← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.

стр. 5986

قَرَابَة مُحَرِّمَةٌ؛ أَعْنِي: لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا وَالآخَرُ أُنْثَى، لَمْ يَجُزْ لَهُمَا أَنْ يَتَنَاكَحَا). يعني: لو كان أحد هذين القريبين ذكرًا والآخر أنثى لا يجوز للذكر أن يتزوج الأنثى. هذا ما وضعه العلماء، لكن لو اختل ذلك قد يحصل من جانب لو قدر أن أحدهما ذكر والآخر أنثى لا يجوز لهذا أن يتزوج هذه، ويجوز العكس. * قوله: (وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنِ اشْتَرَطَ فِي هَذَا المَعْنَى أَنْ يُعْتَبَرَ هَذَا مِنَ الطَّرَفَيْنِ جَمِيعًا). يعني: من الطرفين؛ لا يجوز لهذا أن يتزوج هذا، ولا يجوز لهذا أن يتزوج هذا. هذا هو مراد المؤلف. * قوله: (أَعْنِي: إِذَا جُعِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذَكَرًا، وَالآخَرُ أُنْثَى، فَلَمْ يَجُزْ لَهُمَا أَنْ يَتَنَاكحَا؛ فَهَؤُلَاءِ لَا يَحِلُّ الجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا إِنْ جُعِلَ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ ذَكَرٌ يَحْرُمُ التَّزْوِيجُ وَلَمْ يَحْرُمْ مِنَ الطَّرَفِ الآخَرِ، فَإِنَّ الجَمْعَ يَجُوز، كَالحَالِ فِي الجَمْعِ بَيْنَ امْرَأَةِ الرَّجُلِ وَابْنَتِهِ مِنْ غَيْرِهَا (١)). يعني: لو قدر أن رجلًا توفي عن زوجته أو طلقها، وهذا الزوج له بنت من غير هذه الزوجة؛ فيجوز لآخر أن يجمع بين هذه المرأة وبين هذه البنت. هذا هو مراد المؤلف.

стр. 5987

* قوله: (فَإِنَّهُ إِنْ وَضَعْنَا البِنْتَ ذَكَرًا، لَمْ يَحِلَّ نِكَاحُ المَرْأَةِ مِنْه، لِأَنَهَا زَوْجُ أَبِيهِ). هنا لم تتطابق الجهتان كالحال السابقة فحينئذ لا يجوز. * قوله: (وَإنْ جَعْلَنَا المَرْأَةَ ذَكَرًا، حَلَّ لَهَا نِكَاحُ ابْنَةِ الزَّوْجِ، لِأَنَّهَا تَكُونُ ابْنَةَ الأَجْنَبِيِّ، وَهَذَا القَانُونُ هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ (١)). هذا الضبط الذي وضعه العلماء لو قدر أن أحدهما ذكر والآخر أنثى لا يجوز له أن يتزوج، هذه مسألة فرضية أخذ بها مالك وبقية الأئمة ﵏ جميعًا (٢). * قوله: (وَأُولَئِكَ يَمْنَعُونَ الجَمْعَ بَيْنَ زَوْجِ الرَّجُلِ وَابْنَتِهِ مِنْ غَيْرِهَا). والذين يخالفون ذلك كالحسن البصري (٣) وابن أبي ليلى (٤) ومكحول (٥) هم الذين يقولون بالرأي المخالف. وهذا حقيقة قول يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه، والأصل فيه إنما هو الإباحة. قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 5988

(الفَصْلُ السَّابِعُ فِي مَوَانعِ الرِّقِّ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَنْكِحَ الأَمَةَ (١)). لأنها مساوية له. * قوله: (وَلِلْحُرَّةِ أَنْ تَنْكِحَ العَبْدَ إِذَا رَضِيَتْ بِذَلِكَ هِيَ وَأَوْلِيَاؤُهَا (٢)).

стр. 5989

لأنها لو رضيت هي وأهلها فهي قد تنازلت عني حقها، ثم المقياس والميزان إنما هو التقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. والرسول ﷺ شار على فاطمة بنت قيس أن تتزوج بأسامة بن زيد وهي قرشية وهو من الموالي، فتزوجته وكان قد خطبها معاوية بن أبي سفيان وأبو جهم (١). * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي نِكَاحِ الحُرِّ الأَمَةَ. فَقَالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ بِإِطْلَاقٍ، وَهُوَ المَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ ابْنِ القَاسِمِ (٢). وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ: عَدَمِ الطَّوْلِ، وَخَوْفِ العَنَتِ، وَهُوَ المَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ (٣)، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ (٤)، وَالشَّافِعِيِّ (٥)).

стр. 5990

يقصد الأمة المسلمة. أما القول الثاني فهو مذهب جماهير العلماء: يجوز للحر أن يتزوج الأمة المسلمة بشرطين: الشرط الأول: هو ألا يجد طَولًا، والطَّول (١) في تفسير عدة أقوال أظهرها أنه المهر؛ يعني: ألا يكون موسرًا؛ يعني: من أهل اليسار؛ عنده ما يدفعه لهذه المرأة. وقيل: إن الطول إنما هي الحرة. والشرط الثاني: أن يخاف على نفسه الزنا. فإذا اجتمع هذان الشرطان فالعلماء كلهم متفقون على أن للحر أن يتزوج الأمة بلا خلاف، لكن لو اختل واحد من الشرطين؛ بمعنى: أنَّ عنده الطول ولكنه يخاف العنت، أو ليس عنده طول ولكنَّه لا يخاف العنت؛ فهل له أن يتزوَّج الأمة؛ هذا فيه خلاف بين العلماء؛ فأكثرهم ومنهم مالك والشافعي (٢)، وأحمد (٣) يذهبون إلى أنه لا ينكح الأمة إلا بوجود الشرطين.

стр. 5991

أما ما ذكره المؤلف عن أبي حنيفة فليس قولًا دقيقًا (١): أبو حنيفة قيد ذلك بألا يكون عنده حرة فقط، لكن لو كانت عنده حرة فليس له ذلك، فكلام المؤلف يفهم منه الإطلاق، يعني: سواء عنده حرة أو ليس عنده حرة. لكن ما يتعلق بالعنت فلا تأثير له عند أبي حنيفة. ونقل عن جماعة من العلماء أنهم أجازوا ذلك مع تخلف الشرطين، يعني: حتى وإن كان يجد الطول ولا يخاف على نفسه العنت فله أن ينكح الأمة. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ دَلِيلِ الخِطَابِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ﴾ [النساء: ٢٥] الآيَةَ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ﴾ الآية [النور: ٣٢]. وَذَلِكَ أَنَّ مَفْهُومَ دَلِيلِ الخِطَابِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآيَةَ، يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَحِلُّ نِكَاحُ الأَمَةِ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ، أَحَدُهُمَا: عَدَمُ الطَّوْلِ إِلَى الحُرَّةِ. وَالثَّانِي: خَوْفُ العَنَتِ). دليل الخطاب هو مفهوم المخالفة (٢)، معنى ذلك: أن من يستطيع الطول ومن لا يخشى العنت ليس له أن يتزوج الأمة. هذا هو يشير إليه المؤلف.

стр. 5992

وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ فالكلام هنا في الأمة المسلمة هل للحر أن ينكحها؟ الآية صريحة: ففيه شرطان: الأول: إذا لم يتوفر الطول، وفي آخر الآية قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ هذا هو الشرط الثاني، لكن الله تعالى قال: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أي: ومع ذلك فالأفضل للإنسان وخير له أن يصبر من أن ينكح الأمة. * قوله: (وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] يَقْتَضِي بِعُمُومِهِ إِنْكَاحَهُنَّ مِنْ حُرِّ أَوْ عَبْدٍ، وَاجِدًا كَانَ الحُرُّ أَوْ غَيْرَ وَاجِدٍ، خَائِفًا لِلْعَنَتِ أَوْ غَيْرَ خَائِفٍ، لَكِنَّ دَلِيلَ الخِطَابِ أَقْوَى هَاهُنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مِنَ العُمُومِ؛ لِأَنَّ هَذَا العُمُومَ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِيهِ إِلَى صِفَاتِ الزَّوْجِ المُشْتَرَطَةِ فِي نِكَاحِ الإِمَاءِ، وَإِنَّمَا المَقْصُودُ بِهِ الأَمْرُ بِإِنْكَاحِهِنَّ، وَأَلَّا يُجْبَرْنَ عَلَى النِّكَاحِ). لماذا كان دليل الخطاب أقوى؟ لأنه واضح الدلالة على المدة. لكن بالنسبة للآية التي استدل بها المؤلف لا تدل من قريب على ما ذهب إليه. * قوله: (وَهُوَ أَيْضًا مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ عِنْدَ الجُمْهُورِ (١)). لكن تخلف شرط واحد؛ مثلًا ما استطاع الطول لكنه خشي العنت هل يتزوج؟ بعض العلماء قال (٢): ينكح كتابية أو يجد ثمن مملوكة خير له من أن يتزوج الأمة عند مَن يشترط هذين الشرطين.

стр. 5993

* قوله: (مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ إِرْهَاقِ الرَّجُلِ وَلَدَهُ). الإنسان لو تزوج أمة قد يعير ولده فيتأثر بهذا، وهذا إنما يحصل عند أناس لا يدركون لبَّ هذه الشريعة، ربما يحصل من الصبية ومن الصغار ومن الجهلة، وإلا فكم من عبد كم من مملوك عنده من الخير ومن الصلاح ومن التقوى ومن السداد ما يفوق به الحر. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا البَابِ فِي فَرْعَيْنِ مَشْهُورَيْنِ؛ أَعْنِى: الَّذِينَ لَمْ يُجِيزُوا النِّكَاحَ إِلَّا بِالشَّرْطَيْنِ المَنْصُوصِ عَلَيْهِمَا). العلماء الذين منعوا ذلك كل قصدهم الحفاظ على الولد. * قوله: (أَحَدُهُمَا: إِذَا كانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ: هَلْ هِيَ طَوْلٌ، أَوْ لَيْسَتْ بِطَوْلٍ؛ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ طَوْلٌ (١). وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَتْ بِطَوْلٍ (٢). وَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ القَوْلَانِ (٣)). "غيره" يعني: الجمهور الذين أضافوا الشرط الآخر وهو: لمن خشي العنت منكم. * قوله: (وَالمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: هَلْ يَجُوزُ لِمَنْ وُجِدَ فِيهِ هَذَانِ الشَّرْطَانِ نِكَاحُ أَكْثَرَ مِنْ أَمَةٍ وَاحِدَةٍ: ثَلَاث أَوْ أَرْبَعٌ أَوْ ثِنْتَانِ؟ فَمَنْ قَالَ: إِذَا كَانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ، فَلَيْسَ يَخَافُ العَنَتَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ عَزَبٍ، قَالَ: إِذَا كانَتْ تَحْتَهُ حُرَّة، لَمْ يَجُزْ لَهُ نِكَاحُ الأَمَةِ (٤)).

стр. 5994

جمهور العلماء: على أنه يجوز له أن ينكح إلى أربع (١). * قوله: (وَمَنْ قَالَ: خَوْفُ العَنَتِ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ بِإِطْلَاقٍ، سَوَاءٌ كانَ عَزَبًا أَوْ مُتَأَهِّلًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا تَكُونُ الزَّوْجَةُ الأُولَى مَانِعَةً مِنَ العَنَتِ، وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى حُرَّةٍ تَمْنَعُهُ مِنَ العَنَتِ، فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ أَمَةً؛ لِأَنَّ حَالَهُ مَعَ هَذِهِ الحُرَّةِ فِي خَوْفِ العَنَتِ كَحَالَةِ قَبْلَهَا، وَبِخَاصَّةٍ إِذَا خَشِيَ العَنَتَ مِنَ الأَمَةِ الَّتِي يُرِيدُ نِكَاحَهَا (٢)، وَهَذَا بِعَيْنِهِ السَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ يَنْكِحُ أَمَةً ثَانِيَةً عَلَى الأَمَةِ الأُولَى أَوْ لَا يَنْكِحُهَا؟ وَذَلِكَ أَنَّ مَنِ اعْتَبَرَ خَوْفَ العَنَتِ مَعَ كَونِهِ عَزَبًا إِذْ كانَ الخَوْفُ عَلَى العَزَبِ أَكثَرَ قَالَ: لَا يَنْكِحُ أَكْثَرَ مِنْ أَمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمَنِ اعْتَبَرَهُ مُطْلَقًا، قَالَ: يَنْكِحُ أَكْثَرَ مِنْ أَمَةٍ وَاحِدَةٍ (٣)).

стр. 5995

حقيقة: الآية تدل على أنه يجوز للحر أن ينكح أربعا، ولم تخصص ذلك بالحرائر: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. * قوله: (وَكَذَلِكَ يَقُولُ: إِنَّهُ يَنْكِحُ عَلَى الحُرَّةِ .. وَاعْتِبَار مُطْلَقًا فِيهِ نَظَرٌ). لو نكح أمة ثم أيسر فهل يكون سببًا للطلاق؟ الجواب: لا (١). ولو استطاع أن يجد طَول حرة فتزوج الحرة هل يكون ذلك طلاقًا للأمة؟ فيه خلاف بين العلماء: الأكثر على أنه لا يكون طلاقًا (٢)، وبعضهم قال: لا يجمع بينهما؛ فتطلق (٣).

стр. 5996

* قوله: (وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَى الحُرَّةِ أَمَةً، فَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا، فَهَلْ لَهَا الخِيَارُ فِي البَقَاءِ مَعَه، أَوْ فِي فَسْخِ النِّكاحِ؟). لو كانت عنده حرة فتزوج عليها أمة وهي لا تعلم، أو تزوج بعدها أمة أخرى وهي تعلم بالأولى ووافقت ولم تعلم بالثانية هل لها أن تطلب الطلاق؟ هناك من يقول: نعم، وهناك من يقول: لا. * قوله: (اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ (١)). هذا فيه خلاف كثير في المذاهب كلها (٢). * قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا وَجَدَ طَوْلًا بِحُرَّةٍ: هَلْ يُفَارِقُ الأَمَةَ أَمْ

стр. 5997

لَا؟ (١) وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ إِذَا ارْتَفَعَ عَنْهُ خَوْفُ العَنَتِ أَنَّهُ لَا يُفَارِقُهَا؛ أَعْنِي: أَصْحَابَ مَالِكٍ (٢)). الصحيح: أنه لا يفارقها. وهذا مذهب الجمهور، ومنهم الشافعية والحنابلة (٣)، ونقل عن المزني من أصحاب الشافعي أنه قال: يفارقها (٤)، وهو وجه في مذهب أحمد، لكن الظاهر من المذهب كمذهب الشافعية أنه لا يفارقها (٥). * قوله: (وَاتَّفَقُوا مِنْ هَذَا البَابِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَنْكِحَ المَرْأَةُ

стр. 5998

مَنْ مَلَكَتْهُ (١)، وَأَنَّهَا إِذَا مَلَكَتْ زَوْجَهَا انْفَسَخَ النِّكَاحُ (٢)). لا يجوز أن تنكح المرأة إنسانًا تملكه؛ لأن الله يقول: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾؛ فالرجل هو الذي له القوامة على المرأة؛ يعني: القيام على شؤونها؛ فكيف تملك زوجها؟! هذا فيه ذل؛ ولذلك لا يجوز. قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 5999

(الفَصْلُ الثَّامِنُ فِي مَانِعِ الكُفْرِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَنْكِحَ الوَثَنِيَّةَ (١)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾، وَاخْتَلَفُوا فِي نِكَاحِهَا بِالمِلْكِ (٢)). ولقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾.

стр. 6000

* قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْكِحَ الكِتَابِيَّةَ الحُرَّةَ (١) إِلَّا مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (٢)). ما نسبه لابن عمر لم نقف عليه، ولعل هذا وهم من المؤلف عفا الله عنه (٣)، وإنما الذي عرف: أن جماعة من الصحابة ﵃ تزوجوا كتابيات، فأمرهم عمر ﵁ بتطليقهن فطلقوهن إلا حذيفة فقال له: أتشهد أنها حرام فرد عليه عمر ﵁،: هي جمرة، فقال حذيفه: أتشهد أنها حرام، فقال: هي جمرة، قال: إذن قد أحلها الله لي، لكن بعد فترة طلقها حذيفة (٤). ولم يختلف العلماء في نكاح الكتابية، والذين خالفوا هم من الفرق الذبن لا يعتد بقولهم، ويستدلون بالآية: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾.

стр. 6001

فقالوا: هذه الكتابية كافرة وإن كانوا ينتسبون إلى كتاب؛ فإنهم حرفوا وبدلوا؛ إذن هم كفار مشركون لا يجوز أن تنكح نساؤهم. هذا قولهم. أما جماهير العلماء من الصحابه والتابعين (١) قالوا بجواز ذلك؛ لأن سورة المائدة من آخر ما نزل وفيها قول الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. ويقول الله تعالى فيها: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [المائدة: ٥]. الشاهد: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ فذهب جماهير العلماء إلى مذهبين (٢): منهم من قال. إن هذه الآية ناسخة للآيتين السابقتين؛ لأنها متأخرة عنهما فهي نسخت ما في عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ وقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. ومنهم من قال: إن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ ليس على إطلاقه المراد به عامة المشركين ولا يراد بذلك أهل الكتاب؛ بدليل أن الله يقول: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ ففرق بينهما، وقال في نفس السورة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ وقال في سورة المائدة: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾.

стр. 6002

فقالوا: إن لفظ المشركين عام ويخرج منه أهل الكتاب في هذا الموطن. ومسألة نكاح الكتابية الخلاف فيها غير معتد به ولا ينظر إليه؛ لأنه من أناس لا ينظر إلى خلافهم. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي إِحْلَالِ الكِتَابِيَّةِ الأَمَةِ بِالنِّكَاحِ). جمهور العلماء (١) يقولون: لا يجوز له ذلك، وأبو حنيفة يرى جواز ذلك (٢). ووجهة أبي حنيفة أنه يقول: أليس له أن يتزوج الحرة الكتابية؛ فلماذا لا يتزوج الأمة الكتابية. وأجاب الجمهور: بقول الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ فنصت على ما ملكت أيمانكم ثم قيدها الله بقوله: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، هذا رأي الجمهور وهذا دليلهم. أما أبو حنيفة فدليله قياسي، قاس نكاح الأمة على نكاح الحرة. * قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى إِحْلَالِهَا بِمِلْكِ اليَمِينِ (٣)).

стр. 6003

له أن يتسرى بملك اليمين، وهذا قد حصل من الصحابة ﵃، إلا أنه نقل عن الحسن البصري أنه لا يرى ذلك (١). لكن جماهير العلماء وفيهم الأئمة الأربعة يقولون: للمسلم أن يتسرى بالأمة، ويستدلون بقول الله : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، وقوله : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. نص على ما ملكت أيمانكم. أما الحسن البصري فقال: لا يجوز ذلك؛ لأن الكتابية مشركة فلا فرق بينها وبين المشركة، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ وقال : ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي نِكَاحِ الوَثَنِيَّاتِ بِمِلْكِ اليَمِينِ: مُعَارَضَةُ عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وَعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وَهُنَّ المَسْبِيَّات، وَظَاهِرُ هَذَا يَقْتَضِي العُمُومَ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُشْرِكَةً أَوْ كِتَابِيَّةً، وَالجُمْهُورُ عَلَى مَنْعِهَا. وَبِالجَوَازِ قَالَ طَاوُسٌ (٢) وَمُجَاهِدٌ (٣)،

стр. 6004

وَمِنَ الحُجَّةِ لَهُمْ: مَا رُوِيَ مِنْ نِكَاحِ المَسْبِيَّاتِ فِي غَزْوَةِ أَوْطَاسَ، إِذِ اسْتَأْذَنُوهُ فِي العَزْلِ، فَأَذِنَ لَهُمْ (١)). الوثنيات: هم عبدة الأصنام (٢). الإنسان عندما ينظر إلى الأدلة يجد أن هذا المخالف الذي يعتبر قوله أقرب إلى الشذوذ؛ نجد أن ظاهر الأدلة معه، وأن مذهب الجمهور إنما أدلته عامة. فيوم حنين أرسل الرسول ﷺ بعثًا إلى أوطاس فأصابوا سبايا وهؤلاء نساء لرجال من المشركين؛ فشق ذلك على بعض أصحاب رسول الله ﷺ وصعب على المسلمين أن يطأ أحدهم امرأة لها زوج فأنزل الله : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾؛ فدل ذلك على جواز وطئهن (٣).

стр. 6005

فالآية والحديث يدلان على الوطء؛ ومع ذلك نجد أن مَن يخالف في ذلك يعتبر خلافه شاذًّا. وابن قدامة (١) عرض المسألة ورجح القول الثاني، لكنه ما استطاع أن يأخذ به؛ لأنه يخالف جماهير العلماء واتفق معه ابن القيم ﵏ جميعًا (٢)، لكن رجعوا يعللون؛ قالوا: لعلهن أسلمن، ونحن نقول كما قالوا، والله أعلم. وظاهر الأدلة مع طاوس، إنما نسبته لمجاهد يحتاج إلى التأكد من ذلك (٣). والذين قووا مذهب طاوس قالوا: الرسول ﷺ كان موجودًا، وهو مطالب بالبيان؛ فالرسول ﵊ يبين للناس ما نُزِّل إليهم، وهذا أمر يحتاج إلى بيان؛ فالآية نزلت فرفعت ما أشكل على الصحابة ولم تتعرض لكونهن أسلمن أو لم يسلمن؛ فقالوا: لو كان الإسلام شرطًا لبين الرسول ﷺ ذلك، لكنه لم يبينه فكان ذلك دليلًا على جوازه. والعزل: الإنسان يجامع فإذا أراد أن ينزل فلا ينزل في موضع الحرث، وهذا كانوا يفعلونه خشية الحمل لأمر مؤقت؛ فإن ذلك مما

стр. 6006

أبيح، ففي الحديث المتفق عليه: "كنا نعزل والقرآن ينزل، لكن هذا (١) عند الحاجة. * قوله: (وَإِنَّمَا صَارَ الجُمْهُورُ لِجَوَازِ نِكَاحِ الكِتَابِيَّاتِ الأَحْرَارِ بِالعَقْدِ؛ لِأَنَّ الأَصْلَ بِنَاءُ الخُصُوصِ عَلَى العُمُومِ؛ أَعْنِي أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]، هُوَ خُصُوصٌ، وَقَوْلَهُ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [لبقرة: ٢٢١] هُوَ عُمُوم، فَاسْتَثْنَى الجُمْهُورُ الخُصُوصَ مِنَ العُمُومِ .. وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ، جَعَلَ العَامَّ نَاسِخًا لِلْخَاصِّ، وَهُوَ مَذْهَبُ بَعْضِ الفُقَهَاءِ (٢)). لا يعتد بالمخالف هنا، لكنهم قالوا: إن آية المائدة إنما هي متأخرة فتكون ناسخة، وبعضهم قال: المراد بالمشركين غير أهل الكتاب كما ذكرنا واستدللنا. * قوله: (وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي إِحْلَالِ الأَمَةِ الكِتَابِيَّةِ بِالنِّكَاحِ لِمُعَارَضَةِ العُمُومِ فِي ذَلِكَ القِيَاسَ، وَذَلِكَ أَنَّ قِيَاسَهَا عَلَى الحُرَّةِ يَقْتَضِي إِبَاحَةَ تَزْوِيجِهَا، وَبَاقِي العُمُومِ إِذَا اسْتُثْنِيَ مِنْهُ الحُرَّةُ يُعَارِضُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ تَحْرِيمَهَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى أَنَّ العُمُومَ إِذَا خُصِّصَ بَقِيَ البَاقِي عَلَى العُمُومِ، فَمَنْ خَصَّصَ العُمُومَ البَاقِيَ بِالقِيَاسِ، أَوْ لَمْ يَرَ البَاقِيَ مِنَ العُمُومِ المَخْصُوصِ عُمُومًا، قَالَ: يَجُوزُ نِكَاحُ الأَمَةِ الكِتَابِيَّةِ، وَمَنْ رَجَّحَ بَاقِي العُمُومِ بِعَدَمِ التَّخْصِيصِ عَلَى القِيَاسِ قَالَ: لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الأَمَةِ الكِتَابِيَّةِ).

стр. 6007

الذي أجاز هو أبو حنيفة وخالفه الجمهور (١) ودليلهم: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾. * قوله: (وَهُنَا أَيْضًا سَبَبٌ آخَرُ لاخْتِلَافِهِمْ: وَهُوَ مُعَارَضَةُ دَلِيلِ الخِطَابِ لِلْقِيَاسِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء؛ ٢٥] يُوجِبُ أَلَّا يَجُوزَ نِكَاحُ الأَمَةِ الغَيْرِ مُؤْمِنَةٍ بِدَلِيلِ الخِطَابِ). يعني: المؤلف يضعف استدلال أبي حنيفة بالمفهوم المخالف. * قوله: (وَقِيَاسُهَا عَلَى الحُرَّةِ يُوجِبُ ذَلِكَ، وَالقِيَاسُ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ يَجُوزُ فِيهِ النِّكَاحُ بِالتَّزْوِبجِ، وَيَجُوزُ فِيهِ النِّكَاحُ بِمِلْكِ اليَمِينِ أَصْلُهُ المُسْلِمَاتُ. وَالطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ ثَمَّ لَمْ يَجُزْ نِكَاحُ الأَمَةِ المُسْلِمَةِ بِالتَّزْوِبجِ إِلَّا بِشَرْطٍ فَأَحْرَى أَلَّا يُجَوَّزَ نِكَاحُ الأَمَةِ الكِتَابِيَّةِ بِالتَّزْوِيجِ). من أدلة الجمهور: إذا كانت الأمة المسلمة لا تُتزوج إلا بالشرطين وهو أن يجد طولًا وأن يخشى العنت؛ فكيف يتزوج الأمة الكتابية والآية صريحة: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾. * قوله: (وَإِنَّمَا اتَّفَقُوا عَلَى إِحْلَالِهَا بِمِلْكِ اليَمِينِ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وَلإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ السَّبْيَ يُحِلُّ المَسْبِيَّةَ الغَيْرَ مُتَزَوِّجَةٍ). ولقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾؛ فالآيتان صريحتان، وسنة رسول الله ﷺ جاءت مبيِّنة. * قوله: (وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي المُتَزَوِّجَةِ هَلْ يَهْدِمُ السَّبْيُ نِكَاحَهَا؛ وَإِنْ هَدَمَ فَمَتَى يَهْدِمُ؟).

стр. 6008

رأينا أن ذلك لا يؤثر وأن الآية رفعت الإشكال: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. * قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: إِنْ سُبِيَا مَعًا - أَعْنِي: الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ - لَمْ يُفْسَخْ نِكَاحُهَا، وَإِنْ سُبِيَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الآخَرِ، انْفَسَخَ النِّكَاح، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١)). وأحمد في رواية (٢)، أما الرواية الأخرى: فيفرق الحنابلة فيها بين سبي الزوج أولًا أو المرأة أولًا؛ فإن سبيت المرأة أولًا فإنه ينفسخ النكاح، وإن سبي الزوج أولًا فإنه لا ينفسخ النكاح (٣). * قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: بَلِ السَّبْيُ يَهْدِمُ سُبِيَا مَعًا أَوْ سُبِيَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الآخَرِ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٤)، وَعَنْ مَالِكٍ قَوْلَان (٥)، أَحَدُهُمَا: أَنَّ السَّبْيَ لَا يَهْدِمُ النِّكَاحَ أَصْلًا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَهْدِمُ بِإِطْلَاقٍ مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ).

стр. 6009

وهو المشهور عند المالكية، لكن الشافعية والمالكية (١) يذهبون إلى أن الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فيها دلالة على أن السبي إنما هو يفسخ النكاح ويُنهيه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فيدخلن في المحرمات ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، والمراد بهن السبايا فإنه بذلك ينفسخ نكاحهن. هكذا يقولون. والحنفية والحنابلة يقولون (٢): إن النكاح كالعتق تمامًا، فكما أن العتق لا يمنع ابتداء النكاح فلا يؤدي إلى انقطاعه. ثم يقولون: إن الآية عامة وقد خص منها المملوكات المتزوجات في دار الإسلام، كذلك يقاس عليهن الزوج والزوجة إذا أسلما معًا. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ، هَلْ يَهْدِمُ أَوْ لَا يَهْدِمُ: هُوَ تَرَدُّدُ المُسْتَرَقِّينَ الَّذِينَ أَمِنُوا مِنَ القَتْلِ بَيْنَ النِّسَاءِ الذِّمِّيِّينَ أَهْلِ العَهْدِ؛ وَبَيْنَ الكَافِرَةِ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا، أَوِ المُسْتَأْجَرَةِ مِنْ كَافِرٍ). لأنه معلوم أن الذميين لا تسبى نساؤهم، والمقصود بذلك المعاهَد؛ فالمعاهدون لا يدخلون ضمن ذلك. * قوله: (وَأَمَّا تَفْرِيقُ أَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ أَنْ يُسْبَيَا مَعًا، وَبَيْنَ أَنْ يُسْبَى أَحَدُهُمَا؛ فَلِأَنَّ المُؤَثِّرَ عِنْدَهُ فِي الإِحْلَالِ هُوَ اخْتِلَافُ الدَّارِ بِهِمَا لَا الرِّقّ، وَالمُؤَثِّرَ فِي الأَحْلَالِ عِنْدَ غَيْرِهِ هُوَ الرِّقُّ). والتعليل الآخر: أن الوق لا يمنع ابتداء النكاح فكذلك لا يقطع استدامته، وقاسوا ذلك على المتزوجة في دار الإسلام؛ لأنها خصت من الآية: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فيلحق بها أيضًا.

стр. 6010

* قوله: (وَإِنَّمَا النَّظَرُ هَلْ هُوَ الرِّقُّ مَعَ الزَّوْجِيَّةِ أَوْ مَعَ عَدَمِ الزَّوْجِيَّةِ؛ وَالأَشْبَهُ أَلَّا يَكُونَ لِلزَّوْجِيَّةِ هَاهُنَا حُرْمَة؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الرِّقِّ - وَهُوَ الكُفْرُ - سَبَبُ الإِحْلَالِ، وَأَمَّا تَشْبِيهُهَا بِالذِّمِّيَّةِ فَبَعِيدٌ؛ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ إِنَّمَا أَعْطَى الجِزْيَةَ بِشَرْطِ أَنْ يُقَرَّ عَلَى دِينِهِ فَضْلًا عَنْ نِكَاحِهِ). مراد المؤلف أن الزوجية تنقطع بمجرد السبي، وقصة الصحابة فيما يتعلق بالسبايا فإنه أصاب بعضهم حرج وتوقفوا في غشيان النساء حتى نزلت الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١). قال المصنف رحمه الله تعالى: [(الفَصْلُ التَّاسِعُ فِي مَانعِ الإِحْرَامِ)] * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي نِكَاحِ المُحْرِمِ، فَقَالَ مَالِكٌ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)، وَاللَّيْث، وَالأَوْزَاعِيُّ (٤)، وَأَحْمَدُ (٥): لَا يَنْكِحُ المُحْرِم،

стр. 6011

وَلَا يُنْكِح، فَإِنْ فَعَلَ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ (١)). فإذا عقد المُحْرِم نكاحًا لنفسه أو لغيره، أو عقد أحدٌ نكاحًا لمُحْرِم أو على مُحْرمة، فالنِّكاحُ فاسدٌ. وحاصل الأمر: أنَّ المُحرم إذا تزوَّج لنفسه، أو عقد النكاح لغيره، ككونه وليًّا أو وكيلًا، فإنَّه لا يصح؛ لقول النبي ﷺ : "لا يَنكِح المُحْرم، ولا يُنْكَح، ولا يخطُب" (٢). * قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): لَا بَأْسَ بِذَلِكَ). قال أبو حنيفة: يجوز لهذا المُحْرم الزواج، كما لو أنَّه اشترى الجاريةَ للوطء، فإنَّه يجوز له ذلك. ويُجابُ على هذا القياس: بأنَّه قياسٌ في مُقابلة النَّص، وكلُّ ما كان في مقابلة النَّصِّ، فهو فاسدُ الاعتبار. وظاهرُ النهي: عدمُ الفرق من تزويج غيره بالولاية الخاصة والعامة؛ كالسلطان والقاضي. (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَعَارُضُ النَّقْلِ فِي هَذَا البَابِ، فَمِنْهَا: حَدِيثُ

стр. 6012

ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَكَحَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ" (١)، وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتُ النَّقْلِ خَرَّجَهُ أَهْلُ الصَّحِيحِ، وَعَارَضَهُ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ عَنْ مَيْمُونَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ" (٢)). اختلفوا في تزويج النبي ﷺ ميمونةَ، والأكثرون على أنَّه تزوجها حلالًا عام عُمْرة القضاء، وظَهَر أمرُ تزويجها وهو مُحْرِم، ثم بنى بها وهو حلال. * قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ: رُوِيَتْ عَنْهَا مِنْ طُرُقٍ شَتَّى، مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَافِعٍ (٣)، وَمِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَهُوَ مَوْلَاهَا (٤)، وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ (٥). وَرَوَى مَالِكٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ مَعَ هَذَا أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَنْكِحُ المُحْرِم، وَلَا يُنْكَح، وَلَا يَخْطُبُ" (٦)، فَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا يَنْكِحُ المُحْرِم، وَلَا يُنْكِح، وَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَوْ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ؛ بِأَنْ حَمَلَ النَّهْيَ الوَارِدَ فِي ذَلِكَ عَلَى الكَرَاهِيَةِ قَالَ: يَنْكِحُ وَيُنْكِح، وَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى تَعَارُضِ الفِعْلِ وَالقَوْلِ، وَالوَجْهُ الجَمْع، أَوْ تَغْلِيبُ القَوْلِ). قالوا: إنَّ حديث ابن عباس هو عبارة عن حكاية فعل، ومثل هذا

стр. 6013

لا يُعارض به صريح القول، وأعني بقولي: (صريح القول): النهي الذي جاء في حديث عثمان. ولكن يمكن أن نأخذ به عند تعذُّر الجمع، وهو ممكن هاهنا على فَرْض أن رواية ابن عباس أرجحُ من رواية غيره، وذلك بأن يُجعل فعلُه ﷺ مخصصًا له من عموم ذلك القول، كما تقرر ذلك في الأصول إذا فرض تأخر الفعل عن القول. قال المصنف رحمه الله تعالى: (الفَصْل العَاشِرُ فِي مَانِعِ المَرَضِ) والمقصود بالمريض هنا: المريض المرض الذي لا يرجى برؤه الذي يعقبه الموت. نكاح المريض أتى بها المؤلف هنا بمناسبة النكاح، وغالب الفقهاء يذكرونها في أبواب المواريث؛ لأنهم يرون أن وجودها هناك أنسب وألصق، لأنه يقصد من زواجه من امرأة وامرأتين أو الثلاث في مرض موته حرمان زوجته أو زوجاته. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي نِكَاحِ المَرِيضِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَالشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ (٢)، وَقَالَ مَالِكٌ فِي المَشْهُورِ عَنْهُ (٣): إِنَّهُ لَا يَجُوز،

стр. 6014

وَبَتَخَرَّجُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ التَّفْرِيقَ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ). جمهور العلماء وهم الشافعية والحنفية والحنابلة (١) يقولون: ذلك حق من حقوقه فما المانع من أن يتزوج في هذا المرض، ولا نجد مانعًا من ذلك، ويستدلون على ذلك بقصة عبد الرحمن بن أم حكيم؛ فإنه تزوج في مرض موته ثلاث نسوة (٢)، وفي بعض الروايات: أنه تزوج امرأتين (٣)، ولم ينكر عليه أحد من العلماء؛ فدل ذلك على جوازه. هذا إلى جانب التعليلات التي ذكرها المؤلف. والمالكية يقولون: هو متهم في هذا المرض بأنه يريد الإضرار بزوجته أو بزوجاته فيعامل بنقيض قصده، وما دام متهمًا فإنه في هذه الحالة يمنع ويفرق بينهم وإن تزوج وزال عنه المرض، ما دام تزوجها وهو في مرض يُخشى هلاكه فيه. وهذه المسألة لها علاقة بقضية أصولية، وهي ما يتعلق بالمصالح المرسلة، ولا شك أن أكثر العلماء عملًا بقضية المصالح المرسلة هم المالكية، ويتلوهم في ذلك الحنابلة، أما الحنفية يتحايلون على ذلك فيسمونه استحسانًا، والشافعية لا يرون ذلك، وإن كان في الواقع أخذوا بمسائل، ولكن عدوها من باب القياس (٤).

стр. 6015

* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَرَدُّدُ النِّكَاحِ بَيْنَ البَيْعِ وَبَيْنَ الهِبَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ هِبَةُ المَرِيضِ إِلَّا مِنَ الثُّلُثِ (١)، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ (٢)).

стр. 6016

سبب الخلاف: إنما هو أمر إلحاقي قياسي: المريض الذي لا يرجى برؤه ويبدأ يتصرف في الأموال، ففي هذه الحالة يقولون: هو يقصد الإضرار بالورثة، فيعامل بنقيض ذلك؛ إذ هو متهم في هذه الحالة. * قوله: (وَلاخْتِلَافِهِمْ أَيْضًا سَبَبٌ آخَر، وَهُوَ: هَلْ يُتَّهَمُ عَلَى إِضْرَارِ الوَرَثَةِ بِإِدْخَالِ وَارِثٍ زَائِدٍ أَوْ لَا يُتَّهَمُ؟). المريض ليس في حاجة إلى الزوجة؛ فلماذا يتزوج؛ إذن هو أوقع نفسه في شبهات أوصلته إلى التهمة؟ ينظر له أنه ظن بها أنه يريد التضييق على الورثة أو على الزوجة بأنه أراد إشراكها معها. * قوله: (وَقِيَاسُ النِّكَاحِ عَلَى الهِبَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الهِبَةَ تَجُوزُ إِذَا حَمَلَهَا الثُّلُث، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا بِالنِّكَاحِ هُنَا بِالثُّلُثِ، وَرَدُّ جَوَازِ النِّكَاحِ بِإِدْخَالِ وَارِثٍ قِيَاسٌ مَصْلَحِيٌّ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَكْثَرِ الفُقَهَاءِ، وَكَوْنُهُ يُوجِبُ مَصَالِحَ لَمْ يَعْتَبِرْهَا الشَّرْعُ إِلَّا فِي جِنْسٍ بَعِيدٍ مِنَ الجِنْسِ الَّذِي يُرَامُ فِيهِ إِتبَاتُ الحُكْمِ بِالمَصْلَحَةِ حَتَّى أَنَّ قَوْمًا رَأَوْا القَوْلَ بِهَذَا القَوْلِ شَرْعٌ زَائِدٌ). ليس هناك دليل شرعي من كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ دليل يدل على أن المريض لا يتزوج؛ فهذا حق من حقوقه فلا يمنع ما دام قادرًا على ذلك، ولا يريد أن يضر بالزوجة.

