← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

حُكْمًا (١) "فقد بين ذلك عمر ﵁ على المنبر، بمشهد من الصحابة ﵃ ولم يُنكِر عليه مُنكِر (٢)، فدل ذلك على أنه أمر متفق عليه. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا دُونَ الوَطْءِ مِنَ اللَّمْسِ وَالنَّظَرِ إِلَى الفَرْجِ لِشَهْوَةٍ أَوْ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، هَلْ ذَلِكَ يُحَرِّمُ؟ أَمْ لَا؟). جاء في حديث: "لا ينظر الله إلى رجلٍ نظر إلى فرج امرأةٍ وبنتها" (٣)، المقصود هنا إنما هو النظرة المحرمة، والله قد حرم النظر إلى النساء اللاتي لا يجوز النظر إليهن. ويقول الرسول ﷺ : "لا تُتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وعليك الثانية" (٤)؛ لأن الإنسان ربما يقع نظره على امرأة أجنبية، فهو لا يأثم لأن هذا أمر خارج عن إرادته، لكن أن يُدقق النظر فيها، ويُتبع النظرة النظرة، ثم بعد ذلك يضعف قلبه، ويبدأ أيضا تأخذه الأهواء يمينًا وشمالًا والشهوة، فهذا قد وقع في المحرم فحذره الرسول ﷺ "لا تُتبِع النظرة النظرة"؛ لأن النظرة سهام مسمومة من سهام الشيطان.

стр. 5847

فالإنسان ربما في أول نظرة لا يلقِي بالًا، لكنه لو كرر لا ينسى أن الشيطان يدفعه، ويُزين له هذه المرأة حتى وإن لم تكن جميلة، وما عنده في بيته أجمل منها، لكن الشيطان يُحبِّبُ للمسلم الحوام، يريد أن يقع في المُنكر حتى لا يبقى هو وحده عاصيًا لله وإنما يريد أن تكون معه أُمَّة وجيش وأتباع يتبعونه. * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالأَوْراعِيُّ (٢)، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ (٣): إِنَّ اللَّمْسَ لِشَهْوَةٍ يُحَرِّمُ الأُمَّ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ). هذا مذهب مالك (٤)، والشافعي في قول، وأبي حنيفة (٥). * قوله: (وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافعِيِّ). لكنه ليس القول المشهور للشافعي، القول المعتمد في المذهب هو خلاف هذا.

стр. 5848

* قوله: (وَقَالَ دَاوُدُ (١) وَالمُزَنِيُّ (٢)). المُزَنِي من أصحاب الإمام الشافعي. * قوله: (لَا يُحَرِّمُهَا إِلَّا الوَطْءُ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ المُخْتَارُ عِنْدَهُ). وهو مذهب أحمد (٣) أيضًا. * قوله: (وَالنَّظَرُ عِنْدَ مَالِكٍ كاللَّمْسِ). إذن مذهب الإمام أحمد، والمعتمد - يعني: القول الصحيح الذي أخذ به الأصحاب في مذهب الإمام الشافعي - هو هذا القول الأخير، وهو أنه لا بد من الوطء بالنسبة للأم، وأما مجرد الدخول فلا تأثير له في هذا المقام. * قول: (وَالنَّظَرُ عِنْدَ مَالِكٍ كَاللَّمْسِ إِذَا كَانَ نَظَرَ تَلَذُّذٍ إِلَى أَيِّ عُضْوٍ كَانَ، وَفِيهِ عَنْهُ خِلَافٌ (٤). وَوَافَقَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي النَّظَرِ إِلَى الفَرْجِ فَقَطْ (٥). وَحَمَلَ الثَّوْرِيُّ النَّظَرَ مَحْمَلَ اللَّمْسِ وَلَمْ يَشْتَرِطِ اللَّذَّةَ (٦)).

стр. 5849

لماذا أبو حنيفة قيد ذلك بالفرج؟ لحديث: "لا ينظر الله إلى رجلٍ نظر إلى امرأة فرجها" (١)، يعني: النظر المُحرَّم. * قوله: (وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، فَلَمْ يُوجِبْ فِي النَّظَرِ شَيْئًا، وَأَوْجَبَ فِي اللَّمْسِ). وهو أيضًا مذهب الإمام أحمد. وقصده باللمس هنا الوطء؛ هذا هو المراد، ففي مذهب الشافعي وأحمد: لا بد من الوطء، وأما دون الوطء فلا، فقد مر قبل قليل: "من تزوج امرأةً فطلقها قبل أن دخل بها" قالوا والمراد بالدخول هنا إنما هو الوطء "فلا بأس أن يتزوج ابنتها، ولا يحل له أن يتزوج أمها". * قوله: (وَمَبْنَى الخِلَافِ هَلِ المَفْهُومُ مِنَ اشْتِرَاطِ الدُّخُولِ فِي * قَوْله تَعَالَى: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ الوَطءُ؟). ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، قالوا: والمراد بالدخول إنما هو الوطء، فهذا هو المعروف، وليس المراد به الخلوة. * قوله: (أَوِ التَّلَذُّذُ بِمَا دُونَ الوَطْءِ؟ فَإِنْ كَانَ التَّلَذُّذُ فَهَلْ يَدْخُلُ فِيهِ النَّظَرُ؟ أَمْ لَا؟). المؤلف أجملها، والخلاف هنا في المراد بالدخول. فالحنابلة قولًا واحدًا؛ والشافعية في قولهم المعتمد المعروف، الذي يعتبر المذهب: يشترطون أن يكون الدخول بمعنى الوطء؛ وغيرهم لا يشترط الوطء. الوطء مجمع عليه، لكن لو حصل غير الوطء فهو كافٍ، إذن، المسألة فيها خلاف بينهم.

стр. 5850

* قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَأَمَّا الأُمُّ فَذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنْ كَافَّةِ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ إِلَى أَنَّهَا تَحْرُمُ بِالعَقْدِ عَلَى البِنْتِ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ (١)). العقد على البنات يُحَرِّم الأمهات، فمجرد أن يعقد الزوج على البنت، لا يحل أن يتزوج أمها، أو أم أمها وإن علت، أو أم أبيها. * قوله: (وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الأُمَّ لَا تَحْرُمُ إِلَّا بِالدُّخُولِ عَلَى البِنْتِ، كالحَالِ فِي البِنْتِ؛ أَعْنِي: أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ إِلَّا بِالدُّخُولِ عَلَى الأُمِّ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلَيٍّ (٢)، وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (٣) - مِنْ طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ). هو مروي عن علي؛ أما عن ابن عباس فلا؛ لأن المروي عن ابن عباس: "أبهموا كما أبهم القرآن"، فكلامه يدل على خلاف هذا؛ وجماهير العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة، وغيرهم من العلماء كلهم متفقون على أن

стр. 5851

العقد على البنات يُحرم الأمهات؛ مجرد العقد تَحْرُم به، إذا عُقد على البنت فإن الأم تَحْرُم؛ وهذا قد أطلقه الله فقال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾. قال: "وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلَيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مِنْ طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ". قال: من طُرقٍ ضعيفة، فلم يصح أصلًا. * قوله: (وَمَبْنَى الخِلَافِ: هَلِ الشَّرْطُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ يَعُودُ إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ، وَهُمُ الرَّبَائِبُ فَقَطْ؟ أَوْ إِلَى الرَّبَائِبِ وَالأُمَّهَاتِ المَذْكورَاتِ قَبْلَ الرَّبَائِب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾؟ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْله تَعَالَى: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ يَعُودُ عَلَى الأُمَّهَاتِ وَالبَنَاتِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ وَهُمُ البَنَاتُ. وَمِنَ الحُجَّةِ لِلْجُمْهُورِ مَا رَوَى المُثَنَّى بْنُ الصَّبَاحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ). حديث (المُثنَّى بن الصباح) رواه الترمذي، وهو حديث ضعيف؛ لأنه من طريق ابن لهيعة، وهو حُجة للجمهور، وورد أيضًا من عدة طُرق. * قوله: (أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ: "أَيُّمَا رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً، فَدَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ، فَلَا تَحِلُّ لَهُ أُمُّهَا" (١)). هنا أيضًا جاءت رواية أخرى التي ذكرتها لكم قبل قليل: "من تزوج امرأةً فطلقها قبل أن دخل بها" يعني: طلق الأم "فلا بأس أن يتزوج ابنتها، ولا يحل له أن يتزوج أمها". * قوله: (وأَمَّا المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فَاخْتَلَفُوا فِي الزِّنَا هَلْ يُوجِبُ مِنَ التَّحْرِيمِ فِي هَؤُلَاءِ مَا يُوجِبُ الوَطْءُ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ بِشُبْهَةٍ). الله قد حذر من الزنا وبيَّن بشاعته، وبين أيضًا أنه ساء سبيلًا

