← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.

стр. 5811

* قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ: القَوْلُ قَوْلُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَالقَوْلُ قَوْلُهُ بَعْدَ الدُّخُولِ) (١). وهذا من تفريق المالكية في كثير من أحكام الصداق فيما قبل الدخول وما بعده، فالدخول قبله يؤثر في أصل العقد فيكون تفاسخًا، أما بعده فإنه يختلف الحكم أيضًا في ذلك. * قوله: (وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مَالِكٌ؛ لِأَنَّ العُرْفَ بِالمَدِينَةِ كَانَ عِنْدَهُمْ أَلَّا يَدْخُلَ الزَّوْجُ حَتَّى يَدْفَعَ الصَّدَاقَ) (٢). مُراد المؤلف هنا - وكما هو معروف في مذهب المالكية - أنهم يرون أن عمل أهل المدينة حجة، وهذا أصل من أصول المالكية (٣)، لكن المؤلف هنا عرض لمسألة مهمة؛ ولذلك في "بداية المجتهد" قد يأتي بكلمة أو بإشارة يتطلب الحديث عنها وقتًا طويلًا؛ فالمؤلف هنا أشار إلى العُوف وهو مصطلح أصولي، وعند الفقهاء يغلبون عليه العادة (٤).

стр. 5812

المؤلف هنا يشير إلى القاعدة الفقهية المعروف: "العادة مُحكَّمة"؛ فهل العادة معتبرة في أحكام الشريعة الإسلامية؟ بمعنى هل لها تأثير في الأحكام أو لا؟ ولو قلنا إن لها تأثيرًا في الأحكام كما هو مقرر فهل له من شروط لا بد منها؟ لا شك أنه لا قيمة لهذا، ولا للقياس مع وجود نص، لكننا عندما نلقي نظرة واسعة، ونتتبع ما يتعلق بأبواب الفقه، نجد أن العادة قد اعتبرت في أحكام كثيرة، ومن هنا نجد أن الفقهاء - رحمهم الله تعالى - ومثلهم علماء الأصول وضعوا قواعد كبرى أساسية اعتبروها هي قواعد فقه، ومنها: - "الأمور بمقاصدها": وهذه هي القاعدة الأولى (١). - والثانية: "اليقين لا يزول بشك" (٢). - والثالثة: "المشقة تجلب التيسير" (٣). - والرابعة: "الضرر يزال" (٤). - والخامسة: "العادة مُحَكَّمة" (٥).

стр. 5813

ما معنى قولهم: "العادة مُحَكَّمة"؟ وهل لهذه القاعدة أساس من الشريعة الإسلامية؟ نعم، جاء في ذلك أثر، وهو: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئًا فهو عند الله سيئ" (١). هذا الأثر هناك من رفعه إلى الرسول ﷺ فعده حديثًا، ومن العلماء المحققين كالعلائي (٢) وغيره من تتبعه، وقال: إنه لم يثبت إلا موقوفًا عن عبد الله بن مسعود، ومهما يكن من أمر فقد صح ذلك عن عبد الله بن مسعود (٣)، إذن هذا يعتبر أساس هذه

стр. 5814

القاعدة، لكن عند التطبيق، هل فعلًا العادة معتبرة، ومُحَكَّمة؟ الجواب نعم. * لأنه في كثير من أبواب الفقه بدءًا بالطهارة والصلاة والزكاة فالحج، ثم ما يتعلق بالجهاد والنكاح، كما سبق عند الكلام فيما يتعلق بسن الحيض والبلوغ، والإنزال، نرى الفقهاء يرجعون في كثير من ذلك إلى العادة، وفي خلاف العلماء في الحيض في غالبه وفي أكثره يرجعون إلى عادات النساء، بل إن معظم أكبر الأئمة عندما يُطرح عليه سؤال يتعلق بأحكام المستحاضة في بعضها أو في أحكام الحيض فإنهم يرجعون إلى النساء لسؤالهن. * وكذلك موجود في تضبيب الإناء، فإننا عرفنا أن العلماء قد اختلفوا في تضبيب الإناء قلة وكثرة، وأن الرجوع في ذلك إنما يكون للعادة، هل القليل أو الكثير محدد بالنص؟ الجواب: لا؛ يرجع ذلك إلى ما اعتاده الناس، لكن من يعتبر الاجتهاد بقولهم: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن وما رأوه سيئًا فهو عند الله سيئًا". * وكما مر في النكاح فيما يتعلق بالإيجاب والقبول، ذكونا أنه قد يوجد فاصل بين الإيجاب والقبول فهل هناك قدر مُعين ومحدد؟ بمعنى إذا مضى هذا الوقت هل مجرد أن يقوم هذا أو أن يشرب الماء أو أن يتناول الطعام أو يتكلم أو لا، هل هذا فاصل أو لا؟ أيضًا قال بعض العلماء: يُرجع في مثل هذا فيما اعتاده الناس. * كذلك رد السلام، إذا سلم إنسان على إنسان فهل هناك فاصل في الموالاة. * ومن أهم المسائل التي مرت بنا في ذلك ما يتعلق بالموالاة في الوضوء، وأن من فرائض الوضوء الموالاة، فما هي الموالاة؟ هل هي ما قال: العلماء هي ألا يؤخر عضوًا حتى يجف العضو الآخر … وهناك مسائل كثيرة. لكن العلماء - رحمهم الله تعالى - عندما أخذوا بقاعدة العادة لم

стр. 5815

يأخذوا بذلك مطلقًا، ولكنهم اشترطوا في ذلك وجود التجربة، بمعنى أن تكرر هذه العادة، بعضها قد لا يشترط فيها التكرر كالاستحاضة، فإن الاستحاضة مرض، ودم الاستحاضة يختلف عن دم الحيض بأنه يُعرف بخلاف دم الاستحاضة، وغالبًا أن المرأة إذا استحيضت فإن هذا المرض يستمر معها، ولكنه قد ينقطع عنها في حالات نادرة وقليلة، فهل نعتبر بذلك مرة واحدة؛ لا بد من التكرار أيضًا. كذلك الذي يعرف الأثر، هل نأخذ قوله في أول مرة أو لا بد من تجربته في ذلك، كذلك في أحكام الصيد، ومن المسائل الحيوان والطائر المعلم، هل يكفي أن يُعلم مرة؟ قال العلماء: لا، يكفي مرتين؟ قال بعضهم نعم، والأكثر قال ثلاثًا. وهكذا نجد كثيرًا من الأحكام لو أردنا أن نتتبعها ونقرر تفصيل هذه القاعدة، لوجدنا أن الأمر يطول، هذه عندما قال كلمة العادة أو العرف المؤلف؛ إذن العادة معتبرة. كذلك أنت مثلًا لو كنت في بلد كأن تكون في المملكة، ثم انتقلت إلى بلد آخر كمصر أو الكويت ونحوها، ثم سألت عن سلعة، فقال لك مثلًا بعشرين، فلا تأتي وأنت بمصر تقول: بعشرين ريالًا؛ لأنه هو في مصر يقصد عشرين جنيهًا، وكذلك في الكويت عشرين دينارًا وهكذا، إذن هذه آداب اصطلح عليها الناس وتعارفوا عليها. بل نجد أن العادة معتبرة أحيانًا في بعض الحركات التي تحصل في الصلاة، وهكذا قال العلماء بأن قاعدة "العادة محكمة" من أجل القواعد، ومن أهمها، وهي منتشرة في كثير من أبواب الفقه، وبخاصة فيما يتعلق بأبواب الصناعة والتجارة، فإننا نجد أنها كثيرة. الآن كثير ممن يدرسون دراسات عليا فيذهب لشخص ليطبع له الرسالة، هو يحتاج في طبع الرسالة إلى آلة، وهذه الرسالة التي يطبعها تحتاج إلى ورق وتحتاج إلى حبر وإلى غير ذلك، فمن المسؤول عن ذلك هل هو صاحب الآلة أو أنت؟ "العمادة محكمة"؛ ما اصطلح فيه عند

