الزوجين معًا كنا قد عملنا بجميع النصوص التي استدل بها الفريقان.
واعتبار حالهما: إن كانا موسرين وجب عليه نفقة الموسرين، وإن كانا متوسطين وجب عليه نفقة المتوسطين، وإن كانا مقترين؛ أي: فقيرين فنفقة المعسر، وإن كان الزوج موسرًا وهي مقترة كان وسطًا. . . وهكذا يقاس عليه بقية المسائل، ولا شك أن الجمع بين الآراء هو الأولى في نظري، والله أعلم.
وأجمع العلماء: على وجوب نفقة الزوج على زوجته (١)، ووجوب كسوتها (٢).
أما مقدار النفقة: فذهب مالك (٣) وأبو حنيفة (٤) وأحمد (٥) على أنها غير مقدرة بمكيل أو موزون، وإنما يرجع ذلك إلى الكفاية، كما جاء في الأدلة؛ قال الرسول ﷺ لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"، ولم يحدد الرسول ﷺ قدرًا بل ربط ذلك بالكفاية؛ فما يكفيها هو المعتبر، ودائمًا أيضًا ينظر إلى حالات مثيلاتها.
والناس يختلفون؛ لأن هذه المرأة قد تأتي من أسرة غنية في بيت فيه سعة ورفاهية، وقد تأتي من بيت دون ذلك، أو دون ذلك؛ فهذا يختلف باختلاف الأحوال؛ ولذلك ربطه جمهور العلماء بالكفاية.
стр. 6092
* قوله: (وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ (١)؛ فَعَلَى المُوسِرِ: مُدَّانِ، وَعَلَى الأوْسطِ: مُدٌّ وَيصْفٌ، وَعَلَى المُعْسِرِ: مُدٌّ. وَيسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَرَدُّدُ حَمْلِ النَّفَقَةِ فِي هَذَا البَابِ عَلَى الإِطْعَامِ فِي الكَفَّارَةِ، أَوْ عَلَى الكِسْوَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا أَنَّ الكِسْوَةَ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ، وَأَنَّ الإِطْعَامَ مَحْدُودٌ).
الشافعي: اعتبر أن أقل ما يدفع في الكفارة إنما هو مد، وقال: إن الكفارة ربطها الله بما ينفق المرء على أولاده لقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، أما الموسر فيدفع مدين ويحتج بأن أعلى ما ورد في الكفارة إنما هو مدان، ثم بعد ذلك جاء إلى الوسط فقال: مد ونصف، والشافعي (٢) يقيده بالحَب، والجمهور لا يقيدونه بذلك (٣) وإن كان الأفضل هو الحب.
ولكن يظهر لي والله أعلم: أن مذهب جمهور العلماء في ذلك أقوى؛ لأن الرسول ﷺ قال لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"،
стр. 6093
ولو كانت النفقة مقدرة لبينها الرسول ﷺ ، وبخاصة أنه سئل عمن يبخل عن زوجته فأذن لها بأن تأخذ بغير علمه ما تقضي به حاجتها؛ فهذا يظهر والله أعلم أنه هذا هو الراجح في هذه المسألة.
والأحوال قد تغيرت: فقد كانوا فيما مضى يتكلمون عن النفقة يسلمها إياها يوميًّا في صباح كل يوم أو في كل شهر، لكن الآن تغيرت الأحوال بحمد الله وتبدلت الأمور، وأنعم الله على المؤمنين، وفتح لهم أبواب الرزق ومدهم برغد العيش، ولا يبقى إلا أن نشكر الله تعالى، حتى من يقال: إنه فقير في هذا الزمان يجد ما يقتات فيه ويعيش فيه، ولو قدر هناك من المؤمنين مَن يعينه وينصره ويدفع عنه عيلة الفقر.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا البَابِ فِي: هَلْ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ نَفَقَةُ خَادِمِ الزَّوْجَةِ؟ وَإِنْ وَجَبَتْ فَكَمْ يَجِبُ؟).
المرأة إذا كانت عاجزة مريضة أو معوقة - كما نقول في هذا الزمان - لا تستطيع أن تقوم بخدمة البيت ورعايته وبخاصة في هذا الزمان تغيرت أحوال البيوت، وربما المرأة الغير مريضة لا تستطيع أن تنهض بهذا البيت، فهل يجب على الزوج أن يأتي بخادمة لزوجته أو لا؟
ولا شك أن العلماء يرون أن الزوجة إذا كانت بحاجة إلى ذلك؛ فإن على الزوج أن يأتي لها بخادمة، ولكن العلماء يقيدونها بأوصاف لا يذكرها المؤلف، فلو قدر بأنها غير امرأة فيأتي بمن يكون محرمًا لها لا أن يؤتى لها بأجنبي؛ فهذا لا يجوز.
* قوله: (وَالجُمْهُورُ عَلَى أن عَلَى الزَّوْجِ النَّفَقَةَ لِخَادِمِ الزَّوْجَةِ إِذَا كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَخْدِمُ نَفْسَهَا) (١).
стр. 6094
إذا كانت ممن لا تخدم نفسها؛ كأنْ كانت مريضة أو مقعدة أو فيها نقص مما يؤثر عليها (١).
ويقلد المؤلف بالجمهور الأئمة الأربعة، لكن مالكًا سينفرد عنهم في إيجاب خادمة أخرى عند الحاجة، والجمهور يقفون عند واحدة.
* قوله: (وَقِيلَ: بَلْ عَلَى الزَّوْجَةِ خِدْمَةُ البَيْتِ (٢). وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ أَوْجَبُوا النَّفَقَةَ عَلَى خَادِمِ الزَّوْجَةِ: عَلَى كَمْ تجِبُ نَفَقَتُهُ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُنْفِقُ عَلَى خَادِمٍ وَاحِدٍ، وَقِيلَ: عَلَى خَادِمَيْنِ إِذَا كَانَتِ المَرْأَةُ مِمَّنْ لَا يَخْدِمُهَا إِلَّا خَادِمَانِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (٣)، وَأَبُو ثَوْرٍ (٤)).
стр. 6095
خادم واحد هذا هو مذهب الشافعية (١) وأبو حنيفة (٢) وأحمد (٣)، وفي رواية مالك (٤)، لكن المالكية توسعوا في حالة عدم كفايتها بخادم واحد.
وأيضًا: ينبغي أن يراعى في ذلك حال الزوج وقدرته، فينبغي أن تكون هناك حاجة؛ وإلا فالمرأة مطالبة برعاية أبنائها والمحافظة عليهم، والقيام بشؤون بيتها ورعايته والمحافظة عليه، لكن لو تبرع الزوج حتى ولو كان ذلك ترفُّهًا وجاء بذلك فلا بأس به.
