← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

[الأحزاب:٥]، فانتهى بعد ذلك التبني، وبيَّن الله أن التبنِّي لا تثبت به حُرمة، ولا تثبت به بُنوَّة، وأن هذا مما اختلقه الناس وقالوه بأفواههم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾، أي: ما تفوَّهْتم ونطقتم به وقلتموه، أما الله فلم يشرع ذلك حكمًا، وإنما ذلك مما فعله الناس وعملوا به، فأبطله الله ، وقال في الآية الأخرى في سورة الأحزاب: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، لكن الله قد بيَّن أن التبني لا يجوز، وما ورد في الوعيد الشديد في حق من تسمى بغير اسم أبيه معلومٌ، أو من نسب نفسه إلى غير أبيه (١)، وإننا لنجد في هذا الزمان بعض الناس من المساكين الذي ربما يخجل ويتمعَّر (٢) وجهه أن ينتسب إلى أبيه؛ لأن أباه ليس من أكابر الناس، وليس من عِلية القوم، وليس من أصحاب الوظائف العالية، وليس من أصحاب المناصب العُليا، والأموال الطائلة، وإنما هذا خطأٌ، والرسول ﷺ يقول: "ابغوني في فقرائكم" (٣). ويقول أيضًا ﷺ : "رُبَّ أشعثَ أغبر لو تمنَّى على الله لأبرَّه" (٤)؛ فكم رأينا من هذا الصنف من الناس الذين لو قوَّمت ما على أجسادهم من الثياب لربَّما وجدتها لا تصل إلى عشرين درهمًا، لكنه يمشي إلى المساجد، ويتردد عليها، وينفر من

стр. 5882

مجالس النميمة (١)، ولا يتهافت (٢) على الدنيا، وإنما يفِرُّ منها كما يفرُّ الإنسان من الأسد، دائمًا إن قابلك بادرك بالسلام، وإن سلَّمتَ عليه ردَّ عليك التحية ورأيت النور في مُحيَّاه (٣)، والابتسامة بين وجنتيه، تجد أن هذا النوع من الناس ينطبق عليهم قول الله : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦)﴾ [النور: ٣٦]. هؤلاء هم الذين قال الله فيهم: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾، إلي آخر الآيات إلي أن قال ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦)﴾ [الفرقان: ٦٣، ٧٦] نِعْمَ المقام ونعم الاستقرار إنها جنة عدن. إذًا من العيب والخجل أن يخجل الإنسان أن يقول: هذا أبي، لأنه يشتغل عاملًا، أو نجارًا، أو جزارًا، أو مستخدَمًا، أو غير ذلك، فالأرزاق إنما وزَّعها الله ، ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢]. إن المقياس الحقيقي بالتقوى: ولستُ أري السَّعادةَ جمْعَ مالٍ … ولكنَّ التَّقيَّ هُو السعيدُ وتقوى اللَّهِ خَيرُ الزَّادِ ذُخرًا … وعندَ اللهِ للأتْقَى مَزيدُ (٤)

стр. 5883

إنَّ السعادةَ والفوزَ والنجاةَ والفلاحَ بالتقوى، فقد تجد إنسانًا قليلًا في جسمه وفي مظهره، لكنَّه من خير الناس، إن قال صدق، وإن وعد وفَّى، وإن نطق لا ينطق إلا بالحق. إذًا لا نعتبر المقاييس في الدنيا، ولذلك نجد أن عمر ﵁ الذي كان ينزل القرآن موافقًا ومؤيِّدًا لرأيه، يبذل ذوبَ قلبِه، ويوصي عليَّ بن أبي طالب، فيبث أناسًا في مواسم الحج ليبحثوا عن "أويس القرني" الذي قال له الرسول ﷺ : "إن لاقيته أو ظفرت به فاسأله أن يدعوَ اللَّهَ لك" (١). وهذا تابعي وعمر صحابي، ومن المشهود لهم بالجنة؛ لأن أُويسًا إنما كان بارًّا بوالدته، انقطع عن الدنيا ووقف نفسه لخدمة هذه الوالدة. ولنعلم أهمية الوالدين، وبهذه المناسبة تذكرت أن الرسول ﷺ عندما جاءته أمُّه التي أرضعته، قام ﷺ فأخذ رداءه بيديه الكريمتين وفرشه لها وأقعدها عليه (٢)، فهل أدَّينا هذه الحقوق؟ هل سألنا عن أمهاتنا من الرضاعة؟ وعن أخواتنا؟ وعن عماتنا وخالاتنا؟ أم أننا قطعنا هذه الصلة؟ إننا في زمن عمل، وفي دار عمل، وسننتقل بعد ذلك إلى دارٍ ليس فيها إلا الجزاء، فينبغي أن نتزود من هذه الدار التي نعيش فيها، ولنستفد ممَّا نقرأ، ومما نستمع، فهذه ذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين.

стр. 5884

* قوله: (فَأَمَّا عُمُومُ الكِتَابِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٣]، وَهَذَا يَقْتَضِي مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الإِرْضَاعِ. وَالأَحَادِيثُ المُتَعَارِضَةُ فِي ذَلِكَ رَاجِعَةٌ إِلَى حَدِيثَيْنِ فِي المَعْنَى، أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ عَائِشَةَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَالَ ﵊: "لَا تُحَرِّمُ المَصَّةُ وَلَا المَصَّتَانِ، أَوِ الرَّضْعَةُ وَالرَّضْعَتَانِ" ((١). المصَّةُ هي الرضعة، أي: أن يلتقم الصغيرُ الثَّديَ فيمصُّه، فهذه تسمى رضعة، وهي الإملاجة. * قوله: (خَرَّجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ، وَمِنْ طَرِيقِ أُمِّ الفَضْلِ، وَمِنْ طَرِيقٍ ثَالِثٍ). بعضهم حكى عن هذا الحديث: أنَّه اضطربت الرواية فيه، وحاول أن يضعِّفه؛ فمرةً عن طريق أمِّ الفضل، ومرة عن الزبير، ومرة عن طريق ابن الزبير، وهذا كلُّه لا يؤثر في الحديث؛ فالحديث صحيحٌ وفي "صحيح مسلم" (٢).

стр. 5885

* قوله: (وَفِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُحَرِّمُ الإِمْلَاجَةُ وَلَا الإِمْلَاجَتَانِ" (١). وَالحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ سَهْلَةَ فِي سَالِمٍ أَنَّهُ "قَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : "أَرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ" (٢). وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي هَذَا المَعْنَى أَيْضًا قَالَتْ: "كَانَ فِيمَا نَزَلَ مِنَ القُرْآن: (عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ، ثُمَّ نُسِخْنَ خَمْسَ مَعْلُومَاتٍ)، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُنَّ مِمَّا يُقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ" (٣)، فَمَنْ رَجَّحَ ظَاهِرَ القُرْآنِ عَلَى هَذِهِ الأَحَادِيثِ قَالَ: "تُحَرِّمُ المَصَّةُ وَالمَصَّتَانِ"، وَمَنْ جَعَلَ الأَحَادِيثَ مُفَسِّرَةً لِلآيَةِ، وَجَمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الآيَةِ، وَرَجَّحَ مَفْهُومَ دَلِيلِ الخِطَابِ (٤) فِي قَوْلِهِ ﵊: "لَا تُحَرِّمُ المَصَّة، وَلَا المَصَّتَانِ" (٥) عَلَى مَفْهُومِ دَلِيلِ الخِطَابِ فِي حَدِيثِ سَالِمٍ قَالَ: الثَّلاثَةُ فَمَا فَوْقَهَا هِيَ الَّتِي تُحَرِّمُ). مفهومُ المخالفة في: لا تُحرِّم المصَّة ولا المصتان، فالحديث له منطوق ومفهوم؛ فمنطوقه أن المصَّة والمصتان لا تُحرِّمان، وله مفهوم أن ما دونهما لا يُحرِّم، وأن ما زاد عن الاثنتين يُحرِّم، هذا هو مفهومه. فالمفهوم الذي يريد أن يتكلم عنه المؤلِّف أن الحديث له منطوق، وهو مفهوم الموافقة (٦)؛ لأن المفهوم مفهومان: مفهوم موافقة، وأحيانًا يكون مفهومًا أو لا، وأحيانًا يكون مساويًا، وأحيانًا يكون دون ذلك.