стр. 5816

الخلاف يرجع فيه إلى العادة فلو طالبك بقيمة الحبر والورق ونحو ذلك فقلت: لا، حينئذ يرجع إلى العادة. كذلك الذي يخيط الثياب يرجع إلى العادة، فهل الخيط مسؤوليته أو مسؤوليتك أنت، الآن السائد أنك تذهب للخياط، فتشتري منه القماش أو تأتيه بقماش هو يخيط لك هذا الثوب، ويطلب منك أجرة. هذه قاعدة عظيمة، ولها أهميتها في الفقه الإسلامي، وغيرها من القواعد الأخرى، فهي مهمة جدًّا. لكن ليس من العادة محكمة أن كل إنسان يقول: اعتدت على هذا فهذا حق؛ لا، القصد بالعادة ألا تتعارض مع نص من نصوص الشريعة، ولا تخالف إجماعًا من إجماع الأمة، ولا قياسًا جليًّا (١) كالحال بالنسبة للاستحسان. فالعلماء قد اختلفوا بالاستحسان، وقيل: بأن الإمام الشافعي لا يرى الاستحسان، والحقيقة أن الإمام الشافعي يرى الاستحسان، لكنه يرفض الاستحسان الذي لا يُبنى على أساس صحيح (٢)؛ أي: الاستحسان الذي

стр. 5817

يبنى على الهوى؛ ولذلك لمن يقرأ في كتاب الأم يجد أنه ﵀ قد نص على مسائل كثيرة فهو يقول: أستحسن أجرة العامل، أستحسن في صناعة ذلك. * قوله: (فَإِنْ كَانَ بَلَدٌ لَيْسَ فِيهِ هَذَا العُرْف، كَانَ القَوْلُ قَوْلَهَا أَبَدًا) (١). لكن الجمهور تمسكوا بالأصل (٢)، فاستنبطوا ذلك من حديث: "البينة على المُدعي واليمين على المدَعَى عليه". * قوله: (وَالقَوْلُ بِأَنَّ القَوْلَ قَوْلُهَا أَبَدًا أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهَا مُدَّعًى عَلَيْهَا). وهذه من المسائل التي تُسجل للمؤلف؛ لأنه كم من المسائل هو يعارض مذهبه فيها، فهو بهذا يرجح مذهب جمهور العلماء. لماذا قال هذا أحسن؟ لأن حديث: "البينة على المُدعي واليمين على المدَّعَى عليه" يشمل ذلك. * قوله: (وَلَكِنْ مَالِكٌ رَاعَى قُوَّةَ الشُّبْهَةِ الَّتِي لَهُ إِذَا دَخَلَ بِهَا الزَوْخ). قوة الشبهة: أن الغالب لا يدخل بها إلا وقد دخل. قد يسأل سائل: لماذا فصَّل المالكية ولم يفصل غيره؟ والجواب: إن الحنابلة لا يرون فرقًا بين أن تُقدِّم الصَّدَاق وبين أن تؤخره وبين أن تُقدِّم بعضه وبين أن تؤخر بعضه، يجوز أن تُقدِّم الصداق كله، وله أن يؤخره وله أن يقدم بعضه ويؤخر البعض الآخر، فكل ذلك جائز، وهذا حقيقة هو الذي يلتقي مع روح الشريعة، ولو قدم كله وكانت الحاجة إليه غاية فهو أولى.

стр. 5818

* قوله: (وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ إِذَا طَالَ الدُّخُول، هَلْ يَكُونُ القَوْلُ قَوْلَهُ بِيَمِينٍ؟ أَوْ بِغَيْرِ يَمِينٍ أَحْسَنُ؟ (١) وَأَمَّا إِذَا اخْتلِفَ فِي جِنْسِ الصَّدَاقِ، فَقَالَ هُوَ مَثَلًا: زُوِّجْتُكِ عَلَى هَذَا العَبْدِ، وَقَالَتْ هِىَ: زُوِّجْتُكَ عَلَى هَذَا الثَّوْبِ). قال الزوج مثلًا: زوجتك على هذا العبد، وهي قالت: زوجتك على هذه الأمة أو على الثوب كما قال المؤلف، فالعلماء أيضًا قد اختلفوا في هذه المسألة. * قوكَ: (فَالمَشْهُورُ فِي المَذْهَبِ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ). يتحالفان، ثم يُفسَخ العقد، هذا عند المالكية فقط. * قوله: (إِنْ كَانَ الاخْتِلَافُ قَبْلَ البِنَاءِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ البِنَاءِ ثَبَتَ، وَكَانَ لَهَا صَدَاقُ مِثْلٍ مَا لَمْ يَكُنْ أَكثَرَ مِمَّا ادَّعَتْ، أَوْ أَقَلَّ مِمَّا اعْتَرَفَ بِهِ) (٢). يعني: قبل أن يبني بها؛ أي: قبل أن يدخل بها. * قوله: (وَقَالَ ابْنُ القَصَّارِ: يَتَحَالَفَانِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَالقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ بَعْدَ الدُّخُولِ (٣). وَقَالَ أَصْبَغُ: القَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ إِنْ كَانَ يُشْبِهُه،

стр. 5819

سَوَاءٌ أَشْبَهَ قَوْلَهَا، أَوْ لَمْ يُشْبِهْ (١)). هذا كله عن قول المالكية، وبعده لم يعرض للمذاهب الأخرى، وهو خلاف قاعدته ومنهجه الذي سار عليه، وهو أنه يقتصر على أمهات المسائل، لكنه هنا فرَّع، وبدأ يذكر الأقوال. * قوله: (فَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ قَوْلُ الزَّوْجِ فَإِنْ كَانَ قَوْلُهَا مُشْبِهًا، كَانَ القَوْلُ قَوْلَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهَا مُشْبِهًا، تَحَالَفَا، وَكَانَ لَهَا صَدَاقُ المِثْلِ). مُشبهًا: يعني: أقوى شبهة، الأقوى شبهة يُقدَّم. * قوله: (وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذه المَسْأَلَةِ مِثْلُ قَوْلِهِ عِنْدَ اخْتِلَافِهَما فِي القَدْرِ). ولذلك؛ إن بعض العلماء يدرجها ضمن القبض، قول الشافعي أنهما يتحالفان فإن نكل أحدهما فالقول قول من حلف (٢)، فلو أخذنا هذه الصورة التي ذكرها المؤلف هو يقول: زُوجتكِ على عبد. وهي تقول زُوجتكَ على أمة فيختلفان.

стр. 5820

فعند الحنابلة يُنظر إلى الأقرب للظاهر، أي: ما يلتقي مع الواقع، فإن كان ما يدعيه الزوج، بأن تكون قيمة العبد تساوي مهر المثل أو تزيد عليه، فإنه في هذا يُقبَل قوله مع يمينه، وإن كان ما ادعته هي بأن قيمة الأمة إنما هي مساوية لمهر المثل أو دون ذلك، فإنه يقبل قولها مع يمينها (١). لكن الحنابلة يضيفون أمرًا مهمًّا في هذا المقام فيقولون: إن كان الواقع والظاهر يشهد للزوج، فإنها تأخذ قيمة العقد ولا يعطيها العقد، حتى لا يدخل في ملكها ما لم يعترف به، أو ما أنكره، وهذا ملحوظ جيد، لكن في الناحية الأخرى لا يقولون ذلك؛ لأنه إذا كان القول قولها فقد دخل في ملكها ما ادعته. عندما نرجع إلى قيمة المثل في هذا المقام، فالحنابلة يقولون: لا يعطيها العقد؛ لأنه هو ينكر ذلك وهي تدعي، فحتى لا يدخل في ملكها ما أنكره الزوج فإنه يدفع لها القيمة، وهذا إنما هو أسلم وأتم. وأبو حنيفة ليس قوله ببعيد عن قول أحمد، ولكن ليس فيه تفصيل، وإنما يُرجع إلى القيمة، فيما يلتقي مع مهر المثل (٢).

