← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.

стр. 6161

يعني: إنهاء الزواج في الحال كما في الطلاق المنجز كطلاق البائن، ولا يجوز له أن يتزوجها حتى تنكح زوجًا غيره ويوطئها، وإن طلقها طلاقًا رجعيًّا. وهذا هو الطلاق الشرعي الذي أرشد إليه الإسلام ودعا إليه، وأمر اللّه ، به وأوصى به رسول اللّه ﷺ أمته؛ فسيملك رجعتها ما دامت في العدة فلا خيار لها، ولا لولي أمرها، وإذا ما انتهت العدة فإنه لا يرجع إليها إلا بعقد جديد ومهر جديد. والطلاق ليس على نسق واحد بل يشمل الأحكام الخمسة: طلاق واجب، ومحرم، ومندوب إليه، ومكروه، وجائز. ويجب الطلاق: إذا حصل خلاف بين الزوجين وتعذر تمكنهما من إصلاح الخلاف، فحصلت النَّفرة وانغلقت القلوب بعضها عن بعض، وكما قال الشاعر: إن القلوب إذا تنافر ودُّها … مثل الزجاجة كسرها لا يجبر (١) فحينئذ كما قال اللّه : ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]؛ فيلجأ إلى الحكمين عندما يشتد الخلاف ولا يمكن علاجه بين الزوجين والأسرة؛ فيُختار حكمان يبذلان ما في وسعهما لإبقاء هذه العلاقة. فإن استطاعا فالحمد للّه، وإذا قررا الفراق فإنه حينئذ يلجأ إلى الطلاق، لأنه لو بقي الإنسان في هذه الحالة إما أن تقوم الحياة على العناء وكأنهما يعيشان في سعير، ولو أن الرجل ترك المرأة فإنها تصبح كالمعلقة فيمنعها من حقوقها، فحينئذ يكون الطلاق واجبًا، ومع أنه جاء في الحديث الذي اختلف العلماء فيه رفعًا وإرسالًا: "أبغض الحلال عند اللّه

стр. 6162

الطلاق" (١)، لكن يلجأ إليه الإنسان لوجود الضرورة. وهذا الذي يحصل إنما هو بسبب البعد عما وجه اللّه إليه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]؛ فإذا فقدت المودة والرحمة وساء الخلق استحالت المعاشرة. ومن الصور التي يجب فيها الطلاق: إذا آلى الرجل من زوجته فبعد أربعة أشهر؛ فعليه أن يطأ، فإن لم يفعل يُؤمر بالطلاق (٢)، واللّه يقول: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧]. لا يحصل ذلك إلا عندما يبعد الزوجان عن تعاليم الإسلام أو أحدهما، لكن لو عرفت المرأة حقوق زوجها وأدرك الزوج حقوق زوجته والرسول اللّه ﷺ يقول: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي" (٣)، والرسول ﷺ كان طيبًا مع أهله بشوشًا رحيمًا لطيفًا رؤوفًا بأمته عمومًا وبأهل بيته ﵊.

стр. 6163

ولو أننا اقتدينا برسول اللّه ﷺ في كل أعمالنا لَفزنا في الدنيا والآخرة ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. فالذي يؤدي إلى الطلاق إنما هو البعد عن توجيهات كتاب اللّه وعن سنة رسوله ﷺ لأن في سلكهما السعادة والنجاح. ويحرم الطلاق: إذا طلق الإنسان زوجته وهي حائض أو في طهر جمعها فيه (١)، والدليل حديث عبد اللّه بن عمر عندما طلق امرأته وهي حائض، في بعض الروايات: "على عهد رسول اللّه ﷺ " فسأل عمر رسول اللّه ﷺ فقال الرسول ﵊: "مُره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسكها وإن شاء طلقها" (٢).