* قوله: (وَلَسْتُ أَعْرِفُ دَلِيلًا شَرْعِيًّا لإِيجَابِ النَّفَقَةِ عَلَى الخَادِمِ إِلَّا تَشْبِيهَ الإِخْدَامِ بِالإِسْكَانِ).
الحقيقه أن هناك دليلًا: فجمهور العلماء يستدلون - فيما يتعلق بالمعروف - بقول الله : ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]. قالوا: ومن تمام المعاشرة الإنفاق والكسوة ووجود خادم عند الحاجة.
نعم؛ الآية ليست نصًّا في ذلك، لكن مفهومها يدل عليه، لأنهم يقولون من تمام المعاشرة وكمالها أن ييسر لها أسباب الراحة.
стр. 6096
* قوله: (فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أن الإِسْكَانَ عَلَى الزَّوْجِ لِلنَّصِّ الوَارِدِ فِي وُجُوبِهِ لِلْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ) (١).
يشير إلى قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦].
وجه الدلالة من الآية: أن الله أوجب إسكان المطلقة الرجعية؛ لا خلاف في ذلك (٢) - وهناك خلاف مر في المطلقة طلاقًا بائنًا (٣) -؛
стр. 6097
قالوا: فإذا كان الله أوجب الإسكان للمرأة المطلقة فلأنْ يجب لامرأته أولى وأحرى؛ فوجوب المسكن متعين، والله تعالى قيدها بوُجد الإنسان، ولا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها، ولا يكلف الإنسان فوق طاقته: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
يعني: ما يقال: يأتي بمسكن يساوي مسكن فلان من الأغنياء مثلًا، بل يأتي لها بمسكن شرعي يحفظها ويصونها، فليس شرطًا أن يبارى مساكن الأغنياء؛ لأن الإنسان يفعل ذلك على قدر استطاعته.
* قوله: (وَأَمَا لِمَنْ تَجِبُ النَّفَقَة، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ لِلْحُرَّةِ الغَيْرِ نَاشِزٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي النَّاشِزِ وَالأمَةِ، فَأَمَّا النَّاشِز، فَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ لَهَا نَفَقَةٌ (١)، وَشَذَّ قَوْمٌ، فَقَالُوا: تَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ (٢)).
стр. 6098
الناشز (١): التي تخرج من بيت زوجها دون إذن، أو التي لا تطيع زوجها في المجيء إلى فراشه.
ولا شك أن هذا من أهم مقاصد الزواج؛ فإذا لم يتحقق ذلك تكون ناشزًا؛ يعني خرجت عن طاعة الزوج؛ كالمكان المرتفع إذا ارتفع الشيء يعتبر ناشزًا؛ يعني: شاذًّا.
فهي بهذا العمل قد شذت وخرجت عن طاعة الزوج فلا تستحق النفقة عند العلماء عامة، بل إن ابن المنذر حكى الإجماع على هذه المسألة (٢).
ولم يخالف فيها إلا فقيه واحد وهو الحكم؛ فإنه قال: تجب نفقتها وإن كانت ناشزًا وقاس ذلك على المهر، قال: أليس المهر يجب للمرأة وإن كانت ناشزًا؟! فكذلك هنا.
لكننا نقول: هذا قياس مع الفارق؛ فإن ذلك إنما يتعين بوجود العقد، وأما هذه نفقة يأتي مقابلها أمر؛ هذا المقابل لم تقدمه لزوجها فلا يقدم لها النفقة؛ فينبغي أن تقدم خدمة زوجها وما يترتب على ذلك حتى تستحق النفقة التي وجبت لها، أما وقد خرجت عن طاعته وتركته فهي لا تستحق النفقة، وفي ذلك تأديب لها كي تعود إلى بيتها وإلى طاعة زوجها.
* قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ: مُعَارَضَةُ العُمُومِ لِلْمَفْهُومِ).
معارضة العموم للمفهوم: مرت أدلة يدل عمومها على إيجاب النفقة: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
وقول رسول الله ﷺ : "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف".
стр. 6099
وقوله ﷺ : "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (١). هذه الأدلة عامة تشمل كل امرأة لا تفرق بين حرة وأمة ولا بين مطيعة وناشز. هذا هو عموم الأدلة.
* قوله: (وَذَلِكَ أن عُمُومَ قَوْلِهِ ﵊: "وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ"، يَقْتَضِي أن النَّاشِزَ وَغَيْرَ النَّاشِزِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَالمَفْهُومُ مِنْ أَنَّ النَّفَقَةَ هِيَ فِي مُقَابَلَةِ الاسْتِمْتَاعِ يُوجِبُ أَنْ لَا نَفَقَةَ لِلنَّاشِزِ).
ولا شك أن المخالف في ذلك قوله شاذ؛ فالمرأة الناشز لا تستحق النفقة؛ ولكي ينفق عليها فينبغي أن تعود إلى طاعة زوجها، والرسول ﷺ حذر من عصيان المرأة وبيَّن أن المرأة إذا خرجت من بيت زوجها دون إذنه فإن الملائكه تلعنها حتى تعود (٢).
وما أكثر النساء الآن اللاتي يخرجن من بيوتهن دون إذن أزواجهن، وربما يمنع الزوج وهي تصر وتخرج؛ فلماذا تعرض المؤمنة نفسها لمثل هذا المقام؟!
* قوله: (وَأَمَّا الأَمَة، فَاخْتَلَفَ فِيهَا أَصْحَابُ مَالِكٍ اخْتِلَافًا كثِيرًا، فَقِيلَ: لَهَا النَّفَقَةُ كالحُرَّةِ (٣)، وَهُوَ المَشْهُور، وَقِيلَ:
стр. 6100
لَا نَفَقَةَ لَهَا (١)).
يعني: الأمة التي يكون زوجها عبدًا تجب نفقتها عليه عند جمهور العلماء ومنهم المالكية في المشهور، وبعضهم يفصل، وهذه التفصيلات كلها في مذهب مالك؛ لأنهم ينظرون إليها من جانبين: استمتاع بها زوجها، وكونها في خدمة سيدها؛ فأيهما الذي ينفق، هل يشتركان في النفقة أو يختص بها الزوج وولي أمرها أو يختص بها السيد؛ لأن العبد لا مال له، هذه كلها قضايا وجزئيات تثار في مذهب مالك (٢).
أما الجمهور والحمد لله حسموا الأمر في ذلك وقالوا: تجب نفقتها وكفانا إثارة الخلاف في ذلك، وهذا هو قول الأئمة الثلاثة أبو حنيفة والشافعي وأحمد؛ لأن الآية أشارت إلى ذلك.
