وأنهم حدُّوه بقدرٍ اختلفوا فيه بسبب اختلافهم في القدر الذي تُقطع به يد السارق، لكنهم قاسوه على ذلك.
قوله: (وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُ مِنَ الشَّبَهِ الَّذِي لَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ اللَّفْظ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْقِيَاسِ (١) مَرْدُودٌ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ).
يقصد عند المحققين من الأصوليين (٢).
قوله: (لَكِنْ لَمْ يَسْتَعْمِلُوا هَذَا الْقِيَاسَ فِي إِثْبَاتِ التَّحْدِيدِ الْمُقَابِلِ لِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ؛ إِذْ هُوَ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ).
هذا القياس الذي تعرَّض له من قبلُ وهو: هل هو عِوض فيُلحق بالبيوع أو هو عبادة فيُلحق بغيره من العبادات فيكون مؤقتًا؟ فبيَّن ضعفه، وذكر القياس الآخر الذي هو القياس على حد السرقة وهو أيضًا قياس ضعيف؛ لأنه جامع الاستباحة في كلٍّ، والاستباحة أولًا غير مسلَّمة في غير الإطلاق ثم هناك فرقٌ بين استباحة تكون غايتها اللذة، وبين استباحة يكون غايتها إزالة هذا العضو الذي تجاوز الحد وارتكب حدًا من حدود الشريعة فكان سببًا في قطع هذا العضو.
قوله: (وَإِنَّمَا اسْتَعْمَلُوهُ فِي تَعْيِينِ قِدْرِ التَّحْدِيدِ، وَأَمَّا الْقِيَاسُ الَّذِي اسْتَعْمَلُوهُ فِي مُعَارَضَةِ مَفْهُومِ الْحَدِيثِ فَهُوَ أَقْوَى مِنْ هَذَا، وَيَشْهَدُ لِعَدَمِ التَّحْدِيدِ مَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ: أَنَّ امْرَأَةً تَزَوَّجَتْ عَلَى نَعْلَيْنِ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَرَضِيتِ مِنْ نَفْسِكِ وَمَالِكِ بِنَعْلَيْنِ؟ " فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَجَوَّزَ نِكَاحَهَا. وَقَالَ: "حَدِيثٌ حَسَن صَحِيحٌ" (٣)).
стр. 5672
هذا الحديث حجة للذين يقولون بعدم التحديد؛ لأنه تأتي امرأة إلى رسول الله ﷺ وقد خطبها خاطب، فيسألها رسول الله ﷺ : "أرضيتِ من نفسك ومالك بنعلين؟ " فتقول: نعم، فيجيز ذلك.
وجاء في الحديث الآخر أن رسول الله ﷺ قال: "لو أن رجلًا أعطى امرأة صداقًا ملء يديه طعامًا كانت له حلالًا" (١)، وهذا من الأحاديث التي يستدل بها على عدم التحديد.
قوله: (وَلَمَّا اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالتَّحْدِيدِ عَلَى قِيَاسِهِ عَلَى نِصَابِ السَّرِقَةِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي نِصَابِ السَّرِقَةِ).
يعني: المالكية والحنفية التقوا في الأصل وقاسوه على نصاب السرقة ليحددوا ذلك، لكنهم عندما أوجدوا هذا القياس اختلفوا بعد ذلك في القدر؛ لأنهم أصلًا يختلفون في القدر التي تُقطع فيه يد السارق، فالمالكية يقفون عند الحديث الصحيح الذي يلتقون فيه مع الشافعية والحنابلة في حد القطع وهو ربع دينار أو ثلاثة دراهم، لكن الحنفية يقولون: لا قطع في أقل من عشرة دراهم أو دينار؛ لأن الدينار يساوي عشرة دراهم، وعند الآخرين القطع فيما هو أقل من ذلك.
قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (٢): هُوَ رُبُعُ دِينَارٍ أَوْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّهُ النِّصَابُ فِي السَّرِقَةِ عِنْدَه، وَقَالَ أبو حنيفة (٣): هو عشرة دراهم لِأنَّهُ
стр. 5673
النِّصَابُ فِي السَّرِقَةِ عِنْدَهُ وقال ابْنُ شُبْرُمَةَ (١): هُوَ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّهُ النِّصَابُ عِنْدَهُ أَيْضًا فِي السَّرِقَةِ).
الأقوال في هذه المسألة كثيرة لكنها بحاجة إلى دليل، فمنهم من قال: لا يقل المهر عن خمسين درهمًا، ومنهم من قال: عن أربعين وعن عشرين، وسعيد بن المسيب زوَّج ابنته بدرهمين، وقال: "لو أصدقها سوطًا لكفاها".
قوله: (وَقَدِ احْتَجَّتِ الْحَنَفِيَّةُ لِكَوْنِ الصَّدَاقِ مُحَدَّدًا بِهَذَا الْقَدْرِ بِحَدِيثٍ يَرْوُونَهُ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "لَا مَهْرَ بِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ" (٢)).
هذا الحديث لو صحَّ لرفع النزاع؛ لأن (لا) نافية للجنس، و (مهر) نكرة، والنكرة في سياق النفي تعم (٣)، "لا مهر أقل"، وفي رواية: "بأقل من عشرة دراهم"، هذا مما يتمسك به الحنفية، لكنه حديث ضعيف، وما دام أنه حديث ضعيف فلا يصلح أن يكون حجة؛ ولذا فلا ينبغي أن يُعارض به الدليل الصحيح المتفق عليه الذي تمسك به الشافعية والحنابلة ومن معهم.
قوله: (وَلَوْ كَانَ هذا ثَابِتًا لَكَانَ رَافِعًا لِمَوْضِعِ الْخِلَافِ؛ لِأنَّهُ كَانَ يَجِبُ لِمَوْضِعِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ يُحْمَلَ حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَلَى الْخُصُوصِ، وَلَكِنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ هَذَا ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ
стр. 5674
يَرْوِيهِ - قَالُوا - مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، وَمُبَشِّرٌ وَالْحَجَّاجُ ضَعِيفَانِ (١)، وَعَطَاءٌ أَيْضًا لَمْ يَلْقَ جَابِرًا، وَيذَلِكَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُعَارِضٌ لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ).
الخلاف في تحديد أقل المهر كبير، ولكن هناك قضية ينبغي أن ننبه عليها: أنه ليس معنى كلام العلماء: أنه لا حد لأقله أنه يجوز أن يصدقها حبة شعير أو قمح أو حبة عنب أو تمرة وغير ذلك، ولكن ينبغي أن يكون متموَّنًا يستفاد منه أو ينبغي أن يكون شيئًا من النقدين. هذا أمر.
الأمر الآخر: أن هناك محل إجماع بين العلماء، وهو ما يتعلق بأعلى المهر وأنه غير محدد وسبب إجماعِ العلماء على ذلك أن الله قال: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ [النساء: ٢٠]؛ ولذلك لما عزم عمر ﵁ أنه يتكلم في ذلك الأمر ويقول بالتحديد رجع عن ذلك فقد أُثر عن عمر ﵁ أنه قال: "أيها الناس لا تغلو الصداق فإنه لو كان مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله ﷺ ؛ فإن رسول الله ﷺ ما أصدق امرأةً من نسائه ولا أصدقت امرأةً من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية" (٢). هذا هو كلام عمر ﵁ هذا الرجل الذي وهبه الله تعالى فهم كتابه بجانب ما وهبه من البلاغة ودقة الوصف.