стр. 5821

* قوله: (أَعْنِي: يَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَاجَعَانِ إِلَى مَهْرِ المِثْلِ، وَسَبَبُ قَوْلِ الفُقَهَاءِ بِالتَّفَاسُخِ فِي البَيْعِ سَتَعْرِفُ أَصْلَهُ فِي كتَابِ البُيُوعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ). إن شاء الله سيأتي الكلام عن البيوع، والبيوع من أهم المسائل التي تُدرس في الفقه، الحاجة إليها دائمة، وإن كنا في الحقيقة في المعاملات في العبادة أحوج أكثر، لكننا لا ننسى نحتاج للمعاملات كثيرًا، ففيها مسائل شائكة، وتحتاج إلى بحث، وربما يقع الإنسان في بعض البيوعات المنهي عنها، فهي حقيقة تحتاج إلى عناية وإلى تفصيل. * قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الوَقْتِ، فَإِنَّهُ يُتَصَوَّرُ فِي الكَالِئِ). بيع الكالئ: يعني الدين بالدين، أي: المؤجل، والحنابلة لا يدخل عندهم لأنهم فصلوا القول فيه، لكن المؤلف يدخل عنده في الكالئ، وسيأتي ذلك أيضًا. * قوله: (وَالَّذِي يَجِيءُ عَلَى أَصْلِ قَوْلِ مَالِكٍ فِيهِ فِي المَشْهُورِ عَنْهُ أَنَّ القَوْلَ فِي الأَجَلِ قَوْلُ الغَارِمِ، قِيَاسًا عَلَى البَيْعِ، وَفِيهِ خِلَافٌ. ويُتَصَوَّرُ أَيْضًا مَتَى يَجِبُ؟ هَلْ قَبْلَ الدُّخُولِ؟ أَوْ بَعْدَهُ؟ فَمَنْ شَبَّهَ النِّكَاحَ بِالبُيُوعِ قَالَ: لَا يَجِبُ إِلَّا بَعْدَ الدُّخُولِ قِيَاسًا عَلَى البَيْعِ، إِذْ لَا يَجِبُ الثَّمَنُ عَلَى المُشْتَرِي إِلَّا بَعْدَ قَبْضِ السِّلْعَةِ. وَمَنْ رَأَى أَنَّ الصَّدَاقَ عِبَادَةٌ يُشْتَرَطُ فِي الحِلِّيَّةِ، قَالَ: يَجِبُ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَبذَلِكَ اسْتَحَبَّ مَالِكٌ أَنْ يُقَدِّمَ الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ شَيْئًا مِنَ الصَّدَاقِ). هذا جائز، وإن كان الأولى أن يقدمه يقدم بعضه، لأن الزوجة في الغالب تحتاج إليه لتتهيأ للزواج وتعد نفسها، ولأنها ستنتقل من مكان إلى مكان ومن بيت إلى بيت ومن أسرة عاشت بينها وهي أمها وأبوها وإخوتها وأخواتها إلى أسرة جديدة فلا بد أن تكون بمظهر مناسب. قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 5822

(الرُّكنُ الثَّالِثُ فِي مَعْرِفَةِ مَحَلِّ العَقْدِ وَكُلُّ امْرَأَةٍ فَإِنَّهَا تَحِلُّ فِي الشَّرْعِ بِوَجْهَيْنِ). الركن الثالث من أهم مسائل الزواج، وتترتب عليه أمور خطيرة، لأنه سيترتب في هذا ما يَحل وما يَحرُم، وأن الذي يُحل الأمور إنما هو الله ، وهو الذي يُحرمها، فليس لأحد من البشر كائنًا من كان أن يقول بأن هذا حلال وهذا حرام؛ ولذلك يقول الله : ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦]. ويقول : ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]. وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]. ولذلك مسائل المُحرمات من النساء ينبغي أن يكون الإنسان على بينة منها، وينبغي أن يحتاط فيها، وبخاصة المسائل التي قد يقع فيها بعض الناس، وهو ما يتعلق بالرضاع. *قوله: (إِمَّا بِنِكَاحٍ، أَوْ بِمِلْكِ يَمِينٍ). هذا لا شك فيه، وقد جاء ذكر ذلك في كتاب الله وفي سُنّة رسول الله ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]. * قوله: (وَالمَوَانِعُ الشَّرْعِيَّةُ بِالجُمْلَةِ تَنْقَسِمُ أَوَّلًا إِلَى قِسْمَيْنِ: مَوَانِعَ مُؤَبَّدَةٍ، وَمَوَانِعَ غَيْرِ مُؤَبَّدَةٍ). مؤبدة: أي: لا تتغير بتغير الزمن ولا الأحوال؛ فالأم دائمًا مُحرمة،

стр. 5823

والبنت والأخت والخالة والعمة، وكذلك بنت الأخ وبنت الأخت، وكذلك مثلهن من الرضاع، وكذلك أيضًا المُحرمات بالمصاهرة الأربعة التي سيأتي الحديث عنها تفصيلًا، هذه موانع مؤبدة. ولكن قد تكون الموانع غير مؤبدة؛ أي مؤقتة؛ فمثلًا الكافرة المشركة لا يجوز للمسلم أن يتزوجها، فلو أسلمت زال المانع، والمسلمة لا يجوز لها أن تتزوج الكافر المشرك، فلو أسلم فلها حينئذ أن تتزوجه، لا يجوز الجمع بين الأختين، ولا بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها، ولا يجوز لإنسان أن يتزوج امرأة في عصمة زوجة آخر، لكنه إذا طلقها ولم تكن في عدة فإنه يتقدم إليها ويخطبها؛ إذن هذه مسائل دقيقة وجليلة وهذه أمور نظمتها هذه الشريعة. فالله في كتابه العزيز قد بيَّن المُحرمات من النساء، ولم يترك ذلك لغيره كالحال بالنسبة للفرائض؛ فإن الله تعالى في كتابه لم يترك أمر تقسيم الفرائض لغيره، وإنما جاء بها مجملة في كتابه العزيز وزادتها تفصيلًا وبيانًا سُنَّة الرسول ﷺ . * قوله: (وَالمَوَانِعُ المُؤَبَّدَةُ تَنْقَسِمُ إِلَى: مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا، وَمُخْتَلَفٍ فِيهَا). حتى المؤبدة ليست محل اتفاق، غالبه محل اتفاق، لكن في الزنا هناك اختلاف للشافعية فيه (١)، فإذا زنى رجل بامرأة فيما يتعلق بتحريم أمها وابنتها وكذلك زواجه بها، هذه فيها خلاف له محله إن شاء الله.

стр. 5824

* قوله: (فَالمُتَّفَقُ عَلَيْهَا ثَلَاثٌ: نَسَبٌ، وَصِهْرٌ، وَرَضَاعٌ). لا شك أن هذه دليلها الكتاب والسُنّة والإجماع، الكتاب قول الله : ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾ [النساء: ٢٢، ٢٣]. هذه مُحرمات جاء التنصيص عليها، وهي بحاجة للبيان، فالله أبهم أكثرها. ولذلك أُثِرَ عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: "أبهموا ما أبهمه القرآن" (١). فنجد أن بعضها جاءت مبهمة، أي: مطلقة، وبعضها جاء تقييدها بكلمات فهل هي مقصودة أو لا؟ بعضها مقصودة كقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]. فـ ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ غير مُعتبرة، ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ مُعتبرة، وسيأتي الكلام عنها إن شاء الله تعالى تفصيلًا وبيانًا. فقوله: (نسب) النسب: هم قرابة الإنسان عن طريق النسب أصوله وكذلك فروعه وحواشيه، هؤلاء هم أقاربه من حيث النسب، فالأم وإن

стр. 5825

عَلَت والأب وإن عَلَا والبنت وإن نزلت، والابن وابن الابن والأخوات هؤلاء ونحوهم هم الأقرباء بالنسب. وأيضًا أقارب الإنسان من النسب كلهن مُحرمات إلا أربعة: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. لكن عندما نأتي إلى المصاهرة نجد أن أقارب الزوج والزوجة كلهن حلال عدا أربع اللاتي ذكرهن الله في كتابه العزيز: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾ [النساء: ٢٢، ٢٣]. وقوله: (وصهر): يعني قرابة الإنسان بالمصاهرة؛ كما جاءت الآية أم الزوجة وبنت الزوجة وهكذا … وهذه تحتاج إلى وقفات وتحقيق؛ لأن الله تعالى حَرَّم الربيبة، فهل معنى هذا بنت الربيبة تَحرُم؛ حرَّم أيضًا أمهات الزوجات وإن عَلون، هذه تحتاج لوقفات. إذن هذه قضايا يجب الوقوف عندها ودراستها؛ لأنها تحتاج إلى كشف وإلى بيان. قوله: (ورضاع)؛ الرسول ﷺ قال: "يَحرُم من الرضَاع ما يَحرم من النسب" (١). متفق عليه.