стр. 5886

ونفس النصّ يكون له مفهوم مخالفة، أو دليل خطاب؛ لأنه ما يُفهم من الخطاب، وأحيانًا يدلُّ عليه الشرط، أو الصفة، أو العدد، أو غير ذلك (١). فما يتعلق بهذا الأمر مفهوم الحديث أن ما زاد عن المصتين، يعني: المفهوم المخالف ما زاد عن المصتين يُحرِّم، وحديث عائشة: "خمسُ رضعات يُحرِّمن " (٢). ومفهومه: أن ما دون الخمس لا يُحرِّم، فيقول المؤلف: من قدَّم مفهوم حديث: "لا تُحرِّم المصة ولا المصتان" (٣)، وما في معناه على المفهوم المخالف لحديث: خمس رضعات، قال: بأن الثلاثة تُحرِّم، هذا هو معنى كلام المؤلف. * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ دَلِيلَ الخِطَابِ فِي قَوْلِهِ: "لَا تُحَرِّمُ المَصَّةُ وَلَا المَصَّتَان" (٤) يَقْتَضِي أَنَّ مَا فَوْقَهَا يُحَرِّم، وَدَلِيلُ الخِطَابِ فِي قَوْلِهِ: "أَرَضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ" (٥) يَقْتَضِي أَنَّ مَا دُونَهَا لَا يُحَرِّمُ). بقيت مسألة، فبعض طلاب العلم، ربَّما درسوا القواعد الفقهية، وهذه تمرُّ في الفقه أيضًا، لكنها في القواعد ئأخذ حيِّزًا منفردًا، فتظهر العناية بها أكثر، وهي قاعدة: "اليقين لا يزول بالشك" (٦). فالآية أطلقت،

стр. 5887

وأيضًا الأحاديث: "يحرُم من الرضاعة ما يحرُم من النسب" (١). وما في معنى هذه أطلقت، وجاء في أحاديث الرضعة الواحدة لا تُحرِّم، وأن المصة والمصتان لا تُحرِّمان، وجاء في أحاديث أخرى أن الخمسة تُحرِّم، إذًا جاء فقد التنصيص على أن الخمسة تحرِّم، وأنها كانت عشوًا فنُسخْنَ إلى خمس، فهذه ورد فيها نصٌّ صريح، وهنا عندما يتردد الإنسان هل هذه المرأة عند مَن لم يقل بأن أيّ رضاعٍ يحرم؟ عند من يقول مثلًا بالخمس فلو أرضعت أربعًا، شكت هل أرضعت أربعًا أم خمسًا؟!! وعند من يقول بالثلاث هل أرضعت ثلاثًا أم أربعًا؟!! فإنه في هذه الحالة يُبنى على اليقين، فاليقين لا يزول بالشكِّ، لأن الرسول ﷺ لما سُئل عن الرجل يُخيَّل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة قال: "لا ينصرفُ حتَّى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" (٢). فأنت لو قُدِّر أنك أردت أن تذهب إلى صلاة الظهر، وكنت متيقِّنًا أنك قد توضأت للصلاة، لكن دبَّ الشكٌّ إلى نفسك، هل نقضتَ وضوءك أم لا؟ وأنتَ متيقِّن من أنك قد توضأت، ولكنك شاكٌّ هل نقضتَ الوضوء أم لا؟ بقيت على اليقين؛ فاليقين لا يزول بالشك: وهو أنك على طهارة، هذه مثلها تمامًا؛ فلو شككت في الرضاع فإنه حينئذٍ لا يعتبر، وإنما الذي يعتبر هو الثابت؛ لأن هذه قضية تحريم، ومعنى هذا أن الإنسان سيدخل فيها على هذه المرأة، وسيخلو بها، وسيسافر بها، إذًا سيكون بذلك مَحْرمًا محارمها. فترتَّب على ذلك أحكام، وإن لم تترتب كل الأحكام، فينبغي أن نلاحظ ذلك. * قوله: (وَالنَّظَرُ فِي تَرْجِيحِ أَحَدِ دَلِيلَيِ الخِطَابِ). ليست المسألة كما ذكر المؤلِّف، وإنما هو في مفهوم دليل الخطاب (٣).

стр. 5888

والذين أطقوا ذلك قالوا: كتاب الله أطلق، فقال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، والرسول ﷺ يقول: "إنما يحرُم من الرضاعة ما يحرُم من النسب" (١)، وقال: "إن الرَّضاعة تُحرِّم ما تحرم الولادة" (٢)، وبقية الأحاديث؛ فقالوا: والأحاديث أطلقت فنُطلق ما أطلقه الله ورسوله ﷺ ، ونعمِّم ما عمَّمه الله ورسوله ﷺ ؛ فهذا عامٌّ في الرضاع فلماذا نقيِّده؟ واستدلَّ الآخرون بالأحاديث الأخرى التي بيَّنت أن المصَّة والمصتين لا تُحرِّمان، إذًا ما زاد عن المصتين يُحرِّم، فأخذوا بمفهوم المخالفة. أما الفريق الثالث: فإنهم أخذوا بالنص وهو: "كان فيما أُنزل من القرآن عشر رضعات" (٣)، وفي حديث سالم في بعض الروايات: "أرضعي سالمًا خَمْسَ رضعات تُحرَّمي عليه" (٤). فنتبيَّن من هذا أن المسألة إنما هي بالنص، لكن الذين أخذوا بالثلاث استدلُّوا بالنصِّ وبمفهوم النصِّ؛ فاستدلُّوا بالأحاديث الواردة: "لا تُحرِّم المصَّةُ ولا المصتان" (٥). وقوله: "لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان" (٦). على أنه لا يُحرِّم الاثنتين والواحدة، فأخذوا بهذه الأحاديث، ثم قالوا: مفهومها المخالف يدلُّ على أن الثلاث إنما هي تُحرِّم، فلم يأخذوا بمنطوق الحديث، انتبهوا: أولئك أخذوا بعموم الأدلة: القول الأول، والفريق الآخر أخذوا بمفهوم الحديث: وهو مفهوم مخالف؛ ولا حُجَّة فيه عند الحنفية (٧)، وبقية العلماء يختلفون في أنواعه، وأما الفريق الثالث وهم الذين قالوا: خمس رضعات.

стр. 5889

ومن هنا نقول: تلخيصًا لما سبق: إن الرضاع الذي يُحرِّم له شروط: الشرط الأول: هو الذي يكون من امرأة؛ فلو كان من شاة أو بقرة؛ فإنه لا يحرم، فلا تثبت به الأخوَّة، ولا تثبت به الحُرمة (١). إذًا الرضاع الذي يُحرِّم هو الذي يكون من امرأة: سواء كانت هذه المرأة كبيرة أو صغيرة، ثيِّبًا أو بكرًا، لا تزال تحت زوجٍ أو مطلقة، وصلت إلى سنِّ اليأس، وإلى أيِّ صفة من الصفات وسيأتي الكلام عن الميتة لو امتصَّ الصغير لبنها مثلًا. الشرط الثاني: أن تكون خمس رضعات.

