← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

ثم جاءت الآية الأخرى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]؛ فقالوا: ما يشغلنا عن الصلاة لا خير فيه، وكف بعض الناس. حتى جاءت الآية التي حسمت الأمر وحرمت الخمر تحريمًا قاطعًا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١]. ويقول العلماء: إن قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ المصدرة بالاستفهام أشد بلاغًا وقوة من قوله: (انتهوا)؛ ولذلك: قالوا انتهينا انتهينا! * قوله: (وَالخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ). يعني: لا يجوز للمسلم أن يخطب على خطبة أخيه. * قوله: (وَنِكَاحُ المُحَلِّلِ). هذا يحصل إذا طلق الرجل زوجته ثلاثًا قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، والمحلل: هو الذي يتزوجها بنية أن يحللها للآخر، وهذا أمر محرم ولا يجوز، أما أن يتزوجها دون أن يقصد التحليل، ثم بعد ذلك يطلقها ويحصل المسيس فإنها تجوز للأول، وسنتكلم عن ذلك كله تفصيلًا - إن شاء الله -. * قوله: (فَأَمَّا نِكَاحُ الشِّغَارِ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ صِفَتَهُ هُوَ: أَنْ يُنْكِحَ الرَّجُلُ وَليَّتَهُ رَجُلًا آخَرَ عَلَى أَنْ يُنْكِحَهُ الآخَرُ وَليَّتَه، وَلَا صَدَاقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بُضْعَ هَذِهِ بِبُضْعِ الأُخْرَى) (١).

стр. 6127

أما الشغار: فقد جاء عنه أحاديث في "الصحيحين" وفي غيرهما: "أن الرسول ﷺ نهى عن الشغار" (١). وقال ﵊ في حديث عند مسلم: "لا شغار في الإسلام" (٢)، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه (٣). وهذا حديث متفق عليه عن ابن عمر وأبي هريرة، وجاء في بعض الأحاديث تفسيرها: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته ولا صداق بينهما" فيقول هذا: زوجتك ابنتي أو زوجتك أختي! ويقول هذا: زوجتك أختي أو زوجتك ابنتي! ولا صداق بينهما. ويقول ﵊: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٤)؛ كل عمل ليس على منهج رسول الله ﷺ فهو مردود على صاحبه (٥)،

стр. 6128

والإسلام ليس فيه شغار، لأن فيه ظلمًا لكل من وليتيهما، هذا وفيه تعد على حقوقهما، والله حرم الظلمِ وجعله بينناج محرمًا، والله قال: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]؛ فالله تعالى نهانا عن أن نتعدى حدوده. وزواج الشغار عمل قبيح؛ لأنه شبه بالكلب لما فيه من القبح والذلة والمهانة، لكن لو جعل فيه مهر ففيه خلاف بين العلماء، فعلة الفساد أن هذا النكاح لا مهر فيه. فواجب كل مسلم أن يبتعد عما نهى رسول الله ﷺ امتثالًا لنهي رسول الله ﷺ ، ولما أمرنا به ﷺ في كتابه العزيز بقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]؛ ما أمرنا به رسول الله ﷺ : ما دعانا إليه ورغبنا فيه وحثنا عليه؛ فينبغي أن نسارع وأن نسابق إلى فعله، وما نهانا عنه رسول الله ﷺ ، فليس فيه الخير، بل ليس فيه إلا الشر؛ فيجب أن نبتعد عن ذلك وألا نفعله؛ استجابة لنهي رسول الله ﷺ ، وعملًا بقوله تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. والرسول ﷺ يقول: "ذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (١). والله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وكان الرسول ﷺ يمنع المسلمين من كثرة السؤال، ونهى عن قيل وقال وكثرة السؤال (٢)؛ ولذلك كان الصحابه ﵃ يتمنون إذا جاء

стр. 6129

الرجل الأعرابي من البادية؛ ليسأل رسول الله ﷺ ، وربما قدموا له شيئًا ليسأله ﷺ (١) * قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ نِكَاحٌ غَيْرُ جَائِزٍ لِثُبُوتِ النَّهْي عَنْه، وَاخْتَلَفُوا إِذَا وَقَعَ، هَلْ يُصَحَّحُ بِمَهْرِ المِثْلِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ (٢): لَا يُصَحَّح، وَيُفْسَخُ أَبَدًا قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ). وهي رواية عن الإمام أحمد (٣). * قوله: (وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٤)، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: إِنْ سَمَّى لإِحْدَاهُمَا صَدَاقًا أَوْ لَهُمَا مَعًا، فَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ بِمَهْرِ المِثْلِ، وَالمَهْرُ الَّذِي سَمَّيَاهُ فَاسِدٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٥): نِكَاحُ الشِّغَارِ يَصِحُّ بِفَرْضِ صَدَاقِ المِثْلِ، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ (٦)،

стр. 6130

وَأَحْمَدُ (١)، وَإِسْحَاق، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَالطَّبَرِيُّ (٢)). قال به أحمد في الرواية الأخرى. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ النَّهْيُ المُعَلَّقُ بِذَلِكَ مُعَلَّلٌ بِعَدَمِ العِوَضِ أَوْ غَيْرُ مُعَلَّلٍ؟). مراد المؤلف: ما السبب في النهي عن نكاح الشغار: هل هو لخلو العقد من العوض أو لسبب آخر؟ * قوله: (فَإِنْ قُلْنَا: غَيْرُ مُعَلَّلٍ، لَزِمَ الفَسْخُ عَلَى الإِطْلَاقِ. وَإِنْ قُلْنَا: العِلَّةُ عَدَمُ الصَّدَاقِ، صَحَّ بِفَرْضِ صَدَاقِ المِثْلِ، مِثْلَ العَقْدِ عَلَى خَمْرٍ أَوْ عَلَى خِنْزِيرٍ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أن النِّكَاحَ المُنْعَقِدَ عَلَى الخَمْرِ وَالخِنْزِيرِ لَا يُفْسَخُ إِذَا فَاتَ بِالدُّخُولِ، وَيَكُونُ فِيهِ مَهْرُ المِثْلِ) (٣). معلل: أي: معروف العلة. غير معلل: أي: علِّيته غير معقولة لا ندركها بالعقل. وقد مرت عدة أمثلة وشواهد على هذا وذاك، والمؤلف يكثر من هذه العبارة معلل أو غير معلل.