стр. 5826

وفي "صحيح مسلم" وغيره: "إن الرضاع تُحرم ما تحرمه الوِلادة" (١)؛ فكل ما حُرم عن طريق النَّسب فإنه يَحرم عن طريق الرضاع مطلقًا، وهذا أيضًا يحتاج إلى تفصيل. * قوله: (وَالمُخْتَلَفُ فِيهَا: الزِّنَا، وَاللِّعَانُ). وهذا سيأتي الكلام فيه، والمؤلف سيعقد لكل واحدة منهما مسألة كستقلة. * قوله: (وَالغَيْرُ المُؤَبَّدَةِ تَنْقَسِمُ إِلَى تِسْعَةٍ، أَحَدُهَا: مَانِعُ العَدَدِ). يعني: تعدد الزوجات، يُباح للحُرِّ أن يجمع بين أربع. * قوله: (وَالثَّانِي: مَانِعُ الجَمْعِ). فلا يجوز للمرء أن يجمع بين أختين ولا بين المرأة وعمتها ولا المرأة وخالتها، وسيأتي الكلام عنه تفصيلًا. * قوله: (وَالثَّالِثُ: مَانِعُ الرِّقِّ). الرق أيضًا من الموانع، لكن مانع الرق فيه أيضًا خلاف، لا تقول بأن هذا مُسَلَّم، وأنتم تعلمون قصة بريرة أنها عتقت، وطلبت من عائشة المساعدة، والرسول ﷺ عَرَض عليها أن تبقى مع زوجها فقالت: أمر أم مشورة، قال: "بل مشورة"، فقالت: لا أرغب فيه (٢). * قوله: (الرَّابِعُ: مَانِعُ الكُفْرِ). كذلك مانع الكفر، فإنه يجوز للمسلم أن يتزوج كتابية، لكنه يقصد المؤلف في ذلك الشرك.

стр. 5827

* قوله: (وَالخَامِسُ: مَانِعُ الإِحْرَامِ). وهذه مسألة سبق الكلام عليها في الحج، وهناك اختلاف بين العلماء في هذه المسألة، وأن جمهور العلماء ألا يجوز للمُحرِم أن ينكح يعني أن يُتزَوج ولا أن يُزَوِّج غيره، كما في الحديث الصحيح: "لا يَنْكِح المُحرِم ولا يُنكَح" (١). والخلاف يدور حول قصة ميمونة، هل تزوجها رسول الله ﷺ وهو حلال أو تزوجها وهو حرام - أي: مُحرِم -؟ وأن الذي خالف في ذلك ابن عباس (٢)، وأن صاحب القصة وهي صاحبة البيت وصاحب البيت هو أدرى بما فيه بينت أن الرسول ﷺ تزوجها وهو حلال (٣)، وأن الواسطة بينهما أبا رافع ذكر أن الرسول تزوجها وهو حلال (٤). وأن للعلماء فيما ذهب إليه ابن عباس عدة أجوبة: منها: أن ابن عباس لم يعلم بذلك إلا بعد أن أحرم الرسول ﷺ ؛ أي: دخل في الإحرام، ولم يعلم أنه قد تزوجها في وقت حله، ومنها أنه صغير وإلى غير ذلك من الأقوال. * قوله: (وَالسَّادِسُ: مَانِعُ المَرَضِ). مانع المرض أيضًا هذا فيه خلاف، هل يؤثر أو لا، الإنسان الذي يكون مريضًا هل له أن يتزوج أو لا؟ أكثر العلماء على أنه يجوز (٥).

стр. 5828

* قوله: (وَالسَّابِعُ: مَانِعُ العِدَّةِ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي عَدَمِ تَأْبِيدِهِ). ففي العدة لا يجوز للإنسان أن يتزوج امرأة في عدتها، والرسول ﷺ أنكر ذلك. * قوله: (وَالثَّامِنُ: مَانِعُ التَّطْلِيقِ ثَلَاثًا لِلْمُطَلِّقِ). كذلك المُطلق ثلاثًا لا تَحل له ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، كما جاء في ذلك التنصيص في كتاب الله ، لكن الخلاف يرجع لو طلقها ثلاثًا بلفظ واحد هل تُعتبر واحدة أو ثلاثًا؟ سيأتي الكلام عن ذلك إن شاء الله في مسائل الطلاق، وهي من المسائل الشائكة، بعضها شائك يحتاج إلى وقفة وإلى تفكير، وينبغي للمسلم دائمًا أن يتقي الله في أحكام الطلاق. * قوله: (وَالتَّاسِعُ: مَانِعُ الزَّوْجِيَةِ). والتاسع مانع الزوجية، فلا يجوز للإنسان أن يتزوج امرأة في عصمة آخر - نسأل الله العافية -. * قوله: (فَالمَوَانِعُ الشَّرْعِيَّةُ بِالجُمْلَةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَانِعًا). الموانع جميعًا المؤبدة وغير المؤبدة والمتفق عليها والمختلف فيها، ثم سيتناولها بشيء من التفصيل. * قوله: (فَفِي هَذَا البَابِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ فَصْلًا). هذه التقسيمات مهمة، ومن المهم أخذ فكرة موجزة عن الإجمال ثم تناول التفاصيل، فإن الحكم على الشيء فرع عن تصوره؛ فإذا أخذت تصورًا مُجملًا عن أي باب من الأبواب يكون بمثابة كشاف يُنير لك الطريق لكي تدخل إلى هذا الباب.

стр. 5829

ولذلك هذه المقدمة الطيبة التي يذكرها المؤلف تعين وتُساعد على فهم بعض المسائل وتقريبها. قال المصنف رحمه الله تعالى: الفَصْلُ الأوَّلُ فِي مَانِعِ النَّسَبِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ اللَّائِي يَحْرُمْنَ مِنْ قِبَلِ النَّسَبِ السَّبْعُ المَذْكُورَاتُ فِي القُرْآنِ). بعض العلماء يقول: المُحرمات من النسب - وهن سبع - مذكورات في الآية الكريمة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣]. هؤلاء السبع حُرمن عن طريق النَّسب، وجاء التنصيص عليهن في كتاب الله ، وهُن موضع إجماع العلماء، ولم يُخالف في ذلك أحد من العلماء، ولم يَشِذَّ أحدٌ أيضًا في تحريم هؤلاء السبع؛ لأن تحريمهن واضح وجَلي في كتاب الله . * قوله: (الأُمَّهَات، وَالبَنَاتُ). والمُراد بالأم هي أمك التي وَلدتك، لكن ليس القصد من ذلك أن يُقتَصرُ عليها، الأم وإن عَلَت سواء إن جاءتك عن طريق الأم أو عن طريق الأب؛ فيدخل في ذلك أمك التي ولدتك، وأمها، وجدتها، وإن عَلَون، وأم الأب وأمها وإلى آخره، فكلهن يدخلن تحت مُسمى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾؛ ولذلك نجد أن الصحابي الجليل أبا هريرة ﵁ -

стр. 5830

عندما جاء ذكر هاجر أم إسماعيل كان يقول: "تلك أمكم يا بني ماء السماء" (١). هاجر أم إسماعيل، يقول: تلك يا أيها العرب أمكم يا بني ماء السماء. العلماء فسروا هذه العبارة تفسيرات عدة، هي كلها حقيقة تفسيرات مقبولة وواقعية. فبعضهم قال: المقصود من ذلك عندما تأتي وتطبقها على حالة العرب، كان العرب يتنقلون في الفلوات يتتبعون مواضع القطر؛ يعني: مواضع نزول الماء فكانوا بماشيتهم ينتقلون من مكان لمكان، هذا هو الغالب على حال العرب فيما مضى، ولا يزال الرعاة موجودين إلى وقتنا الحاضر. إذن "يا بني ماء السماء"، القصد منها: يا من اشتهرتم بتتبع المياه التي تنزل من السماء. فنُسِبوا إلى ذلك تغليبًا. وبعضهم قال: "يا بني ماء السماء" لأن هاجر عندما كانت تسعى بين الصفا والمروة عندما نفد ماؤها والطعام الذي كان معها لجأت إلى الله فأرسل جبريل فضرب بجناحه فخرج ذلكم الماء، قالوا: بأن هذا الماء كما جاء في رواية ابن حاتم وغيره (٢) إنما هو ماء من السماء، إذن نسبوا إلى ذلك نسبة إلى زمزم. وبعضهم يقول: إن العرب سُموا بذلك لصفاء أنسابهم ونقائها؛ لأن العرب نسبهم معروف، ولا يتعلق الأمر بالتعصب ولكن يتعلق الأمر بالتقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، فنسب الإنسان لا يفيده لو خرج عن الطريق السليم، فلا نفع أبا جهل ولا نفع أيضًا أبا لهب

