← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.

стр. 5776

أمر الزواج: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فينبغي أن تُبنى أمور النكاح على التيسير، كما قال ﷺ : "أعظمُ النِّساءِ برَكةً أيسرُهنَّ مؤنةً" (١). "وَأَحَقُّ مَا أُكْرِمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ ابْنتهُ وَأُخْتُهُ". نفس هذا الحديث فيه إشارة إلى تكريم الأب، لكننا نقول: لا ينبغي أن يكون ذلك مصدرًا ليستفيد منه الإنسان، وله أن يشترط إذا كان ذا حاجة، إلا أنَّ الأَوْلَى ألا يفعل ذلك، لا سيما إذا كان قد أغناه الله ، وأعطاه اليُسر فلا ينبغي له أن يشترط، ولا أن تتطلع عينه إلى مثل هذه الأمور، بل ينبغي أن يكون فوق ذلك، عفيفًا. (وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ صَحَّفَهُ (٢)). أي: قد رواه عن صحيفة، وهذا فيه خلاف (٣)، ولكن الفريق الآخر

стр. 5777

- أيضًا - لهم أدلة، منها قصة شعيب ﵇، فإنه في هذا الأمر اشترط على موسى ﵇ أن يقوم برعاية غنمه، ولم يَذكر شعيبٌ شيئًا لبنته، ولم يُذكر أن الغنم هذه للبنت، وإنما الظاهر أنها لشعيب. الأمر الآخر حديث: "أنتَ ومالُكَ لأبيكَ" (١)، وحديث: "إنَّ أطيَبَ ما أكَل الرَّجُلُ مِن كَسْبِه، وإنَّ ولَدَه مِن كسْبِه" (٢). فهذه أدلة عامة، ولا شَكَّ أن الأب له أن يتصرف في مال ولده، لكن - أيضًا - ينبغي أن يكون في حدود، حتى وإن أعطت الشريعةُ الأبَ أن يتصرف في مال الابن، فلا ينبغى له أن يَسلبه أمواله ويتركه عالةً يتكفَّف الناس. وإذا كان الرسول ﷺ قد أوصى سعد بن أبي وقاص بألَّا يترك أولاده عالةً؛ لما ذهب إلى الرسول وأخبره بأنه صاحب مالٍ كثير، وسأله بما يصنع بماله: أَتَصَدَّق بمالي؟ قال: "لا". فقال: أتصدق بثلثيه؟ قال: "لا". قال: الثلث؟ قال: "الثلث، والثلث كثير، إنَّك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس" (٣). أي: فقراء يقرعون باب هذا ويسألون ذاك، ويذلون أمام هذا، ولا شك أن من أفضل ما يُقَدِّمه الإنسان أن يَكفي مَن يعول، مِن أقرب الناس إليه، ثم مَن بعدهم فبعدهم. (وَلَكِنَّهُ نَصٌّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ. وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: "إِذَا رَوَتْهُ الثِّقَات، وَجَبَ العَمَلُ بِهِ" (٤)).

стр. 5778

نعم، هذا الذي قاله المؤلف نصٌّ في قول مالك، لكن العلماء تأوَّلوا هذا كما ذكرنا، لأن في آخر الحديث ما يُؤيد - أيضًا - رأي الذين استثنوا من ذلك الأب، وقالوا: إن هذا في غير حَقِّ الأب، أما الأب فهناك أدلة تدل على أن له من الخصائص والمزايا في التصرف في مال ابنه ما ليس لغيره، حتى وإن كان جَده؛ فهم لا يَضعون الجد في مرحلة الأب القريب. قال المصنف رحمه الله تعالى: (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّدَاقِ يُسْتَحَقُّ، وَيُوجَدُ بِهِ عَيْبٌ). هذه مسألةٌ: لو أن إنسانًا قدَّم مهرًا، وهذا المهر معيَّن، ثم تبين له أن هذا المهر فيه عيبٌ، فهذا العيب لا يخلو من أحد أمرين: - إما أن يكون عيبًا ظاهرًا بينًا، إذا نظر إليه أيُّ إنسان حكم بأنه معيب. - وقد يكون هذا العيب يسيرًا. فهل هناك فرقٌ بين أن يكون العيب يسيرًا، وبين أن يكون كبيرًا، أو أن ذلك يشمل جميع العيوب؟ الحنفية انفردوا من بين الأئمة، فقالوا: إذا كان العيب يسيرًا فإنه مما يُتسامح فيه؛ فلو أصدقها دارًا وكان فيها شيءٌ من العيب، أو أصدقها حيوانًا وتبيّن فيه عيبٌ، كأن يسير بعرجٍ يسير، فإن ذلك - على قولهم - لا يضر، لأنه مغتَفرٌ له (١). وغيرهم من العلماء قالوا: لا، العيب عيبٌ؛ كبر أم صغر؛ فالعيب إذا وُجد فإنه يُخل، ويُرد المهر في هذه الحالة، ويُرجع إلى القيمة (٢).

стр. 5779

وبعض أهل العلم يفصِّل القول في ذلك، فيقول: إن كان هذا العيب له قيمة يُرجع إلى القيمة، وإن كان مثليًّا - يعني: له مثيلٌ يشابهه تمامًا؛ كالمكيل، والموزون، والمذروع - فإنه يُرجع إلى المثل هنا، فلو أصدقها مثلًا عشرين صاعًا من قمح، فإنهم يقولون: هذا مكيل، يُرجع إليه، فيؤتى بنوع القمح المثيل، فتُعطى عشرين صاعًا من الخالي من العيوب؛ من السوس وما أشبه (١)، وإذا أصدقها نوعًا من القماش مذروعًا، وكان له في هذه الحالة مثيل، فإنه يُرجع إليه، ولو أصدقها عشر أوقيات من السمن أو من العسل، ثم تبيَّن في ذلك خلل، فإنه يُرجع إلى مقابل ذلك موزونًا بما هو صالح. وهكذا كان العلماء ﵏ مجتهدين في التدقيق في هذه المسائل، وفي العناية بها، وفي محاولة أن تكون العقود دائمًا سائرةً في

стр. 5780

طريقٍ صحيح؛ فنجد أنهم يحاولون معالجة المشكلات ما لم تتعارض مع نص؛ فإن تعارضت مع نص طرحوا ذلك القول وأخذوا بذلك النص. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّدَاقِ يُسْتَحَقُّ، وَيُوجَدُ بِهِ عَيْبٌ). يعني بهذا: الصداق المعين، لكن لو أطلق فإننا نأخذ ما هو أولى، ولذلك بعض الفقهاء ينص على أنه إذا أصدقها شيئًا معيَّنًا، لكن لو قال: عشرة آصُع من نوع القمح الفلاني، فمعلوم أنه يؤخذ من الجيد، لكن عندما يحدد، فيأتي بشيء من القمح أو من الثياب فيُصدقها إياه، فهذا أصبح معيَّنًا. * قوله: (فَقَالَ الجُمْهُورُ: النِّكَاحُ ثَابِتٌ) (١). وهذا هو الصحيح، والنكاح ثابتٌ، لأن هذا يلتقي مع أصول هذه الشريعة، فهذا العيب الموجود نستطيع أن نعالجه، لأنه لا تأثير له على العقد، بخلاف البيع، فالبيع يتأثر بوجود عيبٍ في الثمن، فالشيء المبيع إذا كان الثمن فيه معيبًا فإن العيب يؤثر في العَقد، وكذلك لو كان العوض المبيع معيبًا فإنه يؤثر فيه. فلو أنك اشتريت سلعةً ووجدت فيها عيبًا، فلك أن تردها، ولو أنك

стр. 5781

بعت سلعًا وأعطيت ثمنًا ووجدت أن في الدراهم زيفًا، فإنك ترد ذلك وتأخذ سلعتك. والأمر هنا على خلاف ذلك؛ فالعقد هنا صحيح، وما دام العقد صحيحًا فنحن نحاول أن نعالج هذا المهر في حدود الشريعة الإسلامية وأحكامها. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا: هَلْ تَرْجِعُ بِالقِيمَةِ؟ أَوْ بِالمِثْلِ؟ أَوْ بِمَهْرِ المِثْلِ؟). القيمة هي الأصل، وإذا كان عندنا مثله وتعذر الأصل فإننا نعطيه هذا المثل، أما مهر المثل فإنه يصار إليه عندما يحصل إشكال، فحينئذ يُرجع إلى مهر مثيلاتها. * قوله: (وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ فَقَالَ مَرَّةً بِالقِيمَةِ، وَقَالَ مَرَّةً بِمَهْرِ المِثْلِ (١)). أعلم أنهم في مذهب الحنابلة يفرِّقون (٢)، وأعتقد أن الشافعية مذهبهم ليس ببعيدٍ عنهم، لكنني لا أقطع في مذهب الشافعية، يقول تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]. لكن الحنابلة في هذا المقام يقولون: يُرجع إلى القيمة. * قوله: (وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ المَذْهَبُ فِي ذَلِكَ، فَقِيلَ: تَرْجِعُ بِالقِيمَةِ، وَقِيلَ: تَرْجِعُ بِالمِثْلِ. قَالَ أَبُو الحَسَنِ اللَّخْمِيُّ: وَلَوْ قِيل: تَرْجِعُ