стр. 6101
* قوله: (وَقِيلَ أَيْضًا: إِنْ كانَتْ تَأْتِيهِ، فَلَهَا النَّفَقَة، وَإِنْ كانَ يَأْتِيهَا فَلَا نَفَقَةَ لهَا) (١).
يقصد: إن كانت تأتي إلى بيته ويتحقق له ما يحتاج منها فعليه النفقة، وإن كان هو الذي يذهب فلا نفقة لها، لكن لا نفهم من هذا بأن لا نفقة لها أن تبقى ضياعًا لا ينفق عليها سيدها عند هؤلاء.
* قوله: (وَقِيلَ: لهَا النَّفَقَةُ فِي الوَقْتِ الَّذِي تَأْتِيهِ. وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا، فَعَلَيْهِ النَّفَقَة، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا، فَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ (٢). وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ العُمُومِ لِلْقِيَاسِ، وَذَلِكَ أن العُمُومَ يَقْتَضِي لهَا وُجُوبَ النَفَقَةِ).
العموم في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقول رسول الله ﷺ : "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف".
وقوله ﷺ : "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف"؛ فهذا عام لم يفرق بين حرة وأمة، ولو كان هناك فرق لبينه رسول الله ﷺ ؛ لأن الناس بأمسِّ الحاجة له، وبخاصة أنه ذكر ذلك في حجة الوداع والناس بحاجة إلى البيان، والرسول ﷺ سئل عن أمور وأجاب عنها.
* قوله: (وَالقِيَاسَ يَقْتَضِي أَنْ لَا نَفَقَةَ لَهَا إِلَّا عَلَى سَيِّدِهَا الَّذِي يَسْتَخْدِمُهَا، وَتَكُونُ النَّفَقَةُ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ كلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْتَفِعُ بِهَا ضَرْبًا مِنَ الانْتِفَاعِ؛ وَلذَلِكَ قَالَ قَوْمٌ: عَلَيْهِ النَّفَقَةُ فِي اليَوْمِ الَّذِي تَأْتِيهِ).
هذه كلها أخذوا بها المالكية وتوسعوا فيها من راب المصلحة، وقد أشرنا سابقًا - وهو معروف عند ممن درسوا الأصول - إلى أن علماء
стр. 6102
المالكية أكثر من توسع في باب المصالح المرسلة؛ ولذلك في مثل هذه القضايا يفرعون كثيرًا من المسائل.
أما جمهور العلماء: فإنهم وقفوا عند النصوص وقالوا بوجوب نفقتها على زوجها؛ لأن هذا زوج، والله يقول: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ فهذا هو المولود له فينبغي أن ينفق على هذه الزوجة، أما إن كان ليس عنده شيء فمعلوم أن سيده يتولى أمره.
* قوله: (وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ؛ يُحْكَمُ عَلَى مَوْلَى الأَمَةِ المُزَوَّجَةِ أن تَأْتِيَ زَوْجَهَا فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) (١).
ابن حبيب من المالكية.
فنخلص من هذا: إلى وجوب نفقة الأمة على زوجها العبد، ما دام قد تزوجها فهو مسؤول عنها، وهو عندما تزوج كان قد أقدم على أمر يعلم ما يترتب عليه ومن ذلك وجوب النفقة.
* قوله: (وَأَمَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ: فَاتَّفَقُوا أَيْضًا أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ الحُرِّ الحَاضِرِ. وَاخْتَلَفُوا فِي العَبْدِ وَالغَائِبِ: فَأَمَّا العَبْد، فَقَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ عَلَى العَبْدِ نَفَقَةَ زَوْجَتِهِ (٢)).
هذا حكاه في بعض كتبه ونقله ابن قدامة وغيره.
стр. 6103
* قوله: (وَقَالَ أَبُو المُصْعَبِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ: لَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ).
وهذا قول شاذ؛ لأنه مخالف لإجماع العلماء (١).
* قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ: مُعَارَضَةُ العُمُومِ لِكَوْفي العَبْدِ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فِي مَالِهِ).
لأنه كما هو معلوم العبد محجور عليه في ماله وإن ملكه سيده، فهل هذه الملابس التي تكون عليه هل تكون ملكًا للسيد الجديد أو للأول هذه كلها فيها مسائل تفصيلية معروفة بين العلماء، لكن فيما يتعلق بالنفقة فهو مسؤول عنها.
* قوله: (وَأَمَّا الغَائِب، فَالجُمْهُورُ عَلَى وُجُوب النَّفَقَةِ عَلَيْهِ (٢). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): لَا تَجِبُ إِلَّا بِإِيجَابِ السُّلْطَانِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيمَنِ
стр. 6104
القَوْلُ قَوْلُهُ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي الاتِّفَاقِ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ).
وهذا لا خلاف فيه لوجود الأدلة، نعم خالف أبو حنيفة لكن خلافه يعتبر ضعيفًا؛ لأن عموم الأدلة يدل على ذلك.
وأيضًا: عمر ﵁ كان يؤاخذ الأزواج عندما يغيب أحدهم فيطيل (١)، وقصة الرجل - يقال: هو من الأنصار - الذي استهوته الجن؛ يعني: أخذته وأخفته حتى ورد في بعحر الروايات: "أنه خرج لصلاة العشاء ولم يعد" (٢).
* قوله: (وَكَذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجَاتِ: العَدْلَ بَيْنَهُنَّ فِي القَسْمِ) (٣).
стр. 6105
العدل مطلوب في كل أمر في هذه الدنيا، والله يقول: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].
ويقول : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النحل: ٩٠].
هذه الشريعة الإسلامية قامت على العدل ودعت إليه؛ ولذلك يقول الرسول ﷺ : "المقسطون على منابر من نور يوم القيامة" (١)؛ فكل مسلم مطالب بأن يعدل مع نفسه ومع غيره، فكما أنه لا يحب أن يُظلم فلا ينبغي له أن يظلم نفسه، وإذا كان العدل مطلوبًا في الحياة - وبخاصة بين المسلمين - فأحرى بكل مؤمن أن يكون عادلًا بمن هم تحت سلطته؛ لأن الرسول ﷺ قال: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" (٢)؛ فأحرى بالمؤمن أن يكون عادلًا بين زوجاته.
ثم إن الإنسان إذا عدل في هذه الحياة الدنيا سيلقى ربه وهو عنه راض، وإذا ما حاد ومال عن طريق العدل والصواب وجنف في ذلك فإنه سيلقى عقابًا يوم لا ينفع مال ولا بنون؛ ولذلك جاء في الحديث تحذير من رسول الله ﷺ : "من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامه وشقه مائل" (٣) علامة على خيانته وانحرافه عن الطريق السوي؛ يأتي يوم القيامة شقه مائل ليراه الناس والله يعلم بحاله؛ فهذا خير دليل وخير رادع ونذير للذين تغرهم الحياة الدنيا؛ فتجد المظاهر تخدعهم
стр. 6106
فينصرفون إلى بعض الزوجات فينسون ما قاله الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (١).
