يناله منها أذى، والخلاف بين الأزواج وارد، وقد حصل ذلك بين رسول الله ﷺ أفضل البشر وبين زوجاته (١)، فهذا هو شأن هذه الحياة لا يمكن أن تصفو هذه الحياة لمخلوق مهما أوتي الإنسان من المال والجاه، فهناك منغصات (٢) أخرى هناك مرض وما يتعلق بالأولاد وما يتعلق بأمور الدنيا ومشكلاتها، لكن الراحة والطمأنينة في الدار الآخرة كما قال الله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾ [فاطر: ٣٣ - ٣٥]، هؤلاء أهل التقوى الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾ [مريم: ٦٣]، إذن الراحة الكاملة، والطمأنينة والسعادة في الجنة، أما الدنيا فلا راحة فيها، ولا اطمئنان.
ولذلك نجد رسول الله ﷺ يقول: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" (٣). فالرجل مسئول في بيته ومسؤول عن أولاده، فإذا صبرت
стр. 5707
واحتسبت فلن يضيع هذا عند الله وستؤجر عليه والله تعالى يقول: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)﴾ [البقرة: ١٥٥].
والله ذكر الصبر في مواضع كثيرة من كتابه العزيز، وذكر العلماء أن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد (١)؛ فإذا صبر الإنسان واحتسب فإنه يثاب على ذلك؛ ولذلك يقول الرسول ﷺ : "إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى اللقمة تضعها في فيّ امرأتك" (٢)، هذه النفقة التي يجب عليك أن تقوم بها نحو زوجتك ومع ذلك ستؤجر عليها، فإذا جمعت هذا المال من حلال، وأنفقته في الحلال فإنك ستثاب على ذلك وتجازى عليه خير الجزاء.
قوله: (وَهَذَا نَصٌّ كمَا تَرَى فِي حُكْمِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ؛ أَعْنِي: قَبْلَ الْمَسِيسِ).
يعني: أنه إذا أفضى إليها أو جامعها وجب المهر كله، والثانية تدل على أنه لو طلقها قبل المسيس فليس عليه إلا نصف المهر.
قوله: (وَبَعْدَ الْمَسِيسِ، وَلَا وَسَطَ بَيْنَهُمَا، فَوَجَبَ بِهَذَا إِيجَابًا ظَاهِرًا أَنَّ الصَّدَاقَ لَا يَجِبُ إِلَّا بِالْمَسِيسِ).
وهذا ليس على إطلاق لو طلقها قبل المسيس؛ لأنه قد يكون الطلاق بسبب الزوج أو الزوجة والحياة تختلف وسيأتي الكلام عن هذا إن شاء الله.
قوله: (وَالْمَسِيسُ هَاهُنَا الظَّاهِرُ مِنْ أَمْرِهِ أَنَّهُ الْجِمَاع، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَصْلِهِ فِي اللُّغَةِ وَهُوَ الْمَسُّ).
"على أصله في اللغة"؛ أي: المس فهذا هو أصل في اللغة، فعندما
стр. 5708
نختلف في أمر في فهم كتاب الله نرجع إلى قول رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين التقوا حول هذا.
قوله: (وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الَّذِي تَأَوَّلَتِ الصَّحَابَةُ).
الصحابة ﵃ ما تأولوا هذا الأمر، وإنما هذا الذي انتهوا إليه وفهموه.
قوله: (وَلذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعِنِّينِ (١) الْمُؤَجَّلِ: إِنَّهُ قَدْ وَجَبَ لَهَا الصَّدَاقُ عَلَيْهِ إِذَا وَقَعَ الطَّلَاقُ لِطُولِ مُقَامِهِ مَعَهَا (٢)).
العنين المؤجل هذه مسألة أدخلها المؤلف، وكان عمر ﵁ أجَّل العنين عامًا (٣)، ثم بعد ذلك إذا لم يحصل منه التقاء مع زوجته يطلقها، هذا إذا لم تكن رضيت هي في الأصل لماذا أجَّله عمر ﵁؟
والجواب: قال العلماء: لتمر به فصول السنة قد يكون ما حصل له من العُنة عارض له قد يكون عنده ضعف مثلًا في الصيف فيأتيه الخريف والشتاء فإذا مرت به هذه الفصول وما حصل منه شيء فالمرأة تتضرر والرسول ﷺ يقول: "لا ضرر ولا ضرار" (٤)؛ لأنها بقيت معه فترة
стр. 5709
طويلة، والإمام مالك له فهم في الإطالة، ولكن القضية الآن تغيرت الأحوال وأصبح قضية التقاء الخطيب بخطيبته في بعض البلاد ترى أن الواحد يخطب فلانة قبل حتى أن يتقدم ويذهب معها ويجلس في المقاهي، وفي بعض الأماكن يخاطبها وتخاطبه! وقد يحدث من هذا ما لا تُحمد عقباه، وهناك قضية أخرى أن الإنسان بعد أن يتم العقد ربما يأخذها ويحملها معه في سيارته وينفرد بها فهذه تعتبر خلوة وإن لم تكن خلوة فهي تلحق بالخلوة (١)؛ لأنه يمكن أن يمسها في هذه الحالة ويقبلها وقد ينظر إلى بعض جسدها، الشاهد أنه انفرد بها، وهذا فيما يتعلق بقضية الخلوة.
قوله: (فَجَعَلَ لَهُ دُونَ الْجِمَاعِ تَأْثِيرًا فِي إِيجَابِ الصَّدَاقِ. وَأَمَّا الْأَحْكَامُ الْوَارِدَةُ فِي ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ فَهُوَ أَنَّ مَنْ أَغْلَقَ بَابًا أَوْ أَرْخَى سَتْرًا فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّدَاق، لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ فِيمَا حَكَمُوا).
أي: أمر قد قضى فيه الخلفاء الراشدين: أن من أغلق بابًا؛ يعني: أنه انفرد بها أو أرخى سترًا؛ أي: هذه السترة أرخاها فقد وجب المهر ووجبت العدة، لكن لا نقول: عندما نرجح مذهب الحنفية والحنابلة في هذا المقام نُنزل منزلة الخلوة منزلة الجماع مطلقًا في كل الأحكام ليس ذلك؛ لأنه لا تحل المطلقة ثلاثة لزوجها؛ لأن الرسول ﷺ قال: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؛ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" (٢). وهناك مسائل كثيرة يُخرِّجها العلماء من هذه القضية.