стр. 6131

والعلماء اتفقوا: على أن نكاح الشغار لا يجوز لما جاء في النهي عنه. لكن لو صحح ذلك؛ بأن جعل مهر المثل فيه الخلاف: فالذين أجازوا ذلك قالوا: لو أن إنسانًا عقد على امرأة فدفع لها صداقها خمرًا أو خنزيرًا أو ميتة أو دمًا فذلك لا يجوز: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]؛ فهذه أمور لا تجوز، ومع ذلك يصحح العقد بأن يلغى هذا المهر ويوضع مهر المثل فيصح العقد بهذا. فيقولون: ليس ذلك أسوأ من أن يقدم مهرها لحم خنزير أو ميتة أو نحو ذلك. ومسائل كثيرة يسلك فيها المالكية قياس النكاح على البيوع، لكن البيع يختلف عن النكاح تمامًا، فأكثر ما يتعلق بالنكاح يبقى العقد صحيحًا، ويصحح ما يتعلق به وهو المهر، بخلاف البيع فإن الأمر يختلف فيه عن النكاح، لأنه إذا حصل فساد الثمن بطل المثمن. * قوله: (وَكأَنَّ مَالِكًا ﵁ رَأَى أَنَّ الصَّدَاقَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ العَقْدِ، فَفَسَادُ العَقْدِ هَاهُنَا مِنْ قِبَلِ فَسَادِ الصَّدَاقِ مَخْصُوصٌ لِتَعَلُّقِ النَّهْيِ بِهِ، أَوْ رَأَى أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ تَعْيِينِ العَقْدِ، وَالنَّهْيُ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ المَنْهِيِّ). مراد المؤلف: أن النهي ربما وجه إلى أصل العقد، فإذا كان يشمل أصل العقد فمهما صحح ما يتعلق بالمهر يبقى فاسدًا ولا يصح. وبعض العلماء: يرى أن ذلك يُتدارك. لكن العلماء الذين منعوا ذلك قالوا: هو أمر بني أصلًا على باطل؛ فهو أصلًا لا يصح؛ فلا ينبغي أن يبقى صحيحًا حتى وإن صحح المهر فيه.

стр. 6132

* قوله: (أَمَّا نِكَاحُ المُتْعَةِ (١)، فَإِنَّهُ وَإِنْ تَوَاتَرَتِ الأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِتَحْرِيمِهِ إِلَّا أَنَّهَا اخْتَلَفَتْ فِي الوَقْتِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ التَّحْرِيم، فَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: أَنَّهُ حَرَّمَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ (٢)، وَفِي بَعْضِهَا: يَوْمَ الفَتْحِ (٣)، وَفِي بَعْضِهَا: فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ (٤)، وَفِي بَعْضِهَا: فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ (٥)، وَفِي بَعْضِهَا: فِي عُمْرَةِ القَضَاءِ (٦)، وَفِي بَعْضِهَا: فِي عَامِ أَوْطَاسَ (٧)).

стр. 6133

هذه الأشياء الستة التي أوردها المؤلف بعضها صححها العلماء وبعضها ضعفوها. والمتعة لا شك أن عامة العلماء يذهبون إلى أنها محرمة، وأنها كانت جائزة في أول الأمر ثم بعد ذلك حرمت. * قوله: (وَأَكْثَرُ الصَّحَابَةِ (١) وَجَمِيعُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ عَلَى تَحْرِيمِهَا (٢)، وَاشْتُهِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَحْلِيلُهَا (٣)، وَتَبعَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَلَى القَوْلِ بِهَا أَصْحَابُهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَأَهْلِ اليَمَنِ، وَرَوَوْا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَحْتَجُّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وَفِي حَرْفٍ عَنْهُ: "إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى". وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "مَا كَانَتِ المُتْعَةُ إِلَّا رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ رَحِمَ بِهَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ " (٤)).

стр. 6134

نعم؛ كانت رحمة من الله وللتخفيف عنهم والنظر إلى حالهم، لكن بعد ذلك حرمت عندما زال ذلك الأمر. والعلماء اختلفوا في هذا وموضع الخلاف: ما ورد عن عبد الله بن عباس أنه كان يجيزه، وكافة العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم يقولون بتحريمها. وعبد الله بن عباس لما سئل عن ذلك قام خطيبًا في الناس فقال: "إن المتعة كالميتة والدم ولحم الخنزير، وإنها نسخت بقول رسول الله ﷺ " (١) والله تعالى يقول: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾؛ فإن ابن عباس قاس المتعة على الميتة والدم ولحم الخنزير، وهذه كلها مجمع على تحريمها، وإنما الخلاف في يسير الدم كما مر. ومحل الخلاف: هل كانت مباحة ثم حرمت، ثم أبيحت ثم حرمت؟ أو أنها كانت في الأول مباحة ثم حرمت؟ ومتى كان تحريمها: هل كان في غزوة خيبر أو كان في عام الفتح أو كان في أوطاس؟ ومما لا شك فيه أن الرسول ﷺ أباح المتعة في عام الفتح وحرمها في نفس العام، هذا أمر ثبت. لكن في حديث علي بن أبي طالب ﵁: "نهى رسول الله ﷺ عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر" (٢). هنا ورد الجمع بين المتعه وبين لحوم الحمر الأهلية؛ ولذلك ذهب المحققون من العلماء إلى أن في الحديث تقديمًا وتأخيرًا، وأن أصل الحديث: "نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، وعن المتعة".

стр. 6135

قالوا: وعلي ﵁ عندما قال ذلك قال ذلك احتجاجًا على عبد الله بن عباس في إجازة ذلك، فذكر له الأمرين معًا فقال له: "نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر وعن المتعة" فجمعهما في قول واحد؛ لأنه يردُّ على عبد الله بن عباس في إباحته ذلك، أو فيما قيل عنه، وإلا فإن التحريم إنما كان يوم الفتح. وأُثر عن الإمام الشافعي أنه قال: "ما أحل الله شيئًا ثم حرمه ثم أحله ثم حرمه إلا المتعة" (١)، فالشافعي أخذ بظاهر الأحاديث؛ أي: حديث علي الذي ورد في ذلك، وهو أن المتعة كانت حلالًا ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت عام الفتح، ثم حرمت في هذا العام، وفي بعض الروايات: "أنها أبيحت ثلاثة أيام" ثم بين الرسول ﷺ تحريمها إلى يوم القيامة. ومهما يكن من أمر: فإن الأدلة الصحيحة صريحة في تحريم المتعة؛ فالرسول ﷺ عندما فتح مكة حصل شيء من المتعة أباحها الرسول ﷺ لشدة الحاجة إلى ذلك، ثم إن الرسول ﷺ بين تحريمها، وأن ذلك سارٍ إلى يوم القيامة؛ فأصبح واضحًا أن آخر ما قيل عن النبي ﷺ وجاء في الصحيح بتحريم المتعة، وهذا ما قال به العلماء كافة. وأما من قال بجواز المتعة: فهذا قول شاذ ولا دليل له من كتاب أو من سنة رسول الله ﷺ ، والاحتجاج بقول ابن عباس حتى ولو قدر وصح عنه؛ فجميع الصحابة ﵃ قد خالفوا ابن عباس في ذلك، وممن رد عليه علي بن أبي طالب (٢)، وبين له أن رسول الله ﷺ قد حرم ذلك، وما قال به بعض أصحابه فهو اتباع لعبد الله بن عباس، مع أنه قد جاء عن

