← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.

стр. 5741

وَأَصْحَابُهُ (١): الزَّوْجُ بَيْنَ خِيَارَاتٍ ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يُطَلِّقَ وَلَا يَفْرِضَ، وَإِمَّا أَنْ يَفْرِضَ مَا تَطْلُبُهُ الْمَرْأَةُ بِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَفْرِضَ صَدَاقَ الْمِثْلِ وَيُلْزِمَهَا). وهذا هو رأي جمهور العلماء (٢)، وهو مذهب الإمامين

стр. 5742

الشافعي (١) وأحمد (٢)؛ يعني: لها صداق مثلها إذا لم يُفرض. قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهمْ - أَعْنِي: بَيْنَ مَنْ يُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ لِلزَّوْجِ إِذَا طَلَّقَ بَعْدَ طَلَبِهَا الْفَرْضَ، وَمَنْ لَا يُوجِبُ -: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]). ومن هنا جاء الخلاف، فبعض العلماء كالحنابلة حمل ذلك على ما يتعلق بتفويض البُضع، لا تفويض المهر، ففي تفويض المهر يكون لها نصف الصداق. قوله: (هَلْ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْعُمُومِ فِي سُقُوطِ الصَّدَاقِ، سَوَاءٌ أَكَانَ سَبَبُ الطَّلَاقِ اخْتِلَافَهُمْ فِي فَرْضِ الصَّدَاقِ؟ أَوْ لَمْ يَكُنِ الطَّلَاقُ سبَبُهُ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ؟ وَأَيْضًا فَهَلْ يُفْهَمُ مِنْ رَفْعِ الْجُنَاحِ عَنْ ذَلِكَ سُقُوطُ الْمَهْرِ فِي كلِّ حَالٍ؟ أَوْ لَا يُفْهَمُ ذَلِكَ؟ فِيهِ احْتِمَالٌ، وَإِنْ كَانَ

стр. 5743

الْأَظْهَرُ سُقُوطَهُ فِي كُلِّ حَالٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]) (١). هذا إذا حصل خلافٌ في أصل الصَّداق، لكن لو حصل على المعنى الآخر للتفويض فهذا هو رأي جمهور العلماء كما ذكرنا. قوله: (وَلَا خِلَافَ أَعْلَمُهُ فِي أَنَّهُ إِذَا طَلَّقَ ابْتِدَاءً أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ). وهنا يجب عليه المتعة، والمتعة فيها خلاف في هذه الحالة. قوله: (وَقَدْ كانَ يَجِبُ عَلَى مَنْ أَوْجَبَ لَهَا الْمُتْعَةَ مَعَ شَطْرِ الصَّدَاقِ إِذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي نِكَاحِ غَيْرِ التَّفْوِيضِ، وَأَوْجَبَ لَهَا مَهْرَ الْمِثْلِ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ - أَنْ يُوجِبَ لَهَا مَعَ الْمُتْعَةِ فِيهِ شَطْرَ مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الآيَةَ لَمْ تَتَعَرَّضْ بِمَفْهُومِهَا لإِسْقَاطِ الصَّدَاقِ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ، وَإِنَّمَا تَعَرَّضَتْ لإِبَاحَةِ الطَّلَاقِ قَبْلَ الْفَرْضِ، فَإِنْ كَانَ يُوجِبُ نِكَاحُ التَّفْوِيضِ مَهْرَ الْمِثْلِ إِذَا طُلِبَ فَوَاجِبٌ أَنْ يَنْشَطِرَ إِذَا وَقَعَ الطَّلَاق، كَمَا يَنْشَطِرُ فِي الْمُسَمَّى؛ وَلهَذَا قَالَ مَالِكٌ: إِنَّهُ لَيْسَ يَلْزَمُ فِيهِ مَهْرُ الْمِثْلِ مَعَ خِيَارِ الزَّوْجِ). هذا بالنسبة لتفويض البُضع الذي لم يُسم فيه الصداق أصلًا.

стр. 5744

قوله: (وأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ إِذَا مَاتَ الزَّوْجُ قَبْلَ تَسْمِيَةِ الصَّدَاقِ وَقَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا). يعني: إنسانٌ عَقَد على امرأة، ولم يسمِّ الصداق، ولم يدخل بها، لكن النكاح صحيح؛ لأنه تم بعقدٍ صحيح، وهذا يترتب عليه أمور: الميراث، والعِدَّة، ثم يأتي بعد ذلك المهر، أما الميراث: فلا خلاف فيه بين العلماء؛ لأن هذا جاء التنصيص عليه في كتاب الله ؛ فالزوج إذا ماتت زوجته فله النصف إن لم يكن لها فرعٌ وارث، والمرأة إن لم يوجد فرعٌ وارث لها الربع، فإن وُجِد فلها الثمن، وإن تعددنا فيشتركْنَ في الثلث، هذا ما يتعلق بأمر الميراث، وليس فيه خلافٌ بين العلماء، وكذلك الحال بالنسبة للعِدة، إنما الخلاف فيما يتعلق بالمهر. قوله: (فَإِنَّ مَالِكًا وَأَصْحَابَهُ وَالْأَوْزَاعِيَّ (١) قَالُوا: لَيْسَ لَهَا صَدَاقٌ، وَلَهَا الْمُتْعَةُ وَالْمِيرَاثُ (٢). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): لَهَا صَدَاقُ الْمِثْلِ

стр. 5745

وَالْمِيرَاث، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ (١) وَدَاوُدُ (٢)، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ الْقَوْلَان جَمِيعًا (٣)، إِلَّا أَنَّ الْمَنْصُورَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ (٤)).

стр. 5746

هذا هو المشهور عن الإمام مالك والمعروف، لكن أبا حنيفة وأحمد يريان أن لها المهر. قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِلْأَثَرِ؛ أَمَّا الْأَثَرُ فَهُوَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁). كما في قصة المرأة التي مات عنها زوجها، دون أن يُذكَر صداق ولم يدخل بها فاستفتوا في ذلك الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁، فتوقف في ذلك بُرهةً من الزمن، فترددوا عليه، وقالوا: إن لم نجد الجواب عند أصحاب رسول الله ﷺ فأين نجد؟ فما كان من عبد الله بن مسعود ﵁ بعد أن اجتهد في الأمر وجمع ما يتعلق به إلَّا أنْ بيَّن أن لها المهر وعليها العدة ولها الميراث، وبيَّن أنه إنما عمل ذلك برأيه، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان غير ذلك فمن نفسه، وفي رواية: "فمني ومن الشيطان" (١)، فلما قضى في ذلك عبد الله بن مسعود ﵁ قام إلى ذلك أحد الصحابة فقال: (لقد قضى رسول الله ﷺ بمثل ما قضيت به في بروع بنت واشق) (٢). إذن عبد الله بن مسعود قضى في أمرٍ من الأمور، فجاء قضاؤه موافقًا لسنة رسول الله ﷺ ، فأصبح الحُجَّة في ذلك في الأصل إنما هو قضاء رسول الله ﷺ ، كما في الحديث الذي أخرجه أصحاب السنن (٣) وأحمد (٤) وابن حبان (٥) وغيرهم، وهو حديث صحيح، وكونه ورد اختلافٌ في اسم الصحابي فإن ذلك لا يضر (٦)؛ لأن الجهالة بالنسبة للصحابي لا تضره في

