذه ينفرد بها. قوله: (فمَرَّةً قَالَ: إن زَوَّجَ الْأَبْعَدُ مَعَ حُضُورِ الْأَقْرَبِ فَالنِّكَاحُ مَفْسُوخٌ، وَمَرَّةً قَالَ: النِّكَاحُ جَائِزٌ). مفسوخ؛ أي: أنه يُفسخ؛ لأن النكاح غير صحيح؛ ولأنه لم يتوفر شروطه، أو أن الولي الذي عقد ليس المستحق؛ لأنه محجوبٌ بغيره والحاجب له لا يزال موجودًا فكيف يُزوِّج وهو موجود. قوله: (وَمَرَّةً قَالَ: لِلْأَقْرَبِ أن يُجِيزَ أو يَفْسَخَ). يعني: مرةً قال: جائزًا مطلقًا، ومرةً قال: للأقرب أن يجيز، فلو أن

стр. 5601

مثلًا رجلًا وليًّا أبعد زوج هذه البنت بموافقته، ثم بعد ذلك استأذن الأقرب، هذه رواية عند مالك يرى هذا الرأي. الرأي الآخر: أنه إذا زوَّج مع وجود الأقرب لا يصح. الرأي الثالث: أنه يجوز مطلقًا. هذه الثلاثة: التي قال بها الإمام مالك أو المالكية: إذن زوَّج الأبعد مع وجد الأقرب هذه يتفق فيها الشافعية (١) والحنابلة (٢) في حالة الغيبة، إذا كان غائبًا ثم زوَّج الأبعد وأقرَّه الأقرب فإنه في هذه الحالة يصح النكاح، وإن لم يقرَّه فلا يصح النكاح. قوله: (وَهَذَا الْخِلَافُ كُلُّهُ عِنْدَهُ فِيمَا عَدَا الأب فِي ابْنَتِهِ الْبِكْرِ، وَالْوَصِيِّ فِي مَحْجُورَتَهِ. فَإِنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ (٣) أن النِّكَاحَ فِي هَذَيْنِ مَفْسُوخٌ؛ أَعْنِي: تَزْوِبجَ غَيْرِ الأب الْبِنْتَ الْبِكْرَ مَعَ حُضُورِ الأب أو غَيْرِ الْوَصِيِّ الْمَحْجُورَةَ مَعَ حُضُورِ الْوَصِيِّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٤): لَا يَعْقِدُ أَحَدٌ مَعَ حُضُورِ الأب لَا فِي بِكْرٍ وَلَا فِي ثَيِّبٍ). وكذلك الإمام أحمد (٥) مع الشافعي فيها. قوله: (وَسَبَبُ هَذَا الاخْتِلَافِ هُوَ هَلِ التَّرْتِيبُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ؛ أَعْنِي: ثَابِتًا بِالشَّرْعِ فِي الْوِلَايَةِ؟ أَمْ لَيْسَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ؟).

стр. 5602

أراد المؤلف أن يثبت هل هو حكمٌ شرعي بمعنى: ورد نصًّا؟ أم هذا هو الترتيب الذي يجب الالتزام به؟ لكننا نقول: العلماء رتبوا ولاية النكاح على مراتب التأصيل، وقاسوا ذلك على الميراث، وحجتهم حديث النبي ﷺ : "لا نكاح إلا بوليٍّ مرشد وشاهدي عدل" (١)، ثم قال في الحديث الآخر: "فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" (٢)، هذا الذي ورد فيما يتعلق بالأولياء. قوله: (وَإِنْ كانَ حُكْمًا فَهلْ ذَلِكَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْوَلِيِّ الْأَقْرَبِ؟ أَمْ ذَلِكَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ؟ فَمَنْ لَمْ يَرَ التَّرْتِيبَ حُكْمًا شَرْعِيًّا قَالَ: يَجُوزُ نِكَاحُ الْأَبْعَدِ مَعَ حُضُورِ الْأَقْرَبِ. وَمَنْ رَأَى أنه حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَرَأَى أنه حَقٌّ لِلْوَلِيِّ - قَالَ: النِّكَاحُ مُنْعَقِدٌ؛ فَإِنْ أَجَازَهُ الْوَلِيُّ جَازَ، وإِنْ لَمْ يُجِزْهُ انْفَسَخَ). هذا هو حق للولي؛ لأن الولي كلما كان أقرب كان أحق بتولي لهذا الأمر كالحال بالنسبة للميراث. قوله: (وَمَنْ رَأَى أنه حَقٌّ لِلَّهِ قَالَ: النِّكَاحُ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ، وَقَدْ أَنْكَرَ قَوْمٌ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْمَذْهَبِ؛ أَعَنَى: أن يَكُونَ النِّكَاحُ مُنْفَسِخًا غَيْرَ مُنْعَقِدٍ). يعني: أكثر جمهور العلماء يرون أنه إذا زوَّج الأبعد مع وجود الأقرب فالنكاح منفسخ، حتى ولو أجازه الأقرب ما دام موجودًا، لكن لو كان غائبًا وأجازه فحينئذٍ يصح عند بعضهم.