стр. 5852

كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢]. والله يقول: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [النور: ٣]. والرسول ﷺ بين خطورة الزنا، وحذر منه، وأقام الحد على من ارتكبه، أقام حد الرجم - كما هو معلوم - في بعض الوقائع التي حصلت، وجلد غير المحصنين، فالزنا لا شك أنه من أبشع الأمور، وهو أيضًا من الكبائر التي جاء التحذير منها في هذه الشريعة الإسلامية الخالدة، لكن لو وقع ذلك هل ينشُر الحُرمة أو لا ينشُر؟ أولًا: الوطء لا يخلو من واحد من أمور ثلاثة: - إما أن يكون في نكاح صحيح. - أو في ملك يمين. فإن وقع في نكاح صحيح أو في ملك يمين، فإنه ينشر الحرمة بلا خلاف، يصبح الإنسان يحرم عليه أن يتزوج من حرمن عليه، من حصلت بينه وبينهن مصاهرة، ممن نص الله على تحريمهن، ويصبح أيضًا هو محرمًا لهن، هذا فيما يتعلق بالنكاح، لا إشكال. - لكن هناك ما يُعرف بالقسم الثاني وهو وطء الشبهة، ما هو وطء الشبهة؟ نحن نعلم أن الشريعة الإسلامية دائمًا وضعت حدودًا، وأن هذه الشريعة الإسلامية جاءت مما فيه خير الناس، وكل أمر فيه لَبْس أو شبهة، فإننا نجد أن الشريعة الإسلامية لا تُعاقب مُرتكبه كما تعاقب من ليس له شبهة في ارتكاب الأمور؛ ولذلك جاء في الأحاديث: "تُدرأ الحدود بالشبهات" (١).

стр. 5853

وجاء: "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم إلى ذلك سبيلًا" (١). يعني الدفاع عن المسلم، ودَرْء العقوبة عنه، والحفاظ على عرضه ينبغي أن يحصل من كل مسلم، وبخاصة إذا كان المسلم له شُبهة، أما من يرتكب الحرام، ويُجاهِر فيه، ويعصي الله فلا يدخل في ذلك. ووطء الشبهة له صور كثيرة، يدخل فيه ما يُعرف بالنكاح الفاسد (٢). تذكرون أن الرسول ﷺ قال: "لا نكاح إلا بِوَلِيٍّ وشاهدي عدل" (٣)، وأن جمهور العلماء يشترطون ذلك (٤)، وأنه لا يجوز للمرأة أن تتولى عقد

стр. 5854

نكاحها فتزوج نفسها، وإنما لا بد من ولي يتولى ذلك، ولا بد من وجود شاهدين عملًا بهذا الحديث، فلو لم يحصل ذلك أصبح النكاح فاسدًا خلافًا للحنفية (١). هذا نوع من أنواع النكاح الفاسد. هذا واحد. الأمر الآخر: أن يكون الشراء فاسدًا، يأتي إنسان فيشتري مولاه، ثم يكون الشراء غير صحيح فيطؤها، هذا الذي تزوج هذه المرأة على الصورة الأولى بنكاح فاسد، حصل منه وطء لها، فهنا شبهة. وكذلك في الشراء، يعني: اشترى من يملك يمينها فوطئها، والشراء أيضًا فاسد، لأنه لم تتوفر فيه أركان البيع الصحيح، وربما وطئ امرأةً يظنها زوجةً له، فتبينت خلاف زوجته؛ دخل مكانًا مُظلمًا أو نحو ذلك، لا يعلم فيه إلا زوجته، ثم تبين أنه غيرها فوطئها، إذن هذه شُبهة أيضًا. هذه صور من صور الشُّبَه، أو يكون له شريك في مملوكة؛ فيطؤها ظنًّا منه أن شراكته لها تبيح له ذلك. هذا هو ما يُعرف بوطء الشبهة، فوطء الشبهة يوجب الحرمة، بمعنى أن الحرمة تنتقل كالحال بالنسبة لوطء النكاح (٢)، هذا فيما يتعلق بالحُرمة، لكن كونه مَحرمًا لها، قال العلماء: لا، ليس له أن ينظر إليها، يعني: من

стр. 5855

حرم عليه نكاحهن بسبب هذا الوطء؛ وأيضًا لا يحصل هنا توارُث، إلى غير ذلك من الأمور المترتبة على ذلك؛ ولا يلزمه أيضًا نفقة. إذن وطء الشبهة يُدرأ به الحد (١)، وتثبت به الحُرمة، ولا يكون مَحرمًا. - بقي النوع الثالث: وهو الوطء المحرم، وهو وطء الزنا الذي حرمه الله في كتابه العزيز، وحرمه الرسول ﷺ واعتبره أيضًا من السبع الموبقات (٢). لكن لو زنى رجل بامرأة، فهنا يقع الخلاف بين العلماء فيما يتعلق بانتشار الحُرمة. أولًا: هم اتفقوا على أنه لا يكون محرمًا، ولا توارث بينهما، ولا يثبت النسب، لأنهم قالوا: إذا كان وطء الشبهة، يعني إنسان وطئ امرأة بشبهة، له حُجة يتمسك بها، لا يثبت في هذا الوطء نسب، وكذلك لا يثبت فيه توارُث، ولا يكون محرمًا؛ فما بالك بوطء الزنا الذي حرمه الله؟! لكن يبقى بعد ذلك: هل تنتشر الحُرمة أو لا؟ لو أن رجلًا زنى بامرأة هل يجوز له أن يتزوج ابنتها؟ أو أن يتزوج أمها؟ وهل يجوز لأبيه أو لابنه أن يتزوجها؟ هذا هو الذي يدور الخلاف حوله؛ وهو الذي سيذكره المؤلف في هذا المقام؛ والعلماء قد انقسموا في ذلك إلى قسمين؛ ولكل حُجة يتمسك بها، وإن لم تكن الحُجج صريحة، لكن هناك نظرة شاملة إلى هذه الشريعة الإسلامية الخالدة.

стр. 5856

هناك حديث يقول: "لا يُحرِّم الحرام الحلال" (١)، لكل هل هذا على إطلاقه؟ وهل يدخل في ذلك أيضًا الزنا؟ لا يُحرِّم الحرام الحلال: لا يجوز لأحد أن يحرم ما أحل الله له، ولا أن يُحل ما حرم الله عليه، ولذلك نجد أن الرسول ﷺ لما نزل قول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٣١] أشكل ذلك على عدي بن حاتم، فسأل رسول الله ﷺ عن ذلك، والرسول ﷺ أحيانًا تكون إجاباته عن طريق السؤال، حتى يستقر الحكم في ذهن وقلب السامع، فقال له: "أَلَيْسُوا يُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّه، فَتَسْتَحِلُّونَه، وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّه، فَتُحَرِّمُونَهُ؟! " قال: بَلَى؛ قَالَ: "فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ" (٢). فمن يُحل ما حرم الله، أو يُحرم ما أحل الله، معتقدًا حِليَّة هذا الأمر فيُحرمه، أو حُرمة هذا الأمر فيُحله، فإنه بذلك يخرجه عن الإسلام؛ لكن من يكون جاهلًا أو معذورًا فالحكم في شأنه يختلف. كذلك أيضًا مَن يُفضل غير شريعة الإسلام؛ أي: القانون على هذه الشريعة، فهو كافر بلا خلاف، ومن يُسوي بين القوانين التي من صُنع البشر، ومن زبد أفكارهم وبين هذه الشريعة الإسلامية الخالدة يكون كافرًا؛ أما من يحكم بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أن الحق في الشريعة، بأن يكون مُكرهًا، أو لسبب من الأسباب؛ فهذا يدخل في الأوصاف الباقية التي وردت في سورة المائدة ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]. وهذه من أخطر الأمور، أن يكفر الإنسان بغير دليل. وفي "العقيدة الطحاوية" قال شارحها: "ولا نُكفِّر أحدًا من أهل