стр. 5747

هذا المقام، ومن هنا أيضًا يصبح هذا المذهب كما قال المُزني: (لو صح هذا الحديث قلت به)، وهو أيضًا الذي جعل الإمام الشافعي (١) يقول القول الآخر، إذن فهو حديث صحيح، فينبغي أن يؤخذ به. قوله: (بأَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَالَ: "أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي؛ فَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي: أَرَى لَهَا صَدَاقَ امْرَأَة مِنْ نِسَائِهَا، وَلَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّة، وَلَهَا الْمِيرَاثُ). "من نسائها"؛ يعني: مثيلاتها، لها مهر المثل. "ولا وكس" يعني: لا عيب، "لا شطط"؛ أي: لا جور ولا ظلم (٢). "وعليها العِدَّة ولها الميراث": لأنه زوجها بعقدٍ صحيح، وترثه أيضًا. قوله: (فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سنان الْأَشْجَعِيُّ فقال: أَشْهَد، لَقَضَيْتَ فِيهَا). هنا يأتي الخلاف، هل هو ابن يسار أو ابن سنان؟ والأرجح: أنه ابن سنان (٣)، هذا الخلاف لا يؤثر على الحديث، والحديث قد صحَّ وقد

стр. 5748

ذُكِر في كثيرٍ من كتب السنة، والصحابة ﵃ قد وهبهم الله ما لم يهب غيرهم، فعندهم من الإخلاص ما لا يوجد عند غيرهم، ولهم من المزايا ومن الفضائل ما يختصون به عن بقية الناس بعد رسل الله وأنبيائه؛ لأنهم قومٌ اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ﷺ ، فينبغي أن يُعرَف لهم فضلهم، وأن يُقدَّروا في كل أعمالهم، والله ﷺ قد رضي عنهم كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ١٨]، وقال : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾؛ أي: الصحابة: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩]، فالله قد زكاهم في مواضع في كتابه العزيز، وزكاهم رسول الله ﷺ ، وشهد لهم بالفضل وبالعدل وبالإحسان، وقال: "لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه" (١). والله قد وفَّقهم ووهبهم من صفاء الأذهان، ومن قوة الإخلاص واليقين ما لم يكن عند غيرهم، تربوا في مدرسة الرسول ونهلوا من علمه ﷺ من الكتاب والسنة وأخذوا من مشكاة النبوة، واللغة العربية هي سليقتهم، وقد ربطوا قلوبهم بالله بكل إخلاص، ففرغوا قلوبهم من كل ما يشغلهم عن طاعة الله - سبانه وتعالى -، فآثروا الباقية على الفانية، فلم تشغلهم الحياة الدنيا، ولم ينصرفوا إلى ملذاتها، وإنما وقفوا أنفسهم وأفنوا أعمارهم دفاعًا عن هذا الدين فرضي الله عنهم جميعًا. "لَقضيتَ فيها"؛ يعني: إنك في قضائك هذا قد وُفِّقت وأصبت سُنة رسول الله ﷺ ، وعبد الله بن مسعودٍ ﵁ عندما شهد له الصحابي يقول: فما فَرِح فرحًا أشد بعد فرحه بالإسلام، واستقرار الإيمان في قلبه بمثل هذا الفرح؛ أن يقضي بأمر يجتهد فيه فيأتي على وفق ما قضى به رسول الله ﷺ ، هذه نعمةٌ من الله، ومن المكارم الجليلة التي ذكرها العلماء في خصائص عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان ينزل القرآن مؤيدًا

стр. 5749

لرأيه، فكم من مسألة قال فيها قولًا فنزل القرآن مؤيدًا لرأيه، كما في الصلاة عند المقام، وكذلك في الحجاب، وفي أسرى بدر (١)، وفي غير ذلك من المسائل، فعندما يجتهد المرء في أمرٍ من الأمور، ثم تبين له أن الحق في هذا القول فأفتى به، ثم ثبت له أن ذلك قد وافق ما في كتاب الله وما في سنة رسوله ﷺ ، فعليه أن يحمد الله ، وهذا من توفيق الله للعبد أن يهديه الطريق المستقيم ويوفقه إليه، والنبي ﷺ قال: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران" (٢). قوله: (بقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ. خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (٣)). ورواه ابن ماجه (٤) وأحمد (٥) والبيهقي (٦) وغيرهم. فهذا القضاء الذي قضى به عبد الله بن مسعودٍ ﵁ كان باجتهادٍ منه، وهو لم يُقدِم على الاجتهاد في المسألة إلا بعد إلحاحٍ وإعمال فكر ورويه (٧)، فلما اجتهد في هذه المسألة وانتهى، فجاء ذلك على وفق سنةً رسول الله ﷺ حين قضى في بروع بنت واشق بشهادة هذا الصحابي الذي روى ذلك، وأيَّد هذه الفتوى. وهذا له شواهد كثيرة: فأبو بكرٍ ﵁ عندما جاءته الجدة تطلب

стр. 5750

الميراث، فنظر في كتاب الله فلم يجد شيئًا، ثم نظر في سنة رسول الله ﷺ فيما يحفظ، إلى أن أخبره أحد الصحابة، وهو المغيرة بأن الرسول ﷺ أعطاها السدس فقضى بذلك (١). وهذا هو شأن الصحابة ﵃: أنهم كانوا في أي أمر من الأمور إذا طُرِحت أمامهم مسألة فيعرض ذلك على كتاب الله، فإن وجد الحل في ذلك وقف عنده، وإن لم يجد رجع إلى سنة رسول الله ﷺ ؛ فهي المرجع الثاني بعد كتاب الله، فإذا لم يجد اجتهد برأيه كما أوصى بذلك رسول الله ﷺ معاذ بن جبل ﵁ حين أرسله إلى اليمن (٢). قوله: (وَأَمَّا الْقِيَاسُ الْمُعَارِضُ لِهَذَا فَهُوَ أَنَّ الصدَاقَ عِوَضٌ، فَلَمَّا لَمْ يُقْبَضِ الْمُعَوَّضُ لَمْ يَجِبِ الْعِوَض، قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ، وَقَالَ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذه الْمَسْأَلَةِ: إِنْ ثَبَتَ حَدِيثُ بِرْوَعَ فَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ مَعَ السُّنَّةِ، وَالَّذِي قَالَهُ هُوَ الصَّوَاب، وَاللَّهُ أَعْلَمُ). وهذا هو المنهج الذي سار عليه الإمام الشافعي ﵀ ووضعه أساسًا وقاعدةً في مذهبه، وأشار إليه في كتبه التي دونها بقلمه، وبيَّن أنه لو صحَّ حديثٌ لم يصح عنده فهو مذهبه، فهذا هو شأن العلماء العاملين،

стр. 5751

وهكذا غيره من الأئمة، ومن بعدهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فكل من يريد الحق يسعى إلى البحث عنه في كتاب الله وفي سُنَّة رسوله ﷺ ، ولا يجوز لأي إنسانٍ كائنٍ من كان مهما بلغ من العلم، ومهما أتاه الله من الفطنة، ومن قوة الأسلوب والعبارة، فليس له أن يخترع رأيًا أو أن يقول بقول يخالف فيه كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ . (المَوْضِعُ الخَامِسُ فِي الأَصْدِقَةِ الفَاسِدَةِ). هنا انتقل المؤلف ﵀ إلى الأصدقة الفاسدة، ويعني بها المهور الفاسدة، وهي ما يُقدمه الزَّوجُ إلى الزوجة من مهر، وقد يطرأ عليه خلل، والأصل فيما يقدَّم أن يكون صحيحًا كالحال في البيع. ولكن قد يكون المهر فاسدًا، والفسَاد علَى نَوْعَين: - إمَّا أن يكون هذا المهر محرَّمًا عينًا، أي: هو في الأصل محرَّم، كما ذكر المؤلف أمثلة لذلك؛ كالخمر، والخنزير، والميتة، ويُلحق بذلك - أيضًا - الثمر التي لم يَبْدُ صلاحُها. - أو يكون مجهولًا، أي: فيه جَهالة، والجهالة تؤثر في ذلك أيضًا؛ كما تؤثر في البيع كالغرر. لكن أحكام البيع لا تنطبق تمامًا على أحكام النكاح في هذا الأمر؛ لأنَّ - كما مر معنا - من أمور النكاح فهي مبنية على المقاربة، وأما البيع فمُبادَلة مال بمال. وأما ما يُدفع في المبيع من المال متقوّمًا مقدورًا على تسليمه، فهي حالة ينبغي أن تكون موجودةً في النِّكاح، أي: في المهر. لكن الفرق بين النكاح والبيع: أنَّ في الصِّفات أو الخَلل؛ كوجود حُرمة، أو غرر، أو جهالة تؤثر في البيع وتفسده - سَرى على العوض، فيَسري ذلك على المُعوَّض، فيُرد الثمن. لكن النكاح يختلف؛ لأنه ينعقد دون شرط المهر، وقد مر معنا أن