стр. 6164

وهذه العدة التي أمر اللّه بها النساء وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] إلى آخر الآية. وبكون الطلاق مكروهًا: إذا كانت زوجته على خلق واستقامة ولم يحصل منها تقصير فيكره في هذه الحالة أن يطلقها (١). ويندب الطلاق: إذا كانت المرأة ساءت أخلاقها وعشرتها، وكذلك إذا لم تكن الزوجة عفيفة؛ فإذا كانت سيئة الخلاق سيئة العشرة وغير عفيفة ويخشى أن تجر لزوجها ما لا يتحمل، فإنه في هذه الحالة يستحب الطلاق (٢)، وبعض

стр. 6165

العلماء قال: يجب (١). ولا ينبغي أن يتسرع الزوج إلى الطلاق إنما عليه أن يحاول إصلاحها قدر الإمكان: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" (٢)، والرسول ﷺ يقول: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" (٣)، فينبغى أن يرشدها، لكن إذا لم ينفع فيها النصح ولم تكن له السلطة عليها التي تمكنه من إصلاحها فحينئذ يكون الطلاق مندوبًا. ويكون الطلاق مباحًا: إذا حصل شيء من التقصير من المرأة وعدم القيام بحقوق الزوج كما ينبغي، لكن الحالة لم تصل إلى الحالة التي أشرنا إليها في وجوب الطلاق (٤).

стр. 6166

ومهما كان الأمر فإنه ينبغي دائمًا لكل من الزوجين أن يصلحا ما يقع بين من خلاف وأن يرفعا كل ما يحصل بينهما من شقاق وأن يستجيبا لما أمر اللّه به : ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (١)، لكن لو حصل الطلاق فليس ذلك أمرًا سيئًا؛ فاللّه تعالى يقول: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]، فالزوج قد يبدله اللّه بزوجة خير منها والزوجة ربما يبدلها اللّه بزوج طيب يألفها وتألفه ويكون خيرًا لها. قوله: (كتَابُ الطَّلَاقِ: وَالكَلَامُ فِي هَذَا البَابِ يَنْحَصرُ فِي أَرْبَعِ جُمَلٍ: الجُمْلَةُ الأُولَى: فِي أَنْوَاعِ الطَّلَاقِ). الطلاق له أنواع مثل: طلاق بائن، وطلاق رجعي، وطلاق قبل الدخول وطلاق بعد الدخول، والفسخ مختلف فيه طلاق أو لا. قوله: (الجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي أَرْكَانِ الطَّلَاقِ. الجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي الرَّجْعَةِ). الزوج إذا طلق زوجته فإن له الحق في رجعتها وتعتبر زوجة له ولم تنفصم العلاقة بينهما، لكن إذا انتهت هذه المدة يتقدم إليها من جديد. قوله: (الجُمْلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي أَحْكَامِ المُطَلَّقَاتِ). سيأتي مفصلًا إن شاء اللّه.

стр. 6167

قوله: (الجُمْلَةُ الأولَى: وَفِي هَذه الجُمْلَةِ خَمْسَةُ أَبْوَابٍ). إذًا هناك جمل والجملة يمكن أن تتوزع إلى أبواب كما فعل المؤلف. قوله: (البَابُ الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ الطَّلَاقِ السُّنِّيِّ مِنَ البِدْعِيِّ). الطلاق سنيُّه الذي يكون وفق ما أرشد إليه الرسول ﷺ ، وما جاء في كتاب اللّه : ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وليس معناها أنه يطلقها مرتين، لا، المراد: أنها طلقة يتبعها الأخرى، وسيأتي الكلام عن هذا إن شاء اللّه. قوله: (وَالبَابُ الثَّالِثُ: فِي الخُلْعِ). الخلع يكون إذا وجدت المرأة من زوجها ضررًا أو كانت لا تستطيع أن تؤدي حقوقه؛ فلها أن تخالع منه وعليها أن ترد عليه ما أصدقها ولو تنازل الحمد للّه. قوله: (البَابُ الرَّابعُ: فِي تَمْيِيزِ الطَّلَاقِ مِنَ الفَسْخِ) (١). بعضهم يرى أن الفسخ إنما يكون بحكم حاكم، وهذا لا يكون طلاقًا، والطلاق إنما يصدر من الزوج نفسه، والمفقود إذا غاب وضربت المدة المعروفة أربع سنوات ثم بعد ذلك أربعة أشهر وعشرًا يُدعى ولي أمره فيؤمر بأن يطلق، فالطلاق يقع فعلًا أو يعتبر فسخًا، هذه مسألة فيها خلاف؛ وقد أشرنا إليها فيما مضى. قوله: (البَابُ الخَامِسُ: فِي التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ). أيضًا: الرجل إذا خير زوجته وقال لها: ملَّكتُكِ نفسَك، هل تعتبر هذه طالقة؟ وهل لها ذلك؟ وهل يستمر؟ كل ذلك إن شاء اللّه سيأتي بابًا بابًا.