стр. 5710
قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي فَرْعٍ، وَهُوَ إِذَا اخْتَلَفَا فِي الْمَسِيسِ؛ أَعْنِي: الْقَائِلِينَ بِاشْتِرَاطِ الْمَسِيسِ (١)، وَذَلِكَ مِثْلَ أَنْ تَدَّعِيَ هِيَ الْمَسِيسَ، وَيُنْكِرَ هُوَ - فَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا (٢)).
ركز المؤلف هنا على مذهب المالكية، فمالك له ثلاثة أقوال:
القول الأول: كما ذكر المؤلف أن القول قولها.
والقول الثاني: أن تكون خلوتها فيها بناء.
القول الثالث: أن يكون ضيفًا زائرًا.
قوله: (وَقِيلَ: إِنْ كَانَ دُخُولَ بِنَاءٍ صُدِّقَتْ، وَإِنْ كَانَ دُخُولَ زِيَارَةٍ لَمْ تُصَدَّقْ) (٣).
لأن الصالح في دخول البناء أن يحصل الجماع؛ لأن في الزيارة الغالب لا يحصل ذلك.
قوله: (وَقِيلَ: إِنْ كَانَتْ بِكْرًا نَظَرَ إِلَيْهَا النِّسَاءُ (٤)، فَيَتَحَصَّلُ فِيهَا
стр. 5711
فِي الْمَذْهَبِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ (١): وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ (٣): الْقَوْلُ قَوْلُه، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ. وَمَالِكٌ لَيْسَ يَعْتَبِرُ فِي وُجُوبِ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ مُدَّعًى عَلَيْهِ).
المؤلف هنا تحدث في قضية أخرى تتعلق بكتاب الدعاوى والبينة وجاء في الحديث: "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه" (٤)، وفي رواية "على من أنكر" (٥)، أي: لو أن إنسان ادعى مالًا على الآخر
стр. 5712
لا بد من وجود بينة، وهذه البينة منها الشهود، فإذا لم يأتِ باليمين على من أنكر، والمُدعى عليه إذن أنكر؛ لأنه إذا اعترف بها زال الإشكال، لكن مالك ﵀ يرى أن للشبهة تأثيرًا في هذا المقام، نعم البينة على المدعي واليمين على المُدعى عليه، لكن أحيانًا تأتي قرينة وشبهة تؤثر على أحد الطرفين، فليس مجرد أنه مدعًى عليه تجب عليه اليمين مطلقًا، بل يحتاج إلى قرينة تقوي ذلك.
قوله: (بَلْ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ أَقْوَى شُبْهَةً فِي الْأَكثَرِ، وَلذَلِكَ يَجْعَلُ الْقَوْلَ فِي مَوَاضِعَ كثِيرَةٍ قَوْلَ الْمُدَّعِي إِذَا كَانَ أَقْوَى شُبْهَةً (١)، وَهَذَا الْخِلَافُ يَرْجِعُ إِلَى هَلْ إِيجَابُ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُعَلَّلٌ؟ أَوْ غَيْرُ مُعَلَّلٍ؟).
كثيرًا ما يذكر المؤلف هذا: معللة وغير معللة؛ يعني: معقولة المعنى وغير معقولة (٢).
فمثلًا: النية في الوضوء هل هي عبادة معقولة في المعنى أو غير
стр. 5713
معقولة؟ إن قلنا معقولة؛ لأنه يقصد به النظافة، أو أن الأمر أكثر من ذلك أنها عبادة غير معقولة بمعنى تعبدية.
قوله: (وَكذَلِكَ الْقَوْلُ فِي وُجُوبِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي، وَسَيَأْتِي هَذَا فِي مَكَانِهِ).
نعم كما ذكر المؤلف سيأتي ذلك إن شاء الله مفصلًا في كتاب الدعاوى والبينة، وهناك أحكام كثيرة.
[الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ: فِي تشْطِيرِ المهر]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ: فِي التشْطِيرِ).
التشطير يعني: التنصيف (١)، والشطر يطلق على عدة معاني منها:
١ - يطلق على الجهة.
٢ - يطلق على النصف كما قال الله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]؛ أي: جهة أو قِبَل، وقوله ﷺ : "الطهور شطر الإيمان" (٢).
قوله: (وَاتَّفَقُوا اتِّفَاقًا مُجْمَلًا أَنَّهُ إِذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَقَدْ فَرَضَ صَدَاقًا - أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الصَّدَاقِ (٣)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] الآية).
стр. 5714
مراد المؤلف: أنه إذا حصل عقدٌ صحيح، ثم بعد ذلك طلق الرجل هذه المرأة قبل أن يحصل مسيس، فإن الأصل أن لها نصف المهر، والمهر قد يكون دُفِع لها كاملًا، فهو يرجع إليها في النصف (١)، وإن لم تكن قد أخذت منه شيئًا فيعطيها النصف، هذا هو الأصل، وقد توجد أسباب تغير الحال، فقد يطلقها ولا تجب لها شيئًا، إذا كان من جهتها، أو أن يكون أمر يتعلق بردةٍ أو إسلام، وكذلك علة من قبل الزوج، فيطُلقها ويجب عليه أن يعطيها وهكذا والمسألة فيها تفصيل.
قوله: (وَالنَّظَرُ فِي التَّشْطِيرِ فِي أُصُولٍ ثَلَاثَةٍ: فِي مَحَلِّهِ مِنَ الْأَنْكِحَةِ، وَفِي مُوجِبِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الطَّلَاقِ؛ أَعْنِي: الْوَاقِعَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَفِي حُكْمِ مَا يَعْرِضُ لَهُ مِنَ التَّغْيِيرَاتِ قَبْلَ الطَّلَاقِ).
أي: هل التشطير في جميع أنواع الأنكحة؟ أم في نوع منه لأن النكاح الأصل فيه أن يكون صحيح، وقد يكون النكاع فاسدًا، وقد يكون باطلًا، وما الذي يوجبه من أنواع الطلاق؟ فهناك فسخٌ (٢)، وهناك طلاق، وقد يكون بسبب الزوج فيجب، وهناك طلاق يكون بسبب المرأة فلا يجب لها شيء، والمسألة فيها تفصيل.
قوله: (أَمَّا مَحَلّهُ مِنَ النِّكَاحِ عِنْدَ مَالِكٍ فَهُوَ النِّكَاحُ الصَّحِيحُ) (٣).
