← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.

стр. 5951

البرص. فهذا حُجة للذين قالوا بأنه لا بدَّ من اليمين. لكن الشاهد هنا عبد اللّه بن عباس قال: "فإن كانت كاذبة لا يحول عليها الحول حتى يبيضَّ ثديها". فالعلماء وقفوا عند هذا وقالوا: هذا يُعطى حكم المرفوع؛ لأنه لا يمكن أن يقول ذلك عبد الله بن عباس برأيٍ أو قياس؛ لأنه جاء ذلك عن طريق الخبر؛ فكأنه قطع به، فهو حكمٌ توقيفيّ؛ لأنه قال: لا يحول عليها الحول حتى يبيضَّ ثديها. وبهذا نتبين خطورة الأمر من الجانبين، فلا يحلّ لامرأة أن تأتي فتفرِّق بين زوجين وهي كاذبة في هذا الأمر، أو غير متأكدةٍ من ذلك، أو تكون حاجةٌ في نفسها إما أنها حملت ضغينةً على أحد الزوجين، أو على أحدهما فتأتي فتنشر ذلك فتحصل الفُرقة بينهما. وهذا بلا شكَّ ستنال عقوبته في الآخرة؛ لأنها فرَّقت بين زوجين على غير حق، ولا يجوز لامرأةٍ تؤمن باللّه واليوم الآخر تعلم أن زوجين قد اجتمعا على أمرٍ غير جائز، أي: رضعا معًا، فلا يجوز لها أن تكتم ذلك، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. إذًا: لا يجوز كتم هذا الأمر، ولا يجوز أيضًا الكذب فيه، وإنما يؤدَّى الحق في هذا المقام؛ فينبغي للمسلم أن ينتبه لهذا الأمر. ولذلك يقول العلماء: الشاهد لا بد أن يحدد، وما يكفي أن يقول فلانٌ أخٌ لفلان، فلا بدَّ أن يحدد الرضاعة، ونصَّ العلماء على ذلك؛ لأن الأمر ليس بسهل، وقد حصل تفريق في بيوتاتٍ في زمن عثمان ﵁ كما ذكر ذلك الإمام الزهري (١) والأوزاعي (٢)، وقد نقلوا في ذلك قصصًا، وحُكي أيضًا عن الإمام مالك في ذلك. إذًا قضية الرضاع إذا ثبت يُفرَّق بين الزوجين، ويثبت النسب بالنسبة

стр. 5952

للأولاد إلى الأب، وهم أولاد لهما، ولا إثم عليهما في هذا، لكن لا يجوز أن يبقَ النكاح؛ إذ أنه أصبح أخًا لها. * قوله: (فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: لَا تُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ) (١). لماذا قالوا: لا تُقبل إلا شهادة امرأتين؟ لأنهم قالوا: المعروف بأن شهادة الرجال لا يُقبل فيها أقل من رجلين، والرجل أكمل من المرأة. إذًا إذا كانت شهادة الرجال يُشترط فيها توفر اثنين عدلين، فمن باب أولى أن يُشترط ذلك في النساء؛ يعني: أقل ما يُقال في ذلك: أن يُشترط امرأتان؛ لأن الرجال أكمل، وما دام الرجال أكمل فينبغي ألا يقل عدد النساء عن امرأتين. هذه هي حُجَّة الذين قالوا باشتراط امرأتين. *قولة: (وَقُومًا قَالُوا: لَا تُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا شَهَادَةُ أَرْبَعٍ) (٢). وكذلك الذين قالوا شهادة أربع، قالوا: لأن هذا أمر إنما يثبت بشهادة النساء فيما لا يطَّلع عليه إلا النساء. إذًا تثبت به شهادة النساء. فهناك رجلان، والرجل الواحد يساوي امرأتين كما قال الله : ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾، ثم قال: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾. فالرجل يقابل امرأتين، إذًا يكون الأربع، فهؤلاء أخذوا بمفهوم الآية، وليس بمنطوقها. وقول عند أبي حنيفة: أنه لا بد في الشهادة من وجود رجلٍ وامرأتين؛ إذْ أخذوا بنص الآية. لكن هذا مطلق وليس في الرضاع. *قوله: (وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَعَطَاءٌ (٣)، وَقَوْمًا قَالُوا: تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ).

стр. 5953

وهذه رواية عن الإمام أحمد (١)، وهي أيضًا قولٌ لبعض المالكية (٢). وهي رواية عن الإمام مالك (٣). * قوله: (وَالَّذِينَ قَالُوا: تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ مِنْهُمْ مَنِ اشْتَرَطَ فِي ذَلِكَ فُشُوَّ قَوْلِهِمَا بِذَلِكَ قَبْلَ الشَّهَادَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَابْنِ القَاسِمِ) (٤). هذا عند المالكية، أي: ينتشر بين الناس ويتداولونه ويتناقلونه في مجالسهم، ثم بعد ذلك تأتي الشهادة؛ فكأنها رفعت الخلاف كما قيل: "قطعت جهيزة قول كل خطيب" (٥).

стр. 5954

* قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْه، وَهُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ وَابْنِ المَاجِشُونِ (١). وَالَّذِينَ أَجَازُوا أَيْضًا شَهَادَةَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ فُشُوَّ قَوْلِهَا قَبْلَ الشَّهَادَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ) (٢). هذه رواية لأبي حنيفة، وله رواية أخرى معروفة في المذهب أنه لا بد من شهادة رجليْن أو رجلٍ وامرأتين، آخذًا بنص الآية: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]. * قوله: (وَمِنْهُمْ مَنِ اشْتَرَطَ ذَلِكَ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ أَقَلَّ مِنَ اثْنَتَيْنِ. وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ أَمَّا بَيْنَ الأَرْبَعِ وَالاثْنَتَيْنِ، فَاخْتِلَافُهُمْ فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ هَلْ عَدِيلُ كُلِّ رَجُلٍ هُوَ امْرَأَتَانِ فِيمَا لَيْسَ يُمْكِنُ فِيهِ شَهَادَةُ الرَّجُلِ؟ أَوْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ امْرَأَتَان؟). أي: هل شهادة المرأة تعادل رجلًا؟ أم أن شهادة امرأتين تعادل رجلًا واحدًا؟ هذا معنى عديل، وعدل، أي: تساوي، وتعادله.