стр. 6168

قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (البَابُ الأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ الطَّلَاقِ البَائِنِ وَالرَّجْعِيِّ وَاتَّفَقُوا عَلَى أن الطَّلَاقَ نَوْعَانِ: بَائِنٌ، وَرَجْعِيٌّ). اللّه يقول: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١]. ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾؛ يعني: إذا أردتم؛ لأنه ليس المراد إذا طلقتم النساء إذا وقع الطلاق. و ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾؛ أي: العدة التي أمر اللّه تعالى بها. ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾؛ أي: احفظوا هذه العدة وقدِّروها واعلموا ببدايتها ونهايتها، والمراد: أن يحفظ أول العدة، لأن الإنسان إذا لم يحفظ العدة ربما يلتبس الأمر فيطول على الزوجة فيلحقها ضرر بذلك، والإسلام يدفع الضرر. وقال في الآية الأخرى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَان﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وقال : ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]. وفي السنة: حديث عبد اللّه بن عمر وغيره من الأحاديث.

стр. 6169

فالطلاق مشروع بكتاب اللّه وبسنة رسول اللّه ﷺ وبإجماع المسلمين عليه، والحاجة تقتضي ذلك، لكنه قد يكون واجبًا أو محرمًا أو مندوبًا أو مكروهًا أو مباحًا. قوله: (وَأَنَّ الرَّجْعِيَّ هُوَ الَّذِي يَمْلِكُ فِيهِ الزَّوْجُ رَجْعَتَهَا مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِهَا) (١). لأنها لا تزال زوجته ما دامت في العدة. قوله: (وَأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ أن يَكُونَ فِي مَدْخُولٍ بِهَا). أما غير المدخول بها فلا تطلق طلاقًا رجعيًّا فإذا طلقها بانت منه (٢).

стр. 6170

قوله: (وَإِنَّمَا اتَّفَقُوا عَلَى هَذَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾). الخطاب إنما هو لرسول اللّه ﷺ ، والخطاب إذا وُجه إلى رسول اللّه ﷺ فإن أمته تدخل فيه، ولا يخص رسول اللّه ﷺ من الأحكام إلا ما جاء دليل على تخصيصه (١). ﴿أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ هنا الخطاب للنبي ﷺ ؛ لأنه هو المبلغ عن اللّه، وهو الذي يتلقى الأحكام، وتصل إلينا بواسطته، وهذا من باب التجريف إلى رسول اللّه ﷺ فهو إمامنا وقدوتنا؛ ولذلك خوطب بهذا الأمر وبأمثاله، ثم قال سبحانه: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾؛ فالضمائر تشمل المؤمنين. قوله: (إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]. "لعل" للترجي؛ فأنت أيها الرجل عندما تطلق زوجتك ويكون الطلاق موافقًا لسنة رسول اللّه ﷺ وفق لما شرعه اللّه بحول الله تعالى ستكون موفقًا لأنْ تسلك سبيل الرشاد، وستأخذ الفرصة ويكون أمامك الوقت لتراجع نفسك وتنظر في الأسباب؛ فربما يكون سبب الطلاق تافهًا، وما أكثر ما يحصل هذا بخاصة في هذا الزمان.