стр. 5715
المؤلف يركز على مذهب مالك في كتاب (النكاح)؛ يعتمد على كتاب (الاستذكار) لابن عبد البر، فهو يتابعه في كل شيء.
قوله: (وَأَمَّا النِّكَاحُ الْفَاسِدُ فَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْفُرْقَةُ فِيهِ فَسْخًا، وَطَلَّقَ قَبْلَ الْفَسْخِ - فَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ: … ) (١).
الفسخ يأتي من قبل الزوجة؛ لأن الزوجة مثلًا قد لا تطمئن إلى الزوج، وربما تحدث أمور فتطلب المرأة الفسخ، والزوج لا يوافق أن يطلقها، حينئذٍ تلجأ إلى طلب الفسخ.
وفي قصة ابن شماس عندما قَدِم مع بعض الرجال، فنظرت إليه زوجته، فقلَّ في عينها، وهي امرأة صالحة تقية تخشى الله ، وتعرف حقوق الزوج على زوجته، والرسول ﷺ قال: "عُرِضت عليَّ النار فرأيت أكثرهن النساء"، قيل: يا رسول الله يكفرن؟ قال: "لا، يكفرن العشير، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت شيئًا لقالت ما رأيت خير قط" (٢)، الشاهد: طلبت الفسخ، وذهبت إلى رسول الله ﷺ وقالت: "لا أنقم على قيسٍ في خُلقٍ ولا دين، لكنني امرأة أكره الكفر في الإسلام"، هي ليس قصدها الكفر المُخرِج من الملة، ليس ذلك إنما تقصد كفر العشير؛ لأنها رأت أن هذا الزوج صَغُر في عينها وقلَّ، فهي لا تستطيع أن تؤدي حقوقها، وإذا قصرت في حق الزوج فستأثم وتجازى، فقال لها رسول الله: "أتردين عليه حديقته؟ " قالت: نعم (٣)، فهذا هو الفسغ ففي هذه الحالة المرأة هي التي ترد إلى الزوج المهر.
стр. 5716
قوله: (وَأَمَّا مُوجِبِ التَّشْطِيرِ: فَهُوَ الطَّلَاقُ الَّذِي يَكُونُ بِاخْتِيَارٍ مِنَ الزَّوْجِ لَا بِاخْتِيَارٍ مِنْهَا، مِثْلُ الطَّلَاقِ الَّذِي يَكُونُ مِنْ قِبَلِ قِيَامِهَا بِعَيْبٍ يُوجَدُ فِيهِ).
فقد تكون المرأة رتقى رتقاء بمعنى: مسدودة المنفذ (١)، وربما تكون فيها برص (٢)، وربما تكون فيها جذام (٣) وعيوب ما كان يعرفها الزوج فظهرت، ففي هذه الحالة لا يثبت لها شيء، أما لو كان الطلاق من قبل الزوج، فهو في هذه الحالة يلزمه النصف (٤).
قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي الَّذِي يَكُونُ سبَبَهُ قِيَامُهَا عَلَيْهِ بِالصَّدَاقِ أَوِ النَّفَقَةِ مَعَ عُسْرِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِيَامِ بِالْعَيْبِ).
قصد المؤلف: إذا كان الزوج فقيرًا لا يستطيع أن ينفق على زوجته وهي التي تقوم برعايته (٥)، نعم لو حصل ذلك من زوجة قادرة وتملك
стр. 5717
مالًا، وأنفقت على نفسها وأولادها وعلى زوجها توفق في الدنيا وتسعد في الآخرة، لكن المرأة من حقها أن ينفق عليها الزوج؛ لأن هذه هي مسئوليته، فهو المسؤول بنص الكتاب والسنة، لكن لو عجز الزوج فلها أن تطلب الطلاق لسبب عسره عن الإنفاق.
قوله: (وَأَمَّا الْفُسُوخُ الَّتِي لَيْسَتْ طَلَاقًا فَلَا خِلَافَ أَنَّهَا لَيْسَتْ تُوجِبُ التَّشْطِيرَ إِذَا كَانَ فِيهَا الْفَسْخُ مِنْ قِبَلِ الْعَقْدِ أَوْ مِنْ قِبَلِ الصَّدَاقِ) (١).
стр. 5718
قد يحصل عيبٌ في العقد فيحصل فسخ ولا توجب، وقد يكون الخلاف في أمرٍ لم يتفقا على الصداق، وقد يكون خللٌ في العقد، بمعنى: لم يوفى الشروط التي يُلتزَم بها، وربما يكون الفسخ بطلبٍ من الزوجة كما ذكرنا.
قوله: (وَبِالْجُمْلَةِ مِنْ قِبَلِ عَدَمِ مُوجِبَاتِ الصِّحَّةِ، وَلَيْسَ لَهَا فِي ذَلِكَ اخْتِيَارٌ أَصْلًا، وَأَمَّا الْفُسُوخُ الطَّارِئَةُ عَلَى الْعَقْدِ الصَّحِيحِ مِثْلُ الرِّدَّةِ وَالرَّضَاعِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا فِيهِ اخْتِيَارٌ، أَوْ كَانَ لَهَا دُونَهُ لَمْ يُوجِبِ التَّشْطِيرَ، وَإِنْ كانَ لَهُ فِيهِ اخْتِيَارٌ مِثْلُ الرِّدَّةِ أَوْجَبَ التَّشْطِيرَ (١)، وَالَّذِي
стр. 5719
يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنَّ كُلَّ طَلَاقٍ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَوَاجبٌ أَنْ يَكُونَ فِيهِ التَّنْصِيف، سَوَاءٌ أَكانَ مِنْ سَبَبِهَا أَوْ سَبَبِهِ (١)، وَأَنَّ مَا كانَ فَسْخًا، وَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا - فَلَا تَنْصِيفَ فِيهِ) (٢).
ملخص القول في هذه المسألة: أنه إذا كانت العيوب من قِبل الزوجة، فلا تستحق شيئًا، وإن كانت العيوب من قبل الزوج أو طلقها دون سببٍ فهو في هذه الحالة يلزمه نصف الصداق.
قوله: (وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ هَذِهِ السُّنَّةُ مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى؟ أَمْ لَيْسَتْ بِمَعْقُولَةٍ؟).