стр. 5831

عم الرسول ﷺ ، لكن القصد من ذلك أن أنسابهم كانت صافية نقية معروفة. الأم إذا أطلقت لا يقتصر بها على الأم التي ولدتك؛ وفيما يتعلق أيضًا بإطلاق الأب على الجد وإن علا أنه جاء أيضًا في الدعاء: "اللهم صلّ على أبينا آدم وأمنا حواء" (١). الأب يطلق في لغة العرب على الأب الذي جئت من صلبه، ويطلق على الأم التي ولدتك، وعلى أمهاوإن علت، وأم الأب، وعلى الجدوإن علا، وبعضهم يسمي الأب المباشر لك الذي خرجت من صلبه إنما هو الأب حقيقة وما فوق ذلك يسمى مجازًا، وكذلك الحال بالنسبة للأم فالتي ولدتك إنما هي حقيقة، وهناك خلاف بين أهل اللغة والمفسرين والأصوليين، هل في اللغة مجاز أو لا؟ فبعضهم يثبت المجاز مطلقًا وبعضهم ينفيه مطلقًا وبعضهم يقول: إن المجاز موجود، لكن القرآن ليس فيه مجاز (٢). فما الجواب عن قول الله : ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، وقوله: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]؟ فيقولون: هذا ليس مجازًا وإنما إيجاز بالحذف. وفيما يتعلق ببنت الإنسان ليس المراد ابنته فقط التي جاءت من صلبه وإنما أيضًا بنت ابنه، وبنت ابنته، وإن نزلن، فكلهن يدخلن في بناته، فالبنت وإن نزلت لو كان جدها أو كان جد جدها فإنها في الحقيقة ابنته. إذن، يحرم على المسلم أمه وإن علت، وهذا من أخطر الأمور، ونحن لو أردنا أن نلمس الحكمة في ذلك لماذا تُحرَّم الأمهات ولماذا تُحرَّم الأم؟ أليست الأم هي محل التقدير والإجلال والاحترام، فهذه الأم لها مكانة، وإذا كان الله يقول: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا

стр. 5832

قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، لا ينبغي للمرء أن يقول كلمة "أف" أمام أمه أو أبيه؛ لأنه ذلك يشق عليهما ويوهنهما وربما يحزن قلبيهما، فلا ينبغي للمرء أن يظهر الألم والحزن والأسى واللوعة أمام والديه؛ لأنهما يتألمان بألمه ويفرحان بفرحه؛ ولأن الزواج يكون الزوج فيه له العلو على الزوجة، ولذلك يقول الله : ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. والزواج يكون بين الزوجين ترفع فيه الكُلفة والغطاء، ويكون دافعًا لأن يخفي أحدهما عن الآخر، فالأم أجل وأعظم وفوق ذلك. ثم لا يمكن أن يحصل ذلك من الإنسان نحو أمه، فهذه الشريعة الخالدة قد حرَّمت كل ما فيه ضرر على الإنسان أو ما كان يؤدي إلى اختلاف المسلمين. ثم يترتب على زواج الذين ذكرهم الله تعالى قطيعة الرحم، والكلام في الحكمة يطول، لكن الأمر ظاهر جدًّا لا يحتاج أن الإنسان يقف ويبحث عن علة الحكم فهي واضحة جدًّا. وبشَّعَ الله الأمر في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾ [النساء: ٢٢] هذه زوجة الأب فما بالكم بالأم؟! * قوله: (وَالأَخَوَاتُ). كذلك الأخت أيضًا؛ لأن الأخت تشاركك بأنها خرجت معك، إما من بطن واحد أو من صلب واحد، وأنها قد تكون شقيقة؛ فيكون أبوك هو أباها وأمك هي أمها، وربما تكون أختًا لك من الأب أو أختًا لك من الأم. على هذه الحالات الثلاث لا يجوز له أن يتزوج أخته، حتى الأخت من الرضاع، وأيضًا لا يجوز أن يتزوج أمه وأخته وابنته من الرضاعة، كل هذا محرم، وسيأتي الحديث عن الرضاعة. إذن الأخت محرمة، لا فرق بين الأخت الشقيقة والأخت لأب

стр. 5833

والأخت لأم فهي تشمل هذين، وهذا من الخطورة بمكان؛ لأنها إما أن تكون خرجت من الصلب الذي خرجت منه أو من الرحم الذي خرجت منه أو منهما معًا. * قوله: (وَالعَمَّاتُ). كذلك أيضًا العمة، عمتك هي أخت أبيك، لكنه لا يقتصر على أخت أبيك، فأيضًا أخت أبيك، أو كذلك عمة أبيك وإن علون، وأيضًا عمة أمك، والعمة وإن علت، فلا يجوز للمسلم أن يتزوج عمته؛ إذن هي من المحرمات على التأبيد. * قوله: (وَالخَالَاتُ). وكذلك أيضًا الخالة التي هي أخت الأم وما علت، أخت الأم ونحوها، فإنها تعتبر خالة لك أو خالة الأب، والإسلام قد أوصد هذا الباب وأغلقه، فإن هؤلاء إن كانوا أصولًا مهما علون وفروعًا مهما نزلن، فإنه لا يجوز للمسلم أن يتزوج أحدًا من هؤلاء منهن؛ إلا بنات العم وبنات العمات وبنات الخال وبنات الخالات فهذه قد نَص الله على جوازها. * قوله: (وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ). بنات الأخ إن علت وإن نزلت أيضًا بنت، بنت الأخ أو بنت ابنته أو ابنه فلا يجوز أيضًا ذلك، هذه من المحرمات المؤبدات، وكذلك بنات الأخت مثلها تمامًا وإن نزلت. * قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الأُمَّ هَاهُنَا اسْمُ كُلِّ أُنْثَى لَهَا عَلَيْكَ مِنْ جِهَةِ الأُمِّ، أَوْ مِنْ جِهَةِ الأَبِ). يعني: لها أولاد، إما أن تكون ولدتك، أو ولدت أخاك أو ولدت أو ولدت أمك أو ولدت جدتك، فكل ذلك أيضًا، مهما عَلَت، ولو وبينها مئات السنين لا يختلف ذلك.

стр. 5834

" قول: (وَالبِنْتُ اسْمٌ لِكُلِّ أُنْثَى لَكَ عَلَيْهَا وِلَادَةٌ مِنْ قِبَلِ الابْنِ، أَوْ مِنْ قِبَلِ البِنْتِ، أَوْ مُبَاشَرَةً). كان المناسب أن يقول مباشرة: بنتك من الصلب ثم بحد ذلك، لكنه أخو البنت المباشرة؛ لأن هذه ليست محلًّا للنقاش، ولعل المؤلف لاحظ هذا، يعني الابن وبنت الابن وبنت الابنة وإن نزلن كلهن يدخلن في ذلك. " قول: (وَأَمَّا الأُخْت، فَهِيَ اسْمٌ لِكُلِّ أُنْثَى شَارَكَتْكَ فِي أَحَدِ أَصْلَيْكَ، أَوْ مَجْمُوعَيْهِمَا؛ أَعْنِي: الأَبَ أَوِ الأُمَّ أَوْ كِلَيْهِمَا). معروف أن كل إنسان له أصلان، فهو يولد من أب ومن أم، وقد تشاركه هذه الأخت فيهما معًا، وربما يكون للأب زوجة أخرى فتكون أختًا لك من الأب، وربما تطلق أم هذا الإنسان أو يموت عنها زوجها فتتزوج آخر فيكونون أخوة لك، فهي لا تخرج عن كونها أختًا. * قول: (وَالعَمَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ أُنْثَى هِيَ أُخْتٌ لِأَبِيكَ، أَوْ لِكُلِّ ذَكَرٍ لَهُ عَلَيْكَ وِلَادَةٌ). حتى لو كانت أختًا لجدك، مهما علت فهي عمة سواء كانت عمة أبيك أو أخت أبيك أو عمة أمك فهي عمتك. * قول: (وَأَمَّا الخَالَة، فَهِيَ اسْمٌ لِأُخْتِ أُمِّكَ، أَوْ أُخْتِ كُلِّ أُنْثَى لَهَا عَلَيْكَ وِلَادَةٌ. وَبَنَاتُ الأَخِ اسْمٌ لِكُلِّ أُنْثَى لِأَخِيكَ عَلَيْهَا وِلَادَةٌ مِنْ قِبَلِ أُمِّهَا، أَوْ مِنْ قِبَلِ أَبِيهَا، أَوْ مُبَاشَرَةً). يعني: بنات الأخ التي أنت عمهم، والرسول ﷺ قال لعمر ﵁: "يا عمر، أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه؟ " (١). يعني: العم هو بمنزلة الأب، بل هو يسمى أيضًا أبًا والخال يسمى أبًا.