стр. 5890

الشرط الثالث: أن يكون في مدَّة الحُرمة: في مدة الحولين، وبعضهم قيَّد ذلك في زمن الفطام، وسيأتي الكلام عنه إن شاء الله. الشرط الرابع: أن يُقدَّر ذلك؛ بأن يكون في خمس رضعات، بأن يلتقم الصبي الثدي، ثم بعد ذلك يُطلقه، هذه رضعة. لكن ربما يتركه الصغير ليتنفس، وربما يتركه ليرتاح؛ لأنه لا يستطيع أن يواصل امتصاص اللبن؛ فإذا تركه من ذات نفسه هذه واحدة، فإذا عاد إليه مرةً أخرى كانت أخرى، وهكذا. كوْنه يتوقف للتنفس أو لغير ذلك فهذا لا يؤثِّر، فيرجع ويُتمُّ الرضعة. الشرط الخامس: وأن يكون من مجاعة، أي: محتاج إليه، فما تأتي الأمُّ أو المرأة فتمسك الطفل، لتحلب في فمه وهو غير جائع. هذه أوصافٌ ينبغي أن تتوفر في الرضاعة، لنعلمها أولًا، وسيأتي الكلام فيه - إن شاء الله - مفصَّلًا. * قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الرَّضَاعَ يُحَرِّمُ فِي الحَوْلَيْنِ (١). وَاخْتَلَفُوا فِي رَضَاعِ الكَبِيرِ … ). هل يُحرِّم الرّضَاع في الحولين أم يُحَرِّم في زمان الفِطام (٢)؟ لأن الطفل أو الطفلة قد تُفطَم قبل ذلك، وبعض الناس يَفطِم طفلَه لعشرة أشهر، وبعضهم ربما لسنة، وربما قد تكون المرأة ليس بها حليب أصلًا، فربما يُسقى مثلًا من حليب شاة، والآن أصبح الحليب المجفف المعلَّب طعام هذا الرضيع.

стр. 5891

لكن الكلام هل هو في سِن الفِطام أم في زمن الحولين أم هو مُطلقٌ؟ أكثر العلماء على أن التحريم إنما هو في مدة الحولين (١). وبعضهم قال: في سِن الفِطام، فإذا ما فُطِم الطفل حينئذ انتهى الأمر، فلو فُطِم بعد سنة أو سنة وشهرين ثم جاءت امرأة فأرضعته فإن ذلك لا يؤثِّر عند من يقول بالفِطام. وعند من يقول: في الحولين يرى له تأثيرًا ما دام أن الفطام قد تمَّ إلى الحولين، وأكثر العلماء على أنَّ مدة الرضاع التامة الكاملة هي

стр. 5892

حولان (١)؛ لأن الله يقول: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. وفي قراءة: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ إذًا معنى هذا أنَّ الرضاعة الكاملة بنص الآية هي حولان. وبعض العلماء قال: لا مانع أن يُزاد على ذلك شهر أو شهران (٢). وبعضهم قال: هي ثلاثون شهرًا (٣). وبعضهم قال: ثلاث سنوات (٤). وبعضهم قال: سبع سنوات (٥). وبعضهم قال: حتى الكبير يُرضَّع (٦). وهناك أقوال عدة، لكن المشهور من هذه الأقوال هو: مدة الفطام، أو كذلك في زمن الحولين، وأبو حنيفة له روايات متعددة في هذا منها:

стр. 5893

ثلاثون شهرًا، وهناك خلاف بينه وبين أصحابه في المسألة، وبعضهم يقول: ثلاث سنين، وبعضهم يقول: سبع سنين. فالأقوال في ذلك متعددة، والآية نص في المسألة: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾. والذين يقولون: ثلاثون شهرًا يستدلُّون بالآية: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] مع أن في الآية الأخرى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، ويستدلُّون بهذا بأن المراد على أن الحمل ليس الحمل المراد المعروف، ولكن هذا غير صحيح فالمراد بالآية هو الحمل ومن يولد دون ذلك (١)، ونعلم قصة المرأة التي ولدت في ستة أشهر وما جاء فيها (٢). * قوله: (فَقَالَ مَالِك (٣)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٤)، وَالشَّافِعِيُّ (٥) وَكافَّةُ الفُقَهَاءِ: "لَا يُحَرّمُ رَضَاعُ الكَبِيرِ"، وَذَهَبَ دَاوُدُ (٦) وَأَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّهُ

стр. 5894

يُحَرِّمُ (١)، وَهُوَ مَذْهَبُ عَائِشَةَ (٢). وَمَذْهَبُ الجُمْهُورِ هُوَ مَذْهَبُ ابْنِ مَسْعُودٍ (٣)، وَابْنِ عُمَرَ (٤)، وَأَبِي هُرَيْرَةَ (٥)، وَابْنِ عَبَّاسٍ (٦) وَسَائِرِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﵊ (٧). يبدو أن المؤلِّف سيقسم المسألة إلى مسألتين. فالمؤلف هنا كأنه قصر الخلاف بين الجمهور، وبيَّن مَن يذهب إلى أن الكبير يُحرِّم، وهناك كلام طويل للعلماء ونقاش فيما يتعلق بالكبير: فهناك مَن يرى أن رضاع الكبير قد نُسِخ وأن ذلك في أول الأمر (٨).

стр. 5895

ومنهم مَن يرى أنه خاص بسالم (١). ومنهم مَن يرى بأن ذلك عام (٢). ومنهم مَن يرى أن ذلك للحاجة (٣). إذًا الأقوال أربعة؛ فمنهم من يرى أنه خاصٌّ بسالم، وقد نُقل ذلك عن أزواج الرسول ﷺ وفيهم من أقوالهن عدا أقوالهم قول عائشة، وهناك من يرى أنه عام وهذا قول عائشة ﵂ ومعها جماعة كابن عباس، ومنهم مَن يقول: إنه قد نُسخ وهذا هو جواب الجمهور عن ذلك.

стр. 5896

قالوا: ذلك في أول الأمر ثم نُسِخ، ولذلك أُشكل على سهلة بنت سُهيل زوجة أبي حذيفة في قصة سالم الذي كان قد تبنَّاه حذيفة فبعد ذلك شكَتْ ذلك إلى رسول الله ﷺ فأَذِن لها في إرضاعه. ولكن مَن يرى أن الأمر قد نُسِخ، يحتاج إلى دليل؛ لأنه ربَّما يعكس الفريق الآخر علينا القضية فيقول: وأين دليلكم؟ فقد يكون رضاع الكبير هو الناسخ للآخر، فإذا قلتَ بالنسخ؛ فلا بد من معرفة المتقدّم من المتأخر، وكون ذلك في أول الأمر يحتاج إلى دليل ولمعرفة التاريخ أيضًا، أما مجرّد الدعوى فلا تكفي. ومن يقول: بأن ذلك عامٌّ: استدلَّ بظاهر قصة سالم، ولذلك كانت عائشة ترى عموم ذلك وكانت ترغِّب كلَّ من يدخل عليها وكانت تطلب من بناتها وأخواتها وكذلك من بنات إخوتها أن يرضِعْنَ مَن تحب أن يدخل عليها. فعائشة أيضًا روت هذا الحديث وكذلك طبقته، وكان نساء الرسول ﷺ فيما عدا عائشة كُنَّ يخشين بأن ذلك خاصّ بسالم ﵃ جميعًا. وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى رأي في هذه المسألة؛ فإنه ذهب إلى أن رضاع الكبير لا يُعتبَر إلا في حالة واحدة وهي عند الحاجة كقصة سالم، ويرى أن ذلك جمع بين الأدلة (١). ويرى أن الرَّضاع إنما يثبت في حقِّ الصغير، أمَّا في حقِّ الكبير فلا يثبت. فهو لا يرى بأن قصة سالم عامة، لكنَّه يرى أنه إذا رُؤيت حاجة كهذه الحالة التي هي قصة سالم؛ فلا مانع من إرضاعه للحاجة، فالقاعدة

