← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

قوله: (وَلَا أَعْلَمُ لَهُ حُجَّةً فِي ذَلِكَ إِلَّا مَا رُوِيَ مِنْ أَنَّهُ ﵊ تَزَوَّجَ أَمَّ سَلَمَةَ بِغَيْرِ ولِيٍّ (١)؛ لِأَنَّ ابْنَهَا كَانَ صَغِيرًا). بل له حجة وهي قصة عبد الرحمن بن عوف ﵁، وهذه في البخاري وغيره، أما أم سلمة؛ لأنه زوَّجها ابنها عمر: "قم فاعقد لرسول الله" (٢)، وفي بعض الروايات أن ابنها سلمة وهو كبير زوَّجها (٣). قوله: (وَمَا ثَبَتَ: "أَنَّهُ ﵊ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، فَجَعَلَ صَدَاقَهَا عِتْقَهَا" (٤). وَالْأَصْلُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (٥) فِي أَنْكِحَةِ النَّبِيِّ ﷺ

стр. 5637

أَنَّهَا عَلَى الْخُصُوصِ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى الْعُمُومِ؛ لِكَثْرَةِ خُصُوصِيَّتِهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى ﷺ ، وَلَكِنْ تَرَدَّدَ قَوْلُهُ فِي الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ) (١). يعني: ليس بكثرة الأحكام الخاصة بالرسول، وإنما ببعض الأحكام في النكاح تخصه وهذه أمورٌ معروفة، وقصده في الإمام الأعظم أن يُزوِّج نفسه. [الْفَصْلُ الثَّانِي: في الشهادة] قوله: (وَاتَّفَقَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢) وَالشَّافِعِيُّ (٣) وَمَالِكٌ (٤) عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ شَرْطِ النِّكَاحِ). ومعهم الإمام أحمد (٥) في رواية انفرد فيها عن الجمهور في هذه المسألة (٦)، وأُثِر عن كثير من الصحابة ومن التابعين (٧)، وثبت أن ابن عمر

стр. 5638

والحسن بن علي وعبد الله بن الزبير ﵃ تَزَوَّجوا دون إشهاد (١)، صحَّ ذلك عنهم، والخلاف يدور حول حديث: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" (٢)، تكلم العلماء في ذلك منهم ابن المنذر (٣) وابن عبد البر (٤) وبيَّنوا أن هذا الحديث مع تعدد طرقه هو حديث ضعيف، لكننا نقول: هذا الحديث له شواهد كثيرة بمجموعها يصل على الأقل إلى درجة الحسن. قوله: (وَاخْتَلَفُوا هَلْ هِيَ شَرْطُ تَمَام يُؤْمَرُ بِهِ عِنْدَ الدُّخُولِ؟ أَوْ شَرْطُ صِحَّةٍ يُؤْمَرُ بِهِ عِنْدَ الْعَقْدِ؟ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نِكَاحُ السِّرِّ (٥)).

стр. 5639

جاءت أحاديث عن الرسول ﷺ : "أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالدف (١) " (*).

стр. 5640

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5641

وفي رواية: "أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالغربال" (١). وجاء أيضًا: "أعلنوا النكاح في المساجد واضربوا عليه بالدف وليولم أحدكم ولو بشاة" (٢). وجاء في آخر الحديث: "أن الرجل إذا تزوج امرأة وخضَّب شعره - يعني: سوَّد شعره - فليعلمها حتى لا يضرها" (٣)؛ يعني: الإنسان يكون صريحًا، قد يأتي الإنسان فيغير شعره فيُظن أنه شباب. وفي حديث صحيح لا إشكال فيه قال ﷺ : "فصل بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح" (٤)، هذا الحديث أخرجه الخمسة إلا النسائي وهو حديث صحيح، الصوت يعني: رفع الصوت بالنكاح. والشاهد: أن إعلان النكاح مطلوب وأُثِر عن كثير من الصحابة ﵃ أنهم كانوا يكرهون ذلك، وجمهور العلماء (٥) يرون أن نكاح السر مكروه،

стр. 5642

ومالكٌ (١) يرى أنه لا يجوز. قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا أَشْهَدَ شَاهِدَيْنِ، وَوُصِّيَا بِالْكِتْمَانِ - هَلْ هُوَ سِرٌّ؟ أَوْ لَيْسَ بِسِرٍّ؟ فَقَالَ مَالِكٌ (٢): هُوَ سِرٌّ وَيُفْسَخُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣) وَالشَّافِعِيُّ (٤): لَيْسَ بِسِرٍّ). هؤلاء يقولون: هو سر، وهؤلاء يقولون: ليس بسر، لكن الجمهور: على أن الأولى أن يُعلن النكاح هذا هو المستحب والأفضل، ويُكره إخفاؤه، لكن لو أخفي هو نكاح صحيح، لكن فُعِل المكروه، أما عند مالك فلا يجوز، ومن حينئذٍ يُفسخ النكاح، إذن فرقٌ بين مالك وبين الجمهور من حيث تقرير الحكم. قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ الشَّهَادَةُ فِي ذَلِكَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ؟ أَمْ إِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهَا سَدُّ ذَرِيعَةِ الاخْتِلَافِ أَوِ الْإِنْكَارِ؟).

стр. 5643

مراد المؤلف: أن هذه الشهادة المطلوبة عند النكاح قد يُحتاج إليها، فهذا النكاح لما يُشهَد عليه يُصبح هؤلاء يُرجع إليهم عند الحاجة، فإذا لم تكن هناك شهادة صار نكاح سر، قد يوجد من أحد الطرفين ما ينكر ذلك، فسيترتب عليه خللٌ في هذا العقد، ولذلك قال المؤلف: أن الإشهاد أمر شرعي في الأصل؛ ولأن هناك شهادة للأموال، وشهادة بالنسبة للحدود، وشهادة بالنسبة للديون وغير ذلك من الأمور، فالشهادة أمرها عظيم، والإنسان إذا تداين مع غيره بدين فينبغي أن يكتبه وليُشهِد الشهود على ذلك. هناك مواضع أحكام لا يكفي فيه إلا أربعة، والنكاح يُشرط فيه اثنان، ولكن هل يكفي رجلٌ وامرأتان، كما قال الله تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، بعض العلماء يقول: لا بد في النكاح من شهادة رجلين (١)، ومنهم من يقول يكفي رجلٌ وامرأتان، وهذا يختلف فيه العلماء فعند أحمد (٢): يجوز رجل وامرأتان، وعند بعض الفقهاء: لا يجوز (٣)، وانفرد أحمد بأنه تجوز شهادة عبدين (٤)، وعند غيره لا يجوز، وهل تجوز شهادة غير المسلم؟