стр. 5835

* قوله: (وَبَنَاتُ الأُخْتِ اسْمٌ لِكُلِّ أُنْثَى لِأُخْتِكَ عَلَيْهَا وِلَادَةٌ مُبَاشِرَةٌ، أَوْ مِنْ قِبَلِ أُمِّهَا، أَوْ مِنْ قِبَلِ أَبِيهَا، فَهَؤُلَاءِ الأَعْيَانُ السَّبْعُ مُحَرَّمَاتٌ، وَلَا خِلَافَ أَعْلَمُهُ فِي هَذه الجُمْلَةِ. وَالأصلُ فِيهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إِلَى آخِرِ الآيَةِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ النَّسَبَ الَّذِي يُحَرِّمُ الوَطْءَ بِنِكَاحٍ يُحَرِّمُ الوَطْءَ بِمِلْكِ اليَمِينِ) (١). كذلك أيضًا ملك اليمين مثله تمامًا، مثل النكاح، والرضاع أيضًا (٢). قال المصنف رحمه الله تعالى: الفصل الثاني في المُصَاهَرَة وَأَمَّا المُحَرَّمَاتُ بِالمُصَاهَرَةِ، فَإِنَّهُنَّ أَرْبَعٌ: زَوْجَاتُ الآبَاءِ، وَالأَصْلُ

стр. 5836

فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٢]). وهذا من أخطر الأمور وأبشعها وأشنعها، تنفر منه النفوس، وتشمئز منه الأفئدة والقلوب؛ كيف يُتصور أن ينكح إنسان زوجة أبيه؟! الله تعالى يقول: ﴿وَلَا﴾، نَهْي: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، ثم بين الله خطورة هذا الأمر، ووصفه بهذه الأوصاف الثلاثة التي كان فيها أشد أيضًا من الزنا؛ ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ فهو فُحش في العمل، ﴿وَمَقْتًا﴾، أي: هذا عمل بغيض، فيه دناءة، فيه حقارة، فيه خِسة، فيه ذِلة وانحطاط، ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، ساء طريقًا ومنهجًا، من يفعل ذلك من الناس. ولا ينبغي أن يُظَن أن القصد بالآباء فقط إنما هو الأب الذي أنت من صُلبه، وإنما يدخل في ذلك الأب من أي طريق كان، سواء كان أب الأب؛ أي: جدك من قِبَل أبيك أو أب الأم، وإن عَلَوْا وبَعُدوا، فكل مَن يطلق عليه اسم الأب، فإنه يحرم على الابن أن ينكح زوجته. * قوله: (وَزَوْجَاتُ الأَبْنَاءِ، وَالأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]). كما أن زواج الابن من زوجة الأب فيه بشاعة كذلك أيضًا بالنسبة للأب لا يجوز له أن يتزوج حليلة ابنه؛ أي: زوجته؛ ولذلك يقول تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾، لكنه أضاف وصفًا كاشفًا، وهو قوله : ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾. أما الذي كان يُعمل في الجاهلية من التَبَني، فذلك أمر قد رده الإسلام وأنكره، فلا بُنوَّة في هذا المقام، وإنما المراد بالأبناء هم الأبناء من الأصلاب. ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾، أيضًا لا يقتصر على ابنك الذي من صُلبِك،

стр. 5837

فإنه يدخل في ذلك الابن الذي هو من صُلبك، وكذلك أيضًا ابن الابن وإن نزل، وابن البنت وإن نزل، فكل ما يشمله اسم الابن إنما يدخل في ذلك. * قوله: (وَأُمَّهَاتُ النِّسَاءِ أَيْضًا، وَالأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾). أم المرأةُ أيضًا، أُم زوجة الإنسان، لا يجوز له أن يتزوجها؛، ولا يقتصر ذلك أيضًا على الأم المباشرة، فيدخل فيه الأم مهما علت، فما دامت أمًّا لهذه الزوجة، فإنها تدخل في ذلك. * قوله: (وَبَنَاتُ الزَّوْجَاتِ، وَالأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾. هذا هو الرابع منها، زوجات الآباء، زوجات الأبناء، أمهات الزوجات، وبنات الزوجات أيضًا، لكن الآية ورد فيها وصف: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ فهنا ورد وصف "في حجوركم" ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، القصد الدخول بالأمهات، ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. الربيبة: هي ابنة الزوجة التي ليست من هذا الرجل، لكنها تعيش في بيته، فهو يربيها ويتولاها فهي بمنزلة ابنته، فلا يجوز له في هذه الحالة أن يتزوجها، وأيضًا ليس له أن يتزوج ابنة الربيبة؛ ولذلك يقول العلماء: ابنة الربيبة ربيبة؛ وابنة حليلة الابن ليست بحليلة؛ لأنها تختلف عنها؛ فهذه وإن نزلت تسمى ربيبة؛ فلننتبه لذلك. * قوله: (فَهَؤُلَاءِ الأَرْبَعُ اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ اثْنَتَيْنِ مِنْهُنَّ بِنَفْسِ العَقْدِ).

стр. 5838

يجوز لغة أن يقال: "هؤلاء" للرجال وللنساء، ويُقال للنساء: أولاء (١). يعني: اثنتان منهما محرمتان بمجرد العقد إجماعًا لا خلاف فيه؛ التي هي زوجات الآباء، وزوجات الأبناء؛ وبالنسبة أيضًا للربائب، هناك خلاف بالنسبة للبنت. * قوله: (وَهُوَ تَحْرِيمُ زَوْجَاتِ الآبَاءِ وَالأَبْنَاءِ). هاتان لا خلاف فيهما بين العلماء (٢). * قوله: (وَوَاحِدَةٍ بِالدُّخُولِ وَهِيَ ابْنَةُ الزَّوْجَةِ). ليس المقصود هنا الدخول بها لأنه ربما يلتبس على بعضكم؛ بل القصد الدخول بأُمها، ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، وأما هناك فلم يذكر الله : ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، فإن الله تعالى أبهم؛ ولذلك يقول عبد الله بن عباس: "أبهموا كما أبهم القرآن، وأطلقوا كما أطلق القرآن، فلا تقيدوا" (٣). * قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْهَا فِي مَوْضِعَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: هَلْ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ تَكُونَ فِي حِجْرِ الزَّوْجِ؟ وَالثَّانِيَةُ: هَلْ تَحْرُمُ بِالمُبَاشَرَةِ لِلْأُمِّ لِلَذَّة؟ أَوْ بِالوَطْءِ؟).

стр. 5839

مسألة: قوله : ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾، هل وصف الحجر مُراد؟ بمعنى أنها لو لم تكن في حجره، فإنها لا تدخل في ذلك (١)؟ هذه مسألة فيها خلاف بين العلماء، لكن الخلاف فيها ضعيف، والصحيح: أن هذا وصف كاشف يعرفه الذين درسوا علم النحو، هذا يُسمَّى بالوصف الكاشف، وليس شرطًا؛ أي: ليس مقيدًا للآية؛ لكنه جاء

стр. 5840

بالنسبة للغالب، فخرج مخرج الغالب، فالغالب في الربائب أنهن يكن في بيوت الأزواج؛ ولذلك نص الله على ذلك. الأمر الآخر بالنسبة للأم، هل المطلوب ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ مجرد الدخول أو لا بد من الوطء؛ هذه مسألة يختلف فيها العلماء، والأئمة الأربعة انقسموا فيها إلى قسمين: - فريق يرى أن مجرد الدخول كافٍ؛ لو حصل لمس أو نظرة فإن ذلك يكفي (١). وفريق قال: لا بد من الوطء؛ فإن لم يحصل وطء، فلا (٢). * قوله: (وَأَمَّا أُمُّ الزَّوْجَةِ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا هَلْ تَحْرُمُ بِالوَطْءِ؟ أَوْ بِالعَقْدِ عَلَى البِنْتِ فَقَطْ؛ وَاخْتُلِفَ أَيْضًا مِنْ هَذَا البَابِ فِي مَسْأَلَةٍ رَابِعَةٍ، وَهِيَ هَلْ يُوجِبُ الزِّنَا فِي هَذَا التَّحْرِيمِ مَا يُوجِبُهُ النِّكَاحُ الصَّحِيحُ أَوِ النِّكَاحُ بِشُبْهَةٍ؟ فَهُنَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ).