стр. 5752

ذلك هو القول الصحيح، وبيَّنا ضعف قول من يقول بأن المهر شرط صحةٍ في عقد النكاح، فلننتبه لذلك (١). قال المصنف رحمه الله تعالى: (الموضع الخامس في الأصدقة الفاسدة وَالصَّدَاقُ يَفْسُدُ إِمَّا لِعَيْنِهِ، وَإمَّا لِصِفَةٍ فِيهِ مِنْ جَهْلٍ أَوْ عُذْرٍ). إمَّا لعينه: بأن يكون فاسدًا من الأصل. (فَالَّذِي يَفْسُدُ لِعَيْنِهِ، فَمِثْلُ الخَمْرِ وَالخِنْزِيرِ). لأنَّ اللَّهَ بيَّن حُرمة الخمر، فقال: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]. (وَالخِنْزِيرِ). قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، وقال : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، ويُلحَق بذلك - أيضًا - الميتة، وكل ما هو محرَّمٌ لعينه، فلا يجوز أن يُقدَّم مهرًا في النكاح (٢). (وَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُتَمَلَّكَ) (٣).

стр. 5753

كذلك أيضًا (ما لَا يجوز أن يُتملك) كأنْ يُقدم حبة قمحٍ مثلًا، أو حبة شعير، أو أَرُزًّا، أو غير ذلك مما لا قيمة له؛ ولذلك يقولون في البيع: يُشترط في المبيع أن يكون مالًا؛ وكذلك النكاح كما قال تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فنصَّ الله على المال. ولعلَّ الكلام يأتي معنا عن قضية مَن تزوج امرأة وجعل مهرها طلَاق ضَرَّتها، أي: زوجته، وهذا أمرٌ لا ينبغي. (وَالَّذِي يَفْسُدُ مِنْ قِبَلِ العُذْرِ وَالجَهْلِ، فَالأَصْلُ فِيهِ بِالبُيُوعِ). هنا يريد المؤلف أن يقول: إن هناك أمورًا أخرى قد يكون الخلل

стр. 5754

فيها لوجود جهالة، أو غَررٍ فيها، أو عدم قدرة على تسليمها؛ كبعير شارد، أو سمكٍ فِي الماء، أو حَمْلٍ في بطن ناقة أو شاة، أو طائر في السماء، فكلها أمورٌ لا يمكن تسلُّمها (١). إذًا، هذه عيوبٌ مؤثرة. ومن خلال هذه المقدمة نلحظ أمرًا مهمًّا، وهو أنَّ المؤلف في هذه المسائل التي يفسد فيها كالمهر، إنما ذكر أمورًا محرَّمة وأخرى مجهولة، ولا ننسى أن هذه الشريعة الغرَّاء المُحْكَمة المُتقَنة بيَّنت لنا الحلَال، ودعَتْنا إلى الأخذ به، وأوضحت الحرام وحذَّرتنا من ارتكابه وتناوله، والله طَيِّبٌ لا يقبل إلا طيبًا (٢)، والرسول ﷺ يقول: "إنَّ الحلالَ بَيِّنٌ، وإنَّ الحرام بَيِّنٌ، وبينهما أمورٌ مُشتبهات" (٣)، وفي رواية: "مُشَبَّهات، لا يَعلمهن كثير من الناس؛ فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لديته وعِرضه، [أي: حفظ دينه وصان عرضه]، ومَن وقع في الشبهات وقع في الحرام" (٤). فالمسلم مطالبٌ بأن يبتعد عن كل محرَّم ولَا يتناوله، سواءً كان هذا

стр. 5755

الحرام مالًا مغصوبًا، أو تعدَّى فيه على مال يتيم، أو أخذه عدوانًا وظلمًا، أو أخذه عن طريق الربا أو الغش، أو غير ذلك من الأمور المحرَّمة الكثيرة. وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦] فالحلال: ما أحلَّه الله ، والحرام: ما حرَّمه الله ، وليد لأحدٍ أن يُحِلَّ أمرًا لم تُحله هذه الشريعة، ولا أن يُحرِّم ما لم تحرمه الشريعة، بل أباحته، ومَن يفعل ذلك فقد ارتكب منكرًا، وأخطر من ذلك مَن يعتقده. ولذلك جاء في قصة عدي بن حاتم في قول الله : ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، أنه قال لرسول الله ﷺ : "لسنا نعبدُهم"، فقال له الرسول ﷺ : "أليسوا يُحلون ما حرَّم الله فتُحلونه، وبُحرمون ما أحلَّ الله فتُحرمونه؟ ". قال: بلى، قال: "فتلك عبادتهم"؛ فهذا مَن يعتقد ذلك (١). لكن حديثنا عمَّن يقدم مهرًا حرامًا، وهذا لا يجوز للمسلم. ولا ننسى - أيضًا - أننا في هذا المقام نُذَكَّر بأن يحاول المرء أن يُؤسس بيتًا يأوي إليه، ويسكن فيه بطمأنينة وراحة، وسيتغذى فيه هو وزوجه التي سيُنجَب منها الأولاد بإذن الله ؛ فينبغي أن يتغذى الكل على الحلال، وعلى طاعة الله ؛ حتى تنزل السعادة في هذا البيت؛ فلا يَشقى أهله، بل يعيشون عيشةً كريمة مطمئنة، فيوفَّق المرء في إنجاب أولادٍ صالحين؛ لأن الإنسان إذا اختار المرأة الصالحة طبَّق قول رسول الله ﷺ :

стр. 5756

"فاظفَرْ بذاتِ الدِّينِ"، أخرجه البخاري في "صحيحه" (١). ثم أتبع ذلك - أيضًا - بأنَّ ما قُدِّم مِن مهرٍ حلال، وما وُجَّهت إليه المرأة من طرق الخير - به يتحقق الخير والسعادة للزوجين معًا. فليحرص المسلم في كل أموره أن يكون ما يأكله أو يشربه أو يلبسه حلالًا، وينبغي له أن يتجنب الحرام، ويأتي في مقدمة ذلك: ما يُقَدِّمه المسلم في مثل هذا المقام وهو المهر، ولنتابع المسائل الواردة في ذلك. (وَفِي ذَلِكَ خَمْسُ مَسَائِلَ مَشْهُورَةٍ). قال المؤلف: (وَفِي ذَلِكَ خَمْسُ مَسَائِلَ مَشْهُورَةٍ)؛ لأن هناك مسائل أخرى لم يَعرض لها، ولعل منها ما ذكرنا آنفًا؛ كالذي يريد أن يتزوج امرأة فيقول: مهركِ طلاق زوجتي أو إحدى زوجاتي، وهذا قد يحصل من بعض الناس الجهلة، وهذا لا ينبغي (٢). فالمؤلف ﵀ اختار مسائل اعتبرها أمهات الباب؛ فاقتصر عليها، وترك غيرها ليأتى الإنسان اللبيب فيُلحق ما لم يُذكر بما ذُكر.