أشار المؤلف هل هي معقولة؟ بمعنى أننا إذا أمعنا النظر ودققنا الفكرة، فإن طُلِقت المرأة قبل الخلوة أو المسيس على الخلاف الذي ذكرنا فتستحق نصف المهر، ما لم يكن الطلاق بسببها، لوجود عيب أو غيره.
стр. 5720
قوله: (فَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى، وَأَنَّهُ إِنَّمَا وَجَبَ لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ عِوَضَ مَا كَانَ لَهَا لِمَكَانِ الْجَبْرِ عَلَى رَدِّ سِلْعَتِهَا وَأَخْذِ الثَّمَنِ كَالْحَالِ فِي الْمُشْتَرِي).
معقولة المعنى؛ أي: تدركها العقول، والعلة فيها ظاهرة.
وغير المعقولة بمعنى: هي التي يُعبَّر عنها بأنها أمر تعبدي، لا مجال للرأي ولا للقياس فيها، وهذا قد جاء التنصيص عليه في كتاب الله .
قوله: (فَلَمَّا فَارَقَ النِّكَاحُ فِي هَذَا الْمَعْنَى الْبَيْعَ جَعَلَ لَهَا هَذَا عِوَضًا مِنْ ذَلِكَ الْحَقِّ - قَالَ: إِذَا كَانَ الطَّلَاقُ مِنْ سَبَبِهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا شَيْءٌ، لِأَنَّها، أَسْقَطَتْ مَا كَانَ لَهَا مِنْ جَبْرِهِ عَلَى دَفْعِ الثَّمَنِ وَقَبْضِ السِّلْعَةِ).
يعني: إذا كان من سببها كأن يجد فيها عيبٌ دون أن يعلم به سابقًا يقدح في أمر النكاح، أن تكون المرأة رتقى أو بها برصٌ وهذا كله له تأثير.
قوله: (وَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا سُنَّةٌ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ، وَاتَّبَعَ ظَاهِرَ اللَّفْظِ - قَالَ: يَلْزَمُ التَّشْطِيرُ فِي كلِّ طَلَاقٍ كَانَ مِنْ سَبَبِهِ أَوْ سَبَبِهَا، فَأَمَّا حُكْمُ مَا يَعْرِضُ لِلصَّدَاقِ مِنَ التَّغَيُّرَاتِ قَبْلَ الطَّلَاقِ) (١).
أي: بعد أن يتم العقد فيثبت للمرأة الصداق، ويدخل تحت ملكها، وهذا إذا سُمي، وإذا لم يُسم فسيأتي الكلام عنه، وعن تفويض المهر؛ لأن المؤلف سيشير إليه إن شاء الله، وهذه تغيرات تحدث على المهر؛ لأن المهر إذا أصبح في يد المرأة إما أن تَرِد عليه أمورٌ ترفعه زيادة، وإما
стр. 5721
أن ينقص عن أصله، وإما أن يتلف، كأن يكون حيوان فيموت، أو سلعة فإنها تذهب على صاحبها، أو وإما أن يجمع بين الأمرين معًا، بأن تحصل الزيادة، أو تكون شاةً تلفت ويصيبها الهزال، ففي هذا جُمِع بين الأمرين: زيادة ونقص، والزيادة على نوعين:
النوع الأول: زيادةٌ متميزة، وهي التي تنفصل عن الأصل الذي هو المهر.
النوع الثاني: زيادةٌ غير متميزة، أي: متصلة.
فالزيادة المتميزة هي التي تنفصل عن أصلها كحيوانٍ يلد، أو أمة تلد، أو شجرةٍ تُثمر، أو دنانير يباع ويشترى فتربح، إلى غير ذلك من الأمور ذات الزيادة المتميزة، أما الغير المتميزة تكون مصاحبةً للشيء كشاةٍ تسمن، أو خادمةً تسمن، إلى غير ذلك من الأمور، فهناك زيادةٌ متصلة، وزيادةٌ منفصلة، والحكم مختلفٌ بينهما.
قوله: (فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِنْ قِبَلِهَا أَوْ مِنَ اللَّهِ).
يعني: إما أن يكون بسبب المرأة، لأن هذا الصداق قد تخرجه عن مِلكِها إما ببيع أو هبة أو بعتقٍ فهي أخرجته من مِلكها فأصبح لا سلطة لها على هذا الصداق، وأحيانًا يكون هناك عقدٌ غير لازم كالشركة وما أشبه كالمضاربة (١)، وربما يحصل ذلك بعقدٍ لازمٍ، لكنه لم يخرج عن يدها خروجًا ملكيًّا، كالإجارة مثلًا، دارٌ تؤجرها، حيوان تؤجره، سيارةٌ تؤجرها، فهذه تحدث فيها عقدٌ لازم، لكنها لم تخرج، واستعمال هذا الشيء إنما يترتب عليه نقصٌ؛ لأن الشيء إذا استُعمِل كسيارة أو دابة يترتب عليه نقصٌ هذه من الأمثلة التي ترد على هذه المسألة، هذا إذا كان بسببها، إما إذا كان من قِبل الله كما ذكر المؤلف، كالجوائح التي تصيب
стр. 5722
المزارع، والموت الذي يحل بالحيوان، وكذلك بالمولى، إلى غير ذلك من الأمور التي تحصل لمثل هذه الأشياء.
قوله: (فَمَا كَانَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ تَلَفًا لِلْكُلِّ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نَقْصًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ زِيَادَةً، وَإمَّا أَنْ يَكُونَ زِيَادَةً وَنَقْصًا مَعًا).
"إمَّا أن يكون تلفًا للكل" مثل: أن يكون حيوانًا فيهلك، أو سلعةً فتفنى، أو دابة تنفر ولا يدرى أين ذهبت.
"وإمَّا أن يكون نقصًا" مثل: أن تكون شاة سمينة فيصيبها الهزال (١).
"وإمَّا أن يكون زيادةً" مثل: شاة تسمن، أو تلد هذه الشاة فتزداد، أو هذه الشجرة تُثمِر.
"وإمَّا أن يكون زيادةً ونقصًا معًا"؛ أي: أن يُجمَع بينهما، كأن تلد الشاة فهذه زيادة متميزة، لكن الولادة ستؤثر عليها من حيث الصحة فتمرض، أو يصيبها الهُزال والضعف.
قوله: (وَمَا كانَ مِنْ قِبَلِهَا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ تَصَرُّفُهَا فِيهِ بِتَفْوِيتٍ مِثْلِ الْبَيْعِ وَالْعِتْقِ وَالْهِبَة).