стр. 5675
قال في آخره ما معناه: "إن الرجل ليزاد عليه في المهر حتى ليترك ذلك أثرًا في نفسه"، وفي بعض الروايات: "أن ذلك يترك حقدًا في نفس ذلك الزوج"؛ ولأن هذا الزوج تجد أنه يشتري هذا وهذا فتتراكم عليه الديون هذا الذي أشار إليه عمر ﵁: "فلا تبالغوا في صَّدُقات النساء"، فهذا يترك أثرًا في نفس الزوج، فليس كل الناس عندهم قدرة، وليس كل الناس آباؤهم أغنياء لكي يساعدوهم، ولكن كثير من الناس لا يستطيعون، فينبغي أن يراعى ذلك.
ثم قال عمر ﵁: "لو كان مكرمة (١) في الدنيا لكان أولاكم به رسول الله ﷺ ؛ لأن رسول الله كان أكرم الناس، وكان ﵊ أجود الناس، وكان أتقى الناس وأخشاهم لله تعالى، وقد نص على ذلك ﵊ في قوله: "إني لأتقاكم وأخشاكم لله" (٢). وكان عليه - الصلاة والسلام - أجود من الريح: "وكان أجود ما يكون في رمضان كان أجود بالخير من الريح المرسلة" (٣).
стр. 5676
إذن عمر ﵁ بَيَّن أن الزيادة في المهور سيترك أثرًا غير طيب في نفس المتزوج، فليس معنى أن العلماء بيَّنوا أنه لا حد لأعلاه أن يتنافس المتنافسون فيه، وإنما ينبغي أن تكون المنافسة بالتقليل منه لا بالزيادة فيه.
قوله: (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَمَّا جِنْسُهُ: فَكُلُّ مَا جَازَ أَنْ يُتَمَلَّكَ وَأَنْ يَكُونَ عِوَضًا).
يعني: المهر يصح من كل شيء يجوز أن يباع ويشترى وكذلك ما يجوز للإنسان أن يتملك به فيدفع من النقدين، وكذلك من القمح والشعير وغير ذلك، لكن ينبغي أن يكون معينًا وأن يكون معلوم الجنس، وقضية الوصف هي التي فيها الخلاف.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَكَانَيْنِ: فِي النِّكَاحِ بِالْإِجَارَةِ، وَفي جَعْلِ عِتْقِ أَمَتِهِ صَدَاقَهَا، أَمَّا النّكَاحُ عَلَى الْإِجَارَةِ فَفِي الْمَذْهَبِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ (١): قَوْلٌ بِالْإِجَازَةِ، وَقَوْلٌ بِالْمَنْعِ، وَقَوْلٌ بِالْكَرَاهَةِ).
يعني: هل يجوز أن يكون المهر إجارة؟ والإجارة أنواع؛ لأنه قد يكون المؤجر ولي المهر كما في قصة شعيب كما قال الله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]، وربما يكون الذي استأجره المرأة؛ لأن المرأة قد تكون غنية.
فاستئجار المرأة للرجل على نوعين:
النوع الأول: أن تستأجره لخدمتها في المنزل، وهذا له حكم وفيه
стр. 5677
خلاف بين العلماء (١).
النوع الثاني: أن تستأجره على مالها كأن يرعى غنمها أو يسقي مزارعها، إلى غير ذلك.
فهذه المسألة من حيث الجملة اختلفوا باعتبار الصداق إجارة فمنهم من أجاز ومنهم من منع.
قوله: (والْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ الْكَرَاهَةُ؛ وَلِذَلِكَ رَأَى فَسْخَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَأَجَازَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ أَصْبُغُ (٢) وَسُحْنُونٌ (٣). وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (٤)، وَمَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ (٥) وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَّا فِي الْعَبْدِ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَجَازَه (٦)).
أي: في مذهب مالك، وهذا القول بالإجازة هو مذهب الحنابلة (٧)،
стр. 5678
وبعض العلماء كره أن يكون الزوج تستأجره المرأة لخدمتها في بيتها لكن لو كان في أعمالها فلا كراهة في ذلك.
لماذا فرق أبو حنيفة بين العبد وبين الحر؟
والجواب: لأن الحر يرى أن خدمته لا تكون مالًا، وأما العبد فإنه مال يباع ويشترى فمن هنا فرق بين العبد وغيره، وهي أيضًا الرواية القوية في مذهب أحمد (١)، أما الإمامان أحمد والشافعي فيجيزان ذلك كما سيذكر المؤلف، فمعنى كلامه أن الشافعي وأحمد يُجيزان الإجارة؛ يعني: أن يكون المهر إجارة.
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ سَبَبَان: أَحَدُهُمَا: هَلْ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا لَازِمٌ لنَا (٢) حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى ارْتِفَاعِهِ؟ أَمِ الْأمْرُ بِالْعَكْسِ؟ فَمَنْ قَالَ: هُوَ لَازِمٌ - أَجَازَه، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧] الْآيَةَ. وَمَنْ قَالَ: لَيْسَ بِلَازِمٍ - قَالَ: لَا يَجُوزُ النِّكَاحُ بِالْإِجَارَةِ).
الآية في قصة موسى مع شعيب والقصة مذكورة مفصلة في كتاب الله :
أولًا: موسى ﵇ تعلمون ما حدث له في مصر وأنه خرج منها خائفًا يترقب وذهب إلى المكان الذي يقيم فيه شعيب ﵇ وأنه وقف عند الماء ورأى امرأتين تذودان، وقال لهما: ما خطبكما؟ قالتا:
стр. 5679
لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فدعا ربه قال: رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير فذهبتا وقص لأبيهما فاستدعاه وقال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾، وقد تزوج موسى ﵇ وعقد على زوجته وخرج بها كما جاء في بقية الآيات، فكلام المؤلف معناه: هذا حصل في شرع من قبلنا وهذه مسألة أصولية معروفة.
ويستدلون بدليل آخر: وهو من السنة وهو ما جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: "أدُّوا علائق (١) القوم" قيل: يا رسول الله وما العلائق؟ قال: "ما تراضى عليه الأهلون ولو قضيب من أراك" (٢).
والصداق له عدة أسماء منها العلائق، فيحتمل أن يقدم مباشرة أو أن يكون نتيجة إجارة ما تراضى عليه الأهلون، فلو تراضوا على مهر مقدم أو تراضوا على أجرة فكلاهما جائز إلى جانب الآية التي أوردها المؤلف.
قوله: (وَالسَّبَبُ الثَّانِي: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَاسَ النِّكَاحُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْإِجَارَةِ؟ وَذَلِكَ أَنَّ الإِجَارَةَ هِيَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ بُيُوعِ الْغَزَرِ الْمَجْهُولِ).
هذه القضية التي يتحدث عنها المؤلف قضية مهمة تتعلق ببعض مسائل الفقه الإسلامي: كالإجارة والجعالة، وهناك عدة أحكام يذكرها العلماء ويقولون: بأنها جاءت على خلاف القياس، وأنها جاءت مستثناة في الشريعة الإسلامية، ومن العلماء الأعلام الذين حققوا في هذه المسألة وبَيَّنوا أنَّه لا يوجد قياس صحيح يتعارض مع نص صحيح (٣).