стр. 5857

القبلة بذنب ما لم يستَحِلّه" (١). فلننتبه لمثل هذه الأمور؛ الذي يُحل ويُحرم إنما هو الله وليس للمسلم أن يحكم على أحد بالكفر دون أن يكون عندك دليل بيِّن قاطع، أما أن يحكم الإنسان برأيه، فإذا وجد معصيةً من مسلم سارع وكفَّر؛ أو وجد تقصيرًا أو معصية من وليٍّ من أولياء المسلمين، أو حاكم من حكام، هذا أمر لا يجوز، ولا لأحد أن يُكفر أحدًا من المسلمين؛ وفرق بين العاصي والكافر، شتان بينهما. ولذلك الرسول ﷺ يقول: "صلوا خلف من قال لا إله إلا الله، وعلى من قال لا إله إلا الله" (٢). وقال: "الصلاة واجبة عليكم خلف كل إمام، برًّا كان أو فاجرًا" (٣). وأمر ﵊ بطاعة ولي الأمر حتى وإن ضرب ظهرك، وإن أخذ مالك (٤). ولا يأخذنا الحماس أو الاندفاع، أو مثلًا محبتنا للدين، وحرصنا على أن يكون الناس جميعًا على استقامة وعلى هدى؛ فالمعاصي حصلت في زمن الرسول ﷺ ، أليس ماعِزًا قد زنى، وجاء إلى الرسول ﷺ وطلب منه أن يُطهره، وأعرض عنه الرسول ﷺ ثم أخذ يفتح له الأبواب، ويلقنه الحُجج: "لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، لعلك غَمَزْتَ، لعلك لمست؟ " فيقول: لا، .. إلى

стр. 5858

أن قال: "كما يُدخل الرشا في البئر، والمرود في المُكْحُلة" … إلى أن قال: "أَنِكْتَهَا؟ " لَا يَكْنِي، صرح له بكل شيء، قال: نعم. فأدرك الرسول ﷺ أن الرجل جاء يريد التطهير؛ فأقام عليه الحد؛ ولما أنكر عليه بعض المنكرين لما فَرَّ، أو حاول أن يَفر، أُلقي عليه الكلمة، فأنكر الرسول ﷺ وبين أنه "قَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ على أهل المدينة لكفتهم" (١). وكذلك قصة الغامدية (٢)، وكيف جاءت. فالنفس ضعيفة قد يحصل منها، لكن من يتوب إلى الله فإن الله يقبل التوبة. ومن أخطر الأمور أن يتسرع طالب العلم، أو الذي لا يزال في بداية طلب العلم، فيحكم على الآخرين بأنهم متساهلون، يجب النظر في سيرة رسول الله ﷺ ومعرفة كيف كان يُعامل العُصاة؟ رجل يتكلم في الصلاة، فيسكته الصحابة، وبعد ذلك يواصل كلامه، ثم يضربون بأيديهم على أفخاذهم يريدون أن يصمتونه، قال: لكنني سَكَت، فلما انصرف رسول الله ﷺ بأبي وأمي، ما رأيت معلمًا أحسن منه فما كهرني ولا ضربني ولا شتمني؛ ثم قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" (٣). وفي قصة الشاب الذي جاء في عُنفوان شبابه، وهو يقول للرسول ﷺ بمحضر الصحابة: ائذن لي بالزنا! فيقوم أحد الصحابة ليؤدبه، فيقول الرسول ﷺ "دعه"، عالج الرسول ﷺ ذلك الداء والمرض الذي نفذ إلى قلبه، قال له: "أترضى ذلك لأمك؟ " قال: لا؛ قال: "أترضاه

стр. 5859

لابنتك؟ " قال: لا، قال: "والناس لا يرضونه لأمهاتهم ولا لبناتهم"، واستمر معه الرسول، قال: فخرج من عند رسول الله ﷺ يقول: ما كرهت شيئًا أكثر مما كرهت الزنا (١). هذه طريقة التأديب، وطريقة الدعوة؛ ولذلك الله تعالى يقول لنبيه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]. ويقول: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. ويقول تعالى في مخاطبة أهل الجاهلية، وفي مجادلتهم: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]. لا شك أن الدعوة لها أساليب، ولها طرق رشيدة؛ ولا شك أن الأُسوة في ذلك أولًا إنما هو رسول الله ﷺ والدستور الذي نرجع إليه هو قُطب هذه الشريعة الذي تدور عليه، كتاب الله القرآن المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد؛ الذي لما سمعه الجن توقفوا، فاستمعوا إليه: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ [الأحقاف: ٢٩] إلى آخر الآية. فالقرآن يأخذ بألباب القلوب، ويستولي على النفوس وينفذ إليها لو أن المرء أصغى إليه؛ ولذلك الله تعالى يقول: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]. ولأن هذا القرآن العظيم يغزو النفوس، وينفذ من القلوب ويستقر بها، كان المشركون يحذر بعضهم بعضًا من الاستماع إليه، ولذلك يقول أحدهم عندما سمع رسول الله ﷺ يتلو: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فصلت: ١ - ٤] إلى آخر الآيات، قال: "إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة،

стр. 5860

وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى عليه، وإنه ليس من كلام البشر" (١). وهو بلا شك ليس من كلام البشر، فهو كلام الله الذي به من اللوح المحفوظ؛ تكلم الله به بصوت، فالله تعالى يتكلم بصوت يسمعه من بَعُد، كما يسمعه من قَرُب، فهذا هو كلام الله، وهذا المسجل في هذا القرآن العظيم إنما تكلم الله به خلافًا لمن أنكر ذلك وألحد فيه. * قوله: (أَعْنِي: الَّذِي يُدْرَأُ فِيهِ الحَدُّ؟). يقصد الذي بشبهة فسره بالنكاح الذي يُدرأ به الحد؛ والشُّبهة أحيانًا يُدرأ بها الحد، ومن المعلوم أن من أقوى الصحابة في تنفيذ الحدود، وفي إقامة العدل وفي الصرامة، وفي الشدة عمر ﵁، ومع ذلك أوقف حد السرقة عام الرمادة (٢) لشدة حاجة الناس وللمجاعة، فهنا نجد أن عمر ﵁ وهذا ما يُعرف بالمصالح المرسلة (٣). * قوله: (فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الزِّنَا بِالمَرْأَةِ لَا يُحَرِّمُ نِكَاحَ أُمِّهَا، وَلَا ابْنَتِهَا) (٤).

стр. 5861

لأن هؤلاء يستدلون بحديث: "لا يحرم الحرام الحلال" (١)، هذا حديث أخرجه ابن ماجه، والبيهقي، لكنه حديث فيه ضعف. الزنا وطء حرام، فلا يحرم به الحلال، هكذا يقولون؛ معنى هذا أنه يجوز للزاني أن يتزوج من زنى بها، وأن يتزوج ابنتها، وأن يتزوج أمها، هذا هو تفسير ذلك على هذا القول. *قوله: (وَلَا نِكَاحَ أَبِي الزَّانِي لَهَا وَلَا ابْنِهِ (٢). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣)، وَالثَّوْرِيُّ (٤)، وَالأَوْزَاعِيُّ (٥): يُحَرِّمُ الزِّنَا مَا يُحَرِّمُ النِّكَاح، وَأَمَّا مَالِكٌ (٦) فَفِي "المُوَطَّإِ" عَنْهُ مِثْل قَوْلُ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ). وأحمد أيضًا (٧). العلماء انقسموا إلى قسمين: فالشافعي يرى أن الوطء بالزنا لا يحرم، ففي الحديث: "لا يحرم