стр. 5897

الفقهية تقول: "الحاجة تُنزَل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة" (١). "والضرورات تبيح المحظورات" (٢). "والضرر يُزال" (٣). إذًا الحاجة معتبرة فربما تكون المعاملات في بلد من البلدان ربوية، وأنت مضطر إلى ذلك فهذه حاجة، إذًا أنت احتجت إلى ذلك، فقد تتعامل مع إنسان بعض ماله فيه ربا فهنا أيضًا حاجة. فهذا القول يرى أن الرَّضاع يُختَص به الصغير، لكن إن وُجدت حاجة كالحال بالنسبة لسهلة فهذه الحالة تكون سارية. والذين منعوا ذلك وهم الجمهور قالوا: هي قضية عين (٤)، أي: قضية خاصة بسالم فلا يُقاس عليه. إن قضية الخصوصية تحتاج إلى دليل؛ فالله تعالى في بعض الأمور قال: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] فالله سبحانه تعالى خصَّ الرسول ﷺ بأن قال له: خالصة لك من دون المؤمنين، والرسول ﷺ

стр. 5898

في قصة السبعين الذين يدخلون الجنة من غير حساب ولا عقاب، ثم سُئل عنهم فقال: "هم الذين لا يتطيَّرُونَ ولا يكْتُوونَ وعلى ربِّهِم يتوكلون"، قام عُكَّاشةُ بن مِحصَن قال: ادع الله أن أكون منهم فقال: "أنت منهم"، ثم قال رجل آخر مثل ذلك فقال ﷺ : "سبقك بها عكاشة" (١). إذًا كان هذا الأمر خاصّ بسالم فبيَّنه الرسول ﷺ ؛ لأنه حكم من الأحكام، بل من الأحكام الهامَّة التي يحتاج إليها الناس؛ لأن هذا أمر يتعلق بإباحة وحرمة فكان هذا خاصّ بسالم لرفع الحرج عنه. إذًا لقد عرفنا أن الذين قالوا ذلك حدّوا ذلك بالقولين، واستدلّوا بمنطوق الآية التي قال الله فيها: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، وكذلك بالحديث الذي رواه الدارقطني، وإن كان به ضعف: "لا يُحرِّم إلا ما كان في الحولين" (٢). والذين قالوا: ما دون الفِطام استدلُّوا بما جاء في حديثٍ أخرجه الترمذي وحسَّنه أن الرسول ﷺ قال: "لا يُحرِّم إلَّا ما فتقَ الأمعاء وكان قبل الفِطام" (٣). وأما الذين قالوا غير ذلك: فلهم توجيهات كثيرة جدًّا وتعليلات. بقي ما يتعلق بالكبير؛ وهذا هو الذي أطال العلماء الكلام فيه وهو

стр. 5899

الذي اختلفوا فيه، فإن جماهير العلماء كلهم يذهبون إلى أن رضاع الكبير لا يُحرِّم، بل إنه حصل خلاف في فهم ذلك بين زوجات رسول الله ﷺ فعائشة ﵂ وهي راوية حديث سهلة وَهي المُدركة للقصَّة كانت تطبق ذلك ﵂ وكانت تنافح عن ذلك وتدافع عنه، وكانت تجادل في ذلك الأمر، وحصل نقاش بينها وبين أمِّ سَلَمة زوج الرسول ﷺ فقالت لها: "أما لك أسوة في رسول الله ﷺ " (١)، فما كان من أمِّ سلمة إلا أن سكتت، ففسر العلماء ذلك بأحد أمرين: ١ - إمَّا أنها اقتنعت ورضيت بكلام عائشة وسلمت لها الأمر. ٢ - أو أنها انقطعت، ولكن تعلمون عندما يُحاج في أمر ويُقال له: إن هذا قول رسول الله ﷺ أو هذا هو فعله كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. وهذه قصة معاوية ﵁ مع عبد الله بن عباس ﵄ عندما كان يُقبِّل معاوية جميع أركان الكعبة، وكان يُقبِّل الركن الشمالي فنبَّهه أحد الصحابة إلى ذلك الأمر، فقال معاوية: "ليس في البيت شيء مهجور". فردَّ عليه عبد الله بن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فما كان من معاوية ﵁ إلا أن سَلَّم وقال: "صدقت" (٢). وهكذا يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا

стр. 5900

كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور: ٥١]. هذا واجب كل مسلم إذا تبيَّن له قول الله أو قول رسوله ﷺ فينبغي أن يُسلَّم في هذا الأمر. هذه قضية اختلف فيها العلماء ولا نريد حقيقة في مثل هذا المقام أن نستطرد هذا الخلاف وأن نتتبَّع الأقوال وتطول المناقشات، ولكن يهمّنا هنا أن نعرف أصل المسألة وما فيها من أقوال العلماء، وقد نبَّهت إلى هذا، فإن من العلماء من عَمَّم ذلك ورأى أن هذا الحكم عامٌّ لا يقتصر على سالم، ومنهم من رأى أن هذا خاصٌّ بسالم. وعلمنا ما يتعلق بالتبني وأن ذلك موجود قبل الإسلام، وأنه وجد أيضًا في أوَّل الإسلام حتى نزل قول الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. إذًا ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ فيه نهي صريح على نفي التبني، ومن هنا أُشكل على سهلة ﵂ بنت سُهيل زوجة أبي حذيفة ﵁، وكانت ترى أثر ذلك في وجه أبي حذيفة. فهذا سالم - كما هو معلوم - نشأ طفلًا بين أيديهم صغيرًا ثم أصبح يافعًا إلى أن أصبح رجلًا سويًّا، ولذلك لمَّا جاءتْ إلى رسول الله ﷺ وذكرت له قصة سالم مولى أبي حذيفة قال لها: "أرضعيه". فقالت: يا رسول الله: إنه كبير!!؟ فما كان من رسول الله ﷺ إلا أن تبسَّم وقال: "قد علمت ذلك" (١). وقد ذكر في بعض الروايات أنه "ذو لحية" (٢)؛ فقد أكَّد عليها الرسول ﷺ فقال: "أرضعيه تحرمي عليه".

стр. 5901

إذًا هذا نصٌّ صريحٌ فيما يتعلق بأمر سالم مولى أبي حذيفة، فهل هذه قضية عين كما يقول الأصوليون (١) لا تتجاوز سالم إلى غيره، وهناك قضايا خُصَّ بها أناس منها قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ (٢) [البقرة: ٢٠٧]. لكن هناك قضايا جاء التنصيص وأُطلقت، فعائشة ﵂ وهي راوية القصة هي التي روت لنا هذا الخبر وهي التي عاصرته، وكانت ترويه وهو حديث متفق عليه (٣)، وتطبقه تطبيقًا عمليًّا، فهي كانت توصِّي بنات أخواتها وبنات أخوتها أن يُرضِعوا مَن تحب أن يدخل عليها (٤)، وينظر إليها فكانت توصي بذلك، فعائشة هي التي روت ذلك، وهي صاحبة القصة كما يقول بعض العلماء، وكانت تقف عند ذلك. ومن العلماء من قال: بأن ذلك خاصٌّ بسالم وهذا قول أمّ سلمة زوج رسول الله ﷺ (٥)، ونُسب إلى عروة بن الزبير وبعض التابعين (٦).