يعني: أن يكون ليس لها التصرف فيه، بمعنى: أخرجته عن مِلكها، كأن باعت هذه السلعة أو وهبته لأحد (٢)، أو أعتقت هذا المملوك فخرج عن مِلكها، وأصبح لا تصرف لها فيه، فما الذي سيأخذه الزوج منها.
стр. 5723
قوله: (أَوْ يَكُونَ تَصَرُّفُهَا فِيهِ فِي مَنَافِعِهَا الْخَاصَّةِ بِهَا، أَوْ فِيمَا تَتَجَهَّزُ بِهِ إِلَى زَوْجِهَا).
وقد تتصرف فيه بأمر غير لازم، كالوصية كما ذكرنا، وكالمضاربة والشركة، فهذا لم يخرج عن مِلكها، لكنه قُيد في أمر من الأمور فحق الزوج في هذه الحالة لا يصلح، وربما يكون بعقدٍ لازمٍ كالإجارة وغيرها، وهذه المسألة فيها كلامٌ كثير للفقهاء، وربما يكون ما تنفقه لما تتجهز به لزوجها، بأن تشتري به الحلي والملابس، وما يتبع ذلك من الأمور التي تحتاج إليها المرأة.
قوله: (فَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّهُمَا فِي التَّلَفِ وَفِي الزِّيَادَةِ وَفِي النُّقْصَانِ شَرِيكَانِ (١)، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي النُّقْصَانِ وَالتَّلَفِ عَلَيْهَا بِالنِّصْفِ (٢)، وَلَا يَرْجِعُ بِنِصْفِ الزِّيَادَةِ) (٣).
أقوال العلماء كثيرةٌ في هذه المسألة، لكنها من حيث الجملة: الزيادة كما ذكرنا على نوعين:
стр. 5724
النوع الأول: زيادةٌ متميزة، وهي التي تنفصل عن الأصل الذي هو المهر.
النوع الثاني: زيادةٌ غير متميزة؛ أي: متصلة.
فالزيادة المتميزة هي التي تنفصل عن أصلها كحيوانٍ يلد، أو أمة تلد، أو شجرةٌ تُثمر، أو دنانير يباع ويشترى فتربح، إلى غير ذلك من الأمور ذات الزيادة المتميزة، أما الغير المتميزة تكون مصاحبةً للشيء كشاةٍ تسمن، أو مثلًا خادمةً تسمن … إلى غير ذلك من الأمور، فهناك زيادةٌ متصلة، وزيادةٌ منفصلة، والحكم مختلفٌ بينهما، ومن العلماء مَن يرى: أنه يأخذ نصف قيمة الأصل؛ أي: نصف قيمة الصداق الذي قدمه لها، وإن كانت الزيادة متصلة؛ أي: غير متميزة ففي هذه الحالة إن رضيت المرأة أن تدفع له النصف؛ لأنه سيستفيد، أصبحت الآن شاةً قد سَمِنت، وبالنسبة للشاة لا يمكن تنصيفها، لكن يؤخذ نصف القيمة، وقد يكون أمرًا من الأمور التي زادت ففي هذه الحالة إن رضيت أن تعطيه النصف، فيُلزَم بذلك إن رضيت، وإن لم ترض فيُرجَع إلى الأصل فيأخذ نصف قيمة الصداق.
وأصل مذهب الإمامين الشافعي (١) وأحمد (٢) من حيث الجملة:
١ - ما كان من زيادة فهو للمرأة إلا أن تتبرع به.
стр. 5725
٢ - وما كان من نقصٍ فعليها إلا أن يتغاضى الزوج عن ذلك.
هذا هو الأصل في المذهبين، أما مذهب مالك قريبٌ من ذلك، وأبو حنيفة: ففي مذهبه تفصيل، ويخالفه محمد بن الحسن (١).
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ الصَّدَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوِ الْمَوْتِ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا؟ أَوْ لَا تَمْلِكُهُ؟ فَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا لَا تَمْلِكُهُ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا - قَالَ: هُمَا فِيهِ شَرِيكَانِ مَا لَمْ تَتَعَدَّ فَتُدْخِلَهُ فِي مَنَافِعِهَا) (٢).
قد ذكرنا أن المرأة بمجرد العقد الصحيح تملك نصف المهر؛ يعني: فيما لو حصل طلاقٌ قبل الدخول، أما لو دخل بها الزوج فحصل مسيس
стр. 5726
فالعلماء مُجمعون على أن المهر قد تقرر كله (١)، والإمام أحمد انفرد عن الأئمة الأربعة بأن الخلوة يثبت بها المهر كاملًا وهذا رأي الخلفاء الراشدين وجمع من الصحابة والتابعين ﵃ (٢).
قوله: (وَمَنْ قَالَ: تَمْلِكُهُ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا، وَالتَّشْطِيرُ حَقٌّ وَاجِبٌ تَعَيَّنَ عَلَيْهَا عِنْدَ الطَّلَاقِ وَبَعْدَ اسْتِقْرَارِ الممِلْكِ - أَوْجَبَ الرُّجُوعَ عَلَيْهَا بِجَمِيعِ مَا ذَهَبَ عِنْدَهَا (٣)، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهَا إِذَا صَرَفَتْهُ فِي مَنَافِعِهَا ضَامِنَةٌ لِلنِّصْفِ (٤)، وَاخْتَلَفُوا إِذَا اشْتَرَتْ بِهِ مَا يُصْلِحُهَا لِلْجِهَازِ مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ هَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ مَا اشْتَرَتْهُ؟ أَمْ بِنِصْفِ الصَّدَاقِ الَّذِي هُوَ
стр. 5727
الثَّمَنُ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ مَا اشْتَرَتْهُ (١). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢) وَالشافِعِيُّ (٣): يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الثَّمَنِ الَّذِي هُوَ الصَّدَاق، وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي فَرْعٍ مَشْهُورٍ مُتَعَلِّقٍ بِالسَّمَاعِ).