стр. 5644

والجواب: عند الجمهور (١) لا تجوز شهادة الغير مسلم، وعند أبي حنيفة (٢) يجوز إذا كانت الزوجة ذميَّة، فهناك فروعٌ مختلفٌ فيها، لكن الشهادة من حيث الجملة هي أمرٌ شرعي طبِّقت في أمور كثيرة، ويُحتاج إليها؛ ولأن الشريعة ما دامت أقرتها فأصبحت حكمًا. قوله: (فَمَنْ قَالَ: حُكْمٌ شَرْعِيٌّ - قَالَ: هِيَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّة (٣)، وَمَنْ قَالَ: تَوَثُّقٌ - قَالَ: مِنْ شُرُوطِ التَّمَامِ (٤)). يعني: من قال حكمٌ من الأحكام قال: هي من شروط الصحة، فإن لم يوجد شاهدان بطل النكاح كالحال بالنسبة للولي خلاف لأبي حنيفة، كما ذكرنا أن الجمهور يقولون: بالحديث "أيما امرأةٍ أنكحت نفسها بغير

стр. 5645

إذن ولي فنكاحها باطل" (١)، أما هنا في الشهود الذين قالوا بعدم الإشهاد حجتهم أن الأحاديث لم تصح، وإلَّا لو صحَّت الأحاديث لسلَّموا بذلك فهذا هو الواقع. فالخلاف: هل الأحاديث بمجموعها صالحة للاحتجاج بها، فيبنى عليها حكمٌ شرعي أم لا؟ فمن قال: نعم، يبنى عليها حكمٌ شرعي، وباستقراء الشريعة الإسلامية في مواضع كثيرة نجد أن الإشهاد مطلوب في أمور كثيرة والنكاح من أولى ما ينبغي أن يُبنى على الاحتياط؛ لأن فيه نسبًا، فيه أحكام كثيرة جدًّا فهي تحتاج إلى الحيطة. قوله: (وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "لَا نِكَاحَ إِلَّا بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ ووَليٍّ مُرْشِدٍ" (٢)، وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ (٣)). هذا رُوِي عن ابن عباس وعن ابن عمر (٤) وعن أبي هريرة (٥)،

стр. 5646

وعن عائشة (١)، والمؤلف هنا: نحا منحًى جيدًا، في قضية الإشهاد لم يخالف فيه الصحابة، إذن لم يقع فيه خلاف في الصدر الأول فينبغي أن يكون حُكمًا، وقد تعددت الأحاديث في ذلك وعَمِل بها العلماء إذن هو حكمٌ شرعي. قوله: (وَكثِيرٌ مِنَ النَّاسِ رَأَى هَذَا دَاخِلًا فِي بَاب الْإِجْمَاعِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٢)، وَذَكَرَ أَنَّ فِي سَنَدِهِ مَجَاهِيلَ). المؤلف يقصد: أن قضية الإشهاد من الأمور التي يُجمع عليها، لكن أين دليل الإجماع وأين الإجماع؟ ولكن الإجماع لم يُنقل، وإنما نُقِل أنه لا خلاف بين الصحابة، والمسألة متفقٌ عليها فيُبنى على ذلك أن هناك إجماعًا، كما نجد كثيرًا ما يتكلم العلماء كابن المنذر (٣)، وابن قدامة، والنووي، وابن تيمية (٤)، أمثال هؤلاء، يقول: وقد قال به فلان من الصحابة ولا مخالف له فيكون إجماعًا، لكن فرق بين أن يقول صحابي بقول ولم يُنقل خلافه، وبين أن يُنقل لنا الإجماع فلا شك أن نقل

стр. 5647

الإجماع أقوى؛ ولذلك تجدون أن علماء الأصول يُفرِّقون بين: أجمعوا، وبين: اتفقوا، فيقولون: أجمعوا: الذين يُعتد بقولهم في الإجماع مُسَلَّمٌ بهذا، أما اتفقوا: معنى ذلك أن هناك خلافًا لكن الخلاف ضعيف، وربما يكون شاذًّا فلا يُعتد به (١). قوله: (وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢) يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ عِنْدَهُ بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ عِنْدَهُ بِالشَّهَادَةِ هُوَ الْإِعْلَانُ فَقَطْ، وَالشَّافِعِيُّ (٣) يَرَى أَنَّ الشَّهَادَةَ تَتَضَمَّنُ الْمَعْنَيَيْنِ؛ أَعْنِي: الْإِعْلَانَ وَالْقَبُولَ. وَيذَلِكَ اشْتَرَطَ فِيهَا الْعَدَالَةَ، وَأَمَّا مَالِكٌ (٤) فَلَيْسَ تَتَضَمَّنُ عِنْدَهُ الْإِعْلَانَ إِذَا وُصِّيَ الشَّاهِدَانِ بِالْكِتْمَانِ، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هَلْ مَا تَقَعُ فِيهِ الشَّهَادَةُ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ السِّرِّ أَمْ لَا؟، وَالْأَصْلُ فِي اشْتِرَاطِ الْإِعْلَانِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﵊: "أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ". خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٥)).

стр. 5648

لم يخرِّجه أبو داود، إنما خرَّجه الترمذي (١) والبيهقي (٢) وغير هؤلاء (٣). قوله: (وَقَالَ عُمَرُ فِيهِ: "هَذَا نِكَاحُ السِّرِّ، وَلَوْ تَقَدَّمْتُ فِيهِ لَرَجَمْتُ"). هذا حكاه مالك في الموطأ (٤) والمعروف عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يكره نكاح السر، نُقِل عنه، لكن نكاح السر لا يستدعي الرجم، لكن عمر نُقِل عنه كما نُقِل عن بعض الصحابة يكره نكاح السر. قوله: (وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَجَمَاعَة (٥): لَيْسَ الشُّهُودُ مِنْ شَرْطِ النِّكَاحِ، لَا شَرْطَ صِحَّةٍ وَلَا شَرْطَ تَمَامٍ). قالوا ذلك لأن الأحاديث في ذلك لم تصح، كما ذكر ابن المنذر (٦) قال: لم يصح حديث في الإشهاد، وذكر ذلك ابن عبد البر (٧) في كتابه "الاستذكار".

стр. 5649

قوله: (وَفَعَلَ ذَلِكَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ شَهَادَةٍ، ثُمَّ أَعْلَنَ بِالنِّكَاحِ) (١). ذكر الحسن بن علي، وكذلك حدث من عبد الله بن عمر وكذلك من عبد الله بن الزبير (٢)، فثلاثة من الصحابة عُرِفوا بتُقاهم وبورعهم ومع ذلك حصل منهم ذلك، فهذا دليلٌ: على أن الإشهاد ليس لازمًا في هذا المقام. إذن يجوز النكاح دون إشهاد، فهذا حجة للرواية الأخرى (٣) عن الإمام أحمد التي انفرد بها عن الجمهور، لكن جاءت عدة أحاديث عن النبي ﷺ ولو لم يرد فيها إلا الحديث الذي صح عن النبي ﷺ : "الفصل بين الحلال والحرام الصوت والدف" (٤)؛ يعني: الضرب بالدف في النكاح، فهذا صريحٌ في إعلان النكاح. [الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي الصَّدَاقِ (٥)] [الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ فِي حِكَمِ الصداق وَأَرْكَانِه] قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَالنَّظَرُ فِي الصَّدَاقِ فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ).