стр. 5841

هنا أمور ثلاثة ينص عليها الفقهاء، وهو أن الوطء لا يخلو من واحد من ثلاثة أمور: إما أن يكون بنكاح صحيح، وإما أن يكون بوطء شبهة، وإما بوطء محرم وهو الزنا. والنكاح الصحيح معروف، يثبت به كل ما يتعلق بالحُرمة والمحرمية؛ فيحرم على الإنسان في هذا النكاح هؤلاء اللاتي ذُكرن، وكذلك يصبح هذا مَحْرَمًا لهن؛ فيجمع صفتين: حُرمة ومحرمية؛ لكن الوطء بالشبهة يثبت به أيضًا التحريم، لكنه لا يكون محرمًا؛ فما الحال بالنسبة للزنا؟ هذا سيأتي أيضًا التعليق عليه عند الحديث عن قضية الوطء بالزنا. * قوله: (المسْأَلةُ الأُولَى: وَهِيَ هَلْ مِنْ شَرْطِ تَحْرِيمِ بِنْتِ الزَّوْجَةِ أَنْ تَكُونَ فِي حِجْرِ الزَّوْجِ؛ أَمْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهِ؟ فَإِنَّ الجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ التَّحْرِيمِ). الجمهور هنا يعني عامة فقهاء الأمصار، يدخل فيهم الأئمة الأربعة وغيرهم؛ ولذلك حكى ابن المنذر الإجماع على ذلك؛ ولذلك ابن المنذر ماذا نطق (١)؟ أُثِر عن عمر ﵁ وعن علي ﵁ أنهما قالا: "أن تكون في الحجر" (٢)، وهو قول داود كما أشار المؤلف (٣)؛ لكن ابن المنذر حكى

стр. 5842

إجماع فقهاء الأمصار على خلاف ذلك، وأنه في الحقيقة لا أثر لهذا الوصف، وأنه لا يُعتبر قيدًا ولا شرطًا، وإنما هي حكاية عن أمر غالب، فإن الغالب في الربائب أن يكن في بيوت الأزواج، والأزواج يتعاهدهن أيضًا بالتربية؛ ولذلك هي تكون في الحجر. * قوله: (وَقَالَ دَاوُدُ: ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهِ. وَمَبْنَى الخِلَافِ هَلْ قَوْله تَعَالَى). ومما يؤيد قول جمهور العلماء: قوله ﷺ لأم حبيبة في الحديث: "لا تعرضن عليَّ بناتكن ولا أخواتكن" (١)؛ فإن الرسول ﷺ هنا ذكر بنات الزوجات، وذكر أيضًا أخت الزوجة، فقال: "لا تعرضن عليَّ"؛ أي: أن أنكح (أتزوج) بنت هذه الزوجة أو أختها، وهذا قد عُرض على الرسول ﷺ وأنكر، والرسول ﷺ لم يُفَرق بين التي في الحِجر وفي غيرها، والرسول الكريم إنما جاء لِيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ؛ وتعلمون أيضًا أن القاعدة الأصولية تقول: "إن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز" (٢)، فلو كان ذلك شرطًا ومطلوبًا لَبينه الرسول ﷺ فذلك أمر كثير الوقوع، كثير الحدوث، ومع ذلك نجد أن الرسول ﷺ أنكر فقال: "لا تعرضن عليَّ بناتكن ولا أخواتكن"، يعني لا تطلبن منِّي الزواج ببناتكن أيها الزوجات أو أخواتكن؛ لأن بنت الزوجة ربيبة. والأخت نهى الله أن يُجْمَع بينها وبين أختها في عقد واحد، لكن أن يُطلق الإنسان هذه، وتنتهي العدة، ويتزوج، فإن هذا أمر جائز قد أباحه الله تعالى فإن التحريم هنا ليس مؤبدًا، وإنما هو تحريم مؤقت. * قوله: (وَمَبْنَى الخِلَافِ هَلْ قَوْله تَعَالَى: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وَصْفٌ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الحُرْمَةِ؟ أَوْ لَيْسَ لَهُ تَأْثِيرٌ).

стр. 5843

نحن لا ننكر بأنه وصف، لكنه وصف كاشف (١) يوضح الحالة يبينها، يكشف لنا الحالة التي تكون عليها الربيبة ما هي! أنها في حجو زوج أمها، فهي تعيش معه وتتربى، وأنتم تعلمون ما في هذا الإسلام من اليُسر والسماحة، ولذلك انظروا كيف عاملها الإسلام. * قوله: (وَإِنَّمَا خَرَجَ مَخْرَجَ المَوْجُودِ الأَكثَرَ؟). ولذلك لا يثبت حكم لأمر غالب؛ يعني: كونها تكون في الغالب في حجر الزوج، هذا لا يترتب عليه إنشاء حكم من الأحكام؛ لأن الأحكام إنما تُقر وتقرر إذا جاءت في كتاب الله ، وفي سُنَّة رسوله ﷺ كيف وقد جاء في السُّنة المُطهرة ما يُبعد ذلك وينفيه؟ وأما قول عمر وعلي ﵄ الذي نُسب إليهما، فهذا اجتهاد منهما، وربما يكونان بقيا عليه، أو تراجعا عنه، والله أعلم في ذلك؛ لكن ما حكاه ابن المنذر هو إجماع العلماء على خلاف ذلك. * قوله: (وَلَيْسَ هُوَ شَرْطًا فِي الرَّبَائِبِ، إِذْ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الَّتِي فِي حِجْرِهِ أَوِ الَّتِي لَيْسَتْ فِي حِجْرِهِ، قَالَ: تَحْرُمُ الرَّبِيبَةُ بِإِطْلَاقٍ. وَمَنْ جَعَلَهُ شَرْطًا غَيْرَ مَعْقُولِ المَعْنَى قَالَ: لَا تَحْرُمُ إِلَّا إِذَا كَانَتْ فِي حِجْرِهِ). لا نقول غير معقول المعنى، بل هو معقول المعنى، وإنما هذا يكشف لنا صفة حادثة، أمر يتكرر في البيوت، فهذه البنت تنشأ - في الغالب - مع أمها؛ ولذلك بعض النساء تتزوج برجل فيكون معها ولد أو بنت، نجد أن أهلها يشترطون أو هي تشترط أن تتزوج على أن تبقى بنتها معها، والناس يختلفون، بعضهم يتحمل ذلك ويطلب الأجر والمثوبة

стр. 5844

من الله ؛ لأنه إذا تربت هذه البنت أو هذا الطفل في بيته فأكرمها، وعاملها معاملة الأب لابنه أو لبنته، فإنه بلا شك يُثاب على ذلك؛ وإذا كان يُؤجر على الخادمة وأن الله يجعل ذلك سببًا من أسباب دخوله الجنة فما بالك أن يُربي مثل هذه الطفلة؟! * قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَأَمَّا هَلْ تَحْرُمُ). هذا القيد ليس مرادًا، والصحيح هو القول المشهور الذي حكى ابن المنذر الإجماع عليه، بمعنى أنه انعقد الإجماع بعد ذلك عليه؛ فلا ينبغي حقيقة أن يُختلف في هذا الأمر. * قوله: (البِنْتُ بِمُبَاشَرَةِ الأُمِّ فَقَطْ؟ أَوْ بِالوَطْءِ؛ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ حُرْمَتَهَا بِالوَطْءِ). جاء في حديث عمرو بن شعيب أن رسول الله ﷺ قال في مسألة قريبة من هذه: "من تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها، فلا بأس أن يتزوج بنتها، ولا يحل له أن يتزوج أمها"، هذا صريح في هذه المسألة، لكن هذا الأثر رواه البيهقي، وكذلك عبد الرزاق في "مُصنفه"، ورواه غير هؤلاء (١)، لكن اختلف فيه أيضًا من حيث درجته؛ لكنه صريح في هذه المسألة.

