← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

مثلًا رجلًا وليًّا أبعد زوج هذه البنت بموافقته، ثم بعد ذلك استأذن الأقرب، هذه رواية عند مالك يرى هذا الرأي. الرأي الآخر: أنه إذا زوَّج مع وجود الأقرب لا يصح. الرأي الثالث: أنه يجوز مطلقًا. هذه الثلاثة: التي قال بها الإمام مالك أو المالكية: إذن زوَّج الأبعد مع وجد الأقرب هذه يتفق فيها الشافعية (١) والحنابلة (٢) في حالة الغيبة، إذا كان غائبًا ثم زوَّج الأبعد وأقرَّه الأقرب فإنه في هذه الحالة يصح النكاح، وإن لم يقرَّه فلا يصح النكاح. قوله: (وَهَذَا الْخِلَافُ كُلُّهُ عِنْدَهُ فِيمَا عَدَا الأب فِي ابْنَتِهِ الْبِكْرِ، وَالْوَصِيِّ فِي مَحْجُورَتَهِ. فَإِنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ (٣) أن النِّكَاحَ فِي هَذَيْنِ مَفْسُوخٌ؛ أَعْنِي: تَزْوِبجَ غَيْرِ الأب الْبِنْتَ الْبِكْرَ مَعَ حُضُورِ الأب أو غَيْرِ الْوَصِيِّ الْمَحْجُورَةَ مَعَ حُضُورِ الْوَصِيِّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٤): لَا يَعْقِدُ أَحَدٌ مَعَ حُضُورِ الأب لَا فِي بِكْرٍ وَلَا فِي ثَيِّبٍ). وكذلك الإمام أحمد (٥) مع الشافعي فيها. قوله: (وَسَبَبُ هَذَا الاخْتِلَافِ هُوَ هَلِ التَّرْتِيبُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ؛ أَعْنِي: ثَابِتًا بِالشَّرْعِ فِي الْوِلَايَةِ؟ أَمْ لَيْسَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ؟).

стр. 5602

أراد المؤلف أن يثبت هل هو حكمٌ شرعي بمعنى: ورد نصًّا؟ أم هذا هو الترتيب الذي يجب الالتزام به؟ لكننا نقول: العلماء رتبوا ولاية النكاح على مراتب التأصيل، وقاسوا ذلك على الميراث، وحجتهم حديث النبي ﷺ : "لا نكاح إلا بوليٍّ مرشد وشاهدي عدل" (١)، ثم قال في الحديث الآخر: "فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" (٢)، هذا الذي ورد فيما يتعلق بالأولياء. قوله: (وَإِنْ كانَ حُكْمًا فَهلْ ذَلِكَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْوَلِيِّ الْأَقْرَبِ؟ أَمْ ذَلِكَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ؟ فَمَنْ لَمْ يَرَ التَّرْتِيبَ حُكْمًا شَرْعِيًّا قَالَ: يَجُوزُ نِكَاحُ الْأَبْعَدِ مَعَ حُضُورِ الْأَقْرَبِ. وَمَنْ رَأَى أنه حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَرَأَى أنه حَقٌّ لِلْوَلِيِّ - قَالَ: النِّكَاحُ مُنْعَقِدٌ؛ فَإِنْ أَجَازَهُ الْوَلِيُّ جَازَ، وإِنْ لَمْ يُجِزْهُ انْفَسَخَ). هذا هو حق للولي؛ لأن الولي كلما كان أقرب كان أحق بتولي لهذا الأمر كالحال بالنسبة للميراث. قوله: (وَمَنْ رَأَى أنه حَقٌّ لِلَّهِ قَالَ: النِّكَاحُ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ، وَقَدْ أَنْكَرَ قَوْمٌ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْمَذْهَبِ؛ أَعَنَى: أن يَكُونَ النِّكَاحُ مُنْفَسِخًا غَيْرَ مُنْعَقِدٍ). يعني: أكثر جمهور العلماء يرون أنه إذا زوَّج الأبعد مع وجود الأقرب فالنكاح منفسخ، حتى ولو أجازه الأقرب ما دام موجودًا، لكن لو كان غائبًا وأجازه فحينئذٍ يصح عند بعضهم.

стр. 5603

قوله: (وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فَإِنَّ مَالِكًا يَقُولُ: … ). في مذهب الحنابلة (١) وقليل من الشافعية (٢) يقولون: لا يجوز للولي الأبعد أن يزوِّج مع وجود الولي الأقرب (٣)، إلا أن يكون قد سافر الولي الأقرب منقطعًا؛ أي: لا يمكن الوصول إليه، فإذا سافر سفرًا منقطعًا لا يمكن الوصول إليه، فينبغي أن تراعى مصلحة البنت، وحينئذٍ تُزوَّج، وتُنتقل الولاية إلى الأبعد، فإن كان في مكان لا يمكن الوصول إليه مثل: أن يكون أسيرًا عند الكفار، أو يكون في سجن لا يمكن أن تصل إليه، ففي هذه الحالة لا يمكن أن تُعطَّل البنت؛ لأنها سيلحقها ضرر فتنتقل الولاية إلى الأبعد، أما إن كان في مكان يمكن الوصول إليه فإنه يُستأذن في ذلك أو يعقد النكاح. قوله: (إِذَا غَابَ الْوَلِيُّ الْأَقْرَبُ انْتَقَلَتِ الْوِلَايَةُ إلى الْأَبْعَدِ (٤) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَنْتَقِلُ إلى السُّلْطَانِ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ الْغَيْبَةُ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتِ؟ أم لا؟ وَذَلِكَ أنه لَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ فِي انْتِقَالِهَا فِي الْمَوْت).

стр. 5604

هذا قول مالك ومعه جمهور العلماء (١): تنتقل إلى الأبعد، فلو غاب الأب انتقلت إلى الأخ إن كان هو الذي يليه. أما الشافعي فيقول: تنتقل إلى السلطان، وعلل وقال: لأن الرسول ﷺ قال: "فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" (٢)، فالشافعية يقولون: إذا غاب الأقرب فليس للأبعد أن يُزوِّج؛ لأن الأقرب يحجب الأبعد، فلو قُدِّر أنه موجود يحجبه، فكذلك ما دام موجودًا على هذه الحياة الدنيا فالحجب لا يزال قائمًا؛ إذن لا يجوز أن تنتقل للأبعد، فالحل قالوا: نحسم الخلاف في الرجوع إلى السلطان كما قال ﵊. والجمهور ردُّوا وقالوا: يأتي حق السلطان إذا فُقد الأولياء جميعًا، ولكن هل الغيبة بمنزلة الموت؟ والجواب: إذا مات انقطعت ولايته، والشافعية يقولون: الغيبة ليست بمنزلة الموت؛ لأنه لا تدري اليوم أو غدًا أو بعد سنة فيأتي؛ لأنه لا يزال على قيد الحياة؛ إذن الحجب قائم المنع، لا شك أن مذهب الجمهور أولى في هذه المسألة، فما دام هذا الرجل قد ذهب وانقطع ولا ندري أين هو وربما مات، فينبغي أن تنتقل الولاية إلى الولي الأقرب فهو الأولى (٣). قوله: (وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ غَيْبَةُ الأب عَنِ ابْنَتِهِ الْبِكْرِ: فَإِنَّ فِي الْمَذْهَبِ فِيهَا تَفْصِيلًا وَاخْتِلَافًا، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إلى بُعْدِ الْمَكَانِ وَطُولِ الْغَيْبَةِ أو قُرْبِهِ، وَالْجَهْلِ بِمَكَانِهِ أو الْعِلْمِ بِهِ، وَحَاجَةِ الْبِنْتِ إلى