стр. 5650

من مزايا هذا الكتاب أنه يُحسن التقسيم والترتيب، وهذه حقيقة مما يُسهل على الدارس والباحث أن يعرف ما سيدرس فيه من الموضوعات، فإذا حصلت على مقدمات موجزة تُمهِّد لك الطريق وتضيء لك السبيل، فالشاهد: هنا يبدأ بمقدمات فيُقسِّم الباب، ثم يذكر الجمل ويُقسِّمها، ثم يذكر فصولًا ومسائل. قوله: (الْأَوَّلُ: فِي حُكْمِهِ وَأَرْكَانِه). هل الصداق واجب؟ هل الصداق شرطٌ من شروط الصحة؛ لأنه على القول بأنه شرطٌ من شروط الصحة فمعنى ذلك أنه لا يصح الزواج بدونه، والمؤلف ربما وَهِم ونقل عبارة عن ابن عبد البر في كتابه "الاستذكار" يُفهم منها ما ذهب إليه المؤلف، لكن ابن عبد البر أدخل جملةً في جملة، فيظهر أنه يريد التفريق بينهم؛ لأن ابن عبد البر أشار إلى الخلاف في المسألة. قوله: (الْمَوْضِعُ الثَّانِي: فِي تَقَرُّرِ جَمِيعِهِ لِلزَّوْجَةِ). تقرير جميعه للزوجة بمجرد تسميته؛ أي: أنه ما هو المقدم والمؤخر هذا موضع يختلف فيه الفقهاء. قوله: (الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ: فِي تَشْطِيرِهِ) (١). في تشطيره: يعني تنصيفه؛ يعني: الرجل إذا طلق المرأة قبل الدخول

стр. 5651

بها فإنها تستحق نصف المهر، أما بعد الدخول فإنها تستحق المهر. قوله: (الْمَوْضِعُ الرَّابعُ: التَّفْوِيضِ وَحُكْمِهِ). التفويض سيأتي الكلام عنه إن شاء الله. قوله: (الْمَوْضِعُ الْخَامِسُ: الْأَصْدِقَةُ الْفَاسِدَةُ وَحُكْمُهَا). لأن الصداق له مقومات وشروط: أن يكون مالًا مقومًا؛ أي: له قيمة، فلا يجوز مثلًا أن يُصدقها طيرًا في السماء أو سمكًا في الماء، أو أمرًا مجهولًا، فله أن يُصدِقها ذهبًا أو فضة، وكذلك له أن يصدقها عَرَضًا من العروض ثوبًا أو دارًا أو دابة أو غير ذلك، لكن يُشترط أن يكون هذا المال له قيمة، وأن يكون مباحًا وأن يكون خاليًا من الغرر (١)، وسيأتي اختلاف العلماء في الجهالة، بمعنى: هل يُشترط أن يكون معيَّنًا موصوفًا، بمعنى: أنه لو أصدقها شاةً أو دارًا أو خادمًا هل ينبغي أن يُوصف نوعه أو أنه يكفي أنه يطلقه؟ هذه المسألة فيها خلاف سيأتي الكلام فيها إن شاء الله. قوله: (الْمَوْضِعُ السَّادِسُ: فِي اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ فِي الصَّدَاقِ). فقد يقول لها أعطيتك، وقد تقول: لا، قد تقول: لا أوافق إلَّا على كذا، وهو يقول: لا، وهكذا مسائل سيأتي تفصيلها إن شاء الله. قوله. (الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ: وَهَذَا الموضع فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى: فِي حُكْمِهِ. الثَّانِيَةُ: فِي قَدْرِهِ). حكم الصداق، هل الصداق كما ذكرنا شرطٌ من شروط الصحة أو أنه واجب، لكن لا يترتب عليه صحة النكاح؟ فعلى القول بصحته لا ينقعد النكاح، ولا بد من أن يُسمى، وإن لم يُسمَّ فلا بد من تعيينه بعد ذلك، بمعنى أنه لا يجوز العقد بدون مالٍ.

стр. 5652

أما قدره: فهناك ما هو أقل وهناك ما هو أكثر، ولكن هل لأعلاه حد؟ وهل لأقله حد؟ هذه هي التي فيها خلاف بين العلماء؛ ولذلك كل المسائل المجمع عليها هذه تُمرُّ مرور الكرام، لأنها ليست محل خلاف. قوله: (الثَّالِثَةُ: فِي جِنْسِةِ وَوَصْفِهِ، والرَّابِعَةُ: فِي تَأْجِيلِهِ). أي: في ماهية جنسه وهل يُشترط أن يكون ذهبًا وفضة بمعنى: أن يكون عينًا أو هل يجوز أن يكون عرضًا من عروض التجارة؟ وعلى القول بأنه يصح في النقدين، وهذا ليس فيه خلاف، وفي عروض التجارة، هل يصح أن تُصدِقها مثلًا إجارة بمعنى: أن يخدم أو أن يُصدِقها مثلًا خادمًا ونحو ذلك، يعني: يختلف العلماء بين خدمة الحُرِّ مع المملوك، وهذا سيأتي إن شاء الله. قوله: (الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: أَمَّا حُكْمُهُ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ) (١). قد ذكرنا أن هذا نُقل من كتاب "الاستذكار" لابن عبد البر (٢)، وفي الحقيقة كلامه مجمل لا يمكن أن يُؤخذ عليه هذا، إنما يؤخذ على ابن رشد؛ لأنه أخذ هذه المسألة وسلَّم بها، وابن رشد ذكر مسألتين، ذكر مسألة وأتبعها بهذه، فلا يلزم من كونه أضاف هذه أو عطف هذه أو ذكرها بعد تلك أنه يرى الإجمال؛ لأن الحقيقة المسألة فيها خلاف، فهناك من العلماء من يخالف في ذلك، وهناك من العلماء من أنه يصح النكاح بدون تسمية مهر (٣)، وإن كان يرى وجوبه، ولا شك أن في القرآن ما يدل على ذلك.