стр. 5782

بِالأَقَلِّ مِنَ القِيمَةِ، أَوْ صَدَاقِ المِثْلِ - لَكَانَ ذَلِكَ وَجْهًا (١)، وَشَذَّ سَحْنُونٌ، فَقَالَ: النِّكَاحُ فَاسِدٌ (٢)). وهو لا شك - كما ذكر المؤلف - رأيٌ شاذ ومردود، لأن العقد - كما عرفنا في النكاح - لا يتأثر بفساد المهر، وإنما يُصحَّح هذا الفساد الموجود فيه، والتصحيح ممكن وميسور. * قوله: (وَمَبْنَى الخِلَافِ: هَلْ يُشْبِهُ النِّكَاحُ فِي ذَلِكَ البَيْعَ؟ أَوْ لَا يُشْبِهُهُ؟ فَمَنْ شَبَّهَهُ قَالَ: يَنْفَسِخ، وَمَنْ لَمْ يُشَبِّهْهُ قَالَ: لَا يَنْفَسِخُ) (٣). أمر الفسخ وعدمه خاصٌّ بمذهب مالك (٤)، أما غير المالكية فإنهم يصححون العقد (٥). * قوله: (المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّجُلِ يَنْكِحُ المَرْأَةَ عَلَى أَنَّ الصَّدَاقَ أَلْفٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ، فَالصَّدَاقُ أَلْفَانِ). هذه مسألة جَمعَت شرطين، ولها أمثلة كثيرة، وليست هذه هي المسألة بأكملها، وإنما ذكر المؤلف أنموذجًا واحدًا.

стр. 5783

يعني: رَجُل يُريد أن يتزوج امرأة، فيقول لها: أتزرجك بألف دينار أو بألف درهم إن لم يكن لي زوجة، وإن كانت لي زوجة فبألفين. فاشترط إذا لم يكن هناك امرأة أخرى أن يدفع لها ألفًا، وأضاف شرطًا آخر، وهو أنه إن وُجِدَت عنده امرأة فسيعطيها ألفين. الشرط الأول - كما ترى - واضح، لأنه سيتحقق، لكن الثاني فيه غَرر أو جهالة، ومن هنا وقع الخلاف بين العلماء، ولكل من العلماء وجهة ينحو نحوها، ويتجه إليها في تعليلاته. ومثل هذا أن يقول للمرأة يريد أن يتزوجها: أتزوجك بألف درهم على أن تبقي في دارك، وبألفين إن أخرجتك من دارك؛ أي: من وطنك. ولا شك أن المرأة ربما تتأثر بهذا؛ لأن المرأة إذا عاشت بين أهلها وذويها ووطنها فإنها تحب ذلك، فقد يؤدي ذلك إلى أن تتنازل إلى مهر أقل، ولكن عندما يقول: وإن أخرجتك من دارك؛ أي: الدار التي تسكنين فيها، وليس المراد فقط الدار التي تقيم فيها، وإنما الدار التي هي البلد أو المصر الذي تقيم فيه، فإنها لا تحب فراق وطنها. ومن الصور المشابهة أن يقول لها مثلًا: أتزوجك على أن أطلق امرأتي، أو: أتزوجك على طلاق امرأتي … هذه مسائل عدة يذكرها العلماء. أما فيما يتعلق بالمسألة التي لم يذكرها المؤلف: فقد ذكرتها؛ لأني لاحظت أن المؤلف لم يذكرها، وهي تتعلق بأمر قد يحصل من بعض الناس، فيأتي إنسان قد فرح فرحًا شديدًا بهذه المرأة إذا وافقت ووافق أهلها، فيقول: أتزوجك بطلاق فلانة، وهذا لا ينبغي، فهو لم يجعل لها مهرًا (١)، وإنما أغراها بطلاق المرأة التي كانت عنده، وهنا لا يوجد مال في هذا العقد، والله تعالى يقول: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]؛ فأشار

стр. 5784

إلى وجود المال، ثم نجد أن هذا يتعارض مع حكم هذه الشريعة، وما فيها من تنقية النفوس، وما فيها من إثارة نشر المحبة والألفة بين المؤمنين. ومن هنا يقول الرسول ﷺ :"لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ ما في صحفتها" (١)، وفي رواية: "لا تطلب المرأة طلاق ضرتها لتكفئ ما في إنائها" (٢). هذا تحذير من الرسول ﷺ : "ولكل واحدة ما كتب الله لها" (٣). وفي الحديث الآخر: "لا يحل لرجل أن ينكح امرأة بطلاق أخرى" (٤). فهذه هي آداب الإسلام، وهذا هو منهجه القويم الذي ربى عليه أبناءه. إذن؛ لو حصلت هذه المسألة، يقول العلماء: إن التسوية فاسدة، ولا ينبغي أن يُنظَر إليها، وإنما يُرجَع إلى مهر المثل. وهذه مسألة قد تقع بين بعض الناس لذلك ينبغي التنبيه عليها. أيضًا من الصور الذي يتحدث عنها الفقهاء أن يقول: أتزوجك بألف إن كان أبوك حيًّا، فإن كان أبوك ميتًا فبألفين. وفي هذه المسألة أيضًا قالوا: لا تصح؛ لأن التسمية غير معروفة. إذن، المسألتان اللتان فيهما الخلاف هما: هذه القضية، وقضية إخراج المرأة من دارها، فهذه أيضًا اختلف فيها الفقهاء؛ فبعضهم أجاز ذلك مطلقًا، وقالوا: عليه أن يلتزم بما اشترط، فإن كانت له امرأة، فعليه

стр. 5785

أن يدفع الألفين، وإن لم يكن له امرأة يقف عند الشرط الأول، ويعطها الألف. وهذا هو مذهب أبي حنيفة على تفصيل في ذلك؛ إذ هناك فرق في المسألة بين الإمام وصاحبيه (١)، وهو أيضًا مذهب أحمد في رواية (٢). ومذهب الشافعي في ذلك يختلف عن المذهبين (٣)، وكذلك مذهب مالك (٤). * قوله: (فَقَالَ الجُمْهُورُ بِجَوَازِهِ). قال الجمهور بجواز ذلك، لكن بالنسبة للمهر المسمى هو الذي اختلفوا فيه؛ فبعضهم قال: ذلك جائز مطلقًا. وهي رواية عن الإمام أحمد (٥)، وبها قال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن من الحنفية (٦).

стр. 5786

وأبو حنيفة يخالف في ذلك؛ لأن أبا حنيفة يرى الوفاء بالأول لا الثاني؛ لأن الأول لا غرر فيه، والثاني فيه الغرر. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الوَاجِبِ فِي ذَلِكَ). الحكم لا يخص هذه المسألة وحدها، بل ينسرح على كل مسألة تشبهها، فقضية أتزوجك بألف إن لم يكن لي امرأة، وإن كان لي فبألفين مثلها، وكل مسألة تشبهها تأخذ الحكم نفسه. * قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: الشَّرْطُ جَائِزٌ، وَلَهَا مِنَ الصَّدَاقِ بِحَسَبِ مَا اشْتَرَطَ). هو يقول: "أتزوجك بألف إن لم يكن لي امرأة". فالأمر واضح. فإن لم يكن له امرأة يعطها الألف، وهذا أمر لا غبار عليه ولا شبهة فيه، وإن لم يكن له زوجة يعطها ألفين. الذين منعوا ذلك قالوا: هذا حكم جمع شرطين، وفي ذلك جهالة وغرر، فلا يجوز. والذين أجازوا قالوا: إن الصورة الأولى - وهو الشرط الأول - متحقق على كلا الأمرين، فإن لم يكن له زوجة فسيعطيها الألف، وإن كان له زوجة فسيعطيها ألفًا ويضيف إليها ألفًا آخر. لكن، هذه الإضافة هل هذه جائزة أو لا؟ بعضهم قال: كما أنه يجوز له أن يزيد في المهر بعد تسميته، فكذلك يجوز هنا. والواقع أن الأمرين مختلفان، تلك زيادة من نفسه يتبرع بها جاءت عن رضا، لكن هذه قيدها بشرط فهي مسألة جمعت شرطين.