стр. 5902

وذهب جماهير العلماء الذين حدّدوا ذلك بالحولين ومنهم الأئمة الأربعة إلى أن ذلك إمَّا منسوخ أو خاص، ودعوى النسخ قالوا عنها: أن ذلك حصل في أوائل هجرة الرسول ﷺ من مكَّة إلى المدينة. إذ بقي بمكة بعد البعثة ثلاثة عشر عامًا يدعو الناس إلى توحيد الله وإلى نبذ عبادة الأوثان، وإلى تطهير العقيدة مما علق بها من شركيات، وعانى ولقي من الأذى ما لقيه من قومه إلى أن هاجر ﷺ إلى المدينة فتلقاه الأنصار وناصروه. فيقول العلماء: كان هذا في أوَّل الهجرة، وفيما يتعلق بتحديد الرضاع أو سن الرضاع إنما كان متأخِّرًا، فقالوا: إذًا هناك نسخ، فالمتأخِّر ناسخ للمتقدم، لكنه دائمًا إنما يُلجأ إلى النسخ عند تعذُّر الجمع، والجمع ممكن كما قال به بعض العلماء، وكذلك إنما يُرْجَع إلى النسخ إذا لم يكن هناك راجح ومرجوح وهذا ممكن في هذا المقام. ومن العلماء مَن قال: بأنه عام وهذا قول عائشة ﵂ ومن تبعها. ومنهم من قال: بأنَّه خاصٌّ، وهذا قول بعض أزواج الرسول ﷺ وهذا ظنًا منهم، ولم يكن مقطوعًا به، وإنما كُنَّ يظنن ذلك، والظنُّ قد يصل أو يقرب من اليقين كما قال تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ [التوبة: ١١٨] فهنا تيقَّنوا. وربما يأتي الظنُّ دون اليقين فيكون مرتبة بين اليقين وبين الشكِّ، وهذا أمر معروفٌ ومُبيّن، وهناك مَن رأى بأنه منسوخ وقد تكلَّمنا عن ذلك، ومدار الخلاف إنما هو حول حديث عائشة ﵂. * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)، وَكَافَّةُ الفُقَهَاءِ).

стр. 5903

وأحمد (١) وغيرُهم. * قوله: (لَا يُحَرِّمُ رَضَاعُ الكَبِيرِ. وَذَهَبَ دَاوُدُ (٢)، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ (٣) إِلَى أَنَّهُ يُحَرِّم، وَهُوَ مَذْهَبُ عَائِشَةَ (٤)). وأيضًا أُثِر عن بعض فقهاء المدينة من التابعين (٥). * قوله: (وَمَذْهَبُ الجُمْهُورِ هُوَ مَذْهَبُ ابْنِ مَسْعُودٍ (٦)، وَابْنِ عُمَرَ (٧)، وَأَبِي هُرَيْرَة (٨)، وَابْنِ عَبَّاسٍ (٩) وَسَائِرِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﵊. وغير هؤلاء من الصحابة، وأكثر العلماء - كما ذكرنا - من الصحابة والتابعين والفقهاء أن التحريم إنما يكون في الحولين. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ تَعَارُضُ الآثَارِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي ذَلِك حَدِيثَانِ، أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ سالِمٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ). وفيه: "أرضِعيه تَحرُمي عليه" (١٠)، وفي بعض الروايات: "أرضعي سالمًا تُحرَمِي عليه" (١١)، وفي غير رواية في "الصحيحين": "أرضعيه خمسًا تحرمي عليه" (١٢)، وفي رواية: "أرضعيه عشرًا" (١٣).

стр. 5904

* قوله: (وَالثَّانِي: حَدِيثُ عَائِشَةَ، خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، قَالَتْ: "دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي رَجُلٌ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَرَأَيْتُ الغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ"، فَقَالَ ﵊: "انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ مِنَ الرَّضَاعَةِ؛ فَإِنَّ الرَّضَاعَةَ مِنَ المَجَاعَةِ" (١)). هذا الحديثُ يشتمل على عدَّة أحكام وحِكَم، فالرسول ﷺ دخل على عائشة، وعائشة إنما هي زوج الرسول ﷺ وابنة أبي بكر، ولها مكانة عظيمة عند رسول الله ﷺ وفي قلب كل مؤمن، وليس هذا خاصًّا بها، بل ينبغي أن يكون ذلك عامًّا لكلِّ أصحاب رسول الله ﷺ رجالًا ونساء، وينبغي تكريم أصحاب رسول الله ﷺ والترضي عنهم، والدعاء لهم وأنهم قد خدموا هذا الدين، وقد أفنوا أعمارهم في الدفاع عن كتاب الله ، وفي سُنَّة رسوله ﷺ ، وأن الله قد رضي عنهم بقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، وأن الرسول ﷺ قد ماتَ وهو راضٍ عنهم، وبيَّن لنا رسول الله ﷺ فضلهم وما اختصَّ به لهم من المكانة العظيمة، وأنه لو أنفق أحدنا مثل أُحُدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه (٢). ولقد تكلَّم ابن القيم ﵀ عن هذا وبيَّنها بيانًا شافيًا عندما تعرض لقضية: "السلف أسلم والخلف أعلم" (٣). فإنه ﵀ قد بيَّن بطلان هذه

стр. 5905

المقالة، وأن السَّلف كما أنهم أسلم وأنَّهم ﵃ كذلك أعلم؛ لأنهم أخذوا هذا العلم من مشكاةِ النبوة، وتلقَّوْه من فِيهِ ﷺ شافيًا نقيًّا لم تشوبه شائبة، ولم يخالطه أيّ كدر وأيّ إشكال. إذًا الرسول ﷺ يغار (١)، وكل مؤمن يغار، وهذه صفة قد وضعها الله في كلِّ مؤمن، والذي لا يغار على أهلِه فهو ديُّوث (٢)، ولذلك نجد أن هذا الحديث أشار إلى غَيرة رسول الله ﷺ ، وهذا حصل لأبي حذيفة؛ فإنه في بعض الروايات ذكر لرسول الله ﷺ ما يحصل من غيرة أبي حذيفة فامرأته يدخل عليها سالم فَضْلى ليس عليها إلا ثوب واحد. فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "أرضعيه تُحرمي عليه" (٣)، ويزول ما في نفس أبي حذيفة، فالمسلم يغار، وهذا واجب على كلِّ مسلم. لكن لا ينبغي أن تبلغ بنا الغَيرة إلى درجة الشكِّ والظُّنون السيئة، فينبغي دائمًا أن نحسن جميعًا الظنَّ بإخواننا المؤمنين، سواء كان هذا المؤمن أخًا، أو كان صديقًا، أو كان بعيدًا ما دام يجمعك به أخوة الإسلام، ومن باب أولى أن يكون قريبًا لك وبخاصَّة إذا كانت لك زوجة

стр. 5906

تطلع عليها وتطلع منك على ما لم يطلع عليه غيركما بالنسبة لكلِّ واحد من الآخر. فالرسول ﷺ قد تأثَّر وظهر الغضب على وجهه، والرسول ﷺ يغضب عندما يرى أيَّ أمر يتأثر منه. ولذلك ممَّا ذكروا في خُطب رسول الله ﷺ أنَّه كان إذا صعد المنبر احمرَّت عيناه، وعلا صوته، وأظهر غضبه كأنَّه منذر جيشِه، يقول: "صبَّحكم ومسَّاكم" (١)، وهذا هو الشأن، وكلُّ خطيب ينبغي أن يتفاعل معه الناس، وينبغي أن يعالج مشكلات المجتمع بالقسطاس (٢) المستقيم، فدائمًا ينبغي أن يتعرَّف على مشكلات المجتمع، وما يحدث فيه من أمور فإنَّك تأخذها وتعالجها علاجًا مستقيمًا لا انحراف فيه، فتضع الدواء في هذا المقام لترفع عن ذلك الدَّاء، إذًا تزيل الداء بإقامة الدواء مكانه، ولا شكَّ أن علاج ذلك في كتاب الله وفي سُنَّة رسول الله ﷺ . فتغير وجه الرسول ﷺ وغضب، وهذا هو شأن المؤمنين عمومًا أن يجد إنسان رجلًا غريبًا عند زوجته لا شكَّ أنه سيتأثر، لكن لا ينبغي أن يدفعنا الغضبُ ويستولي على نفوسنا الشيطان فربَّما يقع الإنسان في أمر قد يندم عليه كالطلاق، أو السب وغير ذلك من أمور، والله يقول: ﴿فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]. فهذا رسول الله ﷺ يملك نفسه عند الغضب، ولذلك عندما جاءه رجل فقال: "يا رسول الله، أوصني"، قال: "لا تغضب" (٣). "لا" نافية للجنس، و"تغضب" فعل مضارع مكون من فعل وفاعل، إذًا هي جملة فعلية؛ لأنك إذا غضبت إنما نفذ الشيطان إلى نفسك فاستغلَّ في نفوذه هذا