الإنسان إذا ما تزوج امرأة وشابت وكبرت عنده وحملت له الأولاد، ثم بعد ذلك ولدت فأرضعت وتحملته في وقت شبابه، وربما في فقره صبرت على أسراره وآلامه، ثم يأتي بعد ذلك ويتزوج أخرى وربما يميل إلى هذه الزوجة الجديدة؛ فهذا ليس من العدل وليس من الإنصاف.
والإنسان ربما ينعم نفسه في هذه الحياة الدنيا، لكن ليتذكر كل من يميل بأنه سيُسأل عن ذلك يوم القيامة، وأن ذلك السؤال لا يكون في الدنيا؛ فالناس تخفى عنهم أمور كثيرة، لكن الذي سيسألك من لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء! من يسألك هو الذي يعلم السر وأخفى! هو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور! فليحذر الذين يسلكون هذا المسلك!
فشريعتنا الإسلامية جاءت بالعدل ودعمت الناس إلى تطبيقه على أنفسهم وعلى غيرهم.
ألا يكفي المؤمن أن يلقى الله تعالى وهو ضمن الذين قال فيهم رسول الله ﷺ : "المقسطون على منابر من نور يوم القيامة".
فينبغي للمسلم أن يتقي الله تعالى في نفسه في أبنائه في زوجاته في كل من ولي أمرهم.
* قوله: (لِمَا ثَبَتَ مِنْ قَسْمِهِ ﷺ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ (٢)، وَلقَوْلِهِ عَلَيْهِ
стр. 6107
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "إِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ امْرَأَتَانِ، فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا، جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَأَحَدُ شِقَّيْهِ مَائِلٌ) (١)).
الله يقول في كتابه المجيد: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]؛ فقدوتنا وأسوتنا هو محمد بن عبد الله ورسول الله ﷺ كان يقسم بين زوجاته فيعدل ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك؛ فلا تلمني فيما لا أملك" (٢).
والعدل بين الزوجات في حديثك، وفي القسم بين الليالي إلا إذا حصل تبرع، أما ميل القلب فهذا لا يملكة إنسان، فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، والإنسان ربما لا يستطيع أن يلجم عاطفته فربما يميل، فالحب في القلب لا تستطيع أن تمنعه، لكن لا ينبغي أن يظهر ذلك في تصرفاتك بأن تعطي زوجة وتمنع زوجة تزيد زوجة وتنقص زوجة.
* قوله: (وَلِمَا ثَبَتَ: "أَنَّهُ ﵊ كَانَ إِذَا أَرَادَ السَّفَرَ، أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ" (٣)).
هذا من عدله أيضًا ﷺ ، ذكرت عائشه أن الرسول ﷺ إذا أراد السفر أقرع بين نسائه، فأي واحدة خرج سهمها فإنه يأخذها معه ﵊.
стр. 6108
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي مُقَامِ الزَّوْجِ عِنْدَ البِكْرِ وَالثَّيِّبِ).
المؤلف أدخل عدة مباحث في مبحث واحد:
فهذه مسألة أخرى: إذا تزوج الإنسان بكرًا وعنده ثيب فكم يمكث عند البكر؛ وإن مكث عندها سبعة أيام فهل يعطي الثيب أم يرجع بعد ذلك في القسمة هذه ليلة وهذه ليلة؛ ولو تزوج ثيبًا على بكر ومكث عندها ثلاثة أيام فبعد الثلاثة أيام يقسم أو يعطي الأخرى كذلك؟ هذا فيه خلاف.
والجمهور لهم رأي وأبو حنيفة له رأي يخالفهم.
* قوله: (هَلْ يُحْتَسَبُ بهِ أَوْ لَا يُحْتَسَبُ إِذَا كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ أُخْرَى؟ فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢) وَأَصْحَابُهُمَا: يُقِيمُ عِنْدَ البِكْرِ سَبْعًا، وَعِنْدَ الثَّيِّبِ ثَلَاثًا، وَلَا يُحْتَسَبُ إِذَا كَانَ لَهُ امْرَأَة أُخْرَى بِأَيَّامِ الَّتِي تَزَوَّجَ).
القصد: أنه بعد السبع يبدأ في القسم، وبعد الثلاثة كذلك. هذا هو مذهب الجمهور وأحمد (٣) وأصحابه.
стр. 6109
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): الإِقَامَةُ عِنْدَهُنَّ؛ سَوَاءٌ بِكْرًا كَانْتَ أَوْ ثَيِّبًا، وَيُحْتَسَبُ بِالإِقَامَةِ عِنْدَهَا إِنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَة أُخْرَى. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ حَدِيثِ أَنَسٍ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ هُوَ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا تَزَوَّجَ البِكْرَ، أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا" (٢)، وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ هُوَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا، فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ؛ فَقَالَ: "لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ، وَسَبَّعْتُ عِنْدَهُنَّ، وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ عِنْدَكِ وَدُرْتُ"، فَقَالَتْ: ثَلِّثْ (٣)).
المؤلف وهم - غفر الله لنا وله -؛ إنما الذي في حديث أنس أن: "من السنة إذا تزوج الرجل بكرًا أقام عندها سبعًا ثم قسم، وإذا تزوج ثيبًا أقام عندها ثلاثًا ثم قسم". هذا هو الذي ورد في حديث أنس (٤)، وله روايات عدة.
* قوله: (وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ هُوَ: "ثَلِّثْ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. . خَرَّجَهُ مَالِكٌ (٥)، وَالبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ).
ليس متفقًا عليه لم يخرجه البخاري، ولكنه في صحيح مسلم (٦)،
стр. 6110
وعند أصحاب السنن (١).
* قوله: (وَحَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ بَصْرِيٌّ خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٢)).
غفر الله للمؤلف؛ فإنه خرجه الشيخان (٣) وأصحاب السنن (٤)، والبيهقي (٥) وكثير من أصحاب كتب الأحاديث والسنن والمصنفات.