стр. 5787

* قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَهَا مَهْرُ المِثْلِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (١)، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: إِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يَكُنْ لَهَا إِلَّا المُتْعَةُ (٢)). أما الشافعي فرأى أن يخرج من الخلاف فكأنه قال: علينا أن نَطرح هذه المسألة كليًّا، ونرجع إلى الأصل الذي هو محل اتفاق بيننا، وهو الرجوع إلى مهر المثل، فنلغي هذه المسألة ونرجع إلى مهر المثل؛ وذلك لأن الخلل ليس في العقد، وهذا فرق بين النكاح والبيع، فإن الخلل هنا - إن وُجِد - فهو في التسوية؛ أي: في المُسمى أي: في المهر؛ أي: في الصداق، وأما العقد فهو صحيح. ولو كان الكلام في العقد لتغيرت الحال. إذن؛ الخلاف هنا فيما سُمي، فالشافعي يرى أنها مسألة فيها جهالة، وما دامت الجهالة متحققة فيها، فينبغي أن تترك هذه المسألة، وأن يُنتَقَل إلى مسألة أخرى، وهي أن نرجع إلى مهر المثل. * قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ، فَلَهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ امْرَأَةٌ، فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا مَا لَمْ يَكُنْ أَكْثَرَ مِنَ الأَلْفَيْنِ، أَوْ أَقَلَّ مِنَ الأَلْفِ).

стр. 5788

لماذا قال: إن لم تكن له امرأة فلها مهر مثلها؟ لأن هذا أمر متحدث عنه على الصورتين في الشرطين معًا، ولكن بالنسبة للأولى أراد أن يردها إلى مهر المثل، فيلتقي مع الشافعي في هذه الصورة لكنه قيد ذلك. وأما من قال: لها المُتعة فليس هو أبو حنيفة، هو الذي ذكره بعد. * قوله: (وَيَتَخَرَّجُ فِي هَذَا قَوْلٌ: إِنَّ النِّكَاحَ مَفْسُوخٌ لِمَكَانِ الغَرَرِ). يستخدم المؤلف بعض المصطلحات يجب الوقوف عندها، فقد قال: "ويتخرج" فما التخريج في الفقه؟ أحكام الفقه في الأصل إنما استمدت من كتاب الله ومن سُنَّة رسوله ﷺ فهذا هو الأصل، وهي مهما ابتعدت فهي ترجع إلى هذين الأصلين أو إلى مقاصده أو إلى أمر يعود إليهما، ومن الأمر الذي يعود إليهما التخريج. فنحن نجد أن رسول الله ﷺ ترك لنا فقهًا، وهذا الفقه أصوله في كتاب الله وفي سُنة رسول ﷺ والرسول ﷺ له فتاوى وهو أعظم المُفتين، وكذلك أصحابه من بعده أفتوا وكذلك التابعون، ولما جاء الأئمة الأربعة كانت لهم جهود عظيمة في خدمة هذا الفقه، وفي دراسة مسائله، بل إنهم أفنوا أعمارهم، وفرغوا أوقاتهم، وجهودهم في هذا العلم حتى نفع الله بهم البلاد والعباد، وامتد هذا النفع إلى وقتنا هذا ويمتد إلى ما بعده إن شاء الله. فلا شك أنهم تركوا للأجيال من بعدهم ثروة عظيمة، وكنزًا كبيرًا فجزاهم الله خيرًا ورحمهم جميعًا، ولما جاء التلاميذ عُنُوا بهذه الثروة، وزادوها أيضًا، فزادوا على أقوال أئمتهم، فلما جاء مَن بعدهم أرادوا أن يعرفوا: ما الأصول؟ فقد بدأت الهمم تضعف، وبدأ الناس يركنون إلى أقوال مَن سبقوهم، فرأى هؤلاء الأعلام أن يبحثوا عن علل الأحكام، فتساءلوا: ما العلل؟ وما الأصول التي خَرَّجَ عليها الأئمة الأربعة وأمثالهم

стр. 5789

فقههم؟ هناك مسائل لم يرد فيها نص في الكتاب ولا في السُنَّة وهي مليئة في كُتب الفقه. إذن؛ هذا ما نسميه بالتخريج على المسائل، هذا التخريج عندما عُني به تلاميذ، تلاميذ الأئمة؛ فأخذوا يبحثون عن علل الأحكام إجابة على سؤال: ما العلة التي لأجلها قيل بهذا الحكم وخُرج؟ فلما عرفوا الأصول وضبطوها أصبحوا يُخرِّجون عليها. ولذلك ترونهم يقولون: هذه رواية في المذهب، وهذا قول في المذهب، وهذا تخريج في المذهب؛ فالتخريج في المذهب ليس قولًا ولا رواية عن الإمام؛ لكنه تخريج على أصوله؛ أي: قال به أتباع المذهب، بمعنى أنهم استنبطوا هذه المسائل مُعتمدين على أصول هذا المذهب. هذا هو معنى التخريج. فقوله: "ويتخرج رأي كذا". يقصد به على مذهب مالك. قوله: (وَيَتَخَرَّجُ فِي هَذَا قَوْلٌ: إِنَّ النِّكَاحَ مَفْسُوخٌ لِمَكَانِ الغَرَرِ). قال: "إن النكاح مفسوخ لمكان الغرر". نعم، الغرر موجود (١). * قوله: (وَلَسْتُ أَذْكُرُ الآنَ نَصًّا فِيهَا فِي المَذْهَبِ، فَهَذه مَشْهُورُ مَسَائِلِهِمْ فِي هَذَا البَابِ، وَفُرُوعُهُ كثِيرَةٌ). المعروف في مذهب مالك - فيما أعلم - أنهم في مثل هذه المسألة يقولون: هذه مسألة لو أن رجلًا قال لامرأة: أتزوجك بألف إن لم يكن عندي امرأة، وبألفين إن كانت لي امرأة. فقالوا: لا يصح في كلا الصورتين لما فيه من الغرر.

стр. 5790

إذن الغرر موجود، وما دام الغرر موجودًا فإنه يؤثر، فقاسوا ذلك على البيع، لأن البيع عندهم يتأثر بالغرر، هذا هو المراد من قول المؤلف، ولم يعرف قول فيما يتعلق بالمذهب (١). * قوله: (فَهَذِهِ مَشْهُورُ مَسَائِلِهِمْ فِي هَذَا البَابِ، وَفُرُوعُهُ كثِيرَةٌ). ومنها الأمثلة التي ذكرناها، وهي أيضًا كثيرة جدًّا، ويشبه بعضها بعضًا. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يُعْتَبَرُ بِهِ مَهْرُ المِثْلِ إِذَا قُضِيَ بِهِ فِي هَذِهِ المَوَاضِع، وَمَا أَشْبَهَهَا، فَقَالَ مَالِكٌ: يُعْتَبَرُ فِي جَمَالِهَا وَنِصَابِهَا وَمَالِهَا) (٢). وهل لدينا مقياس دقيق وميزان محدد نقف عنده لا يختلف فيه الأئمة؛ الجواب: لا، كما في قوله ﵊: "تُنكَح المرأة لأربع: لمالها وجمالها وحسبها ودينها" (٣). ثم إن الرسول ﷺ يقول: "فاظفر بذات الدين تربت يمينك" (٤). لأن صاحبة الدين هي التي يبحث عنها، وُيحرَص عليها، لأن الإنسان إذا رُزِق بذات دين وخُلق، فهذه هي السعادة في هذه الحياة، وهذه هي المرأة الصالحة التي قال: الرسول -