стр. 6171

والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم؛ فهو يحاول دائمًا أن يتعس على المؤمن؛ لأنه لا يريد أن يسعد المؤمن في هذه الحياة الدنيا فيترتب على ذلك سعادته ونجاته في الآخرة. وهو يشقى فهو يريد أن يكون معه جمع من الناس يتبعونه؛ فيحاول بقدر الإمكان أن يشوش على الناس؛ فأقل ما يكون أن يفسد علاقات الناس ببعض، والشيطان يدرك تمامًا أن ما يضر الإنسان إنما يحصل في أمر عقيدته؛ ولذلك يحاول أن يلبس عليه ويدخل عليه البدع من كل جانب، ويدرك أن من أهم الأمور التي ينبغي أن يستقيم عليه المرء إنما هي إقامة الصلوات؛ ولذلك يحاول أن يدخل إليه الوسواس في هذه الصلاة؛ فوضع لنا رسول اللّه ﷺ أمرًا ندفع به وساوس الشيطان. قوله: (وَللْحَدِيثِ الثَّابِتِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّهُ ﷺ أَمَرَهُ أن يُرَاجِعَ زَوْجَتَهُ لَمَّا طَلَّقَهَا حَائِضًا"، وَلَا خِلَافَ فِي هذا). المؤلف سبق في أول كتابه أن وضع منهجًا يخصه بالنسبة إلى الأحاديث؛ فقال: "إذا قلت: الحديث المشهور فأعني به المتفق عليه" يعني: في "الصحيحين"، "وإذا قلت: الثابت؛ فما رواه أحدهما وربما اتفقا عليه". والحديث جاء المؤلف بجزء منه؛ فعبد اللّه بن عمر طلق زوجته وهي حائض في بعض الروايات: "في عهد رسول اللّه ﷺ " وبعض الروايات لم يذكر فيها، وهذا معروف لأن سياق الحديث يدل أنه على عهد رسول اللّه؛ فسأل عمر بن الخطاب رسول اللّه ﷺ فقال الرسول: "مره فليراجعها ثم ليمسكها" هذا أمر، و"ثم" تفيد الترتيب "حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر". قال بعض العلماء: إن عمر ﵁ ذهب إلى رسول اللّه ﷺ ، وفي ذلك دليل على أن الابن إذا وقع منه أمر يُكره أن يعتب عليه؛ فإن الأب له أن يسبقه في هذا الأمر وأن ينوب عنه (١).

стр. 6172

وفيه أيضًا دلالة أخرى: على أن الصلة بين الأب وابنه لا تنتهي، ليس كما في بلاد الغرب أن الإنسان إذا كبر وبلغ سن الثامنة عشرة ينفصم عن والديه ويبتعد عنهما؛ فالإسلام يبقي هذه الصلة قائمة مستمرة لا يفصلها إلا الموت. قوله: (وَأَمَّا الطَّلَاقُ البَائِن، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أن البَيْنُونَةَ إِنَّمَا تُوجَدُ لِلطَّلَاقِ مِنْ قِبَلِ عَدَمِ الدُّخُولِ، وَمِنْ قِبَلِ عَدَدِ التَّطْلِيقَاتِ، وَمِنْ قِبَلِ العِوَضِ فِي الخُلْعِ، عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ: هَلِ الخُلْعُ طَلَاق أَوْ فَسْخٌ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَعْدُ) (١). يعني: المشهور عند العلماء: أن البينونة تحصل في الطلاق قبل الدخول، وأن من طلق ثلاثًا قبل الدخول يعتبر مطلقًا لبدعة، ومن طلق ثلاثًا مجتمعة في مجلس واحد فإنه يكون مطلقًا لبدعة. ومن العلماء من قال: الثلاث يقعون طلقة واحدة. ومنهم من قال: تقع ثلاثًا كما هو مذهب الجمهور (٢). ومن العلماء: من يرى أن الرجل لو طلق زوجته طلاقًا رجعيًّا ثم تركها حتى خرجت من العدة ولم يراجعها تكون قد بانت منه. وهذا رأي ليس بالقوي. وبعضهم يسمي تلك بينونة صغرى. قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أن العَدَدَ الَّذِي يُوجِبُ البَيْنُونَةَ فِي طَلَاقِ الحُرِّ ثَلَاث تَطْلِيقَاتٍ إِذَا وَقَعَتْ مُفْتَرِقَاتٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿(٢٢٨) الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٢٩]). قال: "مفترقات" لأن من طلق زوجته طلقة ثم أتبعها بأخرى ثم