стр. 5653

قوله: (وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّوَاطُؤُ (١) عَلَى تَرْكهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٥]). لكن الله يقول في كتابه العزيز: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فانتبه إلى الركنين اللذين نريد أن نتحدث عنهما؛ في قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ إذن هنا طلاق، والطلاق عادةً إنما يأتي بعد إنكاح، وفي قوله: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ معنى: هذا أن الطلاق لا يقع إلا بعد نكاح، والنكاح إنما يتم بعقد، إذن في هذه الآية دليل للحنابلة: ومن معهم من العلماء الذين قالوا: بأن المهر ليس شرطًا من شروط الصحة، لكنهم يرونه واجبًا، وأنه لا ينبغي أن يخلو النكاح منه. فإن الرسول ﷺ ما تزوج امرأةٍ من نسائه إلا وقدم لها صداقًا اثني عشر أُوقية (٢)، وفي بعض الروايات في حديث عائشة: "ونصف" (٣)، والأوقية: أربعون درهمًا (٤) إذن يبلغ ما قدموه خمسمائة درهم (٥). وكذلك زواج بنات الرسول ﷺ كان يدفع لهن، ولذلك في قصة

стр. 5654

علي ﵁ عندما زوجه ابنته فالرسول ﷺ قال: "أعطها مهرًا" قال: لا أجد شيئًا عندي، قال: "أين درعك؟ " (١)، يعني: أمره أن يُصدِقها إياه. إذن المهر مطلوب لكن الكلام هنا هل هو شرطٌ من شروط الصحة أو ليس شرطًا من شروط الصحة؟ هذا هو محل خلاف المؤلف نفسه قال: أنها مسألة مسلَّمة، والواقع أنها غير مسلَّمة، قوله تعالى: ﴿صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ يعني: عن طيب نفس؛ لأن المهر يسمى صداقًا ويسمى صدقة كما في الآية، ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ والنحلة (٢) بمعنى: الهبة والمقصود بها: الصداق؛ لأنك عندما تدفعه عن طيب نفسِ ورضا هذا من تمام الألفة والمحبة التي أشار الله إليها في كتابه الكريم، لكن ليس معنى ذلك أن يغالي الناس في الأمور وأن يضعوا عقبات أما الشباب، ففي أثر عائشة: "أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة" (٣). ولذلك نجد شيخ التابعين وأحد كبارهم سعيد بن المسيب زوَّج ابنته بدرهمين (٤)، وقال له: لو أصدقها ثوبًا لكفى. وجاء في بعض الأحاديث أن رسول الله ﷺ قال: "لو أن رجلًا أعطى امرأةً مهرًا أو صداقًا ملء يديه طعامًا لكان حلالًا" (٥)؛ فهذا يدل على أنه لا ينبغي المبالغة في ذلك.

стр. 5655

وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: مهورهنَّ وهذا دليلٌ على تسمية الصداق أجرًا. قوله: (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَأَمَّا قَدْرُهُ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِأَكثَرِهِ حَدٌّ (١)، وَاخْتَلَفُوا فِي أَقَلِّهِ؛ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَفُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ مِنَ التَّابِعِينَ: لَيْسَ لِأَقَلِّهِ حَدٌّ). القدر: العلماء أجمعوا على أنه لا حد للأعلى، فالله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، والقنطار اختلف العلماء في تفسيره لكنه شيءٌ كثير (٢). وفي قصة زواج عمر من أم كلثوم ابنة علي بن أبي طالب ﵄ أصدقها أربعين ألفًا؛ إذن عمر أصدقها أربعين ألفًا (٣). وأُثِر عن عمر ﵂ أنه عزم على أنه يخطب الناس أن يدعو الناس إلى عدم المبالغة في المهور، قال: عزمت على ذلك فتذكرت قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] (٤). لكن كونه لا حد لأعلاه لا يكون ذلك مبرِّرًا بأن يتنافس الناس في

стр. 5656

زيادة المهور وفي المبالغة في ارتفاعها؛ لأن ذلك مما يجعل الشباب يحجمون وتوضع أمامهم عقبات تقف أمامهم في الزواج الذي رغَّب فيه الرسول ﷺ واعتبره سنة من سننه. والزوج كما أشرنا يسكن إلى الزوجة وتسكن إليه ويطمئن كلٌّ منهما إلى الآخر وهما يتعاونان في أمور الدنيا ويكدحان في الجمع وفي الإنفاق على الأبناء؛ فلا ينبغي الحقيقة أن يُثقل كاهل (١) الزوج من أول الأمر فتتراكم عليه الديون ويظل أكثر حياته يسدد في هذه الديون، ليس هذا من مصلحة الزوج ولا من مصلحة الزوجة ولا مصلحة أوليائها ولا أبناء الزوجين أيضًا؛ إذن التيسير مطلوب في هذا المقام. واختلفوا العلماء في أقله، هل لأقله حد؟ العلماء انقسموا إلى قسمين: الأول: بعضهم قالوا: كل ما ينطبق عليه مهر فهو كافٍ، كما قال سعيد بن المسيب: "لو أعطاها سوطًا لكان" (٢)، فلو أعطاها ثوبًا أو إزارًا. وفي قصة الرجل لما قال له الرسول ﷺ في قصة المرأة وسيأتي ذكرها التي وهبت نفسها لرسول الله ﷺ فقام طويلًا وسكت رسول الله ﷺ فلما أحس أحد الجالسين من رسول الله ﷺ لا يرغب فيها قال لكنه تكلم بأدب قال: يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها رغبة، فقال ﷺ : "ما تُصدِقها"، فأجاب: بأنه يصدقها إزاره، فالرسول ﷺ وهو الرفيق وهو الرحيم الشفيق، قال: "لو أعطيتها إزارك بقيت وما لك إزار"، فقال له: التمس ولو خاتمًا"، فقال: لا أجد، فقال: "هل معك شيء من القرآن"

стр. 5657

فقال: نعم، فقال: "زوجتك بما معك من القرآن" (١). وسيأتي اختلاف العلماء في أن يكون تقديم القرآن مهرًا أم لا؟ مع أنه وقع في هذه القصة وفي هذا الحديث الصحيح، وذكر المؤلف أن الإمامين الشافعي وأحمد، قالوا: لا حد لأقله، فكل ما انطبق عليه أنه مهر فإنه يسمى صداقًا ولا داعي لتحديده؛ لأنه لم يرد تحديد أقله في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ . قوله: (وكُلُّ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا وَقِيمَةً لِشَيْءٍ جَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا). هذه قاعدة، كل ما جاز أن يكون ثمنًا أو إجارة جاز أن يكون صداقًا؛ يعني: كل ما جاز أن يكون ثمنًا لمبيع أو يكون أجرًا لأجرة أو لإجارة فإنه يصح أن يكون صداقًا؛ لأنه ما جاز أن يكون مبيعًا يجوز أن يكون صداقًا، والبيع له شروط وكذلك الإجارة لها شروط (٢).

стр. 5658

قوله: (وَبِهِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ (١) مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ. وَقَالَ طَائِفَة بِوُجُوبِ تَحْدِيدِ أَقَلِّهِ، وَهَؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا، فَالْمَشْهُورُ فِي ذَلِكَ مَذْهَبَانِ). نلاحظ في هذا الكتاب عندما يكون الدليل عقليًّا نجد أن المؤلف يستطرد في دراسة المسائل وفي تفصيلها، وهو قد أطال نَفَسَه في هذه المسألة بعض الشيء؛ ولهذا تحتاج منا إلى انتباه ووقفات لنتبين كلام المؤلف وما ذكره عن الحنفية والمالكية وعن الشافعية والحنابلة في هذا المقام. قوله: (أَحَدُهُمَا: مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ (٢)، وَالثَّانِى: مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ (٣)). وهنا الخلاف يمكن أن نُقسِّمه إلى قولين: القول الأول: للحنفية والمالكية: يلتقون من حيث الأصل، لكنهم يختلفون عند التحديد، وهم يقيسون ذلك على نصاب القدر التي تقطع فيها اليد عند السرقة. القول الثاني: للشافعية والحنابلة. لم يحددوا في ذلك شيئًا. أما قول القائلين بالتحديد فنُقسِّمهم إلى قسمين: الأول: الحنفية ومن معهم. الثاني: المالكية ومن معهم.