стр. 5862

الحرام الحلال"، ولأنه لا يثبت به نسب ولا نفقة، وكذلك أيضًا لا تثبت به المحرمية، لا يكون محرمًا لها؛ لا يمكن أن يُنتسب إلى الزاني؛ وكذلك لا توارث بينهما. * قوله: (وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ القَاسِمِ (١) مِثْلَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُحَرِّمُ. وَقَالَ سَحْنُون: أَصْحَابُ مَالِكٍ يُخَالِفُونَ (٢)). لكن مالكًا له رواية يتفق فيها مع الشافعي، وأُخرى (٣) يتفق فيها مع الإمامين أبي حنيفة وأحمد. والجمهور - وهم الحنفية والحنابلة وهي الرواية الأخرى أيضًا للإمام مالك، وبها قال بعض الشافعية (٤) - يرى أن الزنا ينشر الحرمة، وأنه يحرم به فيما يتعلق بالوطء ما يحرم بالنكاح الصحيح وبوطء الشبهة. * قوله: (ابْنَ القَاسِمِ فِيهَا، وَيَذْهَبُونَ إِلَى مَا فِي "المُوَطَّإِ"، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ اللَّيْثِ أَنَّ الوَطْءَ بِشُبْهَةٍ لَا يُحَرِّم، وَهُوَ شَاذٌّ (٥)). وهو كما ذكر المؤلف قول شاذ، أما العلماء كافة فيرون أن الوطء

стр. 5863

بالشبهة إنما هو يُحرِّم (١)؛ لكنه لا يكون الواطئ بشبهة محرمًا. *قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ الاشْتِرَاكُ فِي اسْمِ النِّكَاح، أَعْنِي: فِي دَلَالَتِهِ عَلَى المَعْنَى الشَّرْعِيِّ وَاللُّغَوِيِّ، فَمَنْ رَاعَى الدَّلَالَةَ اللّغَوِيَّةَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾. وفي قصة هلال بن أُمية - وفي بعض الروايات أنه عُويمر العجلاني لكن المشهور أنه هلال - لما قال الرسول ﷺ - بعد أن حصلت الملاعنة، يعني الرجل رمى زوجته بالزنا -: "البينة أو حد في ظهرك". بقي الرجل متأثرًا واتجه إلى الله حتى نزلت الآيات التي في اللعان؛ فلاعن من زوجته. لكن بعد ذلك الرسول ﷺ قال: "انظروا إليه فإن وجدتموه أكحل العينين فهو لشريك بن سحماء" الزوج الذي زنى بالمرأة؛ فجاء شبيهًا به، لكن الرسول ﷺ قال: "لولا ما مضى من كتاب الله، لكان لي ولها شأن" (٢). تقرر الحكم، وحصلت الملاعنة، ومع ذلك يقول الرسول ﷺ : "لولا ما مضى من كتاب الله - سبحلنه وتعالي - " أي: ما جاء في الملاعنة وما تم، "لكان لي ولها شأن" لأن الشبه واضح في هذا المقام. فالرسول ﷺ قال: فإن كان وصفه كذا، فهو لشريك بن سحماء، فجاء كما قيل، أصبحت المرأة هي المتهمة، لكن الرجل حلف، وهي أيضًا حلفت، وهناك مسؤولية عظيمة، وكل سيُسأل بين يدي الله من هؤلاء وغيرهم، كل مَن ظَلم سيجد ذلك مدونًا أمامه. وفي قول اللّه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، هذا حُجة للحنفية والحنابلة ومن معهم؛ قالوا: فإن النكاح

стр. 5864

يُطلق على الوطء؛ فالنكاح هنا يطلق أيضًا على الزنا؛ لأنه يطلق على الوطء والوطء زنا؛ فقالوا: هذه الآية حُجة لنا؛ لأن في تفسير الآية بعضهم فسرها بأنه الزنا، وبعضهم قال: إن ذلك كان في الجاهلية، وهذا يعني أنه لا يجوز للابن أن يتزوج امرأة زنى بها أبوه - والعياذ بالله -، فهذا التفسير حُجة للجمهور. ثم إن الماء إنما هو ماء هذا الرجل، لكنه يختلف عن الحلال بأن ذاك نكاح طيب أباحه الله لكنه وضع هو هذه النطفة في هذه المرأة كما يضعها الرجل في امرأته؛ لكن الفرق بينهما، كما قال الرسول: "أرأيت لو وضعتها في الحلال، ألك أجر؟ " قال: بلى؛ قال: "فكذلك إذا وضعتها في الحرام فعليك وِزر" (١)، فمن يضع هذه النطفة في الحلال إنما له أجر عظيم من الله ، ومن يضعها في الحرام فعليه وزر عظيم أيضًا. *قوله: (قَالَ: يُحَرِّمُ الزِّنَا). يعني بالدلالة اللغوية: أن النكاح يُطلق على الوطء؛ والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، يعني لا تطؤوا ما وطأ آباؤكم، وهذه قد وطئها الأب، فلا يجوز للابن أن يطأها؛ إذن هي محرمة، فتحرُم على ابنه وعلى أبيه، وتحرُم أيضًا على الزاني ابنتها وأمها كالحال في الزوجة. هذا هو تفسير مذهب الحنفية والحنابلة، فلو أن إنسانًا زنى بامرأة، فلا يجوز له أن يتزوج ابنتها ولا أمها؛ ولا يجوز أيضًا لأبيه ولا لابنه (لابن الزاني، أو أب الزاني)، أن يتزوج هذه المرأة التي زنى بها، لأنه وضع فيها النطفة؛ وهذا حقيقة هو القول الذي أرى رُجحانه، وهو قول الأكثر. * قوله: (وَمَنْ رَاعَى الدَّلَالَةَ الشَّرْعِيَّةَ قَالَ: لَا يُحَرِّمُ الزِّنَا. وَمَنْ عَلَّلَ هَذَا الحُكْمَ بِالحُرْمَةِ الَّتِي بَيْنَ الأُمِّ وَالبِنْتِ، وَبَيْنَ الأَبِ وَالابْنِ؛

стр. 5865

قَالَ: يُحَرِّمُ الزِّنَا أَيْضًا، وَمَنْ شَبَّهَهُ بِالنَّسَبِ قَالَ: لَا يُحَرِّمُ؛ لإِجْمَاعِ الأَكْثَرِ عَلَى أَنَّ النَّسَبَ لَا يَلْحَقُ بِالزِّنَا). قصده: "الولد للفراش، وللعاهر الحجر" (١)، فإنه لا يلحق الولد بالزاني، هذا معروف؛ يعني: لا يلحقه نسب؛ وكذلك ليس للزاني أن ينظر، ولا يكون مَحرمًا، ولا توارث، هذه كلها أمور يختلف فيها عن النكاح الصحيح الذي هو النسب، هذا لا خلاف فيه. لكن الوطء حصل، فهل هذا الوطء ينشر الحرمة أو لا؟ الظاهر أنه ينشرها، والله أعلم. * قوله: (وَاتَّفَقُوا فِيمَا حَكَى ابْنُ المُنْذِرِ عَلَى أَنَّ الوَطْءَ بِمِلْكِ اليَمِينِ يُحَرَّمُ مِنْهُ مَا يُحَرِّمُ الوَطْءُ بِالنِّكَاحِ. وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْثِيرِ المُبَاشَرَةِ فِي مِلْكِ اليَمِينِ، كمَا اخْتَلَفُوا فِي النِّكَاحِ). يعني في اللمس وغيره وقد مر. قال المصنف رحمه الله تعالى: (الفَصلُ الثَّالِثُ فِي مَانعِ (٢) الرَّضَاعِ) بدأ المؤلف أول ما بدأ بـ (النسب) لأهميته، وغالب الفقهاء يُتبعون ذلك بـ (الرضاع)؛ لأن حُرمة الرضاع تنتشر كما تنتشر حُرمة النسب، كما

стр. 5866

قال الرسول ﷺ : "الرَّضَاعَةُ تُحرِّمُ مَا تُحرِّم الولادَةُ" (١). وكما في الحديث المتفق عليه قال أيضًا ﷺ : "يحْرُمُ من الرَّضاعِ ما يحرُمُ من النَّسب" (٢). فهذا شبية به تمامًا، ولكن القرآن العزيز لم يذكر إلا اثنتين من المحرَّمات بالرضاع وهو قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، فهي إشارة من القرآن العزيز، ولأن الرضاعة تنتشر، والرسول ﷺ قد بيَّن هذا المُجمل، فكان الأمر واضحًا بحمد الله؛ فلا خلاف فيه إلا في مسائلَ يسيرة، والخلاف فيها أقرب ما يكون إلى الشذوذ. * قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الرَّضَاعَ بِالجُمْلَةِ يَحْرُمُ مِنْهُ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، أَعْنِي: أَنَّ المُرْضِعَةَ تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الأُمِّ، فَتَحْرُمُ عَلَى المُرْضَعِ هِيَ وَكلُّ مَنْ يَحْرُمُ عَلَى الابْنِ مِنْ قِبَلِ أُمِّ النَّسَبِ) (٣).

