← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

البيع، والشبه بلا شك قريب جدًّا بين الأمرين؛ لأن ذاك مبادلة مال بمال، وهذا مبادلة عوض بمعوض؛ فالمبادلة موجودة هنا وهناك، لكن الفرق بينهما واضح؛ فالبيع كما هو معلوم إذا وجد عيب بيِّن يرد، أما النكاح فليس كل عيب من العيوب يقتضي ردًّا. * قوله: (فَأَمَّا قَوْلُ الصَّاحِبِ الوَارِدُ فِي ذَلِكَ: فَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: "أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَبِهَا جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ - وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: أَوْ قَرَنٌ - فَلَهَا صَدَاقُهَا كَامِلًا، وَذَلِكَ غُرْمٌ لِزَوْجِهَا عَلَى وَليِّهَا" (١)، وَأَمَّا القِيَاسُ عَلَى البَيْعِ: فَإِنَّ القَائِلِينَ بِمُوجِبِ الخِيَارِ لِلْعَيْبِ فِي النِّكَاحِ، قَالُوا: النِّكَاحُ فِي ذَلِكَ شَبِيهٌ بِالبَيْعِ. وَقَالَ المُخَالِفُونَ لَهُمْ: لَيْسَ شَبِيهًا بِالبَيْعِ لإجْمَاعِ المُسْلِمِينَ عَلَى أنَّهُ لَا يُرَدّ النِّكَاحُ بِكُلِّ عَيْبٍ، وَيُرَدُّ بِهِ البَيْعُ). هذه الأربع موضع اتفاق بين الأئمة الثلاثة؛ أيُّ واحد منهم يقتضي فسخ النكاح (٢). وبعضهم يفسر القرن: بنفس الرتق، وبعضهم يقول: الرتق يختلف عن القرن، وهذه التفصيلات موجودة عند الشافعية (٣) والحنابلة (٤) أكثر.

стр. 6057

أما عن الأثر: فقد أخرجه مالك في "موطئه" (١)، وأخرجه الشافعي في "سننه" (٢)، وسعيد بن منصور في "سننه" (٣)، وهو أثر ثابت (٤). والكلام الذي ذكر عن عمر ﵁ مجمل، وإلا إن كان قبل العقد فهذا أمر ينتهي ويرد كل شيء، لكن إن حصل العيب بعد العقد فقد يكون بعد الدخول وربما يكون بعد المسيس. * قوله: (وَأَمَّا المَوْضِعُ الثَّانِي فِي الرَّدِّ بِالعُيُوبِ: فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي أَيِّ العُيُوب يُرَدُّ بِهَا، وَفِي أَيِّهَا لَا يُرَدُّ، وَفِي حُكْمِ الرَّدِّ، فَاتَّفَقَ مَالِكٌ (٥)، وَالشَّافِعِيُّ (٦) عَلَى أَنَّ الرَّدَّ يَكُونُ مِنْ أَرْبَعَةِ عُيُوبٍ: الجُنُونِ وَالجُذَامِ وَالبَرَصِ وَدَاءِ الفَرْجِ الَّذِي يَمْنَعُ الوَطْءَ: إِمَّا قَرَنٌ أَوْ رَتْقٌ فِي المَرْأَةِ أَوْ عُنَّةٌ فِي الرَّجُلِ أَوْ خِصَاءٌ). العيوب التي يُردُّ بها عقد النكاح خمسة: يشترك الرجال والنساء منها في ثلاثة، هي: الجنون، والجذام، والبرص.

стр. 6058

ويختص الرجال منها اثنتين هما: الجب والخصاء، وفي مقابلتهما من النساء القرن والرتق. وإنما اعتبرت هذه العيوب الخمسة في الكفاءة، لأنه لما أوجبت وجودها فسخ النكاح الذي لا يوجبه نقص النسب فأولى أن تكون معتبرة في الكفاءة كالنسب. * قوله: (وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي أَرْبَعٍ: فِي السَّوَادِ، وَالقَرَعِ، وَبَخَرِ الفَرْجِ، وَبَخَرِ الفَمِ، فَقِيلَ: تُرَدُّ بِهَا، وَقِيلَ: لَا تُرَدُّ (١)). البخر: الرائحة المتغيِّرة من الفم من نتن وغيره، بخر الفم بخرًا، إذا أنتن وتغيَّر ريحه (٢)، ولم يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى. ولمَّا كان البخر في الإنسان يؤدِّي إلى النَّفرة والتأذِّي اعتبره الفقهاء عيبًا، واتفقوا على أنه من العيوب التي يثبت بها الخيار في بيع الإماء. وأما في النكاح: فقد اختلفوا في ثبوت الخيار والفسخ به. * قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (٣) وَالثَّوْرِيُّ (٤): لَا تُرَدُّ المَرْأَةُ فِي النِّكَاحِ إِلَّا بِعَيْبَيْنِ فَقَطْ: القَرَنِ وَالرَّتَقِ). فليس عندهما تخيير للزوج أو الزوجة بعيب من العيوب، إلا بالقرْن،

стр. 6059

وهو: مانع في الفرج يمنع من سلوك الذكر فيه، إما غدة غليظة، أو لحمة مرتتقة، أو عظم، وامرأة قَرْناء بها ذلك. وكذلك الرَّتق، وهو: انسداد فرج المرأة. * قوله: (فَأَمَّا أَحْكَامُ الرَّدِّ، فَإِنَّ القَائِلِينَ بِالرَّدِّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا عَلِمَ بِالعَيْبِ قَبْلَ الدُّخُولِ طَلَّقَ، وَلَا شَيْء عَلَيْهِ). يعني: أحكام الردِّ بالعيب. (وَاخْتَلَفُوا إِنْ عَلِمَ بَعْدَ الدُّخُولِ وَالمَسِيسِ، فَقَالَ مَالِكٌ (١): إِنْ كَانَ وَلَيُّهَا الَّذِي زَوَّجَهَا مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ لِقُرْبِهِ مِنْهَا أَنَّهُ عَالِمٌ بِالعَيْبِ مِثْلُ الأَبِ وَالأَخِ، فَهُوَ غَارٌّ يَرْجِعُ عَلَيْهِ الزَّوْجُ بِالصَّدَاقِ، وَلَيْسَ يَرْجِعُ عَلَى المَوْأَةِ بِشَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا، رَجَعَ الزَّوْجُ عَلَى المَرْأَةِ بِالصَّدَاقِ كُلِّهِ إِلَّا رُبُعَ دِينَارٍ فَقَطْ). إذا كان العلم بالعيب بعدَ الدخول، فيذهب الزوج إلى وليِّ المرأة سواء كان أبًا أو أخًا أو ابن، ولا يُخْف على الوليِّ حال هذه المرأة، ولأنَّ الوليَّ صار مدلِّسًا بهذا الكتمان، ولا يكون هناك شيء على الزوجة من الصداق الذي كان قد أعطاه الزوج لها. أما إن كان هذا الوليُّ بعيدًا، ويخفى عليه حالها؛ كابن العم: فله أن يرجع عليها، ولكن يترك له من صداقها شيئًا قدَّروه بربع دينار؛ حتى لا يخلو البُضْع عن مهر أو صداق، فيكون شبيهًا بما لو وطأها بالزنا.