стр. 5603

قوله: (وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فَإِنَّ مَالِكًا يَقُولُ: … ). في مذهب الحنابلة (١) وقليل من الشافعية (٢) يقولون: لا يجوز للولي الأبعد أن يزوِّج مع وجود الولي الأقرب (٣)، إلا أن يكون قد سافر الولي الأقرب منقطعًا؛ أي: لا يمكن الوصول إليه، فإذا سافر سفرًا منقطعًا لا يمكن الوصول إليه، فينبغي أن تراعى مصلحة البنت، وحينئذٍ تُزوَّج، وتُنتقل الولاية إلى الأبعد، فإن كان في مكان لا يمكن الوصول إليه مثل: أن يكون أسيرًا عند الكفار، أو يكون في سجن لا يمكن أن تصل إليه، ففي هذه الحالة لا يمكن أن تُعطَّل البنت؛ لأنها سيلحقها ضرر فتنتقل الولاية إلى الأبعد، أما إن كان في مكان يمكن الوصول إليه فإنه يُستأذن في ذلك أو يعقد النكاح. قوله: (إِذَا غَابَ الْوَلِيُّ الْأَقْرَبُ انْتَقَلَتِ الْوِلَايَةُ إلى الْأَبْعَدِ (٤) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَنْتَقِلُ إلى السُّلْطَانِ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ الْغَيْبَةُ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتِ؟ أم لا؟ وَذَلِكَ أنه لَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ فِي انْتِقَالِهَا فِي الْمَوْت).

стр. 5604

هذا قول مالك ومعه جمهور العلماء (١): تنتقل إلى الأبعد، فلو غاب الأب انتقلت إلى الأخ إن كان هو الذي يليه. أما الشافعي فيقول: تنتقل إلى السلطان، وعلل وقال: لأن الرسول ﷺ قال: "فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" (٢)، فالشافعية يقولون: إذا غاب الأقرب فليس للأبعد أن يُزوِّج؛ لأن الأقرب يحجب الأبعد، فلو قُدِّر أنه موجود يحجبه، فكذلك ما دام موجودًا على هذه الحياة الدنيا فالحجب لا يزال قائمًا؛ إذن لا يجوز أن تنتقل للأبعد، فالحل قالوا: نحسم الخلاف في الرجوع إلى السلطان كما قال ﵊. والجمهور ردُّوا وقالوا: يأتي حق السلطان إذا فُقد الأولياء جميعًا، ولكن هل الغيبة بمنزلة الموت؟ والجواب: إذا مات انقطعت ولايته، والشافعية يقولون: الغيبة ليست بمنزلة الموت؛ لأنه لا تدري اليوم أو غدًا أو بعد سنة فيأتي؛ لأنه لا يزال على قيد الحياة؛ إذن الحجب قائم المنع، لا شك أن مذهب الجمهور أولى في هذه المسألة، فما دام هذا الرجل قد ذهب وانقطع ولا ندري أين هو وربما مات، فينبغي أن تنتقل الولاية إلى الولي الأقرب فهو الأولى (٣). قوله: (وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ غَيْبَةُ الأب عَنِ ابْنَتِهِ الْبِكْرِ: فَإِنَّ فِي الْمَذْهَبِ فِيهَا تَفْصِيلًا وَاخْتِلَافًا، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إلى بُعْدِ الْمَكَانِ وَطُولِ الْغَيْبَةِ أو قُرْبِهِ، وَالْجَهْلِ بِمَكَانِهِ أو الْعِلْمِ بِهِ، وَحَاجَةِ الْبِنْتِ إلى

стр. 5605

النِّكَاحِ؛ إِمَّا لِعَدَمِ النَّفَقَةِ، وَإِمَّا لِمَا يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْ عَدَمِ الصَّوْنِ، وَإِمَّا لِلْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا، فَاتَّفَقَ الْمَذْهَبُ (١) عَلَى أنه إِذَا كَانَتِ الْغَيْبَةُ بَعِيدَةً، أو كَانَ الأب مَجْهُولَ الْوَضْعِ أو أَسِيرًا، وَكَانَتْ فِي صَوْنٍ وَتَحْتَ نَفَقَةٍ: أَنَّهَا إِنْ لَمْ تَدْعُ إلى التَّزْوِيجِ لَا تُزَوَّجَ، وَإِنْ دَعَتْ فَتُزَوَّجُ عِنْدَ الْأَسْرِ وَعِنْدَ الْجَهْلِ بِمَكَانِهِ). هذه الخلافات موجودة في المذاهب كلها، وهذا قريبٌ من مذهب الحنابلة تمامًا، وفي مذهب المالكية هنا في التعريف قريبٌ منه، وقد ذكرناه. قوله: (وَاخْتَلَفُوا هَلْ تُزَوَّجُ مَعَ الْعِلْمِ بِمَكَانِهِ؟ أَمْ لَا؟ إِذَا كَانَ بَعِيدًا، فَقِيلَ: تُزَوَّج، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٌ. وَقِيلَ: لَا تُزَوَّج، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَابْنِ وَهْبٍ (٢). وَأَمَّا إن عُدِمَتِ النَّفَقَةَ، أو كَانَتْ فِي غَيْرِ صَوْنٍ - فَإِنَّهَا تُزَوَّجُ أيضًا فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلاثَةِ). فإذا كانت لا توجد نفقة يُنفق عليها؛ إذن فيلحقها ضرر، أو كانت في مكان غير مصون بأن تكون تقيم في بيتٍ ليس هناك مَن يحميها ويُخشى عليها من الاعتداء فأصبحت المصلحة تقتضي أن يُزوِّجها الأبعد. قوله: (أَعْنِي: فِي الْغَيْبَةِ الْبَعِيدَةِ، وَفِي الْأَسْرِ، وَالْجَهْلِ بِمَكَانِهِ.
следующие страницы →