стр. 5680
وأن مثل هذه الأمور لم تأت على خلاف القياس، وإنما جاءت على وفق القياس ولكن قوله: استثني منها بعض الأشياء هذا من باب التيسير على الناس فشريعتنا الإسلامية الخالدة بُنيت على أسس وقواعد، ومن هذه القواعد التيسير ورفع الحرج (١)، والرسول ﷺ ما خُير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا (٢). وقال: "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا" (٣). والأدلة في ذلك كثيرة.
إذن هذه الشريعة قامت على التيسير والتخفيف كما قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٨]، فكون الصداق يكون نتيجة إجارة فيلتقي بذلك مع روح الشريعة ولا يتعارض معها.
وأما دعوى أن الإجارة استثنيت كبعض الأحكام الأخرى فهذا حقيقة غير وارد؛ لأن الإجارة إنما أقرت ببعض المصالح، والشريعة بُنيت على مراعاة مصالح الناس، وهذا أصل من الأصول، فالذين قالوا باعتبار الإجارة هم أقرب إلى روح هذه الشرعية وإلى مقاصدها التي استمدت من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ ، والإجارة تختلف عن الملك؛ لأنها عقد على المآل، وبعض الناس يفهم أن الإجارة جاءت على خلاف
стр. 5681
القياس، وهي في الحقيقة لم تأت على خلاف القياس، وإنما جاءت لتلتقي مع روح هذه الشريعة ويسرها وسماحتها ومراعاتها لأحوال الناس ومصالحهم.
قوله: (وَلِذَلِكَ خَالَفَ فِيهَا الْأَصَمُّ (١) وَابْنُ عُلَيَّةَ (٢)، وَذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ التَّعَامُلِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى عَيْنٍ مَعْرُوفَةٍ ثَابِتَةٍ فِي عَيْنٍ مَعْرُوفَةٍ ثَابِتَةٍ. وَالْإِجَارَةُ هِيَ عَيْنٌ ثَابِتَةٌ فِي مُقَابَلَتِهَا حَرَكَاتٌ وَأَفْعَالٌ غَيْرُ ثَابِتَةٍ وَلَا مُقَدَّرَةٍ بِنَفْسِهَا).
ابن علية والأصم لا اعتبار بهما؛ لأنهما يُشددان ويُخالفان العلماء، ولذلك نجد أن العلماء المحققين كابن قدامة (٣) وابن المنذر وابن عبد البر والنووي (٤) إذا ذكروا هذين الاثنين قالوا: ولا يعتد بقولهما؛ لأنهما يُشددان في مثل هذه المسائل.
يعني: عندما تستأجر سيارة لمدة كذا وتُحمل عليها ركاب، قد يكون هذا العمل غير مُقدر، ولكنه في الغالب معروف، لكن لو أنك زدت على السيارة في الحمولة تكون بذلك قد تجاوزت الحد فتعاقب على ذلك،
стр. 5682
ولكن شرعت الإجارة لمصلحة الناس والذي أقر بذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ [القصص: ٢٦].
وجاءت أحاديث رسول الله ﷺ في الإجارة وعمل بذلك الصحابة ﵃ وعمل بها المسلمون إلى يومنا هذا، فالإجارة ثابتة في الكتاب والسنة، وأجمع العلماء عليها (١)، وكون منافع هذه الإجارة أنها عقد على المنافع لا يلزم حقيقة أن تعرف جزئياته وما يترتب عليها؛ لأنه قد تحصل أمور لا يدركها الإنسان وهذا قد يحصل في المساقاة والمزارعة وقد يحصل في النكاح.
قوله: (وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ مَتَى تَجِبُ الْأُجْرَةُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ) (٢).
هذه مسألة خلافية هل يحصل على الأجرة في مقدمة الأمر أو في وقته، والإجارات تختلف من حال إلى حال لكن لو قُدمت الأجرة أو أخرت أو جزئت كل ذلك جائز؛ لأنه مما يتفق عليه المؤجر والمستأجر.
стр. 5683
قوله: (وَأَمَّا كَوْنُ الْعِتْقِ صَدَاقًا فَإِنَّهُ مَنَعَهُ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ).
العلماء قد اختلفوا هل يجوز أن تكون الإجارة مهرًا؟ بمعنى: أن يُستأجر هذا الزوج ليعمل عملًا من الأعمال إما للزوجة وإما لولي الزوجة.
وقد يسأل سائل يقول: كيف يعمل لولي الزوجة وهي صاحبة الحق في ذلك؟ هذه مسألة معروفة بين العلماء وقد يسأل سائل هل للأب أن يأخذ شيئًا من ذلك؟
والجواب: العلماء مختلفون أن للوارث أَبًا وأُمًّا أن يحسب له ذلك على خلاف في المسألة، والذين يجيزون ذلك؛ لأنه جاء في الأحاديث: "أنت ومالك لأبيك" (١) وقوله ﷺ : "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه" (٢)، هذا فيما يتعلق بالإجارة لكننا نقول: يجوز أن تكون الإجارة على شيء معلوم، ولا فرق أن يكون عمله للمرأة أو لولي أمرها وهذا من التيسير وكان معروفًا فيما مضى، فهذه الأجرة أصلها تؤول إلى المال؛ فالإنسان يستحق مقابل العمل مال هذا الذي يعمل يستحق لكنه سيزوجه ابنته.
قوله: (مَا عَدَا دَاوُدَ (٣) وَأَحْمَدَ (٤)).
стр. 5684
وهذا حقيقة تقصير من المؤلف ليس داود وأحمد وحدهما، إنما هذا قال به جمع من العلماء؛ فقد نُقل عن التابعين كسعيد بن المسيب والزهري وطاوس وإبراهيم النخعي ومن الأئمة الأوزاعي والثوري وإسحاق بن رهوايه (١) وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة (٢)؛ فمن الأولى أن يقول ما عدا أحمد وداود وغيرهم (٣)، لكن المؤلف يشير أنه انفرد أحمد وداود بذلك.
لكن لا ينبغي أن نضع أعيننا على أن الحق ليس دائمًا في صف الأغلبية إنما الحق مع من يكون عنده حجة من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ ، وإذا كان رسول الله ﷺ قد طبق ذلك وعمل به عندما أعتق صفية وجعل صداقها عتقها (٤). فهذا نص حديث متفق عليه بل في "الصحيحين" وغيرهما في كثير من الكتب من "السنن" و"مسند أحمد" وغير ذلك، أما التعليل الذي ذكره المؤلف فهذا لا يؤثر على الحكم في المسألة؛ لأن هذه المسألة منصوص عليها ولا اجتهاد مع النص (٥).
стр. 5685
ولا ينبغي أن يشق علينا أو يزعجنا أن نرى أئمتنا يقولون في قول ونرى دليلًا على خلافه؛ لأن هؤلاء لهم وجهة، ولكن الخطأ من يتبع قولًا يرى أنه مرجوح ويرى الخطأ في غيره، لكن الأئمة ﵁ كلهم مجتهدون ويريدون الوصول إلى الحق من أقرب طريق ومن أهدى سبيل، ولذلك الإمام الشافعي بَيَّن أنه ما ناظر أحدًا وتمنى أن ينتصر عليه ولكنه تمنى أن يظهر الله الحق إما على يديه هو أو على يد خصمه (١)، فالغاية أن الحق يظهر هكذا كان شأن العلماء. لكن الآن تجد من ينتصر للرأي الذي يميل إليه أو للمذهب الذي يتمذهب به، ونحن لا نقول نترك المذاهب لا ولكن ينبغي أن نتمسك بها وندرسها دراسة جيدة؛ لأن هؤلاء الأئمة أفنوا أعمارهم واجتهدوا واستنبطوا من كتاب الله وسنة رسوله ثم خَرَّجوا لنا هذه الأحكام.