стр. 6060

* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): إِنْ دَخَلَ لَزِمَهُ الصَّدَاقُ كُلُّهُ بِالمَسِيسِ وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهَا وَلَا عَلَى وَليٍّ). فليس عند الشافعيِّ تفصيل؛ فإنَّه يقول: له الفسخ بعد الدخول أو مع الدخول، وعليه المهر كاملًا بما مسَّها. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَرَدُّدُ تَشْبِيهِ النِّكَاحِ بِالبَيْعِ، أَوْ بِالنِّكَاحِ الفَاسِدِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ المَسِيسُ - أَعْنِي: اتِّفَاقَهُمْ عَلَى وُجُوبِ المَهْرِ فِي الأَنْكِحَةِ الفَاسِدَةِ بِنَفْسِ المَسِيسِ - لقَوْلِهِ ﵊: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْن سَيِّدِهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، وَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْهَا" (٢)). وقوله: "وَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْهَا"؛ أي: استمتع من فَرْجِها، وهو يدلُّ على أنَّ المهر إنَّما يجب بالإصابة، وأنَّ الدخول كنايةً عنها. قال: (فَكَانَ مَوْضِعُ الخِلَافِ: تَرَدُّدُ هَذَا الفَسْخِ بَيْنَ حُكْمِ الرَّدِّ بِالعَيْب فِي البُيُوعِ، وَبَيْنَ حُكْمِ الأَنْكِحَةِ المَفْسُوخَةِ - أَعْنِي: بَعْدَ الدُّخُولِ -). فمنهم من جعلها كأحكام الردِّ بالعيب في البيوع، ومنهم من جعل حكمها حكم الأنكحة المفسوخة. * قوله: (وَاتَّفَقَ الَّذِينَ قَالُوا بِفَسْخِ نِكَاحِ العِنِّينِ: أَنَّهُ لَا يُفْسَخُ حَتَّى يُؤَجَّلَ سَنَةً يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا بِغَيْرِ عَائِقٍ (٣)).

стр. 6061

إذا وجدت المرأة زوجَها عنينًا أو مجبوبًا، فله عليها الحقُّ أن يُؤجَّل سنةً من السنوات الهجرية؛ ليستطيع بإذن الله علاج نفسه. * قوله: (وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي العِلَّةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا قُصِرَ الرَّدُّ عَلَى هَذِهِ العُيُوبِ الأَرْبَعَةِ، فَقِيلَ: لِأَنَّ ذَلِكَ شَرْعٌ غَيْرُ مُعَلَّلٍ، وَقِيلَ: لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَخْفَى، وَمَحْمَلُ سَائِرِ العُيُوبِ عَلَى أَنَّهَا مِمَّا لَا تَخْفَى. وَقِيلَ: لِأَنَّهَا يُخَافُ سِرَايَتُهَا إِلَى الأَبْنَاءِ، وَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ يُرَدُّ بِالسَّوَادِ وَالقَرَعِ، وَعَلَى الأَوَّلِ يُرَدُّ بِكُلِّ عَيْبٍ إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ مِمَّا خَفِيَ عَلَى الزَّوْجِ). خلافُهم هذا في تحديد السبب الذي اقتصرت فيه العيوب على أربعة، فمنهم من قال: لأن هذا جاء به النَّص وهو غير معلَّل، ومنهم من قال: خوفًا من انتقال هذه الأمراض إلى الأولاد. ثُمَّ استشكل المؤلف استشكالًا وجيهًا، وكأنَّه يردُّ به على كلامهم هذا. فقال: إذا كان الأمر أنَّه يُخاف أن يصاب بهذا العيب الأولاد، فإنَّ السواد والقرع عيبٌ يُصاب به الأولاد كثيرًا!

стр. 6062

وإذا كان الأمرُ أنَّ هذه العيوب مما يخفى على الزوج رؤيته وقت الخِطبة، فسيقول القائل: إذن نردُّ بكُلِّ عيب خفي على الزوج! قال المصنف رحمه الله تعالى: (الفَصْلُ الثَّانِي فِي خِيَارِ الإِعْسَارِ بِالصَّدَاقِ وَالنَّفَقَةِ وَاخْتَلَفُوا فِي الإِعْسَارِ بِالصَّدَاقِ). الإعسار بالصداق يعني: إذا عجز الزوج أن يدفع الصداق الذي التزم به فما الحكم هنا: هل يفسخ النكاح أو لا؟ لا يخلو أن يتبين الإعسار قبل الدخول أو بعده، فإن كان قبل الدخول ورغبت في ذلك انتهى العقد، وإن كان بعد الدخول فيه تفصيل. * قوله: (فَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ: تُخَيَّرُ إِذَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا (١)، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (٢)). وأحمد (٣)؛ فالجمهور على أنها تخير إذا عجز عن الصداق.

стр. 6063

* قوله: (وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي قَدْرِ التَّلَوُّمٍ لَهُ؛ فَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ فِي دْلِكَ حَدٌّ، وَقِيلَ: سَنَة، وَقِيلَ: سَنَتَينِ (١)، وَقَالَ أبُو حَنِيفَةَ: هِيَ غَرِيمٌ مِنَ الغُرَمَاءِ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَيُؤْخَذُ بِالنَّفَقَةِ، وَلَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا حَتَّى يُعْطِيَهَا المَهْرَ (٢). وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَغْلِيبُ شَبَهِ النِّكَاحِ فِي ذَلِكَ بِالبَيْعِ، أَوْ تَغْلِيبُ الضَّرَرِ اللَّاحِقِ لِلْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ مِنْ عَدَمِ الوَطْءِ، تَشْبِيهًا بِالإِيلَاءِ وَالعُنَّةِ). القصد بالتلوم: الانتظار (٣)؛ يعني: هل هناك وقت ينتظر فيه يعطى للزوج المعسر أو لا؟ والإيلاء: هو أن يقسم الرجل ألا يطأ امرأته مدة: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧] يؤلي بمعنى: يحلف بالله ألا يطأ امرأته فإن فاء؛ يعني: رجع ووطئ (٤)، وإن لم يطأ

стр. 6064

وانتهت المدة المحددة؛ فإنه يرفع الأمر إلى الحاكم؛ فيحصل بذلك الفسخ إلا أن تجد موانع ضرورية، كأن يقول: أنا بحاجة إلى أن آكل أو ألبس ثوبي وأن أتناول شيئًا من الأمور السريعة، وسيأتي الكلام عنه قريبًا إن شاء الله. * قوله: (وَأَمَّا الإِعْسَارُ بِالنَّفَقَةِ (١): فَقَالَ مَالِكٌ (٢) وَالشَّافِعِيُّ (٣)، وَأَحْمَدُ (٤)، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ (٥) وَجَمَاعَةٌ (٦)). المؤلف كثيرًا ما يسكت عن أحمد وهو يعتمد على كتاب "الاستذكار"، فالمسألة الأولى لم يذكره وهو مع الجمهور، وهنا أشار إلى أحمد؛ لأن ابن عبد البر ذكر الإمام أحمد.