стр. 5605

النِّكَاحِ؛ إِمَّا لِعَدَمِ النَّفَقَةِ، وَإِمَّا لِمَا يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْ عَدَمِ الصَّوْنِ، وَإِمَّا لِلْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا، فَاتَّفَقَ الْمَذْهَبُ (١) عَلَى أنه إِذَا كَانَتِ الْغَيْبَةُ بَعِيدَةً، أو كَانَ الأب مَجْهُولَ الْوَضْعِ أو أَسِيرًا، وَكَانَتْ فِي صَوْنٍ وَتَحْتَ نَفَقَةٍ: أَنَّهَا إِنْ لَمْ تَدْعُ إلى التَّزْوِيجِ لَا تُزَوَّجَ، وَإِنْ دَعَتْ فَتُزَوَّجُ عِنْدَ الْأَسْرِ وَعِنْدَ الْجَهْلِ بِمَكَانِهِ). هذه الخلافات موجودة في المذاهب كلها، وهذا قريبٌ من مذهب الحنابلة تمامًا، وفي مذهب المالكية هنا في التعريف قريبٌ منه، وقد ذكرناه. قوله: (وَاخْتَلَفُوا هَلْ تُزَوَّجُ مَعَ الْعِلْمِ بِمَكَانِهِ؟ أَمْ لَا؟ إِذَا كَانَ بَعِيدًا، فَقِيلَ: تُزَوَّج، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٌ. وَقِيلَ: لَا تُزَوَّج، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَابْنِ وَهْبٍ (٢). وَأَمَّا إن عُدِمَتِ النَّفَقَةَ، أو كَانَتْ فِي غَيْرِ صَوْنٍ - فَإِنَّهَا تُزَوَّجُ أيضًا فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلاثَةِ). فإذا كانت لا توجد نفقة يُنفق عليها؛ إذن فيلحقها ضرر، أو كانت في مكان غير مصون بأن تكون تقيم في بيتٍ ليس هناك مَن يحميها ويُخشى عليها من الاعتداء فأصبحت المصلحة تقتضي أن يُزوِّجها الأبعد. قوله: (أَعْنِي: فِي الْغَيْبَةِ الْبَعِيدَةِ، وَفِي الْأَسْرِ، وَالْجَهْلِ بِمَكَانِهِ.

стр. 5606

وَكَذَلِكَ إِنِ اجْتَمَعَ الْأَمْرَانِ، فَإِذَا كَانَتْ فِي غَيْرِ صَوْنٍ تُزَوَّج، وَإِنْ لَمْ تَدْعُ إلى ذَلِكَ. وَلَمْ يَخْتَلِفُوا (١) - فِيمَا أَحْسَبُ - أَنَّهَا لَا تُزَوَّجُ فِي الْغَيْبَةِ الْقَرِيبَةِ الْمَعْلُومَةِ؛ لِمَكَانِ إِمْكَانِ مُخَاطَبَتِهِ). في هذه المسألة هذا مذهب مالك ومعه أيضًا جمهور العلماء (٢). قوله: (وَلَيْسَ يَبْعُدُ بِحَسَبِ النَّظَرِ الْمَصْلَحِيِّ الَّذِي انْبَنَى عَلَيْهِ هَذَا النَّظَرُ أن يُقَالَ). النظر المصلحي الذي أشرنا إليه (٣). قوله: (إِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ وَخَشِيَ السُّلْطَانُ عَلَيْهَا الْفَسَادَ زُوِّجَتْ وَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ قَرِيبًا، وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ تَجُوزُ وِلَايَةُ الْأَبْعَدِ مَعَ حُضُورِ الْأَقْرَبِ؛ فَإِنْ جَعَلَتِ امْرَأَةٌ أَمْرَهَا إلى وَليَّيْنِ، فَزَوَّجَهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو أن يَكُونَ تَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا فِي الْعَقْدِ عَلَى الْآخَرِ). يعني: لو أن امرأة جعلت أمرها إلى وليين فزوَّجها كل واحد منهما وكل منهما مستحق أن يعقد لها، فهذا لا يخلو من أمرين: الأمر الأول: لو كان هناك الولي الأقرب والأبعد فالولي الأقرب هو الذي له الحق.

стр. 5607

الأمر الثاني: إذا وُجِد وليَّان متساويان وجعلت أمرها إليهما فعقدا لها فإن كان ذلك قبل الدخول وعُرِف الأسبق فإنه له الحق أن يزوِّجها، أما بعد الدخول: على الصحيح (١) يُفسخ النكاح ويكون الأول هو الأحق بها، لأنه هو الذي ملك عصمتها، وإن لم يُعلم ففي هذه الحالة لا تثبت لواحدٍ منهما ويتقدمان كغيرهما. قوله: (أو يَكُونَا عَقَدَا مَعًا، ثُمَّ لَا يَخْلُو ذَلِكَ مِنْ أن يُعْلَمَ الْمُتَقَدِّم، أو لَا يُعْلَم، فَأَمَّا إِذَا عُلِمَ الْمُتَقَدِّمُ مِنْهمَا فَأَجْمَعُوا (٢) إِذَا دَخَلَ الثَّانِي؛ فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ لِلْأَوَّلِ (٣)، وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ لِلثَّانِي (٤). وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَابْنِ الْقَاسِمِ (٥). وَبِالْأَوَّلِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ (٦)). الذين قالوا: الأول في هذه الصورة الشافعية والحنابلة، يعني:

стр. 5608

أنها للأول منهما وإن دخل بها الثاني وهو قول الشافعي وأحمد. قوله: (وَأَمَّا إنْ أَنْكَحَاهَا مَعًا فَلَا خِلَافَ (١) فِي فَسْخِ النِّكَاحِ فِيمَا أَعْرِفُ. وَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي اعْتِبَارِ الدُّخُولِ أو لَا اعْتِبَارِهِ: مُعَارَضَةُ الْعُمُومِ لِلْقِيَاسِ؛ وَذَلِكَ أنه قَدْ رُوِيَ أنه ﵊ قَالَ: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَهَا وَليَّانِ فَهِيَ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا" (٢). فَعُمُومُ هَذَا الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّهَا لِلْأَوَّلِ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي أو لَمْ يَدْخُلْ).