وعندما يقول الحنابلة مثلًا: كل جلد الميتة دبغ فهو نجس فليس معنى هذا أنني أتعصب لمذهب الحنابلة وأخالف قول الرسول ﷺ "أيما إهاب دبغ فقد طهر" (٢)، أو قوله: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر هلا انتفعتم بجلدها" (٣). ليس كذلك، وعندما أجد رأيًا في مذهب مالك، وأجد أن الدليل على خلافه أو في مذهب أبي حنيفة أو الشافعي، ولذلك الشافعي وضع قاعدة وقال: "إذا صح الحديث فهو مذهبي" (٤).
стр. 5686
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ الْأَثَرِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ لِلأصُولِ؛ أَعْنِي: مَا ثَبَتَ مِنْ أَنَّهُ ﵊ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا).
معارضة الأثر: "أن الرسول ﷺ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها" (١)، والرسول ﷺ فعل ذلك بمشهد من المؤمنين وعرفوا ذلك وانتشر بينهم ولم يقل الرسول أن هذا أمر يخصني، فالأصل أن ذلك له ولغيره من المؤمنين، وهناك مسائل اختلف فيها العلماء هل هي خاصة بالرسول، أم لا؟ كالركعتين بعد العصر (٢) وغير ذلك من المسائل.
قوله: (مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ هَذَا خَاصًّا بِهِ ﵊؛ لِكَثْرَةِ اخْتِصَاصِهِ فِي هَذَا الْبَابِ وَوَجْهُ مُفَارَقَتِهِ لِلأصُولِ أَنَّ الْعِتْقَ إِزَالَةُ مِلْكٍ وَالْإِزَالَةُ لَا تَتَضَمَّنُ اسْتِبَاحَةَ الشَّيْءِ بِوَجْهٍ آخَرَ).
يعني: العتق إنما هو إزالة ملك، وإذا زال العتق أصبح الإنسان حرًّا
стр. 5687
فكيف يشترط أن يكون هذا صداقًا؟ يشترط المولى على مولاته أن عتقها صداقها ورضيت بذلك وانتهى الأمر.
قوله: (لِأَنَّهَا إِذَا أُعْتِقَتْ مَلَكَتْ نَفْسَهَا فَكَيْفَ يُلْزِمُهَا النِّكَاحَ؟).
المسألة ليست عن أنه يلزمها النكاح ولا غيره، إنما هل يجوز أن يعتق المالك مملوكته ويجعل عتقها صداقها؟
والجواب: نعم كما دل الحديث على ذلك، لكن هل يلزم هذه مسألة متفرعة.
قوله: (وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ (١): إِنَّهَا إِنْ كَرِهَتْ زَوَاجَهُ غَرِمَتْ لَهُ قِيمَتَهَا؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّهَا قَدْ أُتْلِفَتْ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا؛ إِذْ كَانَ إِنَّمَا أَتْلَفَهَا بِشَرْطِ الاسْتِمْتَاعِ بِهَا).
وهذا، كلام سديد للمصنف ﵀؛ لأن هذا القول يخالف مذهبه فيصدع بقول الحق أينما كان.
قوله: (وَهَذَا كُلُّهُ لَا يُعَارَضُ بِهِ فِعْلُهُ ﵊).
لأنه الأحكام تتلقى من كتاب الله كما قال: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤٢]، ومن السنة الصحيحة التي جاءت عن رسول الله ﷺ إما قولًا أو فعلًا أو تقريرًا، فهذا هو فعل رسول الله ﷺ ، وقد صح الحديث الثابت في "الصحيحين" وفي غيرهم وهو صريح الدلالة فينبغي الوقوف عنده.
стр. 5688
قوله: (وَلَوْ كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ لِغَيْرِهِ لَبَيَّنَهُ ﵊).
يريد المؤلف أن يقول: الرسول أعتق صفية وجعل عتقها صداقها، وهذا أمر شاع بين الصحابة ﵃ وتلقوا ذلك وعلموه، ولو كان ذلك خاصًّا برسول الله ﷺ لبَيَّنه للصحابة الذين يتلقون عن رسول الله، لكن الرسول ﷺ لم يبين ذلك فدل ذلك على أن الحكم له ولغيره ﵊.
قوله: (وَالْأَصْلُ أَنَّ أَفْعَالَهُ لَازِمَةٌ لَنَا، إِلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى خُصُوصِيَّتِهِ).
هذا هو الأصل أن أفعاله لازمة (١)، لكن لا يفهم من هذا أن أفعاله كلها واجبة؛ لأن منها الواجبة ومنه النافلة، وكذلك أفعاله ﵊، لكن قول المؤلف أن الأحكام الثابتة عن رسول الله ﷺ هي أحكام نأخذ بها ولا نقول إنها خاصة بالرسول إلا ما قام الدليل على خصوصيته للرسول ﵊.
قوله: (وَأَمَّا صِفَةُ الصَّدَاقِ).
انتقل المؤلف إلى مسألة أخرى مهمة تتعلق بالمهر، والمهر عين، لكن هذه العين هل ينبغي أن يُعرف جنسها، وأن تكون موصوفة أم لا؟ فلو مثلًا أصدقها حيوانًا من بهيمة الأنعام إذن هو عين لكننا لا نعرف الجنس ولا الوصف، ولو عرفنا الجنس هل يكفي؟ يعني: نقول شاة فعرفنا أنه من بهيمة الأنعام وحدد لنا الجنس أنه شاة فهل يكفي ذلك أم لا بد أن يكون وصفًا يقتصر به على معرفة العين التي يراد جنسها؟ فكأننا تجاوزنا عن الوصف، وعدم الوصف تقوم به الجهالة فهل الجهالة هنا معتبرة أو غير
стр. 5689
معتبرة بمعنى أن: المهر لو كان مجهولًا هل يصح أم لا؟ أو أن هناك تفصيلًا فرق بين الجهالة اليسيرة وبين الجهالة غير اليسيرة هذا ما يتطرق إليه المؤلف إجمالًا.
قوله: (فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى انْعِقَادِ النِّكَاحِ عَلَى الْعِوَضِ الْمُعَيَّنِ الْمَوْصُوفِ) (١).
اتفقوا العلماء على انعقاد النكاح على العوض المعين؛ أي: يذكر حيوان ويبين جنسه ونوعه؛ يعني: أنه حيوان هو من بهيمة الأنعام ويصف هذا الحيوان وصفًا دقيقًا هذا لا إشكال فيه ولا خلاف؛ لأنه عرفت العين والجنس وكذلك وصف لنا هذا المهر، لكن قد تذكر العين ولا يذكر الجنس ولا الوصف، وقد تذكر العين ويذكر السن كما ذكرت لكم يحدد نوع بهيمة الأنعام هل هي حلوب أو غير حلوب سنها شكلها هذه كلها أوصاف نحتاج إلى بيانها.