معنى متعلق بالسماع؛ أي: بالدليل المسموع: كأن يكون نصٌّ في كتاب الله ، أو من سُنَّة رسوله ﷺ ، والمسموع هنا إنما هو قول الله : ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
قوله: (وَهُوَ: هَلْ لِلْأَبِ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ فِي ابْنَتِهِ
هذه مسألة مهمة جدًّا فالولاية الكاملة والأقوى للأب؛ ولذلك له أن يجبر ابنته الصغيرة على النكاح، لكن هل هذه القوة في ولاية الأب تنصرف إلى ما يتعلق بالأمر المالي؟ أي: بالصَّداق؛ لأن الصداق هو خالص حق المرأة، فهل العفو عنه مرتبطٌ بالمرأة نفسها؟ وليس لأحدٍ أبًا كان أو غيره أن يعفو عن شيء منه، أم أن له ذلك؟
والجواب: هذه مسألةٌ اختلف فيها العلماء، وانفرد مالكٌ: بأن للأب أن يعفو، وخالفه الأئمة الثلاثة، وسيأتي التعقيب على الآية التي يستدل بها كلٌّ من الفريقين.
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هُوَ الاحْتِمَالُ الَّذِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]).
قوله تعالى: ﴿يَعْفُونَ﴾ المقصود بذلك النساء، والواو هي واو الفعل؛ يعني: حرف علة، وليست واو الجماعة (١)؛ أي: النساء هي صاحبة الحق، وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، فالذي بيده عقدة النكاح هو الولي كما نصَّ الإمام مالك (٢) ومعه جماعة على
стр. 5730
ذلك، والجمهور (١): يَرَوْنَ أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، فلماذا اختلفوا في هذه الآية؟ وهل الآية محتملة ذلك؟
الجواب: الإمام مالكٌ ﵀ ومن معه، يَرَوْنَ أن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي؛ لأنه هو الذي يملك في هذا المقام عقدة النكاح، أما الزوج فقد خرجت يده، ولا سلطة له على المرأة بعد الطلاق، فانتهى أمره في ذلك، وأصبح الولي.
أما جمهور العلماء فقالوا: أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج؛ لأنه هو الذي بإمكانه أن يستمر النكاح أو أن يقطعه، ويستدلون بحديثٍ فيه ضعف ورد في "سنن الدارقطني": "ولي العقدة الزوج" (٢)، قالوا: فهذا نص والقصد بالعقدة هي: "عقدة النكاح"، ثم يقولون: عندما نُلقي نظرةً فاحصة وعميقة على الآية، نجد أن الله يقول بعد ذلك: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، والذي يكون العفو أقرب منه للتقوى هو الزوج؛ لأنه في هذه الحالة إذا عفا فيتجاوز عن حقٍّ من حقوقه؛ ولذلك الله بعد ذلك قال: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾، وأما عفو الولي فلا يعتبر أقرب للتقوى؛ لأنه عفا عن أمرٍ لا يملك العفو فيه، ومذهب الجمهور (٣) في هذه المسألة
стр. 5731
هو أقوى وأقرب للعدل والإنصاف؛ لأن الولي يعفو عن حق غيره، وهذا حق المرأة فهي بحاجةٍ إليه، لكن لو أن الزوج انتقل إلى درجة الكرم والمكارمة في هذا المقام، وتجاوز عن هذا الحق فيكون بذلك حفظٌ لذلك وعدم قطعٍ لما أشار الله إليه بقوله: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾.
قوله: (وَذَلِكَ فِي لَفْظَةِ "يَعْفُو" فَإِنَّهَا تُقَالُ فِي كلَامِ الْعَرَبِ مَرَّةً بِمَعْنَى يُسْقِط، وَمَرَّةً بِمَعْنَى يَهَبُ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] عَلَى مَنْ يَعُودُ هَذَا الضَّمِيرُ؟ هَلْ عَلَى الْوَلِيِّ؟ أَوْ عَلَى الزَّوْجِ؟ فَمَنْ قَالَ: عَلَى الزَّوْجِ جَعَلَ "يَعْفُوَ" بِمَعْنَى يَهَبُ، وَمَنْ قَالَ: عَلَى الْوَلِيِّ جَعَلَ "يَعْفُوَ" بِمَعْنَى يُسْقِطُ (١)، وَشَذَّ قَوْمٌ فَقَالُوا: لِكُلِّ وَليِّ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ الْوَاجِبِ لِلْمَرْأَةِ (٢)، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَانِ الاحْتِمَالَانِ اللَّذَانِ فِي الْآيَةِ عَلَى السَّوَاءِ).
المؤلف يشير إلى أنه يميل للرأي الذي رجَّح؛ أي: عفو الزوج؛ لأن هناك طرفين، والمهر متنصف بينهما، نصفه للزوجة، ونصفه للزوج،
стр. 5732
فإن عفت الزوجة فلها ذلك، وإن عفا الزوج فله ذلك، لكن الولي لا دخل له في الأمر، فهذا الذي يُفهَم من الآية، وهذا الذي لاحظه المؤلف ملاحظةً جيدة في هذا المقام.
قوله: (لَكِنَّ مَنْ جَعَلَهُ الزَّوْجَ فَلَمْ يُوجِبْ حُكْمًا زَائِدًا فِي الْآيَةِ؛ أَيْ: شَرْعًا رائِدًا؛ لِأَنَّ جَوَار ذَلِكَ مَعْلُومٌ مِنْ ضَرُورَةِ الشَّرْعِ. وَمَنْ جَعَلَهُ الْوَلِيَّ؛ إِمَّا الْأَب، وَإِمَّا غَيْرُهُ - فَقَدْ زَادَ شَرْعًا، فَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِدَلِيلٍ يُبَيِّنُ بِهِ أَنَّ الْآيَةَ أَظْهَرُ فِي الْوَلِيِّ مِنْهَا فِي الزَّوْجِ وَذَلِكَ شَيْءٌ يَعْسُرُ).
ليس القصد أنه زاد شرعًا بمعنى: أنه شرَّع في دين الله، كما يفعل القانونيون، وإنما هذا فهم اختلف فيه العلماء، والحقيقة الذي جعلني أرجح أنه الزوج قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، لأن هذا أوثق بالزوج من الولي؛ لأن الولي ليس من حقه أن يعفو عن حق غيره، والمؤلف ﵀ مالكي المذهب، ومع ذلك تجد أنه في إشاراته يخالف مذهب مالك، وهذا هو طالب العلم الحقيقي الذي يريد أن يدرس الفقه، وأن يصل إلى الحق من أقرب طرقه وأيسره ينبغي له أن يدع التعصب عنه بعيدًا، وألا يتحيز لأيِّ مذهب، حتى وإن كنت قد درست هذا المذهب دراسة جيدة؛ لأن من الممكن أن يكون هذا المذهب الذي خالفته هو الأقوى، وينبغي دائمًا أن يسير طالب العلم مع الدليل أينما كان وحيثما وجد من كتاب الله ومن سنَّة رسوله ﷺ ، وهؤلاء الأئمة الذي ننهل (١) من معين (٢) فقههم، ونأخذ من كنوزهم، هذا هو منهجهم الذي أسسوه ووضعوه لنا: ألَّا نتعصب لآرائهم، وألَّا نأخذ بقول أحد منهم مع وجود نص يخالفه، وكلامهم في ذلك معروف ومشهور.