стр. 5757

(المَسْأَلَةُ الأُولَى: إِذَا كَانَ الصَّدَاقُ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا أَوْ ثَمَرَةً لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا). نسأل الله العافية، هذا كلام المؤلف وإن لم ينص على أن الزوج المُصدق مسلم، فقصده طبعًا المسلم؛ ولذلك عندما نأتي إلى بعض كتب الفقه نجد أنهم ينصون على ذِكر المسلم، والمؤلف هنا لم يذكر؛ لأنه يتحدث عن المسلمين، فالأمر معروف. أما غير المسلم فلا يهمه أن يُقدِّم خمرًا أو غيره؛ لأنه إذا فسد في الأصل وهو (العقيدة)، كما قال الله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]، فما بعدها يفسد تبعًا، وإن كان يُعاقَب على ترك الفروع زيادة. أما المسلم فهو الذي ينبغي أن يكون ورِعًا مُتَّقيًا لله ، ملتزمًا حدوده، مبتعدًا عن محارمه. (أَوْ ثَمَرَةً لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا). كذلك أيضًا: الثمرة التي لم يَبْدُ صلاحُها، أي: لم تنضج بعد، فلا يجوز له أن يقدِّمها؛ لأن الرسول ﷺ نهى عن بيع الثمر حتى يَبدو صلاحه (١)، ولما سئل قال: "أن تحمَرَّ أو تصفَرَّ" (٢)، يعني: أن تنضج (٣)، سواءً كانت فاكهة أو حبوبًا؛ كالقمح إذا استوى على سنبله، وهذا أمرٌ معروفٌ عند الجميع.

стр. 5758

(أَوْ بَعِيرًا شَارِدًا). كذلك البعير الشارد (١): كيف يقدَّم مهرًا وهو مجهول لا يَضمن أن يُرَدَّ أو يَظل مفقودًا؟! كذلك ما كان في بطن الشاة أو الناقة؛ لأنه لا يَدري أَيُولد حيًّا أم ميتًّا؟ ولا يُدرى نوعه، وكذلك الطير في السماء؛ لأنه قد لا يَرجع، والسمك في الماء … ، فهذه كلها فيها ضررٌ وجهالة. ولكن لننتبه أن المؤلف في هذا المقام ركَّز في مسألته على المحرَّمات لا المجهولات، وأثار في آخر المسألة قضيةً تَرَدَّد فيها، ولم يَظهر مذهبه فيها، وسنتكلم عنها. (فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ). وأحمد كذلك (٢).

стр. 5759

("العَقْدُ صَحِيحٌ إِذَا وَقَعَ فِيهِ مَهْرُ المِثْلِ" (١)). يعني: العلماء في هذا المقام انقسموا إلى قسمين من حيث الجملة: - فريق منهم - وهم الأكثر - قالوا: إن العقد صحيح، والمهر غير صحيح، لأنه مُحَرَّم؛ فيُرجع إلى رأي المِثل. - وفريق يتمثل في الإمام مالك ومَن وافقه، فقد فَرَّق ﵀ بين حالتين: بين أن يُقدم هذا المهر قبل العقد، وبين أن يُقدم بعده؛ فإن كان قبله فلا يجوز، وإن كان بعده فيجوز، فكأنه لاحظ جانب التيسير. (وَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَان (٢)، إِحْدَاهُمَا: فَسَادُ العَقْدِ وَفَسْخُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَه، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ (٣)). إذًا، الإمام مالك له روايتان: - الرواية الأولى: أن العقد يفسد مطلقًا؛ وهي أولى أن يوقف عندها في المذهب، وإن كنا نُضَعِّف هذا القول، لكن هو أولى مِن التَّفرِيق؛ إذْ لَا داعي للتَّفريق ولا حُجة له، لكن القول الأول في المذهب هو أنه إذا كان المهر حرامًا فإنه يَسري للعقد، أي: يصل إليه، فيُفسده. فكأنَّ الإمام مالكًا أو المالكية في ذلك نَزَّلوا النكاح منزلة البيع (٤)؛ لأن البيع - كما هو معلوم - إذا فسد العِوض وهو المبيع فَسَد المُعوَّض، وهو الثمن، فيُرجع ويُرد؛ وهذه قاعدة معروفة في البيع، نصُّها: (إذا فَسَد

стр. 5760

العوض رُدَّ المُعوَّض الذي هو الثمن) (١). (وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ إِنْ دَخَلَ ثَبَتَ، وَلَهَا صَدَاقُ المِثْلِ (٢)). إذًا هذه روايةٌ أخرى في المذهب فُرِّق فيها بين الدخول وبعده. (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ حُكْمُ النِّكَاحِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ البَيْعِ، أَمْ لَيْسَ كَذَلِكَ؟). أما الذين قالوا بمنع ذلك - وهم المالكية - فإنهم قاسوا ذلك على نكاح الشِّغار (٣). ونكاح الشِّغار: هو أن يُزوِّج المرء ابنته لآخر على أن يُزَوِّجه ابنته ولا صَدَاق بينهما؛ فهذا نكاحٌ لا يجوز، وسُمِّي نكاح الشغار قياسًا على الكلمة، وذلك لقُبح حاله (٤).

стр. 5761

وأما الذين أجازوا ذلك فإنهم قالوا: لو كان العِوض - وهو المهر - صحيحًا ألا يصح العقد؟ قيل: بلى، قالوا: فكذلك، أنتم ترون أنهم قاسوا العِوض الفاسد على العوض الصحيح، وهذا قياس مع الفارق، لكنهم يريدون أن يُرَتِّبوا علَى ذلك أمورًا؛ قالوا: فكذلك الحال هنا، أليس إذا كان المهر مجهولًا أو مغصُوبًا يصح العقد بالاتفاق؟ قالوا: بلى، وكذا قال المالكية. إذًا، هناك فرق بين العقد وبين المهر، فلا ينبغي أن يكونا بشيءٍ واحد. ولذلك فرَّقوا بين البيع وبين غيره (١). (فَمَنْ قَالَ: حُكْمُهُ حُكْمُ البَيْعِ - قَالَ: يَفْسُدُ النِّكَاحُ بِفَسَادِ الصَّدَاقِ (٢)). لأنه إذا فسد العوض فإنه يُرد المعوَّض، كما مر معنا، فإذا كان البيع فاسدًا وجب أن يُرَدَّ الثمن إلى صاحبه، وهذا أمرٌ مُسَلَّم. قالوا - أي: الفريق الآخر الجمهور: لكن ذلك لا ينطبق على النكاح. قيل: لماذا؟ قالوا: لأنه إذا فَسَد العِوض فيه فلا يَفسد ما يقابل المعوَّض وهو العقد؛ فالعقد هنا صحيح لا يتغير، كما لو لم يكن هناك مهرٌ أصلًا، وهذا أعظم من ألا يكون هناك مهر؛ فالنكاح إذًا يصح خلافًا لمن شَكَّ في هذه المسألة، أو خلافًا للقول الضعيف الذي يرى أن المهر شرط .. فعلى هذا يصح أن يُعقد النكاح دون ذِكر المهر (٣). وعليه، قالوا: كذلك هنا، فنعتبر أن المهر كأن لم يكن، فنُصححه ثم نرجع في هذه الحالة إلى مهر المثل؛ وهو الذي يتقرر في هذه الحالة.

стр. 5762

(كمَا يَفْسُدُ البَيْعُ بِفَسَادِ الثَّمَنِ). ونحن نقول: هذا قياسٌ مع الفارق، لأن البيع يفسد بفساد الثمن، لأن الثمن إذا فسد سَرَى على المبيع، وإذا فسد البيع رُد الثَّمن أيضًا. لكن الحال هنا مختلفةٌ تمامًا، فإن العقد هنا لا يفسد، ودعوى الفساد من المالكية غير مُسلَّمة، والقياس على نكاح الشغار صورته مختلفة، وجاء فيه نصّ عن رسول الله ﷺ ، فلا يقاس عليه هذا الأمر (١). (وَمَنْ قَالَ: لَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ عَقْدِ النِّكَاحِ صِحَّةُ الصَّدَاقِ، بِدَلِيلِ: أَنَّ ذِكْرَ الصَّدَاقِ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ العَقْدِ). لقد أحسن المؤلف، وهذا ما ذكرناه بأن ذكر الصداق ليس شرطًا في صحة العقد، ومن قال ذلك فقوله ضعيف (٢). وقصة المفوَّضة معلومة ومَرَّت معنا، حيث بيَّنا فيها أنَّ المفوَّضة - والأشهر المفوِّضة - على نوعين: - تفويض بُضع، وهذا لا يُذكر فيه الصداق أصلًا. - وتفويض المَهر، وهو الذي لا يُذكر فيه الصداق، لكنه لا يُحدَّد (٣). فيجوز هنا أن يكون نكاحٌ دون ذِكر الصداق، والرسول ﷺ قد زوَّج امرأة برجلٍ ولم يَذكر صداقًا (٤).