стр. 5609

وهذا هو الصحيح وأخذ بها الشافعية (١) والحنابلة (٢)، وهو الراجح. قوله: (وَمَنِ اعْتَبَرَ الدُّخُولَ فَتَشْبِيهًا بِفَوَاتِ السِّلْعَةِ فِي الْبَيْعِ الْمَكْرُوهِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَأَمَّا إنْ لَمْ يُعْلَمِ الْأَوَّلُ فَإِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى الْفَسْخِ (٣)، وَقَالَ مَالِكٌ: يُفْسَخُ مَا لَمْ يَدْخُلْ أَحَدُهُمَا (٤)، وَقَالَ شُرَيْحٌ: تُخَيَّر، فَأَيَّهُمَا اخْتَارَتْ كَانَ هُوَ الزَّوْجَ، وَهُوَ شَاذٌّ، وَفَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ (٥)).

стр. 5610

قال المصنف رحمه الله تعالى: [الموضع الرَّابعُ: فِي عَضْلِ الْأَوْليَاءِ] هذه مسألة في غاية الأهمية: والعضل (١) هو: أن يمنع الولي المرأة من أن يتزوجها كفء، إذا طلبت ذلك ورَغِبَ كل منهما بالآخر. والدليل على أنه ليس للولي أن يعضلها قصة معقل بن يسار، عندما زوَّج أختًا له رجلًا فطلقها، فلما انقضت عدتها تقدم يخطبها مرةً أخرى، فقال له معقل: زوَّجتك وأفرشتك وأكرمتك فطلقتها، يعني زوَّجتك أختي، وأفرشتك؛ أي: جعلتها فراشًا لك، وأكرمتك وقدرتك، ثم بعد ذلك تكون النتيجة أنك تُطلقها، وتريد أن تتزوجها مرةً أخرى، وكان هذا الرجل كما جاء في الحديث لا بأس به، يعني: رجلًا كان طيبًا، مستور الحال، وكانت أخت معقل تريد الرجوع إليه، فأقسم معقل ألّا يزوجها إياه، فنزل قول الله : ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، فما كان من الرسول ﷺ إلا أن دعا معقلًا فأخبره بما نزل فقال: الآن يا رسول الله (٢).

стр. 5611

فما كان من الصحابة إذا دُعِي أحدهم إلى حكمٍ شرعي نزل عنده ولا تردد، قال: الآن يا رسول الله؛ فنزل القرآن حاسمًا للنزاع والخلاف، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]، فقال: سمعنا وأطعنا، وهذا شأن كل مؤمن، إذا دُعِي إلى الحق، وإلى ما فيه سعادته في الدنيا ونجاته وفلاحه في الآخرة، فعليه أن يستجيب، وينبغي دائمًا أن يكون هينًا لينًا في طاعة الله، مستجيبًا. فتبين أنه لا يجوز لولي المرأة أن يعضلها، واليوم نجد أن بعض أولياء الأمور يعضلون أخواتهم وبناتهم وبعض قريباتهم، لمصلحةٍ من مصالح الدنيا: إما أن تكون موظفة، أو مدرسة، أو لها دخلٌ من أموالها من هذه الدنيا لهذه الأسباب تجد أنه يبقيها محبوسة حتى تُعنِّس، فتمر عليها السنوات الطوال فيُضيِّع حقها، فالمرأة بطبيعتها تميل إلى الرجال مهما أُعطِيَت من أموال الدنيا، ومهما أُكرِمَت راحتها وسعادتها وطمأنينتها مع زوج يحفظها ويكرمها. قوله: (وَاتَّفَقُوا (١) عَلَى أنه لَيْسَ لِلْوَلِيِّ أن يَعْضُلَ وَليَّتَهُ إِذَا دَعَتْ

стр. 5612

إلى كُفْءٍ، وَبِصَدَاقِ مِثْلِهَا (١)). أما بصداق مثلها: فهذه ليست محل اتفاق كما عند الحنفية (٢)، لكن لو كان الصداق أقل فلا يضر، ما دامت رضيت به؛ لأنه خالص حقها؛ يعني: إذا جاءها إنسان كفء واطمأنت إليه، فينبغي أن يُستجاب له في هذا الأمر حتى وإن نقص في الصداق. وفي قصة تزويج الرسول ﷺ قبل الإسلام، قال أبو طالب: "إن كان في المال قِلة فإن المال ظلٌّ زائل، وعاريةٌ مستردة" (٣)، الظل: هو عندما تأتي الشمس تظلل الجدار ثم يزول هذا الظل، وعاريةٌ مستردة؛ أي: عندما تستعير إناءً أو كتابًا أو فراشًا أو غير ذلك، فالواجب أن ترده، والله تعالى نهى عن ذلك فقال: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٧]، فرد العارية (٤) مطلوب. وفي قصة المخزومية، التي أمر الرسول ﷺ بقطع يدها وكانت تستعير الحلي ولا تردها، ولما أرادوا أن يتوسطوا، كيف تُقطَعُ امرأة لها مكانة وشهرة من قبيلة، أقسم الرسول ﵊: "وَاللَّهِ لَوْ أن

стр. 5613

فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا" (١)؛ فهذا الشرع لا يختلف فيه الكبير والصغير والشريف والدنيء، هذه شريعة عدل، ينبغي أن تُطبَّق على جميع الناس، ولذلك الرسول ﷺ أنكر عليهم ذلك. قوله: (وَأَنَّهَا تَرْفَعُ أَمْرَهَا إلى السُّلْطَانِ فَيُزَوِّجُهَا، مَا عَدَا الْأَبَ فَإِنَّهُ اخْتَلَفَ فِيهِ الْمَذْهَبُ) (٢). فعندما يعضلها الولي يلحقها الضرر؛ لأنها أصبحت عانسًا (٣)؛ يعني: عندما يأتيها شاب صغير لا يُقبل عليها، وربما يأتيها إنسانٌ في سن والدها، لا تستقر معه، فلا ينبغي أن تكون أمور الدنيا عائقًا للبنت عن أن تزوج وإلا سيُسأل ولي أمرها عنها يوم القيامة، وإذا وقف هذا الولي بين يدي الله وسُئِلَ لماذا أخرت هذه عن الزواج؟ وأهملت حقها؟ ما جوابك؟ تقول: لأنني أستفيد من كذا، فأنت أمام حكم عدل، لا يمكن أن تحتال أو أن تخادع، فالأب إذا عضل المرأة وألحق الضرر بها فمن حقها أن تتقدم إلى السلطان، والسلطان جعله الله حَكَمًا، وهو المسؤول عن الرعية، والرسول ﷺ يقول: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ

стр. 5614

رَعِيَّتِهِ" (١)، فالسلطان يعطي صلاحياته في هذه الأمور للقاضي، فيُلزمه بتزويجها. كما لو أن إنسانًا امتنع عن النفقة على أولاده فيلزمه القاضي بالإنفاق؛ إذن السلطان القاضي حكمٌ عدلٌ في هذا المقام. فهناك فرقٌ بين القاضي والمفتي: فإذا جئت تستفتي عن مسألة فتخبر بحكم الشرع فيها ولا تلزم بالعمل بها، لأنه ليس لدى المفتي أن يلزمك. لكن عندما تذهب في قضية بين خَصمين إبى القاضي، فإما أن يُصلح والصلح خير، كما قال الله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]. وقال الرسول ﷺ : "الصلح خير، إلا صلحًا حرَّم حلالًا أو أحل حرامًا (٢) "، فهذا لا يجوز. فإذا لم يمكن الصلح فحينئذٍ يحكم، وحكم القاضي إلزامي، ويحكم بما تكون عنده الأدلة من الشهود وغيرها، لكن هو لا يعلم ما في قلوب الناس، ولا يعلم ما تُكِنُّ صدورهم. وإذا كان الرسول ﷺ البشير النذير الذي نزل عليه الوحي يقول: "إنكم تختصمون إليَّ، فأحكم بينكم وقد يكون أحدكم ألحن بحجته من الآخر فأقضي على نحو مما أسمع"؛ يعني: بعض الناس يهبه الله القوة والقدرة على البلاغ، والبيان، والتأثير، تتوارد عليه الحجج والمعاني، فتجد أنه قوي الحجة، فربما يغلب خصمه، من هذه الناحية، وتجد الآخر مسكينًا لا يستطيع أن يتكلم، فيأتي مثلًا الحاكم فيحكم في المسألة بالذي ظهر له، ولكن هل إذا حكم لك الحاكم يصبح ذلك حلالًا لك وأنت تعلم

стр. 5615

أنك على باطل؟ ولذلك قال الرسول: "فأقضي على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فإنما أقطع له قطعةً من نار، فليأخذها أو فليدعها" (١)، فإن كنت أخذتها فستوقد بها في نار جهنم، وإن تركتها وعدلت إلى الحق، فالرجوع إلى الحق خيرٌ وفضيلة. ولذلك عندما كتب عمر بن الخطاب ﵁ الخليفة الملهم، كتابه العظيم الذي أرسله إلى أبي موسى الأشعري، الذي رسم له المنهج السوي والطريق الأمثل فيما يحكم به القاضي، كان يقول له: "فإن قضيت في أمر فتبين لك أن الحق في غيره، فارجع إليه؛ فإن الرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل" (٢)، وحثه على عدة أمور. وابن القيم قد شرح هذا الكتاب الذي أرسله عمر وبيَّن ما فيه من الفوائد والعظات، وهو مرجعٌ للقضاة الذين يحكمون في هذه الأحكام (٣). قوله: (وَاخْتَلَفُوا بَعْدَ هَذَا الاتِّفَاقِ فِيمَا هِيَ الْكَفَاءَةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي ذَلِكَ، وَهَلْ صَدَاقُ الْمِثْلِ مِنْهَا؟ أَمْ لَا؟). في الحقيقة أنَّ صداق المثل ليس منها، لأن الصداق يخص المرأة. فمثلًا: المرأة إذا ظهر في زوجها عيب فهي مخيرة، فإن رضيت به فينتهي الأمر، لكن إذا أخفي عنها هذا العيب كأن كان الزوج عِنِّينًا (٤)

стр. 5616

مَثلًا؛ فلها أن تطالب بفسخ النكاح، كذلك الحال بالنسبة للرجل. قوله: (وَكَذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى أن لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا مِنْ إِنْكَاحِ مَنْ لَهُ مِنَ الْأوْليَاء جَبْرُهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ فِيهَا الْكَفَاءَةُ مَوْجُودَةً كَالْأَبِ فِي ابْنَتِهِ الْبِكْرِ، أَمَّا غَيْرُ الْبَالِغِ بِاتِّفَاقٍ، وَالْبَالِغُ وَالثَّيِّبُ الصَّغِيرَةُ بِاخْتِلَافٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ فِي مَحْجُورِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْجَبْرِ). وهذه كلها مسائل قد تحدثنا عنها في إجبار الأب وغيره، وتقدم أيضًا الكلام في الوصيِّ. قوله: (فَأَمَّا الْكَفَاءَةُ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أن الدِّينَ مُعْتَبَرٌ فِي ذَلِكَ" (١). الكفاءة هل هي الدين؟ هل هي الدين والحَسَب؟ هل في الحسب هو المال؟ هل الحسب هو النسب؟ هل الحسب هو المنصب؟ يختلف العلماء في تفسير معنى الحسب، والرسول ﵊ قال: "تُنْكَحُ المرأة لأربع: لمالها وجمالها وحسبها"، وفي رواية: "ونسبها" (٢)، الدين هو الأصل، ولذلك قال: "فاظفر بذات الدين تربت يداك" (٣). فهذه الكفاءة على القول بوجودها والتي اختلف العلماء فيها تفصيلًا

стр. 5617

هل هي من شروط الصحة أم اللزوم؟ لأننا إذا قلنا هذا شرطٌ لازم، بمعنى: إذا طولب به الإنسان وفَّى، أما إذا قلنا هي من شروط الصحة فمعنى ذلك لو حصل عقدٌ ووجد أن هذا الشرط غير متوفر فإن النكاح يكون غير صحيح، كالحال بالنسبة للحرية، كما سنبين ذلك إن شاء الله. قوله: (إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ مِنْ إِسْقَاطِ اعْتِبَارِ الدِّينِ) (١). مراد محمد بن الحسن هنا يقصد بإسقاط الدين ما يتعلق بالكفر؛ يعني: الفسق لا يؤثر يُزوَّج الفاسق، إلا أن يكون مثلًا شاربًا للخمر يخرج بحيث يضحك به الصبيان؛ أي: ممن يرتكب الكبائر، لكن الحقيقة جمهور العلماء (٢) خالفوه في هذه المسألة، فلا توازن بين العفيفة وبين الفاسق. قوله: (وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْمَذْهَبُ (٣) أَنَّ الْبِكْرَ إِذَا زَوَّجَهَا الْأَبُ مِنْ شَارِبِ الْخَمْرِ، وَبِالْجُمْلَةِ مِنْ فَاسِقٍ - أن لَهَا أن تَمْنَعَ نَفْسَهَا مِنَ النِّكَاحِ). فالأب كما ذكرنا له أن يجبر البكر، ولكن ليس له أن يجبرها على التزويج بغير كفء، فلو أن أبًا تساهل في أمر ابنته وأراد أن يُزوِّجها فاسقًا، فللبنت أن تعترض عليه وأن تمتنع؛ لأن الكفاءة بين الزوجين غير متوفرة، هذه بنت عفيفة وهذا رجلٌ فاسق فلا يُجمَعُ بينهما. أما ما يتعلق بالموافقة فهذا يحتاج إلى تحديد الفسق، فإذا كان