стр. 5733
قوله: (وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ الصَّغِيرَةَ وَالْمَحْجُورَةَ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَهَبَ مِنْ صَدَاقِهَا النِّصْفَ الواجب لها) (١).
لأن الصغيرة والمحجورة ليس لها أن تتصرف في هذا الأمر؛ فيحتاج إلى موافقة من له الولاية عليها، ولذلك يشترطون في تنازل الزوجة عن نصف الصداق، أن يكون كل واحدٍ منهما رشيدًا مُكلَّفًا، وقد يكون الإنسان مُكلَّف ولكنه غير رشيد (٢)، فكم من أُناس تجاوزوا سن البلوغ وقطعوا مسافاتٍ كثيرة من العمر، ومع ذلك تراهم يتصرفون تصرف السفهاء، وكم من صغار السن أصحاب العقول الكبيرة ممن وهبهم الله إدراكًا وحصافة وفهمًا، تجد أنهم يتصرفون كتصرف كبار العقلاء، لكن الغالب أن الكبير يدرك ما لا يدركه الصغير؛ إذن فالصغيرة الغير مدركة لا يُعتبر عفوها في هذا المقام.
إِنْ قَبَضَتْ فَلَهُ النِّصْف، وَإِنْ لَمْ تَقْبِضْ حَتَّى وَهَبَتْ فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ، كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْحَقَّ فِي الْعَيْنِ مَا لَمْ تَقْبِضْ، فَإِذَا قَبَضَتْ صَارَ فِي الذِّمَّةِ) (١).
يعني: مذهب أبي حنيفة في هذا: إن قبلت الصداق ثم وهبته فلها ذلك، أما قبل أن تقبضه ويتحول إلى ملكها فلا يجوز ذلك؛ لأنه لا يُسمى ملكًا تامًّا في هذا المقام.
قوله: (الْمَوْضِعُ الرَّابعُ: فِي التَّفْوِيضِ).
هذه مسألةٌ مهمة جدًّا، وهي: ما يتعلق بالتفويض، فمن العلماء من قسَّمه إلى قسمين:
стр. 5736
القسم الأول: تفويض البضع (١) وهو الأصل، وبعض العلماء اقتصر على هذا.
القسم الثاني: تفويض المهر.
فما الفرق بينهما؟
والجواب: تفويض البضع (٢) هو أن تتزوج المرأة من غير أن تذكر الصَّداق أصلًا، فإذا طلقها الزوج في هذه الحالة هل تستحق شيئًا أم لا؟
والجواب: هناك من العلماء من يرى: أن لها المتعة (٣)، ولا نُفَصِّل في الكلام عن المتعة؛ لأن المؤلف عقد لها فصلًا مستقلًّا، أما تفويض المهر يشار فيه إلى المهر، لكنه لا يُسمى، ومعنى: تفويض المهر هو أن يفوض كل من الزوجين أحدهما في داره، تحديد ذلك إلى أحدهما، أو إلى أجنبي، كأن يقول الولي مثلًا: زَوَّجتك على ما تراه من المهر، أو على ما شئت، أو على ما حكمت به، أو على ما قرره وحكم به فلان، هذا يُسمى "تفويض المهر" (٤)، وبعض العلماء
стр. 5737
كالشافعية (١): لا يراه ويعتبرون تفويض البُضع، ومعنى كلمة تفويض: فوَّض الأمر وتأتي من الفضاء أو الإفضاء (٢) "أي: أنه شيءٌ فاضٍ مهمل لا أثر له بمعنى: أنه مُهمَل (٣)؛ ولذلك يستدلون على هذا بقول الشاعر (٤):
لا يَصلُحُ الناسُ فَوضى لا سَراةَ لَهُم … وَلا سَراةَ إِذا جُهّالُهُم سادوا
والناس لا يصلحون دون قيادة، ودون حاكم، لأنه لو تُرِك أمر الناس إليهم وحدهم لا سائس يسوسهم (٥)، ولا قائد يقودهم، فسيتسلط القوي
стр. 5738
على الضعيف، والكبير على الصغير وهكذا ينتشر الفساد والفوضى بين الناس؛ ولذلك نجد أن الله تعالى وضع هذا الشرع الحكيم ليضبط به عباده في هذه الحياة الدنيا كما قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، فالتفويض إنما هو الإهمال، كأنهم أهملوا هذا المهر وتركوه، هذا هو المراد.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الموضع الرابع في التفويض
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ نِكَاحَ التَّفْوِيضِ جَائِز، وَهُوَ أَنْ يُعْقَدَ النِّكَاحُ دُونَ صَدَاقٍ؛ لِقَوْلِه الله تَعَالَى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]) (١).
стр. 5739
هذه الآية دلت على التنصيص على التفويض بعدما أثبتت الطلاق بعد العقد، ولو لم يكن العقد صحيحًا بدون ذكر المهر لما جاء الطلاق؛ لأن الطلاق يأتي بعد عقدٍ صحيح، فترتَّب حكم الطلاق على حكم العقد، وهناك أدلَّة من السنة كما ذكرنا أنَّ الرسول ﷺ زوَّج امرأة من غير مهر (١).
قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: إِذَا طَلَبَتِ الزَّوْجَةُ فَرْضَ الصَّدَاقِ وَاخْتَلَفَا فِي الْقَدْرِ).
فإذا طلبت الزوجة تحديد ذلك، فإن اتفقا عليه فلا مانع، وإن اختلفا يُرجع إلى مهر المِثل، وهذه قاعدةٌ أسسها العلماء واتفقوا عليها: أنه عند الاختلاف يُرجَع إلى مهر المِثل، وما هو مهر المِثل؟
والجواب: المراد به: مهر مثيلاتها، والمثيلة هي: التي تماثلها في السن أو هي من أقربائها، وإذا قلنا: إنها من أهل القرابة فهل هي من جهة العصبة للأب؟ أو من جهة الأم؟ هذه مسائل يفرعها العلماء على هذه المسألة (٢).