* قوله: (فَصَارَ أَهْلُ المَدِينَةِ إِلَى مَا خَرَّجَهُ أَهْلُ البَصْرَةِ، وَصَارَ أَهْلُ الكُوفَةِ إِلَى مَا خَرَّجَهُ أَهْلُ المَدِينَةِ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي: هَلْ مُقَامُهُ عِنْدَ البِكْرِ سَبْعًا وَعِنْدَ الثَّيِّبِ ثَلَاثًا وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ؟ فَقَالَ ابْنُ القَاسِمِ (٦): هُوَ وَاجِبٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ (٧): يُسْتَحَبُّ، وَسَبَبُ الخِلَافِ: حَمْلُ فِعْلِهِ ﵊ عَلَى النَّدْبِ أَوْ عَلَى الوُجُوبِ).
من العلماء مَن قال بالوجوب، ومنهم من قال بالاستحباب، وهذا كله عند المالكية.
والرسول ﷺ قد فعل ذلك وهو قدوتنا ﵊؛ فينبغي أن يُقتدى به في هذا العمل.
стр. 6111
والذي فيه خلاف بين العلماء فيما يتعلق بنوعية الإقامة: هل ينحبس عن أداء الصلوات في جماعة فيصليها في بيته (١)؟
هذه هي المسأله التي تكلم عنها العلماء ولم يتناولها المؤلف، لكن ينبغي ألا يشغل الإنسان عن صلاة الجماعة شاغل إلا عذرًا لا يتمكن معه أو يلحقه ضرر فيما لو أدى صلاة الجماعة.
* قوله: (وَأَمَّا حُقُوقُ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجَةِ بِالرَّضَاعِ وَخِدْمَةِ البَيْتِ عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ).
الحقوق منها ما يتعلق بحسن العشرة؛ كما قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ويجب على الزوجة أن تباشر فراش زوجها حين يطلبها ما لم يكن لها عذر شرعي من مرض أو ما يمنع وطأها؛ فإن اعتذرت بعذر غير واقع فهي آثمة.
ومن حقوق الزوج على زوجته: أن تكون مطيعة له ومتحببة إليه، وتبش في وجهه؛ لأن الرسول ﷺ عندما ذكر المرأة الصالحة ذكر أوصافها، فبين أنها إذا نظر إليها زوجها سرته، وإذا غاب عنها حفظته، وإذا أمرها أطاعته (٢).
والرسول ﷺ يبين أهمية حقوق الزوج وتأكيدها وخطورتها وعدم التساهل فيها، قال ﷺ : "أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا،
стр. 6112
الموطئون أكنافًا الذين يألفون ويؤلفون" (١)؛ هذا هو الأصل الذي ينبغي أن تقوم عليه الحقوق الزوجية.
ويقول ﵊: "لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" (٢)؛ فعلى كل مسلمة أن تدرك هذا الحق، لكن السجود لا يجوز إلا لله؛ لأن السجود عبادة والعبادة لا تصح إلا لله لما في ذلك من الخضوع والذل والانقياد؛ ولذلك لم يأمر به رسول الله ﷺ .
إذا ولد طفل فقد تكلم العلماء عنه:
الحالة الأولى: إن كان له مال فإن الأجرة من مال هذا الطفل، كما لو كان كبيرًا فإنه ينفق عليه من ماله.
الحال الثانية: وإن لم يكن لهذا الطفل مال فإن أجرة الرضاع تجب على من تجب عليه نفقته، كأن يكون والده، وهذا هو الأصل والله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، لكن مدة الرضاع التي تجب الإنفاق عليه محددة بحولين كاملين لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
* قولُهُ: (وَذَلِكَ أن قَوْمًا أَوْجَبُوا عَلَيْهَا الرَّضَاعَ عَلَى الإِطْلَاقِ، وَقَوْمٌ لَمْ يُوجِبُوا ذَلِكَ عَلَيْهَا بِإِطْلَاقٍ، وَقَوْمٌ أَوْجَبُوا ذَلِكَ عَلَى الدَّنِيئَةِ،
стр. 6113
وَلَمْ يُوجِبُوا ذَلِكَ عَلَى الشَّرِيفَةِ إِلَّا أن يَكُونَ الطِّفْلُ لَا يَقْبَلُ إِلَّا ثَدْيَهَا، وَهُوَ مَشْهُورُ قَوْلِ مَالِكٍ).
هناك ثلاثة أقوال في المسألة:
القولا الأول: الذين أوجبوا عليها الرضاع مالك في رواية (١) وأبو ثور (٢).
القول الثاني: الذين لم يوجبوا الرضاع هم أكثر العلماء أبو حنيفة (٣) والشافعي (٤) وأحمد (٥)، إلا أن يتعين ثديها للطفل، أي: لا يقبل غيرها، فحينئذ هي ترضعه وتأخذ الأجرة على ذلك إن كان هناك أب ينفق على الطفل (٦).
стр. 6114
لكن بعض العلماء نص على أنها إذا ولدت فيجب عليها أن تلقم ثديها الطفل ليشرب من اللِّبأ (١) - وهو اللبن الذي تدر به أول ما تلد -؛ فإنهم يرون ذلك من الضروريات للطفل (٢)، ولا شك أن الأم بما وهبها الله من الحنان والعطف والرحمة والشفقة لن تتخلى عن ابنها في إرضاعه.
القول الثالث: الرواية الأخرى للإمام مالك يفرق فيها بين الشريفة والدنيئة (٣)(٤)، يعني: بين ذات النسب وغير ذات النسب، وهذا حقيقة
стр. 6115
لا دليل عليه من الشريعة، ليس هناك في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ما يدل على ذلك، ولكن المالكية اقتبسوا ذلك من العدة والعرف.
وقيمة الإنسان بالتقوى، وليست قيمة الإنسان بنسبه أو مكانته أو بلده، وإنما دائمًا قيمة الإنسان ترتفع بالتقوى وتنخفض بالمعصية؛ فالإنسان يعز ويرتفع ويكرم إذا أطاع الله وكان أيضًا ممتثلًا لما جاء عن رسول الله ﷺ ، وتذهب قيمته ومكانته، وإن كان أعلى الناس نسبًا وأعظمهم شرفًا إذا كان يتقلب في معصية الله ؛ فإن هذا لا ينفعه.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ آيَةُ الرَّضَاعِ مُتَضَمِّنَةٌ حُكْمَ الرَّضَاعِ - أَعْنِي: إِيجَابَهُ - أَوْ مُتَضَمِّنَةٌ أَمْرَهُ فَقَطْ؛ فَمَنْ قَالَ: أَمْرَه، قَالَ: لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الرَّضَاعُ؛ إِذْ لَا دَلِيلَ هُنَا عَلَى الوُجُوبِ، وَمَنْ قَالَ: تَتَضَمَّنُ الأَمْرَ بِالرَّضَاعِ وَإيجَابَهُ؛ وَأَنَّهَا مِنَ الأَخْبَارِ الَّتِي مَفْهُومُهَا مَفْهُومُ الأَمْرِ، قَالَ: يَجِبُ عَلَيْهَا الإِرْضَاعُ) (١).