стр. 5763

فالأمر قد جاء في سنة رسول الله ﷺ ، وثبت - أيضًا - أنه زوَّج أخرى بِنَعْلَيْن، وقال: "أَتَرْضَين من نفسكِ ومالكِ بنعلين؟ ". ما قيمة النعلين؛ وقالت: "نَعَمْ"، فأجاز ﷺ ذلك (١). (قَالَ: يَمْضِي النِّكَاح، وَيُصَحَّحُ بِصَدَاقِ المِثْلِ (٢)). لِمَا تقَرَّر عندنا أن هناك عقدًا ومهرًا؛ ويصح العقد ما لم يحصل فيه أيُّ خلل، وأن الخلل إنما حصل في المهر، فقلنا بفساده .. فعلى هذا يمكن تصحيحه، وذلك بالقاعدة الثابتة التي التقى حولها العلماء بأنه إمَّا أن يُرجع إلى القيمة أو إلى مهر المِثل، وحينئذٍ يُرجع إلى القيمة، وهي مَهر المثل، ويرتفع الإشكال، ويُبعَد المحوَّم، فيكون العقد صحيحًا بحمد الله، وما قُدِّم إنما هو صحيحٌ أيضًا. (وَالفَرْقُ بَيْنَ الدُّخُولِ وَعَدَمِهِ ضَعِيفٌ). أي: أنَّ الفرق بين الدخول وقبله ضعيف، لأن التفرقة تحتاج إلى دليل، وقد حَلَّ هنا ولم يَحل؛ لارتباطه بالعقد، فهو يُفسده قبل الدخول وبعده، فلماذا فرَّقوا بينهما؟ إلا أن يكون تفريقٌ بلا مفرِّق ولا دليل، فينبغي أن يُرَدَّ ذلك القول. وهذا من إنصاف المؤلف ﵀ حيث إنه لم يتعصب لمذهبه، بل يرد عليه. (وَالَّذِي تَقْتَضِيهِ أُصُولُ مَالِكٍ: أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الصَّدَاقِ المُحَرَّمِ العَيْنِ، وَبَيْنَ المُحَرَّمِ لِصِفَةٍ فِيهِ، قِيَاسًا عَلَى البَيْعِ) (٣).

стр. 5764

من الأسس المهمة لكل فقيهٍ يَدرس مذهبًا مِن المذَاهب أن يعرف أصول ذلك المذهب، ونجد أن المذاهب الأربعة تلتقي في أصولها الكبرى، فهي تلتقي عند الأخذ بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، والإجماع، والقياس - وإن اختلفوا فيما يتعلق بالرأي بسطًا وتقليلًا، لكنهم يختلفون - مثلًا - في المصالح المرسلة، وفي قول الصحابي (١). إذًا، كل مذهبٍ من المذاهب قد ينفرد بأصلٍ من الأصول، فينبغي على الفقيه والأصولي عند دراسة مذهبٍ من المذاهب أن يعرف أُصوله؛ كي يُطل عليه ويكون عنده مدخل يسير في ضوئه؛ لأن الأصول تُقرِّب فهم المذهب وأصول فقهائه وفروعه، وتجعل الدارس يقف على خفايا وأسرار هذا المذهب، أما لو دخل مذهبًا من غير طريق معروف، ومن غير أبوابه وأصوله ونحو ذلك مما ذكرنا؛ فإنه سيَتِيه في مسائله ولا يستطيع ضبطها. إذًا، المؤلف هنا لم يَعرف رأي المالكية في المسألة، لكن لأنه عرف أصولهم، فقال: إن أصول المذهب تقتضي التفرقة بين أن يكون المهر محرَّمًا لعينه، وبين أن يكون مجهولًا، أو أن يكون - أيضًا - غير مقدورٍ على تسليمه، أو أن يُعدم - أيضًا - قبل تسليمه. وهذا الذي قاله المؤلف هو الصحيح، وهذه المسألة - فيما - أعلم موضع اتفاق بين الأئمة الأربعة (٢).

стр. 5765

إذًا، هناك فرق بين الجهالة وبين ما هو مُحَرَّمٌ لعينه؛ ففيما يتعلق بالجهالة لم يَقل أحدٌ بأن العقد يَفسد (١)، لكن عند المالكية قالوا بفساد العقد (٢). فأصول مذهب مالك - بل وفروعه - تلتقي مع الأئمة الثلاثة الآخرين في أن العقد هنا لا يَفسد، وبذلك يكون هناك فرق في المذهب المالكي بين مسألة أن يكون المهر محرَّمًا لعينه وبين أن يكون مجهولًا؛ فهم في الجهالة يَنضمون إلى بقية الأئمة، فيوافقونه، فيكون الأئمة الأربعة قد التقوْا في هذه المسألة، لكن هذا - أيضًا - يتطلب أنه عند الجهالة يُرجع إلى مَهر المثل، لكن قصدي أن المالكية لا يُبطلون العقد بهذه الصورة، فلننتبه، فهذه أوردها المؤلف دون أن يبيِّنها، وهي مِن القضايا التي ينبغي - أيضا - أن يكون دارس هذا الكتاب أو مَن يُدَرِّسه ملاحظًا لها، كذلك الإيماءات والإشارات التي ينبِّه إليها المؤلف، وهو قد أعطانا إشارة، لكنها إشارةٌ صحيحة، وهو لم يَستمدها من فرعٍ وجَدَه في المذهب، لكنه أخذها من أصول المذهب، فجاءت صحيحة؛ لأنها تلتقي مع أصول المذهب، وهي - أيضًا - فرعٌ من فروعه وَافَقَ فيها المالكية غيرهم. (وَلَسْتُ أَذْكُرُ الآنَ فِيهِ نَصًّا). ولكنني بيَّنتُ لكم أن هذا هو مذهب المالكية فيما أعلم. قال المصنف رحمه الله تعالى: (المسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَاخْتَلَفُوا إِذَا اقْتَرَنَ بِالمَهْرِ بَيْعٌ؛ مِثْلَ أَنْ تَدْفَعَ إِلَيْهِ عَبْدًا، وَيَدْفَعَ أَلْفَ دِرْهَمٍ عَنِ الصَّدَاقِ).