стр. 5659

قوله: (فَأَمَّا مَالِكٌ (١) فَقَالَ: أَقَلُّهُ رُبُعُ دِينَارٍ مِنَ الذَّهَبِ أَوْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ كيْلًا مِنْ فِضَّةٍ). لحديث النبي ﷺ : "لا قطع إلا في ربع دينار أو ثلاثة دراهم" (٢)، والحنفية يقولون: لا تقطع يد السارق إلا إذا بلغ المسروق النصاب وهو عشرة دراهم فقط فالخلاف بينهم في القدر. قوله: (أَوْ مَا سَاوَى الدَّرَاهِمَ الثَّلَاثَةَ؛ أَعْنِي: دَرَاهِمَ الْكَيْلِ فَقَطْ فِي الْمَشْهُورِ). الخلاف ليس فقط هو قول المالكية فهناك من يقول: أقل المهر خمسون درهمًا، وهناك من يقول: أربعون درهمًا، وهناك من يقول: عشرون، وهناك من يقول: عشرة وهم الحنفية، ومنهم من يقولون: خمسة كابن شُبرمة، ومنهم من يقول: درهمان كسعيد بن المسيب وكذلك زوَّج ابنته (٣)، ومنهم من لا يرى حدًّا وهو الأولى في هذا المقام. قوله: (وَقِيلَ: أَوْ مَا يُسَاوِي أَحَدَهُمَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَشَرَةُ دَرَاهِمَ أَقَلُّهُ (٤)، وَقِيلَ: خَمْسَة دَرَاهِمَ (٥)، وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي التَّقْدِيرِ سَبَبَان: أَحَدُهُمَا: تَرَدُّدُهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا مِنَ الْأَعْوَاضِ يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّرَاضِي بِالْقَلِيلِ كَانَ أَوْ بِالْكَثِيرِ). يعني: لا ينبغي أن يقيد ذلك بمجرد الاستمتاع؛ لأن الاستمتاع

стр. 5660

يحصل من الجانبين، والرسول ﷺ عندما أوصى بالنساء قال: "أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله" (١)، فالزوج ينتفع بالزوجة في أمور كثيرة منها: خدمة أولاده، وخدمته في البيت، والاستمتاع هو أصل، لكن هناك اعتبارات أخرى تنظر إليها الشريعة، فالرسول رغَّبَ في الزواج وحضَّ عليه وقال: "النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني" (٢)؛ فهناك غاياتٌ وحِكمٌ منها: المحافظة على النسل فيما يتعلق بأحكام الزواج (٣). قوله: (كَالْحَالِ فِي الْبَيُوعَاتِ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ عِبَادَةً فَيَكُونَ مُؤَقَّتًا). مراد المؤلف: هل هذا المهر عِوض من الأعواض فيلحق بالبيوع وأمثالها؟ أم هل هو عبادة فيلحق بالعبادات؟

стр. 5661

فيريد بذلك أن ينشئ قياسًا للذي اعتبره المالكية والحنفية، ولكن المؤلف بعد ذلك سيأتي ويُضعِف هذا الخلاف وينقضه وهو الصحيح. قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَمْلِكُ بِهِ عَلَى الْمَرْأَةِ مَنَافِعَهَا عَلَى الدَّوَامِ يُشْبِهُ الْعِوَضَ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّرَاضِي عَلَى إِسْقَاطِهِ يُشْبِهُ الْعِبَادَةَ). وهذا القول أولى يملك منافع المرأة على الدوام ما دامت زوجة له، فإن كان من جهة العوض فيشبه المعاملات وبخاصة البيع، ومن جهة أنه لا يجوز التغاضي على إسقاطه هذا في الأصل المسألة فيها خلاف فإنه يشبه العبادة؛ لأن العبادة لا يمكن أن تُسقطه. قوله: (وَالسَّبَبُ الثَّانِي: مُعَارَضَةُ هَذَا الْقِيَاسِ فَالْمُقْتَضِي التَّحْدِيدَ لِمَفْهُومِ الْأثَرِ الَّذِي لَا يَقْتَضِي التَّحْدِيدَ). فهناك سببان للخلاف: السبب الأول: هل يُلحق بالبيوع، لأنه عِوض، والبيع إنما هو مبادلة مالٍ بمال، ومبادلة منفعة بمنفعة، تبيع هذه السلعة وتأخذ مقابلها مالًا ثمنًا. السبب الثاني: أو يُلحق بالعبادة من حيث إنه لا ينبغي التواطؤ على إسقاطه وإنما هو أمرٌ واجب، وهذا بناه المؤلف على أنه شرط صحة، وإلا لو عَفت الزوجة عنه ففي هذه الحالة يُمَكن للأولياء. قوله: (أَمَّا الْقِيَاسُ الَّذِي يَقْتَضِي التَّحْدِيدَ فَهُوَ كَمَا قُلْنَا: إِنَّهُ عِبَادَة، وَالْعِبَادَاتُ مُؤَقَّتَةٌ). ليس هذا إطلاقًا فإن من العبادات ما هي مطلقة في التحديد. قوله: (وَأَمَّا الْأثَرُ الَّذِي يَقْتَضِي مَفْهُومُهُ عَدَمَ التَّحْدِيدِ فَحَدِيثُ

стр. 5662

سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ (١) وَفِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ، فَقَامَتْ قِيَامًا طَوِيلًا). الخلاف الذي اتجه إليه المؤلف كأنه خلاف بين قياس وبين أثر، فإذا وجد خلاف بين قياس وحديث صحيح فلا يُنظر إلى القياس في مثل هذا المقام، لأنه لا اجتهاد مع النص (٢)، لكن قد يكون النص غير ظاهر فيأتي القياس فيوضح بعض الأمور، ولكن النص هنا واضح، فالذين يقولون بأن المهر شرطٌ من شروط الصحة يقولون: هذا خاص بالرسول ﷺ لقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، لكن قضية أنها وهبت نفسها للرسول هذا أمر، أما وجود رجلٍ آخر يعرض على الرسول أن يزوجها له إن لم يكن فيها رغبة، هذا أمرٌ آخر؛ لأن هذا يختلف عن الرسول ﷺ ، ومحل الشاهد: في الحديث هو تزويج الرسول ﷺ هذه المرأة. قوله: (فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَوِّجْنِيهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلْ مَعَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا إِيَّاهُ؟ " فَقَالَ: مَا عِنْدِي إِلَّا إِزَارِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِيَّاهُ جَلَسْتَ لَا إِزَارَ لَكَ، فَالْتَمِسْ شَيْئًا"، فَقَالَ: لَا أَجِدُ شَيْئًا، فَقَالَ ﵊: "الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ"، فَالْتَمَسَ، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلْ مَعَكَ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآن؟ " قَالَ: نَعَمْ،