стр. 5955

* قوله: (وَسَتَأْتِي هَذه المَسْأَلَةُ فِي كتَابِ الشَّهَادَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى). سيأتي تفصيلها إن شاء الله وبيانها تفصيلًا وتوضيحًا في أبواب الشهادات، فذاك هو محلها الذي يُفصَّل القول فيه. * قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي قَبُولِ شَهَادَةِ المَرْأَةِ الوَاحِدَةِ، فَمُخَالَفَةُ الأَثَرِ الوَارِدِ فِي ذَلِكَ لِلْأَصلِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ، أَعْنِي: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنَ الرِّجَالِ أَقَلُّ مِنَ اثْنَيْنِ). الشهادات تختلف؛ فمن الشهادات من لا يُقبل فيها إلا أربع وهي الشهادة على الزنا؛ لأن الرسول ﷺ عندما جاءه هلال بن أميَّة وقذف امرأته، قال له: "البينة أو حدٌّ في ظهرك" (١). والمراد بتلك البينة: وجود أربعة شهود، وهذا نصَّ الله عليه في سورة النور. وبعضها بالنسبة للأموال وغيرها، وهي أكثر الأحكام التي يُقبل فيها شهادة رجليْن. *قوله: (وَأَنَّ حَالَ النِّسَاءِ فِي ذَلِكَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَضْعَفَ مِنْ حَالِ الرِّجَالِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ أَحْوَالُهُنَّ فِي ذَلِكَ مُسَاوِيَةً لِلرِّجَالِ، وَالإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِشَهَادَةِ وَاحِدَةٍ (٢)، وَالأَمْرُ الوَارِدُ فِي ذَلِكَ هُوَ حَدِيثُ: عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ قَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً،

стр. 5956

فَأَتَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا"، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ دَعْهَا عَنْكَ" (١)). انظروا إلى هذا الرجل كيف كان حرصه، والمؤمنون بحمد الله في كل وقت وفي كل زمان يحرصون على ما يتعلق بأمور دينهم، ودائمًا المؤمن التقي النقي الورع يحرص على أن تكون أعماله على وَفق الكتاب والسُّنة، وهؤلاء هم الذين وصفهم الله تعالى بأنهم ﴿الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤]. * قوله: (وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ هَذَا الحَدِيثَ عَلَى النَّدْبِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأصُولِ وَهُوَ أَشْبَه، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ). قول المؤلف: "وهو أشبه" فهذا غير مُسلَّم؛ لأن الرجل جاء قد قطع المسافات، وفي بعض الروايات: "أنه جاء من مكة، وأنه قد امتطى راحلته، وقد جاء إلى رسول الله ﷺ متأثِّرًا، ولا يمكن في قضية مثل هذه أن يوجد زوجان ثم بعد ذلك يُفرَّق بينهما، فليس ذلك أمرًا سهلًا، وقد يكون في ذلك أيضًا بعض الأولاد؛ فليس الأمر بهذه السهولة أن يقال بأنه ندب، فالرجل حرص وحاول أن يقول: لعلها كاذبة، يريد أن يجد منفذًا ومخرجًا من هذا الموقف الشديد الحرج الذي وقع فيه؛ لكن الرسول ﷺ قال له: "كيف وقد قيل؟ كيف وقد زعمت أنها أرضعتكما؟ خلِّ سبيلها". أي: اتركها، فالأمر واضح جدًّا. وقد حصل التفريق في زمن عثمان ﵁، فتناقل ذلك السلف، وهذا قد يحضل، إنما الخطأ أن يَقدُم الإنسان على أمرٍ من هذه الأمور وهو يعلم ذلك. أما لو قُدِّر أن الإنسان وقع في خطإ فتزوَّج فتاةً قد رضعت معه وهو لا يدري فلا إثم عليه في هذا المقام، ولا يغير أمرًا من الأمور، فالنسب بالنسبة للأولاد قائم. فربما يوجد من بعض النفوس الضعيفة مَن يحاول أن يستغلَّ مثل هذه المواقف، وربَّما يؤثر على الأولاد ونحو ذلك، لكن هذا حكم الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا

стр. 5957

دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]. * قوله: (المَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: وَأَمَّا صِفَةُ المُرْضِعَةِ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُحَرِّمُ لَبَنُ كلِّ امْرَأَةٍ بَالِغٍ وَغَيْرِ بَالغٍ) (١). هذه مسائل جزئية أدرجها المؤلف ضمن هذه المسألة؛ منها صفة المرضعة. فهل هناك وصفٌ خاصٌّ يوجد في المرأة التي يُحرِّم رضاعها؟ أم أن ذلك مطلق؟ الصحيح أن ذلك مطلق؛ فهذه المرأة سواءٌ كانت صغيرة أم كبيرة، يائسة أم غير يائسة، وسواء كانت حاملًا أم غير حامل، متزوجة أم غير متزوجة، مطلقة أم غير مطلقة، ما دام أن ثديها يُدرّ اللبن، وأنها قد أرضعت فإن ذلك يُحرِّم. *قوله: (وَاليَائِسَةِ مِنَ المَحِيضِ كانَ لَهَا زَوْجٌ أَمْ لَمْ يَكُنْ، حَامِلًا كانَتْ أَوْ غَيْرَ حَامِلٍ، وَشَذَّ بَعْضُهُمْ فَأَوْجَبَ حُرْمَةً لِلَبَنِ الرَّجُلِ، وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ). ربما يكون هذا هذا رأي المؤلف، أو ربما لم يطلع، ولكن هذا قال به عالمٌ مشهور؛ فهو نُقل عن (الإمام الكرابيسي) (٢)، وهو من العلماء المشهورين، من علماء القرن الثالث، وهو من علماء الشافعية الذين اشتهروا بفقههم وبغزارة علمهم، وكان ممَّا يُرجع إليه وتخرَّج عليه عددٌ من التلاميذ. لكن ليس معنى هذا أن قوله صحيح، فهو يذهب إلى أن لبن الرجل يُحرِّم؛ قياسًا على المرأة، فيقول: هو آدمي وهذه آدمية فلا مانع،

стр. 5958

والكرابيسي اثنان، والمقصود من ذلك: المتقدم، وهو: أبو علي الحسين بن علي البغدادي (١). وهناك الكرابيسي صاحب القواعد (٢) المتأخر عن ذلك. لكن هذا قولٌ انفرد به، وهو - كما قال المؤلف - شاذ. لكن قول المؤلف: لا يحصل وربما قد يحصل ذلك. ولذلك ردوا عليه ما قالوا بأنه مُستحيل، وهم أكابر العلماء (٣)، وقالوا: هذا لا يُحرِّم، بمعنى: لا ينشر الحُرمة؛ لأن المرأة الأصل فيها أنها مكانٌ للولادة، أما الرجل فليس كذلك، إذًا لا حُرمة هنا، فالقياس هنا قياسٌ مع الفارق.