стр. 6065

* قوله: (يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (١)، وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ (٢)). هناك فرق بين الإعسار وبين البخل؛ كما في قصة هند لما شكت إلى رسول الله ﷺ وقالت: أبو سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي؛ فقال لها ﵊: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (٣). فهناك فرق بين إنسان يملك المال ولكنه بخيل؛ فهذا يرغم على النفقة. * قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤)، وَالثَّوْرِيُّ (٥): لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ). أبو حنيفة ﵀ يقول: يرفع عنها يده ويتركها تتكسب، ربما تذهب

стр. 6066

تحتطب لكن بستر وصيانة، وربما تذهب في بعض الأعمال الشريفة، المهم أنها تكسب مالًا لتنفق على نفسها. أما الآخرون فقالوا: لا هي غير مطالبة بذلك. أبو حنيفة ﵀ حريص كل الحرص على أن يظل الزواج ولا يتزعزع، حتى لو حصل نقص فيما يتعلق بالإعسار، هذه هي وجهة أبي حنيفة ﵀ وهي وجهة لها حظ من النظر. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَشْبِيهُ الضَّرَرِ الوَاقِعِ مِنْ ذَلِكَ بِالضَّرَرِ الوَاقِعِ مِنَ العُنَّةِ، لِأَنَّ الجُمْهُورَ عَلَى القَوْلِ بِالتَّطْلِيقِ عَلَى العِنِّينِ (١)، حَتَّى لَقَدْ قَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: إِنَّهُ إِجْمَاعٌ (٢)، وَرُبَّمَا قَالُوا: النَّفَقَة فِي مُقَابَلَةِ الاسْتِمْتَاعِ (٣) بِدَلِيلِ أَنَّ النَّاشِزَ لَا نَفَقَةَ لَهَا عِنْدَ الجُمْهُورِ (٤)؛ فَإِذَا لَمْ يَجِدِ

стр. 6067

النَّفَقَةَ، سَقَطَ الاسْتِمْتَاع، فَوَجَبَ الخِيَار، وَأَمَّا مَنْ لَا يَرَى القِيَاسَ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: قَدْ ثَبَتَتِ العِصْمَةُ بِالإِجْمَاعِ، فَلَا تَنْحَلُّ إِلَّا بِإِجْمَاعٍ، أَوْ بِدَلِيلٍ مِنْ كتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ، فَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ اسْتِصْحَابِ الحَالِ لِلْقِيَاسِ). العنين يلحق المرأة ضررًا تريد أن تستمتع بزوجها، هو كذلك يريد هذا الأمر؛ فإذا لم تجد أقل ما يسمى لقمة عيش لتأكلها، فكيف تقيم حياتها مع هذا الأمر، فهذا ضرر؛ بل ربما يكون الطعام في حالة الشدة أكثر. قال المصنف رحمه الله تعالى: (الفَصْلُ الثَّالِثُ فِي خِيَارِ الفَقْدِ) فصل المؤلف قول المالكية على خلاف المنهج الذي رسمه لنفسه في هذا الكتاب؛ فأشار إلى أنه سيقتصر على أمهات المسائل وقواعدها، وأنه لا يدخل في التفصيلات؛ ولذلك نرى أنه عندما تعمق في مذهب المالكية أغفل باقي المذاهب وأشار إليهم بمواقف طفيفة. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي المَفْقُودِ الَّذِي تُجْهَلُ حَيَاتُهُ أَوْ مَوْتُهُ فِي أَرْضِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ مَالِكٌ (١): يُضْرَبُ لامْرَأَتِهِ أَجَلٌ أَرْبَعُ سِنِينَ مِنْ يَوْمِ

стр. 6068

تَرْفَعُ أَمْرَهَا إِلَى الحَاكِمِ، فَإِذَا انْتَهَى الكَشْفُ عَنْ حَيَاتِهِ أَوْ مَوْتِهِ، فَجُهِلَ ذَلِكَ، ضَرَبَ لَهَا الحَاكِمُ الأَجَلَ، فَإِذَا انْتَهَى اعْتَدَّتْ عِدَّةَ الوَفَاةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَحَلَّتْ. قَالَ: وَأَمَّا مَالُهُ فَلَا يُورَثُ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ مِنَ الزَّمَانِ مَا يُعْلَمُ أَنَّ المَفْقُودَ لَا يَعِيشُ إِلَى مِثْلِهِ غَالِبًا. فَقِيلَ: سَبْعُونَ، وَقِيلَ: ثَمَانُونَ، وَقِيلَ: تِسْعُونَ، وَقِيلَ: مِائَةٌ فِيمَنْ غَابَ وَهُوَ دُونَ هَذِهِ الأَسْنَانِ، وَرُوِيَ هَذَا القَوْلُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ أَيْضًا عَنْ عُثْمَانَ (١)، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ (٢). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٤)، وَالثَّوْرِيُّ (٥): لَا تَحِلُّ امْرَأَةُ المَفْقُودِ حَتَّى يَصِحَّ مَوْتُهُ).

стр. 6069

هذه المسألة تتعلق بغيبة الزوج، يعني غياب الزوج عن زوجته ليس الغياب المعتاد المعروف بأن يخرج ويعود، فهذه تنقسم من حيث الجملة إلى قسمين (١): أولها: أن يغيب الرجل عن زوجته غيبة ولكن يعرف مكانه ويعرف أخباره، كأن ينتقل من بلد إلى بلد آخر ويحصل الاتصال به عن طريق الرسائل؛ فهذا ليس مجال الحديث عنه هنا، فهو لا يدخل في أحكام المفقود، ويجب على زوجته أن تبقى تنتظره وليس لها أن تطلب الفسخ، إلا ألا يترك لها نفقة وألا يوصي غيره بالنفقة عليها؛ ففي هذه الحالة لها أن تطلب الفسخ لكونه لم ينفق عليها، فترد هذه المسألة إلى مسألة العسار بالنفقة. ثانيها: أن يغيب الزوج غيبة منقطعة، لا يعرف مكانه ولا تصل أخباره؛ فهو أصبح سائحًا في هذه الأرض لا يعرف أهو في عداد الأموات أم في ضمن الأحياء؛ إذن هو أصبح مفقودًا، ومع ذلك قسم بعض العلماء هذا المصنف إلى قسمين (٢):

стр. 6070

القسم الأول: مفقود ظاهر غيبته السلامة؛ يعني: إنسان سافر فانقطع خبره وظاهر أمره السلامة؛ كأن يسافر لطلب التجارة أو العلم أو السياحة؛ فهذا مفقود لا يعرف مكانه، لكن ظاهر غيبته السلامة فهو سافر في طريق مأمون. هذا القسم اختلف فيه العلماء: الحنابلة: يقولون: إن على المرأة أن تنتظر زوجها في هذه الحالة، وليس لها أن تتربص أو تعتد أو أن تتزوج بعد ذلك (١). والمالكية (٢): يخالفون في ذلك؛ فيرون أن هذا يدخل ضمن قسم ما يكون غالب غيبته الهلاك؛ فيقولون: تتربص أربع سنوات؛ لأن غالب مدة الحمل هي أربع سنوات فلا تتجاوز ذلك، ثم بعد ذلك تعتد أربعة أشهر وعشرًا، ثم بعد ذلك تحل للأزواج، ويستدلون أن ذلك حصل في زمن عمر ﵁؛ فأمر المرأة أن تفعل ذلك (٣). ويقولون: أليس في مسألة العنين للمرأة أن تطلب فسخ النكاح؟ كذلك إذا أعثر بالنفقة أليس لها حق فسخ النكاح؟ فيقولون: هذا جمع الأمرين معًا؛ فهذا أولى، رجل غاب ولا يعرف مكانه ولا جهته ولا تصل أخباره وقد انقطعت نفقته؛ فهذه المرأة أقل أحوالها أن تعامل معاملة زوجة العنين أو المعسر بالنفقة. الشافعية والحنفية (٤): مذهبهم أن المرأة مهما طالت غيبة زوجها ومهما كان فقده غالبه الهلاك؛ فإنها لا تتزوج ولا تقسم تركته، إلا أن