стр. 5766

منذ أن وضعنا أيدينا على كتاب النكاح بالشَّرح نجد أنَّ المؤلف ﵀ أحيانًا يسير مع البيع بجواره كفرسي رِهان، فلا تكاد تمر مسألة إلا ويذكر فيها البيع؛ لوجود رابط بينهما، وليس ذلك غريبًا؛ لأن البيع عقدٌ، وكذلك النكاح؛ ولذلك فإن بعض العلماء يُقسِّمون الفقه إلى (عبادات ومعاملات)، ويعتبرون النكاح من المعاملات، وهذا صحيح، ولكنهم عند التفصيل المجزَّأ يجعلون النكاح من أحكام الأسرة قسمًا مستقلًّا، لكن ليس معنى ذلك أن نباعد بينها على أنها ليست عقدًا، ولكنهم يجعلونها قسمًا مستقلًّا؛ لأن أكثر أحكامها تخصُّها، ولا يُوافقها غيرها من الأحكام. إذًا هذا هو السبب. وأحيانًا يجتمع في العقد صداقٌ وبيعٌ، كأن يقول - مثلًا - ولي المرأة (أبوها): "زوَّجتك ابنتي، وبِعتك عبدي بألف درهمٍ"، هنا جُمع في العقد بين أمرين: (المهر، وثَمن العبد) بيعًا، فالتقَى عقدان في عقدٍ واحد، وقد يُبدلون العبد، فيقال: "أو بِعتك داري بألف درهم"، وربما يقال: "زوَّجتك ابنتي، واشتريت - أيضًا - دارك بخمسمائة درهم". فالمقصود: هل يصح أن يجتمع مع المهر شيءٌ آخر وهو البيع؛ هذا هو مراد المؤلف، وهذا في حالة عدم تسمية المهر، أما لو قال: "زوَّجتك ابنتي وبعتك داري بألف درهم: خمسمائةٍ عن المهر وخمسمائة عن الدار"، فلا إشكَال هنا، ولا نحتاج إلى أن نبحث، لأن المبلغ قُسِّم وحُدِّد، فعرفنا ما يخص المَهْر وما يخص المبيع، فلا إشكال. لكن يأتي الإشكال إذا أُبهم، ونحن نجد هنا أن جمهور العلماء يُجيزون ذلك أيضًا. (وَعَنْ ثَمَنِ العَبْدِ). أي: يُعطيها ألفًا عن صداقه، وهي - أيضًا - تُعطيه عبدًا، لكن في هذه الحالة لم يُحَدَّد المهر.

стр. 5767

(وَلَا يُسَمَّى الثَّمَنُ مِنَ الصَّدَاقِ). أمَّا لو سُمِّي الصداق ارتفعت الجهالة، فلا خلاف بين العلماء في هذه المسألة. وهنا تنبيه: كثير من طلاب العلم تمر بهم مسائل وينسونها في الغالب، وهذه مشكلة يشكو منها الكثير، حيث يدرس الطالب المسائل، فإذا انتقل إلى غيرها نَسيها، لكن التغلب على هذا دائمًا يأتي بالحرص والرغبة في طلب العلم، والإخلاص له، وتفريغ النفس والقلب لتحصيله ومدارسته، فإن نسي شيئًا كعادة البشر - لأن كل إنسان ينسى - فستبقى أشياء. وقيمة العِلم دائمًا تكون بالصلة به؛ قراءةً، وتعمقًا في دراسته، ومحاولةً لتفهم مسائله، أمَّا إذا مَرَّت المسائل مرور الكرام - فهذه سرعان ما تضيع، لكن المسائل التي تحرص عليها ويُعمل الفكر والذهن فيها - غالبًا ما يبقى منها في الذهن شيء، وليس شرطًا أن تُحفظ، لكنها تبقى متى استُدعيت خرجت بإذن الله. ونعود لمسألة تحديد أقل المهر التي مَرَّ بنا خلاف العلماء فيها؛ فوجدنا أن الحنفية والحنابلة في جانب، والشافعية والمالكية في جانب، وهذا سيَسْرِي علَى بعض المسائل؛ فلننتبه لذلك. فالحنفية والحنابلة لا يرون تحديد ذلك، والشافعية والمالكية إنما يُحددونه، ليس الشافعية، إنما هم المالكية والحنفية هم الذين يُحَدِّدون، والشافعية والحنابلة لا يُحَدِّدون. (فَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَابْنُ القَاسِمِ (١)، .............

стр. 5768

وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ (١). وَأَجَازَهُ أَشْهَبُ (٢)، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ (٣)). (وَأَجَازَهُ أَشْهَبُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ)، أي: الذي أجازه أحمد؛ لأنه بالنسبة لقول الإمامين يتعلق الأمر بالصَّداق (٤). (وَفَرَّقَ عَبْدُ اللَّهِ، فَقَالَ: "إِنْ كانَ البَاقِي بَعْدَ البَيْعِ رُبُعَ دِينَارٍ فَصَاعِدًا بِأَمْرٍ لَا يُشَكُّ فِيهِ، جَازَ" (٥)). وقد قال ذلك؛ لأن المالكية يشترطون أن يكون لأقل المهر حَدٌّ (٦)،

стр. 5769

وحَدَّدوا ذلك اجتهادًا؛ فلم يجدوا، فقَاسُوه على القَدْرِ - أي: النِّصاب الذي تُقطع به يد السارق - "لا قَطْعَ إلَّا في رُبع دينارٍ فصاعدًا" (١)، وربع الدينار يُساوي ثلاثة دراهم. إذًا هذا هو الملحظ الذي أخذ به هذا الإمام المالكي، وإن كان المالكية لا يتفقون حوله. (وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، فَمَرَّةً قَالَ: "ذَلِكَ جَائِزٌ"، وَمَرَّةً قَالَ: "فِيهِ مَهْرُ المِثْلِ" (٢). وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ النِّكَاحُ فِي ذَلِكَ شَبِيهٌ بِالبَيْعِ، أَمْ لَيْسَ بِشَبِيهٍ؟ فَمَنْ شَبَّهَهُ فِي ذَلِكَ بِالبَيْعِ مَنَعَهُ (٣)، وَمَنْ جَوَّزَ فِي النِّكَاحِ مِنَ الجَهْلِ مَا لَا يَجُوزُ فِي البَيْعِ - قَالَ: يَجُوزُ).

стр. 5770

معلوم أن في النكاح تخفيفًا، يختلف عن البيع في هذا المقام، فعندما نأتي لأمرٍ لم يُقسَّط، لكنه ذُكِر أنه عن البيع فأقل ما يكون أنه يصلح، فهو عند الشافعية والحنابلة أقل ما يكون، وأقل ما يُسمى مالًا إنَّما يصلح أن يكون مهرًا. قال المصنف رحمه الله تعالى: (المسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَاخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِيمَنْ نَكَحَ امْرَأَةً، وَاشْتُرِطَ عَلَيْهِ فِي صَدَاقِهَا حِبَاءٌ يُحَابِي بِهِ الأَبَ). الحِباء بكسر الحاء: العَطاء (١)، وبعض العلماء يُقَيِّده للأب وحده، فلا يدخل الجَد، وإنَّما يختص بالأب القريب. واختلف في ذلك العلماء؛ فمنهم من قال: يجوز أن يُزوِّج الأب ابنته، وبعضهم قال أيضا: الوليُّ يجوز أن يُزوِّج ابنته ويشترط لنفسه حِباءً، أي: عطاءً يختص به دون عِوض، بل يجوز أن يشترط لنفسه أن يُعطى شيئًا، فكأنه حابَى نفسه، أي: طلب لها أمرًا من الأمور (٢). وبعض العلماء قال: لا يجوز (٣)؛ لأن هذا أمرٌ يَخص الزوجة، فلا يجوز أن يُشترط شيءٌ من ذلك، لأنه ظلمٌ لها، ولو حصل شيءٌ من ذلك فينبغي أن يُرجع إلى مهر المثل، لأنه بالرجوع إلى مهر المثل تحقيقٌ للعدالة، ورفعٌ للظلم، لأن الأب إذا أخذ من مهر ابنته اشتُرط شيءٌ له ولها، فهذا أمرٌ سيضرها وسينقصها، وبهذا تكون قد تضررت، وربما يدفع الزوج الألفين - مثلًا - للزوجة، فإذا اشترط الأب لنفسه ألفًا قام الزوج بدل أن يدفع الضعف دفع نصفه، كذا قالوا. وعند التأمُّل نَجِد أن التابعي مسروقًا ﵀ وهو حُجة للقائلين