стр. 5791

عليه الصلاة والسلام -: "نِعمَ الرجل الصالح للمرأة الصالحة" (١). وهي التي يسعى إليها كل مسلم، وكل مَن يسلك غير ذلك فقد سلك طريقًا قد أخطأ فيه، هذا الذي ينبغي أن يُتخَذ، فلا ينبغي أن يكون الهدف أمرًا آخر. الجمال مطلوب لو وجد الجمال مع الدين، فهذا أمر طيب؛ لأنه يساعد على غض البصر، ولو وجِدَ المال فلا يُنكَر ذلك، لكن شريطة ألا يكون المال مما يترتب عليه ضَعْف الرجل، وكذلك النسب إذا وجِد فما أجمله! لكن لا ينبغي أن يؤدي إلى أن يكون الزوج مُحتقرًا أو ذليلًا في هذا المقام. فالمسلم دائمًا ينبغي أن يكون مرفوع الهامة، لا يخضع إلا لله . * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: يُعْتَبَرُ فِي جَمَالِهَا وَنِصَابِهَا وَمَالِهَا). يريد المؤلف أن يتناول بيان المثل، هل المقياس لذلك كما قال: الإمام مالك هو جمال المرأة ومنصبها وشرفها؟ جمال المرأة واحد، ومنصبها ومكانتها من حيث النسب، وشرف منزلتها بين الناس، هل هذا هو المقياس ولا ينظر إلى قريبة وإلى غير قريبة؟ هذا الذي قال به المالكية (٢)، فهم يرون أن المرجع في ذلك هذه الصفات الثلاثة، وهذه لا تُقيد بقريب أو بغيره، فما يماثلها بجمالها أو في منصبها أو في شرفها هو الذي يُرجع إليه في هذا المقام. وخالفه في ذلك بقية العلماء، هذه الشروط الثلاثة نجد أنها مُعتبرة عند الحنابلة، لكنهم يضيفون إليها أمرًا آخرًا؛ ولذلك نجد أنهم يقولون: في هذا المقام أن العبرة بنساء أقاربها (٣).

стр. 5792

ثم أيضًا يختلفون في قضية الأقارب هل المراد العَصبة؟ فيلتقون مع الشافعية في هذا المقام، فالشافعية يقولون: المُعتَبر بذلك عَصَباتها؛ أي: النساء أقاربها اللاتي يأتين عن طريق الأب (١). وبعضهم كمذهب الحنابلة وأبي حنيفة (٢) من يقول: المعتبر بذلك هو القريب، لكن الحنابلة لم يلتقوا جملة مع الحنفية، إنما لهم رأي مع الشافعية ورأي آخر مع الحنفية. فالعلماء إذن قد اختلفوا في هذه المسألة إذ لم يرد نص عن الرسول ﷺ ، لكن الذين قالوا: يُعتَبر نساء أقاربها تمسكوا بعموم حديث عبد الله بن مسعود في قصة المرأة التي قضى فيها قال لها: "مهر نسائها لا وكس (٣) ولا شطط" (٤).

стр. 5793

وفي رواية: "لها مهر نسائها من نساء قومها" (١) فقالوا: إن القوم هم الأقارب، وأخذوا من هذا الأثر أن المُرَاد بالنساء في هذا المقام إنما هُن القريبات. * قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُعْتَبَرُ بِنِسَاءِ عَصَبَتِهَا فَقَطْ). وهي رواية للإمام أحمد (٢)، لكن هناك سؤال: لماذا نجد أن بعض العلماء عُني بالعصبة، وبعضهم قال: مجرد القريب؟ العلماء لهم نظر في هذا؛ وذلك أن النسب يأتي عن طريق الأب لا عن طريق الأم، فالأم قد تكون مولاة، وقد تكون من قبيلة أو من أسرة دون أسرة الأب، فقالوا: إنما المقياس هو الأب؛ أي: العصبة، والعصبة هم من يرجعون إلى الأب. لكن عند الحنفية، والحنابلة في رواية أخرى: سواء كانت من العصبة كالعمة التي هي أخت الأب، أو كانت من غير العصبة كأمها أو خالتها أو بنت خالتها وهكذا، فالمعتبر هو القرابة مطلقًا، سواء كان من العصبة وغيرها. والذين تقيدوا بالعصبة قالوا: إن العصبة هم المعتبرون في ذلك، والنسب إنما يأتي عن طريق الأب، وهم أقارب الأب.

стр. 5794

* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ نِسَاءُ قَرَابَتِهَا مِنَ العَصَبَةِ وَغَيْرِهِمْ). وهي الرواية الأخرى عن الإمام أحمد. إذن الأقوال فيها ثلاثة: قول مالك: نظر فيها إلى الصفات الثلاث الجمال والمنصب والشرف ولم يربط ذلك بالقوم. الشافعي: قيد ذلك بالعصبة ووافقه أحمد في رواية. أبو حنيفة: قيد ذلك بالقرابة، لكنه وسع المقام، فقال: لا فرق بين قريباتها من العصبة وغيرها، وهي الرواية الثانية عن الإمام أحمد. * قوله: (وَمَبْنَى الخِلَافِ: هَلِ المُمَاثَلَةُ فِي المَنْصِبِ فَقَطْ؟ أَوْ فِي المَنْصِبِ وَالمَالِ وَالجَمَالِ، لِقَوْلِهِ ﵊: "تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِدِينِهَا، وَجَمَالِهَا، وَحَسَبِهَا". الحَدِيثَ). مُراد المؤلف ﵀: هل يُقتصر على واحدة من هذه؟ لأن الرسول قال: "تُنكح المرأة لأربع لمالها وجمالها وحسبها" (١). وفي رواية: "نسبها ودينها" (٢). ثم قال: "فاظفر بذات الدين"، فهذه الثلاثة معتبرة مُجتمعة أو لو وجد منها واحد لكفى؟ هذا فيه خلاف داخل المذاهب. * قوله: (لِقَوْلِهِ ﵊: "تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِدِينِهَا، وَجِمَالِهَا، وَحَسَبِهَا" الحَدِيثَ) (٣).

стр. 5795

هذه رواية، وجاءت الرواية الأخرى المتفق عليها: "تُنكَح المرأة لأربع". في اللفظ الآخر. * قوله: (المَوْضِعُ السَّادِسُ فِي اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ فِي الصَّدَاقِ). هذه مسألة أكثر المؤلف من الخوض فيها، وخالف في ذلك كثيرًا من الفقهاء؛ فإن الفقهاء عادة ما يجعلون الأساس هو الاختلاف في القدر، ثم بعد ذلك يردون إليه غيره؛ لكنه ذكر الوقت وذكر الجنس وذكر أيضًا أمرًا رابعًا. قال المصنف رحمه الله تعالى: الموضع السادس في اختلاف الزوجين في الصداق (وَاخْتِلَافُهُم لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فِي القَبْضِ أَوْ فِي القَدْرِ، أَوْ فِي الجِنْسِ، أَوْ فِي الوَقْتِ، أَعْنِي: وَقْتَ الوُجُوبِ). القبض يعني أن تقول: قبضت، قد يقول الزوج قبضت المهر، ربما هي تُنكر ذلك. فما الحكم في هذه المسألة؟ المؤلف بدأ بالقبض، لكنه عندما دخل في التفصيل عاد فبدأ بالقدر؛ لأن القدر هو الذي يُعَوِّل عليه العلماء في كتبهم ويدرجون تحته هذه المسائل. قوله: (أَوْ فِي القَدْرِ). ما مقداره؟ هل هو ألف، أو ألفان، أو مائة، أو مائتان؟ هناك خلاف قد يقول الزوج أن القدر كذا والمرأة كذا. قوله: (أَوْ فِي الجِنْسِ). أو في الجنس أيضًا، ما جنسه؟ هل هو حيوان أو هو مثلًا نبات،

стр. 5796

هل هو مثلًا من أنواع الأقمشة إلى غير ذلك؛ يختلفون فيه، وإن كان أيضًا من هذا النوع فما جنسه أيضًا؟ قد تُحَدد العِلة، لكنه يُختَلف في الجنس. قوله: (أَوْ فِي الوَقْتِ). كذلك الوقت أيضًا، متى يُقَدم؟ هل هو يُقدم حالًّا؟ أو مؤجل أو بعضه مُقدم وبعضه مؤخر؟ كل ذلك قد يقع فيه، والخلاف هنا في المُسَمى لا تأثير له على العقد. * قوله: (فَأَمَّا إِذَا اخْتَلَفَا فِي القَدْرِ). رجع إلى القدر؛ لأنه هو المسألة الكبرى والأصل في هذا المقام، فرجع فاعتبرها هي الأولى؛ ولذلك سيطيل نفسه في بحثها ويُدقق فيها ويعالجها معالجة عقلية، بينما سيشير إشارات خفيفة في بقية المسائل التي ذكرها. قوله: (فَأَمَّا إِذَا اخْتَلَفَا فِي القَدْرِ). أولًا: إذا حصل خلاف في القَدرِ ووجدت بينة رَفَعت ذلك الخلاف، كأن يكون شاهد حاضر يسمع ما حصل بينهما، اتفقا على تحديده، فالحاضر يقول: نعم اتفقتم على كذا، وكان ثقة فيؤخذ بقوله. فالخلاف يحصل في حال عدم وجود بَيِّنة، ولا يُدرى هل الحق مع الزوج أو مع الزوجة، ولكن هناك ضوابط وضعها العلماء، أحيانًا تكون الشبهة في جانب الزوجة، وأحيانًا تكون في جانب الزوج، فإذا وجد أن الأقرب إلى الواقع إنما هو الزوج أُخِذ بقوله، وإن وجد أن الزوجة هي الأقرب للواقع أخذ بقولها. ويكون قول الزوجة هو المعتبر إذا كان ما تطلبه يُعادل مهر المثل؛ يعني: إذا طلبت قدرًا مُحددًا، ووجدنا أنه يُساوي مهر المثل. ولو كانت الزوجة تطلب مالًا كثيرًا، والزوج يدَّعي مهر المثل، فالقول هنا إنما قول الزوج.