стр. 6173

بثالثة. هذا هو الطلاق البائن، وهذا أمر لا يختلف فيه العلماء (١)، وهذا هو الذي جاء النص عليه صريح في قول اللّه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، وإنما الخلاف فيمن طلق زوجته ثلاثًا بلفظ واحد؛ كأن قال لها: أنت طالق ثلاثة. قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا وَقَعَتْ ثَلَاثًا فِي اللَّفْظِ دُونَ الفِعْلِ). إذا قال لها: أنت طالق ثلاثة فيقع الطلاق عند جماهير والتابعين والأئمة الأربعة؛ ولذلك شدد على من خالف ورأى أن الثلاثة تقع واحدة، مع أنه وردت أحاديث تدل على ذلك، وقال به من العلماء السابقين ومن المحققين في عصور متأخرة، وربما نجد الحاجة تدعو إليه، وبذلك نرى أن كثيرًا من البلاد الإسلامية أخذوا بهذه الفتوى وعملوا بها (٢). قوله: (وَكَذَلِكَ اتَّفَقَ الجُمْهُورُ عَلَى أن الرِّقَّ مُؤَثِّرٌ فِي إِسْقَاطِ أَعْدَادِ الطَّلَاقِ، وَأَنَّ الَّذِي يُوجِبُ البَيْنُونَةَ فِي الرِّقِّ اثْنَتَان) (٣). المشقة تجلب التيسير، وأسباب التخفيف في الشريعة الإسلامية أمور سبعة منها: النقص، فغير الحر يطلق اثنتين، وعدة الأمة أقل من عدة الحرة على النصف منها حيضتان … وهكذا. قوله: (وَاخْتَلَفُوا هَلْ هَذَا مُعْتَبَرٌ بِرِقِّ الزَّوْجِ، أَوْ بِرِقِّ الزَّوْجَةِ، أَمْ بِرِقِّ مَنْ رَقَّ مِنْهُمَا) (٤).

стр. 6174

هذه المسألة مختلف فيها. قوله: (فَفِي هَذَا البَابِ إِذًا ثَلَاثُ مَسَائِلَ). الآن المؤلف سيعود بشيء من التفصيل. قوله: (المَسْأَلَةُ الأُولَى: جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ بِلَفْظِ الثَّلاثِ حُكْمُهُ حُكْمُ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ) (١). * المسألة فيها ثلاثة أقوال: القول الأول: أن هذا طلاق بدعي فلا يقع (٢)، ويستدلون بذلك بقول الرسول ﷺ في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم وغيره: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٣)؛ فيقولون: هذا ليس عليه أمر

стр. 6175

الرسول ﷺ ، ولما لم يكن عليه أمر رسول اللّه ﷺ فهو بدعة، والبدعة مردودة على صاحبها، كما قال الرسول ﷺ : "كل بدعة ضلالة" (١)، وقال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (٢)؛ لكن هذا قول ضعيف لا يلتفت إليه، والذين قالوا بهذا القول حقيقة لا يلتفت إلى آرائهم. القول الثاني: أن الطلاق يقع ثلاثًا (٣). وهو قول جماهير الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وأتباعهم إلا النادر. القول الثالث: أن الطلاق ثلاثًا في لفظ واحد تقع واحدة (٤)، واستدلوا على ذلك بعدة أدلة: - أولًا: الرسول ﷺ عندما ذكر له: "ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي … " إلى آخر الحديث ثم قال: "تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين" (٥). وفي رواية: "تسبحون ثلاثًا وثلاثين، وتحمدون ثلاثًا وثلاثين، وتكبرون أربعًا وثلاثين فيكون تمام المائة" (٦). قالوا: فلو أن إنسانًا قال: سبحان اللّه والحمد للّه واللّه أكبر مائة مرة؛ فلا يجزئ، فالطلاق مثله.