стр. 5771

بالجواز - زوَّج ابنته، واشترط لنفسه عشرة آلاف درهم، ولكنه لم يأخذها ليقتات منها، أو يتنعَّم بها، بل لينفقها في الحج وعلى المساكين وسائر أوجه البر، ثم قال للرجل: "جهِّز امرأتك"، وقد صحَّ هذا عنه؛ ولذلك يحتجون به (١). وهناك فريقٌ آخرُ مِن العلماء قال: لا يجوز ذلك؛ لأن المهر ينبغي أن يكون للمرأة خالصًا، لأنه حقها، ولا يجوز أن يُشركها غيرها فيه؛ لا أبٌ ولا غيره، وبعضهم خصَّ ذلك بالأب (٢)؛ فقالوا: إنَّ له من الحقوق ما ليس لغيره، واستدلوا بقول الوسول ﷺ : "أنتَ ومالُكَ لأبيكَ"، أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٣)؛ فما دام المرء وماله لأبيه فله أن يشترط ما شاء. وفي الحديث الآخر: "إنَّ أطيبَ ما أكَل الرَّجُلُ مِن كَسْبِه، وإنَّ ولَدَه مِن كَسْبِه"، أخرجه النسائي (٤). وفي قصة شعيب ﵇ مع موسى ﵇: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ [القصص: ٢٧]، إذًا، هو آجرَهُ على رعاية الغنَم مدة ثمانية أعوام مقابل أن يزوِّجه ابنته، قالوا: فهنا شعيبٌ أخذ الكل لنفسه، ولم يَرد ذكرٌ للبنت (٥).

стр. 5772

وقد أشار المؤلف إلى هذا قائلًا: إن هذا في شَرع مَن قبلنا، وسيأتي معنا كلامه، لنتبين ما فيه. (عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: "الشَّرْطُ لَازِمٌ، وَالصَّدَاقُ صَحِيحٌ" (١)). وأحمد أيضًا (٢). (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: المَهْرُ فَاسِدٌ، وَلَهَا صَدَاقُ المِثْلِ (٣)). قال الشافعي هذا، لأن فيه ظلمًا وتعدِّيًا على المرأة، بل فيه غرر، لأن هذا الشرط سيؤثر على البنت، فينقص حقها، فينبغي أن نرفع هذا الجهل والغرر، وأن نرجع إلى الأصل: وهو مِهر المثل. (وَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا كَانَ الشَّرْطُ عِنْدَ النِّكَاحِ فَهُوَ لابْنَتِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ النِّكَاحِ، فَهُوَ لَهُ (٤)).

стр. 5773

وقال مالك هذا؛ لأنه جاء في هذا حديث، وقد اختلف العلماء في صحته ومفهومه. (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَشْبِيهُ النِّكَاحِ فِي ذَلِكَ بِالبَيْعِ). لنتأمل، هنا ردَّ المسألة إلى البيع كما نوَّهنا سابقًا. (فَمَنْ شَبَّهَهُ بِالوَكيلِ يَبِيعُ السِّلْعَةَ، وَيَشْتَرِطُ لِنَفْسِهِ حِبَاءً، قَالَ: لَا يَجُوزُ النِّكَاحُ كمَا لَا يَجُوزُ البَيْعُ، وَمَنْ جَعَلَ النِّكَاحَ فِي ذَلِكَ مُخَالِفًا لِلْبَيْعِ، قَالَ: يَجُوزُ (١)). لأنَّ الوكيل هنا حابَى نفسه، ومثله - أيضًا - عامل الصدقة، لا يجوز أن يشترط لنفسه شيئًا، أو أن يستغل مكانه؛ ولذلك أنكر الرسول ﷺ على ابنُ اللُّتبيَّةِ لمَّا جاء وقال: "هذا لكم، وهذا لي"، فما كان من الرسول ﷺ - وهو المُوَجِّه الكريم الذي لا يُريد أن يخدش أحدًا ولا أن يُجرحه - قال: "ما بالُ أحدكم يُرسَل في كذا، فيقول: هذا لي وهذا لكم، هلَّا جلس في بيت أبيه وأمه حتى ينظر أيُهدى إليه أم لا؟ " (٢). أي: يجلس في بيت أبيه وأمه، لينظر هل تأتيه هذه الأمور أم لا؟ أما أن تذهب لك سُلطة وهيمنةً ثم تستغل هذه الهيمنة، فلا ينبغي. كذلك الوكيل ليس له أن يأخذ، وكم من أُناسٍ يستغلون مثل هذه

стр. 5774

الأمور، لا يبيع إلا إذا حصل له شيء، وهذا أمر لا يجوز - لكن الصورة هنا مختلفة تمامًا. (وَأَمَّا تَفْرِيقُ مَالِكٍ؛ فَلأنَّهُ اتَّهَمَهُ إِذَا كانَ الشَّرْطُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الَّذِي اشْتَرَطَهُ لِنَفْسِهِ نُقْصَانًا مِنْ صَدَاقِ مِثْلِهَا). لأنَّ الزَّوج في هذه الحالة إذا كان راغبًا في الزَّوجة سينزل عند رغبته، لكنه سينقص المهر فتتضور البنت، لكن إذا كان يعد العقد فلا يُلزم، فيكون ذلك عن طيب نفسٍ ورضا. (وَلَمْ يَتَّهِمْهُ إِذَا كانَ بَعْدَ انْعِقَادِ النِّكَاحِ وَالاتِّفَاقِ عَلَى الصَّدَاقِ. وَقَوْلُ مَالِكٍ هُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ (١) وَالثَّوْرِيِّ (٢) وَأَبِي عُبَيْدٍ (٣). أبو عُبيْد: هو القاسم بن سلَّام صاحب كتاب "الأموال"، حيث وافق مالكًا في هذه المسألة. (وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ (٤)، وَالنَّسَائِيُّ (٥)، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ (٦)، عَنْ عَمْرِو بْنِ

стр. 5775

شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَت عَلَى حِبَاءٍ قَبْلَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ، فَهُوَ لَهَا"). يعني: قبل عقد النكاح. ("وَمَا كَانَ بَعْدَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ، فَهُوَ لِمَنْ أُعْطِيَه، وَأَحَقُّ مَا أُكْرِمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ ابْنَتُهُ وَأُخْتُهُ"). وهذا أجاب عنه الفريق الآخر بقولهم: إن الذي جاء في الحديث إذا لم يحصل شرط في حالة السكوت ولم يُدفع مهر، فليس لوليِّ أمرها أن يأخذ نصفه، لكن قد يُشترط أحيانًا ذلك - وهو حاصل عند بعض الناس حيث لا يزالون يعملون به - فيشترطون على الزوج بالدفع لأمِّها مبلغًا لإرضائها، ولا يزال هذا موجودًا في بعض المجتمعات والقبائل، ويوجد العكس أيضًا، كبعض الآباء الذين يأخذون المهر، ليشتروا به للبنت، أو يُسَلِّمونه لها، ثم هم يقومون بتجهيزها، فالناس مختلفون في هذا الأمر. وهذا يرجع إلى واحدٍ من أمرين: - قدرة الإنسان، فالإنسان العاجز معذور. - ومِن الناس مَن عنده قدرة، لكن يغلب عليه الشُّحُّ، ومنهم مَن يكون قادرًا، ولكنه كريم النفس، طيِّب الفؤاد، يريد دائمًا أن يُريح ابنته، ولا يُرهق الزوج، وهو في نفسٍ مرتاحة مطمئنة، فهذا - أيضًا - غاية ما ينشده كلٌّ من الزوجين، وهي السعادة. فينبغي التنافس في أفعال الخير وأوجه البر والطاعة والتقريب بين مَن أرادوا العفاف، وإلا فلماذا نترك الشباب يَهِمُون على وجوههم، فيذهبون - مثلًا - إلى الخارج في دول الكفر، وربما يَقطع بعضهم جزءًا كبيرًا من حياته، فيتجاوز الثلاثين عامًا، وهو لا يستطيع أن يتزوج، ولو قُدِّر له إن تَزَوَّج فنجد أن الديون تتراكم عليه، ويظل حياته كلها منهمكًا محرومًا، وربما يفارق هذه الدُّنيا والديون يَراها شبحًا أمام عينيه، والله يقول في