стр. 5797

إذن، يُعتَبر قول الزوجة في حالتين: - إذا ادعت مهر المثل، فهي في هذه الحالة لم تتجاوز الحد، وقولها يتفق مع الواقع والمعروف والعُرف. - وإن طلبت دون ذلك فهذا أيضًا اقتناع وتنازل منها، فقولها معتبر. وإذا ادعى الزوج مهر المثل أو أكثر منه، لأن الزيادة ستكون عليه فقوله هو المعتبر في هذا المقام. وهذا بإجمال هو مذهب الحنفية (١) والحنابلة (٢)، وكثيرًا يتقارب الحنفية والحنابلة في مسائل كالصداق، أما الشافعية (٣) فيرون أنه يُرجع في ذلك إلى التحالف، فيتحالفان، فإن نكل أحدهما أُخذ بقول الحالف؛ لأن هذا أقسم يمينًا، والرسول ﷺ يقول: "اليمين على من أنكر" (٤). فيؤخذ بقوله، وذاك قد نكل فامتنع عن اليمين، وإن تحالفا معًا فلا ميزة لأحدهما على الآخر، فيُرجع إلى مهر المثل.

стр. 5798

* قوله: (فَقَالَتِ المَرْأَةُ مَثَلًا: بِمِائَتَيْنِ، وَقَالَ الزَّوْجُ: بِمِائَةٍ؛ فَإِنَّ الفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا كثِيرًا. فَقَالَ مَالِكٌ: إِنَّهُ إِنْ كَانَ الاخْتِلَافُ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَأَتَى الزَّوْجُ بِمَا يُشْبِه، وَالمَرْأَةُ بِمَا يُشْبِهُ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ) (١). يعني: إذا كان قبل العقد، ثم حصل الخلاف، فمالك عنده اعتبار الشبهة، من كانت شبهته أقوى، وعنده شبهة تدعم قوله، ولذلك سماه شبهًا فهذا يُقدَم قوله. * قوله: (وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا، وَنَكَلَ الآخَرُ؛ كَانَ القَوْلُ قَوْلَ الحَالِفِ) (٢). نكل؛ أي: أبى أن يحلف (٣)، وليس معنى هذا أنه في باب الدعاوى والبينات أنه دائمًا يكون الحق مع الحالف، فكم من أناس يحلفون بالله أيمانًا مُغلظة وهم لا يؤمنون، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]. والرسول ﷺ يقول: "إنكم تختصمون إليّ، ولعل أحدكم يكون ألحن بحجته من الآخر" (٤). بعض الناس يعطيه الله قوة في الحجة وبيانًا وفصاحة وقدرة على

стр. 5799

التأثير، وكما قيل عن البعض أنه يستطيع أن يقيم ببيانه أن هذه السارية من ذهب، لا أنها هذا الذي يذكر عنه في الباطل، لكنه قوي الحجة، وهذا نسبوه عن الإمام أبي حنيفة، بعض الناس تكون عارضته قوية وحجته مؤثرة، عنده قدرة على استجماع الأدلة واستحضارها، هذا إن كان سعيه للحق، فهذا أمر محمود، وإن كان يسعى إلى إقامة الباطل مقام الحق، فما أسوأ ذلك! فهو يلبس الحق بالباطل. يقول ﵊: "ولعل أحدكم ألحن" يعني: أقوى "بحجته من الآخر، فأقضي على نحو مما أسمع". وبهذا يتبين أن القاضي عندما يحكم بقضية فإنما يحكم بها على ضوء ما يظهر له من الأدلة والقرائن، وليس معنى ذلك - كما يظن البعض - أن الإنسان لو طالب غيره بحق، ويعلم أن المطالبة باطلة، لكنه ربما أحضر شهودًا، وهؤلاء الشهود قد يكونون شهود زور، وحكم له بالحق، فإن القاضي لا يُحِل له ذلك، ولذلك يقول الرسول: "إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو مما أسمع منه، فمن قطعت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه فإنما أقطع له به قطعة من النار". الآن أصبح الحق في الظاهر له، فإن شاء فليأخذه، وإن شاء فليدعه، لكن خاتمة المطاف: "فإنما أقطع له به قطعة من النار فإن شاء فليأخذها وإن شاء فليدعها". فهل يرضى مسلم أن يأخذ قطعة من نار يكوى بها يوم القيامة؟ هذا قد يحصل، فكم من أناس يدعون أمورًا ليست لهم، ولذلك يقول ﵊: "لو يُعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم" (١). ثم وضع لنا ﵊ القاعدة الثابتة في ذلك:

стр. 5800

"ولكن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر". هذه رواية البيهقي، وفي الصحيحين: "واليمين على المُدعى عليه". إذن هذه مقاييس وأصول وضعها الرسول ﷺ وحذَّر المؤمنين منها، ولكن قد يوجد من بين المسلمين من هو ضعيف النفس؛ ولذلك يقول تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. ليس معنى هذا أن الذي يحلف يكون الحق معه، بعض الناس لا يريد أن يحلف تورعًا، يقول: لماذا أحلف؟ وليأخذ هذا الأمر وليأخذ هذا المال وسأجده عند الله، سأجده في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء: ٧٧]. فإن المتقي لله هو الذي يخشاه ، وخشية الله وتقواه يمبغي دائمًا أن تظهر في أعمال الإنسان، قد تكون أقوال الإنسان طيبة، لكن ينبغي أن تُرى مطبقة في أعماله، كما كان سلف هذه الأمة، وفي مقدمتهم أصحاب رسول الله ﵊ وبذلك هناك كثرة المسائل والخلافات في كتاب الدعاوى والبينات. ففي مسألتنا يقبل قول الحالف لأننا نحلفه باللّه ولسنا مُطالبين أن نحكم على الأسرار؛ لأننا لا ندرك ما في السرائر فلا يعلمها إلا الله : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩]. والذي يعلم خائنة الأنفس وما تخفي الصدور، الذي يعلم السر وأخفى إنما هو الله أما الخلق فلا يعلمون، وأما أنبياء الله ورسله فإنهم يعلمون من الغيب ما يطلعهم الله عليه، أما هم فلا يملكون شيئًا، ولذلك يقول الله تعالى عن نبيه: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [الأعراف: ١٨٨].