стр. 6071

يصل خبر بوفاته أو بفراقه لها بأن يكون قد طلقها أو آلى منها. القسم الثاني: ما يكون غالب فقده الهلاك. ذكر العلماء أمثلة كثيرة لهذا: كمن يسافر في مَهلكة كإلى صحراء ليس فيها ماء ولا زرع، ليس فيها إنس، انقطع في هذه الصحراء، سلك هذا الطريق المخيف ثم بعد ذلك انقطعت أخباره، أو سلك طريقًا موحشًا تتجمع فيه الحيوانات المفترسة فانقطع خبره في هذا المكان، أو ركب البحر مع جماعة فغرقت هذه السفينة فمات معظم من فيها ولا يعرف خبره. أو كمن يخرج للصلاة ولا يعود، أو يفقده أهله ليلًا أو نهارًا ولا يدرى أين ذهب، أو غيرها من الأمثلة الكثيرة؛ فقالوا: هذا غالب حاله الهلاك. الحنفية والمالكية يلتقون في هذا الأمر، لكن المالكية يستثنون مَن ينقطع خبره بين الصفين فإنه لا ينتظر مدة طويلة (١). فيرى العلماء أن زوجته تتربص أربع سنوات، ثم بعد ذلك تعتد أربعة أشهر وعشرًا، ثم بعد ذلك تصبح صالحة لأنْ يتقدم إليها مَن يريد خطبتها. ودليل ذلك: أثر عمر ﵁ الذي أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢) وسعيد بن منصور في "سننه" (٣) وغيرهم، وحكم عليه العلماء أنه جاء بطرق صحيحة: قصته (٤): "أن رجلًا فُقد في زمن عمر ﵁ فجاءت

стр. 6072

امرأته إلى عمر ﵁ تخبره الخبر؛ فقال لها: انطلقي فتربصي أربع سنوات؛ فذهبت وتربصت أربع سنوات ثم أتته فقال لها: انطلقي فاعتدي أربعة أشهر وعشرًا فاعتدت، ثم عادت إليه فدعا ولي الرجل الذي فُقد فأحضر إليه فأمره أن يطلقها فطلقها، ثم أخبرها عمر بأنها تحل للأزواج فتزوجها رجل، وبعد هذه السنوات الطويلة ومرور الزمن جاء زوجها الأول فجاء عمرَ فقال له: أين كنت؟ قال: استعبدتني الشياطين وجعلوني أعمل عندهم قال: فبقيت عندهم حتى اغتزاهم قوم من المسلمين فسألوه: من الذي جاء بك فأخبرتهم بما حصل له فقالوا: من أي أرض أنت؟ فقال: من المدينة؛ فأخذوه حتى أوصلوه؛ فخيره عمر ﵁ بين أن ترد إليه زوجته وبين أن يأخذ الصداق الذي صرف عليها فاختار الصداق، وعلل بأنها حبلى". شق عليه أن يعود إليها وقد حبلت من هذا الرجل. فالمالكية يرون أن هذا الأثر يجمع جانبي المفقود؛ سواء كان فقد في سفر أو غيره؛ ويكون ظاهر الهلاك أو لم يكن ظاهره الهلاك؛ لأنه مضت مدة طويلة وانقطع خبره. * قوله: (وَقَوْلُهُمْ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ (١) وَابْنِ مَسْعُودٍ (٢)).

стр. 6073

علي نقل عنه هذا وذاك، والرأي الآخر عن علي (١) هو ما يتفق فيه مع عمر ﵁. هذا هو مذهب الشافعي الجديد. أما مذهبه القديم (٢): فيلتقي فيه مع الإمامين مالك وأحمد. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ اسْتِصْحَابِ الحَالِ لِلْقِيَاسِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اسْتِصْحَابَ الحَالِ يُوجِبُ أَلَّا تَنْحَلَّ عِصْمَةٌ إِلَّا بِمَوْتٍ أَوْ طَلَاقٍ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَأَمَّا القِيَاسُ فَهُوَ تَشْبِيهُ الضَّرَرِ اللَّاحِقِ لَهَا مِنْ غَيْبَتِهِ بِالإِيلَاءِ وَالعُنَّةِ، فَيَكُونُ لَهَا الخِيَارُ كمَا يَكُونُ فِي هَذَيْنِ). هناك استصحاب حال وهناك قياس: هذه المرأة التي أصبحت في عصمة الزوج؛ هل نستدعي حالها ونقول: تبقى حتى تأتي بينة ليس عليها أي غبار أو إشكال بأن يتأكد من موت الزوج أو طلاقه لها؟ أم أننا نأخذ بالقياس فنلحق هذه المسألة بمسائل هي أولى منها؛ كمسألة العنة أو عسر بالنفقة أو الصداق وغيرها من المسائل الأخرى؟ كأن الشافعية والحنفية يتمسكون بالأصل: أن هذه الزوجة في عصمة هذا الزوج، فلا ينبغي أن يفسخ نكاحها إلا إذا قام دليل قطعي يُثبت وفاة الرجل أو أنه طلقها أو أنه آلى منها ولم يراجعها، أما الغيبة طالت أو قصرت فلا أثر لها عندهم. والذين أخذوا بالخيار قالوا: أليست المرأة لو ثبت أن زوجها عنين يؤجل سنة لتمر به الفصول ليعطى فرصة؛ لأن من أهم مقاصد النكاح هو الوطء؛ وهذا عجز عنه، وهذه انقطع عنها زوجها سنوات فإلى متى تنتظر؟!

стр. 6074

* قوله: (وَالمَفْقُودُونَ عِنْدَ المُحَصِّلِينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَرْبَعَةٌ (١)). المؤلف دخل في فروع المذهب. * قوله: (مَفْقُودٌ فِي أَرْضِ الإِسْلَامِ، وَقَعَ الخِلَافُ فِيهِ، وَمَفْقُودٌ فِي أَرْضِ الحَرْبِ، وَمَفْقُودٌ فِي حُرُوبِ الإِسْلَامِ - أَعْنِي: فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَمَفْقُودٌ فِي حُرُوبِ الكُفَّارِ). وقد يكون أسر أو قتل أو بقي فيها. * قوله: (وَالخِلَافُ عَنْ مَالِكٍ وَعَنْ أَصْحَابِهِ فِي ثَلَاثَةِ الأَصْنَافِ مِنَ المَفْقُودِينَ كثِيرٌ: فَأَمَّا المَفْقُودُ فِي بِلَادِ الحَرْبِ، فَحُكْمُهُ عِنْدَهُمْ حُكْمُ الأَسِيرِ، لَا تَتَزَوَّجُ امْرَأَتُه، وَلَا يُقْسَمُ مَالُهُ حَتَّى يَصِحَّ مَوْتُهُ (٢)، مَا خَلَا أَشْهَبَ (٣)؛ فَإِنَّهُ حَكَمَ لَهُ بِحُكْمِ المَفْقُودِ فِي أَرْضِ المُسْلِمِينَ). الأسير أجمع العلماء على أن زوجته تنتظر مهما طال غيبته حتى يصلها خبر وفاته أو تطليقه، ما عدا أشهب من أصحاب مالك. * قوله: (وَأَمَّا المَفْقُودُ فِي حُرُوبِ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ: إِنَّ حُكْمَهُ

стр. 6075

حُكْمُ المَقْتُولِ دُونَ تَلَوُّمٍ. وَقِيلَ: يُتَلَوَّمُ لَهُ بِحَسَبِ بُعْدِ المَوْضِعِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ المَعْرَكَةُ وَقُرْبِهِ، وَأَقْصَى الأَجَلِ فِي ذَلِكَ سَنَةٌ (١)). بعضهم قال: ينتظر في حروب المسلمين: ينظر أين وقعت هذه الحرب قد تكون المسافة بعيدة فيحتاج إلى زمن ليعود إلى أهله، يعللون بذلك. وبعضهم يقول: لا يمكن حتى يصل خبر الوفاة. * قوله: (وَأَمَّا المَفْقُودُ فِي حُرُوبِ الكُفَّارِ، فَفِيهِ فِي المَذْهَبِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: قِيلَ: حُكْمُهُ حُكْمُ الأَسِيرِ (٢)، وَقِيلَ: حُكْمُهُ حُكْمُ المَقْتُولِ بَعْدَ تَلَوُّمِ سَنَةٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِمَوْضِعٍ لَا يَخْفَى أَمْرُه، فَيُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ المَفْقُودِ فِي حُرُوبِ المُسْلِمِينَ وَفِتَنِهِمْ (٣). وَالقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ المَفْقُودِ فِي بِلَادِ المُسْلِمِينَ (٤). وَالرَّابِعُ: حُكْمُهُ حُكْمُ المَقْتُولِ فِي

стр. 6076

زَوْجَتِهِ (١)، وَحُكْمُ المَفْقُودِ فِي أَرْضِ المُسْلِمِينَ فِي مَالِهِ - أَعْنِي: يُعَمَّر وَحِينَئذٍ يُورَثُ (٢)). يعني: يضرب له أجل المعمَّرين ثم بعد ذلك يورث ماله لورثته. * قوله: (وَهَذِهِ الأَقَاوِيلُ كُلُّهَا مَبْنَاهَا عَلَى تَجْوِيزِ النَّظَرِ بِحَسَبِ الأَصْلَحِ فِي الشَّرْعِ، وَهُوَ الَّذِي يُعْرَفُ بِالقِيَاسِ المُرْسَلِ (٣)، وَبَيْنَ العُلَمَاءِ فِيهِ اخْتِلَافٌ - أَعْنِي: بَيْنَ القَائِلِينَ بِالقِيَاسِ). القياس المرسل: نوع من أنواع القياس، ليس كقياس العلة، ولكنه قياس مطلق؛ فمن العلماء مَن تشدد في هذا الأمر حماية وحفاظًا على حصن الزواج، وأنه لا ينبغي أن تفصم هذه العرى التي أخذت بأمانة الله واستحلت بكلمة الله، كما أشار إلى ذلك رسول الله ﷺ في خطبته العظيمة في حجة الوداع (٤). قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 6077

(الفَصْلُ الرَّابِعُ فِي خِيَارِ العِتْقِ) وَاتَّفَقُوا عَلَى أن الأَمَةَ إِذَا عُتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ أن لَهَا الخِيَارَ) (١). هذا آخر أنواع الخيار التي ذكرها المؤلف: المرأة المملوكة إذا كانت تحت زوج فلا يخلو: إما أن يكون عبدًا أو أن يكون حرًّا. الحالة الأولى: لو كان زوجها حرًّا فلا خيار لها، أو مكنت زوجها من أن يطأها فلا خيار لها، على تفصيل بين العلماء في ذلك. الحالة الثانية: أن تعتق الأمة وزوجها لا يزال مملوكًا؛ فإذا عتقت تحت عبد فقد جاء في ذلك نص رسول الله ﷺ في قصة بريرة؛ فإن الرسول ﷺ خيرها (٢)، فلو لم يكن لها الخيار لما خيرها، وزوجها وقع فيه من الشدة وتعلق قلبه ومع ذلك خيرها الرسول ﷺ ؛ لأن الشريعة

стр. 6078

أعطت المرأة الحرية؛ فهي كانت مقيدة مملوكة فأصبحت حرة، فأصبحت المكافأة بين الزوجين غير متعادلة، فزوجها مملوك وهي حرة فلا تكافؤ بينهما، لكن لو رضيت هي فالحمد لله؛ ولذلك أشار عليها رسول الله ﷺ وخيرها بالبقاء معه وقال لها بعد أن اشتد به الأمر: "لو راجعتيه! " بمعنى رجعتِ إليه. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا عُتِقَتْ تَحْتَ الحُرِّ، هَلْ لَهَا خِيَارٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ (١) وَالشَّافِعِيُّ (٢) وَأَهْلُ المَدِينَةِ، وَالأَوْزَاعِيُّ (٣) وَأَحْمَدُ (٤) وَاللَّيْثُ (٥): لَا خِيَارَ لَهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٦)، وَالثَّوْرِيُّ (٧): لَهَا الخِيَارُ؛ حُرًّا كانَ أَوْ عَبْدًا). مذهب أبي حنيفة فيه تفصيل ليس على الإطلاق كما ذكر المؤلف. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَعَارُضُ النَّقْلِ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ). يقصد بالنقل: النصوص إما من كتاب أو سنة، والمراد تعارض النقل فيما يتعلق بالأحاديث، أما الآيات فلا يرد عليها ذلك.

стр. 6079

وتعارض النقل في ذلك: أنه جاء في بعض الأحاديث: أن بريرة عتقت كما في حديث ابن عباس: "أنها عتقت وكان زوجها عبدًا" (١)، وفي بعض الروايات: "أنه كان حرًّا" (٢)؛ فرواية: "أنه كان حرًّا" حجة للذين يقولون بأنها إذا عتقت فلها الخيار وإن كان زوجها حرًّا. * قوله: (وَاحْتِمَالُ العِلَّةِ المُوجِبَةِ لِلْخِيَارِ أن يَكُونَ الجَبْرُ الَّذِي كَانَ فِي إِنْكَاحِهَا بِإِطْلَاقٍ إِذَا كانَتْ أَمَةً، أَوِ الجَبْرُ عَلَى تَزْوِيجِهَا مِنْ عَبْدٍ، فَمَنْ قَالَ: العِلَّةُ الجَبْرُ عَلَى النِّكَاحِ بِإِطْلَاقٍ قَالَ: تُخَيَّرُ تَحْتَ الحُرِّ وَالعَبْدِ، وَمَنْ قَالَ: الجَبْرُ عَلَى تَزْوِيجِ العَبْدِ فَقَطْ، قَالَ: تُخَيَّرُ تَحْتَ العَبْدِ فَقَطْ. وَأَمَّا اخْتِلَافُ النَّقْلِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ (٣). وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أن زَوْجَهَا كانَ حُرًّا (٤)، وَكِلَا النَّقْلَيْنِ ثَابِتٌ عِنْدَ أَصْحَابِ الحَدِيثِ). ابن رشد كما هو معلوم قد وضع لنفسه منهجًا يسير عليه وخط طريقة يسلكها فيما يتعلق بإيراده الأحاديث؛ فقال: "إذا قلت: الحديث المشهور؛ فأعني به المتفق عليه، وإذا قلت: الحديث الثابت؛ فأعني به ما اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم أو ما رواه أحدهما". والحقيقة: أن كلمة ثابت تنطبق على حديث ابن عباس، ولا تنطبق على حديث عائشة الذي أشار إليه، لأن حديث ابن عباس أخرجه البخاري في "صحيحه" وأصحاب السنن وغيرهم، أما الحديث عائشة فإنه أخرجه