سبب الخلاف في كون الرضاع يجب على الأم أو لا يجب: أن الآية ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ سيقت على نسق الخبر فليست أمرًا، لكن بعضهم يقول: وإن وردت خبرًا فإنها تدل على الأمر؛ لأنه على القول أن الآية متضمنه الأمر فقط فالوالدة ترضع طفلها، لكن هل ترضعه ولها الأجرة أو ترضعه وليس لها أجرة؟
стр. 6116
فمن قال يتضمن الأمر والإيجاب: فلا أجرة لها.
ومن قال: يتضمن الأمر فقط: فإن الأجرة أمر زائد وخارج عن ذلك؛ فتجب لها (١).
* قوله: (وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الدَّنِيئَةِ وَالشَّرِيفَةِ، فَاعْتَبَرَ فِي ذَلِكَ العُرْفَ وَالعَادَةَ) (٢).
العرف والعادة يرجع إليه في بعض الأمور كما مر في أبواب الحيض والنفاس، وكذلك مسائل في كتاب النكاح.
* قوله: (وَأَمَّا المُطَلَّقَة، فَلَا رَضَاعَ عَلَيْهَا إِلَّا أَلَّا يَقْبَلَ ثَدْيَ غَيْرِهَا، فَعَلَيْهَا الإِرْضَاع، وَعَلَى الزَّوْجِ أَجْرُ الرَّضَاعِ (٣). هَذَا إِجْمَاعٌ (٤)، لِقَوْلِهِ : ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]).
стр. 6117
لأن هذه مطلقة، والنفقة تجب على الأكل فإن أرضعت فإنها في اتفاق العلماء يدفع لها الأجرة دون خلاف.
* قوله: (وَالجُمْهُورُ عَلَى أن الحَضَانَةَ لِلأمِّ إِذَا طَلَّقَهَا الزَّوْج، وَكَانَ الوَلَدُ صَغِيرًا) (١).
الحقيقة: هذه مسألة اتفق عليها العلماء بأن الحضانة إنما تكون للأم؛ لأن الأم هي الأولى بحضانة الطفل؛ فالأم هي التي ترضعه، وهي التي عندها من الحنو عليه والعطف والشفقة ما ليس عند غيرها، حتى وإن وجد عند الأب فهو لا يستطيع أن يقدم للطفل في هذه السن ما تقدمه الأم في هذا المقام؛ فالمسألة ليس فيها خلاف كما ذكر المؤلف أن هذا قول الجمهور.
والخلاف بين العلماء بعد ذلك فيما لو تزوجت الأم برجل آخر؛ فإنها تسقط حضانتها، وهذا هو رأي جماهير العلماء (٢).
стр. 6118
وخالف في ذلك الحسن البصري (١) وقال: في هذه الحالة تكون لها أيضًا الحضانة، وهم يحتجون بقصة أم سلمة: لما توفي أبو سلمة تألمت على أبي سلمة ورسول الله ﷺ أرشدها إلى أن تسأل الله أن يأجرها في مصيبتها وأن يخلفها خيرًا منه فتحقق ذلك بأن تزوجها رسول الله ﷺ (٢)؛ فيحتج هؤلاء بأن أم سلمة كفلت ولدها سلمة … هكذا يقولون.
لكن الجمهور ينازعون في هذا الأمر ويقولون: إن قضية الكفالة إذا وجدت منازعة، ولا منازعة هنا، وليس هناك بيت خير من بيت رسول الله ﷺ ؛ فهذا لا يفضل عليه غيره.
فلا يوجد إنسان يفضل بيته على بيت رسول الله ﷺ ، ولا يوجد مؤمن حقًّا يحب نفسه أكثر من رسول الله ﷺ ، بل يجب علينا جميعًا أن نحب رسول الله ﷺ أكثر من حبنا لأنفسنا؛ ولذلك لما قال عمر ﵁ للرسول ﷺ : والله لإنك أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي قال
стр. 6119
الرسول ﷺ : "لا يا عمر" ثم قال عمر ﵁: "والله لإنك أحب إلي من كل شيء" (١)؛ فمحبة الرسول يجب أن نقدمها على محبة أنفسنا.
وقوله ﵁: "إلا من نفسي" القصد من المخلوقين، أما محبة الله فهي مقدمة على كل أحد؛ لأن الله تعالى يقول عن نبيه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]؛ فمحبة الله تعالى نوع من العبادة لا يجوز أن يشركه أحد فيها.
* قوله: (لِقَوْلِهِ ﵊: "مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا، فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ" (٢)).
لا شك أن الأم قد غرس الله حب أولادها في قلبها؛ فكان عندها من الشفقة والرحمة والعطف والحنان وشدة الولع واللوعة ما يجعلها تتألم لفراق أبنائها، وهذا الحديث الذي أورده المؤلف ليس دليلًا لهذه المسألة، وإنما هذا الحديث جاء عن رسول الله ﷺ في بيع وشراء الإماء؛ فإن الرسول ﷺ أشار في هذا الحديث إلى أن مَن كانت عنده أمة وهي بمثابة سلعة ولها ابن أو بنت معها فلا ينبغي له أن يفرق بينهما فيذهب بهذا يمينًا وهذا شمالًا؛ فإما أن يبقيهما عنده أو يبيعهما معًا إلى جهة واحدة؛ حتى لا يفصل بين الأم وبين ولدها؛ لأن الرسول ﷺ قال: "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة" (٣).
ولا يوجد مسلم يود أن يفرق بينه وبين أحبته يوم القيامة، والأمهات عندهم من الحنان والعطف والشفقة؛ فلا يمكن أن تنسى هذا الولد حتى
стр. 6120
ولو أساء الولد إلى أبيه أو لأمه، فإن العاطفة تظل متعلقة في نفسه مسيطرة على قلبه يصيبه بغيابه الولع والشوق.
والولع هذا هو شأن الآباء وقد يوجد من الأبناء بما عنده من الشقاوة والقسوة ما لا يدرك ذلك، لكن هذا ليس في جميع الأبناء فكم من الأبناء الصالحين الذين يسعون في هذه الحياة الدنيا إلى إرضاء آبائهم، وبذل كل ما يريد آباؤهم يسبلون عليهم في حالة شدتهم في حالة كبرهم، لأنهم يدركون قيمة ذلك وما أعده الله من الثواب، ثم أيضًا من بر بوالديه بر به أبناؤه "بَرُّوا آباءكم تبرَّكم أبناؤكم" (١).