стр. 5801

فإذا كان هذا محمد بن عبد الله صفوة الخليقة لا يعلم من الغيب إلا من علمَه الله، فما بالكم بمن يدعي ذلك من السحرة والكهنة والمشعوذين، هؤلاء الذين خرجوا عن طريق الهداية إلى طريق الغواية. * قوله: (وَإِنْ نَكَلَا جَمِيعًا كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا إِذَا حَلَفَا جَمِيعًا، وَمَنْ أَتَى بِمَا يُشْبِهُ مِنْهُمَا، كَانَ القَوْلُ قَوْلَهُ) (١). أولًا هذا كله مبني على القاعدة المعروفة عند المالكية في البيوع: أنه عند الاختلاف في التقابض يُنظَر: هل كان ذلك - يعني: الاختلاف في الثمن - قبل التقابض أو بعده؟ فإن كان قبل التقابض فيحصل الفسخ وإن كان بعده فلا، هذا هو مذهب مالك في هذه المسألة (٢). لكن ليس معنى هذا عندما يقول المؤلف هذا مذهب مالك أن المالكية قد أطبقوا على ذلك، لا، فمن المالكية مَن خرجوا على مذهبه، ليس خروج إبطال للمذهب أو تعارض أو تنكر، لكنه خروج إذا رأوا أن الحق مع غيره، كغيرهم أيضًا من الفقهاء. * قوله: (وَإِنْ كَانَ الاخْتِلَافُ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَالقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ (٣). وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: القَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ (٤)، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ،

стр. 5802

وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَجَمَاعَةٌ (١)). ابن أبي ليلى إنما هو من التابعين. * قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: القَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجَةِ إِلَى مَهْرِ مِثْلِهَا، وَقَوْلُ الزَّوْجِ فِيمَا زَادَ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا). هذا قد سبق بيانه ومن طريقة المؤلف: أنه يقدم ويؤخر ويكرر، فالشافعية عندهم التحالف، الحنفية، والحنابلة قولهم قريب من هذا أنه يُنظر إلى الأقرب إلى المهر المثل أو الواقع. * قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: (لقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجَةِ إِلَى مَهْرِ مِثْلِهَا). هذه المسألة بُذِلت فيها الجهود العظيمة وأنفق العلماء فيها أوقاتًا ثمينة وأمضوا زمنًا ليس باليسير، أعملوا أفكارهم وسَرَّحوا عقولهم فيها، ومع ذلك نرى كثرة الخلاف لعدم وجود دليل، وإذا كان الله يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]؛ فما بالنا بتلكم القوانين! هذه مسائل يبنيها العلماء على أدلة، وهي لا شك أقوال بُنيت على الحق، وقُصِد بها الوصول إلى الحق، ومع ذلك إذا خَلت المسألة من أدلة صريحة من الكتاب والسُّنة، وقد توجد أدلة ولكنها غير صريحة، نجد هناك خلافًا، فما بالكم إن لم تكن هناك أدلة. فما هو الشأن فيمن يرجعون إلى أفكار الناس، وإلى حصيلة عقولهم، وإلى قوانين قد أكل عليها الزمان، توضع اليوم وتستبدل غدًا، لأنها من وضع الناس، وعقول الناس محدودة، فمهما أوتي أحدهم من

стр. 5803

الذكاء ومن الفطنة فإنه لا يستطيع أن يهتدي إلى ما أراده الله في عمارة وقيام هذا الكون. ولهذا أنزل الله هذه الشريعة: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] يقول الله تعالى للنبي ﷺ : ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ [الجاثية: ١٨]. وشريعة الله خالدة، هناك نماذج اختلف فيها العلماء ويتوسع الخلاف وتتعدد الأقوال وتختلف وجهات النظر؛ لأنه لا يوجد في المسألة أدلة تحسم النزاع، لكنها كلها مسائل بحمد الله مُجتَهَد فيها إن أصاب الإنسان الحق فيها فله أجران؛ أجر على اجتهاده وأجر على إصابته الحق، وإن اجتهد وأخطأ - وهو من أهل الاجتهاد - فإنه يؤجر على الاجتهاد لأنه أراد الخير ولا يريد غيره. لكن مَن يخرج عن شريعة الله ويتجاوزها، ويأتي بأمور قد وضعها الناس، فإن كان ممن يعتقد أن الحق في هذه القوانين، وأنها أولى من شريعة الله أو أنها مساوية لشريعة الله، فهذا هو الكفر الصريح: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. أما مَن يعتقد أن الحق في شريعة الله، وأن شرع الله لا يساويه غيره مهما كان، ولكنه ربما يأخذ بهذه القوانين إما لضرورة أو أمر من الأمور؛ فهذا لم يصل لدرجة الكفر، وإنما يكون ظالمًا أو فاسقًا. والله قد قسَّم هذا الإثم إلى أنواع ثلاثة: شتان بين إنسان يحكم بالقانون ويرى أنه الحق وأنه أولى من حكم علام الغيوب، وبين إنسان يعلم أن الحق إنما هو في شريعة الله، وأنه مهما جاء الناس بأمور فإنهم لم يصلوا إليها ولم يبلغوها، لكنه وقع في هذا الأمر إما لمتابعة، أو لضرورة، أو لأمر من الأمور، وهو لا يُعذَر في هذا المقام، لكن لو قُدِّر أن هذا حصل، فالحكم على هؤلاء يختلف، والحكم هنا حكم عقدي. فينبغي للمسلم دائمًا ألا يُطلق كلمة الكفر إلا على مَن يستحق الكفر، ولا ينبغي له أن يَسب إنسانًا بعينه، وإنما إذا لعن فليلعن الكافرين عمومًا.

стр. 5804

* قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِذَا اخْتَلَفَا تَحَالَفَا، وَرُجِعَ إِلَى مَهْرِ المِثْلِ، وَلَمْ تَرَ الفَسْخَ كمَالِكٍ (١)، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ (٢)، وَالثَّوْرِيِّ (٣)، وَجَمَاعَةٍ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا تُرَدُّ إِلَى صَدَاقِ المِثْلِ دُونَ يَمِينٍ مَا لَمْ يَكُنْ صَدَاقُ المِثْلِ أَكْثَرَ مِمَّا ادَّعَتْ، وَأَقَلَّ مِمَّا ادَّعَى هُوَ). في هذه المسألة حصل فيها خلاف فما هو أقرب إلى الواقع يُقدَّم رأيه، فإن كانت المرأة تقول ما حُدد لي كذا، وهو يساوي مهر مثيلاتها أو يَنقص عنه، فهو يُقدم في هذا، وإن كان قول الزوج هو الذي يلتقي مع مهر المثل أو يزيد عنه وهذه الزيادة عليه وهي تدعى أمرًا كبيرًا فلا يلتفت إلى قولها. ومن العلماء من قال بالتحالف، لرفع الإشكال ورفع الخلاف في هذا وعلى القاعدة التي وضعها النبي ﷺ "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (٤). والقاضي أو المفتي في مثل هذه الأمور دائمًا ينظر إلى القرائن، فهو إذا أراد أن يقضي في قضية مثل هذا فإنه يرجع إلى القرائن وإلى الملابسات، وعندما تتعذر الحجة حينئذ يجتهد في هذا المقام، وهذه من المسائل التي يؤجر الإنسان عليها.

стр. 5805

* قوله: (وَاخْتِلَافُهُمْ مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ ﵊: "البَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى، وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أنْكَرَ"، هَلْ ذَلِكَ مُعَلَّلٌ؟ أَوْ غَيْرُ مُعَلَّلٍ؟). في أول الحديث: "لو يُعطى الناس بدعواهم"، لو أن كل إنسان يدعي أمرًا من الأمور لضاعت حقوق الناس، ولو كان الناس كلهم يلتزمون الحق لما وقعت مشكلات وخلافات بين الناس، لكن الناس يتفاوتون، فهناك من الناس من لا يرضى بحق، ولكنه يريد أن يتجاوزه، ويتعدى على الآخرين، وهناك مَن يريد أن يأكل مال أخيه، وهناك مَن يريد أن يتعدى على أموال اليتامى، وهناك من يريد أن يظلم وأن يأخذ حق هذا، ومن يريد أن يعتدي على نفس هذا، وهكذا "لو يُعطى الناس بدعواهم، لادعى رجال أموال قوم ودماءهم" ولكن الرسول ﷺ وضع فصل الخطاب في ذلك: "ولكن البينة على المُدعي واليمين على المدعى عليه". إذا ادعيت أن لك حقًّا عند فلان فعليك أن تأتي بالبينة، فإذا أتيت بالبينة فستأخذ حقك، وإذا لم تأت بالبينة فليس لك أكثر من أن يحلف هذا الذي ادعيت عليه، فإن كان أخذ حقك وحلف بالله كاذبًا فإنه سينال جزاءه عند الله تعالى مقابل أنه أخذ حقك بغير حق والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. وأيضًا أقسم وهو كاذب وسيجازى على ذلك. وأما الإنسان الذي أُخذ منه الحق ويُظلَم فلا يضيع وإن ضاع في الدنيا فسيجده مُدخرًا له يوم القيامة عندما توضع الموازين: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧]. وكل إنسان يحتاج إلى الحسنة الواحدة في ذلك اليوم عَلَّ كفته ترجح ليكون من أصحاب اليمين. * قوله: (فَمَنْ قَالَ: مُعَلَّلٌ، قَالَ: يَحْلِفُ أَبَدًا أَقْوَاهُمَا شُبْهَةً، فَإِنِ اسْتَوَيَا، تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا. وَمَنْ قَالَ: غَيْرُ مُعَلَّلٍ، قَالَ: يَحْلِفُ الزَّوْج،