قوله: (أَعْنِي: الْمُنْضَبِطَ جِنْسُهُ وَقَدْر بِالْوَصْفِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِوَضِ الْغَيْرِ مَوْصُوفٍ وَلَا مُعَيَّن).
"واختلفوا في العوض الغير موصوف ولا معيَّن" يعني: الغير معروف الجنس والوصف.
قوله: (مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: أَنْكَحْتُكَهَا عَلَى عَبْدٍ أَوْ خَادِمٍ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِفَ ذَلِكَ وَصْفًا يَضْبُطُ قِيمَتَه، فَقَالَ مَالِكٌ (٢)، وَأَبُو حَنِيفَةَ:
стр. 5690
يَجُوزُ (١). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ) (٢).
يعني: ما نوع العبد، وما نوع الخادم؟ لا بد أن يذكر هذا العبد هل هو مسن، وهل هو صحيح، أو مريض؟ وكذلك الخادم وهل هذا الخادم يجيد صنعة من الصناعات أو لا يجيد صنعة؛ يعني: نحتاج إلى وصف ذلك إذن لو قال: أصدقت عبدًا، لكن لو قال: أصدقت عبدًا من عبيدي هذا هو الذي يقع فيه الخلاف، لو قال: فرسًا مثلًا مما هو عندي أو دارًا من أو غير ذلك ولم يحدد فهذا فيه الجهالة موجودة، لكن من حيث الجملة الجهالة اليسيرة متفق عليها متى عين وذكر الجنس ففي هذه الحالة لا يُشترط أن يكون الوصف دقيقًا والمسألة فيها خلاف.
فالشريعة متسامحة في عدة أمور، لكن لا تتسامح في أمور يكون فيها تعطيل في حكم من أحكام الله أو في ترك عبادة من العبادات الواجبة يترتب عليه إخلال في طاعة العبد لربه، ولا يترتب عليه إلحاق ضرر بعبد من عبيد الله كما قال ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (٣)، ولكن الآن كثرت الأمور وتنوعت وجدت ولما جدت هذه الأمور، احتاجت لبعض الأحكام هذه الشريعة وقفت عند هذه الأمور؟
والجواب: هذه الشريعة تستوعب كل ما يحتاج إليه الناس؛ لأنها شريعة خالدة شاملة تسير مع الإنسان في أيِّ وقت وفي أيِّ زمن فهي معك
стр. 5691
في سفرك، وفي حضرك، وفي حالة نومك ويقظتك، وفي حالة رضاك وغضبك، وفي أي حال من الأحوال، ولذلك ما توفي رسول الله ﷺ إلا وقد بين كل أمر فيه مصلحة للناس؛ لأن الله تعالى قال وقوله الحق: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فقال مالك وأبو حنيفة: يجوز وهي أيضًا رواية مع الإمام أحمد (١).
قول: (وَإِذَا وَقَعَ النِّكَاحُ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ عِنْدَ مَالِكٍ كَانَ لَهَا الْوَسَطُ مِمَّا سَمَّى) (٢).
وفي قضية الوسطية معه الحنابلة على الرواية الأخرى (٣)؛ يعني: عندما يحصل فإنه يرجع إلى الوسط إذن "لا ضرر ولا ضرار" (٤)؛ لأن الشريعة الإسلامية تراعي الحق وتراعي جانب الضعيف، وهذا مشاهد في كثير من أحكام الشريعة الإسلامية.
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُجْبَرُ عَلَى الْقِيمَةِ (٥)، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هَلْ يَجْرِي النِّكَاحُ فِي ذَلِكَ مَجْرَى الْبَيْعِ مِنَ الْقَصْدِ فِي التَّشَاحِّ (٦)؟ أَوْ
стр. 5692
لَيْسَ يَبْلُغُ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ، بَلِ الْقَصْدُ مِنْهُ أَكْثَرُ ذَلِكَ الْمُكَارَمَةُ؟ فَمَنْ قَالَ: يَجْرِي فِي التَّشَاحِّ مَجْرَى الْبَيْعِ - قَالَ: كمَا لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ عَلَى شَيْءٍ غَيْرِ مَوْصُوفٍ، كذَلِكَ لَا يَجُوزُ النِّكَاحُ. وَمَنْ قَالَ: لَيْسَ يَجْرِي مَجْرَاهُ؛ إِذِ الْمَقْصُودُ مِنْهُ إِنَّمَا هُوَ الْمُكَارَمَةُ - قَالَ: يَجُوزُ).
العلماء اختلفوا في هذه المسألة؛ لأنهم لم يجدوا نصًّا صريحًا، وإنما جاء تسمية الصداق نوعه وصفته ولم تذكر مبينة، كما أن البيع يشترط فيه ارتفاع الجهالة فلا بد أن يكون موصوفًا، لكن قد يُتسامح في بعض الأمور كأن يبيعه دارًا ولا يشترط أن يعرف أساسها أو أصلها؛ لأن هذا مما يشق فهذا مما عوفي عنه، لكن لا بد من وجود الوصف المنضبط في الأمور الظاهرة؛ يعني: المقصود منه كالحال في بيع التشاح، أو أنه بنى علي الكرم والتسامح؛ ولذلك نجد أن الله يقول: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، فعلى الرغم من كونه واجبًا، لكنه ينبغي أن يدفعه الزوج إلى الزوجة صادرًا عن طيب نفس.
قوله: (وَأَمَّا التَّأْجِيلُ فَإِنَّ قَوْمًا لَمْ يُجِيزُوهُ أَصْلًا) (١).
هذه المسألة فرعية أدرجها المؤلف ضمن مسألة أخرى، المراد بالتأجيل يعني: هل يشترط في المهر الذي يتقرر أن يكون معجلًا أن يدفع مقدمًا هذا هو الأصل، أو يجوز أن يقدم بعضه ويؤخر بعضه الآخر على اتفاق بينهما؛ أي: أن المال يُقدم نصفه ويترك نصفه الآخر إلى ما بعد فترة، أو أن يقدم بعضه ويترك البعض الأكثر، أو العكس، أو هل له أن يؤجله جميعًا؛ إذن هناك صور ثلاثة:
стр. 5693
الصورة الأولي: تقديم أن يكون حالًّا؛ أي: معجلًا يسميه الفقهاء ويعبرون عنه بالتعجيل.
الصورة الثانية: أن يكون مؤجلًا؛ أي: مؤخرًا.
الصورة الثالثة: أن يكون بعضه معجلًا والبعض الآخر مؤجلًا، وهذه فيها خلاف بين العلماء.
قوله: (وَقَوْمٌ أَجَازُوهُ وَاسْتَحَبُّوا أَنْ يُقَدِّمَ شَيْئًا مِنْهُ إِذَا أَرَادَ الدُّخُولَ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ) (١).