стр. 5618

الفسق في أمر عقدي فلا ينبغي أن يُزوَّج هذا الإنسان، وبعض الناس لا يُصلي فهذا لا يُزوَّج؛ لأنه وإن كان لا ينكر وجوب الصلاة فمن العلماء من يرى أنه كافر (١)، فهو في هذه الحالة لا يُكافئ هذه المرأة. قوله: (وَيَنْظُرُ الْحَاكِمُ فِي ذَلِكَ فَيُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، وَكَذَلِكَ إن زَوَّجَهَا مِمَنْ مَالُهُ حَرَامٌ) (٢). يعني: إذا اعترضت البنت ووقف الأب عند رأيه، فإنه يُلجَأ إلى الحاكم السلطان فهو الذي يحسم الخلاف في هذه المسألة ويقرر الحكم فيها، كذلك لو كان إنسان جمع ماله من حرام، ويرفع يديه إلى السماء كما جاء في الحديث: "يا رب، يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغُذِيَ بالحرام فأنَّى يُستَجَاب لذلك؟! " (٣)، فإذا جمع ماله من

стр. 5619

حرام سينفق على أولاده وعلى زوجته أو زوجاته وعلى من تلزمه نفقته، ففي هذه الحالة لا تريد هذه المرأة أن تَدخل بيتًا جُمِعَ المال فيه من حرام. قوله: (أَوْ مِمَّنْ هُوَ كَثِيرُ الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ). أصلًا كثرة الحلف بالله لا تنبغي كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]، وهذه مسألة تكلمنا عنها في مواضعها (١). أما كون الرسول ﷺ كان يحلف أيمانًا: "والله لأغزونَّ قريشًا، والله لأغزونَّ قريشًا" (٢)، وأحيانًا في أثناء الخطبة، فالقصد في ذلك التأكيد على الأمر، فلا مانع إذا كان الإنسان يعظ الناس أو يخطب في يوم جمعة فألقى عددًا من الأقسام ليؤكد ذلك فالأمر هذا ليس فيه شيء، لكن أن تتعود على كثرة الأيمان، فهذا أمر لا ينبغي أن يفعله الإنسان (٣). قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي النَّسَبِ هَلْ هُوَ مِنَ الْكَفَاءَةِ؟ أَمْ لَا؟ وَفِي الْحُرِّيَّةِ، وَفِي الْيَسَارِ، وَفِي الصِّحَّةِ مِنَ الْعُيُوبِ). النسب: بعض العلماء يعبر عنه بالحسب، وبعضهم يعبر عنه بالمنصب، وجاء بأن الحسب هو المال، وكما أشار إليه المؤلف، والله يقول: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨)﴾ [السجدة: ١٨]،

стр. 5620

فشتان بين الفاسق وبين التقي، فالمؤلف ذكر الكفاءة التي هي: في النسب وذكر الحرية، والصنعة أو الصناعة. وكذلك اليسار؛ يعني: أن يكون موسرًا، لديه القدرة على أن ينفق على نفسه وعلى زوجته. وبعضهم أضاف السلامة من العيوب. وبعضهم أضاف ألا يكون مهرها أقل من مثلها. وما يتعلق بالعيوب في المهر فقد يكون من يتقدم كفئًا لهذه المرأة ولكن لا يستطيع النفقة، والرسول ﷺ قال لذلك الرجل الذي جاء إليه في الحديث المتفق عليه: "التمس ولو خاتمًا من حديد" (١)، وقال له ﷺ : "زوجتكها بما معك من القرآن" (٢)؛ فلا ينبغي أن يكون الصداق عائقًا لهذا الأمر. فالذين يُغالون في المهور ويرفعون أسعاره ويجعلون بناتهم يمكثن في بيوتهن وتمر عليهم السنون والأشهر والدهور حتى تكبر هذه البنت فيعزف عنها الناس وينصرفون، فتعيش في تعاسة (٣) وفي تعبٍ وفي ألم، وعائشة ﵂ تخبر عن النبي ﷺ أنه قال: "أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة" (٤). قوله: (فَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ (٥) أنه يَجُوزُ نِكَاحُ الْمَوَالِي مِنَ

стр. 5621

الْعَرَبِ، وَأَنَّهُ احْتَجَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]). هذه مسألةٌ فيها خلاف، فأبو حنيفة (١) مثلًا يرى: أن قريشًا بعضهم لبعضٍ أكفاء، ويوافقه أحمد في روايةٍ عنه (٢) في هذه المسألة، لكن عند الإمام أحمد أيضًا تفصيلٌ بين قبائل من قريش (٣) من بني هاشم وغيرهم، ورواية أخرى للإمام أحمد (٤) يرى فيها: أن العرب بعضهم لبعضٍ أكفاء، وأن الموالي بعضهم لبعضٍ أكفاء، والعجم بعضهم لبعضٍ أكفاء، وأبو حنيفة يرى: تقديم القرشيين، ثم العرب بعضهم لبعضٍ أكفاء، وهذه قضايا الحقيقة يحتاج الأمر إلى الاستدلال بها، وأعظم شيءٍ يتوفر في المسلم هو التقوى، وأبو العتاهية يقول: ألا إنّما التَّقوَى هيَ العِزُّ وَالكَرَمْ … وحبكَ للمال هو الذلُّ والسقمْ وليسَ على عبدٍ تقيٍّ نقيصةٌ … إذا حقق التَّقوَى وَإن حاكَ أو حجمْ (٥) "أبو العتاهية" (٦) من الشعراء العباسيين الذين عُرِفوا بالزهد في آخر حياته، فله كثيرٌ من الأبيات الشعرية المؤثرة التي تؤثر في القلوب وفي النفوس. ألا إنّما التّقوَى هيَ العِزّ وَالكَرَمْ: بلا شك التقي هو: الذي يكون

стр. 5622

في مكانةٍ عزيزة؛ لأن الناس يجلونه فقيرهم وغنيهم، فهو صاحب كرم، وهو كريمٌ عند الله ، لأنه من المطيعين لله، كما قال الله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١)﴾ [النبأ: ٣١]، فكل تقي ترى أنه محل احترامٍ عند الناس (١). ثم يقول: حبكَ للمال هو الذلُّ والسقمْ: لكننا نقول: هذا فيمن يجعل المال غايته، أما من يبحث عن المال ويطلبه من أوجهٍ حلال ويجعله وسيلةً إلى الدار الآخرة فنعم المال، ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا، واللّه تعالى يقول: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧]. لا شك أن الإنسان إذا وُفِّقَ إلى جمع مالٍ حلال يُنفق منه على نفسه وعلى أولاده ويُحسن إلى الفقراء والمحتاجين ويؤدي حق الله عليه، فيكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله (٢). ثم يقول بعد ذلك: وليسَ على عبدٍ تقيٍّ نقيصة: لا شك أن العبد إذا كان تقيًّا فلا ينقصه شيء مهما كان، حتى وإن كان ممن ينظف الشوارع، نحن نرى هؤلاء الأقوام الذين يأتون من بعض البلاد الإسلامية ترى أنه ينظف الشارع، ويلبس ملابسه الرسمية فما دام يتقي الله فهذه أمورٌ لا تنقصه، لأنه قال: إذا حقق التَّقوَى، وإن حاكَ أو حجمْ؛ ولذلك في قصة أبي هند الذي حجم رسول الله ﷺ فنادى الرسول وقال: "يا بني بياضة أنكحوا أبا هندٍ وأنكحوا إليه" (٣).