стр. 5867

* الرَّضاع له طريقان: طريق المرأة التي أرضعت، والفحل الذي هو صاحب اللبن - الرجل -. فنحن من حيثُ الجملة نبيِّن أن صاحب اللبن هو زوج هذه المرأة التي أرضعت فيكون أبًا، للموضع، والجدُّ يكون جدًّا له، والإخوة يكونون إخوة له، والأبناء: - أي: أبناء هذا الرجل الذي أرضع - يكونون إخوة له، والأعمام أعمام له، والخالات خالات له، والجدات جدات له، وهكذا. كالحال بالنسبة للنسب تمامًا، لكن هناك فوارق كالميراث؛ فلا توارث بالنسبة للعلاقة الرَّضاعية. *وأم الرضاع للإنسان الذي أرضعته، له أن يجلس معها أيضًا كما تجلس مع ابنها الذي من صلبها، وأن يسافر بها. ويحرم عليه أي: - المرضَع - ما يتعلق بهذه الأمِّ التي أرضعته، كل أمهاتها وإن علوْن وبناتِها، وهكذا كل ما يحرم من النسب. وكذلك ما

стр. 5868

يتعلق بالفحل، أي: هذا الذي ثاب (١) اللبن من وطئه، وهو الرجل: وهو زوج هذه المرأة، وسيأتي الخلاف فيه أيضًا. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ، القَوَاعِدُ مِنْهَا تِسْعٌ؛ إِحْدَاهَا: فِي مِقْدَارِ المُحَرِّمِ مِنَ اللَّبَنِ). ما هو القدر المُحرِّم من اللبن؟ فهل كل رضاعٍ يُحرِّم؟ أم أن هناك قدرًا معينًا؟ ثم هل هذا القدر أيضًا متفق عليه أم فيه خلاف؟ وهل الرضعة تُحرِّم أم لا؟ وهل الرضعتان تحرمان؟ أم هل لا بد من ثلاث رضعات، أم خمس، أم سبع، أم عشر؟ هناك أقوالٌ عدةٌ للعلماء، وهذا فيما يتعلق بعدد الرضعات. *قوله: (الثَّانِيَةُ: فِي سِنِّ الرَّضَاعِ). فهل هناك سنٌ معينٌ يكون الرضاع فيه محرِّمًا؟ أم هل هو سنُّ الفطام؛ بحيث لو فُطم الطفلُ لمدة سنة أو أقل أو أكثر فإن هذا هو السن الذي يُعتبر فيهِ التحريم؟ أم أن ذلك محددٌ بعامين كقول الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، أم أن ذلك يسري على الكبير كما في قصة سالم؟ وسيأتي الكلام عنها. * قوله: (وَالثَّالِثَةُ: فِي حِلِّ المُرْضَعِ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُ لِلرَّضَاعِ المُحَرِّمِ وَقْتًا خَاصًّا). فهل هناك أيضًا وقت خاصّ يكون فيه الرضاع، أم أن ذلك مطلقًا؟ * قوله: (وَالرَّابِعَةُ: هَلْ يُعْتَبَرُ فِيهِ وُصُولُهُ بِرَضَاعِ وَالتِقَامِ الثَّدْيِ؟ أَوْ لَا يُعْتَبَرُ؟). أي: هل يُشترط أن يكون عن طريق الرضاع؛ بأن يلتقم الصبي الرضيع الثدي فيمتصه؟ أم أنه يكفي عن ذلك أن يصل اللبن إلى جوفه،

стр. 5869

سواءٌ كان عن طريق الحلق، أم عن طريق الأنف، أم الحقنة؟ أم هل هناك خلافٌ بين الحلق وبين غيره؟ كلُّ ذلك تكلم عنه العلماء. * قوله: (وَالخَامِسَةُ: هَلْ يُعْتَبَرُ فِيهِ المُخَالَطَةُ؟ أَمْ لَا يُعْتَبَرُ؟). أي: هل هناك فرق بين اللبن المحض، أي: الخالص الذي لم يخالطه غيره؟ أم أن المخالطة أيضًا كالذي يخالطه دواءٌ أو شرابٌ أو طعامٌ أو ماء فهل يتأثر أم لا؟ أم أن اللبن يحتفظ بقوته وقدرته على التأثير، فلا يتأثر بمخالطٍ يخالطه؟ *قوله: (وَالسَّادِسَةُ: هَلْ يُعْتَبَرُ فِيهِ الوُصُولُ مِنَ الحَلْقِ؟ أَوْ لَا يُعْتَبَرُ؟). هذه المسألة كأنها مكررة للرابعة؛ إذ هي شبيهة بها، ولذلك ترونها قريبةٌ منها جدًّا، والمعنى: أنه لو وصل عن طريق الحلق كالذي يعرفونه بالسعوط (١)، فلو رضعَ الغلام فأُدخل عن طريق أنفه، ثم وصل إلى معدته فهل هذا يعتبر رضاعًا تثبت به الحُرمة والمحرمية أم لا؟ * قوله: (وَالسَّابِعَةُ: هَلْ يُنَزَّلُ صَاحِبُ اللَّبَنِ - أَعْنِي: الزَّوْجَ - مِنَ المُرْضَعِ مَنْزِلَةَ أَبٍ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ لَبَنَ الفَحْلِ؟ أَمْ لَيْسَ يُنَزَّلُ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ أَبٍ؟). "الفحل" إنما هو الرجل؛ فهو الذي وطئ هذه المرأة فحملت، ثم بعد ذلك ولدت هذا الغلام، فحصل الرضاع. فهل المحرمية أيضًا خاصَّة بالمرضعة؟ أم أنها تشمل الأب أيضًا صاحب اللبن الذي ثاب منه؟ لأنه كان بسبب وطئه حصل ذلك، فالوطء إنما هو من مجموع ماءَي الرجل والمرأة، كما قال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ [الطارق: ٧]. لكن اللبن هل للرجل تأثيرٌ فيه أم لا؟ لا شك - كما سيأتي - أن جماهير

стр. 5870

العلماء يرون أن المحرمية تثبت أيضًا للفحل، وهناك خلاف يسير في هذه المسألة سيُذكر. * قوله: (وَالثَامِنَةُ: الشهَادَةُ عَلَى الرَّضَاعِ). كذلك الشهادة: فهل تكفيه شهادة امرأةٍ واحدة؟ أم لا بدَّ من وجود امرأتين؟ أم لأنَّ النساء لسْنَ كالرجال فلا بد من أربع؟ ولو اقتُصر على شهادة امرأة فهل لها شروطٌ وأوصافٌ معينة؟ * قوله: (وَالتَّاسِعَةُ: صِفَةُ المُرْضِعَةِ). فهل يُشترط فيها أن تكون امرأة؟ وهل يشترط أن تكون حية؟ وهل يلزم أن تكون حاملًا؟ أم لا يُشترط ذلك، المهم أن تكون امرأة؟ وهذه المرضعة هل يُشترط أن تكون أيضًا آدمية: بمعنى لو رضع اثنان من حيوان هل تثبت الأخوَّة؟ الجواب: لا. وكذلك لو وُجد في ثدي رجلٍ لبن فرضع منه هل تثبت المحرمية؟ هذا أشار إليه المؤلف وأنكره، لكن هناك من تكلم فيه، ونتركه لموضعه. هذه إشارات أحببنا أن نعلق عليها إجمالًا، وبعد ذلك نأتى إلى هذه المسائل - إن شاء الله - تفصيلًا. ومسائل الرضاع مهمة، لا نظن أنها سهلة، وأنها من الأمور التي ينبغي أن يمر عليها الإنسان مرور الكرام، فإن هذا مما ينتشر بين الناس، وكثيرًا ما يُفاجأ الناس في أحوال - كما سيأتي - في قصة عقبة بن حارث؛ فإنه تزوج امرأة وبقيت معه فترة، ثم تأتيه جارية سوداء فتقول: أرضعتكما. فهذه من أشد الأمور على النفوس، ويذهب لرسول الله ﷺ ، ويعرض عليه ذلك، فيرد عليه الرسول ﷺ : "كيف وقد قيل؟ كيف وقد زعمت أن قد أرضعتكما؟ " (١).