стр. 6136

عبد الله بن عباس: "أنه قام في الناس خطيبًا لما سئل عن المتعة فقال: إن المتعة كالخمر والميتة والخنزير وإن ذلك قد نسخ إلى يوم القيامة"، وأما الذين يتشبثون ببعض الأقوال التي تنسب إلى العلماء من الصحابة أو من غيرهم، ويقفون عندها ويجعلون ذلك ذريعة للإباحة؛ فذلك قول مردود لا يلتفت إليه ولا ينظر إليه؛ لأن الذي يحل ويحرم إنما هو الله والذي وصل إلينا عن طريقه التحريم والتحليل إنما هو رسول الله ﷺ . * قول: (وَلَوْلَا نَهْيُ عُمَرَ عَنْهَا مَا اضْطُرَّ إِلَى الزِّنَا إِلَّا شَقِيٌّ، وَهَذَا الَّذِي رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ). وعمر ﵁ عندما نهى عنها لم يكن نهيه عنها لتشفٍّ ورغبة منه ﵁، وإنما جاء نهيه بناءً على نهي رسول الله ﷺ " فهو قد تلقى وأخذ هذا النهي عن رسول الله ﷺ . * قول: (وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: "تَمَتَّعْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأَبِي بَكْرٍ وَنِصْفًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، ثُمَّ نَهَى عَنْهَا عُمَرُ النَّاسَ" (١)). هذا الذي حصل إنما هو في متعة الحج، والأدلة في ذلك كثيرة جدًّا، وهي صريحة في تحريمها، ومهما قيل ومهما علل ومهما احتج بأن عمر أنه قال: "متعتان أنهى عنهما وأعاقب عليهما متعتا الحج والنساء" (٢)، واعتبروا ذلك حجة للذين يقولون بجوازها، فهذا حقيقة احتجاج في غير محله.

стр. 6137

* قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي النِّكَاحِ الَّذِي تَقَعُ فِيهِ الخِطْبَةُ عَلَى خِظبِةِ غَيْرِهِ (١)). الكلام فيه تفصيل، لأن الإنسان إذا تقدم إلى خطبة فتاة فسكن أهلها إليه بأن أجابت المرأة بالموافقة، أو وكلت الأمر لوليها بأن يجيبه بالموافقة؛ فهذا يعتبر تمت الموافقة، فلا يجوز لمسلم أن يخطب على خطبة أخيه جاء في ذلك عدة أحاديث منها حديث عبد الله بن عمر المتفق عليه أن رسول الله ﷺ قال: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه" (٢). وفي حديث أبي هريرة أيضًا وهو متفق عليه أن الرسول ﷺ قال: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك" (٣). وغيرهما من الأحاديث كثير. ومن يفعل ذلك متعدٍّ؛ لما في ذلك من الإفساد؛ ولأنه يورث العداوة والبغضاء بين المسلمين، والإسلام ينهى عن أن تقع العداوة أو أن تحل الفرقة بين المؤمنين؛ فالإسلام يدعو إلى جمع الكلمة ولم الشمل وجمع

стр. 6138

الصفوف لتكون كلمة المسلمين كلمة واحدة؛ ولهذا رأينا الرسول ﷺ يقول: "ولا يبع بعضكم على بيع بعض" (١)؛ فإذا بعت على بيع أخيك أوجدت الشحناء والبغضاء في نفسه؛ فربما يؤدي ذلك إلى الخلاف والخلاف بعد ذلك يؤدي إلى العداوة والبغضاء، والله أعلم ما قد يحصل بعد ذلك من الفساد، والله تعالى لا يحب الفساد؛ لذلك نجد أن الرسول نهى عن عدة أمور: "لا تناجشوا لا تباغضوا … " ثم قال: "وكونوا عباد الله إخوانًا" (٢). وفاطمة بنت قيس عندما طلقها زوجها ثلاثًا وأرسل إليها بشعير فسخطته فذهبت إلى رسول الله ﷺ تخبره الخبر فقال: "ليس لك شيء" وكان وكيلها قد قال: "ليس لك علينا من شيء". الشاهد: أن رسول الله ﷺ أمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال: "تلك امرأة يغشاها أصحابي؛ اعتدي في بيت ابن أم مكتوم؛ فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده" ثم قال ﵊: "فإذا حللت فأذنيني"؛ فلما انتهت عدتها جاءت إلى رسول الله ﷺ وأخبرته بأنه قد خطبها معاوية بن أبي سفيان وأبو جهم فقال الرسول ﷺ : "أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه" (٣) وفي رواية: "رجل ضراب للنساء" ثم قال لها: "انكحي أسامة بن زيد" فكأنها سخطته في أول الأمر وترددت، بل جاء في

стр. 6139

بعض الروايات أنها تشير بيدها أن أسامة أسامة! (١). فأرشدها الرسول ﷺ إلى ما فيه الخير لها فقال: "أطيعي الله ورسوله" فنكحت أسامة فاغتبطت به؛ أي: سعدت به ووجدت في هذا النكاح الخير وأدركت ما أرشدها إليه رسول الله ﷺ . الشاهد هنا: أن الرسول ﷺ قد أشار إليها بأن ترجع إليه فإذا لم يتم الركون فجائز الرجوع في الخطبة. * قوله: (فَقَدْ تَقَدَّمَ أن فِيهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: قَوْلٌ بِالفَسْخِ). وهذا قول الإمام مالك (٢) وداود (٣). * قوله: (وَقَوْلٌ بِعَدَمِ الفَسْخِ). وهذا قول الإمامين الشافعي (٤) وأحمد (٥). وعلة الذين قالوا بعدم الفسخ: أن الذي خطب على خطبة أخيه إنما ارتكب محظورًا لكن لم يذكر في العقد ولم يكن من ضمن شروطه؛ فإننا

стр. 6140

نصحح هذا النكاح، لكننا نقول بأن مَن يفعل ذلك قد ارتكب ما نهى عنه رسول الله ﷺ وهو آثم بهذا الفعل. والآخرون يقولون: لا؛ هذا قد تعدى وأخل فيؤثر على العقد فيفسد ذلك النكاح، وهو قول مالك وداود الظاهري. وأمثال هذه القضايا: لو أن إنسانًا اغتصب أرضًا وصلى فيها (١)، الصحيح بأن صلاته صحيحة، لكنه يأثم بأنه اغتصب وسرق هذه الدار. لو سرق ثوبًا وصلى فيه؛ فإنه آثم على سرقته ويستحق العقاب، لكن صلاته صحيحة كما هو مذهب الجمهور، كذلك لو صلى بثوب حرير ونحوه. * قوله: (وَفَرْقٌ بَيْنَ أَنْ تَرِدَ الخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَةِ الغَيْرِ بَعْدَ الرُّكُونِ وَالقُرْبِ مِنَ التَّمَامِ، أَوْ لَا تَرِدَ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ (٢)).