стр. 5623

والله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. وذاك يقول: أبي الإسْلامُ لا أَبَ لِي سِوَاهُ … إِذَا افتخروا بِقيسٍ أو تَميمِ (١) فلا ينبغي للإنسان أن يفتخر بأنه من قبيلة قيس أو تميم، أو بأنه من قبيلة حرب، أو بأنه من أي قبيلةٍ من القبائل، وإنما دائمًا الإنسان يفخر ويعتز بدينه، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. قوله: (فَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أنه يَجُوزُ نِكَاحُ الْمَوَالِي مِنَ الْعَرَبِ، وَأَنَّهُ احْتَجَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]). ونعمت الحجة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وهل هناك حجة أقوى من أن يُورِدَ الإنسانُ دليلًا جاء في هذا الكتاب المُطهَّر الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لا شك أن هذا دليلٌ واضح، ورسول الله ﷺ طبَّق ذلك الأمر، وفي قصة عائشة: نجد أن سالمًا مولى أبي حذيفة كان مولى لرجلٍ من الأنصار، هو أبو حذيفة وكان رجلًا من العرب وقد زوَّجه ابنة أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة (٢)، ولم

стр. 5624

ينظر إلى كونه مولى، ولكنه كان رجلًا صالحًا، فما كان منه إلا أن زوَّجه امرأةً من الأنصار، فالتقوى هي الأصل، لكن لو وُضعَ هذا الشرط فإنَّه يُوفَّى. كما في قصة بريرة، وكانت مملوكة، وسعت في عتق نفسها، وطلبت من عائشة ﵂ أن تعينها على ذلك، فاشترت نفسها من مواليها، وكانوا قد اشترطوا أن يكون لهم الولاء، فأخبرت رسول الله ﷺ فقال: "اشترطي لهم الولاء، كل شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط" (١)، ثم إن الرسول ﷺ بعد أن تغيرت حالها من الرق إلى الحرية خيرها بين أن تبقى مع زوجها مغيث وكان عبدًا وبين أن تَنفصل عنه وتتركه، فاختارت فراقه، فأثر ذلك على الرجل، وتألم كثيرًا؛ لأن نفسه تعلقت بها، وشق عليه أن تفارقه، فقال لها رسول الله ﷺ : "لو راجعتيه"، فقالت: يا رسول الله، أتأمرني؟ إن كنت تأمرني فليس لي إلا السمع والطاعة، فقال الرسول ﵊ لها: "إنما أنا شفيعٌ ولست بآمر" فقالت: لا حاجة لي به (٢).

стр. 5625

هذا هو الإسلام، هذا هو منهج الإسلام، وهؤلاء هم المسلمون الأوائل، رجالًا ونساءً، أدب مع الإسلام، وأدب مع رسول الله ﷺ ، نزولهم عند أحكام الإسلام، في كتاب الله أو في سنة رسول الله ﷺ ، لا يعارضون لرسول الله ﷺ أمرًا ولا يخرجون عن هديه، ولا يتجاوزون طاعةً من طاعاته، فهذا فيه دليل على أن الرسول ﷺ أعطاها الحرية بأن تختار الفراق أو البقاء، فدلَّ ذلك على أن للحرة أن تنفصل من المملوك، وفيه دليلٌ آخر على أن تبقى إن أرادت؛ لأن الرسول عرض عليها أن تراجعه، فإذا رضيت المرأة وأولياؤها من الزواج بمولى فليس هناك مانع من ذلك (١). قوله: (وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ (٢) وَأحمد (٣): لَا تُزَوَّجُ الْعَرَبِيَّةُ مِنْ مَوْلًى، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة، وَأَصْحَابُهُ (٤): لَا تُزَوَّجُ قُرَشِيَّةٌ إِلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ، وَلَا عَرَبِيَّةٌ إِلَّا مِنْ عَرَبِيٍّ).

стр. 5626

مذهب أحمد فيه تفصيل، ولكن له رواية (١) قريبة من مذهب أبي حنيفة، فيما يتعلق بأن القرشيين بعضهم لبعضٍ أكفاء، وله رواية أخرى (٢) أن العرب كلهم بعضهم لبعضٍ أكفاء، والموالي بعضهم لبعضٍ أكفاء، فالقرشي لا يساويه أحد؛ لأن منهم رسول الله ﷺ ، لكننا لو لجأنا إلى غير القرشي لوجدنا أن الرسول زَوَّجَ بنتيه لعثمان ﵁ (٣)، وعلي بن أبي طالب زَوَّجَ ابنته لعمر بن الخطاب ﵃ (٣)، والنسب بينهم كان مختلفًا؛ فلا تأثير له. قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ ﵊: "تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِدِينِهَا، وَجِمَالِهَا، وَمَالِهَا، وَحَسَبِهَا؛ فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَمِينُكَ "). هذا ما يُعرَفُ بالخبرِ ويُعبَّر عنه بالإنشاء، فهنا في هذا الحديث: "تنكح المرأة لأربع" (٤)، هذا إخبار (٥)، وليس أمرًا، يعني: قد تجتمع هذه الصفات وهي طيبة إذا اجتمعت، ولكن عند الانفراد ينبغي أن تقف عند ما أوصاك به رسول الله ﷺ . قال ﷺ : "تنكح المرأة لأربع: لمالها … "، إذن قد يجد الإنسان صاحبة مال فيريد أن يتزوجها لأجل المال، فهذا غرضه، وقد يكون له

стр. 5627

غرضٌ آخر طيب، لكنه ما دفعه إلى الزواج منها هو المال، وقد يبلغه أن هذه امرأةٌ جميلة، فيريد أن يتزوجها لجمالها، إذن هناك المال وهناك الجمال، وقد يكون السبب هو الحسب؛ أي: النسب والمنصب هذا هو الداعي، لكن الرسول ﷺ قال في آخر الحديث "فاظفر بذات الدين تربت يداك" (١)؛ لأن هذه هي التي فيها السعادة، هي التي سيجد الإنسان فيها بتوفيق الله الراحة، فإذا أخذت امرأةً تقية تخشى الله ستؤدي حقوقك وتُخيم عليك السعادة والطمأنينة والراحة والألفة والمجبة والمودة التي أشار الله إليها بقوله: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]، فالرسول ﷺ لا يأمرنا ولا يرشدنا إلا فيما فيه خيرٌ لنا وسعادة، فينبغي أن نقف عند توجيهات الرسول ﷺ ، بل إن هذه الشريعة كلها خير وكلها سعادة وكلها فلاحٌ ونجاة، فمن تمسك بأهدابها فاز ونجا. قوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أن الدِّينَ هُوَ الْمُعْتَبَرُ فَقَطْ (٢)، لِقَوْلِهِ ﵊: "فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَمِينُكَ" (٣)). وهذا عند مالك (٤) وهو: يرى الاقتصار على الدين، وقد مر بنا ما يشير إلى ذلك، وأن العلماء يختلفون في تزويج الفاسق، كما ذكرنا.