стр. 6176

- ثانيًا: قالوا: إن اللّه قال في المتلاعنين: ﴿أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ [النور: ٦ - ٩]. فلو قال: أشهد باللّه أربعًا؛ فلا يكفي. والنساء كي يُدرأ عنها العذاب تشهد أربع شهادات، فلو قالت: أشهد أربع شهادات؛ فلا تكفي … وذكروا شواهد كثيرة في الكتاب والسنة في مثل ذلك. فقالوا: إذا قال الزوج أنت طالق ثلاثًا فهي تعد واحدة؛ لأن هذا طلاق بدعي فيرجع إلى واحدة، وتكون طلاقًا رجعيًّا. - ثالثًا: حديث عبد اللّه بن عباس: "إن الطلاق كان على عهد رسول اللّه ﷺ أن الثلاثة بواحدة، وفي خلافة أبي بكر وسنتين من خلافة عمر" (١)، وفي بعض الروايات: "ثلاثة من خلافة عمر (٢). فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا هذا الأمر وهم في أناة منه فلو أمضيناه؛ فأمضاه عليهم". والمخالفون - الذين يقولون أن الطلاق ثلاثًا يقع واحدة -: هذا اجتهاد من عمر ﵁، لأن هذا أمر كان موجودًا في زمن الرسول وفي زمن أبي بكر وفي أول خلافة عمر.

стр. 6177

وهناك تأويلات وتعليلات وإجابات كثيرة جدًّا، ومن أراد أن يطلع على هذه المسألة؛ فليقرأ في "فتاوى شيخ الإسلام" فيما يتعلق بالطلاق، وفي كتاب "زاد المعاد" لابن القيم، وأيضًا ابن حجر في كتابه "فتح الباري" عرض أيضًا للمناقشات، وربما نقل أمورًا عن ابن القيم. وهذه هي أقوال العلماء، ولكلٍّ أدلة يتمسك بها على القول الآخر. لكن وجد من الحنفية من المحققين ومن الشافعية وبخاصة من الحنابلة مَن انبرى لهذه المسألة ودرسها دراسة مستفيضة وحقق القول فيها، وجمع الأدلة وناقشها مناقشة علمية، ورد فيها على كل قول وأزال فيها كل شبهة؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وتلميذه ابن القيم، ثم جاء من العلماء المتأخرين كالإمام الشوكاني والصنعاني. أما المالكية فلا نعرف أنهم خالفوا في ذلك؛ فكأن هناك إجماعًا عند المالكية على أنه يقع ثلاثًا (١). قوله: (وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَجَمَاعَة: حُكْمُهُ حُكْمُ الوَاحِدَةِ، وَلَا تَأْثِيرَ لِلَّفْظِ فِي ذَلِكَ) (٢). هو حقيقة قول أهل الظاهر، وكما ذكرنا أيضًا بعض العلماء في المذاهب الثلاثة، لكن أشتهر ذلك عن شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، وأخذ بذلك تلميذه ابن القيم، وأخذ به بعد ذلك جمع من العلماء، وهو بلا شكٍّ قول له أدلة من سنة رسول اللّه ﷺ يستدل بها.

стр. 6178

وقول جمهور العلماء له أدلة قوية؛ ولذلك أخذ به العلماء وأجاب كل فريق عن أدلة الفريق الآخر. وشيخ الإسلام ربما لحقه شيء في هذا الأمر، لكنه سبق، وشيخ الإسلام له مواقف عظيمة في مسائل العقيدة وقف فيها ودحض شبه المخالفين ورد عليهم ودافع عن العقيدة، وأوذي في سبيل اللّه، وله مواقف جليلة نفع اللّه به في ذلك العصر، ودافع عن سنة رسول اللّه ﷺ ، فله مواقف كثيرة يصعب حصرها، وهذا شأن كل داعيه يقول الحق. قوله: (وَحُجَّةُ هَؤُلَاءِ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ فِي الثَّالِثَةِ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٢٩، ٢٣٠]). يطلقها مرة، ثم يرجعها، ثم يطلقها الثانية، ثم بعد ذلك فإن طلقها الثالثة فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، هذا الذي ورد في كتاب اللّه فينبغي أن نقف عنده. قوله: (وَالمُطَلِّقُ بِلَفْظِ الثَّلاثِ مُطَلِّقُ وَاحِدَةٍ لَا مُطَلِّقُ ثَلَاثٍ). كما في المتلاعنين، والتسبيح دبر الصلاة، وفي ذلك أمثلة كثيرة جدًّا. قوله: (وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ). أخطأ المؤلف؛ هذا في مسلم وكتب السنن (١)، وليس في البخاري. قوله: (قَالَ: "كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلاثِ وَاحِدَةٌ، فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ عُمَرُ" (٢)).