стр. 5806

لِأَنَّهَا تُقِرُّ لَهُ بِالنِّكَاحِ وَجِنْسِ الصَّدَاقِ، وَتَدَّعِي عَلَيْهِ قَدْرًا زَائِدًا، فَهُوَ مُدَّعًى عَلَيْهِ). هذا هو الأصل، هناك من الناس مَن يهبه الله نفسًا طيبةً كريمةً يتنازل عن حقه فلا يريد مثل هذا الإشكال، بعض الناس يكره أن يذهب ليدخل في مشكلة، فيأتي الزوج فيكون طيب النفس فيوافق على ما ادعت، أو العكس أيضًا من الزوجة. فهناك من الناس مَن يهبهم الله عقولًا مدركة واعية راجحة ونفوس مطمئنة؛ فهؤلاء دائمًا يتجنبون المشكلات ويبتعدون عن المزالق، وعن الخوض في الأمور التي ربما تجرهم إلى أمور لا يحبونها، وإن كانوا يرون أن الحق معهم؛ ولذلك فيما يُعرَف بباب الصلح، وأن القاضي عندما يأتي إليه المتخاصمان، وبخاصة في أمور الدنيا، أو في بعض المشكلات، يحاول دائمًا أن يُصلح بينهما، والله تعالى يقول: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْر﴾ [النساء: ١٢٨]. والكذب محرم، يهدي إلى الفجور، والرجل لا يزال يكذب ويتحرى الكذب حتى يُكتَب عند الله كذَّابًا، لكن من المواضع التي يجوز للإنسان أن يكذب فيها في حالة الصُّلح، فإذا وجدت خلافًا بين اثنين من المؤمنين، وأردت أن تُصلِح بينهما فتقرب النفوس وتردها إلى الأخوة الطيبة، وتزيل الشوائب وترفع الحواجز، وتزيل الفواصل، وتجعل النفوس قريبة، والقلوب أيضًا ملتقية، فلا مانع أن تكذب في هذا المقام؛ لتُصلح بينهم، ففرق بين مَن يكذب ليفسد ومن يكذب ليصلح. والصلح كما قال الرسول ﷺ : "جائز بين المسلمين إلا صُلحًا أحل حرامًا أو حرَّم حلالًا" (١)، فإذا كان هذا الصلح ينتهي إلى تحليل المحرم وتحريم المحلل فهذا هو الذي لا يجوز.

стр. 5807

*قوله: (وَقِيلَ أَيْضًا: يَتَحَالَفَانِ أَبَدًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعًى عَلَيْهِ (١)، وَذَلِكَ عِنْدَ مَنْ لَمْ يُرَاعِ الأَشْبَاهَ، وَالخِلَافُ فِي ذَلِكَ فِي المَذْهَبِ (٢)، وَمَنْ قَالَ: القَوْلُ قَوْلُهَا إِلَى مَهْرِ المِثْلِ، وَالقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا زَادَ عَلَى مَهْرِ المِثْلِ؛ رَأَى أَنَّهُمَا لَا يَسْتوِيَانِ أَبَدًا فِي الدَّعْوَى). لأن التُّهمة هنا منتفية، هو لو ادعى أكثر من مهر المثل فلا تهمة تُلحق به؛ لأن الزيادة إنما هو الذي سيدفعها، وهي لو وقفت عند مهر المثل فهي أيضًا غير متهمة؛ لأنها لم تزد عن مهر المثل. * قوله: (بَلْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا وَلَا بُدَّ أَقْوَى شُبْهَةً؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْلو دَعْوَاهَا مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيمَا يُعَادِلُ صَدَاقَ مِثْلِهَا فَمَا دُونَه، فَيَكُونَ القَوْلُ قَوْلَهَا، أَوْ يَكُونَ فِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ، فَيَكُونَ القَوْلُ قَوْلَهُ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي التَّفَاسُخِ بَعْدَ التَّحَالُفِ وَالرُّجُوعِ إِلَى صَدَاقِ المِثْلِ؛ هُوَ هَلْ يُشَبَّهُ النِّكَاحُ بِالبَيْعِ فِي ذَلِكَ؟ أَمْ لَيْسَ يُشَبَّهُ؟ فَمَنْ قَالَ: يُشَبَّهُ بِهِ؛ قَالَ بِالتَّفَاسُخِ). المالكية يرون الخلاف قبل القبض وبعده في البيع، فيلحقونه به (٣)،

стр. 5808

الشافعية (١) ومعهم الحنفية (٢) والحنابلة (٣) يرون أنه لا تأثير على العقد في هذا المقام، وإنما الخلاف كله في المُسمى بالمهر. * قوله: (وَمَنْ قَالَ: لَا يُشَبَّهُ؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ العَقْدِ، قَالَ بِصَدَاقِ المِثْلِ بَعْدَ التَّحَالُفِ) (٤). لأن رد العِوض يقتضي رد المعوَّض، يعني: فساد العوض يقتضي رد المعوض، وليس هذا بالنسبة للنكاح، لأن نكاح العقد صحيح. * قوله: (وَكَذَلِكَ مَنْ زَعَمَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُمَا بَعْدَ التَّحَالُفِ أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى شَيْءٍ، وَلَا أَنْ يَرْجِعَ أَحَدُهُمَا إِلَى قَوْلِ الآخَرِ، وَيَرْضَى بِهِ؛ فَهُوَ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ). دعوى الزنا ليست من الأمور السهلة؛ فإن الله حَض على صيانة المؤمنين والحفاظ على أعراضهم؛ ولذلك يذكر العلماء ﵏ الضروريات الخمس، التي استمدوها من كتاب الله وسُنة رسوله ﷺ وهي المحافظة على الدين وعلى العقل، وكذلك على النفس وعلى العرض وعلى المال، هذه ضروريات خمس لا بد منها، فإذا ما زنت المرأة أو الرجل فلا بد من وجود أربعة شهود، ويشهدون أيضًا أنهم شاهدوا.

стр. 5809

في قصة عمر ﵁ في قصة الذين اتهموا ذلك الصحابي؛ فإنه عندما شهد ثلاثة وتردد الرابع فإن عمر جلدهم واعتبرهم قاذفين (١). * قوله: (وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا، فَإِنَّمَا يُشْبِهُ اللِّعَانَ، وَهُوَ تَشْبِيهٌ ضَعِيفٌ مَعَ أَنَّ وُجُودَ هَذَا الحُكْمِ لِلِّعَان مُخْتَلَفٌ فِيهِ). اللعان معروف، وهو أن يرمي الزوج زوجته بالزنا - نسأل الله العافية - ولا شهود عنده، فهو بين أمرين: إما أن يُثبت ذلك، وإما أن يقام عليه الحد، وإما أن يُلاعن (٢)؛ ولذلك لما جاء هلال بن أمية إلى رسول الله ﷺ فذكر له مثل ذلك عن زوجته فقرر الرسول: "البينة أو حد في ظهرك" (٣)، حتى نزل قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)﴾ ثم قال بعد ذلك سبحانه: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ [النور: ٦ - ٩]. هذا ما يتعلق بالملاعنة، هو رمي الزوجة بالزنا دون وجود شهود، فلم يكن مع الإنسان ما يُثبت ذلك، ومن يرم بريئًا رجلًا أو امرأة بالزنا ولا شهود عنده فإنه يقام عليه حد القذف ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤]. وهذا كله للحفاظ على أعراض المسلمين وصيانتها من أن يُتعدى

стр. 5810

عليها، وهذا سيأتي الكلام عليه إن شاء الله مُفصلًا في باب مستقل. " قوك: (وَأَمَّا إِذَا اخْتَلَفَا فِي القَبْضِ، فَقَالَتِ الزَّوْجَةُ: لَمْ أَقْبِضْ، وَقَالَ الزَّوْجُ: قَدْ قَبَضَتْ). الخلاف بين الجمهور وبين المالكية، فالجمهور رأيهم متحد، وهم الأئمة الثلاثة، وأما المالكية فهم يخالفون، ومن الملاحَظ كثرة انفراد المالكية فيما يتعلق بأحكام الصداق؛ لأنه غالبًا أو دائمًا عمدة المالكية فيما يتعلق في الصداق إنما هو القياس على البيع، والجمهور يخالفونهم في هذه المسألة، وقد وضعوا أساسًا وقاعدة في هذا الأمر. * قول: (فَقَالَ الجُمْهُورُ: القَوْلُ قَوْلُ المَرْأَةِ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (١)، وَالثَّوْرِيُّ (٢)، وَأَحْمَدُ (٣)، وَأَبُو ثَوْرٍ (٤)). القول قول المرأة لأنها مُدعى عليها، الزوج يدعي أنه أقبضها وهي تنفي القبض، ويرى الجمهور أن الأصل هو عدم القبض، إذن هي منكرة.