стр. 5628

وقد جاء في الحديث الصحيح أنه ﷺ قال: "من كانت عنده جارية فعلَّمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوَّجها دخل الجنة" (١)، فهذه أجور عظيمة أن يُعتق عبدًا في سبيل الله . قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أن الْحَسَبَ فِي ذَلِكَ هُوَ بِمَعْنَى الدِّينِ). وفي قصة زين العابدين ﵁ كانت عنده جاربةٌ مهذبة وكانت تصب عليه الماء فكأن الإبريق انفلت من يدها فوقع عليه، فتأثر بما حصل، فتلت عليه قول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣، ١٣٤]. قالت: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ، قال: كظمت غيظي. قالت: وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ، قال: عفوت عنكِ. قالت: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، قال: أنتِ عتيقة لوجه الله (٢) فامتصت غضب ذلك الرجل الكريم، وذكَّرته بالآية، وهكذا شأن السلف ﵁، إذا ذُكِّروا بأمرٍ من أمور الصلاح والتقى رجعوا، ولو قلبنا

стр. 5629

صفحات التاريخ لوجدنا في ذلك دروسًا ومواعظ وبخاصة في سيرة البشير النذير محمد بن عبد الله ﷺ . فالحسب أحيانًا يطلق ويراد به: النسب أو بمعنى الدين والمال، وأحيانًا المنصب فبعض الفقهاء يقول: أن تكون ذات دينٍ ومنصب، والحسب يُطلَقُ على المال، ولذلك يقول الرسول ﷺ : "الحسب المال" (١)، ويقول ﵊: "إن أحساب الناس بينهم في هذه الدنيا إنما هذا المال" (٢)، هذان حديثان صحيحان، أحدهما عند الخمسة إلا أبا داود، والاخر عند بعض أصحاب السنن (٣). قوله: (وَكَذَلِكَ الْمَال، وَأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ الْإِجْمَاع، وَهُوَ كَوْنُ الْحُسْنِ لَيْسَ مِنَ الْكَفَاءَةِ). المؤلف يقصد: أن الحُسن والمنظر هذا ليس من الكفاءة، فقد تجد امرأةً دون امرأةٍ في الشكل، لكن أخلاقها تُغطِّي ذلك، فتساوي مائة امرأة من أصحاب الأخلاق السيئة وإن كان عند إحداهن جمال الدنيا. قوله: (وَكُلّ مَنْ يَقُولُ بَرَدِّ النِّكَاحِ مِنَ الْعُيُوبِ يَجْعَلُ الصِّحَّةَ مِنْهَا مِنَ الْكَفَاءَةِ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ الْحُسْنُ يُعْتَبَرُ لِجِهَةٍ مَا). ولله در القائل: ليس الجمال بأثواب تزيننا … إن الجمال جمال العلم والأدب (٤)

стр. 5630

فالجمال هو جمال الخُلق، والطاعة والتقوى والصلاح والخير، هذا هو الجمال الحقيقي، فإذا اجتمعت هذه الصفات فما أحسنها! قوله: (وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْمَذْهَبُ أيضًا أن الْفَقْرَ مِمَّا يُوجِبُ فَسْخَ إِنْكَاحِ الْأَبِ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ (١)؛ أَعْنِي: إِذَا كانَ فَقِيرًا غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَيْهَا، فَالْمَالُ عِنْدَهُ مِنَ الْكَفَاءَةِ، وَلَمْ يَرَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢)). يعني: لو أن إنسانًا تزوج امرأة وعجز عن النفقة، وهناك أسباب أخرى لفسخ النكاح كوجود عيبٍ في أحد الزوجين مثل أن يكون عنِّينًا (٣)؛ يعني: لا يستطيع أن يقوم بحقوق المرأة وأخفى ذلك، أو أن يكون الزوج غير قادرٍ على الإنفاق على المرأة، فإن صبرت واحتسبت فستنال الأجر من الله ، ولقد مر بنساءٍ كثيرات مواقف مثل ذلك، فساعدن أزواجهن على أمور الدنيا، وحملن معهم أمورًا كثيرة في هذا المقام، فتجد أن المرأة تذهب وتحتطب، وتطحن القمح وتحمل الماء على رأسها، وغير ذلك.

стр. 5631

والعلماء ذكروا من الأسباب التي تجعل المملوك غير كفء للحرة قالوا: أولًا: لأن سيده يملكه، فهو لا يستطيع أن يقوم بالإنفاق على زوجته إلَّا لو كان سيده ينفق عليه. ثانيًا: يكون مشغولًا بسيده فلا أوقات عنده للقيام بكثيرٍ من حقوق الزوجة. هذه تعليلاتٌ ذكرها العلماء تجعل المملوك غير كفء للحرة (١). قوله: (وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَلَمْ يَخْتَلِفِ الْمَذْهَبُ أَنَّهَا مِنَ الْكَفَاءَةِ؛ لِكَوْنِ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ لِتَخْيِيرِ الأمَةِ إِذَا عُتِقَتْ) (٢). في قصة بريرة: أن المرأة إذا كانت تحت عبد ثم عُتقت أصبحت حرة تُخيَّر، لكن إن رضيت فالحمد لله، وكونه يجوز لها أن تبقى مع زوجها المملوك هذا دليلٌ على أن الكفاءة بالنسبة للحرية ليست شرط صحة، بدليل أن الرسول ﷺ خيَّرها ثم عرض عليها أن تبقى معه، فدلَّ ذلك على أن زواج الحر بالمملوكة لا تأثير له.

стр. 5632

قوله: (وَأَمَّا مَهْرُ الْمِثْلِ فَإِنَّ مَالِكًا (١)، وَالشَّافِعِيَّ (٢) يَرَيَانِ أنه لَيْسَ مِنَ الْكَفَاءَةِ، وَأَنَّ لِلأبِ أن يُنْكِحَ ابْنَتَهُ بِأَقَلَّ مِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ؛ أَعْنِي: الْبِكْرَ. وَأَنَّ الثَّيِّبَ الرَّشِيدَةَ إِذَا رَضِيَتْ بِهِ لَمْ يَكُنْ لِلأوْلِيَاءِ مَقَالٌ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): مَهْرُ الْمِثْلِ مِنَ الْكَفَاءَةِ). المرأة التي جاءت إلى رسول الله ﷺ ، "فزوَّجها الرسول بخاتم من حديد" (٤)، ليس حتى من فضة ولا من ذهب، فما دامت المرأة قد رضيت فالحمد لله، فهذا هو مستند من يقول بذلك، وهذا هو رأي أبي حنيفة، ولكن الجمهور خالفوه، والأدلة كما ذكرنا. قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: أَمَّا فِي الْأَبِ فَلاخْتِلَافِهِمْ هَلْ لَهُ أن يَضَعَ مِنْ صَدَاقِ ابْنَتِهِ الْبِكْرِ شَيْئًا؟ أَمْ لَا؟ وَأَمَّا فِي الثَّيِّبِ فَلاخْتِلَافِهِمْ هَلْ تَرْتَفِعُ عَنْهَا الْوِلَايَةُ فِي مِقْدَارِ الصَّدَاقِ إِذَا كَانَتْ رَشِيدَةً كمَا تَرْتَفِعُ فِي سَائِرِ تَصَرُّفَاتِهَا الْمَالِيَّةِ؟). أما مهر المثل: فإذا جاءها إنسان ذو تقوى وصلاح فله أن يُزوِّجه

стр. 5633

بما يشاء، وفي قصة سعيد بن المسيب، اختار تلميذًا عنده من فقراء المسلمين على ابن الخليفة في ذلك الوقت، هو رَغِب فيه، وأخذها بنفسه وأدخلها عليه في بيته (١)، فهذا أمر إذا اقتنع الأب بذلك ورضيت هي فهذا هو المطلوب.