وفي مذهب الحنابلة (٢) يجوز في الصداق أن يكون معجلًا وأن يكون مؤجلًا، وأن يكون بعضه معجلًا وبعضه مؤجلًا، هذا معروف في المذهب وهو مسلَّم عندهم، ومذهب المالكية (٣) أيضًا قريب من هذا، والشافعية قريب (٤) "لأن فيه تفصيلًا يفرقون بين العين والدين؛ فهم يرون في الدين أن يكون مؤجلًا، أما العين فإنه يكون معجلًا، وبعض الفقهاء (٥) يتفقون على أنه إذا أطلق؛ يعني: اتفق على الصداق، ولم يبين أهو مُعجل، أو مؤجل فإنه يكون حالًّا في الحال، لأن هذا هو الأصل فيه، ولكننا نقول: هذا يرجع إلى حال الزوجين فالأولى في
стр. 5694
الصداق أن يكون مُعجلًا مُقدمًا؛ لتستفيد منه المرأة في حاجاتها فإنها تحتاج إلى أن تجهز نفسها، ويحتاج إلى ذلك أهلها، وإن أجَّل فلا بأس في ذلك إذ لم يرد ما يمنعه، ولو دفع بعضه مقدمًا وأخَّر بعضه، وهذا ما يتعامل به الناس فذلك أيضًا جائز.
قوله: (وَالَّذِينَ أَجَازُوا التَّأْجِيلَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُجِزْهُ إِلَّا لِزَمَنٍ مَحْدُودٍ، وَقَدَّرَ هَذَا الْبُعْدَ. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ (١). وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ لِمَوْتٍ أَوْ فِرَاقٍ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ (٢)).
في مذهب مالك عدة روايات؛ يعني: المراد أنه يجوز تأجيله، لكن إلى أن يحصل الفراق أو الموت.
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ يُشْبِهُ النِّكَاحُ البَيْعَ فِي التَّأجِيلِ؟ أَوْ لَا يُشْبِهُهُ؟ فَمَنْ قَالَ: يُشْبِهُهُ - لَمْ يُجِزِ التَّأْجِيلَ لِمَوْتٍ أَوْ فِرَاقٍ. وَمَنْ قَالَ: لَا يُشْبِهُهُ - أَجَازَ ذَلِكَ. وَمَنْ مَنَعَ التَّأْجِيلَ فَلِكَوْنِهِ عِبَادَةً).
ذاك أمر يختلف نعم هو يشبه البيع، لكنه في الحقيقة يختلف عنه كما ذكر المؤلف بأن الظاهر فيه المكارمة، وأنه في الأصل يُدفع عن طيب نفس، ولذلك لو قُدم، أو أُخر فذلك جائز.
стр. 5695
[الْمَوْضِعُ الثَّانِي: فِي تَقَرُّرِ جَمِيع الصداق لِلزَّوْجَةِ]
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الْمَوْضِعُ الثَّانِي: فِي النَّظَرِ فِي التَّقَرُّرِ)
يتقرر هذا الصداق؛ لأن الصداق قد يُسمى في العقد وهذا لا إشكال فيه، وهذا ما يعرف بالتفويض، وربما لا يُسمى ولكنه يتحدد، يتقرر؛ أي: ثبوته وإقراره.
قوله: (وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الصَّدَاقَ يَجِبُ كُلُّهُ بِالدُّخُولِ أَوِ الْمَوْتِ (١)، وَأَمَّا وُجُوبُهُ كُلُّهُ بِالدُّخُولِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: (﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ
стр. 5696
زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] الْآيَةَ).
مراد المؤلف: أنه يجب بالدخول أو الموت هذا إذا صاحب الدخول المسيس أو الجماع، أما إذا اقتصر على الخلوة فهنا سيأتي الخلاف الذي سيذكره المؤلف وسنبين القول فيه إن شاء الله.
قوله: (وَأَمَّا وُجُوبُهُ بِالْمَوْتِ فَلَا أَعْلَمُ الْآنَ فِيهِ دَلِيلًا مَسْمُوعًا إِلَّا انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ).
هذه المسألة أجمع عليها العلماء، والخلاف فقط بينهم إذا مات ولم يُسمِّ الصداق، وسيأتي قول عبد الله ابن مسعود في ذلك.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا هَلْ مِنْ شَرْطِ وُجُوبِهِ مَعَ الدُّخُولِ الْمَسِيسُ (١)؟ أَمْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهِ).
عاد المؤلف ليبين لنا الخلاف فمجرد أن يخلو الرجل بامرأته هذا لا يخلو من حالين:
الحالة الأولى: إما أن يكون خلا بها في زيارة؛ يعني: يزورها ويلتقي بها.
الحالة الثانية: وإما أن يكون خلا بها بمعنى دخوله عليها بالزواج، وهذا مما يعرض له بعض العلماء ويفصلونه ونجده في مذهب المالكية.
стр. 5697
قوله: (بَلْ يَجِبُ بِالدُّخُولِ وَالْخَلْوَةِ وَهُوَ الَّذِي يَعْنُونَ بِإِرْخَاءِ السُّتُورِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ (١) وَالشَّافِعِيُّ (٢) وَدَاوُدُ (٣): لَا يَجِبُ بِإِرْخَاءِ السُّتُورِ إِلَّا نِصْفُ الْمَهْرِ مَا لَمْ يَكُنِ الْمَسِيسُ).
قصد المؤلف بالمسيس هو: الجماع، وقال أبو حنيفة وأحمد (٤) وهو قول الخلفاء الراشدين (٥)؛ أي: الخلفاء الأربعة، ونقل ذلك عن الصحابة عن زيد بن ثابت (٦) وعبد الله بن عمر (٧)، ومن التابعين عن عروة (٨)،
стр. 5698
وكذلك عطاء (١) والزهري (٢)، ومن العلماء الأوزاعي (٣) وإسحاق بن رهوايه (٤) وغير هؤلاء (٥) ﵃ جميعًا.
إذن الخلاف هنا بالنسبة للفقهاء انقسموا إلى فريقين:
الفريق الأول: يرون أنه لا يثبت المهر جميعه إلا بالمسيس (٦).
الفريق الثاني: يرون أن بمجرد الخلوة وإغلاق الأبواب يوجب المهر كله، وهذا هو مذهب الحنفية والحنابلة وهو المأثور عن الخلفاء الراشدين ﵃.
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ الْمَهْرُ بِالْخَلْوَةِ نَفْسِهَا) (٧).
стр. 5699
فعندما ندخل في التفصيل نجد أن الحنفية والحنابلة يختلفون في التفصيل، والخلوة قد يصحبها أمر من أمرين: وهو كله مانع، وهذا المانع قد يكون حسيًّا، وقد يكون شرعيًّا فالمانع الحسي: كأن يكون الرجل عنينًا، وقد يكون المانع شرعيًّا كأن يكون صائمًا، أو أن يكون محرمًا بحج، وقد يكون المانع من المرأة وهذا المانع قد يكون حسيًّا بوجود أحد معهما وقد يكون مانعًا شرعيًّا كالحيض، وكذلك ما يتعلق بالصيام والإحرام، وهذا التفصيل في مذهب الحنفية، أما الحنابلة فلا يرون هذا التفصيل إلا في حالة واحدة: أنه أُثر عن الإمام أحمد في رواية أنه فَرَّق بين صيام رمضان وغيره فيرى لصيام رمضان تأثيرًا، ولا يرى لغيره تأثيرًا (١).
قوله: (إلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا أَوْ مَرِيضًا أَوْ صَائِمًا فِي رَمَضَانَ (٢)
стр. 5700
أَوْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ حَائِضًا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: يَجِبُ الْمَهْرُ كلُّهُ بِالدُّخُولِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِي ذَلِكَ شَيْئًا).
قول ابن أبي ليلى يلتقي مع رأي الإمام أحمد؛ لأنه أطلق ذلك (١).