стр. 6141

يعني: إذا وردت خطبة الرجل على خطبة أخيه بعد الموافقة، فهذا الذي فيه الخلاف، أما إذا لم يوافق له فهذا لا خلاف بين العلماء أن للإنسان أن يتقدم ويخطب، لأنه ما نازع أخاه المسلم في ذلك. * قوله: (وَأَمَّا نِكَاحُ المُحَلِّلِ، أَعْنِي: الَّذِي يَقْصِدُ بِنِكَاحِهِ تَحْلِيلَ المُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا). الله سبحانه الله يقول في حكم الطلاق: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، والكلام كله يدور حول المرأة التي يطلقها زوجها طلاقًا بائنًا؛ فإنها في هذه الحالة لا تحل له إلا أن يتزوجها رجل آخر زواجًا صحيحًا ويطؤها كما هو المذهب الصحيح، ثم بعد ذلك يطلقها. والكلام هنا: هل يجوز لرجل أن يتزوج امرأة مطلقة ثلاثًا ليحللها لزوجها الأول لتعود إليه بدعوى أن هذه المرأة لها أولاد ولها ولها … إلى آخره؟ أما أن يتزوج الإنسان امرأة بعد زوج طلقها ثلاثًا بعقد صحيح، ولم يتلفظ، ولم يحصل شرط بأنه إنما تزوجها ليحلها، ولم يعزم ذلك في قلبه، ثم بعد ذلك بدا له أن يطلقها رغب عنها حينئذ ترجع للأول ولا خلاف على ذلك. لكن الكلام فيمن يتزوج امرأة فيشترط عليه بالعقد، كأن يقول وليها: زوجتكها إلى أن تطأها فبعد الوطء حينئذ تطلقها! هذه صورة من الصور، أو أن يقول: زوجتكها إلى أن تحلها لزوجها الأول. وهذه القضية حدثت في عهد رسول الله ﷺ وقد رفع رسول الله ﷺ الخلاف وأبان الحجة وأوضح الطريق؛ فكان ينبغي أن يوقف عندما قاله رسول الله ﷺ وبينه في حديث عائشة المتفق عليه قالت: جاءت تميمة زوجة رفاعة إلى رسول الله ﷺ فقالت: كنت عند رفاعة القرظي فطلقني فبت طلاقي - يعتي: ثلاثة - فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنما

стр. 6142

معه مثل هدبة الثوب - هذا تعريض بأن الرجل لا يستطيع أن يقوم بحقها - فتبسم رسول الله ﷺ وقال: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟! لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" (١). عسيلة: تصغير العسل يصغر على عسيل؛ لأن هناك صيغًا معروفة للتصغير: "فُعيل وفُعيلِل وفُعيلِيل"؛ فالثلاثي يصغر على "فعيل"؛ فعسل يصغر على عسيل؛ فيقال: عسيل ثم تلحقه التاء للتأنيث فيقال: عسيلة. وهذا كناية عن لذة الجماع (٢)؛ فلا بد أن يطأها الزوج الجديد، وإذا لم يحصل وطء فلا. ولم يخالف في هذه المسألة إلا سعيد بن المسيب (٣)، وهو من كبار التابعين وحجته في ذلك قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣١]؛ فليس هناك شرط المسيس، والنكاح يطلق على العقد؛ فلو دخل بها ولم يحصل مسيس ظاهر الآية كذلك، ولم يوافق أحد سعيد بن المسيب في قوله هذا، ولم يتبعه أحد من العلماء بعده. والعلماء قاطبة اتفقوا على خلاف هذا الرأي، وحجتهم حديث رفاعة الذي مر قبل قليل.

стр. 6143

ونقل عن الحسن البصرى (١) الإمام المعروف وهو من كبار التابعين أنه قال: لا يكفي الدخول والوطء بل لا بد من الإنزال، وهذا قول انفرد به ولم يوافقه عليه أحد؛ لأن القصد من النكاح إنما هو التقاء الختانين؛ ولذلك يثبت الحد إذا جلس بين شعبها الأربع ويفسد به الصيام والحج ويحصل به الإحصان ويثبت الصداق؛ فإذا التقى الختانان تقرر به هذه الأحكام كلها، والقصد بالتقاء الختانين إنما هو تغييب الحشفة؛ فهذا أمر واضح، فرأى جماهير العلماء أن القصد من ذلك هو مجرد أن يحصل الوطء ولا يشترط الإنزال، وأما مجرد الدخول دون الوطء فإن ذلك لا يكفي. المحلِّل والمحلَّل له ملعونان: الحديث الأول: حديث عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال: "لعن رسول الله ﷺ المحلِّل والمحلَّل له". وهذا حديث صحيح أخرجه أحمد (٢) والترمذي (٣) والنسائي (٤)، وإنما الذي يحل ويحرم إنما هو الله ، لكنه لما أراد أن يحل هذه المرأة لذلك الرجل سمي محللًا ويلعن المحلل له إذا رضي وتواطأ معه، أما إذا كان لا يعلم ولا يدري ولا قصد له فلا يدخل في ذلك.

стр. 6144

الحديث الثاني: والرسول الله ﷺ قال لأصحابه: "ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "هو المحلل؛ لعن الله المحلِّل والمحلَّل له" (١). وهو حديث حسن. "ألا" أداة استفتاح. (أخبركم) يهيئ أصحابه ﵃ ليستمعوا إلى ماذا يقول؛ ليكونوا أوعى وأدرك لبيان خطورة هذا الأمر وأهميته. "بالتيس (٢) المستعار" هو كمن يذهب فيستعير تيسًا من جاره أو زميله لينزو على غنمه؛ فهذا تشبيه لينفر من هذا العمل. الحديث الثالث: حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لعن الله المحلِّل والمحلَّل له" (٣)، واللعن: هو الطرد من رحمة الله . واللعن إما أن يكون خبر عن الله سبحانه والمخبر هو رسول الله ﷺ ؛ فإن كان من الله فهو إخبار من رسول الله ﷺ ، وهذا خبر صدق؛ لأنه جاء عن رسول الله ﷺ عن طريق صحيح، وإن كان من رسول الله ﷺ فهو دعاء؛ أي: أن الرسول ﷺ يدعو على المحلل بأن يلعنه الله، والدعاء مستجاب؛ لأنه صدر من رسول الله ﷺ ، فهو على كلا الأمرين محظور. والعلماء الذين بحثوا في تحديد الكبيرة، بعضهم قال: هي التي يترتب عليها لعن أو تختم بكلمة نار أو نحو ذلك (٤)، وقد جاءت أحاديث

стр. 6145

كثيرة فيها اللعن مما يدل على أن مَن يُلعن إنما هو مرتكب كبيرة؛ فالرسول ﷺ يقول: "لعن الله من لعن والديه" (١). ويقول ﵊: "لعن الله من غير منار الأرض" (٢). ويقول ﵊: "لعن الله من ذبح لغير الله" (٣). ويقول ﵊: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما صنعوا (٤). والأحاديث في ذلك كثيرة جدًّا، فمن يفعل ذلك فإنما يرتكب كبيرة من الكبائر. والذبح لغير الله شرك، لأن الذبح نوع من أنواع العبادة، ومن يصرف نوعًا من أنواع العبادة لغير الله فهو مشرك شركًا أكبر، لأن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢)﴾ [الأنعام: ١٦٢]. ومن يلعن والديه فإنما هو يرتكب كبيرة، ومن يغير علامات الأرض فإنما هو يرتكب كبيرة؛ فالذي يستحق اللعن هو من يرتكب كبيرة. * قوله: (فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: هُوَ نِكَاحٌ مَفْسُوخٌ). لا يجوز عند الإمامين مالك (٥) وأحمد (٦) قولًا واحدًا.