стр. 5959

* قوله: (وَإِنْ وُجِدَ، فَلَيْسَ لَبَنًا إِلَّا بِاشْتِرَاكِ الاسْمِ، وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا البَابِ فِي لَبَنِ المَيِّتَةِ). الحياة تختلف عن الموت؛ فالإنسان يعيش في هذه الحياة الدنيا، ثم بعد ذلك ينتهي أجله فيها، فبعد ذلك ينقطع عمله في هذه الحياة إلا كما قال الرسول ﷺ : "إذا مات ابنُ آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (١). أما بقية ذلك فلا ينفعه إلا ما قدَّم من الأعمال الصالحة، وهذه هي التي سيجدها، وهي التي ستوضع في ميزانه، ولا بد أيضًا أن يكون مع ذلك رحمة الله ؛ فإذا كان الرسول ﷺ يقول: "إلا أن يتغمدني الله برحمته" (٢). فما بالك بغيره من الناس! إذًا هذه المرأة إذا تُوفِّيت، وبقي شيءٌ من اللبن في ثديها فامتصَّه جنينٌ، هل هذا ينشر الحُرمة أم لا؟ إذ هي قد تغيَّر حالها؛ فبعد أن كانت من الأحياء أصبحت في عِداد الأموات. والموت يؤدي إلى نجاسة بدن الإنسان، ولذلك يُغسّل الإنسان، فهل وجود الموت أو النجاسة تؤثر أم لا؟ بعض العلماء وهو - مذهب الحنفية (٣)، والحنابلة (٤) - يرى: أن لبن

стр. 5960

الميتة ينشر الحُرمة؛ لأنها آدمية، فلا يختلف الحال، فلو أن هذه المرأة أُخذ من لبنها في إناء، أي: حلبت مثلًا في إناء فبقي في هذا الإناء، فلما ماتت أرضع منه هذا الطفل الرضعات المعروفة فإنه يُحرِّم. أما الشافعية (١): فيرون أنه لا يُحرِّم، ووجهتهم في ذلك: أنها ليست محلًّا للولادة. وذكرنا قبل قليل أنهم فرَّقوا بين الرجل والمرأة؛ لأن المرأة محلٌّ للولادة، وهنا أيضًا قالوا: بأنها لم تكن مكانًا للولادة؛ لأنه انقطع ذلك الأمر فلا يُحرِّم لبنُها. ولا شكَّ أن وجهة الذين قالوا بالتحريم ظاهرة في هذا المقام فيما يظهر لي واللّه أعلم. * قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ هَلْ يَتَنَاوَلُهَا العُمُومُ؟ أَوْ لَا يَتَنَاوَلُهَا؟ وَلَا لَبَنَ لِلْمَيِّتَةِ إِنْ وُجِدَ لَهَا إِلَّا بِاشْتِرَاكِ الاسْمِ). الحقيقة أن لها لبن، وقد يوجد في ثديها. * قوله: (وَيَكَادُ أَنْ تَكُونَ مَسْأَلَةً غَيْرَ وَاقِعَةٍ، فَلَا يَكُونُ لَهَا وُجُودٌ إِلَّا فِي القَوْلِ). بل هي واقعة، وهذا غريب من المؤلف؛ إذ إنه قال به أكثر العلماء،

стр. 5961

فهذا مذهب الحنفية والحنابلة، يقولون بهذا القول. وكما ترون يعلِّلون بهذا القول، فليس هذا قولًا مرجوحًا ولا شاذًّا، بل أخذ به الحنفية وكذلك الحنابلة. ولذلك قلت: مِن المآخذ التي نأخذها نحن في هذا الكتاب هي تلك، وفيه مزايا، وربما لا توجد في غيره من حيث الترتيب والعناية، ومن كوْنه أُسّس هذا الكتاب على قواعد؛ فهي أمهات مسائل؛ لكن عيب هذا الكتاب أنه ينقصه الجانب الحديثي؛ فأحيانًا يعالج المسألة ويدرسها دراسة عقلية؛ لأنه لم يقف على الدليل. والأمر الآخر: أنه أحيانًا يُقصِّر في معرفة المذاهب؛ لأنه يُعوِّل على كتاب (الاستذكار) لابن عبد البر، وقد نصَّ على ذلك في كتاب القذف، فقال: "وإنما عوَّلت في نقل المذاهب على كتاب "الاستذكار" لابن عبد البر؛ فإن ذكرَ ذكرت، وإن سكتَ سكتُّ". ولذلك ترون أنه يذكر الإمام أحمد أحيانًا ويسكت عنه حينًا آخر. قال المصنف رحمه الله تعالى: (الفصل الرابع فِي مَانعِ الزِّنَا وَاخْتَلَفُوا فِي زَوَاجِ الزَّانِيَةِ، فَأَجَازَ هَذَا الجُمْهُورُ (١)، وَمَنَعَهَا قَوْمٌ (٢)، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا

стр. 5962

يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]، هَلْ حرَجَ مَخْرَجَ الذَّمِّ؟ أَوْ مَخْرَجَ التَّحْرِيمِ؟ (١)، وَهَلِ الإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣] إِلَى الزِّنَا؟ (٢) أَوْ إِلَى النِّكَاحِ؟). هذه مسألة يبدو أن المؤلف لم يبحثها بحثًا دقيقًا، وهي حقيقة بحاجة إلى العناية، وأن نفصل القول فيها، وأن نبينها. الله يقول: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾. فمن العلماء من قال: لا يجوز أن يتزوج الزاني الزانية حتى وإن تابت، للآية الكريمة. ومن العلماء: من توسع في هذا المقام فقال: يجوز مطلقًا. ومن العلماء من قال: لا يجوز أن تنكح الزانية إلا بتوفر شرطين: الشرط الأول: أن تستبرأ بعدة؛ يعني: انقضاء عدتها حتى يطمئن

стр. 5963

على براءة الرحم من وجود حمل، حالها كحال المطلقة تمامًا؛ فإن كانت حاملًا فإنها تنتهي عدتها بوضع الحمل. هذا الشرط التقى فيها المالكية (١) والحنابلة (٢). الشرط الثاني: أن تتوب إلى الله توبة نصوحة وأن تندم. وهذا انفرد به الحنابلة (٣). واستدلوا بعدة أدلة: - أول هذه الأدلة: قوله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءَه زرع غيره" (٤)، يعني: المرأة الحامل لا ينبغي أن يطأها غير زوجها. - ويدل على ذلك قوله ﷺ : "لا توطأ حامل حتى تضع" (٥). فالحديثان يدلان على أنه ينبغي أن تستبرأ الحامل، ولا فوق بين الزانية وبين غيرها؛ لأن القصد من ذلك هو تبرئة الرحم. وأما ما يتعلق بالتوبة: - فإن الرسول ﷺ قال: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" (٦).

стр. 5964

- ويقول ﷺ : "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر الله لهم" (١). أما الحنفية (٢) والشافعية (٣): فإنهم لا يرون هذين الشرطين. يقولون: يجوز أن تنكح الزانية، ولا فرق بين أن يكون من يتزوجها هو الزاني بها أو غيره، لأن عمر ﵁ عندما ضرب رجلًا وامرأة في الزنا حرص على أن يجمع بينهما، فأبى الرجل ذلك (٤)، ولو لم يكن ذلك جائزًا لما فعله ولو كان هناك شرط لبينه عمر. وقالوا: هذه المرأة لا تكون فراشًا للرجل الذي زنى بها، ولا يلحق أيضًا النسب به؛ إذن لا قيمة لذلك ولا آثر له. والذين قالوا لا بد من التوبة قالوا: وما يدرينا أن عمر ﵁ لم يطلب منهما التوبة، ليس في ذلك ما يدل على أن عمر لم يستتبهما أو استتابهما، فنبقى على الأصل وهو أن التوبة مطلوبة. ثم إن الرجل لو تزوج امرأة زانية وبقيت على هذا الأمر؛ فإنه لا يأمن أن تجر إلى فراشه وإليه أولادًا من غيره والله تعالى يقول: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ فينبغي أن يكون نكاحها بعد أن تتوب إلى الله ؛ ولذلك يقول الرسول ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن " (٥).

стр. 5965

فلا بد من شرطين، منهما: - أن تتوب إلى الله توبة نصوحة فإذا تابت فإنه يغفر لها؛ لأن الله تعالى يقول في شأن الكافرين: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وهذه قد ارتكبت كبيرة، وقد قال الله في وصف عباد الرحمن: ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] ثم قال في سورة الإسراء: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢] فاحشة: من الفحش، وساء سبيلًا: ساء طريقًا ومنهجًا يسلكه (١). ومن العلماء من قال: إنه يجوز أن يتزوج الإنسان الزانية شريطة ألا يكون قد زنى بها، وهذا قد أُثر عن ثلاثة من الصحابة عن عبد الله بن مسعود والبراء بن عازب وعائشة ﵃؛ فإنهم قالوا: "لا يزالان زانيين ما اجتمعا" (٢)، أما غير الزاني فله أن يتزوجها. وقد أجاب بعض العلماء عن ذلك بأن قالوا: لعل قصدهما إذا لم يتوبا، أما إن تابت هذه المرأة فلا تدخل في هذا التحذير. هذا تأويل وكلام هولاء الصحابة ﵃. > قوله: (وَإِنَّمَا صَارَ الجُمْهُورُ لِحَمْلِ الآيَةِ عَلَى الذَّمِّ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ؛ لِمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ: "أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي زَوْجَتِهِ أَنَّهَا لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵊: "طَلِّقْهَا"، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أُحِبُّهَا. فَقَالَ لَهُ: "فَأَمْسِكْهَا" (٣)). هذه كناية قد تصرف إلى الزنا حقيقة وقد تصرف إلى غيره.

стр. 5966

والذين يرون التحريم يقولون: هذا إقامة للدليل في غير محله، فنحن لا نتكلم عن امرأة في عصمة رجل، ولكن الكلام على امرأة زنت ولم تتب هل يتزوجها أو لا؟ وأما إذا زنت امرأة وهي في عصمة زوجها فيقام عليها الحد وترجم. لكن "لا ترد يد لامس" هذه شبهة؛ الرجل يشك في امرأته؛ ولذلك تكلم العلماء قالوا لا يطلقها؛ هذا هو رأي جماهير العلماء أنه لو اتهم رجل امرأته بالزنا ولم يلاعنها فإن هذا لا يقتضي الطلاق. > قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ أَيْضًا: إِنَّ الزِّنَا يَفْسَخُ النِّكَاحَ بِنَاءً عَلَى هَذَا الأَصْلِ، وَبِهِ قَالَ الحَسَنُ (١)). وعن جابر وبعض التابعين (٢)، لكن جماهير العلماء ومنهم الأئمة الأربعة (٣) يرودن أنه لا يفسخ، وهذه مسألة اعتبرها المؤلف فرعية وهي عند غيره ليست فرعًا.

стр. 5967

* قوله: (وَأَمَّا زَوَاجُ المُلَاعَنَةِ مِنْ زَوْجِهَا المُلَاعِنِ، فَسَنَذْكُرُهَا فِي كتَابِ اللِّعَانِ) (١). قال المصنف رحمه الله تعالى: [الفَصْلُ الخَامِسُ فِي مَانِعِ العَدَدِ] وَاتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ نِكَاحِ أَرْبَعَةٍ مِنَ النِّسَاءِ مَعًا، وَذَلِكَ لِلْأَحْرَارِ مِنَ الرِّجَالِ (٢)، وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعَيْنِ: فِي العَبيدِ، وَفِيمَا فَوْقَ الأَرْبَعِ، أَمَّا العَبِيدُ فَقَالَ مَالِكٌ فِي المَشْهُورِ عَنْهُ (٣): يَجُوزُ أَنْ يَنْكِحَ أَرْبَعًا، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ (٤). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٥)

стр. 5968

وَالشَّافِعِيُّ (١): لَا يَجُوزُ لَهُ الجَمْعُ إِلَّا بَيْنَ اثْنَتَيْنِ فَقَطْ). المملوك هل يقاس على الحر فيلحق به أو لا أو يقتصر على اثنتين؟ أحمد (٢) وجمهور العلماء والرواية الأخرى لمالك التي أخذ بها المالكية: على أنه ليس له أن يتجوز أكثر من اثنتين؛ لأن حده على النصف من حد الحر، وطلاقه أيضًا طلقتان (٣)، والحر له ثلاث (٤)؛ ولذلك لما سأل عمر ﵁ المسلمين الذين معه وكان فيهم عبد الرحمن بن عوف فقال: يتزوج اثنتين وطلاقه اثنتان (٥)؛ إذن هذا أمر اشتهر بين المسلمين

стр. 5969

وعرف، وفي الحد: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]. > قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هَلِ العُبُودِيَّةُ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي إِسْقَاطِ هَذَا العَدَدِ كَمَا لَهَا تَأْثِيرٌ فِي إِسْقَاطِ نِصْفِ الحَدِّ الوَاجِبِ عَلَى الحُرِّ فِي الزِّنَا). قصد المؤلف بالعبودية: الرق بمعنى أن هذا الإنسان مملوك لغيره؛ أي: عبد له (١). وقد تطلق ويقصد بها العبودية لله : أن تعبد الله وحده لا شريك له، فالناس كلهم عبيدهم وأحرارهم عبيد لله ، وفي مقدمتهم محمد بن عبد الله ﷺ كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [لإسراء:١]. وكان رسول الله ﷺ يسر بأن يوصف بأنه عبدٌ لله وكان ﷺ يقول: "لَا تُطْرُونِي" (٢) يعني: لا ترفعوني عن مكانتي "كمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُه، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولهُ" (٣)، فمن أجمل ما تصف به رسول الله ﷺ أن تقول: محمد عبد الله ورسوله. * قوله: (وَكَذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ عِنْدَ مَنْ رَأَى ذَلِكَ؟ وَذَاكَ أَنَّ

стр. 5970

المُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلَى تَنْصِيفِ حَدِّهِ فِي الزِّنَا (١)، أَعْنِي أَنَّ حَدَّهُ نِصْفُ حَدِّ الحُرِّ، وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ ذَلِكَ). وكذلك بالنسبة للعدة على أن الأمة تعتد بحيضة واحدة (٢). * قوله: (وَأَمَّا مَا فَوْقَ الأَرْبَعِ، فَإِنَّ الجُمْهُورَ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الخَامِسَةُ (٣)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ

стр. 5971

وَرُبَاعَ﴾، وَلمَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊: أَنَّهُ قَالَ لِغَيْلَانَ لَمَّا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ: "أَمْسِكْ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ" (١)، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: يَجُوزُ تِسْعٌ (٢)، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَنْ أَجَازَ التِّسْعَ ذَهَبَ مَذْهَبَ الجَمْعِ فِي الآيَةِ المَذْكُورَةِ، أَعْنِي: جَمْعَ الأَعْدَادِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] (٣)). جماهير العلماء من الصحابة والتابعين وممن يعتد بقولهم يقولون: يجوز للحر أن يجمع بين أربعة بنص كتاب الله ، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾. وشذ قوم ممن لا يعتد بقولهم فقالوا: له أن يتزوج تسعة واحتجوا بالآية وعلى أن الواو للجمع ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى﴾ يعنى: اثنتين ﴿وَثُلَاثَ﴾ ثلاثة، اثنتين + ثلاث = خمس، ﴿وَرُبَاعَ﴾ يعني: خمسة + أربعة = تسعة، والرسول ﷺ تزوج تسعة؛ إذن يجوز للإنسان أن يتزوج تسعة. والصحيح: أن الواو ليست للجمع وإنما هي للتخبير، كما في قوله تعالى في وصف الملائكة: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾؛ فإنه لو أراد بذلك الجمع لكان في الآية ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ تسعة.

стр. 5972

وليس من أسلوب القرآن أنه يطيل، وإنما المعروف في أسلوب القرآن أنه معجز في بلاغته معجز في أسلوبه معجز في معانيه (١). وأما ما يتعلق بالرسول ﷺ فذلك خاص به ﷺ (٢)، وتعديد الرسول ﷺ لم يكن الغرض منه قضاء الوطر، وإنما هناك حكم من بينها أنه أراد في بعض تلك الزوجات أن يحقق قول القائل: "ارحموا عزيز قوم" (٣). فدعوى من يقول: إن التعدد ما زاد عن الأربع؛ هذا غير صحيح.

стр. 5973

وقد ثبت أن غيلان الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له رسول الله ﷺ : "أمسك أربعًا وفارق سائرهن" (١). وابن معاوية أسلم وتحته خمس نسوة فقال له الرسول ﷺ : "فارق الخامسة" (٢). وقد حكى الإجماع على ذلك ابن قدامة صاحب كتاب "المغني" (٣)، وكذلك الحافظ العلامة ابن حجر في كتابه "فتح الباري"، ونص على تلك الطائفة الذين خرجوا عن الطريق السوي تنكبوه (٤). أما دعوى بعض العلماء بأن هناك من ذهب إلى الزيادة ونسب ذلك إلى العمران من الشافعية ولغيره؛ فهذا كلام غير صحيح (٥). قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 5974

[الفَصلُ السَّادِسُ فِي مَانِعِ الجَمْعِ] وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ بعَقْدِ نِكَاحٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] (١)). وقبلها: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. وهذه الآية سردت لنا عددًا من المحرمات: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ ثم ختمها بقوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ يعني: ما سلف في الجاهلية. ولهذا نجد عقودًا كانت في الجاهلية وربما لم تبن على أمر صحيح لكنه صحح في الإسلام شريطة ألا يكون هناك محرم؛ كأن يكون في العقد

стр. 5975

جمع بين امرأة وبنتها أو أختين من نسب أو رضاع أو بين ابن وامرأة أبيه فهذه لا يجوز أن تقرَّ وينهى العقد. فقوله ﷺ : ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾؛ يعني: مما تقره هذه الشريعة، أما ما لا تقره فلا يمكن الجمع بين محرمين، ولم يخالف في ذلك أحد فيما يتعلق في الجمع بين الأختين في النكاح، ولا بينهما في الرضاع. لكننا عندما نلقي نظرة في هذه الآية نجد أنها أطلقت بعد أن ذكر الله تعالى جملة من المحرمات قال: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ ولفظ الأختين مطلق يشمل في ظاهره الأختين الشقيقتين والأختين من الأب والأختين من الأم، ويدخل الأخوات من الرضاع ولا خلاف بين العلماء في ذلك (١). * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِمِلْكِ اليَمِينِ، وَالفُقَهَاءُ عَلَى مَنْعِهِ (٢)، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى إِبَاحَةِ ذَلِكَ (٣)، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ

стр. 5976

عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] لِعُمُومِ الاسْتِثْنَاءِ فِي آخِرِ الآيَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الاسْتثْنَاءَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ لِأَقْرَب مَذْكُورٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ لِجَمِيعِ مَا تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ مِنَ التَّحْرِيمِ إِلَّا مَا وَقَعَ الإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِيهِ، فَيَخْرُجُ مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ مِلْكُ اليَمِينِ، وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَعُودَ إِلَّا إِلَى أَقْرَبِ مَذْكورٍ، فَيَبْقَى قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ عَلَى عُمُومِهِ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ عَلَّلْنَا ذَلِكَ بِعِلَّةِ الأُخُوَّةِ، أَوْ بِسَبَبٍ مَوْجُودٍ فِيهِمَا). لا خلاف بين العلماء في الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها (١) في ملك اليمين، للإنسان أن يبيع ويشتري ما شاء، والخلاف إنما هو في الوطء: هل للإنسان أن ينكح يطأ هاتين الأختين معًا؟ جمهور العلماء على أنه ليس له أن يجمع بين أختين في الوطء بملك

стр. 5977

اليمين؛ فإن وطئ إحداهما ثم بعد ذلك أراد الأخرى فلا (١)، يقولون: إن سائر مَن ذكر في هذه الآية إنما نصت الآيه على تحريمهن سواء كن في النكاح أو كن في ملك اليمين. وأحمد لما سئل عن تحريم وطء الأختين بملك اليمين قال: لا أقول حرامًا ولكن ننهى عن ذلك (٢)، فأجاب عنه بعض العلماء بأن مراده ﵀ بأنه لم يقطع بالتحريم تأدبًا مع أصحاب رسول الله ﷺ (٣)؛ فإنه قد أثر عن عمر (٤) وعن عثمان (٥) وعن علي (٦) وعن ابن عمر (٧) وعن ابن عباس (٨) وغيرهم من الصحابة ﵃ أنهم كرهوا ذلك ولم يحرموه.

стр. 5978

وحكي عن أهل الظاهر أنهم أباحوا الجمع بين الأختين في الوطء بملك اليمين (١). قال الجمهور: كل ما ورد في هذه الآيه فإنه محرم في النكاح وفي الرضاع وفي ملك اليمين؛ فلماذا أخرج الجمع بين الأختين بملك اليمين من بين هذه المحرمات؟ فإن قيل: لأن الآية لا تشمل الإماء. قيل: فلماذا أخرج الجمع بين الموطوءة بملك اليمين وبين أمها؛ لم يقل أحد أنه يجمع بين هذه في ملك اليمين بالوطء وبين موطوءة الأب، ولا بينها وبين موطوءة الابن؛ إذن لماذا خصت هذه من بينها؟ الأمر الآخر: أنهم قالوا: الآية الأولى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ هذه عامة خصت بهذه الآيه: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾. قالوا: وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فهذه لها سبب، فإن رسول الله ﷺ في غزوة حنين أرسل سرية إلى أوطاس غنموا غنائم وسبوا وبعض الصحابه رضى الله عنهم تحرجوا من إتيان تلك

стр. 5979

النساء وهن في عصمة رجال فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١). ونجد أن جمهور العلماء بل كافة العلماء أخذوا بها، وهناك قلة أخذوا بخلافها مع أن ظاهر النصوص يشهد لأولئك القل. واستدل هذا الفريق بأن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل لرجل يؤمن باللّه أن يجمع ماءه في رحم أختين". لكن هذا الحديث ضعيف (٢). ومما استدلوا به: أنهم قالوا: لا يجوز أن يجمع في ملك اليمين بالوطء بين المرأة وابنتها. هذا أمر مجمع عليه، فلماذا خصت هذه من بين المحرمات، والآية قد جمعت عددًا من المحرمات فما بال هذه تخرج منها؟؛ فقالوا: إن الجمع بين الأختين بملك اليمين لا تدل الآية على تحريمه مع أنكم أجمعتم على ما جاء فيها جميعًا. ويظهر - والله أعلم - أن رأي الجمهور في هذا، هو الراجح وهو الصحيح، وهو الذي تؤيده الأدلة؛ فكما أنه لا يجوز أن يجمع بين الأختين في نكاح ولا الأختين برضاع كذلك لا يجمع بينهما بملك يمين. والحكمة التي من أجلها حرم بين الأختين: الغيرة؛ لأن كل امرأة تريد أن تنفرد بهذا الزوج ولا تريد أن يشركه غيرها معها من النساء؛ فإذا ما دخلت امرأة أخرى عليها أخذتها الغيرة، هذه الغيرة كثيرًا ما تتحول إلى العداوة والبغضاء؛ فتنتقل بعد ذلك إلى قطيعة الرحم، والله قد

стр. 5980

حرم قطيعة الرحم؛ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ [محمد: ٢٢]. ولذلك نجد أن الله عندما ذكر الخمر والميسر قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩١]. الشيطان دائمًا يتربص بالمرء الدوائر فيتحين أيَّ فرصة لينقض عليه فيوقعه في المهالك، والمرأة ضعيفة وهي ذات نفس ضعيفة فربما وسوس لها الشيطان وإن لم تكن رأت ميلًا؛ فتصبح هذه الأخوة التي هي قائمة بين الأختين تنتهي إلى قطيعة الرحم وإلى العداوة. > قوله: (وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ قَالُوا بِالمَنْعِ فِي مِلْكِ اليَمِينِ إِذَا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا بِنِكَاحٍ وَالأُخْرَى بِمِلْكِ يَمِينٍ، فَمَنَعَهُ مَالِكٌ (١) وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ (٣)). هذه مسأله أخرى: لو أنه وطئ واحدة من الأختين بملك يمين ثم نكح الأخرى: هل يمكن الجمع بينهما؟ الجمهور يمنعون ذلك يقولون: ليس له أن ينكح أختها (٤)؛ أولًا يتخلص من هذه ببيع أو غيره، ثم بعد ذلك ينكح الأخرى.