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ: مُعَارَضَةُ حُكْمِ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ لِظَاهِرِ الكِتَابِ).
وسبب اختلافهم معارضة فعل الصحابة، ونحن لا نوافق المؤلف في ذلك، لكننا عندما ندقق في الأمر نرى أنه يرد هذا الإشكال الذي أورده المؤلف لو كان هناك إجماع على أن المراد بالمسيس (٢) الجماع، لكن المسألة مختلف في أصلها فلا نقول: بأنهم عارضوا ظاهر الكتاب.
قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ نَصَّ ﵎ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا الْمَنْكُوحَةِ أَنَّهُ لَيْسَ يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ صَدَاقِهَا شيْءٌ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]).
يشير إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾ [النساء: ٢٠، ٢١]، ودلالة الآية بإيجاز: إذا أرد الرجل أن يُطلق امرأته التي تزوجها، ودخل بها وأن يتزوج بها أخرى فلا ينبغي له أن يأخذ ذلك الصداق والمهر الذي دفعه إليها، والله اعتبر من يفعل ذلك بأنه آثم ومتعدٍّ وكاذب في هذا العهد؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ
стр. 5701
اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾، فمهما دفعتم إلى هذه المرأة، وإن كان المدفوع إليها كبيرًا فلا ينبغي أن تضعف النفوس في هذا المقام، وأن تطمع فيما قُدم إليها، ثم ذكر الله تعالى العلة فقال: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ افتراءً وإثمًا وكذبًا مبينًا.
ثم إن الله أراد أن يبين تلك العلاقة التي أشار إليها الله في سورة الروم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الروم: ٢١].
ولا شك أن هذا المهر مما تتقوى به المحبة والألفة والرحمة كما في قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾، وقد جامع بعضكم بعضًا (١)، أو جلس بعضكم ببعض فحصلت العشرة واللقاء (٢)، كيف تنزل هذه النفس عن ما قدمت عن طيب نفس وقناعة: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾.
فالله تعالى أمر بالإمساك بالمعروف، أو تسريح بإحسان كما قال : ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
ونجد رسول الله ﷺ في حجة الوداع التي حجها في السنة العاشرة في خطبته البليغة التي أشار فيها إلى قواعد الإسلام، ومما ذكر الرسول ﷺ قال: "استوصوا بالنساء خيرًا فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم
стр. 5702
فروجهن بكلمة الله" (١)، فكيف ترضى هذه النفس الأبية (٢) أن تنزل وتطمع فيما قدمته عن رضا وقضاعة؟ فلا ينبغي أن ينسيهما ما حصل بينهما من خلوة هذا فيما يتعلق بمعنى الآية.
وقصد المؤلف: أن الآية فيها إشارة إلى الجماع: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ فالآية حجة للمالكية (٣) والشافعية (٤)، وأن مجرد الخلوة بالمرأة وإرخاء الستور لا يوجب المهر كله هذا هو مراده.
قوله: (وَنَصَّ فِي الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الْمَسِيسِ أَنَّ لَهَا نِصْفَ الصَّدَاقِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]).
"المطلقة قبل المسيس" المراد بها: اللمس، فيكون هذا عند الحنفية (٥) والحنابلة (٦)، أما المسيس بمعنى الجماع فهو عند المالكية (٧)
стр. 5703
والشافعية (١)، يقول الله : ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾ [البقرة: ٢٣٧].
فمراد المؤلف في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ بمعنى حصلت المواقعة، أما في هذه الآية: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ على تفسير أن تجامعهن: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ فكيف تقولون: أيها الحنفية والحنابلة: بأن مجرد الخلوة وإرخاء الستور إنما يوجب المهر كله وهذه الآية تدل بظاهرها على أنها توجب نصف المهر، فالآية الأولى دلت على أن المهر يجب كله بالمواقعة؛ أي: الجماع، والآية الأخرى دلت بظاهرها على أنه إذ لم يحصل الجماع فلا يجب إلا نصف المهر، فإذا طُلقت المرأة قبل المسيس. هذا هو استدلال المؤلف للمالكية والشافعية.
أما الحنفية والحنابلة يقولون: الصحابة ﵃ قد أجمعوا ولم يُنقل خلاف في هذه المسألة إلا عن اثنين نُقل عن عبد الله بن عباس، وجاء النقل عن طريق ليث بن أبي سُليم (٢) وهو ضعيف فلا تؤخذ روايته (٣)،
стр. 5704
ونقل عن طريق عبد الله بن مسعود من طريق منقطع (١) فلا يصلح أن يكون حجة أيضًا (٢).
والصحابة الذين نُقل عنهم ثبوت ذلك إنما هو يؤيد مذهب الحنفية والحنابلة فإن الخلفاء الأربعة قد ثبت عنهم في "مسند أحمد" (٣)، وكذلك عند ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤)، و"السنن الكبرى" للبيهقي (٥)، وفي "سنن سعيد بن منصور": "أنهم قضوا بأن من أغلق بابًا وأرخى سترًا فقد وجب المهر ووجبت العدة"؛ ولأن الإفضاء المذكور نُقل عن أحد أئمة اللغة
стр. 5705
العربية وهو الفراء (١)، وهو من المعروفين بذلك أنه قال: إن الإفضاء يُطلق على الخلوة من الإفضاء بمعنى الخلاء، والفضاء هو المكان الخالي بمعنى: أنه لم يحصل شيء من جماع ونحوه إذن الإفضاء يُطلق على الخلوة، وإذا أُطلق على الخلوة كان ذلك دليلًا للذين يقولون: بأن إرخاء الستور يوجب جميع المهر.
ولا ننسى أن الرسول ﷺ قد قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ" (٢). إذن الرسول ﷺ اعتبر أن سنة الخلفاء الراشدين هي امتداد لسنته ﵊، والخلفاء الراشدون لا يخالفون سنة رسول الله عليه ولا يعارضون شيئًا في كتاب الله بآرائهم، وهم عندما قالوا ذلك القول قالوه عن علم وإدراك، وتلقوا ذلك عن رسول الله ﷺ ، وفهموا ذلك من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ .
والإنسان يبدأ حياته بتحمل مسؤولية نفسه، ثم بعد ذلك حينما يتزوج يتغير حاله؛ لأنه سيصبح مسئولًا عن إقامة البيت فالإنسان مهما كانت أحواله فلا يمكن أن يعيش في هذه الحياة إلا ويحتاج إلى بيت يأوي إليه؛ ليرتاح من تعب الحياة، ومن نصبها، ومشقتها، فيأتي ويسعى في كسب الرزق لينفق عليها، ثم بعد ذلك يأتي الأولاد فهو ويقوم على تربيتهم وعلى تنشئتهم وعلى الإنفاق عليهم.
وربما يسأل سائل فيقول: إن هذا البيت لا توجد فيه سعادة وطمأنينة؟
والجواب: الإنسان قد يصاب بامرأة ذات خلق سيئ فتتعبه، وربما
стр. 5706
يناله منها أذى، والخلاف بين الأزواج وارد، وقد حصل ذلك بين رسول الله ﷺ أفضل البشر وبين زوجاته (١)، فهذا هو شأن هذه الحياة لا يمكن أن تصفو هذه الحياة لمخلوق مهما أوتي الإنسان من المال والجاه، فهناك منغصات (٢) أخرى هناك مرض وما يتعلق بالأولاد وما يتعلق بأمور الدنيا ومشكلاتها، لكن الراحة والطمأنينة في الدار الآخرة كما قال الله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾ [فاطر: ٣٣ - ٣٥]، هؤلاء أهل التقوى الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾ [مريم: ٦٣]، إذن الراحة الكاملة، والطمأنينة والسعادة في الجنة، أما الدنيا فلا راحة فيها، ولا اطمئنان.
ولذلك نجد رسول الله ﷺ يقول: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" (٣). فالرجل مسئول في بيته ومسؤول عن أولاده، فإذا صبرت
стр. 5707
واحتسبت فلن يضيع هذا عند الله وستؤجر عليه والله تعالى يقول: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)﴾ [البقرة: ١٥٥].
والله ذكر الصبر في مواضع كثيرة من كتابه العزيز، وذكر العلماء أن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد (١)؛ فإذا صبر الإنسان واحتسب فإنه يثاب على ذلك؛ ولذلك يقول الرسول ﷺ : "إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى اللقمة تضعها في فيّ امرأتك" (٢)، هذه النفقة التي يجب عليك أن تقوم بها نحو زوجتك ومع ذلك ستؤجر عليها، فإذا جمعت هذا المال من حلال، وأنفقته في الحلال فإنك ستثاب على ذلك وتجازى عليه خير الجزاء.
قوله: (وَهَذَا نَصٌّ كمَا تَرَى فِي حُكْمِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ؛ أَعْنِي: قَبْلَ الْمَسِيسِ).
يعني: أنه إذا أفضى إليها أو جامعها وجب المهر كله، والثانية تدل على أنه لو طلقها قبل المسيس فليس عليه إلا نصف المهر.
قوله: (وَبَعْدَ الْمَسِيسِ، وَلَا وَسَطَ بَيْنَهُمَا، فَوَجَبَ بِهَذَا إِيجَابًا ظَاهِرًا أَنَّ الصَّدَاقَ لَا يَجِبُ إِلَّا بِالْمَسِيسِ).
وهذا ليس على إطلاق لو طلقها قبل المسيس؛ لأنه قد يكون الطلاق بسبب الزوج أو الزوجة والحياة تختلف وسيأتي الكلام عن هذا إن شاء الله.
قوله: (وَالْمَسِيسُ هَاهُنَا الظَّاهِرُ مِنْ أَمْرِهِ أَنَّهُ الْجِمَاع، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَصْلِهِ فِي اللُّغَةِ وَهُوَ الْمَسُّ).
"على أصله في اللغة"؛ أي: المس فهذا هو أصل في اللغة، فعندما
стр. 5708
نختلف في أمر في فهم كتاب الله نرجع إلى قول رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين التقوا حول هذا.
قوله: (وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الَّذِي تَأَوَّلَتِ الصَّحَابَةُ).
الصحابة ﵃ ما تأولوا هذا الأمر، وإنما هذا الذي انتهوا إليه وفهموه.
قوله: (وَلذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعِنِّينِ (١) الْمُؤَجَّلِ: إِنَّهُ قَدْ وَجَبَ لَهَا الصَّدَاقُ عَلَيْهِ إِذَا وَقَعَ الطَّلَاقُ لِطُولِ مُقَامِهِ مَعَهَا (٢)).
العنين المؤجل هذه مسألة أدخلها المؤلف، وكان عمر ﵁ أجَّل العنين عامًا (٣)، ثم بعد ذلك إذا لم يحصل منه التقاء مع زوجته يطلقها، هذا إذا لم تكن رضيت هي في الأصل لماذا أجَّله عمر ﵁؟
والجواب: قال العلماء: لتمر به فصول السنة قد يكون ما حصل له من العُنة عارض له قد يكون عنده ضعف مثلًا في الصيف فيأتيه الخريف والشتاء فإذا مرت به هذه الفصول وما حصل منه شيء فالمرأة تتضرر والرسول ﷺ يقول: "لا ضرر ولا ضرار" (٤)؛ لأنها بقيت معه فترة
стр. 5709
طويلة، والإمام مالك له فهم في الإطالة، ولكن القضية الآن تغيرت الأحوال وأصبح قضية التقاء الخطيب بخطيبته في بعض البلاد ترى أن الواحد يخطب فلانة قبل حتى أن يتقدم ويذهب معها ويجلس في المقاهي، وفي بعض الأماكن يخاطبها وتخاطبه! وقد يحدث من هذا ما لا تُحمد عقباه، وهناك قضية أخرى أن الإنسان بعد أن يتم العقد ربما يأخذها ويحملها معه في سيارته وينفرد بها فهذه تعتبر خلوة وإن لم تكن خلوة فهي تلحق بالخلوة (١)؛ لأنه يمكن أن يمسها في هذه الحالة ويقبلها وقد ينظر إلى بعض جسدها، الشاهد أنه انفرد بها، وهذا فيما يتعلق بقضية الخلوة.
قوله: (فَجَعَلَ لَهُ دُونَ الْجِمَاعِ تَأْثِيرًا فِي إِيجَابِ الصَّدَاقِ. وَأَمَّا الْأَحْكَامُ الْوَارِدَةُ فِي ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ فَهُوَ أَنَّ مَنْ أَغْلَقَ بَابًا أَوْ أَرْخَى سَتْرًا فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّدَاق، لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ فِيمَا حَكَمُوا).
أي: أمر قد قضى فيه الخلفاء الراشدين: أن من أغلق بابًا؛ يعني: أنه انفرد بها أو أرخى سترًا؛ أي: هذه السترة أرخاها فقد وجب المهر ووجبت العدة، لكن لا نقول: عندما نرجح مذهب الحنفية والحنابلة في هذا المقام نُنزل منزلة الخلوة منزلة الجماع مطلقًا في كل الأحكام ليس ذلك؛ لأنه لا تحل المطلقة ثلاثة لزوجها؛ لأن الرسول ﷺ قال: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؛ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" (٢). وهناك مسائل كثيرة يُخرِّجها العلماء من هذه القضية.
стр. 5710
قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي فَرْعٍ، وَهُوَ إِذَا اخْتَلَفَا فِي الْمَسِيسِ؛ أَعْنِي: الْقَائِلِينَ بِاشْتِرَاطِ الْمَسِيسِ (١)، وَذَلِكَ مِثْلَ أَنْ تَدَّعِيَ هِيَ الْمَسِيسَ، وَيُنْكِرَ هُوَ - فَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا (٢)).
ركز المؤلف هنا على مذهب المالكية، فمالك له ثلاثة أقوال:
القول الأول: كما ذكر المؤلف أن القول قولها.
والقول الثاني: أن تكون خلوتها فيها بناء.
القول الثالث: أن يكون ضيفًا زائرًا.
قوله: (وَقِيلَ: إِنْ كَانَ دُخُولَ بِنَاءٍ صُدِّقَتْ، وَإِنْ كَانَ دُخُولَ زِيَارَةٍ لَمْ تُصَدَّقْ) (٣).
لأن الصالح في دخول البناء أن يحصل الجماع؛ لأن في الزيارة الغالب لا يحصل ذلك.
قوله: (وَقِيلَ: إِنْ كَانَتْ بِكْرًا نَظَرَ إِلَيْهَا النِّسَاءُ (٤)، فَيَتَحَصَّلُ فِيهَا