стр. 6080

الخمسة أصحاب السنن (١) وأحمد (٢) والبيهقي (٣) وغيرهم، لكنه لم يرد في "الصحيحين" ولا في أحدهما؛ فقضية "ثابت" خالف فيها المؤلف منهجه الذي أشار إليه في أوائل الكتاب في كتاب الطهارة، وحديث ابن عباس جاء نصًّا، وهو بلا شك أصح من الحديث الآخر. والبخاري ﵀ قد رفع عنا كل حدس وتخمين وأزال كل لبس في القضية؛ لأنه وضع الفصل في هذه المسألة: نص أثر حديث ابن عباس ﵄ كما جاء في البخاري: أن زوج بريرة كان عبدًا مملوكًا يقال له: مغيث وكان يطوف وراء بريرة يبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال رسول الله ﷺ لعمه العباس: "ألا تعجب يا عباس من أمر مغيث من شدة حبه لبريرة وشدة بغضها له" ثم أن الرسول ﷺ قال: "ألا ترجعين إليه؟ " فقالت: يا رسول الله، أتأمرني؟ قال: "لا؛ إنما أنا شافع" قالت: لا حاجة لي فيه. إذن؛ كما ترون حديث ابن عباس نص على أن اسمه مغيث وكان عبدًا أسود - أيد أيضًا حديث ابن عباس هذا الذي في البخاري (٤) وعند أصحاب السنن (٥).

стр. 6081

وما جاء في "صحيح مسلم" من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر وعروة بن الزبير عن عائشة ففي روايتهما: "أن زوج بريرة كان عبدًا" (١)، بل جاء في رواية عروة أن عائشة قالت: "ولو كان حرًّا لم يكن خيار" (٢)؛ أي: لم يكن لها خيار، وفي رواية القاسم التنصيص على أنه كان عبدًا؛ يعني: في قوله ﷺ : "أتبقين عند هذا العبد أو ترجعين؟ " (٣) ومعناه: أتبقين مع هذا العبد أو تطلبين الخيار، أما الرواية التي ذكرها المؤلف بأنها من طريق عائشة فقد جاءت من طريق الأسود بن يزيد النخعي (٤)، فإنه قد ذكر أن زوج بريرة كان حرًا. وقد تكلم العلماء وقالوا: هذا منقطع من كلام الأسود وليس من قول عائشة؛ ولذلك قال البخاري في "صحيحه": "إن هذا من قول الأسود وهو منقطع، وحديث ابن عباس أصح" (٥)؛ فالبخاري أشار إلى ذلك في "صحيحه" بين أن هذا منقطع وذاك أصح، بل جاء من طريق الأسود عن عائشة أن زوج بريرة كان مملوكًا. وليس معنى قضية "أسود" التي وردت في الحديث أنه مملوك؛ المملوك قد يكون أبيض وأحمر وأصفر وأسود، المملوك يكون سلبيًّا في

стр. 6082

وقت القتال ولا يلزم أن يكون أسود، فالأسود يكون حرًّا ويكون عبدًّا والأبيض يكون حرًّا ويكون عبدًا والأمر قبل ذلك وبعده: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]؛ فلا أثر للون مهما كان لون الإنسان ومهما كان منظر جسمه ومهما كان جماله ومهما علا به نسبه فلا ينفعه ذلك؛ فإنه لا ينفعه إلا تقوى الله . * قوله: (وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الوَقْتِ الَّذِي يَكُونُ لَهَا الخِيَارُ فِيهِ، فَقَالَ مَالِكٌ (١) وَالشَّافِعِيُّ (٢): يَكُونُ لَهَا الخِيَارُ مَا لَمْ يَمَسَّهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): خِيَارُهَا عَلَى المَجْلِسِ. وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ (٤): إِنَّمَا يَسْقُطُ خِيَارُهَا بِالمَسِيسِ إِذَا عَلِمَتْ أن المَسِيسَ يُسْقِطُ خِيَارَهَا). هؤلاء قولهم واحد: بأنه لو وطئها زوجها بعد العتق انتهى كل شيء فلا خيار لها؛ يعني إذا مكنته من نفسها فلا خيار لها. وبعضهم يفصل القول في ذلك فيقول: لها الخيار ما لم تغادر مجلس الحاكم الذي يحكم في الأمر.

стр. 6083

وبعضهم يقول: لها ثلاثة أيام (١). * قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: خِيَارُهَا عَلَى المَجْلِسِ). المجلس هو مجلس الحاكم الذي تقوم منه، أو المجلس الذي كانت تقيم فيه هذا هو مراده، لكن الأظهر أن المراد هو مجلس الحاكم الذي يحكم في هذا الأمر. * قوله: (وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: إِنَّمَا يَسْقُطُ خِيَارُهَا بِالمَسِيسِ إِذَا عَلِمَتْ أن المَسِيسَ يُسْقِطُ خِيَارَهَا). لكن الجمهور قالوا: لا فرق بين أن تعلم أو تجهل الأمر ما دامت قد مكَّنته من نفسها وحصل الوطء فإنه لا فراق. قال المصنف رحمه الله تعالى: (البَابُ الرَّابعُ فِي حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ) وَاتَّفَقُوا عَلَى أن مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجَةِ عَلَى الزَّوْجِ النَّفَقَةَ (٢)

стр. 6084

وَالكِسْوَةَ (١)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٣٣]. وَلِمَا ثَبَتَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: "وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ" (٢)، وَلقَوْلِهِ لِهِنْدٍ: "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ" (٣)). المؤلف في هذا البحث عرج تعريجًا يسيرًا على ما يتعلق بحقوق الزوجين. والله بين أهمية وقيمة هذا الزواج قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. والله جعل ذلك آية من آياته: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]؛ فهذا الحصن ينبغي أن يحافظ عليه وأن يهتم به؛ ولذلك نجد أن رسول الله ﷺ الذي قد أوتي جوامع الكلم لم يغفل عما يتعلق بأمور

стр. 6085

النساء، وفيما يتعلق بشأن الزواج؛ ففي حديث جابر بن عبد الله قال ﷺ : "اتقوا الله في النساء" (١)، ثم يقول ﵊: "إنهن عوان عندكم" (٢) عوان عند الرجال؛ لأن الرجل يأخذها فيحبسها في بيته، ثم يقول ﵊ "أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله" (٣). هذه الكلمات هي التي يسمعها كل إنسان عندما يبرم هذا العقد بين الزوجين. ثم بين ﵊ ما للزوج عليهن من حقوق فقال: "ألَّا يوطئن أحدًا في فراش أزواجهن ولا يدخلن بيوت الأزواج ما يكرهون" ثم قال: "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (٤). يعني: أن المرأة كما أشار الرسول ﷺ ضعيفة وأنها خلقت من ضلع أعوج، وأنك إن ذهبت لتقيمه كسرته، وإن تركته تركته على ما فيه من اعوجاج وميل؛ فاستوصوا بالنساء خيرًا (٥). إذن، ما يتعلق بحقوق الزوجة على زوجها وحقوق الزوج على زوجته هي أمور كثيرة جدًّا، لكن المؤلف بدأها بما يتعلق بحقوق الزوجة. حديث جابر اشتمل على أكثر وأهم أحكام الحج أخرجه مسلم في "صحيحه" وغيره.