стр. 5663

سُورَةُ كَذَا وَكَذَا - لِسُوَرٍ سَمَّاهَا - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآن") (١). وهذا من حكمة رسول الله ﷺ وشفقته بأمته، فهذا الرجل عندما يأخذ هذا الإزار (٢) الذي هو بأمسِّ الحاجة إليه ولم يوجد عنده غيره يريد أن يُصدقها إياه، فمن أين له من إزارٍ يلبسه ويلتف به، والرسول الله ﷺ سأله: هل عندك شيءٌ آخر درعٌ مثلًا أو ثوب أو غير ذلك، قال: لا أجد شيئًا، وهنا قد يرد إشكال عند بعضنا الرسول ﷺ "نهى عن خاتم الذهب والحديد" (٣)، وقد ورد في ذلك عدة أحاديث وبيَّن الرسول ﷺ أن خاتم الحديد إنما هو حلية أهل النار، وهنا قال: "التمس خاتمًا من حديد؟ ". والجواب: هناك فرقٌ بين أن تلتمس شيئًا وبين أن تلبس شيئًا، فالنهي جاء على اللبس، وهذا كان في أول الأمر؛ يعني: قبل أن يرد النهي عن لبس خاتم الحديد، فالصحابة كانوا يلبسون خواتم الذهب حتى نهى الرسول ﷺ عن ذلك (٤). قوله: (قَالُوا: فَقَوْلُهُ ﵊: "الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ" (٥) دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَا قَدْرَ لِأَقَلِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ

стр. 5664

لَهُ قَدْرٌ لَبَيَّنَهُ؛ إِذْ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَان عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ). وهذه قاعدة أصولية: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة (١)، والرسول ﷺ مبلغ عن الله كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. والناس أحوج ما يكونون إلى معرفة الأحكام، وهذا حكمٌ مجمل فلو كان الأمر يقتضي البيان والتوضيح لبيَّنه الرسول ﷺ وهو أكثر الناس على أمته شفقة ورحمة بهم ومع ذلك قال: "التمس ولو خاتمًا من حديد"، ولو كان الأمر يخص الرجل كما ذكر البعض لبيَّنه الرسول ﷺ ، لكنه لم يُبيِّن فدلَّ ذلك على أن الحكم عام يشمل هذا الرجل وغيره. قوله: (وَهَذَا الاسْتِدْلَالُ بَيِّن كَمَا تَرَى مَعَ أَنَّ الْقِيَاسَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الْقَائِلُونَ بِالتَّحْدِيدِ لَيْسَ تَسْلَمُ مُقَدِّمَاتُهُ). القياس الذي اعتمده الحنفية والمالكية لا تسلم مقدماته؛ لأنه قياس شبه (٢) وهو ضعيف (٣)، والقياس المعتد به والمعتبر هو: قياس العلة (٤) وهو: إلحاق فرعٍ بأصلٍ في حكم لعلة تجمع بينهما. قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ انْبَنَى عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الصَّدَاقَ عِبَادةٌ). يريد المؤلف: أن يطعن في هذا القياس ويبيِّن أنه انبنى على مقدمتين

стр. 5665

ضعيفتين، ولكن الأقرب هو إلحاق المهر بالبيع؛ لأنه عِوض من الأعواض. قوله: (وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ الْعِبَادَةَ مُؤَقَّتَةٌ). ولذلك نجد أن الرسول ﷺ عندما جاءته امرأة تذكر له أن رجلًا أصدقها نعلين، قال لها: "أرضيتِ من نفسك ومالك"، قالت: نعم (١)، فأجاز ذلك الرسول ﷺ فدلَّ ذلك على أن الأصل فيه التيسير وأنه غير محدد. قوله: (وَفِي كِلَيْهِمَا نِزَاعٌ لِلْخَصْمِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يُلْفَى فِي الشَّرْعِ مِنَ الْعِبَادَاتِ مَا لَيْسَتْ مُؤَقَّتَةً). "يُلْفَى" أي: يوجد، فليست كل العبادات مؤقتة، فلك أنت تؤجلها، أو أن تقضيها في وقتٍ آخر، لكن هناك عبادات مؤقتة محددة بزمن كالصلوات المفروضة، لا يجوز لك أن تؤخرها، إلا أنت تكون معذورًا. قوله: (بَلِ الْوَاجِبُ فِيهَا هُوَ أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الاسْمُ). الاسم أنها عبادة، وقد ذكرنا في مسألة الرأس، بعضهم يقول: أقل ما ينطلق عليه الاسم، وبعضهم قال: لا، لا بد من تعميم الرأس، وهذا هو الصحيح لقصة الصحابي أن الرسول ﷺ بدأ بمقدمة رأسه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ به (٢)، وكذلك الوجه يعمم واليدان.

стр. 5666

قوله: (وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَبَهُ الْعِبَادَاتِ خَالِصًا، وَإِنَّمَا صَارَ الْمُرَجِّحُونَ لِهَذَا الْقِيَاسِ عَلَى مَفْهُومِ الْأثَرِ (١)؛ لاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْأَثَرُ خَاصًّا بِذَاكَ الرَّجُلِ). يريد المؤلف أن يقول: هذا القياس الذي بُنِي على مقدمتين ضعيفتين وهو في الأصل قياس شبه ضعيف، إنما أيَّدوا أو قوَّوا قياسهم بالاحتمال المتطرق للحديث، وهو أن يكون هذا خاصًّا بالرجل، والأصل في الأحكام أنها عامة (٢)، والأحكام التي تأتي إلى رسول الله ﷺ يدخل فيها المؤمنون إلا أن يُخص ﵊، كقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، فما بالك بحكمٍ يحصل أمام الرسول ﷺ في رجلٍ من المسلمين؛ لأنه لو كان خاصًّا لبيَّنَه الرسول ﷺ ؛ لأن واجبه البيان. قوله: (لِقَوْلِهِ فِيهِ: "قَدْ أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآن" (٣) وَهَذَا خِلَافٌ لِلأُصُولِ). قضية أخذ الأجرة على القرآن هذه المسألة مختلفٌ فيها، فالحنفية (٤)

стр. 5667

يمنعون ذلك وهي رواية للحنابلة (١)، وبعض العلماء يجيزون ذلك (٢)، ومن العلماء من يُفرِّق بين أخذ الأجرة وبين الزرق على هذه الأعمال (٣)، وهناك

стр. 5668

من يُفرِّق بين من وقف نفسه لهذا العمل، فالمسألة فيها خلاف معروف، وهذا الاختلاف أيضًا تطرق إلى مسألة المهر، هل يجوز أن يكون المهر تعليم القرآن، الحنفية يخالفون في ذلك وينازعون بدعوى أن تعليم القرآن ليس مالًا، والله تعالى يقول: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وهذا ليس مالًا، والعلماء الآخرون قالوا: لا، هذه أجرة والأجرة إنما يقابلها شيء.