стр. 5907

الضعف الذي دبَّ إلى نفسك، وربما أوقعك في المهالك والأخطاء، ولذلك لا يقضِ القاضي حين يقضي وهو غضبان (١). فالرسول قال له: "لا تغضب"؛ لأن الإنسان إذا لم يغضب استطاع أن يسيطر على نفسه، ولذلك حذَّر الوسول ﷺ من التسرُّع من هفوات اللسان فقال ﷺ : "أَمْسِكْ عليك لسانَك" (٢)، وقال أيضًا: "مَن يضمن لي ما بين فكيه وما بين فخذيه أضمن له الجنة" (٣)، أي: أكفُل له الجنة. هكذا ﷺ تأثَّر في هذا المقام وأمسكَ نفسه وهو غاضب، فأدركت عائشة ﵂ ذلك، وانظروا إلى المرأة اللبيبة (٤)، الفطنة (٥) أدركَتْ لمَ غضب رسول الله ﷺ ؟ ولِمَ تأثر ولِمَ تغير وجهه؟ لكن الرسول ﷺ يدرك أن لهذا الضيف كرامة وأنه ينبغي أن يُنزَّل المنزلة اللائقة به، ولذلك الرسول ﷺ أمسكَ، لكن الأثر ظهر على جبينه ﷺ ، وفي تقاسيمِ وجهه، فعرفت ذلك عائشة حقّ المعرفة فبيَّنت للرسول ﷺ ما يرفع اللَّبس وما يُزيل الإشكال، وما يدفع الإيهام، وما يطرح الشبهة، قالت: "إنه أخي من الرضاعة". فقال الوسول ﷺ : "ائذن لإخوانكن من الرضاعة". ذكر الحكم ثم بيّن العلة: "إنَّما الرَّضاعةُ من المجاعة" (٦)، فهذا حُجّة للَّذين يقولون: بأنَّ الرضاعة ينبغي أن تكون في نطاق العامين أو في قدر الفِطام؛ لأنَّ هذا

стр. 5908

الغذاء وهو اللبن الذي ينزل في جوفِ هذا الصَّغير فيستقرّ في معدته وتمتصه هذه المعدة فيسري في دمهِ فينقله إلى جميع أجزاء البدن فيتكون منه هذا الجسم وهو جزء من جسم هذه المرضعة؛ إذًا لا شكَّ أنه تأثَّر بذلك، فإنما الرضاعة من المجاعة. وهي جملة اسمية دخلت عليها إنما، وإنما أداة "حصر"، وهذه من أقوى المؤكِّدات التي يؤكَّد بها في علم البلاغة (١). إذًا أكَّد الرسول ﷺ : "أنَّ الرضاعة من المجاعة"، فهل معنى هذا أنها لا تنتشر في الكبير؟! إذًا أول الحديث: "ائذن لإخوانكن إنما الرضاعة من المجاعة" هذا الشطر من الحديث يصلح أن يُحتَجَّ به. فهنا أطلق الرسول ﷺ وهذا حُجَّة للذين يقولون أنَّ الرضاعة تسري للكبير، ثم إن الشطر الأخير من الحديث أقوى حجة للذين يقولون: بأنه في حدود العامين أو في وقت الفطام. والذين قالوا: بأنه يمتدُّ إلى الكبير استدلّوا أيضًا بما حصل من عائشة ﵂ فإنها كانت تطلب من بنات أخواتها وإخوانها أن يرضعن من ترغب دخولهن عليها، هذه كلّها من الحُجَج التي يتمسَّك بها هؤلاء. * قوله: (فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى تَرْجِيحِ هَذَا الحَدِيثِ قَالَ: لَا يُحَرِّمُ اللَّبَنُ الَّذِي لَا يَقُومُ لِلْمُرْضَعِ مَقَامَ الغِذَاءِ). لكنَّ الذين قالوا: يسري للكبير قالوا: لا إطلاق لهذا الحديث: "إنما

стр. 5909

الرضاعة من المجاعة"؛ لأن المجاعة لا تختصُّ بالصغير، بل هو يجوع وكثيرًا ما يجوع الإنسان، بل إن الإنسان إذا جاع وأشرف على الموت وخُشي عليه الهلاك؛ فإنه يجب عليه أن يأكل من الميتة كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣]. فالإنسان يأكلُ من المخمصة (١)، ويدفع الغصة (٢) التي ربَّما تودي بحياته فيشرب محرَّمًا ليدفع الغصة؛ لأن مهجة (٣) المسلم غالية في الإسلام، فلا يريد الإسلام من المسلم أن يضيِّع هذه المهجة؛ لأن المسلم إنما خُلق لغاية، ولحكمة أشار الله إليها بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ [الذاريات: ٥٦، ٥٧] فهذا دليل قطعي على أن الغاية من خلق الجن والإنس إنما هي عبادة الله ، وأن الله إنما خلق هذا الخلق ليقوموا بعمارة هذا الكون، فينشروا العدل، والفضيلة بين الناس جميعًا مسلمهم وغير مسلمهم، وهذا منهج رسول الله ﷺ وهذه هي الأسس التي قامت عليها الشريعة الإسلامية، فإن من أركانها القوية الثابتة التي لا تتزعزع إقامة العدل كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء: ٥٨]. إذًا قد تبيَّنا من هذا أن الآخرين قالوا: وإن المجاعة لا تنحصر فغالبًا الذي يحتاج إلى اللبن إنما هو الصغير، لكن الجاعة قد تحصل للكبير أيضًا. ولا شكَّ إنه عندما تتعدد الأدلة ويختلف العلماء في مفهومها تتعدد الأقوال وتتنوع، والمسلم في هذا المقام وبخاصة طالب العلم الذي

стр. 5910

وفَّقه الله فأعطاه قسطًا من العلم وأرشده إلى هذا الطريق السويِّ لينشغل بالعلم وليثاب على ذلك إذا أخلص في الحياة الدنيا وينال السعادة في الآخرة دائمًا، ويجب عندما تحصل مثل هذه المسألة فإنه في ذلك يُرجح ما يظهر له قوَّة رجحانه، فإن لم يتبيَّن فإنه يأخذ بما هو أحوط، فهناك مَن يحرم ومن لا يحرم، وإذا ترددت في أمر فلا تقطع به، فإن الرسول ﷺ قد وضع لك قاعدة ثابتة بقوله: "دعْ ما يُريبك إلى ما لا يريبك" (١). * قوله: (إِلَّا أَنَّ حَدِيتَ سَالِمٍ نَازِلَة فِي عَيْنٍ). أي: وقعت لشخص بعينه (٢). وهو سالم؛ إذ كان حليفًا لأبي حذيفة تبنَّاه وأصبح يعيش في بيته وفي بيت زوجته. وحال المسلمون فيما مضى ليست كحالتنا اليوم، ربما يشكو بعضنا من القلة وبأنَّ الدنيا لم تنفتح له كما انفتحت لغيره، وأنه لا يجد متطلبات كل هذه الحاجات، فهناك ضروريات وهناك حاجيات وهناك كماليات، فالضروريات مطلوبة لكل إنسان، والحاجيات لا شكَّ أنها مطلوبة، لكنها لا تصل إلى درجة الضروريات. أما الكماليات فليست شرطًا أن تأكل في كلِّ يوم الفاكهة واللحم