стр. 6086

ولعل المؤلف قدم الزوجة لأنها أضعف، ولأنها بحاجة إلى العناية والرعاية لأن الزوج كما هو معلوم طليق في هذه الحياة فله أن يتزوج غيرها وله أمور كثيرة، لكن هذه المرأة أصبحت حبيسة في بيت هذا الزوج. وهند بنت أبي ربيعة زوجة أبي سفيان وهو - صخر بن أمية - شكت إلى رسول الله ﷺ عام فتح مكة من زوجها أنه رجل شحيح لا يعطيها ما يكفيها وأولادها من النفقة فقال لها رسول الله ﷺ : "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (١). فقوله ﷺ : "ما يكفيك" دليل على وجوب أن يعطي الزوج امرأته ما يكفيها من النفقة، كما أن نفقة الابن واجبة على الأب، وأن ذلك يكون بالمعروف دون منٍّ ولا أذى، وهذا أمر متعين، ومثل النفقة الكسوة. الله في مواضع كثيرة في كتابه يوصي الناس بتقوى الله بأن يجعلوا بينهم وبين عذاب الله وقاية، وهذه الوقاية التي تحفظهم من العذاب وتنجيهم منه، وتذهب بهم إلى جنات النعيم. والتقوى إنما هي طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ، ولا يتحقق هذا الأمر إلا باتباع ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ بفعل الأوامر وامتثالها واجتناب النواهي والبعد عنها، فمن فعل ذلك فاز ونجا في الدنيا والآخرة. * قوله: (فَأَمَّا النَّفَقَةُ: فَاتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ: فِي وَقْتِ وُجُوبِهَا، وَمِقْدَارِهَا، وَلمَنْ تَجِبُ؟ وَعَلَى مَنْ تجِبُ؟ فَأَمَّا وَقْتُ وُجُوبِهَا: فَإِنَّ مَالِكًا (٢) قَالَ: لَا تَجِب النَّفَقَةُ عَلَى الزَّوْجِ حَتَّى

стр. 6087

يَدْخُلَ بِهَا، أَوْ يُدْعَى إِلَى الدُّخُولِ بِهَا، وَهِيَ مِمَّنْ تُوطَأ، وَهُوَ بَالِغٌ). مراده: أن النفقة إنما تجب إذا مكِّن الزوج من زوجته وحصل الاستمتاع بها وكانت صالحة لذلك، أما أن يحال بينه وبينها فلا. مالك وأحمد (١) هنا قولهما يتقارب جملة ويختلف عند التفصيل. * قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة (٢) وَالشَّافِعِيُّ (٣): يَلْزَمُ غَيْرَ البَالِغِ النَّفَقَةُ إِذَا كانَتْ هِيَ بَالِغًا). يعني: يلزم الزوج الذي لم يبلغ أن ينفق على زوجته إذا كانت بلغت. * قوله: (وَأَمَّا إِذَا كانَ هُوَ بَالِغًا، وَالزَّوْجَةُ صَغِيرَةً، فَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا مِثْلُ قَوْلِ مالكٍ، وَالقَوْلُ الثَّانِي: أن لَهَا النَّفَقَةَ بِإِطْلَاقٍ (٤)، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ النَّفَقَةُ لِمَكَانِ الاسْتِمْتَاعِ،

стр. 6088

أَوْ لِمَكَانِ أَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ عَلَى الزَّوْجِ؛ كَالغَائِبِ وَالمَرِيضِ). مراد المؤلف: أن العلماء قد اختلفوا، وفي كل مسألة يختلفون يكون هناك سبب أو أكثر، فما هو سبب اختلافهم: هل العلة في إيجاب النفقة استمتاع الرجل بالمرأة؛ أي: وطؤها وما يتبع ذلك؟ أو أن القصد هو حبسها في بيته؛ لأنه حبس منافعها فلم يمكنها من أن تعمل لتكسب؟ وليس القصد بالحبس أنه سجن، وإنما القصد إبقاؤها في بيته بمعنى: أنه حبس منافعها. "كالغائب والمريض"؛ لأن الغائب تجب عليه النفقة عند جمهور العلماء مع أنه لا يستمتع بها، والمريض الذي لا يستطيع أن يطأ زوجته في حالة مرضه تجب عليه نفقتها؛ كأن المؤلف يقول: العلة إنما هي الحبس؛ يعني: هذا مرجح. والصحيح: أن الأمرين معًا معتبران. * قوله: (وَأَمَّا مِقْدَارُ النَّفَقَةِ: فَذَهَبَ مَالِكٌ (١) إِلَى أَنَّهَا غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ

стр. 6089

بِالشَّرْعِ، وَأَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى مَا يَقْتَضِيهِ حَالُ الزَّوْجِ وَحَالُ الزَّوْجَةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الأَمْكِنَةِ وَالأَزْمِنَةِ وَالأَحْوَالِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١)). قبل مقدار النفقة: هل المعتبر في تقدير النفقة هو حال الزوج أو هو حال الزوجة أو حالهما معًا، والمؤلف لم يشر إليها مع أنها مهمة. الأئمة الأربعة انقسموا في ذلك إلى أقسام ثلاثه: أبو حنيفة ومالك في جانب، والشافعي في جانب، وأحمد في جانب آخر. فالحنفية (٢) والمالكية (٣): يرون أن المعتبر في ذلك إنما هو حال الزوجة من اليسر والعسر، واستدلوا على ذلك بأدلة: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، رزقهن، أي: الزوجات أمهات الأولاد، وكسوتهن بالمعروف فقالوا: إن المعروف هو الكفاية، فالكفاية مطلوبة. وقالوا: الله قد جمع بين النفقة والكسوة، والكسوة إنما يرجع

стр. 6090

فيها إلى حال الزوجة لا حال الزوج؛ لأن الكسوة لها فتعتبر حالها؛ ولمَّا ذكرت مع النفقة كانا سيان فينبغي أن يكون المعتبر في الأمرين معًا النفقة والكسوة إنما هو الزوجة. الدليل الثاني: قوله ﵊ لهند: "خذي مما يكفيك وولدك بالمعروف" (١). فالرسول ﷺ قيد ما تأخذه بكفايتها؛ فربط ذلك بحالها لا بحال الزوج. فقالوا: دل ذلك على أن المعتبر إنما هو حال الزوجة لا حال الزوج؛ لأن نفقة الزوجة على الزوج واجبة، فينبغي أن يراعي حاجتها ومكانتها الاجتماعية في ذلك. والشافعي (٢): يرى أن المعتبر في ذلك إنما هو حال الزوج؛ لأن الخطاب موجه له بقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧] قدر عليه رزقه، أي ضيق عليه رزقه، فالله تعالى جعل ذلك منوطًا بالزوج لا الزوجة، والله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، أي: يضيق كما في الآية الأخرى، والله يقول: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢]. وأحمد (٣): يجمع بين الأمرين معًا؛ فيرى أن الحالتين معتبرتان معًا؛ يعني: حال الزوج مع الزوجة؛ لأن القول بذلك فيه جمع بين النصوص، وفيه عمل بمجموعها، فكل واحد يدل على جانب، فإذا ما اعتبرنا حال