стр. 5981

أما الشافعية: فيرون أنه لو وطئ هذه الأمة ثم أراد أن ينكح أختها بعقد جاز له ذلك، لكنهم لا يرون الجمع بينهما بل يقولون: نعم لو وطئ أمة فله أن يعقد عليها فبمجرد العقد يحرم عليه وطء الأمة، وليس كما أطلق المؤلف. هذا هو المعروف من مذهب الشافعية. * قوله. (وَكَذَلِكَ اتَّفَقُوا فِيمَا أَعْلَمُ عَلَى تَحْرِيمِ الجَمْعِ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَبَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا (١)؛ لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنْهُ ﵊ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَه (٢)، وَتَوَاتُرِهِ عَنْهُ ﵊ مِنْ أَنَّهُ قَالَ ﵊: "لَا يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا" (٣)). ليس كما قال - فيما أعلم -، بل هذا أمر مجمع عليه ولا خلاف فيه. أولًا: ليس كل خلاف يعتد به، إنما الخلاف الذي يعتد به هو الذي يصدر عن عالم من العلماء الذين يعتد بخلافهم، ويكون مبنيًّا على دليل

стр. 5982

من كتاب أو سنة أو من فهم مردُّه إلى كتاب الله ، أو إلى سنة رسوله ﷺ ، أو إلى إجماع، أو إلى قول صحابة، أو ما يعود إلى مقاصد هذه الشريعة الغراء، أما خلاف مَن لا يعتد بخلافه فلا ينظر إليه (١). فالله ذكر أربعة عشر من المحرمات في سورة النساء بدأ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ثم بعد ذلك قال: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾، لكنه لم يذكر الجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها، وإنما جاء ذلك مبينًا غاية البيان في سنة رسول الله ﷺ من طريق أبي هريرة وغيره: "لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا يجمع بين المرأة وخالتها" (٢). وبعضهم نازع في التواتر، لكن طريق أبي هريرة تواتر، وهو حديث في قوله: "الصحيحين"، وعند أبي داود رواية جاءت مفصلة أكثر: "لا تنكح المرأة على عمتها ولا العمة على بنت أخيها، ولا تنكح المرأة على خالتها ولا الخالة على بنت أختها، لا تنكح الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى" (٣). هذا في غاية البيان والتفصيل والتوضيح. ونفس العلة التي ذكرناها في تحريم الجمع بين الأختين هي نفسها تنطبق هنا؛ لأن العمة إنما هي بمنزلة الأم وهي أخت الأب والخالة بمنزلة الأم، ولذلك نجد أن رسول الله ﷺ سمى الزوجة الأخرى ضرة: "ولا تطلب المرأة طلاق أختها - وفي رواية: ضرتها - لتكفأ ما في صحفتها" (٤).

стр. 5983

لا شك أن العمة والخالة محل تقدير وإجلال من ابنة أخيها ومن ابنة أختها؛ فينبغي أن تجلها وأن تحترمها وأن تنزلها المنزلة اللائقة بها كما تحترم أمها، فعندما تصبح شريكة لها في أمر تبدأ الغيرة تثور ويترتب على ذلك العداوة والغضب والشحناء والتنافس، ثم بعد ذلك قد ينتهي ذلك إلى قطيعة الرحم، وهذا مما نهى عنه الإسلام وحذر منه. هذه الشريعة الإسلامية لا تنهى عن أمر إلا وفيه ضرر على الإنسان: لماذا نهى عن السرقة؟ نهى عنها لما يترتب عليها من الفساد: فيها التعدي، فيها الظلم، فيها أكل أموال الناس بالباطل. كذلك الزنا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢]. كذلك القذف: كما أن الإنسان لا يرضى أن يُجرح ويُتكلَّم في عرضه كذلك ينبغي ألا يتكلم في عرض غيره. * قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ العَمَّةَ هَاهُنَا هِيَ كلُّ أُنثَى هِيَ أُخْت لِذَكَرٍ لَهُ عَلَيْكَ وِلَادَة، إِمَّا بِنَفْسِهِ، وَإِمَّا بِوَاسِطَةِ ذَكرٍ آخَرَ (١)، وَأَنَّ الخَالَةَ:

стр. 5984

هِيَ كُلُّ أُنْثَى هِيَ أُخْت لِكُلِّ أُنْثَى لَهَا عَلَيْكَ وِلَادَةٌ، إِمَّا بِنَفْسِهَا، وَإِمَّا بِتَوَسُّطِ أُنْثَى غَيْرِهَا، وَهُنَّ الحُرَّاتُ مِنْ قِبَلِ الأُمِّ (١)). فأخت الأب عمة وعمة الأب عمة وكذلك عمة الجد … وهكذا. وهكذا الحال بالنسبة للخالة فأخت الأم هي الخالة القربى وخالة الأم خالة … وهكذا. هذا هو مراد المؤلف. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا: هَلْ هَذَا مِنْ بَابِ الخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ الخَاصُّ، أَمْ هُوَ مِنْ بَابِ الخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ العَامُّ؛ وَالَّذِينَ قَالُوا: هُوَ مِنْ بَابِ الخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ العَامُّ اخْتَلَفُوا: أَيُّ عَامٍّ هُوَ المَقْصُودُ بِهِ؟ فَقَالَ قَوْمٌ -

стр. 5985

وَهُمُ الأَكْثَر، وَعَلَيْهِ الجُمْهُورُ مِنْ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ (١): هُوَ خَاصٌّ أُرِيدَ بِهِ الخُصُوصُ فَقَطْ، وَأَنَّ التَّحْرِيمَ لَا يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِ مَنْ نَصَّ عَلَيْهِ). بمعنى: أنه لا يدخل في ذلك ابنة العم ولا ابنة العمة ولا ابنة الخال ولا ابنة الخالة؛ فهذه مما أباحه الله . > قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ (٢): هُوَ خَاصٌّ وَالمُرَادُ بِهِ العُمُوم، وَهُوَ الجَمْعُ بَيْنَ كُلِّ امْرَأَتَيْنِ بَيْنَهُمَا رَحِمٌ مُحَرَّمَةٌ أَوْ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ، فَلَا يَجُوزُ الجَمْعُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ بَيْنَ ابْنَتَيْ عَمٍّ أَوْ عَمَّةٍ وَلَا بَيْنَ ابْنَتي خَالٍ أَوْ خَالَةٍ، وَلَا بَيْنَ المَرْأَةِ وَبِنْتِ عَمِّهَا أَوْ بِنْتِ عَمَّتِهَا، أَوْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بِنْتِ خَالتِهَا). وهذا قول مردود يرده كتاب الله ؛ فإن الله قد نص على دْلك في سورة الأحزاب: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾. * قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ (٣): إِنَّمَا يَحْرُمُ الجَمْعُ بَيْنَ كُلِّ امْرَأَتَيْنِ بَيْنَهُمَا