стр. 5911

وغير ذلك، بل إن من الأسباب الآن التي أدَّت إلى انتشار الأمراض كثرة الأكل وتنوعها وتعددها، وكان الناس فيما مضى ربما يحول عليهم الحول فلا يأكلون اللحم إلا مرة، فلا يخشون من العلل التي أصبح يذكرها الأطباء وينشرونها بين الناس. إذًا لم تكن الحالة التي كان فيها رسول الله ﷺ وأصحابه كحالتنا اليوم أو قريبة منها، فشتَّان بينهما؛ إذ كان الرسول ﷺ يَمُرُّ عليه الشهر والشهران وليس في بيته إلا الأسودان - التمر والماء -، كما ذكرت عائشة ﵂ (١)، وكان ﷺ كثيرًا ما يربط على بطنه الحجارة فيشدّها على بطنه من شدَّة الجوع (٢)، ووجد ذلك في بعض أصحابه ﵃ (٣). ويأتيه الضَّيفُ ﷺ فلا يجد ما يقريه (٤) به فيرسله إلى أحد الأنصار فيقدّم له (٥).

стр. 5912

هذه حاجات عندما يتذكرها الإنسان ينضح (١) قلبه أسًى (٢) ولوعةً (٣)، ويتألم أن يرى نفسه في هذه المجتمعات التي تنتشر فيها الخيرات وتتعدد وتتنوع ومع ذلك نجد بعض المؤمنين والمسلمين يتأوه (آه، آه أنا أحوالي كذا وكذا وليس عندي كل ما أتمناه)، بل إننا لو طوفنا في شرق الأرض ومغاربها لوجدنا أن كثيرًا من إخواننا المسلمين يعانون من الذُّلِّ ومن التقتيل والتشريد، كلُّ ذلك بسبب دينهم قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ [البروج: ٨]. هذه قضايا لو دخل الإنسان فيها لتعرج (٤) عن درسه، لكنها أحيانًا خواطر تمرُّ بالإنسان ليتذكَّر هو أولًا وليتذكر أخوته معه، فكلُّنا نعرف كثيرًا من هذه الأدلة، لكننا نغفل وما أكثر ما نغفل، ولذلك كان رسول الهدى ﷺ يوصينا بقوله: "تذكَّروا هاذم اللذات" (٥)، وهو الموت؛ لأنك إذا تذكرت هاذم اللذات صغُرَت في عينك الدنيا، فلا يكون أمامك صغير إلا عظم ولا عظيم إلا صغر، فتعظم أمامك أمور الدنيا وتشتاق إليها: فَحَيَّ عَلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فَإِنهَا … مَنَازِلُكَ الأولَى وَفِيهَا المُخَيّمُ وأيضًا تصغر عندك العظائم (٦) في أمر الدنيا؛ لأنك تعلم أن ما عند اللّه خير وأبقى، فهذه دروس ينبغي أن نستفيد منها، فأيّ علم من

стр. 5913

العلوم ينبغي أن يكون منفذًا وموعظة لنا جميعًا؛ فعلم النحو نجد فيه من المواعظ، وعلم التاريخ نجد فيه من الحوادث والقصص والعبر الشيء الكثير الذي لو وقع على حجر لأثَّر فيه، وفي كتاب الله من العبر والقصص والأمثال ما يكفي درسًا وموعظة كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]، وفي الآية الأخرى يقول: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]. وفي سورة يوسف يقول أيضًا: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾ [يوسف: ١١١]، فكلُّ درس من الدروس التي نأخذها كعلم العقيدة، والحديث، والتفسير، والفقه لا بد أن نستفيد منها، لا يكفي أن نتعلم العلم ونحفظ مسائله، لا بد أن نأخذ منه العبر وأن نأخذ منه الدروس والمواعظ لنطبقها على أنفسنا، ثم نحاول قدر الإمكان أن ننقلها للآخرين، فكما قال المصطفى ﷺ : "فوالله لأنْ يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حُمرِ النِّعَم" (١)، وفي قصة خيبر عندما قال الرسول ﷺ : "لأُعطينَّ الراية غدًا لرجل يحِبُّهُ اللهُ ورسولُه ويحِبُّ اللهَ ورسولَه" (٢). فاشتاقَت نفوس الصحابة لذلك واشرأبت (٣)

стр. 5914

أعناقهم وتمنَّى كلُّ واحد منهم أن يكون هو حامل اللواء وأن يُجرِّد سيفه للقتال في سبيل الله. فالرسول ﷺ سأل عن عليِّ بنِ أبي طالب فقيل: إنه أرمد، فطلبه فبصق في عينه فشُفِي، ولكل واحد من الصحابة ﵃ من محاسن ومن فضائل، وأفضلهم أبو بكر ﵁ فلو وُزِن إيمانه بإيمان الأمة لرجح إيمانه (١)، وهو الذي قال عنه الرسول ﷺ : "سُدُّوا علِيَّ هذه الخوخة (٢) إلا خوخة أبي بكر" (٣). وقال أيضًا ﷺ : "لو كنتُ متَّخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكرٍ خليلًا" (٤). وجاء بعده عمر فقال عنهما ﷺ : "اقتدوا باللَّذين من بعدي أبي بكر، وعمر" (٥). هذه قضايا مهمة نعرض لها؛ ففينا مَن يحتاج إلى المواعظ أكثر مما يحتاج إلى المسائل.

стр. 5915

* قوله: (وَكَانَ سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ يَرَوْنَ ذَلِكَ رُخْصَةً لِسَالِمٍ). إن الصحابة ﵃ كانوا يحرصون كلَّ الحرص أن يصيبوا سُنَّة الرسول ﷺ ، بل كانوا بعدَ وفاة الرسول ﷺ إذا حدثت حادثة، أو نزلت نازلة عرضوا الأمر على كتاب الله فإن لم يجدوه عرضوه على سُنَّة الرسول ﷺ كما حدث من أبي بكر وعمر ومن غيرهما. وهذه قصة الجدة وإن أبا بكر فرح بذلك عندما نُقل له أن الرسول ﷺ أعطاها السدس (١). إذًا رأينا من هذا أنه يرجع في الأمر إلى المصدرين الأساسيين، فإن لم يوجد حينئذ يُنتقل إلى الاجتهاد. * قوله: (وَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ سَالِمٍ، وَعَلَّلَ حَدِيثَ عَائِشَةَ بِأَنَّهَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ - قَالَ: يُحَرِّمُ رَضَاعُ الكَبِيرِ). كذلك الصحابة ﵃ كانوا يحرصون كلَّ الحرص أن يصيبوا سُنَّة من سُنن الرسول ﷺ وما مَرَّ في أحكام الصلاة في الأوقات التي نُهي عن الصلاة فيها، وما حصل من حديث عائشة: "أن الرسول ﷺ ما ترك ركعتين لا سفرًا ولا حضرًا، ركعتان قبل الفجر وركعتان بعد العصر" (٢). وأن ذلك أُشكِل على جمع من الصحابة منهم عبد الله بن عباس،

стр. 5916

والمسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن أزهر، وأنهم أرسلوا كُريبًا مولى ابن عباس إلى عائشة فأحالته إلى أمِّ المؤمنين أمّ سلمة؛ لأنَّ أمَّ سلمة لديها أمر لم يكن عند عائشة؛ لأنها هي التي سألت الرسول ﷺ فبيَّن لها الحكم؛ لأنه لمَّا صلَّى بعد العصر سُئِل والتي سألته هي أمُّ سلمة كما جاء في بعض الروايات؛ لأنه نهى عن الركعتين بعد العصر وصلاها! فأرادت أن تعرف السبب، وأرادت أن تعرف هل هذا خاصٌّ بالرسول ﷺ ، فبيّن لها الرسول ﷺ وهو المهتم بأمر الإسلام والمسلمين بأن جاءه أمر جلل، جاءه وفد من بني عبد القيس بإسلام قوم، قال: "فشغلوني عن الركعتين بعد الظهر فهما هاتان الركعتان" (١). فالرسول ﷺ لم ينساهما، لكنه انشغل بأمر يهمُّ المسلمين، ولذلك لما فرغ صلى الركعتين بعد العصر. * قوله: (بِأَنَّهَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ - قَالَ: يُحَرِّمُ رَضَاعُ الكَبِيرِ). قد أشرنا إشارة خفيفة إلى أن من العلماء المحققين، الذين جاهدوا بسيوفهم وبأقلامهم وبألسنتهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا الرجل وقّفَ نفسه للدفاع عن الدين ونصرةً لدين الله ونصرة المؤمنين، وعاش في زمن أحوج ما يكون ذلك الزمن إلى أمثال ذلك العالم الجليل، الذي كان يُعدُّ قبسًا من نور أنار في دياجير (٢) الظلام، إنه كان يُمثل أمَّة، فرحمه الله

стр. 5917

تعالى وغفر له وأسكنه فسيح جناته ومن قضايا التتار الذين جاؤوا من أقصى الشرق لا يلوون (١) على أمَّة حتى جعلوها رميمًا (٢)، ولا على بلد إلا حولوه رمادًا، وكانوا يسيرون كما قال ابن الأثير: كالرماد إذا درَّ فسرت إلى الريح (٣). كانوا يسيرون في البلاد تقتيلًا وسلبًا ونهبًا (٤) حتى وصلوا إلى قصبة الخلافة الإسلامية في ذلك الوقت (بغداد) فهاجموها والمسلمون منشغلون بالخلافات، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] فاستطاع هذا الرجل أن يوحّد بين دولتين في ذلك الوقت، بين دولتي الشام ومصر فأصبح يتردد بينهما حتى استطاع أن ينسج منهما دولة واحدة، وأن يؤلف القلوب وأن يرفع المنكرات وأن يحاربها وأن يصفي النفوس، فرجع المسلمون جميعًا إلى دين الله ، وأدركوا أن العزَّة والنصر إنما هو في الرجوع إلى دين الله كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]، وقال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] فعاد التتار مرة أخرى، لكن المسلمين أذاقوهم كأس الموت كما أذاقوهم أول مرة، لأن المسلمين رجعوا إلى الله. فلو أن المسلمين رجعوا إلى الله وطبقوا هذه الشريعة الخالدة التي تُطبق في هذه البلاد وترون هذه الخيرات والسعادة؛ لعادت لهم عزتهم، وقوتهم ومجدهم، ومكانتهم، ولهابهم العالم ولساسوه. ألم يكن الرشيد ﵀ يرفع طرفه إلى السماء فينظر إلى السحابة

стр. 5918

فيقول لها: "أمطري أين كنت فسيأتيني خراجك" (١). ذلك دليل على اتِّساع الدولة الإسلامية التي امتدت حتى وصلت إلى بلاد الأندلس، فلمَّا انشغل المسلمون بالمعارك والنزاعات ونسوا كتاب الله وقصروا فيما يجب عليهم، زالت هيمنتهم (٢)، وضعفت كلمتهم، وفلّ (٣) أعداء المسلمين قناتهم (٤)، وكسروا شوكتهم (٥)، هذه هي حال المسلمين، فلو أنهم عادوا إلى كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ وهذا ما يتعطش (٦) إليه المسلمون في كلِّ مكان، لعادوا كما كانوا رسل خير، هداية وقادة أمم. ألم يكن العرب في الجاهلية رعاة شاة وغنم، وكان أحدهم يضع على يده صنم فيسجد له ثم إذا يجوع فيأكله (٧)، وربما يفسَّر هذا بضعف العقول ثم جاء الإسلام فصقل (٨) تلك العقول فنظمها حتى أشرقت بنور الإيمان، واستضاءت بنور الإخلاص فتغيرت الأحوال؟! فيأتي عمر ﵁ الذي وقع في أمر من تلك الأمور في الجاهلية -

стр. 5919

ويقف عند الحجر الأسود ويقول: "واللهِ إني لأعلم إنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبِّلك ما قبَّلتك" (١). هذا هو شأن المؤمنين حقًّا؛ إذ يقول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وقال أيضًا: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾ [مريم: ٦٣]. وشيخ الإسلام ﵀ قد انصرف عن كل أمر حتى انشغل عن الزواج؛ لأنه وجد أن عصره بحاجة إليه، إذ هو رجل ولا كل الرجال، فلو اجتمع جمع غفير من الرجال لم يستطيعوا أن يقولوا ولا أن يؤدوا بعض ما أدَّاه. وهو رجل قد رزقه الله قوَّة الإيمان، وقوة الإخلاص؛ إذ وقَّفَ نفسه لخدمة هذا الدين، يجتمع عدد غفير من العلماء ليناقشوه فينقطع أعماله، ما انقطع يومًا من الأيَّام؛ لأنه أخلصَ لله ؛ لأنه طلب العلم خالصًا لوجه اللّه. بل يناقش بعض العلماء في مذاهبهم فينقطعون ولا ينقطع، ويطلبون منه أن يؤجّل الأمر، وهو نفسه ﵀ يقول: "وكنت أعلم أنهم يريدون الإعداد لذلك، لكن المسألة تتكرر" (٢). ﵀ نظر إلى هذه الأدلة نظرة العالم الفاحص العميق الذي قَلَّب هذه الشريعة الإسلامية فأدرك لُبَّها، وغاص في أعماقها، وتذوَّق من أسرار هذه الشريعة، وشرب من صفائها ولذلك اتَّجه ﵀ إلى ما يقوله جمهور العلماء أصلًا بأن التحديد ينبغي أن يكون في الصغر، أي: أن

стр. 5920

التحريم إنما هو في الصغر، لكن ليس لنا دليل صريح يدلُّ على أن الكبير لا يمكن أن يُرضَع، إذ لم يأتِ دليلٌ صريحٌ عن رسول الله ﷺ يخصّ سالمًا بذلك. والرسول ﷺ مُبلِّغ، وأن ذلك جاء بنص الكتاب العزيز حيث قال تعالى اسمه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، أي: ليبين لهم الذي اختلفوا فيه، فالرسول ﷺ يبيِّن للناس الحق؛ إذ أرسله الله سبحانه تعالى للناس بشيرًا ونذيرًا، إلى الناس كافة إنسِهم وجنِّهم كبيرِهم وصغيرِهم. ويقول علماء الأصول: "تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز" (١). فالرسول ﷺ لم يَرد عنه أنه خَصَّ ذلك بسالم؛ لأن الرسول ﷺ نبَّه على ذلك كما جاء في بعض الأدلة، فقد أطلق الرسول ﷺ . إذًا يكون التحريم في الصِغَر لكن لو ظهرت ظاهرة، أو وقعت واقعة كالتي أُحرج فيها أبو حذيفة ﵁ وزوجه أيضًا سهلة بنت سُهيل؛ فإن الرسول ﷺ رفع هذا الإشكال وحلَّه فقد رأى أنه يُرضع في هذه الحالة وتجوز. هذا قولٌ قال به أحد العلماء، وذهب أكابر العلماء من الصحابة ومن التابعين ومن الأئمة الأربعة إلى تحديد ذلك في الحولين، والله أعلم.
следующие страницы →