وأما الحديث الذي يُستدل به في هذا المقام: هو ما جاء في قصة امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، أن ابني هذا - وهي تحمله تشير إليه - كان بطني له وعاء وكان حجري له حِواء وثديى له سقاء ثم قالت: وإن أباه يريد أن ينزعه مني فقال رسول الله ﷺ وهو الرحيم بأمته: "أنت أحق به ما لم تنكحي" (٢).
هذا هو الدليل الذي يستدل به لهذه المسألة.
* قوله: (وَلأَنَّ الأَمَةَ وَالمَسْبِيَّةَ إِذَا لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا، فَأَخَصُّ بِذَلِكَ الحُرَّةُ).
المؤلف لما أورد دليلًا لهذه المسألة حديث: "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة" (٣)، وهذا حديث ورد في الأمة" فيقول: إذا كان هذا في الأمة فما بالك بالتفريق بين الأم الحرة
стр. 6121
وولدها، لكننا أوردنا الحديث الذي هو نص في هذه المسألة: "أنت أحق به ما لم تنكحي".
* قول: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا بَلَغَ الوَلَدُ حَدَّ التَّمْيِيزِ).
التمييز يعبر عنه العلماء عادة ببلوغ سبع سنوات (١)، وهي التي أشار إليها الرسول ﷺ بقوله: "مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرِّقوا بينهم في المضاجع" (٢)، لأنه إذا بلغ سن السابعة أصبح مميزًا يفرق بين ما ينفع وما يضر، ما فيه الخير وما فيه الشر، والآن أصبحت التربية تهتم بهذا الأمر.
* قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: يُخَيَّر، وَمِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ (٣)، وَاحْتَجُّوا بِأَثَرٍ وَرَدَ فِي ذَلِكَ).
стр. 6122
ومنهم الشافعي وأحمد (١)، وخالفهم أبو حنيفة (٢)، ومالك (٣) فقالا بعدم التخيير.
أما الأثر الذي يشير إليه والذي أعرفه: فهو أثر عن عمر وعلي ﵄: أنهما قضيا بذلك حكم به القاضي شريح (٤).
" قول: (وَبَقِيَ قَوْمٌ عَلَى الأَصْلِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُمْ هَذَا الحَدِيثُ).
وهو عدم التخيير وأن يبقى في الحضانة.
* قول: (وَالجُمْهُورُ عَلَى أن تَزْوِيجَهَا لِغَيْرِ الأَبِ يَقْطَعُ الحَضَانَةَ (٥)؛ لِمَا رُوِيَ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي" (٦)، وَمَنْ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ هَذَا الحَدِيثُ طَرَدَ الأَصْلَ).
стр. 6123
طرد الأصل: يعني: أنه بقي على الأصل، لكن هذا حديث حسن وهو حجة.
* قوله: (وَأَمَّا نَقْلُ الحَضَانَةِ مِنَ الأُمِّ إِلَى غَيْرِ الأَبِ، فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ).
المؤلف تكلم عن الغلام ولم يتكلم عن الجارية: والجارية اختلف فيها العلماء إذا بلغت سبع سنين؛ لأنها تختلف عن الولد؛ فالجارية تحتاج إلى ملاحظة أكثر، وإلى عناية وإلى متابعة؛ لأنه يخشى عليها أكثر مما يخشى على الغلام.
فعند أحمد (١): تنتقل كفالتها لوالدها ولا تبقى عند أمها؛ لأن الأب هو الأقدر على حفظها ورعايتها وصيانتها.
والشافعي (٢): يرى أن لا فرق بين الغلام والجارية؛ فيرى أنها تخير.
وأبو حنيفة (٣) ومالك (٤): يريان أنها تبقى على الأصل في الحضانة.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
стр. 6124
(البَابُ الخَامِسُ فِي الأَنْكِحَةِ المَنْهِيِّ عَنْهَا بِالشَّرْع وَالأَنْكِحَةِ الفَاسِدَةِ وَحُكْمِهَا)
النهي دائمًا يُتلقى عن الله وعن رسوله ﷺ ، والنهي الذي يأتي عن الله إنما هو مسجل مسطور مدون في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قطب هذه الشريعة الذي تدور عليه، الذي من عمل به وُفق إلى الطريق السوي، ومَن حكم به عدل، ومن خرج عنه وطلب الهدى في غيره أضله الله، فكتاب الله الأوامر والنواهي منه.
وفي سنة رسول الله ﷺ هناك أنكحة سيعرض لها المؤلف، وهناك أمور يحصل بسببها فساد النكاح سيعرض لها بإيجاز، وسنأخذها إن شاء الله واحدًا واحدًا.
* قوله: (وَالأَنْكِحَةُ الَّتِي وَرَدَ النَّهْيُ فِيهَا مُصَرَّحًا أَرْبَعَةٌ: نِكَاحُ الشِّغَارِ، وَنِكَاحُ المُتْعَةِ).
مصرحًا: يعني: ورد النهي فيها صريحًا (١).
يقول أهل اللغة: ونكاح الشغار سمي شغارًا من شغار الكلب، لأنه عرف عن الكلب أنه إذا أراد أن يتبول يرفع إحدى رجليه؛ فشبه من يعمل ذلك العمل بالكلب (٢) من باب الذلة والحقارة، لأن مَن يتشبه بالكلب إنما يتشبه بأمر حقير؛ ولذلك الشاعر يقول:
стр. 6125
ومن جعل الغراب له دليلًا … يمر به على جيف الكلاب (١)
الإنسان عندما يتبع الغراب إلى أين سيأخذه؛ هو يبحث عن الجياف؛ كذلك من يسلك طريق الردى فإن مصيره ونهايته كنهاية من يتبع هذا الغراب؛ فإن الذي يتبع أهل المعاصي وأهل الردى إنما يوقعونه بمثل من يقتدي بهذا الغراب مع الفارق أيضًا؛ لكن هنا الأمر أخطر وأكبر إذا كان هناك أمور جاء النهي عنها صريحًا في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ .
والنهي إذا لم يوجد ما يصرفه فإنه يبقى على التحريم (٢)؛ منها نكاح الشغار.
ونكاح المتعة كان جائزًا في أول الأمر؛ فالرسول ﷺ أباح ذلك للصحابه لشدة الحاجة إليه ثم حرم (٣).
والمتعة معناها: أن الرجل يعقد على المرأة لفترة معينة وهذا لا يجوز في النكاح، فالنكاح ليس له وقت محدد؛ نعم قد يتزوج الرجل المرأة ويطلقان هذا حق له، لكن أن يتزوجها لمدة شهر أو عشرين يومًا أو لفصل الصيف؛ فهذا أمر لا يجوز؛ لأن هذا قد حرمه الله .