стр. 5871

قال المصنف رحمه الله تعالى: (المَسْأَلَةُ الأُولَى: أَمَّا مِقْدَارُ المُحَرِّمِ مِنَ اللَّبَنِ فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا فِيهِ بِعَدَمِ التَّحْدِيدِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ (١)). انقسم العلماء في هذه المسألة إلى قسمين من حيث الجملة: ففريق ذهب إلى عدم التحديد: وهذا رأيٌ لجماعةٍ من العلماء منهم الإمام مالك، وهي رواية للإمام أحمد (٢)، فالإمام أحمد له ثلاث روايات في هذه المسألة. ومن العلماء من اشترط التحديد في ذلك، لكنهم اختلفوا: فمنهم من قال: يكفي في ذلك ثلاث رضعات. ومنهم من قال: خمسُ رضعاتٍ. ومنهم من قال: عشر رضعاتٍ. ومنهم من قال: سبع رضعاتٍ. ومنهم من لم يحدَّ في ذلك حدًّا وقيَّد ذلك بالصغر (٣).

стр. 5872

* قوله: (وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ (١)، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ (٢)، وَهَؤُلَاءِ يُحَرِّمُ عِنْدَهُمْ أَيُّ قَدْرٍ كَانَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (٣)، وَالثَّوْرِيُّ، وَالأَوْزَاعِيُّ (٤)). لا شك أن هذا القول قال به جمعٌ كثيرٌ من العلماء ومن الأئمة وغيرهم. وهناك من العلماء من قال: لا تحديد لقدر الرضاع، بل أقل ما يُطلق عليه رضاع فإنه تثبت به الحُرمة؛ فلو التقم الطفل الثدي فرضع رضعةً واحدة، ما دام قد وصل إلى جوفه، أي: إلى معدته فإنه تحصل به الحُرمة. وهؤلاء يستدلُّون بالكتاب والسنة. * قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَة بِتَحْدِيدِ القَدْرِ المُحَرِّمِ، وَهَؤُلَاءِ انْقَسَمُوا إِلَى ثَلَاثِ فِرَقٍ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا تُحَرِّمُ المَصَّةُ وَلَا المَصَّتَانِ، وَتُحَرِّمُ الثَّلَاثُ رَضَعَاتٍ فَمَا فَوْقَهَا، وَبِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ) (٥).

стр. 5873

هو أبو عُبيْد القاسم بن سلَّام، وأبو ثور وجماعة، وهي الرواية الأخرى للإمام أحمد (١). * قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَة: المُحَرِّمُ خَمْسُ رَضَعَاتٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)). وهي أظهر الروايات عن الإمام أحمد (٣)، وهو أيضًا قول عائشة وجمعٌ من الصحابة (٤). *قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَة: عَشْرُ رَضَعَاتٍ) (٥). وهذا نُسب أيضًا إلى عائشة وإلى أم سلمة أيضًا ﵄. إذًاا لأقوال متعددة؛ فهناك من يرى أن قليل الرضاع وكثيره يُحرِّم، حتى حُكي عن الليث بن سعد أنه قال: "قليل الرضاع وكثيره أجمع العلماء

стр. 5874

على أنه يُحرِّم، إذا كان مما يُفطر به الصائم" (١). وقد علَّق عليه الحافظ بن عبد البر ﵏ جميعًا - فقال: "وهذا وهمٌ منه؛ لأنه لم يقف على أقوال العلماء؛ فهو قد حكى ما بلغه" (٢). ولكن الحقيقة ليس المسألة مُجمع عليها بل فيها خلافٌ مشهور معروف؛ بل إنه بعد التحقيق سنرجِّح قول القائلين بخمس رضعات. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذه المَسْأَلَةِ مُعَارَضَةُ عُمُومِ الكِتَابِ لِلْأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ فِي التَّحْدِيدِ). إذا نظرنا إلى المسألة أوَّلًا نرى: أن الفريق الأول الذين لم يحدُّوا في ذلك حدًّا استدلوا بالكتاب والسنة: أما (الكتاب) فقول الله : ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، فالله ذكر في هذه الآيةِ صنفين من المرضعات: الأمهاتُ والأخوات، والله سمَّى هذه أمًّا، وسمَّى تلك أختًا، فأثبت الحُرمة بالرضاع، وقالوا: لم يذكر الله بذلك عددًا ولا قدرًا، فدل ذلك على أن ما يُسمى رضاع فإنه تحصل به الحُرمة. وأما السُّنة فقوله ﷺ : "إنَّ الرضاعة تُحرِّم ما تُحرّم الولادة" (٣). وقوله ﷺ : "لا يُحرِّم من الرضاع ما يُحرِّم من النسب" (٤). وجاء في حديثٍ آخر أن الرسول ﷺ قال: "لا يُحرِّم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام" (٥). وكذلك أيضًا جاء في حديث عبد الله بن مسعود قوله ﷺ :

стр. 5875

"لا يُحرِّم إلا ما أنشز (١) العظم وأنبت اللحم" (٢). وفي الحديث - المتفق عليه - قوله أيضًا ﷺ : "إنما الرضاعة من المجاعة" (٣). إذًا قالوا: كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ قد أطلقت ما يتعلق بالرضاع، فنقف عند ظاهر الكتاب، والسنة، فنرى أن كل رضاعٍ يصل فيه اللبن إلى المعدة؛ فإنه تحصل به الحُرمة، هكذا قال أصحاب هذَا القول. *قوله: (وَمُعَارَضَةُ الأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ بَعْضُهَا بَعْضًا). فالذين قالوا بأنه لا تُحرِّم الواحدة والاثنتان، وإنما تُحرِّم الثلاث، وهم: أبو عُبيْد القاسم بن سلَّام، وأبو ثور وجماعة، وهي الرواية الأخرى للإمام أحمد (٤) استدلوا بعدة أدلة منها: ما ثبت في الحديث الذي رواه (مسلم): أن الرسول ﷺ سُئل: "هل تُحرِّم الرضعة الواحدة؟ قال: لا" (٥). أي: لا تُحرِّم؛ لأنه إذا ورد الجواب أو الخبر في السؤال؛ فإنه لا يُعاد - في الغالب - في الجواب، فلما سُئل: هل تُحرِّم الرضعة الواحدة؟ فقال ﷺ : "لا". أي: لا تُحرِّم الرضعة الواحدة. وفي "صحيح مسلم" أيضًا قوله ﷺ : "لا تُحرِّم المصَّة ولا المصتان" (٦)، أي: لا تُحرّم الرضعة ولا الرضعتان (٧)، وقوله: "ولا تُحرِّم

стр. 5876

الإملاجة (١) ولا الإملاجتان" (٢). كذلك أي: الرضعة والرضعتان. قالوا: فإذا كان قد ثبت في سنة رسول الله ﷺ في أحاديثَ صحيحةٍ أن الرضعة الواحدة لا تُحرِّم، وأن الاثنتين لا تُحرِّمان، فدلَّ ذلك على أدى التحريم فيما فوق الاثنتين، وما فوق الاثنتين إنما هما الثلاث، فدلَّ ذلك على أن الثلاثة تُحرِّم، وأقل الجمع ثلاث، إذًا ما يُحرِّم إنما هي ثلاث رضعات. وأما الذين قالوا: خمس رضعات، وهو قول الشافعي، وهي أظهر الروايات عن الإمام أحمد، وهو أيضا قول عائشة وجمعٌ من الصحابة. فإنهم استدلُّوا بعدَّة أدلة منها: حديث عائشة ﵄ في قصة سالم، وسالم هو مولًى لأبي حذيفة، وكان قد تبناه حذيفة وكان ذلك في أوَّل الأمر، ثم نُهي عن ذلك، وشبَّ هذا الغلام عن الطوْق (٣) وأصبح رجلًا سويًّا، شقَّ ذلك على سهلة زوجة أبي حذيفة، فذهبت إلى رسول الله ﷺ وأخبرته بأن الغلام قد كبر، وأنه يدخل المنزل وهما في بيتٍ واحد، وربما نظر إليها وهي فُضلة ليس عليها إلا ثوبٌ واحد، فقال لها الرسول ﷺ : "أرضِعي سَالمًا تَحْرُمِي عليه" (٤). وفي بعض الروايات قال: "أرضعيه خَمْسَ رَضعَاتٍ" (٥).