стр. 5845

قال: "فإنهم اتفقوا على أن حرمتها بالوطء؛ واختلفوا فيما دون الوطء من اللمس … " مراد المؤلف هنا بالنسبة للأم، هل الدخول بها كافٍ أو أنه لا يحصل تحريم الدخول بابنتها؟ القاعدة المعروفة: "أن العقد على البنات يحرم الأمهات" (١)، مجرد العقد، وهذا تكريم للأم وبيان لمكانتها، مجرد العقد على البنت يحرم الأم؛ "العقد على البنات يُحَرِّم الأمهات، والدخول بالأمهات يُحَرِّم البنات" (٢). إذن الصورة مختلفة، لكنه ما هو هذا الدخول؟ هل المراد بالدخول أن يدخل بها، مجرد أن يخلو بها، وربما يحصل لمس أو نحو ذلك، أو تدقيق نظر، أو أن المراد بالدخول هنا إنما هو الوطء؟ ونحن نجد أن القرآن الكريم أحيانًا يُكني عن هذه الأمور، ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، إلى غير ذلك من الآيات. فإن أسلوب القرآن في مثل هذه الأمور لا يُصَرِّحُ بها، ولذلك نجد أنه مما ثبت حُكمًا في كتاب الله ونُسِخ تلاوةً ما يتعلق بالزانِيَيْن المحصَنَيْن، فإنه كان مما كان يتلى في سورة الأحزاب: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتَّة نكالًا من الله)، ثم إن ذلك نُسخ تلاوة وبقي

стр. 5846

حُكْمًا (١) "فقد بين ذلك عمر ﵁ على المنبر، بمشهد من الصحابة ﵃ ولم يُنكِر عليه مُنكِر (٢)، فدل ذلك على أنه أمر متفق عليه. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا دُونَ الوَطْءِ مِنَ اللَّمْسِ وَالنَّظَرِ إِلَى الفَرْجِ لِشَهْوَةٍ أَوْ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، هَلْ ذَلِكَ يُحَرِّمُ؟ أَمْ لَا؟). جاء في حديث: "لا ينظر الله إلى رجلٍ نظر إلى فرج امرأةٍ وبنتها" (٣)، المقصود هنا إنما هو النظرة المحرمة، والله قد حرم النظر إلى النساء اللاتي لا يجوز النظر إليهن. ويقول الرسول ﷺ : "لا تُتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وعليك الثانية" (٤)؛ لأن الإنسان ربما يقع نظره على امرأة أجنبية، فهو لا يأثم لأن هذا أمر خارج عن إرادته، لكن أن يُدقق النظر فيها، ويُتبع النظرة النظرة، ثم بعد ذلك يضعف قلبه، ويبدأ أيضا تأخذه الأهواء يمينًا وشمالًا والشهوة، فهذا قد وقع في المحرم فحذره الرسول ﷺ "لا تُتبِع النظرة النظرة"؛ لأن النظرة سهام مسمومة من سهام الشيطان.

стр. 5847

فالإنسان ربما في أول نظرة لا يلقِي بالًا، لكنه لو كرر لا ينسى أن الشيطان يدفعه، ويُزين له هذه المرأة حتى وإن لم تكن جميلة، وما عنده في بيته أجمل منها، لكن الشيطان يُحبِّبُ للمسلم الحوام، يريد أن يقع في المُنكر حتى لا يبقى هو وحده عاصيًا لله وإنما يريد أن تكون معه أُمَّة وجيش وأتباع يتبعونه. * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالأَوْراعِيُّ (٢)، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ (٣): إِنَّ اللَّمْسَ لِشَهْوَةٍ يُحَرِّمُ الأُمَّ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ). هذا مذهب مالك (٤)، والشافعي في قول، وأبي حنيفة (٥). * قوله: (وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافعِيِّ). لكنه ليس القول المشهور للشافعي، القول المعتمد في المذهب هو خلاف هذا.

стр. 5848

* قوله: (وَقَالَ دَاوُدُ (١) وَالمُزَنِيُّ (٢)). المُزَنِي من أصحاب الإمام الشافعي. * قوله: (لَا يُحَرِّمُهَا إِلَّا الوَطْءُ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ المُخْتَارُ عِنْدَهُ). وهو مذهب أحمد (٣) أيضًا. * قوله: (وَالنَّظَرُ عِنْدَ مَالِكٍ كاللَّمْسِ). إذن مذهب الإمام أحمد، والمعتمد - يعني: القول الصحيح الذي أخذ به الأصحاب في مذهب الإمام الشافعي - هو هذا القول الأخير، وهو أنه لا بد من الوطء بالنسبة للأم، وأما مجرد الدخول فلا تأثير له في هذا المقام. * قول: (وَالنَّظَرُ عِنْدَ مَالِكٍ كَاللَّمْسِ إِذَا كَانَ نَظَرَ تَلَذُّذٍ إِلَى أَيِّ عُضْوٍ كَانَ، وَفِيهِ عَنْهُ خِلَافٌ (٤). وَوَافَقَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي النَّظَرِ إِلَى الفَرْجِ فَقَطْ (٥). وَحَمَلَ الثَّوْرِيُّ النَّظَرَ مَحْمَلَ اللَّمْسِ وَلَمْ يَشْتَرِطِ اللَّذَّةَ (٦)).

стр. 5849

لماذا أبو حنيفة قيد ذلك بالفرج؟ لحديث: "لا ينظر الله إلى رجلٍ نظر إلى امرأة فرجها" (١)، يعني: النظر المُحرَّم. * قوله: (وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، فَلَمْ يُوجِبْ فِي النَّظَرِ شَيْئًا، وَأَوْجَبَ فِي اللَّمْسِ). وهو أيضًا مذهب الإمام أحمد. وقصده باللمس هنا الوطء؛ هذا هو المراد، ففي مذهب الشافعي وأحمد: لا بد من الوطء، وأما دون الوطء فلا، فقد مر قبل قليل: "من تزوج امرأةً فطلقها قبل أن دخل بها" قالوا والمراد بالدخول هنا إنما هو الوطء "فلا بأس أن يتزوج ابنتها، ولا يحل له أن يتزوج أمها". * قوله: (وَمَبْنَى الخِلَافِ هَلِ المَفْهُومُ مِنَ اشْتِرَاطِ الدُّخُولِ فِي * قَوْله تَعَالَى: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ الوَطءُ؟). ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، قالوا: والمراد بالدخول إنما هو الوطء، فهذا هو المعروف، وليس المراد به الخلوة. * قوله: (أَوِ التَّلَذُّذُ بِمَا دُونَ الوَطْءِ؟ فَإِنْ كَانَ التَّلَذُّذُ فَهَلْ يَدْخُلُ فِيهِ النَّظَرُ؟ أَمْ لَا؟). المؤلف أجملها، والخلاف هنا في المراد بالدخول. فالحنابلة قولًا واحدًا؛ والشافعية في قولهم المعتمد المعروف، الذي يعتبر المذهب: يشترطون أن يكون الدخول بمعنى الوطء؛ وغيرهم لا يشترط الوطء. الوطء مجمع عليه، لكن لو حصل غير الوطء فهو كافٍ، إذن، المسألة فيها خلاف بينهم.

стр. 5850

* قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَأَمَّا الأُمُّ فَذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنْ كَافَّةِ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ إِلَى أَنَّهَا تَحْرُمُ بِالعَقْدِ عَلَى البِنْتِ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ (١)). العقد على البنات يُحَرِّم الأمهات، فمجرد أن يعقد الزوج على البنت، لا يحل أن يتزوج أمها، أو أم أمها وإن علت، أو أم أبيها. * قوله: (وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الأُمَّ لَا تَحْرُمُ إِلَّا بِالدُّخُولِ عَلَى البِنْتِ، كالحَالِ فِي البِنْتِ؛ أَعْنِي: أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ إِلَّا بِالدُّخُولِ عَلَى الأُمِّ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلَيٍّ (٢)، وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (٣) - مِنْ طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ). هو مروي عن علي؛ أما عن ابن عباس فلا؛ لأن المروي عن ابن عباس: "أبهموا كما أبهم القرآن"، فكلامه يدل على خلاف هذا؛ وجماهير العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة، وغيرهم من العلماء كلهم متفقون على أن
следующие страницы →