стр. 6146

* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢): هُوَ نِكَاحٌ صَحِيحٌ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ ﵊: "لَعَنَ اللَّهُ المُحَلِّلَ … "، الحَدِيثَ. فَمَنْ فَهِمَ مِنَ اللَّعْنِ التَّأثِيمَ فَقَطْ، قَالَ: النِّكَاحُ صَحِيحٌ، وَمَنْ فَهِمَ مِنَ التَّأثِيمِ فَسَادَ العَقْلِ تَشْبِيهًا بِالنَّهْيِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ المَنْهِيِّ عَنْهُ قَالَ: النِّكَاحُ فَاسِدٌ. فَهَذِهِ هِيَ الأَنْكِحَةُ الفَاسِدَةُ بِالنَّهْيِ). حقيقه قول أبي حنيفة والشافعي ليس كما ذكر المؤلف، بل يحتاج إلى تفصيل: أبو حنيفة: نقل عنه أنه قال: الشرط باطل والعقد صحيح؛ فيرجع فيلغي الشرط فيتزوجها زواجًا صحيحًا على أنه لا يقصد التحليل فيصحح العقد (٣). وأما الإمام الشافعي ﵀: فقد فصل القول في هذه المسألة

стр. 6147

فقال: إن تزوجها بشرط أن يحلها لزوجها الأول أو اشترط عليه أن يتزوجها ليحلها لزوجها الأول - قد يكون الشرط من الزوج نفسه وربما يكون من الولي - وصرح به لفظًا بالعقد فهذا لا يجوز أبدًا وهو نكاح فاسد، وهذا هو نكاح المحلل، وبهذا يلتقي مع الإمامين مالك وأحمد. وأما إذا نواه وقصده؛ فإن ذلك يصح عند الشافعي (١). لكننا نرجع بعد ذلك لنناقش المسألة: هناك قاعدة مشهورة من القواعد الكبرى الأمور بمقاصدها (٢)، وهناك قاعدة تعتبر فرعيه يتكلم عنها العلماء: هل العبرة بمعاني الألفاظ أو بمقاصدها؟ هل العبرة بصيغ العقود أو بمعانيها؟ (٣). فالإمام الشافعي هنا يفرق بين اللفظ وبين المعنى، فيرى أنه إن صرح باللفظ فالأمر يحرم ولا يجوز ويكون مع الإمامين مالك وأحمد، وإن نواه بقلبه فإن ذلك لا يؤثر. والمالكية والحنابلة يناقشون هذا الرأي ويقولون: لا نرى فرقًا بين أن يصرح وأن ينوي، لأن الأمور بمقاصدها، وهذه القاعدة إنما بنيت على حديث متفق عليه: من حديث عمر بن الخطاب عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" (٤). فإذن؛ الأمور

стр. 6148

بمقاصدها، والعقود يقصد بها المعاني وما وضعت الألفاظ إلا للدلالة على المعاني. إذن، يقول هؤلاء: لا نرى فرقًا بين أن ينطق الولي، أو أن يشترط ذلك لفظًا، أو أن يشترط ذلك المتزوج، أو ألا يشترط. "وقد جاء رجل إلى عبد الله بن عمر ﵄ فقال: إني تزوجت امرأة لأحلها لزوجها ولم يأمرني بذلك ولم يعلم. فقال له عبد الله بن عمر: لا نكاح إلا عن رغبة فإن رضيتها فأمسكها وإن سخطتها ففارقها، وإن كنا لنعده على عهد رسول الله ﷺ سفاحًا" (١). والسفاح: الزنا (٢). "وجاء رجل إلى الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ﵄ فقال: إن عمي طلق زوجته ثلاثًا ويريد رجل أن يحلها له. فقال له عبد الله بن عباس: من يخدعِ الله يخدعْه" (٣). فأي إنسان يظن أنه يخادع الله في هذه الحياة الدنيا فهو خاسر، ربما يخادع الناس الأمر في هذه الحياة، وربما يمكر بهم، وربما تنطلي أفعاله وأقواله على بعض الناس، وربما تمضي فترة من الزمن وهو على هذه الطريقة، لكن الأمر لا يستمر، وإن استمر فإن الأمر يحصل بالنسبة للمخلوقين، أما مَن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ومن يعلم السر وأخفى، ومن يعلم ما تكنُّ صدورهم وما يعلنون من يستطيع أن يخادعه!

стр. 6149

ويقول الله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]. ويقول تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ [البقرة: ٩]. فمن يظن أنه يخدعِ الله أو يمكر بالله فإنما هو يخدع نفسه ويمكر بها: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠]. وحديث: "إنما الأعمال بالنيات" من ضمن أربعة أحاديث تقوم الشريعة عليها، وقد حصل خلاف في الثلاثة، بعضهم يبقي بعضها وبعضهم يأتي بأخرى، إلا هذا الحديث لم يخالف فيه أحد من العلماء؛ ولذلك نجد أن الإمام الجليل البخاري افتتح به كتابه الصحيح، والنيه إنما هي عمل القلب والقلب محله الإخلاص والله تعالى يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]. ومَن يهبْه الله تعالى الإخلاص فيمتلئ به قلبه يشعَّ هذا النور فيسلك به طريقًا مستنيرًا لا اعوجاج فيه ولا انحراف! ونفهم من هذا الحديث: أن الأمور بمقاصدها؛ فلا يجوز لمسلم أن يتزوج امرأة ليحلها لزوجها، ومع ما جاء عن الرسول ﷺ وما أثر عن الصحابة ﵃ في ذلك. * قوله: (وَأَمَّا الأَنْكِحَةُ الفَاسِدَةُ بِمَفْهُومِ الشَّرْعِ: فَإِنَّهَا تَفْسُدُ إِمَّا بِإِسْقَاطِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ النِّكَاحِ، أَوْ لِتَغْيِيرِ حُكْمٍ وَاجِبِ بِالشَّرْعِ مِنْ أَحْكَامِهِ مِمَّا هُوَ عَنِ اللَّهِ ، وَإِمَّا بِزِيَادَةٍ تَعُودُ إِلَى إِبْطَالِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ). كأن يشترط مثلًا: لا نفقة لك أو لا صداق لك، أو هي تشترط ألا يطأها؛ لأن الرجل إنما يتزوج لأجل الاستمتاع، وهناك مقاصد أخرى منها: الأولاد، وأن يحفظ فرجه، وأن يغض بصره، لكن الاستمتاع من أسماها وأهمها؛ فلو اشترطت عليه ألا يطأها لم تحقق الغاية من الزواج؛

стр. 6150

قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: ٢١]. وقال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنّ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. * قوله: (وَأَمَّا الزِّيَادَاتُ الَّتِي تَعْرِضُ مِنْ هَذَا المَعْنَى، فَإِنَّهَا لَا تُفْسِدُ النِّكَاحَ بِاتِّفَاقٍ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي لُزُومِ الشُّرُوطِ الَّتِي بِهَذه الصِّفَةِ أَوْ لَا لُزُومِهَا، مِثْلَ أن يُشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَلَّا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، أَوْ لَا يَتَسَرَّى، أَوْ لَا يَنْقُلَهَا مِنْ بَلَدِهَا). بعض العلماء قسم الشروط إلى أقسام ثلاثة: القسم الأول: شروط يلزم الوفاء بها، وهي التي ذكرها المؤلف؛ كأن تشترط المرأة على زوجها ألا يتزوج عليها، وألا يتسرى، وألا يخرجها من بيتها، وألا يخرجها من بلدها، وألا يسافر بها، لأن للمرأة منفعة فيها، فمن منفعة المرأة: ألا يتزوج عليها، أو من منفعتها أن تبقى تعيش بين أهلها، ومن منفعتها ألا يسافر بها بعيدًا فتبقى غريبة، فالحنابلة يعتبرون ذلك، وبعض العلماء لا يعتبرها. القسم الثاني: شروط تفسد ويبقى العقد صحيحًا، مثلًا يشترط الزوج على المرأة أن لا مهر لها، وألا ينفق عليها، وربما يشترط عليها أن تنفق هي عليه، وهذا ربما يحصل في هذا الزمان (١)، أو هي تشترط عليه ألا

стр. 6151

يطأها، أو أن يعزل، لأنها لا تريد الأولاد مثلًا (١) … وهكذا من الأمثلة الكثيرة في هذا المقام، فهذا يبطل الشرط ويصح العقد (٢).