стр. 5877

وجاء في بعضِ الرِّوايات أنها قالت: "يا رسول الله إنَّه كبير، فتبسَّم رسول الله ﷺ فقال: "قد علمتُ ذلك"" (١). انظروا إلى أدب رسول الله ﷺ وإلى شفقته، وحكمته، وتعجبتْ أن يقول الرسول ﷺ أرضعيه، فأرادت أن تبيِّن للرسول ﷺ بأنه رجلٌ وأنه كبير، فتبسم الرسول ﷺ من قولها، ثم قال: "قد علمت ذلك"، أي: أنا أعرف هذا الرجل وأنه كبير، وفي بعض الروايات أنها قالت: "إنه ذو لِحيةٍ" (٢). الشاهد أنه جاء فيه: "أرضعي سالمًا خمسَ رضعات". وفي رواية في "الصحيحين": "أرضعيه تحرمي عليه" (٣)، وفي رواية صحيحة في غير "الصحيحين" قال ﷺ : "أرضعيه خمسًا تَحْرُمي عليه" (٤)، وفي رواية أيضًا قال: "أرضعيه عشرًا" (٥)، وهي حُجة للذين قالوا بعشر رضعات. وكذلك حديث عائشة - الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلمٌ وغيره - قالت: "كان فيما أُنزل" أو في رواية: "فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات يُحرِّمن، ثم نُسخن بخمس، فتُوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يُتلى من القرآن" (٦)، وفي رواية: "كان فيما أُنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يُحرِّمن، ثم نُسخْنَ بخمس، حتى تُوفِّيَ رسول الله ﷺ وهن فيما يُقرأ" (٧)، أي: كانت عشر رضعات مذكوراتٍ في القران، فنسخْنَ إلى

стр. 5878

خمس، وظلَّت هذه التلاوة في كتاب الله إلى أن تُوفِّي رسول الله ﷺ ثم بعد ذلك حصل الإجماع. وقد يسأل سائل هنا ويقول: كيف يُتوفَّى رسول الله ﷺ والرضعات موجودات؟ كيف يتمُّ النسخ بعد موته؟ (١)، ولذلك لا نرى المؤلِّف ذكرها. فأجاب العلماء عن هذه المسألة: بأنَّ النسخ إلى خمسٍ قد حصل؛ لأن حديث عائشة صريح، "ثم نُسخْنَ إلى خمس"، قال العلماء: لأن النسخ إلى خمسٍ قد جاء متأخِّرًا في آخر حياة رسول الله ﷺ فتُوفِّي رسول الله ﷺ وبعض القوم لم يبلغهم النسخ فكانوا يتلون ذلك، فلما بلغهم ذلك أجمعوا على ترك التلاوة. هذا هو جواب العلماء عن ذلك، وبذلك يتبين المراد من الحديث (٢). إذًا ممَّا مضى يتبيَّن أنَّ فريقًا من العلماء قالوا: لا تحديد في ذلك؛ فإنه تُحرِّم المصَّةُ الواحدة، والإملاجة الواحدة، والرضعة الواحدة؛ لأنَّ الله أطلقه في كتابه العزيز، وكذلك جاء في بعض أحاديث رسول الله ﷺ إطلاق ذلك. والذين قالوا بالثلاث قالوا: جاء في سنة رسول الله ﷺ ما يبين أن المصةَ والمصتين لا تُحرِّمان، فالرسول ﷺ سُئل عن الرضعة الواحدة (أتُحرِّم؟ قال: لا) (٣)، وقال ﷺ : "لا تُحرِّم المصة ولا المصتان،

стр. 5879

ولا الإملاجة ولا الإملاجتان، ولا الوضعة ولا الرضعتان" (١). إذًا بقي أن نأتي إلى ما بعد ذلك فنقول: بالثلاث. والذين قالوا: خمس رضعات قالوا: لقد بيَّن الرسول ﷺ أنها لا تُحرِّم المصة ولا المصتان، ولا الإملاجة ولا الإملاجتان، والاحتجاج بأن الثلاثة إنما يثبت بها الحُرمة عن طريق مفهوم المخالفة، وهو ما يُعرف بدليل الخطاب (٢)، والاحتجاج بهذا ضعيف، وهو مردودٌ عند عددٍ من العلماء؛ فكيف نترك نصًّا عن رسول الله ﷺ ونأخذ بمفهوم المخالفة؟ الجواب: أن حديث: "لا تُحرِّم المصة ولا المصتين، ولا الإملاجة ولا الإملاجتان" (٣) ليس نصًّا في أن ما فوق الاثنتين يُحرِّم وهو الثلاث، وإنما فيه بيانٌ أن المصَّةَ والمصّتينِ لا تُحرِّمان فقط. ننتقل بعدُ إلى أحاديثِ رسول الله ﷺ التي حددت ذلك، وهي حديث عائشة: "كان فيما أُنزل من القرآن عشر رضعات يُحرِّمن، ثم نُسخنَ بخمس، وتُوفِّي رسول الله ﷺ وهن مما يُتلى" (٤). إذًا حكمهن باقٍ، والذين حاولوا أن يضعِّفوا هذا القول قالوا: إن هذا لم يأتِ عن طريق الخبر، وإنما جاء عن طريق أنه قرآنٌ يُتلى، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر، لكننا نقول: قد صحّ ذلك في حديثٍ صحيح، بل جاء أيضًا في حديث سالم أن الرسول ﷺ قال: "أرضعي سالمًا تحرمي عليه" (٥). بقيت قضية هنا ينبغي أن ننبِّه إليها، وهي كيف تُرضع رجلًا كبيرًا؟

стр. 5880

أولًا: لنعلم أن التَّبني (١) كان موجودًا، وهذا كان معروفًا في الجاهلية، وأن ذلك امتدَّ إلى أوَّل الإسلام، حتى نزلَ المنع من ذلك، وأسلوب القرآن إنما يأتي دائمًا للأخذ بمجامع القلوب، إنما يأتي ليُهيِّئ النفوس ويوطأها (٢) للأحكام كما رأينا ذلك في تحريم الخمر، وفي تحريم الربا، وفي بعض الأحكام؛ فالله في سورة الأحزاب، يقول: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾ [الأحزاب: ٤، ٥] انظروا إلى هذا التدرج، وهذه التوطئة، ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾، لا يوجد في أيِّ إنسانٍ، وما ذُكر فيما مضى أن فلانًا له قلبان، هذا كله حقيقة مما ذُكر ولا أصل له. فالرجل إنما يوجد فيه قلبٌ واحد، ولا يوجد لرجلٍ واحد قلبان في جوفه، ثم بعد ذلك أتبع الله ذلك بأمرٍ آخر، ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾، كوْن أحدكم يقول لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي (٣) هذا لا يجعل ذلك حكمًا مستقرًّا، فلا يجعلها كالأمِّ، كما قال الله : ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢]، ثم جاء بعد ذلك ليقرر الحكم؛ لأن الرسول ﷺ قد تبنى زيد بن حارثة، وكان يُعرف في أول الأمر ويُدعى: زيد بن محمد، فقال بعد ذلك : ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾

стр. 5881

[الأحزاب:٥]، فانتهى بعد ذلك التبني، وبيَّن الله أن التبنِّي لا تثبت به حُرمة، ولا تثبت به بُنوَّة، وأن هذا مما اختلقه الناس وقالوه بأفواههم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾، أي: ما تفوَّهْتم ونطقتم به وقلتموه، أما الله فلم يشرع ذلك حكمًا، وإنما ذلك مما فعله الناس وعملوا به، فأبطله الله ، وقال في الآية الأخرى في سورة الأحزاب: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، لكن الله قد بيَّن أن التبني لا يجوز، وما ورد في الوعيد الشديد في حق من تسمى بغير اسم أبيه معلومٌ، أو من نسب نفسه إلى غير أبيه (١)، وإننا لنجد في هذا الزمان بعض الناس من المساكين الذي ربما يخجل ويتمعَّر (٢) وجهه أن ينتسب إلى أبيه؛ لأن أباه ليس من أكابر الناس، وليس من عِلية القوم، وليس من أصحاب الوظائف العالية، وليس من أصحاب المناصب العُليا، والأموال الطائلة، وإنما هذا خطأٌ، والرسول ﷺ يقول: "ابغوني في فقرائكم" (٣). ويقول أيضًا ﷺ : "رُبَّ أشعثَ أغبر لو تمنَّى على الله لأبرَّه" (٤)؛ فكم رأينا من هذا الصنف من الناس الذين لو قوَّمت ما على أجسادهم من الثياب لربَّما وجدتها لا تصل إلى عشرين درهمًا، لكنه يمشي إلى المساجد، ويتردد عليها، وينفر من

стр. 5882

مجالس النميمة (١)، ولا يتهافت (٢) على الدنيا، وإنما يفِرُّ منها كما يفرُّ الإنسان من الأسد، دائمًا إن قابلك بادرك بالسلام، وإن سلَّمتَ عليه ردَّ عليك التحية ورأيت النور في مُحيَّاه (٣)، والابتسامة بين وجنتيه، تجد أن هذا النوع من الناس ينطبق عليهم قول الله : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦)﴾ [النور: ٣٦]. هؤلاء هم الذين قال الله فيهم: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾، إلي آخر الآيات إلي أن قال ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦)﴾ [الفرقان: ٦٣، ٧٦] نِعْمَ المقام ونعم الاستقرار إنها جنة عدن. إذًا من العيب والخجل أن يخجل الإنسان أن يقول: هذا أبي، لأنه يشتغل عاملًا، أو نجارًا، أو جزارًا، أو مستخدَمًا، أو غير ذلك، فالأرزاق إنما وزَّعها الله ، ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢]. إن المقياس الحقيقي بالتقوى: ولستُ أري السَّعادةَ جمْعَ مالٍ … ولكنَّ التَّقيَّ هُو السعيدُ وتقوى اللَّهِ خَيرُ الزَّادِ ذُخرًا … وعندَ اللهِ للأتْقَى مَزيدُ (٤)

стр. 5883

إنَّ السعادةَ والفوزَ والنجاةَ والفلاحَ بالتقوى، فقد تجد إنسانًا قليلًا في جسمه وفي مظهره، لكنَّه من خير الناس، إن قال صدق، وإن وعد وفَّى، وإن نطق لا ينطق إلا بالحق. إذًا لا نعتبر المقاييس في الدنيا، ولذلك نجد أن عمر ﵁ الذي كان ينزل القرآن موافقًا ومؤيِّدًا لرأيه، يبذل ذوبَ قلبِه، ويوصي عليَّ بن أبي طالب، فيبث أناسًا في مواسم الحج ليبحثوا عن "أويس القرني" الذي قال له الرسول ﷺ : "إن لاقيته أو ظفرت به فاسأله أن يدعوَ اللَّهَ لك" (١). وهذا تابعي وعمر صحابي، ومن المشهود لهم بالجنة؛ لأن أُويسًا إنما كان بارًّا بوالدته، انقطع عن الدنيا ووقف نفسه لخدمة هذه الوالدة. ولنعلم أهمية الوالدين، وبهذه المناسبة تذكرت أن الرسول ﷺ عندما جاءته أمُّه التي أرضعته، قام ﷺ فأخذ رداءه بيديه الكريمتين وفرشه لها وأقعدها عليه (٢)، فهل أدَّينا هذه الحقوق؟ هل سألنا عن أمهاتنا من الرضاعة؟ وعن أخواتنا؟ وعن عماتنا وخالاتنا؟ أم أننا قطعنا هذه الصلة؟ إننا في زمن عمل، وفي دار عمل، وسننتقل بعد ذلك إلى دارٍ ليس فيها إلا الجزاء، فينبغي أن نتزود من هذه الدار التي نعيش فيها، ولنستفد ممَّا نقرأ، ومما نستمع، فهذه ذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين.

стр. 5884

* قوله: (فَأَمَّا عُمُومُ الكِتَابِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٣]، وَهَذَا يَقْتَضِي مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الإِرْضَاعِ. وَالأَحَادِيثُ المُتَعَارِضَةُ فِي ذَلِكَ رَاجِعَةٌ إِلَى حَدِيثَيْنِ فِي المَعْنَى، أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ عَائِشَةَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَالَ ﵊: "لَا تُحَرِّمُ المَصَّةُ وَلَا المَصَّتَانِ، أَوِ الرَّضْعَةُ وَالرَّضْعَتَانِ" ((١). المصَّةُ هي الرضعة، أي: أن يلتقم الصغيرُ الثَّديَ فيمصُّه، فهذه تسمى رضعة، وهي الإملاجة. * قوله: (خَرَّجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ، وَمِنْ طَرِيقِ أُمِّ الفَضْلِ، وَمِنْ طَرِيقٍ ثَالِثٍ). بعضهم حكى عن هذا الحديث: أنَّه اضطربت الرواية فيه، وحاول أن يضعِّفه؛ فمرةً عن طريق أمِّ الفضل، ومرة عن الزبير، ومرة عن طريق ابن الزبير، وهذا كلُّه لا يؤثر في الحديث؛ فالحديث صحيحٌ وفي "صحيح مسلم" (٢).

стр. 5885

* قوله: (وَفِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُحَرِّمُ الإِمْلَاجَةُ وَلَا الإِمْلَاجَتَانِ" (١). وَالحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ سَهْلَةَ فِي سَالِمٍ أَنَّهُ "قَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : "أَرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ" (٢). وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي هَذَا المَعْنَى أَيْضًا قَالَتْ: "كَانَ فِيمَا نَزَلَ مِنَ القُرْآن: (عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ، ثُمَّ نُسِخْنَ خَمْسَ مَعْلُومَاتٍ)، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُنَّ مِمَّا يُقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ" (٣)، فَمَنْ رَجَّحَ ظَاهِرَ القُرْآنِ عَلَى هَذِهِ الأَحَادِيثِ قَالَ: "تُحَرِّمُ المَصَّةُ وَالمَصَّتَانِ"، وَمَنْ جَعَلَ الأَحَادِيثَ مُفَسِّرَةً لِلآيَةِ، وَجَمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الآيَةِ، وَرَجَّحَ مَفْهُومَ دَلِيلِ الخِطَابِ (٤) فِي قَوْلِهِ ﵊: "لَا تُحَرِّمُ المَصَّة، وَلَا المَصَّتَانِ" (٥) عَلَى مَفْهُومِ دَلِيلِ الخِطَابِ فِي حَدِيثِ سَالِمٍ قَالَ: الثَّلاثَةُ فَمَا فَوْقَهَا هِيَ الَّتِي تُحَرِّمُ). مفهومُ المخالفة في: لا تُحرِّم المصَّة ولا المصتان، فالحديث له منطوق ومفهوم؛ فمنطوقه أن المصَّة والمصتان لا تُحرِّمان، وله مفهوم أن ما دونهما لا يُحرِّم، وأن ما زاد عن الاثنتين يُحرِّم، هذا هو مفهومه. فالمفهوم الذي يريد أن يتكلم عنه المؤلِّف أن الحديث له منطوق، وهو مفهوم الموافقة (٦)؛ لأن المفهوم مفهومان: مفهوم موافقة، وأحيانًا يكون مفهومًا أو لا، وأحيانًا يكون مساويًا، وأحيانًا يكون دون ذلك.
следующие страницы →