стр. 5669

قوله: (وَإِنْ كَانَ قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ أَنَّهُ قَالَ: "قُمْ فَعَلِّمْهَا" (١)، لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ، فَقَامَ فَعَلَّمَهَا، فَجَاءَ نِكَاحًا بِإِجَارَة). على فرض أنه جاء في بعض الروايات: "قُمْ فَعَلِّمْهَا" هذا لا يدل على تحديد. قوله: (لَكِنْ لَمَّا الْتَمَسُوا أَصْلًا يَقِيسُونَ عَلَيْهِ قَدْرَ الصَّدَاقِ لَمْ يَجِدُوا شَيْئًا أَقْرَبَ شَبَهًا بِهِ مِنْ نِصَابِ الْقَطْعِ عَلَى بُعْدِ مَا بَيْنَهُمَا). بعدما أسسوا هذا القياس وبنوه على أصول ضعيفة وقواعد مُنخرمة فعادوا مرة أخرى وأشكل عليهم عندما جاؤوا للتحديد فليس في هذا تحديد، فبحثوا عن أمرٍ آخر أقرب شبهًا للنكاح، فقالوا: هذا المهر الذي يُدفع فيه استباحة للعضو؛ أي: فرج المرأة، كذلك أيضًا القطع فيه استباحة للعضو، وقضية الاستباحة فيها خلاف؛ لأن الاستباحة هي منافع المرأة عمومًا. قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ الْقِيَاسَ الَّذِي اسْتَعْمَلُوهُ فِي ذَلِكَ هُوَ أَنَّهُمْ قَالُوا: عُضْوٌ مُسْتَبَاحٌ بِمَالٍ). بمعنى: أنه جاز للرجل أن يطأ هذه المرأة مقابل هذا الصداق الذي دفعه لها. قوله: (فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّرًا، أَصْلُهُ الْقَطْعُ). يعني: قياسًا على القطع (٢)، فيقولون: حكمٌ فيه استباحة، لكن شتان بين الأمرين، فهذه استباحة على جهة التلذذ وذاك على جهة الرح والزجر

стр. 5670

والعقوبة، فهذا سرق فأصبحت يده مباحة للقطع، وهذا، حصل على تحكيم لشرع الله ونزولًا عند سنة رسول الله ﷺ . قوله: (وَضَعْفُ هَذَا الْقِيَاسِ هُوَ مِنْ قِبَلِ الاسْتِبَاحَةِ فِيهِمَا هِيَ مَقُولَةٌ بِاشْتِرَاكِ الاسْمِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَطْعَ غَيْرُ الْوَطْءِ). وضعف هذا القياس؛ لأنه اسمٌ مشترك، هنا إزالة وهنا إزالة، هنا استباحة وهنا استباحة، مجرد الاسم لا يكفي، هنا استباحة على جهة التلذذ والتمتع وهي أيضًا استجابة لشرع الله، وهناك إزالة لعضوٍ على جهة العقوبة والزجر، ومن أُزيل عضوه إنما هو خارج عن حدود الله، متعدٍ على شرعه، فشتان بين هذا وذاك. قوله: (وَأَيضًا فَإِنَّ الْقَطْعَ اسْتِبَاحَةٌ عَلَى جِهَةِ الْعُقُوبَةِ وَالْأَذَى وَنَقْصُ خِلْقَةٍ، وَهَدا اسْتِبَاحَةٌ عَلَى جِهَةِ اللَّذَّةِ وَالْمَوَدَّةِ، وَمِنْ شَأْنِهِ قِيَاسُ الشَّبَهِ عَلَى ضَعْفِهِ أَنْ يَكُونَ الَّذِي بِهِ تَشَابَهَ الْفَرْعُ وَالْأَصْلُ شَيْئًا وَاحِدًا لَا بِاللَّفْظِ بَلْ بِالْمَعْنَى). يعني: أن قياس الشبه ضعيف من أصل تركيبه (١)؛ لأن الشبه فيه غير واضح بين المقيس والمقيس عليه. قوله: (وَأَنَّ يَكُونَ الْحُكْمُ إِنَّمَا وُجِدَ لِلأَصْلِ مِنْ جِهَةِ الشَّبَهِ، وَهَذَا كُلُّهُ مَعْدُومٌ فِي هَذَا الْقِيَاسِ). يعني: الفريقين قد اختلفوا في أقل الصداق: * فالفريق الأول وهم الشافعية والحنابلة: يرون أنه لا حد لأقله وهو مذهب كثير من العلماء، فكل ما كان مالًا جاز أن يكون صداقًا. * وأما الفريق الثاني وهم الحنفية والمالكية: يخالفون في ذلك،

стр. 5671

وأنهم حدُّوه بقدرٍ اختلفوا فيه بسبب اختلافهم في القدر الذي تُقطع به يد السارق، لكنهم قاسوه على ذلك. قوله: (وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُ مِنَ الشَّبَهِ الَّذِي لَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ اللَّفْظ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْقِيَاسِ (١) مَرْدُودٌ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ). يقصد عند المحققين من الأصوليين (٢). قوله: (لَكِنْ لَمْ يَسْتَعْمِلُوا هَذَا الْقِيَاسَ فِي إِثْبَاتِ التَّحْدِيدِ الْمُقَابِلِ لِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ؛ إِذْ هُوَ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ). هذا القياس الذي تعرَّض له من قبلُ وهو: هل هو عِوض فيُلحق بالبيوع أو هو عبادة فيُلحق بغيره من العبادات فيكون مؤقتًا؟ فبيَّن ضعفه، وذكر القياس الآخر الذي هو القياس على حد السرقة وهو أيضًا قياس ضعيف؛ لأنه جامع الاستباحة في كلٍّ، والاستباحة أولًا غير مسلَّمة في غير الإطلاق ثم هناك فرقٌ بين استباحة تكون غايتها اللذة، وبين استباحة يكون غايتها إزالة هذا العضو الذي تجاوز الحد وارتكب حدًا من حدود الشريعة فكان سببًا في قطع هذا العضو. قوله: (وَإِنَّمَا اسْتَعْمَلُوهُ فِي تَعْيِينِ قِدْرِ التَّحْدِيدِ، وَأَمَّا الْقِيَاسُ الَّذِي اسْتَعْمَلُوهُ فِي مُعَارَضَةِ مَفْهُومِ الْحَدِيثِ فَهُوَ أَقْوَى مِنْ هَذَا، وَيَشْهَدُ لِعَدَمِ التَّحْدِيدِ مَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ: أَنَّ امْرَأَةً تَزَوَّجَتْ عَلَى نَعْلَيْنِ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَرَضِيتِ مِنْ نَفْسِكِ وَمَالِكِ بِنَعْلَيْنِ؟ " فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَجَوَّزَ نِكَاحَهَا. وَقَالَ: "حَدِيثٌ حَسَن صَحِيحٌ" (٣)).