стр. 6152

القسم الثالث: هو الذي يفسد فيه العقد والشروط معًا، وهذا هو النكاح المعقد، وقد مرت أمثلة مثل نكاح الشغار، المحلل والمحلل له، نكاح المتعة، ومثله أيضًا من يتزوج امرأة ويشترط طلاقها. لكن لو تزوج الإنسان امرأة وفي نيته أن يطلقها، فكثير من العلماء يرون جواز ذلك، لأن الإنسان ربما يتزوج المرأة وفي نيته أن يطلقها (١)، لأن الله هو مقلب القلوب وهو مغير الأحوال، ربما يتزوج المرأة

стр. 6153

لهدف من الأهداف فتستقر في نفسه ويلقي الله محبتها في قلبه؛ فيتعلق كل منهما بالآخر لما بينهما من التعامل بالأخلاق الكريمة؛ فيحصل ود فتستقر الأحوال حينئذ ويذهب الشيء الذي كان يدور في نفسه ويضمره في قلبه، لكن لو أعلن ذلك لا يجوز؛ لأنه يعتبر نكاحًا فاسدًا. وهناك أحاديث جاءت عن النبي ﷺ بمثابة القواعد: مثل قوله ﷺ : "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" (١). وقد جاء في قصة بريرة عندما أراد أهلها أن يشترطوا الولاء لهم. وقوله ﷺ : "إن حق ما الشروط ما استوفيتم به الفروج" (٢). فإذن؛ الشروط ينبغي الوفاء بها؛ فهنا دليل على الوفاء بالشروط. * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (٣): إِنِ اشْتُرِطَ ذَلِكَ، لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ يَمِينٌ بِعِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ إِلَّا أَنْ يُطَلِّقَ أَوْ يَعْتِقَ مَنْ أَقْسَمَ عَلَيْهِ فَلَا يَلْزَمُ الشَّرْطُ الأَوَّلُ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٤)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٥)). إلا أن يكون أقسم عند مالك، فربط ذلك بالطلاق؛ فإنه لا يخلو إما أن يوفي بالشروط أو يطلق؛ يعني: مالك يقول: لا مانع أن يشترط.

стр. 6154

لكن لو قدر أن إنسانًا تزوج امرأة واشتُرط عليه ألا يسافر بها ثم أخذها ليلًا وسافر بها؛ إذا رضيت انتهى الأمر، كذلك لو تزوج عليها ورضيت. وما أكثرَ الشروطَ التي لا تخل بالعقد! فكم من زوجات اشترطن هذه الشروط وسوفر بهن إلى أبعد البلاد. * قوله: (وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ شُبْرُمَةَ (١): لَهَا شَرْطُهَا، وَعَلَيْهِ الوَفَاءُ. وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ (٢): كَانَ مَنْ أَدْرَكْتُ مِنَ العُلَمَاءِ يَقْضُونَ بِهَا. وَقَوْلُ الجَمَاعَةِ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ (٣)، وَقَوْلُ الأَوْزَاعِيِّ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ (٤)). وأحمد: كلهم يوفون بالشروط. وهذه الشروط لا تفسد العقد؛ فهناك من يرى الوفاء بها، وهناك من لا يرى ذلك. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ العُمُومِ لِلْخُصُوصِ، فَأَمَّا العُمُوم، فَحَدِيثُ عَائِشَةَ ﵄ أن النَّبِيَّ ﷺ خطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: "كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كتَابِ اللَّهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ وَلَوْ كانَ مِائَةَ شَرْطٍ" (٥)).

стр. 6155

هذا في قصة بريرة عندما أرادت العتق وأراد أهلها أن يشترطوا أن الولاء لهم؛ فإن كان هذا الشرط الذي يشترطه الإنسان يخالف شرع الله فلا قيمة له ولا أثر ولا اعتداد به، والشرط الذي يلتزم به هو الذي يسير على وفق الكتاب والسنة. * قوله: (وَأَمَّا الخُصُوصُ: فَحَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَحَقُّ الشُّرُوطِ أن يُوَفَّى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ" (١)). فما دمت وضعت هذا الشرط والتزمت به وأنت أخذت هذه المرأة بأمانة الله واستحللت فرجها بكلمة الله؛ فينبغي أن توفي بالشروط. * قوله: (وَالحَدِيثَانِ صَحِيحَانِ خَرَّجَهُمَا البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، إِلَّا أَنَّ المَشْهُورَ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ القَضَاءُ بِالخُصُوصِ عَلَى العُمُومِ، وَهُوَ لُزُومُ الشُّرُوطِ) (٢). أي: تقديم الخصوص على العموم؛ أي: تخصيص العام؛ فالخاص يخصص العام، هذا هو المعروف خلافًا لابن حزم (٣). * قوله: (وَهُوَ ظَاهِرُ مَا وَقَعَ فِي العُتْبِيَّةِ وَإِنْ كَانَ المَشْهُورُ خِلَافَ ذَلِكَ).

стр. 6156

"العتبية": كتاب معروف في مذهب مالك، ألفه محمد بن أحمد بن عبد العزيز العتبي القرطبي المالكى من أهل الأندلس، هذا من العلماء الأعلام من علماء المالكية، وهذا كتاب جليل القدر، وله كتب عدة في الفقه وفي الحديث، لأنه من العلماء الذين عنوا بذلك، وتوفي سنة خمس وخمسين ومائتين، وجمع في "العتبية" ما سمعه عن الإمام مالك وسماه "العتبية" نسبة إليه؛ لأنه يقال له: محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن عتبة؛ فقيل: "العتبية" نسبة إليه، والتلاميذ كانوا يعنون بأقوال العلماء، وبخاصة الأئمة" فإنهم كانوا يجمعونها ويحررونها ويدونونها في كتب مسطورة، وبذلك حفظ الله للأئمة الأربعة فقههم. * قوله: (وَأَمَّا الشُّرُوطُ المُقَيَّدَةُ بِوَضْعٍ مِنَ الصَّدَاقِ، فَإِنَّهُ قَدِ اخْتَلَفَ فِيهَا المَذْهَبُ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، أَعْنِي: فِي لُزُومِهَا، أَوْ عَدَمِ لُزُومِهَا). يعني: بالزيادة أو النقص؛ لأنه قد يحصل العقد فيأتي الزوج فيقول: خفضوا المهر، وربما يأتى أولياء المرأة فيطالبون بزيادة. وهذا كله في مذهب مالك (١). وهذا يحصل كثيرًا؛ فهناك من الناس مَن يغلب عليه الطمع، وهناك من الناس من يهمهم سعادة بناتهم. * قوله: (وَلَيْسَ كِتَابُنَا هَذَا مَوْضُوعًا عَلَى الفُرُوعِ). مراد المؤلف: أن كتابه هذا قصد به المسائل الأصولية، ولا يعني