стр. 5811

* قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ: القَوْلُ قَوْلُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَالقَوْلُ قَوْلُهُ بَعْدَ الدُّخُولِ) (١). وهذا من تفريق المالكية في كثير من أحكام الصداق فيما قبل الدخول وما بعده، فالدخول قبله يؤثر في أصل العقد فيكون تفاسخًا، أما بعده فإنه يختلف الحكم أيضًا في ذلك. * قوله: (وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مَالِكٌ؛ لِأَنَّ العُرْفَ بِالمَدِينَةِ كَانَ عِنْدَهُمْ أَلَّا يَدْخُلَ الزَّوْجُ حَتَّى يَدْفَعَ الصَّدَاقَ) (٢). مُراد المؤلف هنا - وكما هو معروف في مذهب المالكية - أنهم يرون أن عمل أهل المدينة حجة، وهذا أصل من أصول المالكية (٣)، لكن المؤلف هنا عرض لمسألة مهمة؛ ولذلك في "بداية المجتهد" قد يأتي بكلمة أو بإشارة يتطلب الحديث عنها وقتًا طويلًا؛ فالمؤلف هنا أشار إلى العُوف وهو مصطلح أصولي، وعند الفقهاء يغلبون عليه العادة (٤).

стр. 5812

المؤلف هنا يشير إلى القاعدة الفقهية المعروف: "العادة مُحكَّمة"؛ فهل العادة معتبرة في أحكام الشريعة الإسلامية؟ بمعنى هل لها تأثير في الأحكام أو لا؟ ولو قلنا إن لها تأثيرًا في الأحكام كما هو مقرر فهل له من شروط لا بد منها؟ لا شك أنه لا قيمة لهذا، ولا للقياس مع وجود نص، لكننا عندما نلقي نظرة واسعة، ونتتبع ما يتعلق بأبواب الفقه، نجد أن العادة قد اعتبرت في أحكام كثيرة، ومن هنا نجد أن الفقهاء - رحمهم الله تعالى - ومثلهم علماء الأصول وضعوا قواعد كبرى أساسية اعتبروها هي قواعد فقه، ومنها: - "الأمور بمقاصدها": وهذه هي القاعدة الأولى (١). - والثانية: "اليقين لا يزول بشك" (٢). - والثالثة: "المشقة تجلب التيسير" (٣). - والرابعة: "الضرر يزال" (٤). - والخامسة: "العادة مُحَكَّمة" (٥).

стр. 5813

ما معنى قولهم: "العادة مُحَكَّمة"؟ وهل لهذه القاعدة أساس من الشريعة الإسلامية؟ نعم، جاء في ذلك أثر، وهو: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئًا فهو عند الله سيئ" (١). هذا الأثر هناك من رفعه إلى الرسول ﷺ فعده حديثًا، ومن العلماء المحققين كالعلائي (٢) وغيره من تتبعه، وقال: إنه لم يثبت إلا موقوفًا عن عبد الله بن مسعود، ومهما يكن من أمر فقد صح ذلك عن عبد الله بن مسعود (٣)، إذن هذا يعتبر أساس هذه

стр. 5814

القاعدة، لكن عند التطبيق، هل فعلًا العادة معتبرة، ومُحَكَّمة؟ الجواب نعم. * لأنه في كثير من أبواب الفقه بدءًا بالطهارة والصلاة والزكاة فالحج، ثم ما يتعلق بالجهاد والنكاح، كما سبق عند الكلام فيما يتعلق بسن الحيض والبلوغ، والإنزال، نرى الفقهاء يرجعون في كثير من ذلك إلى العادة، وفي خلاف العلماء في الحيض في غالبه وفي أكثره يرجعون إلى عادات النساء، بل إن معظم أكبر الأئمة عندما يُطرح عليه سؤال يتعلق بأحكام المستحاضة في بعضها أو في أحكام الحيض فإنهم يرجعون إلى النساء لسؤالهن. * وكذلك موجود في تضبيب الإناء، فإننا عرفنا أن العلماء قد اختلفوا في تضبيب الإناء قلة وكثرة، وأن الرجوع في ذلك إنما يكون للعادة، هل القليل أو الكثير محدد بالنص؟ الجواب: لا؛ يرجع ذلك إلى ما اعتاده الناس، لكن من يعتبر الاجتهاد بقولهم: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن وما رأوه سيئًا فهو عند الله سيئًا". * وكما مر في النكاح فيما يتعلق بالإيجاب والقبول، ذكونا أنه قد يوجد فاصل بين الإيجاب والقبول فهل هناك قدر مُعين ومحدد؟ بمعنى إذا مضى هذا الوقت هل مجرد أن يقوم هذا أو أن يشرب الماء أو أن يتناول الطعام أو يتكلم أو لا، هل هذا فاصل أو لا؟ أيضًا قال بعض العلماء: يُرجع في مثل هذا فيما اعتاده الناس. * كذلك رد السلام، إذا سلم إنسان على إنسان فهل هناك فاصل في الموالاة. * ومن أهم المسائل التي مرت بنا في ذلك ما يتعلق بالموالاة في الوضوء، وأن من فرائض الوضوء الموالاة، فما هي الموالاة؟ هل هي ما قال: العلماء هي ألا يؤخر عضوًا حتى يجف العضو الآخر … وهناك مسائل كثيرة. لكن العلماء - رحمهم الله تعالى - عندما أخذوا بقاعدة العادة لم

стр. 5815

يأخذوا بذلك مطلقًا، ولكنهم اشترطوا في ذلك وجود التجربة، بمعنى أن تكرر هذه العادة، بعضها قد لا يشترط فيها التكرر كالاستحاضة، فإن الاستحاضة مرض، ودم الاستحاضة يختلف عن دم الحيض بأنه يُعرف بخلاف دم الاستحاضة، وغالبًا أن المرأة إذا استحيضت فإن هذا المرض يستمر معها، ولكنه قد ينقطع عنها في حالات نادرة وقليلة، فهل نعتبر بذلك مرة واحدة؛ لا بد من التكرار أيضًا. كذلك الذي يعرف الأثر، هل نأخذ قوله في أول مرة أو لا بد من تجربته في ذلك، كذلك في أحكام الصيد، ومن المسائل الحيوان والطائر المعلم، هل يكفي أن يُعلم مرة؟ قال العلماء: لا، يكفي مرتين؟ قال بعضهم نعم، والأكثر قال ثلاثًا. وهكذا نجد كثيرًا من الأحكام لو أردنا أن نتتبعها ونقرر تفصيل هذه القاعدة، لوجدنا أن الأمر يطول، هذه عندما قال كلمة العادة أو العرف المؤلف؛ إذن العادة معتبرة. كذلك أنت مثلًا لو كنت في بلد كأن تكون في المملكة، ثم انتقلت إلى بلد آخر كمصر أو الكويت ونحوها، ثم سألت عن سلعة، فقال لك مثلًا بعشرين، فلا تأتي وأنت بمصر تقول: بعشرين ريالًا؛ لأنه هو في مصر يقصد عشرين جنيهًا، وكذلك في الكويت عشرين دينارًا وهكذا، إذن هذه آداب اصطلح عليها الناس وتعارفوا عليها. بل نجد أن العادة معتبرة أحيانًا في بعض الحركات التي تحصل في الصلاة، وهكذا قال العلماء بأن قاعدة "العادة محكمة" من أجل القواعد، ومن أهمها، وهي منتشرة في كثير من أبواب الفقه، وبخاصة فيما يتعلق بأبواب الصناعة والتجارة، فإننا نجد أنها كثيرة. الآن كثير ممن يدرسون دراسات عليا فيذهب لشخص ليطبع له الرسالة، هو يحتاج في طبع الرسالة إلى آلة، وهذه الرسالة التي يطبعها تحتاج إلى ورق وتحتاج إلى حبر وإلى غير ذلك، فمن المسؤول عن ذلك هل هو صاحب الآلة أو أنت؟ "العمادة محكمة"؛ ما اصطلح فيه عند
следующие страницы →