стр. 5672

هذا الحديث حجة للذين يقولون بعدم التحديد؛ لأنه تأتي امرأة إلى رسول الله ﷺ وقد خطبها خاطب، فيسألها رسول الله ﷺ : "أرضيتِ من نفسك ومالك بنعلين؟ " فتقول: نعم، فيجيز ذلك. وجاء في الحديث الآخر أن رسول الله ﷺ قال: "لو أن رجلًا أعطى امرأة صداقًا ملء يديه طعامًا كانت له حلالًا" (١)، وهذا من الأحاديث التي يستدل بها على عدم التحديد. قوله: (وَلَمَّا اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالتَّحْدِيدِ عَلَى قِيَاسِهِ عَلَى نِصَابِ السَّرِقَةِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي نِصَابِ السَّرِقَةِ). يعني: المالكية والحنفية التقوا في الأصل وقاسوه على نصاب السرقة ليحددوا ذلك، لكنهم عندما أوجدوا هذا القياس اختلفوا بعد ذلك في القدر؛ لأنهم أصلًا يختلفون في القدر التي تُقطع فيه يد السارق، فالمالكية يقفون عند الحديث الصحيح الذي يلتقون فيه مع الشافعية والحنابلة في حد القطع وهو ربع دينار أو ثلاثة دراهم، لكن الحنفية يقولون: لا قطع في أقل من عشرة دراهم أو دينار؛ لأن الدينار يساوي عشرة دراهم، وعند الآخرين القطع فيما هو أقل من ذلك. قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (٢): هُوَ رُبُعُ دِينَارٍ أَوْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّهُ النِّصَابُ فِي السَّرِقَةِ عِنْدَه، وَقَالَ أبو حنيفة (٣): هو عشرة دراهم لِأنَّهُ

стр. 5673

النِّصَابُ فِي السَّرِقَةِ عِنْدَهُ وقال ابْنُ شُبْرُمَةَ (١): هُوَ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّهُ النِّصَابُ عِنْدَهُ أَيْضًا فِي السَّرِقَةِ). الأقوال في هذه المسألة كثيرة لكنها بحاجة إلى دليل، فمنهم من قال: لا يقل المهر عن خمسين درهمًا، ومنهم من قال: عن أربعين وعن عشرين، وسعيد بن المسيب زوَّج ابنته بدرهمين، وقال: "لو أصدقها سوطًا لكفاها". قوله: (وَقَدِ احْتَجَّتِ الْحَنَفِيَّةُ لِكَوْنِ الصَّدَاقِ مُحَدَّدًا بِهَذَا الْقَدْرِ بِحَدِيثٍ يَرْوُونَهُ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "لَا مَهْرَ بِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ" (٢)). هذا الحديث لو صحَّ لرفع النزاع؛ لأن (لا) نافية للجنس، و (مهر) نكرة، والنكرة في سياق النفي تعم (٣)، "لا مهر أقل"، وفي رواية: "بأقل من عشرة دراهم"، هذا مما يتمسك به الحنفية، لكنه حديث ضعيف، وما دام أنه حديث ضعيف فلا يصلح أن يكون حجة؛ ولذا فلا ينبغي أن يُعارض به الدليل الصحيح المتفق عليه الذي تمسك به الشافعية والحنابلة ومن معهم. قوله: (وَلَوْ كَانَ هذا ثَابِتًا لَكَانَ رَافِعًا لِمَوْضِعِ الْخِلَافِ؛ لِأنَّهُ كَانَ يَجِبُ لِمَوْضِعِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ يُحْمَلَ حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَلَى الْخُصُوصِ، وَلَكِنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ هَذَا ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ

стр. 5674

يَرْوِيهِ - قَالُوا - مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، وَمُبَشِّرٌ وَالْحَجَّاجُ ضَعِيفَانِ (١)، وَعَطَاءٌ أَيْضًا لَمْ يَلْقَ جَابِرًا، وَيذَلِكَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُعَارِضٌ لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ). الخلاف في تحديد أقل المهر كبير، ولكن هناك قضية ينبغي أن ننبه عليها: أنه ليس معنى كلام العلماء: أنه لا حد لأقله أنه يجوز أن يصدقها حبة شعير أو قمح أو حبة عنب أو تمرة وغير ذلك، ولكن ينبغي أن يكون متموَّنًا يستفاد منه أو ينبغي أن يكون شيئًا من النقدين. هذا أمر. الأمر الآخر: أن هناك محل إجماع بين العلماء، وهو ما يتعلق بأعلى المهر وأنه غير محدد وسبب إجماعِ العلماء على ذلك أن الله قال: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ [النساء: ٢٠]؛ ولذلك لما عزم عمر ﵁ أنه يتكلم في ذلك الأمر ويقول بالتحديد رجع عن ذلك فقد أُثر عن عمر ﵁ أنه قال: "أيها الناس لا تغلو الصداق فإنه لو كان مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله ﷺ ؛ فإن رسول الله ﷺ ما أصدق امرأةً من نسائه ولا أصدقت امرأةً من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية" (٢). هذا هو كلام عمر ﵁ هذا الرجل الذي وهبه الله تعالى فهم كتابه بجانب ما وهبه من البلاغة ودقة الوصف.

стр. 5675

قال في آخره ما معناه: "إن الرجل ليزاد عليه في المهر حتى ليترك ذلك أثرًا في نفسه"، وفي بعض الروايات: "أن ذلك يترك حقدًا في نفس ذلك الزوج"؛ ولأن هذا الزوج تجد أنه يشتري هذا وهذا فتتراكم عليه الديون هذا الذي أشار إليه عمر ﵁: "فلا تبالغوا في صَّدُقات النساء"، فهذا يترك أثرًا في نفس الزوج، فليس كل الناس عندهم قدرة، وليس كل الناس آباؤهم أغنياء لكي يساعدوهم، ولكن كثير من الناس لا يستطيعون، فينبغي أن يراعى ذلك. ثم قال عمر ﵁: "لو كان مكرمة (١) في الدنيا لكان أولاكم به رسول الله ﷺ ؛ لأن رسول الله كان أكرم الناس، وكان ﵊ أجود الناس، وكان أتقى الناس وأخشاهم لله تعالى، وقد نص على ذلك ﵊ في قوله: "إني لأتقاكم وأخشاكم لله" (٢). وكان عليه - الصلاة والسلام - أجود من الريح: "وكان أجود ما يكون في رمضان كان أجود بالخير من الريح المرسلة" (٣).
следующие страницы →