стр. 6091

الزوجين معًا كنا قد عملنا بجميع النصوص التي استدل بها الفريقان. واعتبار حالهما: إن كانا موسرين وجب عليه نفقة الموسرين، وإن كانا متوسطين وجب عليه نفقة المتوسطين، وإن كانا مقترين؛ أي: فقيرين فنفقة المعسر، وإن كان الزوج موسرًا وهي مقترة كان وسطًا. . . وهكذا يقاس عليه بقية المسائل، ولا شك أن الجمع بين الآراء هو الأولى في نظري، والله أعلم. وأجمع العلماء: على وجوب نفقة الزوج على زوجته (١)، ووجوب كسوتها (٢). أما مقدار النفقة: فذهب مالك (٣) وأبو حنيفة (٤) وأحمد (٥) على أنها غير مقدرة بمكيل أو موزون، وإنما يرجع ذلك إلى الكفاية، كما جاء في الأدلة؛ قال الرسول ﷺ لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"، ولم يحدد الرسول ﷺ قدرًا بل ربط ذلك بالكفاية؛ فما يكفيها هو المعتبر، ودائمًا أيضًا ينظر إلى حالات مثيلاتها. والناس يختلفون؛ لأن هذه المرأة قد تأتي من أسرة غنية في بيت فيه سعة ورفاهية، وقد تأتي من بيت دون ذلك، أو دون ذلك؛ فهذا يختلف باختلاف الأحوال؛ ولذلك ربطه جمهور العلماء بالكفاية.

стр. 6092

* قوله: (وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ (١)؛ فَعَلَى المُوسِرِ: مُدَّانِ، وَعَلَى الأوْسطِ: مُدٌّ وَيصْفٌ، وَعَلَى المُعْسِرِ: مُدٌّ. وَيسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَرَدُّدُ حَمْلِ النَّفَقَةِ فِي هَذَا البَابِ عَلَى الإِطْعَامِ فِي الكَفَّارَةِ، أَوْ عَلَى الكِسْوَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا أَنَّ الكِسْوَةَ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ، وَأَنَّ الإِطْعَامَ مَحْدُودٌ). الشافعي: اعتبر أن أقل ما يدفع في الكفارة إنما هو مد، وقال: إن الكفارة ربطها الله بما ينفق المرء على أولاده لقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، أما الموسر فيدفع مدين ويحتج بأن أعلى ما ورد في الكفارة إنما هو مدان، ثم بعد ذلك جاء إلى الوسط فقال: مد ونصف، والشافعي (٢) يقيده بالحَب، والجمهور لا يقيدونه بذلك (٣) وإن كان الأفضل هو الحب. ولكن يظهر لي والله أعلم: أن مذهب جمهور العلماء في ذلك أقوى؛ لأن الرسول ﷺ قال لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"،

стр. 6093

ولو كانت النفقة مقدرة لبينها الرسول ﷺ ، وبخاصة أنه سئل عمن يبخل عن زوجته فأذن لها بأن تأخذ بغير علمه ما تقضي به حاجتها؛ فهذا يظهر والله أعلم أنه هذا هو الراجح في هذه المسألة. والأحوال قد تغيرت: فقد كانوا فيما مضى يتكلمون عن النفقة يسلمها إياها يوميًّا في صباح كل يوم أو في كل شهر، لكن الآن تغيرت الأحوال بحمد الله وتبدلت الأمور، وأنعم الله على المؤمنين، وفتح لهم أبواب الرزق ومدهم برغد العيش، ولا يبقى إلا أن نشكر الله تعالى، حتى من يقال: إنه فقير في هذا الزمان يجد ما يقتات فيه ويعيش فيه، ولو قدر هناك من المؤمنين مَن يعينه وينصره ويدفع عنه عيلة الفقر. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا البَابِ فِي: هَلْ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ نَفَقَةُ خَادِمِ الزَّوْجَةِ؟ وَإِنْ وَجَبَتْ فَكَمْ يَجِبُ؟). المرأة إذا كانت عاجزة مريضة أو معوقة - كما نقول في هذا الزمان - لا تستطيع أن تقوم بخدمة البيت ورعايته وبخاصة في هذا الزمان تغيرت أحوال البيوت، وربما المرأة الغير مريضة لا تستطيع أن تنهض بهذا البيت، فهل يجب على الزوج أن يأتي بخادمة لزوجته أو لا؟ ولا شك أن العلماء يرون أن الزوجة إذا كانت بحاجة إلى ذلك؛ فإن على الزوج أن يأتي لها بخادمة، ولكن العلماء يقيدونها بأوصاف لا يذكرها المؤلف، فلو قدر بأنها غير امرأة فيأتي بمن يكون محرمًا لها لا أن يؤتى لها بأجنبي؛ فهذا لا يجوز. * قوله: (وَالجُمْهُورُ عَلَى أن عَلَى الزَّوْجِ النَّفَقَةَ لِخَادِمِ الزَّوْجَةِ إِذَا كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَخْدِمُ نَفْسَهَا) (١).

стр. 6094

إذا كانت ممن لا تخدم نفسها؛ كأنْ كانت مريضة أو مقعدة أو فيها نقص مما يؤثر عليها (١). ويقلد المؤلف بالجمهور الأئمة الأربعة، لكن مالكًا سينفرد عنهم في إيجاب خادمة أخرى عند الحاجة، والجمهور يقفون عند واحدة. * قوله: (وَقِيلَ: بَلْ عَلَى الزَّوْجَةِ خِدْمَةُ البَيْتِ (٢). وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ أَوْجَبُوا النَّفَقَةَ عَلَى خَادِمِ الزَّوْجَةِ: عَلَى كَمْ تجِبُ نَفَقَتُهُ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُنْفِقُ عَلَى خَادِمٍ وَاحِدٍ، وَقِيلَ: عَلَى خَادِمَيْنِ إِذَا كَانَتِ المَرْأَةُ مِمَّنْ لَا يَخْدِمُهَا إِلَّا خَادِمَانِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (٣)، وَأَبُو ثَوْرٍ (٤)).

стр. 6095

خادم واحد هذا هو مذهب الشافعية (١) وأبو حنيفة (٢) وأحمد (٣)، وفي رواية مالك (٤)، لكن المالكية توسعوا في حالة عدم كفايتها بخادم واحد. وأيضًا: ينبغي أن يراعى في ذلك حال الزوج وقدرته، فينبغي أن تكون هناك حاجة؛ وإلا فالمرأة مطالبة برعاية أبنائها والمحافظة عليهم، والقيام بشؤون بيتها ورعايته والمحافظة عليه، لكن لو تبرع الزوج حتى ولو كان ذلك ترفُّهًا وجاء بذلك فلا بأس به. * قوله: (وَلَسْتُ أَعْرِفُ دَلِيلًا شَرْعِيًّا لإِيجَابِ النَّفَقَةِ عَلَى الخَادِمِ إِلَّا تَشْبِيهَ الإِخْدَامِ بِالإِسْكَانِ). الحقيقه أن هناك دليلًا: فجمهور العلماء يستدلون - فيما يتعلق بالمعروف - بقول الله : ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]. قالوا: ومن تمام المعاشرة الإنفاق والكسوة ووجود خادم عند الحاجة. نعم؛ الآية ليست نصًّا في ذلك، لكن مفهومها يدل عليه، لأنهم يقولون من تمام المعاشرة وكمالها أن ييسر لها أسباب الراحة.
следующие страницы →