стр. 5634

قوله: (أَمْ لَيْسَ تَرْتَفِعُ الْوِلَايَةُ عَنْ مِقْدَارِ الصَّدَاقِ، إِذْ كَانَتْ لَا تَرْتَفِعُ عَنْهَا فِي التَّصَرُّفِ فِي النِّكَاحِ، وَالصَّدَاقُ مِنْ أَسْبَابِهِ؟ وَقَدْ كَانَ هَذَا الْقَوْلُ أَخْلَقَ (١) بِمَنْ يَشْتَرِطُ الْوِلَايَةَ مِمَّنْ لَمْ يَشْتَرِطْهَا، وَلَكِنْ أَتَى الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ، وَيَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الْوِلَايَةِ مَسْأَلَةٌ مَشْهُورَةٌ، وَهِيَ هَلْ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أن يُنْكِحَ وَلِيَّتَهُ مِنْ نَفْسِهِ؟ أَمْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؟). يعني: لو أن إنسانًا أصبح هو الولي على امرأة، كابن عمها، فهل يجوز له أن يزوِّجها من نفسه بمعنى: يتولى طرفي العقد، فيقول مثلًا: تزوجت فلانة أو تزوجتك، ثم بعد ذلك أيضًا هو يجيب؟ والجواب: أكثر الفقهاء وهم الجمهور يقولون: يجوز له ذلك، فله أن يتولى طرفي العقد. وبعضهم يقول: يختار من يليه في الولاية فيطلب منه أن يُزوِّجه، وفي قصة صفية أن الرسول ﷺ أعتقها وتَزَوَّجها (٢). ولكن الحقيقة غفل المؤلف وقال: هذا من خصائص الرسول ﷺ ، وغفل عن أن هناك القضية هي في "صحيح البخاري" وهي حجة في ذلك، وهي قصة عبد الرحمن بن عوف ﵁: عندما جاءت إليه أم حكيم بنت قارظ (٣) وذكرت له أنها قد خُطبت وطلبت منه أن يتزوجها، فقال: أتجعلين

стр. 5635

أمرك إليَّ؟ قالت: نعم قال: قد تزوجتك، فتزوجها في هذا المقام، وتولى طرفي العقد وانتهى، وهذه القضية قد اشتهرت وعُرِفَت ولم يُخالف فيها أحدٌ من الصحابة ﵃، ولكن الخصوصية لا بد لها من دليل، كقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. قوله: (فَمَنَعَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ (١) قِيَاسًا عَلَى الْحَاكمِ وَالشَّاهِدِ، أَعْنِي: أنه لَا يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ، وَلَا يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ. وَأَجَازَ ذَلِكَ مَالِكٌ (٢)). وأجاز ذلك مالك وأحمد وجمهور العلماء؛ يعني: الشافعي انفرد في هذه المسألة، أما الثاني فمذهب الجمهور: له أن يُزوِّجها. المسألة الأخرى: يختار غيره ليتولى العقد، وهذا في قصة المغيرة (٣) عندما أراد أن يتزوج امرأة فطلب من آخر هو أدنى ولايةً منه أن يزوجه إياها، ففى قصة عبد الرحمن بن عوف هو نفسه تزوجها (٤)، وقصة المغيرة بن شعبة طلب من غيره ممن هو دونه في الولاية أن يزوِّجه، فدلَّ على جواز هذا وذاك، وكل ذلك جائز.

стр. 5636

قوله: (وَلَا أَعْلَمُ لَهُ حُجَّةً فِي ذَلِكَ إِلَّا مَا رُوِيَ مِنْ أَنَّهُ ﵊ تَزَوَّجَ أَمَّ سَلَمَةَ بِغَيْرِ ولِيٍّ (١)؛ لِأَنَّ ابْنَهَا كَانَ صَغِيرًا). بل له حجة وهي قصة عبد الرحمن بن عوف ﵁، وهذه في البخاري وغيره، أما أم سلمة؛ لأنه زوَّجها ابنها عمر: "قم فاعقد لرسول الله" (٢)، وفي بعض الروايات أن ابنها سلمة وهو كبير زوَّجها (٣). قوله: (وَمَا ثَبَتَ: "أَنَّهُ ﵊ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، فَجَعَلَ صَدَاقَهَا عِتْقَهَا" (٤). وَالْأَصْلُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (٥) فِي أَنْكِحَةِ النَّبِيِّ ﷺ

стр. 5637

أَنَّهَا عَلَى الْخُصُوصِ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى الْعُمُومِ؛ لِكَثْرَةِ خُصُوصِيَّتِهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى ﷺ ، وَلَكِنْ تَرَدَّدَ قَوْلُهُ فِي الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ) (١). يعني: ليس بكثرة الأحكام الخاصة بالرسول، وإنما ببعض الأحكام في النكاح تخصه وهذه أمورٌ معروفة، وقصده في الإمام الأعظم أن يُزوِّج نفسه. [الْفَصْلُ الثَّانِي: في الشهادة] قوله: (وَاتَّفَقَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢) وَالشَّافِعِيُّ (٣) وَمَالِكٌ (٤) عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ شَرْطِ النِّكَاحِ). ومعهم الإمام أحمد (٥) في رواية انفرد فيها عن الجمهور في هذه المسألة (٦)، وأُثِر عن كثير من الصحابة ومن التابعين (٧)، وثبت أن ابن عمر

стр. 5638

والحسن بن علي وعبد الله بن الزبير ﵃ تَزَوَّجوا دون إشهاد (١)، صحَّ ذلك عنهم، والخلاف يدور حول حديث: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" (٢)، تكلم العلماء في ذلك منهم ابن المنذر (٣) وابن عبد البر (٤) وبيَّنوا أن هذا الحديث مع تعدد طرقه هو حديث ضعيف، لكننا نقول: هذا الحديث له شواهد كثيرة بمجموعها يصل على الأقل إلى درجة الحسن. قوله: (وَاخْتَلَفُوا هَلْ هِيَ شَرْطُ تَمَام يُؤْمَرُ بِهِ عِنْدَ الدُّخُولِ؟ أَوْ شَرْطُ صِحَّةٍ يُؤْمَرُ بِهِ عِنْدَ الْعَقْدِ؟ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نِكَاحُ السِّرِّ (٥)).

стр. 5639

جاءت أحاديث عن الرسول ﷺ : "أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالدف (١) " (*).

стр. 5640

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →