والمسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن أزهر، وأنهم أرسلوا كُريبًا مولى ابن عباس إلى عائشة فأحالته إلى أمِّ المؤمنين أمّ سلمة؛ لأنَّ أمَّ سلمة لديها أمر لم يكن عند عائشة؛ لأنها هي التي سألت الرسول ﷺ فبيَّن لها الحكم؛ لأنه لمَّا صلَّى بعد العصر سُئِل والتي سألته هي أمُّ سلمة كما جاء في بعض الروايات؛ لأنه نهى عن الركعتين بعد العصر وصلاها! فأرادت أن تعرف السبب، وأرادت أن تعرف هل هذا خاصٌّ بالرسول ﷺ ، فبيّن لها الرسول ﷺ وهو المهتم بأمر الإسلام والمسلمين بأن جاءه أمر جلل، جاءه وفد من بني عبد القيس بإسلام قوم، قال: "فشغلوني عن الركعتين بعد الظهر فهما هاتان الركعتان" (١).
فالرسول ﷺ لم ينساهما، لكنه انشغل بأمر يهمُّ المسلمين، ولذلك لما فرغ صلى الركعتين بعد العصر.
* قوله: (بِأَنَّهَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ - قَالَ: يُحَرِّمُ رَضَاعُ الكَبِيرِ).
قد أشرنا إشارة خفيفة إلى أن من العلماء المحققين، الذين جاهدوا بسيوفهم وبأقلامهم وبألسنتهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا الرجل وقّفَ نفسه للدفاع عن الدين ونصرةً لدين الله ونصرة المؤمنين، وعاش في زمن أحوج ما يكون ذلك الزمن إلى أمثال ذلك العالم الجليل، الذي كان يُعدُّ قبسًا من نور أنار في دياجير (٢) الظلام، إنه كان يُمثل أمَّة، فرحمه الله
стр. 5917
تعالى وغفر له وأسكنه فسيح جناته ومن قضايا التتار الذين جاؤوا من أقصى الشرق لا يلوون (١) على أمَّة حتى جعلوها رميمًا (٢)، ولا على بلد إلا حولوه رمادًا، وكانوا يسيرون كما قال ابن الأثير: كالرماد إذا درَّ فسرت إلى الريح (٣).
كانوا يسيرون في البلاد تقتيلًا وسلبًا ونهبًا (٤) حتى وصلوا إلى قصبة الخلافة الإسلامية في ذلك الوقت (بغداد) فهاجموها والمسلمون منشغلون بالخلافات، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] فاستطاع هذا الرجل أن يوحّد بين دولتين في ذلك الوقت، بين دولتي الشام ومصر فأصبح يتردد بينهما حتى استطاع أن ينسج منهما دولة واحدة، وأن يؤلف القلوب وأن يرفع المنكرات وأن يحاربها وأن يصفي النفوس، فرجع المسلمون جميعًا إلى دين الله ، وأدركوا أن العزَّة والنصر إنما هو في الرجوع إلى دين الله كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]، وقال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] فعاد التتار مرة أخرى، لكن المسلمين أذاقوهم كأس الموت كما أذاقوهم أول مرة، لأن المسلمين رجعوا إلى الله.
فلو أن المسلمين رجعوا إلى الله وطبقوا هذه الشريعة الخالدة التي تُطبق في هذه البلاد وترون هذه الخيرات والسعادة؛ لعادت لهم عزتهم، وقوتهم ومجدهم، ومكانتهم، ولهابهم العالم ولساسوه.
ألم يكن الرشيد ﵀ يرفع طرفه إلى السماء فينظر إلى السحابة
стр. 5918
فيقول لها: "أمطري أين كنت فسيأتيني خراجك" (١). ذلك دليل على اتِّساع الدولة الإسلامية التي امتدت حتى وصلت إلى بلاد الأندلس، فلمَّا انشغل المسلمون بالمعارك والنزاعات ونسوا كتاب الله وقصروا فيما يجب عليهم، زالت هيمنتهم (٢)، وضعفت كلمتهم، وفلّ (٣) أعداء المسلمين قناتهم (٤)، وكسروا شوكتهم (٥)، هذه هي حال المسلمين، فلو أنهم عادوا إلى كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ وهذا ما يتعطش (٦) إليه المسلمون في كلِّ مكان، لعادوا كما كانوا رسل خير، هداية وقادة أمم.
ألم يكن العرب في الجاهلية رعاة شاة وغنم، وكان أحدهم يضع على يده صنم فيسجد له ثم إذا يجوع فيأكله (٧)، وربما يفسَّر هذا بضعف العقول ثم جاء الإسلام فصقل (٨) تلك العقول فنظمها حتى أشرقت بنور الإيمان، واستضاءت بنور الإخلاص فتغيرت الأحوال؟!
فيأتي عمر ﵁ الذي وقع في أمر من تلك الأمور في الجاهلية -
стр. 5919
ويقف عند الحجر الأسود ويقول: "واللهِ إني لأعلم إنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبِّلك ما قبَّلتك" (١).
هذا هو شأن المؤمنين حقًّا؛ إذ يقول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وقال أيضًا: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾ [مريم: ٦٣].
وشيخ الإسلام ﵀ قد انصرف عن كل أمر حتى انشغل عن الزواج؛ لأنه وجد أن عصره بحاجة إليه، إذ هو رجل ولا كل الرجال، فلو اجتمع جمع غفير من الرجال لم يستطيعوا أن يقولوا ولا أن يؤدوا بعض ما أدَّاه.
وهو رجل قد رزقه الله قوَّة الإيمان، وقوة الإخلاص؛ إذ وقَّفَ نفسه لخدمة هذا الدين، يجتمع عدد غفير من العلماء ليناقشوه فينقطع أعماله، ما انقطع يومًا من الأيَّام؛ لأنه أخلصَ لله ؛ لأنه طلب العلم خالصًا لوجه اللّه.
بل يناقش بعض العلماء في مذاهبهم فينقطعون ولا ينقطع، ويطلبون منه أن يؤجّل الأمر، وهو نفسه ﵀ يقول: "وكنت أعلم أنهم يريدون الإعداد لذلك، لكن المسألة تتكرر" (٢).
﵀ نظر إلى هذه الأدلة نظرة العالم الفاحص العميق الذي قَلَّب هذه الشريعة الإسلامية فأدرك لُبَّها، وغاص في أعماقها، وتذوَّق من أسرار هذه الشريعة، وشرب من صفائها ولذلك اتَّجه ﵀ إلى ما يقوله جمهور العلماء أصلًا بأن التحديد ينبغي أن يكون في الصغر، أي: أن
стр. 5920
التحريم إنما هو في الصغر، لكن ليس لنا دليل صريح يدلُّ على أن الكبير لا يمكن أن يُرضَع، إذ لم يأتِ دليلٌ صريحٌ عن رسول الله ﷺ يخصّ سالمًا بذلك.
والرسول ﷺ مُبلِّغ، وأن ذلك جاء بنص الكتاب العزيز حيث قال تعالى اسمه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، أي: ليبين لهم الذي اختلفوا فيه، فالرسول ﷺ يبيِّن للناس الحق؛ إذ أرسله الله سبحانه تعالى للناس بشيرًا ونذيرًا، إلى الناس كافة إنسِهم وجنِّهم كبيرِهم وصغيرِهم.
ويقول علماء الأصول: "تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز" (١).
فالرسول ﷺ لم يَرد عنه أنه خَصَّ ذلك بسالم؛ لأن الرسول ﷺ نبَّه على ذلك كما جاء في بعض الأدلة، فقد أطلق الرسول ﷺ .
إذًا يكون التحريم في الصِغَر لكن لو ظهرت ظاهرة، أو وقعت واقعة كالتي أُحرج فيها أبو حذيفة ﵁ وزوجه أيضًا سهلة بنت سُهيل؛ فإن الرسول ﷺ رفع هذا الإشكال وحلَّه فقد رأى أنه يُرضع في هذه الحالة وتجوز.
هذا قولٌ قال به أحد العلماء، وذهب أكابر العلماء من الصحابة ومن التابعين ومن الأئمة الأربعة إلى تحديد ذلك في الحولين، والله أعلم.
стр. 5921
قال المصنف رحمه اللّه تعالى:
(المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَاخْتَلَفُوا إِذَا اسْتَغْنَى المَوْلُودُ بِالغِذَاءِ قَبْلَ الحَوْلَيْنِ، وَفُطِمَ، ثُمَّ أَرْضَعَتْهُ امْرَأَةٌ).
الرضيع قد يستغني عن اللبن وقد لا يستغني، فربما تُرضع الأمُّ طفلها مدة عام، أو أقل من ذلك، أو أكثر، لكن لبنها يجف، وربما أن الطفل يعزف عن ذلك الثدي ولا يريد اللبن، وربما يكون عنده من النشاط والحيوية والقوة ما يمكنه أن يتناول شيئًا من الطعام، ولو كان ذلك الطعام خفيفًا فيتغذى به.
إذًا ليس شرطًا أنه يُفطم، لكن ربما يترك ذلك، أو يأتي سببٌ من الأسباب يدعو إلى ذلك فربّما يُفطم، وبعض الأطفال قد يُفطم وهو ابن سنة، أو دون ذلك أو أكثر، فليس شرطًا أن يصل إلى السنتين، لكن السن الذي يحصل به التمام والكمال إنما هما الحولان، وهذا أمر نصَّ اللّه عليه في كتابه العزيز حين قال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، بيَّن الله أن تمام الرضاعة إنما يحصل بعامين، وفي قراءة: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، معنى هذا: أنه قد يُفطم الصبي قبل ذلك.
* قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: "لَا يُحَرِّمُ ذَلِكَ الرَّضَاعُ") (١).
مراد الإمام مالك ومعه بعض المالكية ﵏ جميعًا - أنه لو فُطم الإنسان مثلًا لمدة عام ونصف، لثمانية عشر شهرًا، ثمَّ بعد ذلك رضع هل هذا الرضاع يُعتبر أم لا؟ فالإمام مالك يرى أنه لا يُحرِّم.
стр. 5922
*قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢): "تَثْبُتُ الحُرْمَةُ بِهِ").
وقال الإمامان الشافعي وأحمد (٣): تثبت الحُرمة في الحولين، أما أبو حنيفة فله تفصيل في ذلك: فهو يوافقهما في الحولين لكنَّه يمد ذلك إلى ثلاثين شهرًا.
فالسَّنة اثنا عشر شهرًا، إذًا السنتان أربعةٌ وعشرون شهرًا، فأبو حنيفة يزيدها نصف عام آخر، أي: ستة أشهر، فيُتمّ ذلك إلى ثلاثين شهرًا، وهو يستدلُّ بالآية في قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، ويرى أن الفصال هنا ليس المراد به الحمل المعروف، لكن العلماء ردُّوا على ذلك، وقد جاء ما يفسر الآية: وهو أن المراد بذلك إنما هو الفصل، أي: الحمل المعروف، والمراد بالفصال إنما هو الرضاع ومدته سنتان، وأن الحمل قد يكون ستة أشهر، وقد فسر ذلك عليُّ بن أبي طالب ﵁، وهذا سيأتي - إن شاء الله - تفصيله في أبوابٍ تتناول ذلك. لكن العلماء ردّوا هذا القول لأبي حنيفة.
فأبو حنيفة من حيث الجملة، له رواية مع جمهور الصحابة، والفقهاء أيضًا وله هذا القول.
стр. 5923
أما مالك فيرى أنه لو تجاوز العامين بشهرٍ أو شهرين وربَّما ثلاثة؛ فإن هذا لا يمنع الحُرمة.
أما الإمام الشافعي وأحمد؛ فيقيّدان ذلك بالعامين؛ فلو أن إنسانًا فُطِم لمدة عام أو لعامٍ ونصف، أو أقل أو أكثر ولم يصل إلى الحولين، ثم رضع قبل أن يُتمَّ الحولين، فإن الحُرمة تثبت، أي: نفرض أن رضيعًا رضع من أمِّه سَنةً ونصف، ثم بعد العام والنصف جاءت امرأةٌ فأرضعته الرضعات الشرعية المعروفة، ألقمته الثدي فأخذه فترة حتى تركه، ثم كررت ذلك خمس مرات، فإنه يثبت الرضاع، وتثبت الحُرمة والمحرمية عند الإمامين الشافعي وأحمد في ذلك.
وبعض الحنابلة يرى أنه لو تجاوز ساعة لا تثبت الحُرمة في ذلك (١).
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ ﵊: "فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ" (٢)، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الرَّضَاعَ الَّذِي يَكُونُ فِي سِنِّ المَجَاعَةِ كيْفَمَا كَانَ الطِّفْل، وَهُوَ سِنُّ الرَّضَاعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ إِذَا كانَ الطِّفْلُ غَيْرَ مَفْطُومٍ، فَإِنْ فُطِمَ فِي بَعض الحَوْلَيْنِ لَمْ يَكُنْ رَضَاعًا مِنَ المَجَاعَةِ، فَالاخْتِلَافُ آيِلٌ إِلَى أَنَّ الرَّضَاعَ الَّذِي سَبَبُهُ المَجَاعَةُ وَالافْتِقَارُ إِلَى اللَّبَنِ هَلْ يُعْتَبَرُ فِيهِ الافْتِقَارُ الطَّبِيعِيُّ لِلْأَطْفَالِ، وَهُوَ الافْتِقَارُ الَّذِي سَبَبُهُ سِنُّ الرَّضَاعِ؟ أَوِ افْتِقَارُ المُرْضَعِ نَفْسِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَرْتَفِعُ بِالفَطْمِ، وَلَكِنَّهُ مَوْجُود بِالطَّبْعِ؟ وَالقَائِلُونَ بِتَأْثِيرِ الإِرْضَاعِ فِي مُدَّةِ الرَّضَاعِ سَوَاءٌ مَنِ اشْتَرَطَ مِنْهُمُ الفِطَامَ، أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْه، اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ المُدَّةِ، فَقَالَ: هَذِهِ بِالمُدَّةِ حَوْلَانِ فَقَطْ، وَبِهِ قَالَ زُفَرُ (٣)).
стр. 5924
ليس هو قول زُفر، وإنما هو أيضًا قول الإمامين الشافعي وأحمد، فنحن فصلنا وأوجزنا أن مَن قال بالعامين هما الإمامان (الشافعي وأحمد)، ومنهم من قال بالعامين لكن زاد عليه قليلًا وهو (مالك)، ومنهم من زاد ستة أشهر وهو (أبو حنيفة) في رواية. ومنهم مَن رأى أن إرضاع الكبير أيضًا يُحرِّم؛ واستدلُّوا بقصة سالم، وقد وقفنا عند هذه المسألة كثيرًا، وعلَّقنا عليها.
* قوله: (وَاسْتَحْسَنَ مَالِكٌ التَّحْرِيمَ فِي الزِّيَادَةِ اليَسِيرَةِ عَلَى العَامَيْنِ. وَفِي قَوْلٍ الشَّهْرُ عَنْهُ (١)، وَفِي قَوْلٍ عَنْهُ: إِلَى ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ (٢). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "حَوْلَانِ وَسِتَّةُ شُهُورٍ" (٣)).
واستدلَّ أبو حنيفة بقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، لكن رُدَّ على هذا، وأن المراد بالحمل ليس كما فسَّر أبو حنيفة، وإنما هو الحمل المعتاد، والمراد به: أن مدَّة الرضاع حولين، وقد يولد المولود أيضًا لستة أشهر؛ وقصّة عليِّ بن أبي طالب في ذلك معروفة، في قصة المرأة التي ولدت بعد ستة أشهر.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مَا يُظَنُّ مِنْ مُعَارَضَةِ آيةِ الرَّضَاعِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ المُتَقَدِّمِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، يُوهِمُ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى هَذَيْنِ الحَوْلَيْنِ لَيْسَ هُوَ رَضَاعَ مَجَاعَةٍ مِنَ اللَّبَنِ، وَقَوْلَهُ ﵊: "إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ" - يَقْتَضِي عُمُومُهُ أَنَّ مَا دَامَ الطِّفْلُ غِذَاؤهُ اللَّبَنُ أَنَّ ذَلِكَ الرَّضَاعَ يُحَرِّم".
стр. 5925
مُرَادُهُ بحَدِيثِ عَائشَةَ: قَوْله ﷺ : "إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ"، ومعناه: ما رَضَعه الصبي، فعصمه من الجوع.
ومعنى ذلك: أنَّه لو رضع بعد الحولين، من مجاعةٍ، فَعَصمه من الجوع، أنَّ هذا الرضاع محرِّم.
وهذا المعنى يُعَارضه في الظاهر آية: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾، فمعناها: أنه يكون للرضاع حكم التحريم إذا كان في الحولين، وكان قَدْر ما ترد به المجاعة، وهو ما قدَّرته السُّنَّة، وحدَّته بخمس رضعات، وما كان في غير مدة الحولين فلا يقع به التحريم.
* قوله: (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَأَمَّا هَلْ يُحَرِّمُ الوَجُورُ (١)، وَاللَّدُودُ (٢)؟).
ويُلحق بهما السّعوط، ولكن المؤلف ذكر له مسألة صغيرة مستقلة.
و"الوجور": هو أن يُؤخذ اللبن إما أن يُصب في إناء، أو في كأس، أو يوضع في هذا الثدي الذي يرضع به الصغير، يُحلب من ثدي المرأة الأم ثم يُسقى إياه، أي: يُصبُّ في حلقه، هذا يُسمى بالوَجور بفتح الواو.
فهل هذا تقوم به الحُرمة كالحال بالنسبة للرضاع من المرأة؟ الأصل - كما هو معلوم - أن الارتضاع إنما يكون من الثدي؛ بمعنى: أن يلتقم الصغير الثدي فيمتصه. وقد عرفنا أو رجَّحنا أن الرضعات التي تُحرّم هي خمس، وقد مر ذلك بشيءٍ من التفصيل في حديث عائشة ﵂: "كان فيما نزل من القرآن عشر رضعاتٍ معلوماتٍ يُحرِّمن، ثم نُسخْن بخمس، فتُوفي رسول الله ﷺ وهنَّ فيما يُقرأ من القرآن" (٣). وقد بينَّا المراد من هذا الحديث.
стр. 5926
إذًا لو حلبت امرأةٌ من ثديها في إناءٍ أو في كأس، فوُضع في فم هذا الصغير فشربه ثم تكرر ذلك إلى خمس مرات هل يُنزَّل ذلك منزلة الارتضاع من الثدي؛ هذا هو الوَجور.
وأما "اللُّدود": بضمِّ اللام فالمراد به: أن يؤخذ بطرف لسان الصغير فيُمال إلى أحد شقي فمه؛ فيؤخذ باللسان فيُتَّجه به إلى أحد الشقين، ثم يُصبُّ اللبن في الشق الآخر، وليس ذلك خاصًّا باللبن بل يدخل في ذلك الدواء وغيره، وهذا يُسمى باللُّدود.
إذًا الوَجور واللُّدود كلامها يُصبّ عن طريق الفم، والفم - كما تعلمون - إنما هو المكان الأصلي الذي يصل عن طريقه الغذاء إلى الجوف، وربما يأتي أيضًا عن طريق الأنف كالحال بالنسبة (للسعوط) الذي سيتكلم عنه المؤلف. وربما يأتي عن طريق الحقنة، وربما يوجد جرحٌ في البدن أو ثقبٌ فيوصَل إليه أيضًا، فهل هذا داخل أم لا؟
مسألة (الوَجور) اختلف فيها العلماء؛ فالجمهور قالوا: إن الوَجور يُحرِّم كما يُحرِّم الارتضاع من الثدي؛ لأن العلَّة الموجودة في الارتضاع من الثدي موجودةٌ هنا؛ ولأن الرسول ﷺ قد بيَّن أنه: "لا رضاعَ إلَّا ما أنشز العظم وأنبت اللحم" (١). وهذا اللبن الذي يُصبّ سواءٌ التقمه الصبي من ثدي المرأة أو صُبَّ في حلقه؛ فإنه سيسير في هذا المجرى إلى أن يصل إلى الجوف فيستقر في المعدة، ثم بعد ذلك يحمله الدم إلى بقية أجزاء الجسم.
إذًا بهذا يتغذَّى منه، فالحكمة والعلة موجودة؛ فهم يقولون: لا نرى فرقًا وإن كان الأصل هو الارتضاع، فلا فرق بين مَن يرتضع من الثدي مباشرة، ومن يُصب في حلقه اللبن ما دام قد وصل إلى الجوف وتحقق فيه ما يتحقق بالنسبة للرضاعة المعروفة؛ لأن الرسول ﷺ بيَّن أن الرضاعة من
стр. 5927
المجاعة، وأن الرضاع الذي يُحرِّم هو ما أنشز العظم وأنبت اللحم، يعني: ما أحيا العظم وما أنبت اللحم.
* قوله: (وَبِالجُمْلَةِ مَا يَصِلُ إِلَى الحَلْقِ مِنْ غَيْرِ رَضَاعٍ؟).
أي: هل تحصل به الحُرمة وما يتفرع عنها وهي المحرمية أم لا؟ الجواب: فيما يظهر: أن ذلك يحصل به؛ لأن القصد والغاية هي التغذي، والتغذي يحصل؛ لأن هذا اللبن سينزل إلى الجوف، وإلى المعدة فيحصل الغذاء به.
*قوله: (فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: "يُحَرّمُ الوَجُورُ وَاللَّدُودُ" (١). وَقَالَ عَطَاءٌ (٢)، وَدَاوُدُ (٣): "لَا يُحَرِّمُ").
ليس هذا هو قول مالك وحده؛ إنما هو قول أبي حنيفة (٤)، والشافعي (٥)، وأحمد (٦)، وأكثر الأئمة توسُّعًا في ذلك هو الإمام الشافعي؛
стр. 5928
لأن العلماء تكلموا عن الحقنة؛ فنجد أن (المالكية (١)، والحنفية (٢)، والحنابلة (٣)) قالوا بأن الحقنة لا تُحرِّم؛ يعني: لو وُضع اللبن في الحقنة ثم بعد ذلك وُضعت في جسم هذا الصغير، فالشافعية انفردوا (٤) ووافقهم بعض الحنابلة (٥) في هذه المسألة.
وبعد أن تقدَّم الطب، وظهرت كثيرٌ من الأمور التي ربما كانت تُجهل، نجد أن ذلك يشهد لمذهب الشافعية؛ فكم من أُناسٍ شاهدناهم أو سمعنا عنهم، أو رأيناهم إنما عاشوا أوقاتًا طويلة بسبب هذه الإبر المغذية؛ فتجد أن بعض الناس يعيش أيامًا، وبعضهم شهورًا وربما سنوات، وهذا قد حصل في وقتنا هذا. والعلماء عندما تكلموا في الصيام
стр. 5929
هل هذه الحقنة تُفطِّر الصائم أم لا؟ فبعضهم فسَّر القوله في ذلك؛ فقالوا: فرقٌ بين ما كان مغذيًا وما كان غير مغذي.
إذًا إذا كانت الحقنة مغذية فلماذا لا نلحقها؟ لأن الرسول ﷺ وضع لنا علةً واضحة؛: "إنما الرضاعة من المجاعة" (١)، وقال: "الرضاعة ما أنشز اللحم وأنبت العظم" (٢). فهل هذه تغذي؟ الجواب: نعم.
إذًا العلة موجودة، فلماذا لا نجعلها تسري على الحقنة؟
كذلك تكلَّم العلماء فيما يتعلق لو أن هذا اللبن حُوِّل جُبنًا، فهل يحصل به أيضًا ما يحصل باللبن؟ (فالشافعية (٣)، والحنابلة (٤)) يقولون: نعم يحصل به ذلك، (وأبو حنيفة) (٥) يعارض في هذه المسألة؛ لأنه يرى أنه قد خرج عن مُسمَّاه؛ فالآن هذا اللبن قد أصبح يُسمَّى جبنًا، فلا يُسمى لبنًا. فتغيُّر الاسم عند أبي حنيفة له تأثير في تغيير المسمى، وعند الشافعية والحنابلة لا أثر لهذا التغير، بل إنما هو يُحرِّم. ولكن الوَجور - كما هو معلوم - ليس متَّفقًا عليه عند الحنابلة، فلهم الرواية المعروفة المشهورة (٦)
стр. 5930
أنه يُحرِّم كمذهب الجمهور، ولهم رواية أخرى أنه لا يُحرم (١).
*قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هَلِ المُعْتَبَرُ وُصُولُ اللَّبَنِ كيْفَمَا وَصَلَ إِلَى الجَوْفِ؟ أَوْ وُصُولُهُ عَلَى الجِهَةِ المُعْتَادَةِ؟ فَمَنْ رَاعَى وُصُولَهُ عَلَى الجِهَةِ المُعْتَادَةِ، وَهُوَ الَّذِي يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الرَّضَاعِ - قَالَ: لَا يُحَرِّمُ الوَجُورُ وَلَا اللَّدُودُ) (٢).
لم يرد في النصوص ما يدلُّ على أنه لا يصل على الطريقة المعتادة، وإنما الذي جاء فيه أنه من المجاعة رضاعًا؛ فالآن لو أن امرأةً وضعت حليبها في هذا الثدي الصغير الان الذي صار يُصنع، ثم امتصَّه الغلام، هو نفسه. وسيأتي بعد قليل الخلاف في لبن الميتة، هل يُحرِّم أم لا؟
الواقع أنه لم يرد في النصوص ما يدلُّ على التفريق؛ لأن هذا الحلق إنما هو مجرى، فهناك المريء وهناك الحلقوم، فيمشي إلى أن يصل إلى المعدة فيستقر فيها، ثم بعد ذلك يتغذَّى منه الجسم.
وهذا اللَّبن يُسمَّى بالغذاء، وهذا من حكمة الله ، أن ذلك الدم الذي كان في هذه المرأة تحول إلى هذا اللبن الأبيض الذي جعله الله غذاءً لهذا الطفل.
* قوله: (وَمَنْ رَاعَى وُصُولَ اللَّبَنِ إِلَى الجَوْفِ كَيْفَمَا وَصَلَ، قَالَ: يُحَرِّمُ) (٣).
وهذا هو رأي أكثر العلماء، وفي نظرنا أن هذا هو الأقرب لروح
стр. 5931
الشريعة ولنصوصها؛ لأن الشريعة وضعت لنا غاية، ووضعت لنا علة، وسببًا، هذا السبب هو ما يُنبت لحمه، وما يُنشز (١) عظمه، وأنه يحصل من الجاعة بمعنى أن الطفل يستفيد من هذا اللبن.
* قوله: (المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: وَأَمَّا هَلْ مِنْ شَرْطِ اللَّبَنِ المُحَرِّمِ إِذَا وَصَلَ إِلَى الحَلْقِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُخَالِطٍ لِغَيْرِهِ؟ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ أَيْضًا).
أي: هناك لبن يُعرف باللبن المحض، وهناك اللبن الخليط، أي: المخلوط بغيره. فنحن قد عرفنا أن العلماء قد أجمعوا على أنه إذا ارتضع الطفل من ثدي امرأةٍ، وتحقق بذلك الشروط التي ذكرها العلماء قبل؛ ومنها خمس رضعات، فإن ذلك يُحرِّم. ورأينا الخلاف في الوَجور وكذلك اللّدود، ورأينا أن أكثر العلماء يرون أن ذلك يُحرِّم كالارتضاع من المرأة مباشرة، وهذا هو الصحيح في نظرنا ولا فرق.
أما إذا خُلط هذا اللبن بغيره، فهل هذا الخليط يسلبه الحكم أم لا؟ أم أن هناك تفصيل؛ بمعنى: أنه إذا كثُر المخالِط فغلب على اللبن، وقد درسنا في أحكام الطهارة هنا أن الماء قد قسَّمه العلماء إلى أقسامٍ ثلاثة: طهور وطاهر ومطهِّر، ورأينا من ذلك أن الماء إذا خالطه أحد التغيرات كماء الورد أو الزعفران هل يؤثر فيه أم لا؟ فبعض العلماء قال: يؤثر مطلقًا، وبعضهم فصَّل القول في ذلك فقال: ما لم يسلبه اسمه؛ فإن قيل: ماء ورد أو ماء زعفران ونحو ذلك خرج على الاسم فلا يُصبح مطهِّرًا وهذا هو الصحيح، أما إذا كان قليلًا فلا. وعرفنا أن الماء الطهور لا يغيره إلا ما غيَّر لونه أو ريحه أو طعمه كما مر (٢).
فهذا اللبن إذا خالطه ماءٌ، أو نوع من أنواع الطعام فهل يؤثر عليه أم لا؟
стр. 5932
من العلماء من قال: لا تأثير له مطلقًا.
ومنهم من قال: إن بقي هذا اللبن يحمل اسمه فلا تأثير؛ لأن الغذاء سيتحقق وإن خالطه ماءٌ أو طعام، فإن تأثير اللبن سيبقى في المعدة.
وأما إذا خالطه غيره فسلبه الاسم: بمعنى غمره، فذاب اللبن وضاع في هذا المخالِط فإنه لا تأثير له.
* قوله: (فَقَالَ ابْنُ القَاسِمِ: "إِذَا اسْتُهْلِكَ اللَّبَنُ فِي مَاءٍ أَوْ غَيْرهِ") (١).
بمعنى: أنك لا تسمِّيه لبنًا، وإنما تسميه ماءً أو تسميه مرقًا أو نحو ذلك.
* قوله: (ثُمَّ سُقِيَهُ الطِّفْلُ - لَمْ تَقَعِ الحُرْمَةُ).
وبعض العلماء قال: يؤثر وإن خالطه غيره فسلبه اسمه؛ لأن اللبن له تأثيرٌ قوي.
*قوله: (وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ) (٢).
كما مرَّ وأشرنا إليه.
* قوله: (المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: وَأَمَّا هَلْ يُعْتَبَرُ فِيهِ الوُصولُ إِلَى الحَلْقِ؟ أَوْ لَا يُعْتَبَرُ؟).
جرت عادة العلماء أن يجمعوا بين المسألة الرابعة التي ذكر المؤلف، وبين المسألة السادسة، لكن لماذا فصَل المؤلف بينهما مع صِغر كل من المسألتين؟ الجواب: لأن المسألة الأولى التي ذكر فيها الوَجور واللدود؛ إنما يأتيان عن طريق الفم، والسعوط إنما يأتي عن طريق الأنف؛ فلمَّا كان المدخل مختلفًا - وإن كانت النهاية واحدة والغاية واحدة -، فرَّق المؤلف بينهما؛ فعقد للسعوط مسألةً مستقلة.
والمراد بالسّعوط: ما يُصبُّ في أنف الصغير من اللبن وغير اللبن، ومرادنا هنا اللبن. فهل هذا اللبن الذي يُصبُّ عن طريق الأنف يُحرِّم أم لا؟ (عند الشافعية (١)، والحنفية (٢)، والحنابلة (٣)) يُحرِّم.
* قوله: (فَإِنَّهُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ سَبَبَ اخْتِلَافِهِمْ فِي السَّعُوطِ
стр. 5935
بِاللَّبَنِ وَالحُقْنَةِ بِهِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُهُمْ فِي ذَلِكَ لِمَوْضِعِ الشَّكِّ، هَلْ يَصِلُ اللَّبَنُ مِنْ هَذه الأَعْضَاءِ؟ أَوْ لَا يَصِلُ؟).
الذين قالوا بأن السعوط يُحرِّم إنما قاسوه على الصيام (١)؛ فقالوا: لو أنه دخل إلى جوف الإنسان شَيْءٌ عن طريق الأنف ألَا يُفطِّر؟ قالوا: بلى، والذين منعوا ذلك قالوا: فرق بين الصيام وغيره؛ لأن الصيام لا يُشترط فيه إنشاز العظم وإنبات اللحم، بينما هنا في الرضاع يُشترط ذلك. وأكثر العلماء على أن السعوط يُلحَق بالوَجور؛ لأنه سيمر عن طريق الحلق، ثم بعد ذلك ينزل إلى المعدة فيؤثر.
* قوله: (المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: وَأَمَّا هَلْ يَصِيرُ الرَّجُلُ الَّذِي لَهُ اللَّبَن، أَعْنِي: زَوْجَ المَرْأَةِ، أَبًا لِلْمُرْضَعِ؟).
هذه من المسائل المهمّة التي ينبغي أن نقف عندها ونُبيّنها، وإن كان الخلاف فيها ليس كبيرًا فإذا نظرنا إلى القائلين بها، نجد أن كثير العلماء والصحابة وعلماء الحديث والأئمة الأربعة كلهم على أن اللَّبن يُحرم الأمّ بالنسبة للرجل؛ لأنَّ لبن الفحل (٢) يحرم.
ولذلك نجد أن الإمام (أحمد) فسَّرَ ذلك بقوله أن يكون للرجل امرأتان فتُرضِع إحداهما طفلًا صبيًّا وتُرضع الأخرى صبيَّة فلا يجوز للصبيِّ أن يتزوج الصبية إذا كَبِر (٣).
ولما سُئل عبد الله بن عباس عن مثل هذه المسألة: رجل له امرأتان
стр. 5936
فأرضعت إحداهما جارية والأخرى أرضعت غلامًا، هل يتزوج الصبي الجارية؟ فقال ابن عباس: "لا، اللقاح واحد" (١).
وسيأتي حديث عائشة ﵂ وهناك خلاف مشهور نُسِب إلى عبد اللّه بن الزبير وهي قضية معروفة، وهناك من خالف في هذه المسألة من التابعين.
والخلاف يدورُ حول ما ذكره المؤلف؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] والرسول ﷺ يقول: "تُحرِم الرضاع ما تُحرِم الولادة" (٢)، وقال: "يحرُم من الرضاع ما يحرُم من النسب" (٣). ومن الذي يُرضِع؟ إنما هي المرأة، فهل هذا يسري إلى هذا الرجل؛ لأن هذا الحمل أصلًا وُجِدَ بسبب وطء هذا الرجل فحملت هذه المرأة، فجاءت بعد ذلك بهذا اللبن.
والخلافُ يدور أيضًا حول ما جاء في قول اللّه تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، والأحاديث التي ذكرت بعضًا منها.
* قوله: (حَتَّى يُحَرِّمَ بَيْنَهُمَا وَمِنْ قِبَلِهِمَا مَا يُحَرِّمُ مِنَ الآبَاءِ وَالأَبْنَاءِ الَّذِينَ مِنَ النَّسَبِ، وَهِيَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا لَبَنَ الفَحْلِ؟).
لبن الفحل، أي: إرضاع الرجل.
* قوله: (فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ مَالِكٌ (٤)، وَأَبُو حَنِيفَة (٥)،
стр. 5937
وَالشَّافِعِيُّ (١)، وَأَحْمَدُ (٢) وَالأَوْزَاعَيُّ، وَالثَّوْرِيُّ (٣): "لبَنُ الفَحْلِ يُحَرِّمُ").
وكثير من الصحابة والتابعين والعلماء كافة إلا من قَلَّ، يقولون: بأنه يُحرِّم (٤).
(وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: "لَا يُحَرِّمُ لَبَنُ الفَحْلِ. وَبِالأوَّلِ قَالَ عَلِيٌّ، وَابْنُ عباسٍ (٥)، وَبِالقَوْلِ الثَّانِي قَالَتْ عَائِشَةُ (٦)، وَابْنُ الزُّبَيْرِ (٧)، وَابْنُ عُمَرَ (٨)).
стр. 5938
أما بالنسبة لعبد الله بن الزبير فقد ذُكِر عنه ذلك في أثر، في قصة زينب بنت أبي سلمة ﵃ فإن زينب ارتضعت من أسماء بنت أبي بكر زوج الزبير بن العوام ﵃ جميعًا.
فأصبحت أسماء أُمًّا لها من الرضاع، فهي تحكي في هذه القصة أن الزبير بن العوام كان يدخل عليها وكان يأخذ بقرن من رأسها التي تُسمَّى الجديلة (١) التي تفرقها من بعض شعر رأسها، فيقول: هَلُمَّ حدثيني، وكانت تقول: ما كنت أراه إلا أبًا، وكنت أرى أولاده إخوة لي، فما كان من عبد الله بن الزبير إلى أن أرسل إلى زينب بنت أبي سلمة يخطب منها ابنتها أمّ كلثوم لأخيه حمزة بن الزبير، وحمزة هذا إنما هو أخوه من الأب وليس شقيقه من امرأته الكلبية التي تنتسب إلى تلك القبيلة، فلمَّا أرسل إليها عبد الله بن الزبير رسوله تعجبت من ذلك؟! فقالت لرسوله: إنها ابنة أخته، هذه زينب أختهم، فرجع الرسول إلى عبد الله بن الزبير فردَّ بقوله: ما أرى إلا أنكِ أردْتِ المنع بذلك، يعني: أردت أن تجعلي ذلك عذرًا للمنع، ثم قال: أما ما أرضعت أسماء فهم إخوتها وما لا فلا، ثم قال: لها أرسلي فاسألي، فأرسلت فسألت بعض أصحاب رسول الله ﷺ فقالت: وكانوا متوافقين فأقرّوا ذلك، يعني: أن لبن الفحل لا يُحرِّم، قالت: فتزوجته حتى مات عنها (٢).
هذا هو الأثر الذي يُستَدلّ به، وهذا القول نُسب إلى عبد اللّه بن
стр. 5939
الزبير، ونُسب إلى سعيد بن المسيب، وأيضًا إلى سليمان بن يسار، وإبراهيم النخعي، وأبو سلمة بن عبد الرحمن (١)، فقد قالوا بهذا القول، أما بقية العلماء وهم الجمهور فقالوا: إن لبن الفحل يُحرِّم، وحجتهم في هذا القول يرون أنها قطعية وقد استدلُّوا بحديث عائشة الذي أخرجه البخاري في صحيحه (٢)، وأخرجه بعض أصحاب السُّنَن (٣)، وأحمد (٤)، والبيهقي (٥) وغير هؤلاء (٦) في قصة أخي أبي القعيس.
فإن أخا أبي القعيس جاء إلى عائشة ﵂ يستأذن عليها، فقالت: والله لا آذن له، وكان ذلك بعد نزول الحجاب، أي: بعد أن أُمِرَ النساء بالحجاب.
قالت: حتى أسأل رسول الله ﷺ عن ذلك، ثم قالت: إن أخا أبي القعيس ليس هو من أرضعني، وإنما أرضعتني امرأة أبي القعيس.
فلما جاء الرسول ﷺ لمَّا دخل عليها ذكرت له هذه القصة، فقال: "ائذني له إنه عمّك تربت يمينك"، فكانت عائشة بعد ذلك تعمل بهذا، فهذا عكس ما قاله المؤلِّف، بأن هذا قول عائشة.
стр. 5940
وعائشة صارت تفتي بذلك، بل إن عائشة ﵂ بعد ذلك صارت تطلب من بنات أخواتها وبنات إخوتها أن يرضعن مَن تحب أن يدخل عليها (١)، وهذا حديث صحيح.
والحديث الآخر كما قال العلماء أجابوا عنه بجوابين:
الأول: إن هذا الحديث الذي في قصة عبد الله بن الزبير وزينب مختلف فيه من حيث الصحة.
والأمر الآخر: عندما دقَّقوا في هذا الحديث قالوا: إنه حُجَّة لنا وليست حُجَّة علينا؛ لأن الزُّبير بن العوام، - وهو من الصحابة - يعتبر قوله فيُضم إلى جمهور العلماء؛ لأنه كان يدخل على زينب وكان يُداعبها وكان يمسك بقرن من قرون رأسها ويقول: هَلُمَّ إليَّ، أي: التفتي إليَّ حدثيني، وكانت هي لا تراه إلا أبًا لها، وكان يتحدث معها، إذًا هذا حجَّة أيضًا.
وخلاصة القول: بأن لبن الفحل يُحرِّم، والقول الراجح ما قال به جماهير العلماء.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ ظَاهِرِ الكِتَابِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ المَشْهُورِ، أَعْنِي: آيَةَ الرَّضَاعِ. وَحَدِيثُ عَائِشَةَ هُوَ قَالَتْ: "جَاءَ أَفْلَحُ أَخُو أَبِي القُعَيْسِ يَسْتَأْذِنُ عَلَيَّ بَعْدَ أَنْ أُنْزِلَ الحِجَاب، فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَه، وَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فقَالَ: "إِنَّهُ عَمُّكِ، فَأْذَنِي لَهُ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي المَرْأَة، وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ! فَقَالَ: "إِنَّهُ عَمُّكِ، فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ"، خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ (٢)، وَمُسْلِمٌ (٣)، وَمَالِكٌ (٤)، فَمَنْ رَأَى أَنَّ مَا فِي الحَدِيثِ شَرْعٌ زَائِدٌ عَلَى مَا فِي الكِتَابِ، وَهُوَ قَوْلُهُ
стр. 5941
تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، وَعَلَى قَوْلِهِ ﷺ : "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الوِلَادَةِ" (١) - قَالَ: لَبنُ الفَحْلِ مُحَرِّمٌ).
أي: هذا يُعتَبر عمها من الرضاع.
وحجة الذين منعوا ذلك هو عموم قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾. فالله تعالى نصَّ على الأمهات؛ لأنَّ الإرضاع يتم عن طريق النساء، ولكن هذا اللبن إنما سال بواسطة هذا الرجل، فيَحرُم من الرضاع ما يَحرُم من النَّسب، أو تُحرِّم الرضاعة ما تُحرِّم الولادة، وهذا لا ينفي أن يكون لبن الفحل يُحرِّم، ولكن هذا حديث عمَّن يحصل منها الإرضاع.
* قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّ آيَةَ الرَّضَاعِ وَقَوْلَهُ: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الوِلَادَةِ" (٢) إِنَّمَا وَرَدَ عَلَى جِهَةِ التَّأصِيلِ لِحُكْمِ الرَّضَاعِ؛ إِذْ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ البَيَانِ عَنْ وَقْتِ الحَاجَةِ (٣) - قَالَ: ذَلِكَ الحَدِيثُ إِنْ عُمِلَ بِمُقْتَضَاه، أَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لِهَذِهِ الأُصُولِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ المُغَيِّرَةَ لِلْحُكْمِ نَاسِخَةٌ، مَعَ أَنَّ عَائِشَةَ لَمْ يَكُنْ مَذْهَبُهَا التَّحْرِيمَ بِلَبَنِ الفَحْلِ، وَهِيَ الرَّاوِيَةُ لِلْحَدِيثِ).
دعوى النَّسخ غير مُسلَّمة هنا؛ لأنَّ هذا الحديث وغيره من الأحاديث إنما جاءت بيانًا لكتاب الله فالله تعالى يقول: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾ [النور: ٥٤] فالرسول ﷺ هو المُبلِّغ وهو المُبيِّن ما أُجمِل في كتاب الله وهذه السُّنة المُطهرة ما صحَّ منها قد
стр. 5942
يُخص به كتاب الله عمومه (١)، ويُقيّد مُطلقه (٢)، ولهذا أمثلة كثيرة.
فهناك كثيرٌ من الأحكام لم تردْ في كتاب الله ، وجاءت في سُنَّة رسول الله ﷺ وقد تلقَّاها العلماء بالقبول، ولم يُخالِفْ فيها إلا من شذَّ من أصحاب تلك الفرق والنِّحَل الذين خرجوا عن الطريق السويّ، كأن لا يُجمع بين المرأة وعمّتها، ولا بين المرأة وخالتها (٣)، فإن هذا قد صحَّ عن رسول الله ﷺ .
إذًا الرسول ﷺ بيَّن لنا ذلك في حديث عائشة في قضية توقفت فيها عائشة ﵂ فقال الرسول ﷺ : "ائذني له"، ثمَّ إنها أوردت على الرسول ﷺ استفسارًا ليس الرجل الذي أرضعني، وإنما أرضعتني المرأة فقال لها الرسول ﷺ : "ائذني له إنه عمك تربت يمينك". فأكَّد عليها الرسول ﷺ فلا بيان أعظم ولا أجلى ولا أوضح من هذا البيان في هذا الحديث.
* قوله: (وَيَصْعُبُ رَدُّ الأُصُولِ المُنْتَشِرَةِ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا التَّأْصِيلُ وَالبَيَانُ عِنْدَ وَقْتِ الحَاجَةِ بِالأَحَادِيثِ النَّادِرَةِ وَبِخَاصَّةٍ الَّتِي تَكُونُ فِي عَيْنٍ، وَلذَلِكَ قَالَ عُمَرُ ﵁ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: لَا نَتْرُكُ كِتَابَ اللهِ لِحَدِيثِ امْرَأَةٍ) (٤).
стр. 5943
إنها إشارة لطيفة أوردها المؤلِّف، ومَرَّ بنا حديث فاطمة مرور الكرام؛ لأنه ذُكر لنا ما يتعلق بموضوع الخطبة على الخطبة، وسيتكرر ذلك أيضًا.
لكن هذا الذي أشار إليه المؤلف إنما هو إشارة إلى قصة فاطمة ﵂. وفاطمة بنت قيس هذه - كما هو معلوم - قصتها مع زوجها مشهورة، وهي صحابيةٌ جليلة، وهي أيضًا من فقهاء الصحابة (١).
وقصتها: أن زوجها عمرو أبا حفص - ابن المغيرة - طلقها البتة، أي: (طُلِّقت ثلاثًا)، فأرسل إليها وكيلَه بشعير فسختطه، وقد طلَّقها زوجها وهو غائب، لم يكن موجوًا فأرسل إليها وكيلَه: وبعضهم يرويها: وكيله على أن المتصرف هو الوكيل، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته.
وهناك خلافٌ مشهور في هذه المسألة، فما كان منها إلا أن جمَعَت ثيابها فلما سخطته قال الوكيل: "والله ليس علينا من شيء، أي: لا نفقة لك ولا سكنى". فجمعت ثيابها فذهبت إلى رسول الله ﷺ فقال لها الرسول ﷺ : "ليسَ لك عليه سُكنى ولا نفقة".
ثمَّ إن الرسول ﷺ قال لها: "اعتدِّي في بيت أم شريك"، ثم تدارك الأمر ﷺ فقال: "تلك امرأة يغشاها أصحابي"؛ إذ كان أكابر المهاجرين يأوون إليها، ثم قال لها: "اعتدِّي عند ابن أم مكتوم"، وابن أم مكتوم كان ابن عم لها، "فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده". هذا حديث (متفق عليه) (٢).
стр. 5944
ففي هذا الحديث من الحِكم والفوائد الشيء الكثير، وما يهمنا ما أورده المؤلف في قصَّة عمر، فإن الرجل طلقها البتة فاختلف العلماء - رحمهم الله تعالى - في المطلقة طلاقًا بائنًا هل لها نفقة وسُكنى أم ليس لها نفقة، ولا سُكنى، أم لها السُّكنى فقط؟ هذه أقوال ثلاثة ولا أريد أن أدخل في الحديث عنها، لأن هذا سيأتي في الطلاق (١)، وفي عدة أبواب مستقبلة.
لكن هذه فاطمة بنت قيس عُورضت من بعض الصحابة ومن غيرهم في هذا القول، ومن هنا جاء الخلاف في هذا الأمر.
فحُكي عن عمر ﵁ أنه قال: "لا نترك كتاب ربنا وسُنَّة نبينا لقول امرأة" (٢). هذا الذي ذكره المؤلف وذكره غيره ممَّن نقلوا ذلك عن عمر.
وهذه المقالة ضعَّفها الإمام أحمد وردَّها، وقال: إنما صَحَّ عن عمر أنه قال: "لا نُجيز في ديننا قول امرأة" (٣).
وهذه أيضًا للعلماء وقفات متعددة حولها، فإن العلماء قالوا: إن هذه مخالفة للإجماع؛ لأنه - كما هو معلوم - كم من الأحكام الكُثر التي ثبتت عن طريق انفراد امرأة بها، فإن عائشة ﵂ روت كثيرًا من الأحاديث
стр. 5945
والأحكام وغيرها من زوجات الرسول ﷺ وفُرَيِعة، بل إن فاطمة بنت قيس هي التي روت لنا حديث الدجال (١) ذلكم الذي اشتمل على كثير من الأحكام، ومع ذلك تلقاه العلماء بالقبول والتسليم، فهذه هي الراوية.
وأيضًا عندما اعتُرض عليها ﵂ جادلت من عارضها في هذا المقام، وخالفته فقالت: أليس الله يقول: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]؟ وأيّ حدث يحدث لامرأة طُلِقت طلاقًا بائنًا، فهذا بالنسبة للرجعية؛ لأنها إذا عاشت في سكن زوجها وأنفق عليها فقد تغيَّر الأحوال، فربما يكون قد دخل الشيطان بين الزوجين فنفد إليهما فجرى في دمهما مجرى الدم فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم (٢)، فحينئذ قد يرجع كلّ منهما إلى نفسه فترجع ثورة الغضب وهذا مما تُرغِّب فيه هذه الشريعة، إذًا هي ردت وقالت: أنا طلقت البتة، فبعضهم تكلَّم على لسانها وغيره.
فالشاهد هنا أن قول عمر ﵁: "لا ندع كتاب ربِّنا وسُنَّة نبيِّنا لقول امرأة". تتمة الكلام: "لا ندري أحفظت أم نسيت"، وفي بعض الروايات: "أصابت أم أخطأت" (٣).
فهذا القول ضعَّفه الإمام أحمد، وصُحِّح القول عن عمر وأنه قال: "لا نجيز في ديننا قول امرأة". هذا هو قول عمر والعبارة مختلفة أيضًا وهذه مجملة، والصحيح: أن قول المرأة مقبول وبخاصة الصحابيات، وهذه الصحابية خاصة، بل أخذ العلماء بحديثها، فإن ممَّا تكلَّموا عنه أدن للرجل أن يطلق امرأته وهو غائب عنها ولا يواجهها بالطلاق، وهذا حكم أخذه العلماء وتكلموا عنه (٤)، فإن هذا الرجل كان مع عليٍّ وسافر إلى اليمن للجهاد، ومع ذلك نجد أن الطلاق قد وقع وأن الرسول ﷺ و قد أقرَّه
стр. 5946
ولم ينكره، وأيضًا كثير من العلماء أخذوا به فيما يتعلق بالسُّكنى، وخِطبة الرجل على خِطبة أخيه إذا لم يسكن إليه (١)، فكما هو معلوم أن الرسول ﷺ عندما قال لها: "اعتدِّي في بيت ابن أمِّ مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده، فإذا انتهيتِ - أو عبارة نحوها - فآذنيني"، يعني: إذا انتهت عدَّتُك فآذنيني.
فلمَّا فرغت من العدة جاءت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته وذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان، وأبي جهم خطباها فقال الرسول ﷺ لها: "أمَّا أبا جهم فضرَّاب للنساء" صيغة مبالغة كناية عن أنه يُكْثر الضرب، وفي بعض الروايات: "لا يضع عصاه عن عاتقه" (٢)، كناية عن كثرة ضربه للنساء (٣)، "وأما معاوية فصعلوك (٤) لا مال له"، وفي بعض الروايات: "وأما معاوية فتربٌ ليس عنده شيء" (٥).
فلننظر إلى أمور الدنيا كيف تتغير وتتبدل، وأن الذي يُعِزّ المرء دائمًا هو الله ، فهو يرفع أقوامًا ويضع آخرين، ويعطي الملك من يشاء وينزعه عن من يشاء، ويرفع أناسًا ويخفض آخرين فهذا هو أمر الله .
فهذا معاوية كان رجلًا صعلوكًا لا مال له، ثمَّ بعد ذلك يصبح خليفة المسلمين، ويجمع عليه في عام الجماعة سنة أربعين بعد أن تنازله هو والحسن بن علي (٦).
стр. 5947
إذًا هذا درس من الدروس الذي ينبغي أن يستفيده المسلم في هذه الحياة ليفيده بعد مماته.
ومن الأحكام التي تُستفاد من هذا أنها عندما ذكرت له أن أبا جهم ومعاوية خطباها قال الرسول ﷺ لها: "ذكر أن أبا جهم ضرَّاب للنساء لا يضع عصاه عن عاتقه، وأن معاوية رجل فقير صعلوك"، فقال لها: "أنكحي أسامة بن زيد"، وفاطمة بنت قيس قرشية، وأسامة إنما هو مولى وأبوه مولى ولكن كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، فقيمة الإنسان وعزته وكرامته إنما تكون في تقوى الله لا في كثرة ماله ولا في جاهه ولا في نسبه، ولو كان النسب يفيد لأفاد أقوامًا كبارًا ومن أقارب رسول الله ﷺ الذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم.
فترددتْ في ذلك حتى ورد في بعض الروايات: أنها كانت تشير أسامة أسامة، كالمنكرة لذلك، فقال لها رسول الله ﷺ : "أطيعي اللهَ ورسوله" (١).
لا شكَّ أنَّ من يطيع الله ورسوله ﷺ فإن هذه هي السعادة كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، وكذلك نجد قول الله : ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾ [النور: ٥٤] فهل عصته فاطمة؟ الجواب: لا، فلما سمعت هذه الكلمة التي
стр. 5948
نبعت من فِي رسول الله ﷺ استجابت لقول رسول الله ﷺ فنكحت أسامة ﵁ فقالت: فاغتبطت به.
فهكذا كلُّ مؤمن ينزل عند حكم الله ، كلُّ مؤمن يتَّبع هدي الله ، وهدي رسوله ﷺ يناله الخير والطمأنينة والفوز، ومن يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئًا.
إذًا الفوز كل الفوز في طاعة الله، وفي طاعة رسوله ﷺ فهذه أقبلت على رجل ما كانت تريده، وأخذته مكرهة عليه، لكن لمَّا كان في ذلك طاعة للّه وطاعة لرسول الله ﷺ كانت النتيجة أنها اغتبطت بأسامة وسعدت به وعاشت معه في هذه الحياة الدنيا.
فيا سعادة كل إنسان يستجيب لهدي الله ولهدي رسوله ﷺ .
* قَوْله: (المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى الرَّضَاعِ).
بعد أن ذكر لنا المؤلف عدة مسائل، وهي حكم الرضاع، وعدد الرضعات التي تُحرِّم، وسن الرضاع، وقضية وصول اللبن عن طريق الفم أو غيره، إلى غير ذلك من المسائل، وصل إلى قضية الشهادة. كيف يثبت الرضاع؟ هل يكفي في ذلك شهادة امرأة؟ أم لا بد من شهادة امرأتين؟ أم لا بدَّ من شهادة أربع؟ أم شهادة رجلٍ وامرأتين؟ والله نصَّ في الشهادة على رجلٍ وامرأة، وبيَّن ذلك في كتابه العزيز؛ فقال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢].
فبعض العلماء قال: يكفي شهادة امرأةٍ واحدة، لكنهم قيَّدوا ذلك بأن تكون مرضيَّة عند الناس، موثوقٌ بها، أمينةٌ في دينها وفي عدالتها (١).
وبعضهم قال: يكفي شهادة امرأةٍ واحدة مع يمينها (٢).
стр. 5949
وبعضهم قال: لا بد من شهادة امرأتين، وبعضهم اشترط مع ذلك فُشُوَّ الأمر: أي: انتشاره (١).
وبعضهم قال: لا بد من شهادة أربع نساء (٢).
وبعضهم قال: لا بدَّ من شهادة رجلٍ وامرأتين؛ لأن هذا هو الذي نصَّ الله عليه في كتابه العزيز، وهذا هو المعروف أو المشهور عن أبي حنيفة (٣)، وأُثر عن عمر ﵁ (٤).
فمذهب الشافعية (٥): أربع من النسوة، ومن قال: لا بد من شهادة امرأتين هي رواية عن الإمامين مالك (٦) وأحمد؛ فأحمد له ثلاث روايات في المسألة.
стр. 5950
الرواية الأولى: يكفي شهادة امرأة واحدة مرضيّة (١).
الثانية: لا بد من شهادة امرأةٍ واحدة مع يمينها (٢).
الثالثة: لا بد من شهادة امرأتين (٣).
أما من قال: شهادة امرأةٍ واحدةٍ مرضيّة فسيأتي دليل ذلك وهو حديث عقبة بن الحارث. واشترطوا مرضية، أي: تكون مأمونة في هذا المقام.
ومَن قال: مع يمينها فاستدلَّ أحمد على ذلك بما أُثر عن عبد الله بن عباسٍ ﵄ في قصة امرأةٍ جاءت إلى زوجين، فقالت: أرضعتهما، فقال عبد الله بن عباس: يُفرَّق بينهما إذا حلفت. ثم قال عبد اللّه بن عباس: فإن كانت كاذبةً فلن يحول عليها الحول حتى يبيض ثديها (٤)، يعني: يصيبه
стр. 5951
البرص. فهذا حُجة للذين قالوا بأنه لا بدَّ من اليمين. لكن الشاهد هنا عبد اللّه بن عباس قال: "فإن كانت كاذبة لا يحول عليها الحول حتى يبيضَّ ثديها".
فالعلماء وقفوا عند هذا وقالوا: هذا يُعطى حكم المرفوع؛ لأنه لا يمكن أن يقول ذلك عبد الله بن عباس برأيٍ أو قياس؛ لأنه جاء ذلك عن طريق الخبر؛ فكأنه قطع به، فهو حكمٌ توقيفيّ؛ لأنه قال: لا يحول عليها الحول حتى يبيضَّ ثديها. وبهذا نتبين خطورة الأمر من الجانبين، فلا يحلّ لامرأة أن تأتي فتفرِّق بين زوجين وهي كاذبة في هذا الأمر، أو غير متأكدةٍ من ذلك، أو تكون حاجةٌ في نفسها إما أنها حملت ضغينةً على أحد الزوجين، أو على أحدهما فتأتي فتنشر ذلك فتحصل الفُرقة بينهما. وهذا بلا شكَّ ستنال عقوبته في الآخرة؛ لأنها فرَّقت بين زوجين على غير حق، ولا يجوز لامرأةٍ تؤمن باللّه واليوم الآخر تعلم أن زوجين قد اجتمعا على أمرٍ غير جائز، أي: رضعا معًا، فلا يجوز لها أن تكتم ذلك، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. إذًا: لا يجوز كتم هذا الأمر، ولا يجوز أيضًا الكذب فيه، وإنما يؤدَّى الحق في هذا المقام؛ فينبغي للمسلم أن ينتبه لهذا الأمر.
ولذلك يقول العلماء: الشاهد لا بد أن يحدد، وما يكفي أن يقول فلانٌ أخٌ لفلان، فلا بدَّ أن يحدد الرضاعة، ونصَّ العلماء على ذلك؛ لأن الأمر ليس بسهل، وقد حصل تفريق في بيوتاتٍ في زمن عثمان ﵁ كما ذكر ذلك الإمام الزهري (١) والأوزاعي (٢)، وقد نقلوا في ذلك قصصًا، وحُكي أيضًا عن الإمام مالك في ذلك.
إذًا قضية الرضاع إذا ثبت يُفرَّق بين الزوجين، ويثبت النسب بالنسبة
стр. 5952
للأولاد إلى الأب، وهم أولاد لهما، ولا إثم عليهما في هذا، لكن لا يجوز أن يبقَ النكاح؛ إذ أنه أصبح أخًا لها.
* قوله: (فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: لَا تُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ) (١).
لماذا قالوا: لا تُقبل إلا شهادة امرأتين؟ لأنهم قالوا: المعروف بأن شهادة الرجال لا يُقبل فيها أقل من رجلين، والرجل أكمل من المرأة. إذًا إذا كانت شهادة الرجال يُشترط فيها توفر اثنين عدلين، فمن باب أولى أن يُشترط ذلك في النساء؛ يعني: أقل ما يُقال في ذلك: أن يُشترط امرأتان؛ لأن الرجال أكمل، وما دام الرجال أكمل فينبغي ألا يقل عدد النساء عن امرأتين. هذه هي حُجَّة الذين قالوا باشتراط امرأتين.
*قولة: (وَقُومًا قَالُوا: لَا تُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا شَهَادَةُ أَرْبَعٍ) (٢).
وكذلك الذين قالوا شهادة أربع، قالوا: لأن هذا أمر إنما يثبت بشهادة النساء فيما لا يطَّلع عليه إلا النساء. إذًا تثبت به شهادة النساء. فهناك رجلان، والرجل الواحد يساوي امرأتين كما قال الله : ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾، ثم قال: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾. فالرجل يقابل امرأتين، إذًا يكون الأربع، فهؤلاء أخذوا بمفهوم الآية، وليس بمنطوقها.
وقول عند أبي حنيفة: أنه لا بد في الشهادة من وجود رجلٍ وامرأتين؛ إذْ أخذوا بنص الآية. لكن هذا مطلق وليس في الرضاع.
*قوله: (وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَعَطَاءٌ (٣)، وَقَوْمًا قَالُوا: تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ).
стр. 5953
وهذه رواية عن الإمام أحمد (١)، وهي أيضًا قولٌ لبعض المالكية (٢).
وهي رواية عن الإمام مالك (٣).
* قوله: (وَالَّذِينَ قَالُوا: تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ مِنْهُمْ مَنِ اشْتَرَطَ فِي ذَلِكَ فُشُوَّ قَوْلِهِمَا بِذَلِكَ قَبْلَ الشَّهَادَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَابْنِ القَاسِمِ) (٤).
هذا عند المالكية، أي: ينتشر بين الناس ويتداولونه ويتناقلونه في مجالسهم، ثم بعد ذلك تأتي الشهادة؛ فكأنها رفعت الخلاف كما قيل: "قطعت جهيزة قول كل خطيب" (٥).
стр. 5954
* قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْه، وَهُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ وَابْنِ المَاجِشُونِ (١). وَالَّذِينَ أَجَازُوا أَيْضًا شَهَادَةَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ فُشُوَّ قَوْلِهَا قَبْلَ الشَّهَادَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ) (٢).
هذه رواية لأبي حنيفة، وله رواية أخرى معروفة في المذهب أنه لا بد من شهادة رجليْن أو رجلٍ وامرأتين، آخذًا بنص الآية: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢].
* قوله: (وَمِنْهُمْ مَنِ اشْتَرَطَ ذَلِكَ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ أَقَلَّ مِنَ اثْنَتَيْنِ. وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ أَمَّا بَيْنَ الأَرْبَعِ وَالاثْنَتَيْنِ، فَاخْتِلَافُهُمْ فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ هَلْ عَدِيلُ كُلِّ رَجُلٍ هُوَ امْرَأَتَانِ فِيمَا لَيْسَ يُمْكِنُ فِيهِ شَهَادَةُ الرَّجُلِ؟ أَوْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ امْرَأَتَان؟).
أي: هل شهادة المرأة تعادل رجلًا؟ أم أن شهادة امرأتين تعادل رجلًا واحدًا؟ هذا معنى عديل، وعدل، أي: تساوي، وتعادله.
стр. 5955
* قوله: (وَسَتَأْتِي هَذه المَسْأَلَةُ فِي كتَابِ الشَّهَادَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى).
سيأتي تفصيلها إن شاء الله وبيانها تفصيلًا وتوضيحًا في أبواب الشهادات، فذاك هو محلها الذي يُفصَّل القول فيه.
* قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي قَبُولِ شَهَادَةِ المَرْأَةِ الوَاحِدَةِ، فَمُخَالَفَةُ الأَثَرِ الوَارِدِ فِي ذَلِكَ لِلْأَصلِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ، أَعْنِي: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنَ الرِّجَالِ أَقَلُّ مِنَ اثْنَيْنِ).
الشهادات تختلف؛ فمن الشهادات من لا يُقبل فيها إلا أربع وهي الشهادة على الزنا؛ لأن الرسول ﷺ عندما جاءه هلال بن أميَّة وقذف امرأته، قال له: "البينة أو حدٌّ في ظهرك" (١).
والمراد بتلك البينة: وجود أربعة شهود، وهذا نصَّ الله عليه في سورة النور. وبعضها بالنسبة للأموال وغيرها، وهي أكثر الأحكام التي يُقبل فيها شهادة رجليْن.
*قوله: (وَأَنَّ حَالَ النِّسَاءِ فِي ذَلِكَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَضْعَفَ مِنْ حَالِ الرِّجَالِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ أَحْوَالُهُنَّ فِي ذَلِكَ مُسَاوِيَةً لِلرِّجَالِ، وَالإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِشَهَادَةِ وَاحِدَةٍ (٢)، وَالأَمْرُ الوَارِدُ فِي ذَلِكَ هُوَ حَدِيثُ: عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ قَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً،