← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.

стр. 6021

النوع الرابع: عدة الآيسة من الحيض والتي لم تحض: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]. * قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَجُوزُ فِي العِدَّةِ، كَانَتْ عِدَّةَ حَيْضٍ، أَوْ عِدَّةَ حَمْلٍ، أَوْ عِدَّةَ أَشْهُرٍ (١)). ولو حصل النكاح فهو باطل ويفرق بينهما. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا، وَدَخَلَ بِهَا، فَقَالَ مَالِكٌ (٢)، وَالأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ (٣): يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَلَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤)،

стр. 6022

وَالشَّافِعِيُّ (١)، وَالثَّوْرِيُّ (٢): يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا انْقَضَتِ العِدَّةُ بَيْنَهُمَا، فَلَا بَأْسَ فِي تَزْوِيجِهِ إِيَّاهَا مَرَّةً ثَانِيَةً). كل العلماء يرون أن النكاح باطل، لكن هل له أن يتزوجها بعد ذلك أو لا؟ المسألة تحتاج إلى تفصيل: لأنه إذا تزوج امرأة في عدتها، فمعنى ذلك أن عدة الزوج الأول لم تنقض، فمن هنا جاء التحريم؛ فيفرق بينهما، فيبقى ما تبقَّى من عدة الأول وعدة الثاني، فهنا جاء الخلاف: الشافعي وأحمد (٣): يقولان تعتد بقية عدة الأول، ثم تعتد ثلاثة قروء عن الزوج الثاني. وأبو حنيفة يقول: إنه يحصل تداخل بين العدتين، فإذا دخل بها الثاني ثم فرق بينهما تعتد ثلاثة قروء، فالقصد من العدة براءة الرحم. ويأخذ الحنفية بقاعدة: إذا اجتمع أمران من جنس واحد ولم يختلف مقصودهما دخل أحدهما في الآخر تبعًا (٤).

стр. 6023

والمالكية: يرون أنه لو دخل بها في عدتها يفرق بينهما ولا يجتمعان أبدًا، بينما الجمهور وهم الأئمة الثلاثة وإن اختلفوا في التداخل وعدمه متفقون على أنه يتقدم خاطبًا فله أن يخطبها وإذا رضيت فليتزوجها. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ على قَوْلِ الصَّاحِبِ حُجَّةٌ أَمْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ؟). لا شك أن الصحابي لو قال قولًا ولم يخالفه أحد من الصحابة، فإنه يعتبر حجة مسلَّمة، لأنه لم ينازعه أحد، بل بعض العلماء يقول: قال به فلان ولم يخالفه أحد من الصحابة فيكون إجماعًا (١). * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا رَوَى عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ). سعيد بن المسيب: من كبار التابعين وهو إمام جليل عرف بغزارة علمه وبزهده وبتقاه. والزهري: من التابعين ممن خدم سنة رسول الله ﷺ خدمة عظيمة، وهو ممن عني بجمع الحديث، وممن اعتمد عليه عمر بن عبد العزيز ﵁ عندما كتب إلى الأمصار (٢).

стр. 6024

* قوله: ("أَنَّ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ فَرَّقَ بَيْنَ طُلَيْحَةَ الأَسَدِيَّةِ وَبَيْنَ زَوْجِهَا رَاشِدٍ الثَّقَفِيِّ لَمَّا تَزَوَّجَهَا فِي العِدَّةِ مِنْ زَوْجٍ ثَانٍ، وَقَالَ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ فِي عِدَّتِهَا، فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا الَّذِي تَزَوَّجَهَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنَ الأَوَّلِ، ثُمَّ كانَ الآخَرُ خَاطِبًا مِنَ الخُطَّابِ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنَ الأَوَّلِ، ثُمَّ اعْتَدَّتْ مِنَ الآخَرِ، ثُمَّ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا". قَالَ سَعِيدٌ: وَلَهَا مَهْرُهَا بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْهَا (١)). طليحة بنت عبيد الله أخت طلحة بن عبيد الله الصحابي المعروف أحد المبشرين بالجنة. ورُشيد أو رَشيد بعضهم يحكيه بالفتح وبعضهم يحكيه بالضم وكل ذلك صائب (٢)، أما راشد فلم أقف عليه ولا أعرفه؛ فلعل هذا تحريف من المؤلف، ومما يدل على أنه تحريف أن المؤلف نقل عن كتاب "الاستذكار" لابن عبد البر (٣)، والذي فيه رشيد وليس راشد. ورشيد الثقفي كان من أشراف ثقيف ومن أكابرهم، وأسلم بعد فتح الطائف هو وأولاده، وكانت له مكانة عظيمة في خدمة الإسلام، وكان من الشعراء الذين يعدون (٤). * قوله: (وَرُبَّمَا عَضَّدُوا هَذَا القِيَاسَ بِقِيَاسِ شَبَهٍ ضَعِيفٍ مُخْتَلَفٍ فِي أَصْلِهِ).

стр. 6025

كلمة عضدوا يعني: قوَّوا؛ وهذه عبارات كثيرًا ما يستخدمها ابن رشد، وهي من عبارات المنطقيين، والشاعر يقول: لا تخاصم بواحد أهل بيت … فضعيفان يغلبان قويَّا (١) هناك قياس علة: وهذا خلاف أهل الظاهر (٢)، ولا يعتد بخلافهم؛ لأن كتاب الله أشار إليه بقوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، ورسول الله ﷺ قد جاء في سنته ما يثبت ذلك (٣). أما قياس الشبه (٤): فهو ضعيفٌ (٥)؛ لأن قياس العلة إلحاق فرع

стр. 6026

لأصل في حكم لعلة تجمع بينهما، أما هنا فلا علة بينهما هي مجرد المشابهة والشبه لا تستطيع أن تثبت به حكمًا قويًّا، إلا إذا وجدت قرائن تحفُّه وشواهد تقويه. * قوله: (وَهُوَ أَنَّهُ أَدْخَلَ فِي النَّسَبِ شُبْهَةً، فَأَشْبَهَ المُلَاعِنَ). كأنه اختلط ماء بماء، لكن اختلاط الماء يزيل العدة الثانية؛ لأنها إذا اعتدت بثلاثة قروء زالت شبهة الحمل فلا اختلاط، ولا شك أن المقصود من براءة الرحم إنما هو خشية اختلاط الأنساب؛ لأن اختلاط الأنساب يؤدي إلى فسادهم، فما أخطرها! لأنه يترتب عليها الفساد والله لا يحب الفساد. الأمر الآخر: أن الشريعة عنيت بأمور خمسة، ومنها: حفظ الأنساب؛ ولذلك شرع حد القذف: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤]؛ فالذي يقذف المسلم أو المسلمة، ولا يثبت ذلك يقام عليه حد القذف. * قوله: (وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ (١)، وَابْنِ مَسْعُودٍ (٢) مُخَالَفَةُ عُمَرَ فِي هَذَا). الخلاف قسمان: الخلاف الأول: خلاف يقصد منه التنازع والتشاقق والتباعد، وهو

стр. 6027

الذي قال الله فيه: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]، ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٥]. الخلاف الثاني: خلاف أمثال هؤلاء من الصحابة ومن العلماء، فهؤلاء خلافهم ينتهي إلى وفاق، وخير شاهد على ذلك: أن رجع عمر ﵁ إلى قول علي (١). والصحابة لم يمنعهم الحياء بأن يكون الصغير نبه الكبير أو مثلًا الذي يقصره في العلم قد يفوقه في بعض المسائل؛ لأن هذا قد يحفظ أمورًا ولا يحفظها غيره؛ فلا يمكن للإنسان أن يحيط بالعلم، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، ويقول : ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]؛ فهذا هو شأن الصحابة ﵃، واقتدى بهم علماء الأمة من سلفها حتى جاء عصر الأئمة وأتباعهم وإلى وقتنا هذا، وهذا واجب من كل مسلم أنه إذا تبين له الحق أن يقف عنده ويقول: سمعنا وأطعنا! * قوله: (وَالأَصْلُ أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ إِلَّا أَنْ يَقُومَ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ مِنْ كتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ مِنَ الأُمَّةِ). حتى إن بعض العلماء علل فقال: ليست هي أخطر من الزانية؛ فالزانية أكثر العلماء يشترط توبتها مع العدة (٢)، ومن العلماء من يبيح ذلك دون الشرطين؛ فما بالك بامرأة أشد خطرًا تجاوزت حدود الله والله

стр. 6028

تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]، ويقول تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢] هذه تقع في هذا الذنب العظيم لكنها أقلعت وتابت إلى الله تعالى توبة نصوحًا. فما وقع بين طليحة ورشيد ما وقع حقيقة إلا كما قال علي ﵁: "جهلا الحكم"؛ فلا يمكن أن يحصل من مسلم يخاف الله ويتقيه ويخشاه أن يقدم على أن يتزوج امرأة في عدتها؛ فإما أن يكون جاهلًا في هذا الأمر؛ فينبه على جهله ويبيَّن له خطؤه في ذلك؛ إذن باختصار ليست حالتهما أشد من حالة الزانية. * قوله: (وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: أَنَّ عُمَرَ كَانَ قَضى بِتَحْرِيمِهَا، وَكَوْن المَهْرِ فِي بَيْتِ المَالِ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا، أَنْكَرَهُ فَرَجَعَ عَنْ ذَلِكَ عُمَر، وَجَعَلَ الصَّدَاقَ عَلَى الزَّوْجِ، وَلَمْ يَقْضِ بِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ .. رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَشْعَثَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ (١)، وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِتَحْرِيمِهَا بِالعَقْدِ، فَهُوَ ضَعِيفٌ). ولذلك يحكى عن أبي حنيفة ﵀ أنه يقدم الرأي على بعض النصوص - أخبار الآحاد -، وهذا كلام غير صحيح. وأبو حنيفة ﵁ ربما لا يأخذ بأقوال الصحابة إذا اختلفوا، ولما سئل عن ذلك قال: "إذا جاء الأمر عن الله فعلى العين والرأس، وإذا جاء عن رسول الله فعلى العين والرأس، وإذا أجمع الصحابة على أمر أخذنا به، وإذا اختلفوا تخيرنا من أقوالهم، وإذا جاء عن التابعين فهم رجال ونحن رجال" (٢).

стр. 6029

ثم إن أبا حنيفة ﵀ اختلف فيه هل كان تابعيًّا أو لا؟ أصحابه يرون أنه تابعي وغيرهم يرون أنه ليس بتابعي، والحقيقة أنه عاش في عصر بعض التابعين. * قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا تُوطَأُ حَامِلٌ مَسْبِيَّةٌ حَتَّى تَضَعَ (١)، لِتَوَاتُرِ الأَخْبَارِ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ). قال رسول الله ﷺ : "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض" (٢). والحديث المتواتر (٣): هو الذي يرويه جمع غفير من الصحابة.

стр. 6030

* قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِنْ وَطِئَ هَلْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ الوَلَدُ أَوْ لَا يَعْتِق، وَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ (١)). لأنه لا أثر لوطئه لكنه ظلم نفسه لأنه لا يجوز أن يسقي ماءه زرع غيره. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ مَاؤُهُ مُؤَثِّرٌ فِي خِلْقَتِهِ أَوْ غَيْرُ مُؤثِّرٍ؟). والصحيح: أنه غير مؤثر، وتكلم عن هذه القضية الإمام النووى في "شرح مسلم" (٢).

стр. 6031

* قوله: (فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ مُؤَثِّرٌ، كَانَ لَهُ ابْنًا بِجِهَةٍ مَا، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ بِمُؤَثِّرٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "كيْفَ يَسْتَعْبِدُهُ وَقَدْ غَذَّاهُ فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ" (١)، وأَمَّا النَّظَرُ فِي مَانِعِ التَّطْلِيقِ ثَلَاثًا، فَسَيَأْتِي فِي كتَابِ الطَّلَاقِ). هذا الأثر أخرجة الطبراني في "الكبير" وهو من رواية خارجة بن مصعب عن رجاء بن حيوة، وقصته: أن الرسول ﷺ لما كان بخيبر مرت به جارية وهي مُجِحٌّ فقال الرسول ﷺ : "لمن هذة الجارية؟ " قالوا: لفلان؛ فقال رسول الله ﷺ : "أيطؤها؟ " قالوا: نعم. قال: "فكيف يصنع بولدها؟ أيدعيه وليس له بولد؟! أم يستعبده وهو يغدو في سمعه وبصره؟! لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه قبره! ". ومعنى كلمة مجح: بطنها كبير قاربت الولادة (٢). قال المصنف رحمه الله تعالى: (الفَصْلُ الثَّانِي عَشَرَ فِي مَانَعِ الزَّوْجِيَّةِ وَأَمَا مَانِعُ الزَّوْجِيَّةِ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ مَانِعَةٌ وَبَيْنَ الذَمِّيِّينَ (٣)).

стр. 6032

المحصنات: المتزوجات؛ لا يجوز التزوج بهن لقول الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ بدليل النص والإجماع. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي المَسْبِيَّةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (١)، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الأَمَةِ إِذَا بِيعَتْ، هَلْ يَكُونُ بَيْعُهَا طَلَاقًا؟ فَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِطَلَاقٍ (٢). وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ طَلَاقٌ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (٣)،

стр. 6033

وَجَابِرٍ (١)، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ (٢)، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ مَفْهُومِ حَدِيثِ بَرِيرَةَ (٣)؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يَقْتَضِي المَسْبِيَّاتِ وَغَيْرَهُنَّ، وَتَخْيِيرُ بَرِيرَةَ يُوجِبُ أَلَّا يَكُونَ بَيْعُهَا طَلَاقًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْعُهَا طَلَاقًا لَمَا خَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ العِتْقِ، وَلَكَانَ نَفْسُ شِرَاءِ عَائِشَةَ لَهَا طَلَاقًا مِنْ زَوْجِهَا، وَالحُجَّةُ لِلْجُمْهُورِ: مَا خَرَّجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ يَوْمَ حُنَيْنٍ سَرِيَّةً، فَأَصَابُوا حَيًّا مِنَ العَرَبِ يَوْمَ أَوْطَاسٍ، فَهَزَمُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ وَأَصَابُوا نِسَاءً لَهُنَّ أَزْوَاجٌ، وَكانَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَأَثَّمُوا مِنْ غِشْيَانِهِنَّ مِنْ أَجْل أَزْوَاجِهِنَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] " (٤)). إذا بيعت الأمة هل بيعها يعتبر طلاقًا لها فيكون مبيحًا للذي اشتراها أن يطأها لأنها مما ملكت يمينه؟ اختلف العلماء في هذه المسألة: القول الأول: ذهب ابن عباس وجماعة من الصحابة (٥) وبعض التابعين كسعيد بن المسيب (٦): إلى أن بيع الأمة طلاق لها؛ فإذا باعها مَن

стр. 6034

هي ملك له يكون نكاحه قد انفسخ وتصبح حلالًا للذي اشتراها، ودليل ذلك قول الله : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ثم استثنى سبحانه فقال: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. القول الثاني: ذهب جمهور العلماء (١) إلى أن بيع الأمة ليس طلاقًا لها، واستدلوا بقصة بريرة، وكانت تحت رجل اسمه مغيث وكان يحبها حبًّا عظيمًا وكانت تبغضه؛ فجاءت إلى عائشة ﵂ وطلبت منها أن تعينها في عتقها فساعدتها عائشة ﵂ فعتقت، وكان زوجها متعلقًا بها حتى قيل بأن الدمع كان يسيل على وجنته، والرسول ﷺ بعد ذلك قال لها: "ألا ترجعين إلى مغيث؟ " قالت: يا رسول الله، أتأمرني؟ قال: "لا، إنما أنا شافع" قالت: لا حاجة لي به (٢). فقصة بريرة فيها دليل على أن البيع لا يعتبر طلاقًا؛ لأنه لو كان طلاقًا لما خيَّرها الرسول ﷺ في الرجوع إلى زوجها الأول، لكن تخييره لها دليل على أنه لا يعتبر طلاقًا. هذا هو دليل الجمهور. * فائدة من قصة بريرة: الحب نوعان: الأول: حب يكون الدافع له حب القلب، ولا يخرج عن الأدب ولا عن الشريعة؛ فالإنسان يحب أباه ويحب ابنه ويحب أخاه وصديقه،

стр. 6035

وكل مسلم يحب أخاه المسلم، والله قال: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]، والمودة: هي الحب؛ إذن ليس هذا غريبًا. الحب الثاني: يحبها وهي لا تحبه؛ ولذلك قال الرسول ﷺ لعمه: "يا عباس، ألا تعجب من حب مغيثٍ بريرةَ، ومن بغض بريرةَ مغيثًا". القول الثالث: فرق بين أن يكون المشتري رجلًا أو امرأة؛ فقالوا: إن كان المشتري رجلًا فإنه في هذه الحالة يعتبر طلاقًا، وإن كانت امرأة فلا يعتبر طلاقًا؛ لأن المرأة لا يمكنها أن تستمتع ببُضع المرأة. لكن رُد عليهم: بأنها لا تستمتع ببضع المرأة لكنها ربما تعاوض عليه وتزوجها وتستفيد من مهرها؛ فالإشكال قائم. القول الرابع (١): أن ذلك ورد في المسبيات كما جاء في حديث أبي سعيد وغيره (٢). وهذا هو القول الصحيح، وهو الذي أيضًا انتهى إليه المحققون من العلماء؛ فسبب النزول معروف، وهو أن الرسول ﷺ لما بعث بعثًا في غزوة أوطاس فظفروا بما ظفروا به وكان من ذلك سبايا من النساء؛ فإنه حصل حرج من بعض أصحاب رسول الله ﷺ أن يغشى أحدهم تلكم المشركات؛ فأنزل الله : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٣). * قوله: (وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ هِيَ أَلْيَقُ بِكِتَابِ الطَّلَاقِ). لأنها ستبحث هناك تفصيلًا. * قوله: (فَهَذِهِ هِيَ جُمْلَةُ الأَشْيَاءِ المُصَحِّحَةِ لِلْأَنْكِحَةِ فِي الإِسْلَامِ، وَهِيَ كمَا قُلْنَا رَاجِعَةٌ إِلَى ثَلَاثَةِ أَجْنَاسٍ: صِفَةِ العَاقِدِ وَالمَعْقُودِ عَلَيْهَا، وَصِفَةِ العَقْدِ).

стр. 6036

العاقد يكون مسلمًا؛ فالمشركة لا يجوز للمسلم أن يتزوجها وله أن يتزوج الحرة الكتابية. والمعقود عليها: المسلمة، لا يجوز لمشرك أن يتزوجها (١). ويشترط في العقد وجود ولي ووجود شاهدين. وفي بعض ذلك خلاف لبعض العلماء (٢).

стр. 6037

* قوله: (وَصِفَةِ الشُّروطِ فِي العَقْدِ). منها ما يتعلق بالشهادة وبغيرها، وستأتي شروط سيعرض لها المؤلف. * قوله: (وَأَمَّا الأَنْكِحَةُ الَّتِي انْعَقَدَتْ قَبْلَ الإِسْلَامِ، ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهَا الإِسْلَامُ؛ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الإِسْلَامَ إِذَا كَانَ مِنْهُمَا مَعًا - أَعْنِي: مِنَ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ - وَقَدْ كَانَ عَقْدُ النِّكَاحِ عَلَى مَنْ يَصِحُّ ابْتِدَاءًا لعَقْدُ عَلَيْهَا فِي الإِسْلَامِ أَنَّ الإِسْلَامَ يُصَحِّحُ ذَلِكَ (١)). إذا أسلما معًا فلا خلاف بين العلماء في استمرار العقد، لكن شريطة ألا يوجد ما يمنع من استمرار العقد، فلا يقال بأن هذا تزوج خمسًا من النساء وهو مشرك فيبقى على ذلك، فالإسلام لا يقر ذلك لأن هذا لا يجوز في الإسلام، لكن الإسلام يصحح بعض العقود التي لا يترتب عليها تحريم أو تحليل. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعَيْنِ، أَحَدُهُمَا: إِذَا انْعَقَدَ النِّكَاحُ عَلَى

стр. 6038

أَكثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ (١)، أَوْ عَلَى مَنْ لَا يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الإِسْلَامِ (٢). وَالمَوْضِعُ الثَّانِي: إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الآخَرِ (٣)). حقيقة: المخالفات في الإسلام لا تقتصر على أمرين، بل هي كثيرة لكز، المؤلف أخذ أشهرها، وإلا لو تزوج امرأة في عدتها، أو تزوج امرأة وهي في عصمة رجل آخر … ونحو ذلك؛ فهذه أمور لا يقرها الإسلام. * قوله: (فَأَمَّا المَسْأَلَةُ الأُولَى: وَهِيَ إِذَا أَسْلَمَ الكَافِرُ وَعِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ أَوْ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ أُخْتَانِ؛ فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ (٤): يَخْتَارُ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، وَمِنَ الأُخْتَيْنِ وَاحِدَةً أَيَّتَهُمَا شَاءَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٥)

стр. 6039

وَأَحْمَدُ (١) وَدَاوُدُ (٢). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣) وَالثَّوْرِيُّ (٤)، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى (٥): يَخْتَارُ الأَوَائِلَ مِنْهُنَّ فِي العَقْدِ، فَإِنْ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ). أسلم كافر عنده أكثر من أربع نسوة وأسلمْنَ معه فما الحكم؟ هذه مسألة اختلف فيها العلماء: فجمهور العلماء: يرون أنه يختار منهن أربعًا أو أقل؛ لا يفرقون بين من كان عقدها الأول ومن كان عقدها الآخر، وبين أن يكنَّ مرتبات أو غير مرتبات، وبين أن يكون قد عقد عليهن في عقد واحد أو في عقود متعددة. وأبو حنيفة يقول: يختار الأوائل؛ لأن الأوائل لم يحصل جمع ممنوع بينهن كان أخذهن كما لو كان في الإسلام، لكن الخامسة جاءت في وقت منهي عنه؛ ولذلك المتأخرات يُلغى عقدهن. ولذلك يقول العلماء: لو أن إنسانًا تزوج أختين، لكنه عقد على

стр. 6040

الأولى ثم بعد فترة عقد على الأخرى؛ فعقد الثانية يلغى والأولى يبقى، لأن الأولى لم يصادف العقد عليها جمعًا بين أختين، أما الثانية فجاء الجمع فيزول ذلك العقد، لكن لو وطئ أختين وأُمر بفسخ إحداهن فليس له أن يطأ التي اختارها حتى تنتهي عدة الأخرى؛ لأن العدة تعتبر جزءًا من النكاح فلا يجوز ذلك، وكذلك الحال بالنسبة للخامسة فأكثر. * قوله: (وَقَالَ ابْنُ المَاجِشُونِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ (١): إِذَا أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ أُخْتَانِ، فَارَقَهُمَا جَمِيعًا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ نِكَاحَ أَيَّتِهمَا شَاءَ، وَلَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ غَيْرُهُ). وهذا قول ضعيفٌ؛ لأنه قد ثبت ذلك في زمن رسول الله ﷺ في قصة فيروز الديلمي، وحديثه صحيح (٢)، والرسول ﷺ أمره أن يختار واحدة منهن وأن يفارق الأخرى؛ فهذا ورد فيه نص فلا محل للخلاف فيه ولا اجتهاد مع وجود النص. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ القِيَاسِ لِلْأَثَرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي ذَلِكَ أَثَرَانِ). لا يمكن أن يقاوَم حديث صحيح صريح بقياس، لكن ربما تكون دلالة النص غير ظاهرة، فمن الممكن أن يُستدل بالقيالس، فالقيالس دائمًا يدعم وهو ما يعرف بالدليل العقلي؛ لأن الأدلة نوعان (٣):

стр. 6041

- أدلة نقلية وهي أدلة الكتاب والسنة. - وأدلة عقلية وهو ما يعرف بالقياس. وكما قال العلماء المحققون لا يوجد قياس صحيح يعارض نصًّا صحيحًا؛ لا يمكن أن يتعارضا (١). * قوله: (أَحَدُهُمَا: مُرْسَلُ مَالِكٍ: "أَنَّ غَيْلَانَ بْنِ سَلَامَةَ الثَّقَفِيَّ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ أَسْلَمْنَ مَعَه، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا" (٢)). ليس مرسلًا كما ذكر المؤلف، لكنه جاء مرسلًا ومتصلًا في مسند الإمامين الشافعي (٣) وأحمد (٤) وعند الترمذي (٥) وابن ماجه (٦) وابن حبان (٧) والبيهقي في الكبرى (٨) وغير هؤلاء. والذين تكلموا في الحديث تكلموا بسبب أن الترمذي سأل محمد بن إسماعيل البخاري - الإمام البخاري - فقال في هذا الحديث: غير محفوظ،

стр. 6042

والمحفوظ هو المرسل، والمرسل ليس عند مالك، وإنما هو "أن رجلًا - وفي بعض الروايات: محمد الثقفي - أسلم وعنده نسوة فطلقهن فقال له عمر ﵁: لتراجعهن" (١). فقالوا: هذا هو الذي ورد. لكن نقل أن الإمام ابن كثير حقق هذه المسألة (٢)، وأنه قال: إن هذه الرواية والرواية الأخرى: "أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة" كلاهما جاءت في رواية عند أحمد فهو جاء بالروايتين معًا، وقال: إن سند هذا الحديث سند قوي. ويرفع ذلك كله ما جاء في "سنن النسائي"، وتكلم الحافظ ابن حجر في كتابه "التلخيص الحبير" (٣) عن حديث غيلان الثقفي وأنه أسلم وتحته عشر نسوة وفي بعض الروايات: "أسلمن معه ولما كان زمان عمر ﵁ طلقهن فقال له عمر: راجعهن". وصحح العلماء هذا السند. فهذا الحديث فيه كلام كثير للعلماء، لكن هو حديث صالح للاحتجاج به، يؤيده وبشهد له أيضًا حديث آخر في قصة الحارث بن قيس أو قيس بن حارث: أنه أسلم وتحته ثمان نسوة فإن الرسول ﷺ أمره أن يفارق منهن أربعًا ويمسك أربعًا. وهذا الحديث وإن كان فيه كلام فهو شاهد، ورواه أبو داود والترمذي وعبد الرزاق وغير هؤلاء العلماء (٤).

стр. 6043

وفي قصة نوفل بن معاوية الذي أسلم وعنده خمس نسوة فأمره الرسول ﷺ أن يفارق واحدة (١)؛ فالحديث هذا جاء في بعض طرقه أن سنده صحيح أو حسن وجاءت له شواهد تقويه وتعضده؛ فيصبح حديثًا صالحًا للاحتجاج به وهو حجة الجمهور. * قوله: (الحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ قَيْسِ بْنِ الحَارِثِ: "أَنَّهُ أَسْلَمَ عَلَى الأُخْتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ" (٢)). هذا خطأ من المؤلف في الحقيقة، وإنما الذي أسلم على أختين هو فيروز الديلمي، وبعضهم يقول: الضحاك بن فيروز الديلمي. * قوله: (وَأَمَّا القِيَاسُ المُخَالِفُ لِهَذَا الأَثَرِ: فَتَشْبِيهُ العَقْدِ عَلَى الأَوَاخِرِ قَبْلَ الإِسْلَامِ بِالعَقْدِ عَلَيْهِنَّ بَعْدَ الإِسْلَامِ - أَعْنِي: أَنَّهُ كَمَا أَنَّ العَقْدَ عَلَيْهِنَّ فَاسِدٌ فِي الإِسْلَامِ كَذَلِكَ قَبْلَ الإِسْلَامِ، وَفِيهِ ضَعْفٌ). هذا حقيقة قياس مع الفارق؛ لأن الإسلام إنما جاء بتأليف القلوب، ولذلك نجد أن من مصارف الزكاة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٠]، ثم لما زال ذلك أوقف ذلك عمر ﵁ (٣)؛ فالإسلام بني على التيسير والتخفيف وتحبيب الناس فيه؛

стр. 6044

ولذلك يقول الرسول ﷺ : "إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين" (١). ويقول: "بشروا ولا تنفروا وشروا ولا تعسروا" (٢). والله يقول عن نبيه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]. ويقول: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. ولقد أحسن المؤلف؛ لأن هذا قياس مع الفارق، وشتان بينهما؛ ذاك أمر حصل في جاهلية جهلاء وهذا حصل في ضياء ونور وهدى وتقى وصلاح؛ فذاك في ظلمات الجهل وهذا في نور الإيمان. إذن؛ نتبين أن مذهب الجمهور هو الراجح في هذه المسألة، وقد جاءت الآثار مؤيدة لذلك، وهو الأقرب لروح الإسلام التي قامت على التيسير والتخفيف. * قوله: (وَأَمَّا إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الآخَرِ - وَهِيَ المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ - ثُمَّ أَسْلَمَ الآخَر، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ). قد تسلم المرأة قبل الرجل وربما يسلم الرجل قبلها، وكل ذلك

стр. 6045

حصل في زمن رسول الله ﷺ ؛ فكم من النساء اللاتي هاجرن، وفي مقدمة تلكم النساء ابنة رسول الله ﷺ زينب فإنها هاجرت مسلمة مع رسول الله ﷺ وتركت زوجها أبا العاص بقي على الشرك ولم يسلم إلا بعد صلح الحديبية؛ فبقيت الفترة بينهما سنوات طويلة، وستأتي أمثلة عديدة يذكرها المؤلف. * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)). وأحمد (٤). * قوله: (إِنَّهُ إِذَا أَسْلَمَتِ المَرْأَةُ قَبْلَه، فَإِنَّهُ إِنْ أَسْلَمَ فِي عِدَّتِهَا كَانَ أَحَقَّ بِهَا، وَإِنْ أَسْلَمَ هُوَ وَهِيَ، فَنِكَاحُهَا ثَابِتٌ، لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَذَلِكَ: "أَنَّ زَوْجَهُ عَاتِكَةَ ابْنَةَ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ أَسْلَمَتْ قَبْلَه، ثُمَّ أَسْلَمَ هُوَ، فَأَقَرَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ علَى نِكَاحِهِ"، قَالُوا:

стр. 6046

"وَكَانَ بَيْنَ إِسْلَامِ صَفْوَانَ وَبَيْنَ إِسْلَامِ امْرَأَتِهِ نَحْوٌ مَنْ شَهْرٍ" (١)). هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال: القول الأول: إذا أسلم أحدهما قبل الآخر فإنهما يبقيان على نكاحهما مهما طال الزمن، وهذا لم يقل به إلا قلة وضعفه بعض العلماء (٢). القول الثاني: إذا أسلم أحد الزوجان كانت فرقة؛ إذ لا يجتمع مسلم مع مشرك (٣). القول الثالث: إذا أسلمت المرأة وأسلم زوجها وهي لا تزال في عدتها فهم على نكاحهما، وإن أسلم بعد العدة فلا، وهو رأي الجمهور (٤). وسبب الخلاف في ذلك: هو ما حصل من إسلام بعض الصحابة ﵃: فبعضهم أسلم قبل زوجته، ومن الزوجات من أسلمت

стр. 6047

قبل زوجها، وهناك من أسلما في وقت واحد، بل جاء في بعض الأحاديث: "أن امرأة أسلمت وتزوجت فجاء زوجها إلى رسول الله ﷺ فقال: أسلمت وهي تعلم ذلك فردها الرسول ﷺ إليه" (١). والله يقول: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾، هذا صريح في أن المسلم لا يبقي مشركة تحته. وقال تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾؛ فهنا بينت الحال بين الزوجين معًا لا هنَّ حل للمشركين ولا المشركون يحلون لهنَّ. لكن عندنا أمثلة كثيرة: كما في قصة صفوان أنه أسلم قبل زوجته بشهر (٢)، وحكيم بن حزام أسلم قبل زوجته، وأبو سفيان أسلم قبل زوجته، وأم حكيم زوجة عكرمة أسلمت قبل زوجها (٣)، وزينب بنت الرسول ﷺ أسلمت أيضًا قبل زوجها أبي العاص (٤). * قوله: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ امْرَأَةً هَاجَرَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَزَوْجُهَا كَافِرٌ مُقِيمٌ بِدَارِ الكُفْرِ إِلَّا فَرَّقَتْ هِجْرَتُهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا إِلَّا أَنْ يَقْدَمَ زَوْجُهَا مُهَاجِرًا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا (٥) ".

стр. 6048

هذا هو رأي الجمهور (١)، لكن يرد على هذا قصة زينب؛ فإنها مكثت سنواتٍ ورد الرسول ﷺ إليها زوجها. وقد جاء حديث عبد الله بن عباس قال: "رد رسول الله ﷺ زينب على أبي العاص ولم يُحدث في ذلك شيئًا" (٢). وجاء في الرواية الأخرى: "ولم يحدث شهادة ولا صداقًا" (٣). لكن جاء في رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن رسول ﷺ ردها إليه بعقد جديد" (٤). لكن هذا ضعيف، إنما حديث ابن عباس هو الصحيح، وهو صريح في أن رسول الله ﷺ ردها إليه. فاضطر هؤلاء أن يجيبوا - كابن عبد البر وغيره - بعدة أجوبة؛ قالوا: إدن النهي عن ذلك جاء متأخرًا؛ لأنه كان فيما مضى إذا أسلمت زوجة المشرك أو أسلم الرجل وبقيت زوجته على الكفر ما كان يفرق بينهما حتى نزلت: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ و ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ قالوا: وكان ذلك قبل الحديبية، أما بعد الحديبية فلا.

стр. 6049

فأجابوا عن قصة زينب: بأنها أسلمت قبل الحديبية ولم يكن هناك مانع (١). وأجابوا جوابًا آخر: قالوا باحتمال أن الرسول ﷺ ردها بعقد جديد (٢)، وكما قلنا: الرواية فيه ضعيفة. وبعضهم قال: باحتمال أن تكون حاملًا وطال حملها؛ لأن الحمل ربما يستقر في بطن المرأة (٣). وبعضهم قال: ربما أنها بقيت لا تحيض مدة طويلة. وهذه كلها تعليلات تحتاج إلى دليل، وأقوى ما فيها جاء في الآية: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ أنها جاءت متأخرة، ولا شك أن الأحوط في ذلك هو ما أخذ به مذهب جمهور العلماء، لكن ليس معنى ذلك أن الأقوال الأخرى ليست بقوية؛ هي قوية وبخاصة الذين قالوا: بأننا لم نقف على دليل صحيح فرق فيه الرسول ﷺ مع تعدد ذلك، ومع كثرة مَن أسلم

стр. 6050

من الرجال قبل النساء ومن النساء قبل الرجال؛ والأمثلة على ذلك كثيرة، وإن كان الذي قال به قلة كالنخعي وغيره. * قوله: (وَأَمَّا إِذَا أَسْلَمَ الزَّوْجُ قَبْلَ إِسْلَامِ المَرْأَةِ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ مَالِكٌ (١): إِذَا أَسْلَمَ الزَّوْجُ قَبْلَ المَرْأَةِ، وَقَعَتِ الفُرْقَةُ إِذَا عَرَضَ عَلَيْهَا الإِسْلَامَ فَأَبَتْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢): سَوَاءٌ أَسْلَمَ الرَّجُلُ قَبْلَ المَرْأَةِ؛ أَوِ المَرْأَةُ قَبْلَ الرَّجُلِ إِذَا وَقَعَ الإِسْلَامُ المُتَأَخِّرُ فِي العِدَّةِ، ثَبَتَ النِّكَاحُ). الجمهور حصل بينهم خلاف يسير في هذه المسألة، لكنهم من حيث الجملة متفقون عليها. فبعضهم قال: إذا أسلمت المرأة قبل الرجل ينتظر قليلًا فإن لم يسلم يفرق بينهما (٣). وبعضهم قال: يفرق بينهما (٤). وبعضهم قال: لا فرق بين أن تتقدم المرأة أو يتقدم الرجل بالنسبة للإسلام وهو رأي الأكثر (٥).

стр. 6051

* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ العُمُومِ لِلْأَثَرِ وَالقِيَاسِ، وَذَلِكَ أَنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] يَقْتَضِي المُفَارَقَةَ عَلَى الفَوْرِ، وَأَمَّا الأثَرُ المُعَارِضُ لِمُقْتَضَى هَذَا العُمُومِ: فَمَا رُوِيَ: "مِنْ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ أَسْلَمَ قَبْلَ هِنْدٍ بِنْتِ عُتْبَةَ امْرَأَتِهِ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ بِمَرِّ الظَّهْرَان، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ وَهِنْدٌ بِهَا كَافِرَةٌ، فَأَخَذَتْ بِلِحْيَتهِ، وَقَالَتْ: اقْتُلُوا الشَّيْخَ الضَّالَّ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ بَعْدَهُ بِأَيَّامٍ، فَاسْتَقَرَّا عَلَى نِكَاحِهِمَا" (١)). قصة أبي سفيان وقصة صفوان وأم حكيم وحكيم بن حزام وابن أمية شواهد كثيرة جدًّا لم يفرق الرسول ﷺ بينهم في هذا الأمر. * قوله: (وَأَمَّا القِيَاسُ المُعَارِضُ لِلْأَثَرِ، فَلِأَنَّهُ يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تُسْلِمَ هِيَ قَبْلَه، أَوْ هُوَ قَبْلَهَا، فَإِنْ كَانَتِ العِدَّةُ مُعْتَبَرَةً فِي إِسْلَامِهَا قَبْل، فَقَدْ يَجِبُ أَنْ تُعْتَبَرَ فِي إِسْلَامِهِ أَيْضًا قَبْلُ). هؤلاء يعللون بأنها في عدة والعدة تعتبر امتدادًا لحالة الزوجية، لكن الحقيقة أنه ليس هناك فرق واضح بين الأمرين. قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 6052

(البَابُ الثَّالِثُ فِي مُوجِبَاتِ الخِيَارِ فِي النِّكَاحِ وَمُوجِبَاتُ الخِيَارِ أَرْبَعَةٌ: العُيُوب، وَالإِعْسَارُ بِالصَّدَاقِ أَوْ بِالنَّفَقَةِ وَالكِسْوَةِ). العلماء وقفوا عند الأمور التي يكون لها تأثير مباشر أو غير مباشر. فالرجل إذا كان أجبَّ مقطوع الذكر (١) أو كانت المرأة مسدودة الفرج إما لوجود عظمة أو لحم نبت لم يمكن أن يلج فيها الذكر (٢)؛ فهنا لا تتحقق الغاية والهدف، وقد يوجد أمر آخر تنفر منه النفوس وتبتعد عنه الأزواق مثل البرص فالبرص يخاف منه الإنسان إما أن ينتقل إليه أو يخشى أن ينتقل إلى أولاده والوطء يحتاج لذة واللذة تحتاج إلى استعداد. فالعلماء عنوا بالأمور ذات العلاقة الوثيقة بالوطء؛ فقالوا: تقتضي الفسخ، لكن الفسخ ليس شرطًا؛ يعني: لو تزوجت امرأة رجلًا فبان عنينًا لا يستطيع أن يطأ ورضيت به؛ فالحمد لله، لكن لو طالبت فلها ما طلبت. * قوله: (وَالثَّالِثُ: الفَقْدُ - أَعْنِي: فَقْدَ الزَّوْجِ -، وَالرَّابِعُ: العِتْقُ لِلْأَمَةِ المُزَوَّجَةِ). قضية الفقد يبحثها الفقهاء كثيرًا في أبواب الفرائض عند تقسيم التركة، وأيضًا هذا موضعها في النكاح، والفقد ليس كما أطلق المؤلف؛ لأن المفقود أحيانًا يكون انقطاع الزوج انقطاعًا لا أمل معه في رجوعه،

стр. 6053

وأحيانًا ينقطع لكنه يعلم مكانه، والأمر مختلف بين الأمرين، ربما يكون أسيرًا في أيدي الكفار، وربما يكون سجينًا. * قوله: (فَيُعْقَدُ فِي هَذَا البَابِ أَرْبَعَةُ فُصُولٍ: الفَصْلُ الأَوَّلُ فِي خِيَارِ العُيُوبِ اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي مُوجَبِ الخِيَارِ بِالعُيُوبِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ، وَذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ، أَحَدُهُمَا: هَلْ يُرَدُّ بِالعُيُوبِ أَوْ لَا يُرَدُّ؟ وَالمَوْضِعُ الثَّانِي: إِذَا قُلْنَا إِنَّهُ يُرَدُّ فَمِنْ أَيِّهَا يُرَدُّ، وَمَا حُكْمُ ذَلِكَ؟ فَأَمَّا المَوْضِعُ الأَوَّلُ: فَإِنَّ مَالِكًا (١)، وَالشَّافِعِيَّ (٢) وَأَصْحَابَهُمَا قَالُوا: العُيُوبُ تُوجِبُ الخِيَارَ فِي الرَّدِّ أَوِ الإِمْسَاكِ. وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ (٣): لَا تُوجِبُ

стр. 6054

خِيَارَ الرَّدِّ وَالإِمْسَاكِ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ). جمهور العلماء من الصحابة والتابعين (١) ومالك والشافعي وأحمد (٢): يرون أن العيب الذي يترتب عليه خيار الفسخ عيب من العيوب التي تؤثر على بقاء النكاح؛ بمعنى أن تمنع الوطء، أو أن ينفر الإنسان منه، على اختلاف بينهم في تحديد ذلك؛ فإن هذا يقتضي الفسخ. وقال علي ﵁: "لا ترد حرة بعيب" (٣)؛ لأنها ما دامت حرة وإن وُجد بها عيب فليس ذلك سببًا في ردها، وأخذ بهذا القول النخعي والثوري (٤). ونقل عن عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل أنه قال: "لا ينفسخ

стр. 6055

النكاح بعيب" (١). وهذا هو الذي أخذ به أبو حنيفة (٢) انفرادًا عن الأئمة، لكن أبا حنيفة قال: أستثني من ذلك: أن يكون الزوج مجبوبًا أو أن يكون عنينًا، والمرأة يكون بها رتقٌ أو إن وجد بها؛ فأبو حنيفة يلتقي مع جمهور العلماء فيما يتعلق بالعيوب التي تختص بها المرأة أو التي تختص ببعضها، وأما العيوب التي يختص بها الرجل مثل الجذام والبرص والجنون هذه لا تأثير لها عند أبي حنيفة، ويرى أن هذه كلها لا تقتضي الفسخ، وإن وجد ما يرى أنه لا يؤثر فإنها تطلق طلقة واحدة على يد الحاكم. لأن العيوب لا تقتضي الفسخ؛ فلو كان الزوج أعمى لا يفسخ النكاح، أو كان مريضًا مرض مزمنًا لا يفسخ النكاح، لو كان أعرج لا يفسخ النكاح، لو كان به قرع الذي يصيب الرأس لا يفسخ النكاح، ولو كان به خصي عند أبي حنيفة لا يفسخ النكاح، ووجود الرائحة أيضًا لا تأثير له عند أبي حنيفة، فهناك صور كثيرة لا يفسخ فيها النكاح. وقضية الفسخ في الخيار موضع اتفاق بين العلماء؛ بأن الذي يتولى ذلك هو الحاكم؛ لأن هذه العيوب مختلف فيها، هل تقتضي الفسخ أو لا؟ فالذي يرفع ذلك الخلاف هو حكم الحاكم. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ شَيْئَانِ، أَحَدُهُمَا: هَلْ قَوْلُ الصَّاحِبِ حُجَّةٌ (٣)، وَالآخَرُ: قِيَاسُ النِّكَاحِ فِي ذَلِكَ عَلَى البَيْعِ؟). المقايسة التي سلكها المؤلف في باب النكاح قياس النكاح على

стр. 6056

البيع، والشبه بلا شك قريب جدًّا بين الأمرين؛ لأن ذاك مبادلة مال بمال، وهذا مبادلة عوض بمعوض؛ فالمبادلة موجودة هنا وهناك، لكن الفرق بينهما واضح؛ فالبيع كما هو معلوم إذا وجد عيب بيِّن يرد، أما النكاح فليس كل عيب من العيوب يقتضي ردًّا. * قوله: (فَأَمَّا قَوْلُ الصَّاحِبِ الوَارِدُ فِي ذَلِكَ: فَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: "أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَبِهَا جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ - وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: أَوْ قَرَنٌ - فَلَهَا صَدَاقُهَا كَامِلًا، وَذَلِكَ غُرْمٌ لِزَوْجِهَا عَلَى وَليِّهَا" (١)، وَأَمَّا القِيَاسُ عَلَى البَيْعِ: فَإِنَّ القَائِلِينَ بِمُوجِبِ الخِيَارِ لِلْعَيْبِ فِي النِّكَاحِ، قَالُوا: النِّكَاحُ فِي ذَلِكَ شَبِيهٌ بِالبَيْعِ. وَقَالَ المُخَالِفُونَ لَهُمْ: لَيْسَ شَبِيهًا بِالبَيْعِ لإجْمَاعِ المُسْلِمِينَ عَلَى أنَّهُ لَا يُرَدّ النِّكَاحُ بِكُلِّ عَيْبٍ، وَيُرَدُّ بِهِ البَيْعُ). هذه الأربع موضع اتفاق بين الأئمة الثلاثة؛ أيُّ واحد منهم يقتضي فسخ النكاح (٢). وبعضهم يفسر القرن: بنفس الرتق، وبعضهم يقول: الرتق يختلف عن القرن، وهذه التفصيلات موجودة عند الشافعية (٣) والحنابلة (٤) أكثر.

стр. 6057

أما عن الأثر: فقد أخرجه مالك في "موطئه" (١)، وأخرجه الشافعي في "سننه" (٢)، وسعيد بن منصور في "سننه" (٣)، وهو أثر ثابت (٤). والكلام الذي ذكر عن عمر ﵁ مجمل، وإلا إن كان قبل العقد فهذا أمر ينتهي ويرد كل شيء، لكن إن حصل العيب بعد العقد فقد يكون بعد الدخول وربما يكون بعد المسيس. * قوله: (وَأَمَّا المَوْضِعُ الثَّانِي فِي الرَّدِّ بِالعُيُوبِ: فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي أَيِّ العُيُوب يُرَدُّ بِهَا، وَفِي أَيِّهَا لَا يُرَدُّ، وَفِي حُكْمِ الرَّدِّ، فَاتَّفَقَ مَالِكٌ (٥)، وَالشَّافِعِيُّ (٦) عَلَى أَنَّ الرَّدَّ يَكُونُ مِنْ أَرْبَعَةِ عُيُوبٍ: الجُنُونِ وَالجُذَامِ وَالبَرَصِ وَدَاءِ الفَرْجِ الَّذِي يَمْنَعُ الوَطْءَ: إِمَّا قَرَنٌ أَوْ رَتْقٌ فِي المَرْأَةِ أَوْ عُنَّةٌ فِي الرَّجُلِ أَوْ خِصَاءٌ). العيوب التي يُردُّ بها عقد النكاح خمسة: يشترك الرجال والنساء منها في ثلاثة، هي: الجنون، والجذام، والبرص.

стр. 6058

ويختص الرجال منها اثنتين هما: الجب والخصاء، وفي مقابلتهما من النساء القرن والرتق. وإنما اعتبرت هذه العيوب الخمسة في الكفاءة، لأنه لما أوجبت وجودها فسخ النكاح الذي لا يوجبه نقص النسب فأولى أن تكون معتبرة في الكفاءة كالنسب. * قوله: (وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي أَرْبَعٍ: فِي السَّوَادِ، وَالقَرَعِ، وَبَخَرِ الفَرْجِ، وَبَخَرِ الفَمِ، فَقِيلَ: تُرَدُّ بِهَا، وَقِيلَ: لَا تُرَدُّ (١)). البخر: الرائحة المتغيِّرة من الفم من نتن وغيره، بخر الفم بخرًا، إذا أنتن وتغيَّر ريحه (٢)، ولم يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى. ولمَّا كان البخر في الإنسان يؤدِّي إلى النَّفرة والتأذِّي اعتبره الفقهاء عيبًا، واتفقوا على أنه من العيوب التي يثبت بها الخيار في بيع الإماء. وأما في النكاح: فقد اختلفوا في ثبوت الخيار والفسخ به. * قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (٣) وَالثَّوْرِيُّ (٤): لَا تُرَدُّ المَرْأَةُ فِي النِّكَاحِ إِلَّا بِعَيْبَيْنِ فَقَطْ: القَرَنِ وَالرَّتَقِ). فليس عندهما تخيير للزوج أو الزوجة بعيب من العيوب، إلا بالقرْن،

стр. 6059

وهو: مانع في الفرج يمنع من سلوك الذكر فيه، إما غدة غليظة، أو لحمة مرتتقة، أو عظم، وامرأة قَرْناء بها ذلك. وكذلك الرَّتق، وهو: انسداد فرج المرأة. * قوله: (فَأَمَّا أَحْكَامُ الرَّدِّ، فَإِنَّ القَائِلِينَ بِالرَّدِّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا عَلِمَ بِالعَيْبِ قَبْلَ الدُّخُولِ طَلَّقَ، وَلَا شَيْء عَلَيْهِ). يعني: أحكام الردِّ بالعيب. (وَاخْتَلَفُوا إِنْ عَلِمَ بَعْدَ الدُّخُولِ وَالمَسِيسِ، فَقَالَ مَالِكٌ (١): إِنْ كَانَ وَلَيُّهَا الَّذِي زَوَّجَهَا مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ لِقُرْبِهِ مِنْهَا أَنَّهُ عَالِمٌ بِالعَيْبِ مِثْلُ الأَبِ وَالأَخِ، فَهُوَ غَارٌّ يَرْجِعُ عَلَيْهِ الزَّوْجُ بِالصَّدَاقِ، وَلَيْسَ يَرْجِعُ عَلَى المَوْأَةِ بِشَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا، رَجَعَ الزَّوْجُ عَلَى المَرْأَةِ بِالصَّدَاقِ كُلِّهِ إِلَّا رُبُعَ دِينَارٍ فَقَطْ). إذا كان العلم بالعيب بعدَ الدخول، فيذهب الزوج إلى وليِّ المرأة سواء كان أبًا أو أخًا أو ابن، ولا يُخْف على الوليِّ حال هذه المرأة، ولأنَّ الوليَّ صار مدلِّسًا بهذا الكتمان، ولا يكون هناك شيء على الزوجة من الصداق الذي كان قد أعطاه الزوج لها. أما إن كان هذا الوليُّ بعيدًا، ويخفى عليه حالها؛ كابن العم: فله أن يرجع عليها، ولكن يترك له من صداقها شيئًا قدَّروه بربع دينار؛ حتى لا يخلو البُضْع عن مهر أو صداق، فيكون شبيهًا بما لو وطأها بالزنا.

стр. 6060

* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): إِنْ دَخَلَ لَزِمَهُ الصَّدَاقُ كُلُّهُ بِالمَسِيسِ وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهَا وَلَا عَلَى وَليٍّ). فليس عند الشافعيِّ تفصيل؛ فإنَّه يقول: له الفسخ بعد الدخول أو مع الدخول، وعليه المهر كاملًا بما مسَّها. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَرَدُّدُ تَشْبِيهِ النِّكَاحِ بِالبَيْعِ، أَوْ بِالنِّكَاحِ الفَاسِدِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ المَسِيسُ - أَعْنِي: اتِّفَاقَهُمْ عَلَى وُجُوبِ المَهْرِ فِي الأَنْكِحَةِ الفَاسِدَةِ بِنَفْسِ المَسِيسِ - لقَوْلِهِ ﵊: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْن سَيِّدِهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، وَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْهَا" (٢)). وقوله: "وَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْهَا"؛ أي: استمتع من فَرْجِها، وهو يدلُّ على أنَّ المهر إنَّما يجب بالإصابة، وأنَّ الدخول كنايةً عنها. قال: (فَكَانَ مَوْضِعُ الخِلَافِ: تَرَدُّدُ هَذَا الفَسْخِ بَيْنَ حُكْمِ الرَّدِّ بِالعَيْب فِي البُيُوعِ، وَبَيْنَ حُكْمِ الأَنْكِحَةِ المَفْسُوخَةِ - أَعْنِي: بَعْدَ الدُّخُولِ -). فمنهم من جعلها كأحكام الردِّ بالعيب في البيوع، ومنهم من جعل حكمها حكم الأنكحة المفسوخة. * قوله: (وَاتَّفَقَ الَّذِينَ قَالُوا بِفَسْخِ نِكَاحِ العِنِّينِ: أَنَّهُ لَا يُفْسَخُ حَتَّى يُؤَجَّلَ سَنَةً يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا بِغَيْرِ عَائِقٍ (٣)).
следующие страницы →