وهناك أمور مباحة في أول الأمر، ثم نجد بعد ذلك أنها حرمت؛ فالخمر لم يرد تحريمها مرة واحدة؛ فإنها مرت بمراحل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]؛ فامتنع عنها بعض الناس قالوا: ما دام إثمها أكبر من نفعها فلا خير فيها فندعها.
стр. 6126
ثم جاءت الآية الأخرى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]؛ فقالوا: ما يشغلنا عن الصلاة لا خير فيه، وكف بعض الناس.
حتى جاءت الآية التي حسمت الأمر وحرمت الخمر تحريمًا قاطعًا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١].
ويقول العلماء: إن قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ المصدرة بالاستفهام أشد بلاغًا وقوة من قوله: (انتهوا)؛ ولذلك: قالوا انتهينا انتهينا!
* قوله: (وَالخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ).
يعني: لا يجوز للمسلم أن يخطب على خطبة أخيه.
* قوله: (وَنِكَاحُ المُحَلِّلِ).
هذا يحصل إذا طلق الرجل زوجته ثلاثًا قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، والمحلل: هو الذي يتزوجها بنية أن يحللها للآخر، وهذا أمر محرم ولا يجوز، أما أن يتزوجها دون أن يقصد التحليل، ثم بعد ذلك يطلقها ويحصل المسيس فإنها تجوز للأول، وسنتكلم عن ذلك كله تفصيلًا - إن شاء الله -.
* قوله: (فَأَمَّا نِكَاحُ الشِّغَارِ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ صِفَتَهُ هُوَ: أَنْ يُنْكِحَ الرَّجُلُ وَليَّتَهُ رَجُلًا آخَرَ عَلَى أَنْ يُنْكِحَهُ الآخَرُ وَليَّتَه، وَلَا صَدَاقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بُضْعَ هَذِهِ بِبُضْعِ الأُخْرَى) (١).
стр. 6127
أما الشغار: فقد جاء عنه أحاديث في "الصحيحين" وفي غيرهما: "أن الرسول ﷺ نهى عن الشغار" (١).
وقال ﵊ في حديث عند مسلم: "لا شغار في الإسلام" (٢)، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه (٣).
وهذا حديث متفق عليه عن ابن عمر وأبي هريرة، وجاء في بعض الأحاديث تفسيرها: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته ولا صداق بينهما" فيقول هذا: زوجتك ابنتي أو زوجتك أختي! ويقول هذا: زوجتك أختي أو زوجتك ابنتي! ولا صداق بينهما.
ويقول ﵊: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٤)؛ كل عمل ليس على منهج رسول الله ﷺ فهو مردود على صاحبه (٥)،
стр. 6128
والإسلام ليس فيه شغار، لأن فيه ظلمًا لكل من وليتيهما، هذا وفيه تعد على حقوقهما، والله حرم الظلمِ وجعله بينناج محرمًا، والله قال: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]؛ فالله تعالى نهانا عن أن نتعدى حدوده.
وزواج الشغار عمل قبيح؛ لأنه شبه بالكلب لما فيه من القبح والذلة والمهانة، لكن لو جعل فيه مهر ففيه خلاف بين العلماء، فعلة الفساد أن هذا النكاح لا مهر فيه.
فواجب كل مسلم أن يبتعد عما نهى رسول الله ﷺ امتثالًا لنهي رسول الله ﷺ ، ولما أمرنا به ﷺ في كتابه العزيز بقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]؛ ما أمرنا به رسول الله ﷺ : ما دعانا إليه ورغبنا فيه وحثنا عليه؛ فينبغي أن نسارع وأن نسابق إلى فعله، وما نهانا عنه رسول الله ﷺ ، فليس فيه الخير، بل ليس فيه إلا الشر؛ فيجب أن نبتعد عن ذلك وألا نفعله؛ استجابة لنهي رسول الله ﷺ ، وعملًا بقوله تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.
والرسول ﷺ يقول: "ذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (١).
والله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
وكان الرسول ﷺ يمنع المسلمين من كثرة السؤال، ونهى عن قيل وقال وكثرة السؤال (٢)؛ ولذلك كان الصحابه ﵃ يتمنون إذا جاء
стр. 6129
الرجل الأعرابي من البادية؛ ليسأل رسول الله ﷺ ، وربما قدموا له شيئًا ليسأله ﷺ (١)
* قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ نِكَاحٌ غَيْرُ جَائِزٍ لِثُبُوتِ النَّهْي عَنْه، وَاخْتَلَفُوا إِذَا وَقَعَ، هَلْ يُصَحَّحُ بِمَهْرِ المِثْلِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ (٢): لَا يُصَحَّح، وَيُفْسَخُ أَبَدًا قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ).
وهي رواية عن الإمام أحمد (٣).
* قوله: (وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٤)، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: إِنْ سَمَّى لإِحْدَاهُمَا صَدَاقًا أَوْ لَهُمَا مَعًا، فَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ بِمَهْرِ المِثْلِ، وَالمَهْرُ الَّذِي سَمَّيَاهُ فَاسِدٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٥): نِكَاحُ الشِّغَارِ يَصِحُّ بِفَرْضِ صَدَاقِ المِثْلِ، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ (٦)،
стр. 6130
وَأَحْمَدُ (١)، وَإِسْحَاق، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَالطَّبَرِيُّ (٢)).
قال به أحمد في الرواية الأخرى.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ النَّهْيُ المُعَلَّقُ بِذَلِكَ مُعَلَّلٌ بِعَدَمِ العِوَضِ أَوْ غَيْرُ مُعَلَّلٍ؟).
مراد المؤلف: ما السبب في النهي عن نكاح الشغار: هل هو لخلو العقد من العوض أو لسبب آخر؟
* قوله: (فَإِنْ قُلْنَا: غَيْرُ مُعَلَّلٍ، لَزِمَ الفَسْخُ عَلَى الإِطْلَاقِ. وَإِنْ قُلْنَا: العِلَّةُ عَدَمُ الصَّدَاقِ، صَحَّ بِفَرْضِ صَدَاقِ المِثْلِ، مِثْلَ العَقْدِ عَلَى خَمْرٍ أَوْ عَلَى خِنْزِيرٍ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أن النِّكَاحَ المُنْعَقِدَ عَلَى الخَمْرِ وَالخِنْزِيرِ لَا يُفْسَخُ إِذَا فَاتَ بِالدُّخُولِ، وَيَكُونُ فِيهِ مَهْرُ المِثْلِ) (٣).
معلل: أي: معروف العلة.
غير معلل: أي: علِّيته غير معقولة لا ندركها بالعقل.
وقد مرت عدة أمثلة وشواهد على هذا وذاك، والمؤلف يكثر من هذه العبارة معلل أو غير معلل.