стр. 6017

فالمسألة في منع جواز المريض راجعة إلى المصالح المرسلة، وهذه المصالح اختلف فيها الجمهور؛ فبعضهم يذهبون إلى عدم اعتبار المصالح المرسلة، وبعضهم يذهب إلى جواز المصالح المرسلة وفي مقدمتهم المالكية (١). وهذه المصالح أنواع: - هناك مصالح شهد الشرع بقيامها واعتبارها؛ فهذه ليس فيها خلاف واعتبروها من بابٍ القياس. - وهناك مصالح نفاها الشرع ولم يعتبرها؛ ولذلك لا يعتد بها. - ويبقى قسم بين القسمين: وهو المصالح التي لم يرد نفي ولا إثبات لها؛ فهل هي معتبرة في الشريعة أم لا؟ هنا مناط الخلاف بين العلماء (٢): فالشافعية والحنفية: لم ينفوها ولكن أدخلوها من بابٍ الاستحسان؛ فإن هؤلاء يقولون: إن الأخذ بالمصالح يفتح بابٍ في الشريعة؛ فيكون منفذًا لأصحاب الأهواء والآراء؛ فربما يتسلطون على بعض أحكام الشريعة فيسخِّرونها لما يتفق مع مصالحهم وغاياتهم بدعوى أنه كلما تجدد الزمان

стр. 6018

تجددت الأحكام وتنوعت؛ فيتخذون ذلك مدخلًا وطريقًا لمآربهم وشهواتهم (١). وأما الذين قالوا باعتبار المصالح المرسلة: فإنهم وضعوا لها قيودًا وشروطًا (٢)، والشروط لا تتنافى ولا تتعارض مع نص من نصوص الشريعة الإسلامية، ولا تصطدم مع سنة رسول الله ﷺ ، بل تكون ملائمة لأحكام وأوصاف هذه الشريعة، وقالوا: يجب أن تكون المصلحة عامة لا خاصة، وعثمان ﵁ ورَّث المرأة التي طلقها زوجها في مرض موته (٣) من باب المصلحة. فنقول: المصلحة إذا لم تتعارض مع نص شرعي وإذا بنيت على أصل صحيح يقصد بها تحقيق أهداف الشريعة فلا مانع منها. أما إن كان المقصود من المصلحة أن تفعل؛ لتتحقق مصلحة لأناس معينين، أو لفرد معين، أو ليتعسف بالشريعة لتصرف بعض أحكامها؛ فلا.

стр. 6019

* قوله: (وَإِعْمَالَ هَذَا القِيَاسِ يُوهِنُ مَا فِي الشَّرْعِ مِنَ التَّوْقِيفِ، وَأَنَّهُ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِيهِ كمَا لَا يَجُوزُ النُّقْصَانُ). لكن الذين أخذوا بالمصلحة ردوا ذلك وقالوا: نحن نقول بالمصالح التي لا تعارض نصًّا. * قوله: (وَالتَّوَقُّفُ أَيْضًا عَنِ اعْتِبَارِ المَصَالِحِ تَطَرَّقَ لِلنَّاسِ أَنَّ يَتَسَرَّعُوا لِعَدَمِ السُّنَنِ الَّتِي فِي ذَلِكَ الجِنْسِ إِلَى الظُّلْمِ). كوننا نغفل باب المصالح ونعطلها ربما تفوت مصالح على الناس، كما في زمننا هذا نحتاج إلى المصالح أكثر مما مضى. * قوله: (فَلْنُفَوِّضْ أَمْثَالَ هَذِهِ المَصَالِحِ إِلَى العُلَمَاءِ بِحِكْمَةِ الشَّرَائِعِ الفُضَلَاءِ الَّذِينَ لَا يُتَّهَمُونَ بِالحُكْمِ بِهَا). الذين لا يذهبون بها لمصلحة أحد. * قوله: (وَبِخَاصَّةٍ إِذَا فُهِمْ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ أَنَّ فِي الاشْتِغَالِ بِظَوَاهِرِ الشَّرَائِعِ تَطَرُّقًا إِلَى الظُّلْمِ، وَوَجْهُ عَمَلِ الفَاضِلِ العَالِمِ فِي ذَلِكَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى شَوَاهِدِ الحَالِ؛ فَإِنْ دَلَّتِ الدَّلَائِلُ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ بِالنِّكَاحِ خَيْرًا لَا يُمْنَعُ النِّكَاح، وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ الإِضْرَارَ بِوَرَثَتِهِ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ). ينظر إلى القرائن: إن كان قصده من النكاح خيرًا لعل الله يرزقه ولدًا صالحًا ليعود على الأمة الإسلامية بالنفع والخير وعلى نفس هذا الشخص الذي توفي فما المانع، وإن وجدت التهمة نمنعه من الزواج. * قوله: (كَمَا فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مِنَ الصَّنَائِعِ يَعْرِضُ فِيهَا لِلصُّنَّاعِ الشَّيْءُ وَضِدُّهُ مِمَّا اكتَسَبُوا مِنْ قُوَّةِ مِهْنَتِهِمْ؛ إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحَدَّ فِي ذَلِكَ حَدٌّ مُؤَقَّت صِنَاعِيٌّ، وَهَذَا كَثِيرًا مَا يَعْرِضُ فِي صِنَاعَةِ الطِّبِّ وَغَيْرِهَا مِنَ الصَّنَائِعِ المُخْتَلِفَةِ).

стр. 6020

كأن المؤلف يريد أن يقول: يصعب أن نضع ضابطًا أو أن نقيم قاعدة نستطيع أن نلم بكل ما يتعلق بالمهن والصناعات، لكننا في ذلك نجتهد في ذلك الأمر، ولا شك أن المردَّ في ذلك إلى العرف والعادة، والعادة عمل بها في أبواب كثيرة كما في أبواب النكاح والحيض والبيوع … وغير ذلك من الأحكام الكثيرة. قال المصنف رحمه الله تعالى: (الفَصْل الحَادِيَ عَشَرَ فِي مَانِعِ العِدَّةِ) (١) أنواع العدد أربع ذكرها الله في كتابه العزيز: النوع الأول: عدة المتوفى عنها زوجها: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وكانت فيما مضى: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]؛ فنسخ ذلك إلى أربعة أشهر وعشرٍ، وذلك من باب التخفيف. النوع الثاني: عدة الحامل: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]؛ فالحامل تنتهي عدتها بوضع الحمل. النوع الثالث: عدة اللائي يحضن من المطلقات: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].

стр. 6021

النوع الرابع: عدة الآيسة من الحيض والتي لم تحض: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]. * قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَجُوزُ فِي العِدَّةِ، كَانَتْ عِدَّةَ حَيْضٍ، أَوْ عِدَّةَ حَمْلٍ، أَوْ عِدَّةَ أَشْهُرٍ (١)). ولو حصل النكاح فهو باطل ويفرق بينهما. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا، وَدَخَلَ بِهَا، فَقَالَ مَالِكٌ (٢)، وَالأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ (٣): يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَلَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤)،

стр. 6022

وَالشَّافِعِيُّ (١)، وَالثَّوْرِيُّ (٢): يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا انْقَضَتِ العِدَّةُ بَيْنَهُمَا، فَلَا بَأْسَ فِي تَزْوِيجِهِ إِيَّاهَا مَرَّةً ثَانِيَةً). كل العلماء يرون أن النكاح باطل، لكن هل له أن يتزوجها بعد ذلك أو لا؟ المسألة تحتاج إلى تفصيل: لأنه إذا تزوج امرأة في عدتها، فمعنى ذلك أن عدة الزوج الأول لم تنقض، فمن هنا جاء التحريم؛ فيفرق بينهما، فيبقى ما تبقَّى من عدة الأول وعدة الثاني، فهنا جاء الخلاف: الشافعي وأحمد (٣): يقولان تعتد بقية عدة الأول، ثم تعتد ثلاثة قروء عن الزوج الثاني. وأبو حنيفة يقول: إنه يحصل تداخل بين العدتين، فإذا دخل بها الثاني ثم فرق بينهما تعتد ثلاثة قروء، فالقصد من العدة براءة الرحم. ويأخذ الحنفية بقاعدة: إذا اجتمع أمران من جنس واحد ولم يختلف مقصودهما دخل أحدهما في الآخر تبعًا (٤).

стр. 6023

والمالكية: يرون أنه لو دخل بها في عدتها يفرق بينهما ولا يجتمعان أبدًا، بينما الجمهور وهم الأئمة الثلاثة وإن اختلفوا في التداخل وعدمه متفقون على أنه يتقدم خاطبًا فله أن يخطبها وإذا رضيت فليتزوجها. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ على قَوْلِ الصَّاحِبِ حُجَّةٌ أَمْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ؟). لا شك أن الصحابي لو قال قولًا ولم يخالفه أحد من الصحابة، فإنه يعتبر حجة مسلَّمة، لأنه لم ينازعه أحد، بل بعض العلماء يقول: قال به فلان ولم يخالفه أحد من الصحابة فيكون إجماعًا (١). * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا رَوَى عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ). سعيد بن المسيب: من كبار التابعين وهو إمام جليل عرف بغزارة علمه وبزهده وبتقاه. والزهري: من التابعين ممن خدم سنة رسول الله ﷺ خدمة عظيمة، وهو ممن عني بجمع الحديث، وممن اعتمد عليه عمر بن عبد العزيز ﵁ عندما كتب إلى الأمصار (٢).

стр. 6024

* قوله: ("أَنَّ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ فَرَّقَ بَيْنَ طُلَيْحَةَ الأَسَدِيَّةِ وَبَيْنَ زَوْجِهَا رَاشِدٍ الثَّقَفِيِّ لَمَّا تَزَوَّجَهَا فِي العِدَّةِ مِنْ زَوْجٍ ثَانٍ، وَقَالَ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ فِي عِدَّتِهَا، فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا الَّذِي تَزَوَّجَهَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنَ الأَوَّلِ، ثُمَّ كانَ الآخَرُ خَاطِبًا مِنَ الخُطَّابِ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنَ الأَوَّلِ، ثُمَّ اعْتَدَّتْ مِنَ الآخَرِ، ثُمَّ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا". قَالَ سَعِيدٌ: وَلَهَا مَهْرُهَا بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْهَا (١)). طليحة بنت عبيد الله أخت طلحة بن عبيد الله الصحابي المعروف أحد المبشرين بالجنة. ورُشيد أو رَشيد بعضهم يحكيه بالفتح وبعضهم يحكيه بالضم وكل ذلك صائب (٢)، أما راشد فلم أقف عليه ولا أعرفه؛ فلعل هذا تحريف من المؤلف، ومما يدل على أنه تحريف أن المؤلف نقل عن كتاب "الاستذكار" لابن عبد البر (٣)، والذي فيه رشيد وليس راشد. ورشيد الثقفي كان من أشراف ثقيف ومن أكابرهم، وأسلم بعد فتح الطائف هو وأولاده، وكانت له مكانة عظيمة في خدمة الإسلام، وكان من الشعراء الذين يعدون (٤). * قوله: (وَرُبَّمَا عَضَّدُوا هَذَا القِيَاسَ بِقِيَاسِ شَبَهٍ ضَعِيفٍ مُخْتَلَفٍ فِي أَصْلِهِ).

стр. 6025

كلمة عضدوا يعني: قوَّوا؛ وهذه عبارات كثيرًا ما يستخدمها ابن رشد، وهي من عبارات المنطقيين، والشاعر يقول: لا تخاصم بواحد أهل بيت … فضعيفان يغلبان قويَّا (١) هناك قياس علة: وهذا خلاف أهل الظاهر (٢)، ولا يعتد بخلافهم؛ لأن كتاب الله أشار إليه بقوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، ورسول الله ﷺ قد جاء في سنته ما يثبت ذلك (٣). أما قياس الشبه (٤): فهو ضعيفٌ (٥)؛ لأن قياس العلة إلحاق فرع
следующие страницы →