стр. 6157

بالمسائل الأصولية التي تعرف بأصول الفقه، وإنما يقصد بها أمهات وأصول المسائل أو الأحكام الكبرى؛ ولذلك سماه بعض العلماء بكتاب "القواعد"؛ أي: اعتبروه من القواعد الفقهية؛ لأنه يختار مسائل كبرى تندرج تحتها عدة فروع في الغالب. *قوله: (وَأَمَّا حُكْمُ الأَنْكِحَةِ الفَاسِدَةِ إِذَا وَقَعَتْ: فَمِنْهَا مَا اتَّفَقُوا عَلَى فَسْخِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ). الذين خالفوا في هذا الفرع إنما هم المالكية: فالمالكية ﵏ - وبخاصة الإمام مالك - يفرقون في الكثير، وبخاصة ما يحصل من فساد قبل الدخول وبعده؛ فإن كان قبل الدخول فإنه يرى الفسخ، وإن كان بعده فإنه في الغالب يصحح إن أمكن التصحيح (١). وبقية العلماء: لا يفرقون في الغالب ما بين قبل الدخول وبعده. *قوله: (وَهُوَ مَا كَانَ مِنْهَا فَاسِدًا بِإِسْقَاطِ شَرْطٍ مُتَّفَقٍ عَلَى وُجُوب صِحَّةِ النِّكَاحِ بِوُجُود) (٢). يعني: لو أسقط شرطًا من الشروط التي تعتبر أساسًا في النكاح، كما أشرنا إلى هذا وعرضنا للأقسام التي تشترط في النكاح سواء كان من قبل المرأة أو من قبل الزوج. * قوله: (مِثْلَ أن يَنْكِحَ مُحَرَّمَةَ العَيْنِ). إذا نكح محرمة العين فيجب الفسخ ولا يجوز له نكاحها، لكنه يسقط عنه الإثم إذا لم يكن عالمًا فإن كانا عالمين؛ فإنه يقام عليهما الحد. *قوله: (وَمِنْهَا: مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي ضَعْفِ عِلَّةِ الفَسَادِ وَقُوَّتِهَا، وَلمَاذَا يَرْجِعُ مِنَ الإِخْلَالِ بِشُرُوطِ الصِّحَّةِ، وَمَالِكٌ فِي

стр. 6158

هَذَا الجِنْسِ - وَذَلِكَ فِي الأَكثَرِ - يَفْسَخُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَيُثْبِتُهُ بَعْدَه، وَالأصْلُ فِيهِ عِنْدَهُ: أَنْ لَا فَسْخَ، وَلَكِنَّهُ يَحْتَاطُ بِمَنْزِلَةِ مَا يَرَى فِي كثِيرٍ مِنَ البَيْعِ الفَاسِدِ أَنَّهُ يَفُوتُ بِحَوَالَةِ الأَسْوَاقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ عِنْدَهُ هِيَ الأَنْكِحَةَ المَكْرُوهَةَ، وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الدُّخُولِ وَعَدَمِ الدُّخُولِ، وَالاضْطِرَابُ فِي المَذْهَبِ فِي هَذَا البَابِ كَثِيرٌ، وَكَأَنَّ هَذَا رَاجِعٌ عِنْدَهُ إِلَى قُوَّةِ دَلِيلِ الفَسْخِ وَضَعْفِهِ، فَمَتَى كَانَ الدَّلِيلُ عِنْدَهُ قَوِيًّا، فُسِخَ قَبْلَهُ وَبَعْدَه، وَمَتَى كَانَ ضَعِيفًا، فُسِخَ قَبْلُ وَلَمْ يُفْسَخْ بَعْد، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الدَّلِيلُ القَوِيُّ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ أَوْ مُخْتَلَفًا فِيهِ). أحسن المؤلف حيث سماه في الحقيقه اضطرابًا، وهذا المسلك لم يسلكه غير المالكية، أما بقية المذاهب فإنها لا تفرق بين الدخول وبعده إلا ما يتعلق بعدد الطلاق ونحوه؛ فهذا أمر آخر. * قوله: (وَمِنْ قَبْل هَذَا أَيْضًا اخْتَلَفَ المَذْهَبُ فِي وُقُوعِ المِيرَاثِ فِي الأَنْكِحَةِ الفَاسِدَةِ إِذَا وَقَعَ المَوْتُ قَبْلَ الفَسْخِ) (١). يعني: هل ترث المرأة إذا حصل الموت قبل أن ينفذ الفسخ أو لا؟ المسألة فيها خلاف، وستأتي - إن شاء الله - في أحكام المواريث. * قوله: (وَكَذَلِكَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ فِيهِ، فَمَرَّةً اعْتُبِرَ فِيهِ الاخْتِلَافُ وَالاتِّفَاق، وَمَرَّةً اعْتُبِرَ فِيهِ الفَسْخُ بَعْدَ الدُّخُولِ أَوْ عَدَمُه، وَقَدْ نَرَى أن نَقْطَعَ هَاهُنَا القَوْلَ فِي هَذَا الكِتَابِ، فَإِنَّ مَا ذَكرْنَا مِنْهُ كفَايَةٌ بِحَسَبِ غَرضِنَا المَقْصُودِ). كل هذا حديث في فروع في مذهب معين، وهو يخالف ما سار عليه من كونه وضع كتابه فقهًا مقارنًا.

стр. 6159

قال المصنف رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين [كِتَابُ الطَّلاقِ] (وَالكَلَامُ فِي هَذَا البَاب يَنْحَصِرُ فِي أَرْبَعِ جُمَلٍ، الجُمْلَةُ الأُولَى: فِي أَنْوَاعِ الطَّلَاقِ. الجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي أَرْكَانِ الطَّلَاقِ. الجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي الرَّجْعَةِ. الجُمْلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي أَحْكَامِ المُطَلَّقَاتِ. الجُمْلَةُ الأُولَى وَفِي هَذه الجُمْلَةِ خَمْسَةُ أَبْوَابٍ: البَابُ الأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ الطَّلَاقِ البَائِنِ وَالرَّجْعِيِّ). هذا الكتاب أمره عظيم: عادة الفقهاء يذكرون أولًا كتاب النكاح، ثم بعد ذلك كتاب الطلاق؛ لأنه يبدأ النكاح وبما يشتمل عليه من أحكام فلا طلاق قبل نكاح. والأسس العظيمة الذي قام عليه النكاح: أن الإسلام حرص حرصًا شديدًا على أن يظل هذا السياج متينًا، وأن تبقى هذه البيوت معمورة، وأن