стр. 5776

أمر الزواج: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فينبغي أن تُبنى أمور النكاح على التيسير، كما قال ﷺ : "أعظمُ النِّساءِ برَكةً أيسرُهنَّ مؤنةً" (١). "وَأَحَقُّ مَا أُكْرِمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ ابْنتهُ وَأُخْتُهُ". نفس هذا الحديث فيه إشارة إلى تكريم الأب، لكننا نقول: لا ينبغي أن يكون ذلك مصدرًا ليستفيد منه الإنسان، وله أن يشترط إذا كان ذا حاجة، إلا أنَّ الأَوْلَى ألا يفعل ذلك، لا سيما إذا كان قد أغناه الله ، وأعطاه اليُسر فلا ينبغي له أن يشترط، ولا أن تتطلع عينه إلى مثل هذه الأمور، بل ينبغي أن يكون فوق ذلك، عفيفًا. (وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ صَحَّفَهُ (٢)). أي: قد رواه عن صحيفة، وهذا فيه خلاف (٣)، ولكن الفريق الآخر

стр. 5777

- أيضًا - لهم أدلة، منها قصة شعيب ﵇، فإنه في هذا الأمر اشترط على موسى ﵇ أن يقوم برعاية غنمه، ولم يَذكر شعيبٌ شيئًا لبنته، ولم يُذكر أن الغنم هذه للبنت، وإنما الظاهر أنها لشعيب. الأمر الآخر حديث: "أنتَ ومالُكَ لأبيكَ" (١)، وحديث: "إنَّ أطيَبَ ما أكَل الرَّجُلُ مِن كَسْبِه، وإنَّ ولَدَه مِن كسْبِه" (٢). فهذه أدلة عامة، ولا شَكَّ أن الأب له أن يتصرف في مال ولده، لكن - أيضًا - ينبغي أن يكون في حدود، حتى وإن أعطت الشريعةُ الأبَ أن يتصرف في مال الابن، فلا ينبغى له أن يَسلبه أمواله ويتركه عالةً يتكفَّف الناس. وإذا كان الرسول ﷺ قد أوصى سعد بن أبي وقاص بألَّا يترك أولاده عالةً؛ لما ذهب إلى الرسول وأخبره بأنه صاحب مالٍ كثير، وسأله بما يصنع بماله: أَتَصَدَّق بمالي؟ قال: "لا". فقال: أتصدق بثلثيه؟ قال: "لا". قال: الثلث؟ قال: "الثلث، والثلث كثير، إنَّك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس" (٣). أي: فقراء يقرعون باب هذا ويسألون ذاك، ويذلون أمام هذا، ولا شك أن من أفضل ما يُقَدِّمه الإنسان أن يَكفي مَن يعول، مِن أقرب الناس إليه، ثم مَن بعدهم فبعدهم. (وَلَكِنَّهُ نَصٌّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ. وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: "إِذَا رَوَتْهُ الثِّقَات، وَجَبَ العَمَلُ بِهِ" (٤)).

стр. 5778

نعم، هذا الذي قاله المؤلف نصٌّ في قول مالك، لكن العلماء تأوَّلوا هذا كما ذكرنا، لأن في آخر الحديث ما يُؤيد - أيضًا - رأي الذين استثنوا من ذلك الأب، وقالوا: إن هذا في غير حَقِّ الأب، أما الأب فهناك أدلة تدل على أن له من الخصائص والمزايا في التصرف في مال ابنه ما ليس لغيره، حتى وإن كان جَده؛ فهم لا يَضعون الجد في مرحلة الأب القريب. قال المصنف رحمه الله تعالى: (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّدَاقِ يُسْتَحَقُّ، وَيُوجَدُ بِهِ عَيْبٌ). هذه مسألةٌ: لو أن إنسانًا قدَّم مهرًا، وهذا المهر معيَّن، ثم تبين له أن هذا المهر فيه عيبٌ، فهذا العيب لا يخلو من أحد أمرين: - إما أن يكون عيبًا ظاهرًا بينًا، إذا نظر إليه أيُّ إنسان حكم بأنه معيب. - وقد يكون هذا العيب يسيرًا. فهل هناك فرقٌ بين أن يكون العيب يسيرًا، وبين أن يكون كبيرًا، أو أن ذلك يشمل جميع العيوب؟ الحنفية انفردوا من بين الأئمة، فقالوا: إذا كان العيب يسيرًا فإنه مما يُتسامح فيه؛ فلو أصدقها دارًا وكان فيها شيءٌ من العيب، أو أصدقها حيوانًا وتبيّن فيه عيبٌ، كأن يسير بعرجٍ يسير، فإن ذلك - على قولهم - لا يضر، لأنه مغتَفرٌ له (١). وغيرهم من العلماء قالوا: لا، العيب عيبٌ؛ كبر أم صغر؛ فالعيب إذا وُجد فإنه يُخل، ويُرد المهر في هذه الحالة، ويُرجع إلى القيمة (٢).

стр. 5779

وبعض أهل العلم يفصِّل القول في ذلك، فيقول: إن كان هذا العيب له قيمة يُرجع إلى القيمة، وإن كان مثليًّا - يعني: له مثيلٌ يشابهه تمامًا؛ كالمكيل، والموزون، والمذروع - فإنه يُرجع إلى المثل هنا، فلو أصدقها مثلًا عشرين صاعًا من قمح، فإنهم يقولون: هذا مكيل، يُرجع إليه، فيؤتى بنوع القمح المثيل، فتُعطى عشرين صاعًا من الخالي من العيوب؛ من السوس وما أشبه (١)، وإذا أصدقها نوعًا من القماش مذروعًا، وكان له في هذه الحالة مثيل، فإنه يُرجع إليه، ولو أصدقها عشر أوقيات من السمن أو من العسل، ثم تبيَّن في ذلك خلل، فإنه يُرجع إلى مقابل ذلك موزونًا بما هو صالح. وهكذا كان العلماء ﵏ مجتهدين في التدقيق في هذه المسائل، وفي العناية بها، وفي محاولة أن تكون العقود دائمًا سائرةً في

стр. 5780

طريقٍ صحيح؛ فنجد أنهم يحاولون معالجة المشكلات ما لم تتعارض مع نص؛ فإن تعارضت مع نص طرحوا ذلك القول وأخذوا بذلك النص. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّدَاقِ يُسْتَحَقُّ، وَيُوجَدُ بِهِ عَيْبٌ). يعني بهذا: الصداق المعين، لكن لو أطلق فإننا نأخذ ما هو أولى، ولذلك بعض الفقهاء ينص على أنه إذا أصدقها شيئًا معيَّنًا، لكن لو قال: عشرة آصُع من نوع القمح الفلاني، فمعلوم أنه يؤخذ من الجيد، لكن عندما يحدد، فيأتي بشيء من القمح أو من الثياب فيُصدقها إياه، فهذا أصبح معيَّنًا. * قوله: (فَقَالَ الجُمْهُورُ: النِّكَاحُ ثَابِتٌ) (١). وهذا هو الصحيح، والنكاح ثابتٌ، لأن هذا يلتقي مع أصول هذه الشريعة، فهذا العيب الموجود نستطيع أن نعالجه، لأنه لا تأثير له على العقد، بخلاف البيع، فالبيع يتأثر بوجود عيبٍ في الثمن، فالشيء المبيع إذا كان الثمن فيه معيبًا فإن العيب يؤثر في العَقد، وكذلك لو كان العوض المبيع معيبًا فإنه يؤثر فيه. فلو أنك اشتريت سلعةً ووجدت فيها عيبًا، فلك أن تردها، ولو أنك
следующие страницы →