стр. 5740
قوله: (الْمَوْضِعُ الثَّانِي: إِذَا مَاتَ الزَّوْج، وَلَمْ يَفْرِضْ، هَلْ لَهَا صَدَاقٌ؟ أَمْ لَا؟).
إذا مات ولم يفرض، وهذه فيها أثر عبد الله بن مسعود ﵁ وسيأتي الكلام عنها إن شاء الله.
قوله: (فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الأُولَى - وَهِيَ إِذَا قَامَتِ الْمَرْأَةُ تَطْلُبُ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا مَهْرًا - فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَفْرِضُ لَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ فِي ذَلِكَ خِيَارٌ، فَإِنْ طَلَّقَ بَعْدَ الْحُكْمِ فَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَيْسَ لَهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْفَرْضِ لَمْ يَكُنْ فِي عُقْدِةِ النِّكَاحِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ (١). وَقَالَ مَالِكٌ
стр. 5741
وَأَصْحَابُهُ (١): الزَّوْجُ بَيْنَ خِيَارَاتٍ ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يُطَلِّقَ وَلَا يَفْرِضَ، وَإِمَّا أَنْ يَفْرِضَ مَا تَطْلُبُهُ الْمَرْأَةُ بِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَفْرِضَ صَدَاقَ الْمِثْلِ وَيُلْزِمَهَا).
وهذا هو رأي جمهور العلماء (٢)، وهو مذهب الإمامين
стр. 5742
الشافعي (١) وأحمد (٢)؛ يعني: لها صداق مثلها إذا لم يُفرض.
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهمْ - أَعْنِي: بَيْنَ مَنْ يُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ لِلزَّوْجِ إِذَا طَلَّقَ بَعْدَ طَلَبِهَا الْفَرْضَ، وَمَنْ لَا يُوجِبُ -: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]).
ومن هنا جاء الخلاف، فبعض العلماء كالحنابلة حمل ذلك على ما يتعلق بتفويض البُضع، لا تفويض المهر، ففي تفويض المهر يكون لها نصف الصداق.
قوله: (هَلْ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْعُمُومِ فِي سُقُوطِ الصَّدَاقِ، سَوَاءٌ أَكَانَ سَبَبُ الطَّلَاقِ اخْتِلَافَهُمْ فِي فَرْضِ الصَّدَاقِ؟ أَوْ لَمْ يَكُنِ الطَّلَاقُ سبَبُهُ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ؟ وَأَيْضًا فَهَلْ يُفْهَمُ مِنْ رَفْعِ الْجُنَاحِ عَنْ ذَلِكَ سُقُوطُ الْمَهْرِ فِي كلِّ حَالٍ؟ أَوْ لَا يُفْهَمُ ذَلِكَ؟ فِيهِ احْتِمَالٌ، وَإِنْ كَانَ
стр. 5743
الْأَظْهَرُ سُقُوطَهُ فِي كُلِّ حَالٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]) (١).
هذا إذا حصل خلافٌ في أصل الصَّداق، لكن لو حصل على المعنى الآخر للتفويض فهذا هو رأي جمهور العلماء كما ذكرنا.
قوله: (وَلَا خِلَافَ أَعْلَمُهُ فِي أَنَّهُ إِذَا طَلَّقَ ابْتِدَاءً أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ).
وهنا يجب عليه المتعة، والمتعة فيها خلاف في هذه الحالة.
قوله: (وَقَدْ كانَ يَجِبُ عَلَى مَنْ أَوْجَبَ لَهَا الْمُتْعَةَ مَعَ شَطْرِ الصَّدَاقِ إِذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي نِكَاحِ غَيْرِ التَّفْوِيضِ، وَأَوْجَبَ لَهَا مَهْرَ الْمِثْلِ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ - أَنْ يُوجِبَ لَهَا مَعَ الْمُتْعَةِ فِيهِ شَطْرَ مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الآيَةَ لَمْ تَتَعَرَّضْ بِمَفْهُومِهَا لإِسْقَاطِ الصَّدَاقِ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ، وَإِنَّمَا تَعَرَّضَتْ لإِبَاحَةِ الطَّلَاقِ قَبْلَ الْفَرْضِ، فَإِنْ كَانَ يُوجِبُ نِكَاحُ التَّفْوِيضِ مَهْرَ الْمِثْلِ إِذَا طُلِبَ فَوَاجِبٌ أَنْ يَنْشَطِرَ إِذَا وَقَعَ الطَّلَاق، كَمَا يَنْشَطِرُ فِي الْمُسَمَّى؛ وَلهَذَا قَالَ مَالِكٌ: إِنَّهُ لَيْسَ يَلْزَمُ فِيهِ مَهْرُ الْمِثْلِ مَعَ خِيَارِ الزَّوْجِ).
هذا بالنسبة لتفويض البُضع الذي لم يُسم فيه الصداق أصلًا.
стр. 5744
قوله: (وأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ إِذَا مَاتَ الزَّوْجُ قَبْلَ تَسْمِيَةِ الصَّدَاقِ وَقَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا).
يعني: إنسانٌ عَقَد على امرأة، ولم يسمِّ الصداق، ولم يدخل بها، لكن النكاح صحيح؛ لأنه تم بعقدٍ صحيح، وهذا يترتب عليه أمور: الميراث، والعِدَّة، ثم يأتي بعد ذلك المهر، أما الميراث: فلا خلاف فيه بين العلماء؛ لأن هذا جاء التنصيص عليه في كتاب الله ؛ فالزوج إذا ماتت زوجته فله النصف إن لم يكن لها فرعٌ وارث، والمرأة إن لم يوجد فرعٌ وارث لها الربع، فإن وُجِد فلها الثمن، وإن تعددنا فيشتركْنَ في الثلث، هذا ما يتعلق بأمر الميراث، وليس فيه خلافٌ بين العلماء، وكذلك الحال بالنسبة للعِدة، إنما الخلاف فيما يتعلق بالمهر.
قوله: (فَإِنَّ مَالِكًا وَأَصْحَابَهُ وَالْأَوْزَاعِيَّ (١) قَالُوا: لَيْسَ لَهَا صَدَاقٌ، وَلَهَا الْمُتْعَةُ وَالْمِيرَاثُ (٢). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): لَهَا صَدَاقُ الْمِثْلِ