стр. 6160

يُزال كل ما يكون سببًا في هدم تلك البيوت، ألا وهو الطلاق، ولذلك نجد أن الإسلام وضع أسسًا وأصولًا ينبغي أن يلتزم بها كل من الزوجين، ولو أن الزوجين سارا وفق ما أرشد اللّه إليه، وما جاء عن رسوله ﷺ من منهج قويم وأدلة واضحة وسيرة عطرة في منهجه ﷺ في أحكام النكاح لارتفع ذلك الخلاف. لكن هذا هو شأن البشر؛ فكل بيت من البيوت لا يسلم من أن تقوم فيه مشكلات، لكن الناس يختلفون في حل المشكلات وعلاجها وفي التغلب عليها. والنكاح وجد ليستمر، واللّه عندما شرع النكاح وجاء ذلك عن رسوله ﷺ ، إنما جاءت الشريعة لتقرر ذلك حكمًا مستمرًّا ليبقى لا لينتهي. هذا هو الأصل فيه. وليس معنى ذلك أنه كما يكون في بعض الديانات: أنه إذا تزوج إنسان فلا فراق له، لكن يستمر إذا تم التزام بمنهج الإسلام الخالد، أما إذا وُجد خلل فهذا الخلل يختلف ربما يكون خللًا يسيرًا فيعالج، وربما يشتد ذلك فيصل إلى شقاق واختلاف ينتهي إلى فراق. فالطلاق في اللغة: حل الوثاق (١)، وحل الوثاق؛ يعني: رفع القيد؛ إذا كان عند إنسان دابة فقيدها نقول: هذه دابة موثقة، أي: مقيدة؛ فإذا رفع عنها القيد وأطلقها يكون قد أرسلها وتركها، وحل الوثاق مأخوذ من الإطلاق أيضًا من أطلق يطلق إطلاقًا، ومنه: أطلق يده؛ أي: أرسلها في فعل الخير وفي بذل الحسنات. أما ما يتعلق بمعناه الشرعي: فهو حل عقدة النكاح آجلًا أو عاجلًا؛

стр. 6161

يعني: إنهاء الزواج في الحال كما في الطلاق المنجز كطلاق البائن، ولا يجوز له أن يتزوجها حتى تنكح زوجًا غيره ويوطئها، وإن طلقها طلاقًا رجعيًّا. وهذا هو الطلاق الشرعي الذي أرشد إليه الإسلام ودعا إليه، وأمر اللّه ، به وأوصى به رسول اللّه ﷺ أمته؛ فسيملك رجعتها ما دامت في العدة فلا خيار لها، ولا لولي أمرها، وإذا ما انتهت العدة فإنه لا يرجع إليها إلا بعقد جديد ومهر جديد. والطلاق ليس على نسق واحد بل يشمل الأحكام الخمسة: طلاق واجب، ومحرم، ومندوب إليه، ومكروه، وجائز. ويجب الطلاق: إذا حصل خلاف بين الزوجين وتعذر تمكنهما من إصلاح الخلاف، فحصلت النَّفرة وانغلقت القلوب بعضها عن بعض، وكما قال الشاعر: إن القلوب إذا تنافر ودُّها … مثل الزجاجة كسرها لا يجبر (١) فحينئذ كما قال اللّه : ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]؛ فيلجأ إلى الحكمين عندما يشتد الخلاف ولا يمكن علاجه بين الزوجين والأسرة؛ فيُختار حكمان يبذلان ما في وسعهما لإبقاء هذه العلاقة. فإن استطاعا فالحمد للّه، وإذا قررا الفراق فإنه حينئذ يلجأ إلى الطلاق، لأنه لو بقي الإنسان في هذه الحالة إما أن تقوم الحياة على العناء وكأنهما يعيشان في سعير، ولو أن الرجل ترك المرأة فإنها تصبح كالمعلقة فيمنعها من حقوقها، فحينئذ يكون الطلاق واجبًا، ومع أنه جاء في الحديث الذي اختلف العلماء فيه رفعًا وإرسالًا: "أبغض الحلال عند اللّه

стр. 6162

الطلاق" (١)، لكن يلجأ إليه الإنسان لوجود الضرورة. وهذا الذي يحصل إنما هو بسبب البعد عما وجه اللّه إليه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]؛ فإذا فقدت المودة والرحمة وساء الخلق استحالت المعاشرة. ومن الصور التي يجب فيها الطلاق: إذا آلى الرجل من زوجته فبعد أربعة أشهر؛ فعليه أن يطأ، فإن لم يفعل يُؤمر بالطلاق (٢)، واللّه يقول: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧]. لا يحصل ذلك إلا عندما يبعد الزوجان عن تعاليم الإسلام أو أحدهما، لكن لو عرفت المرأة حقوق زوجها وأدرك الزوج حقوق زوجته والرسول اللّه ﷺ يقول: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي" (٣)، والرسول ﷺ كان طيبًا مع أهله بشوشًا رحيمًا لطيفًا رؤوفًا بأمته عمومًا وبأهل بيته ﵊.

стр. 6163

ولو أننا اقتدينا برسول اللّه ﷺ في كل أعمالنا لَفزنا في الدنيا والآخرة ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. فالذي يؤدي إلى الطلاق إنما هو البعد عن توجيهات كتاب اللّه وعن سنة رسوله ﷺ لأن في سلكهما السعادة والنجاح. ويحرم الطلاق: إذا طلق الإنسان زوجته وهي حائض أو في طهر جمعها فيه (١)، والدليل حديث عبد اللّه بن عمر عندما طلق امرأته وهي حائض، في بعض الروايات: "على عهد رسول اللّه ﷺ " فسأل عمر رسول اللّه ﷺ فقال الرسول ﵊: "مُره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسكها وإن شاء طلقها" (٢).

стр. 6164

وهذه العدة التي أمر اللّه بها النساء وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] إلى آخر الآية. وبكون الطلاق مكروهًا: إذا كانت زوجته على خلق واستقامة ولم يحصل منها تقصير فيكره في هذه الحالة أن يطلقها (١). ويندب الطلاق: إذا كانت المرأة ساءت أخلاقها وعشرتها، وكذلك إذا لم تكن الزوجة عفيفة؛ فإذا كانت سيئة الخلاق سيئة العشرة وغير عفيفة ويخشى أن تجر لزوجها ما لا يتحمل، فإنه في هذه الحالة يستحب الطلاق (٢)، وبعض

стр. 6165

العلماء قال: يجب (١). ولا ينبغي أن يتسرع الزوج إلى الطلاق إنما عليه أن يحاول إصلاحها قدر الإمكان: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" (٢)، والرسول ﷺ يقول: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" (٣)، فينبغى أن يرشدها، لكن إذا لم ينفع فيها النصح ولم تكن له السلطة عليها التي تمكنه من إصلاحها فحينئذ يكون الطلاق مندوبًا. ويكون الطلاق مباحًا: إذا حصل شيء من التقصير من المرأة وعدم القيام بحقوق الزوج كما ينبغي، لكن الحالة لم تصل إلى الحالة التي أشرنا إليها في وجوب الطلاق (٤).
следующие страницы →