стр. 5986

قَرَابَة مُحَرِّمَةٌ؛ أَعْنِي: لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا وَالآخَرُ أُنْثَى، لَمْ يَجُزْ لَهُمَا أَنْ يَتَنَاكَحَا). يعني: لو كان أحد هذين القريبين ذكرًا والآخر أنثى لا يجوز للذكر أن يتزوج الأنثى. هذا ما وضعه العلماء، لكن لو اختل ذلك قد يحصل من جانب لو قدر أن أحدهما ذكر والآخر أنثى لا يجوز لهذا أن يتزوج هذه، ويجوز العكس. * قوله: (وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنِ اشْتَرَطَ فِي هَذَا المَعْنَى أَنْ يُعْتَبَرَ هَذَا مِنَ الطَّرَفَيْنِ جَمِيعًا). يعني: من الطرفين؛ لا يجوز لهذا أن يتزوج هذا، ولا يجوز لهذا أن يتزوج هذا. هذا هو مراد المؤلف. * قوله: (أَعْنِي: إِذَا جُعِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذَكَرًا، وَالآخَرُ أُنْثَى، فَلَمْ يَجُزْ لَهُمَا أَنْ يَتَنَاكحَا؛ فَهَؤُلَاءِ لَا يَحِلُّ الجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا إِنْ جُعِلَ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ ذَكَرٌ يَحْرُمُ التَّزْوِيجُ وَلَمْ يَحْرُمْ مِنَ الطَّرَفِ الآخَرِ، فَإِنَّ الجَمْعَ يَجُوز، كَالحَالِ فِي الجَمْعِ بَيْنَ امْرَأَةِ الرَّجُلِ وَابْنَتِهِ مِنْ غَيْرِهَا (١)). يعني: لو قدر أن رجلًا توفي عن زوجته أو طلقها، وهذا الزوج له بنت من غير هذه الزوجة؛ فيجوز لآخر أن يجمع بين هذه المرأة وبين هذه البنت. هذا هو مراد المؤلف.

стр. 5987

* قوله: (فَإِنَّهُ إِنْ وَضَعْنَا البِنْتَ ذَكَرًا، لَمْ يَحِلَّ نِكَاحُ المَرْأَةِ مِنْه، لِأَنَهَا زَوْجُ أَبِيهِ). هنا لم تتطابق الجهتان كالحال السابقة فحينئذ لا يجوز. * قوله: (وَإنْ جَعْلَنَا المَرْأَةَ ذَكَرًا، حَلَّ لَهَا نِكَاحُ ابْنَةِ الزَّوْجِ، لِأَنَّهَا تَكُونُ ابْنَةَ الأَجْنَبِيِّ، وَهَذَا القَانُونُ هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ (١)). هذا الضبط الذي وضعه العلماء لو قدر أن أحدهما ذكر والآخر أنثى لا يجوز له أن يتزوج، هذه مسألة فرضية أخذ بها مالك وبقية الأئمة ﵏ جميعًا (٢). * قوله: (وَأُولَئِكَ يَمْنَعُونَ الجَمْعَ بَيْنَ زَوْجِ الرَّجُلِ وَابْنَتِهِ مِنْ غَيْرِهَا). والذين يخالفون ذلك كالحسن البصري (٣) وابن أبي ليلى (٤) ومكحول (٥) هم الذين يقولون بالرأي المخالف. وهذا حقيقة قول يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه، والأصل فيه إنما هو الإباحة. قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 5988

(الفَصْلُ السَّابِعُ فِي مَوَانعِ الرِّقِّ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَنْكِحَ الأَمَةَ (١)). لأنها مساوية له. * قوله: (وَلِلْحُرَّةِ أَنْ تَنْكِحَ العَبْدَ إِذَا رَضِيَتْ بِذَلِكَ هِيَ وَأَوْلِيَاؤُهَا (٢)).

стр. 5989

لأنها لو رضيت هي وأهلها فهي قد تنازلت عني حقها، ثم المقياس والميزان إنما هو التقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. والرسول ﷺ شار على فاطمة بنت قيس أن تتزوج بأسامة بن زيد وهي قرشية وهو من الموالي، فتزوجته وكان قد خطبها معاوية بن أبي سفيان وأبو جهم (١). * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي نِكَاحِ الحُرِّ الأَمَةَ. فَقَالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ بِإِطْلَاقٍ، وَهُوَ المَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ ابْنِ القَاسِمِ (٢). وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ: عَدَمِ الطَّوْلِ، وَخَوْفِ العَنَتِ، وَهُوَ المَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ (٣)، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ (٤)، وَالشَّافِعِيِّ (٥)).

стр. 5990

يقصد الأمة المسلمة. أما القول الثاني فهو مذهب جماهير العلماء: يجوز للحر أن يتزوج الأمة المسلمة بشرطين: الشرط الأول: هو ألا يجد طَولًا، والطَّول (١) في تفسير عدة أقوال أظهرها أنه المهر؛ يعني: ألا يكون موسرًا؛ يعني: من أهل اليسار؛ عنده ما يدفعه لهذه المرأة. وقيل: إن الطول إنما هي الحرة. والشرط الثاني: أن يخاف على نفسه الزنا. فإذا اجتمع هذان الشرطان فالعلماء كلهم متفقون على أن للحر أن يتزوج الأمة بلا خلاف، لكن لو اختل واحد من الشرطين؛ بمعنى: أنَّ عنده الطول ولكنه يخاف العنت، أو ليس عنده طول ولكنَّه لا يخاف العنت؛ فهل له أن يتزوَّج الأمة؛ هذا فيه خلاف بين العلماء؛ فأكثرهم ومنهم مالك والشافعي (٢)، وأحمد (٣) يذهبون إلى أنه لا ينكح الأمة إلا بوجود الشرطين.
следующие страницы →