стр. 6179

ظاهر الحديث يدل على أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد كانت تعد طلقة واحدة؛ فلما كان زمان عمر ﵁ كما جاء في الحديث الآخر: "أن الناس استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أناة فأمضيناه عليهم" فجعل الثلاث بلفظ واحد تقع ثلاثًا. والجمهور لهم تعليلات على حديث ابن عباس: التعليل الأول: هذا الحديث إنما راويه عن ابن عباس طاوس، وطاوس قد شذ في هذه الرواية - وطاوس كما هو معلوم من التابعين فهو من أصحاب ابن عباس -؛ لأن جميع الذين رووا عن ابن عباس كسعيد بن جبير وغيره كلهم رووا أن ابن عباس يرى أن الطلاق ثلاثًا بلفظ واحد يقع ثلاثًا. والجواب عن ذلك: أن الذين خالفوه لم يخالفوه في الرواية، وإنما نقلوا فتوى عبد اللّه بن عباس. وطاوس لم ينفرد وإنما وافقه عكرمة؛ فالانفراد لم يقع، وقضية الشذوذ غير واردة؛ لأن هناك فرقًا بين ما أفتى به وبين الذي رفعه إلى رسول اللّه ﷺ . وقول الصحابة: "كنا نفعل" أو "كان نعد" يأخذ حكم المرفوع إلى رسول اللّه ﷺ فيسند إليه. التعليل الثاني: أن الحديث منسوخ، والناسخ إنما وقف عليه عبد اللّه بن عباس وأفتى بخلافه. والجواب عن ذلك: أن النسخ هنا مظنون، ومعلوم أنه لكي يحكم على حديث بالنسخ لا بد أن يُعرف المتقدم من الحديثين والمتأخر؛ فليس هناك دليل على النسخ وإنما هذا مجرد فهم واستنباط، وهذا يحتاج إلى دليل لكي يثبته ولا دليل عليه.

стр. 6180

التعليل الثالث: حكي عن بعض أئمة الشافعية (١): أنهم قالوا: يشبه أن يكون قول القائل: "أنت طالق أنت طالق أنت طالق" في الزمن الأول توكيدًا لسلامة صدروهم وحسن نياتهم واستقامة مناهجهم، فإذا قال الرجل لامرأته: "أنت طالق أنت طالق" إنما أراد أن يؤكد الطلقة الثانية؛ لكن لما تغير الزمان وكثر الخداع بين الناس وانتشر الكذب أراد عمر ﵁ أن ينفذ ذلك، لأن الناس قد تغيرت أحوالهم. والجواب عن ذلك: أن هذا يحتاج إلى دليل. التعليل الرابع: حديث: "كان الناس في زمن رسول اللّه يطلق ثلاثة بواحدة وبعد ذلك صاروا يطلقون ثلاثة"؛ أي: أن السلف الأول كانوا ملتزمين بالسنة؛ فلما مضى وقت من الزمن صاروا يطلقون ثلاثة (٢). والجواب عن ذلك: أن هذا أيضًا يحتاج إلى دليل. التعليل الخامس: هذا حديث موقوف. والجواب عن ذلك: أن هذا رده الحافظ ابن حجر، وأجاب بأن هذا غير صحيح (٣)؛ لأن قوله: "كان الناس على عهد رسول الله" إشارة إلى أن الحديث مرفوع.

стр. 6181

التعليل السادس: أن الذي ورد في الحديث إنما هو لفظ: "البتة" وهو لفظ محتمل. والجواب عن ذلك: أن الحديث ورد بذكر الثلاث. هذه أشهر التعليلات التي يُستدل بها لجمهور العلماء. قوله: (وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ). ابن إسحاق صاحب "السيرة" مدلس ثقة حافظ من الثقات؛ فإذا صرح بالتحديث فلا اعتراض عليه، قال ابن إسحاق: "حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس". قوله: (قَالَ: "طَلَّقَ رُكَانَةُ زَوْجَهُ ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَحَزِنَ عَلَيْهَا حُزْنًا شَدِيدًا، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :"كيْفَ طَلَّقْتَهَا؟ "، قَالَ: طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ. قَالَ: إِنَّمَا تِلْكَ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، فَارْتَجِعْهَا" (١)). فالإنسان لا يتسرع في الطلاق فيندم ويحزن، وقد جاء في بعض الروايات أنه تزوج أخرى، وأنه بعد ذلك طلقها، وأن الرسول ﵊ سأله، وفي بعض الروايات: "أنه استحلفه".

стр. 6182

هذه الرواية التي جاء بها المؤلف حجة ظاهره للفريق الثاني الذين يقولون بأن الثلاث إذا وقعت جملة واحدة فهي تقع واحدة (١). ولما بلغ الرسول ﷺ وعلم بحزن الرجل سأله عن أمره؛ فينبغي لكل مفتٍ في مسائل الطلاق أن يتحوى فيها؛ فلا يأتيه إنسان فيحكي له واقعة فيتسرع بالجواب؛ لا بد أن يأخذ منه الكلام وأن يردد عليه ذلك، وأن يطمئن إلى قوله. قوله: (وَقَدِ احْتَجَّ مَنِ انْتَصَرَ لِقَوْلِ الجُمْهُورِ بِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الوَاقِعَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (٢) إِنَّمَا رَوَاهُ عَنْهُ مِنْ أَصْحَابِهِ طَاوُسٌ، وَأَنَّ جِلَّةَ الصَّحَابَةِ رَوَوْا عَنْهُ لُزُومَ الثَّلَاثِ، مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَجَمَاعَةٌ غَيْرُهُمْ، وَأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ إِسْحَاقَ وَهْمٌ (٣)، وَإِنَّمَا رَوَى الثِّقَاتُ أَنَّهُ طَلَّقَ رُكَانَةُ زَوْجَهُ البَتَّةَ لَا ثَلَاثًا) (٤). تكلمنا عن حديث عبد اللّه بن عباس.

стр. 6183

وحديث ابن إسحاق اعترض عليه بأن ابن إسحاق مدلس، واختلف في الاحتجاج بروايته. والجواب عن ذلك من وجهين: الوجه الأول: أن ابن إسحاق إنما صرح بالتحديث في هذه الرواية فقال: حدثني داود بن الحصين فزال العنعنة فهو ثقة وحافظ من الحفاظ فيحتجون بقوله. الوجه الثاني: أن العلماء ومنهم الأئمة ﵏ ممن خالفوا في هذه المسألة قد احتجوا بابن إسحاق في مثل هذة المسألة في عدة أحكام. قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ: هَلِ الحُكْمُ الَّذِي جَعَلَهُ الشَّرْعُ مِنَ البَيْنُونَةِ لِلطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ يَقَعُ بِإِلْزَامِ المُكَلَّفِ نَفْسَهُ هَذَا الحُكْمَ فِي طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ، أَمْ لَيْس يَقَعُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا أَلْزَمَ الشَّرْعُ؟ فَمَنْ شَبَّهَ الطَّلَاقَ بِالأَفْعَالِ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ وُقُوعِهَا كَوْنُ الشُّرُوطِ الشَّرْعِيَّةِ فِيهَا كَالنِّكَاحِ وَالبُيُوعِ، قَالَ: لَا يَلْزَم، وَمَنْ شَبَّهَهُ بِالنُّذُورِ وَالأيْمَانِ الَّتِي مَا التَزَمَ العَبْدُ مِنْهَا لَزِمَهُ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ أَلْزَمَ الطَّلَاقَ كيْفَمَا أَلْزَمَهُ المُطَلِّقُ نَفْسَهُ). لا يلزم، فلا يقع ثلاثة. ونفس الخلاف شبيه بالخلاف من طلق زوجته وهي حائض هل يقع الطلاق أو لا؟ فالجمهور قالوا: يقع. والمحققون من العلماء نازعوا في ذلك وقالوا: لا يقع (١).

стр. 6184

قوله: (وَكَأَنَّ الجُمْهُورَ غَلَّبُوا حُكْمَ التَّغْلِيظِ فِي الطَّلَاقِ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ). وهذا ظاهر عمر بن الخطاب ﵁: مثل قضية عثمان ﵁ عندما زاد في النداء في يوم الجمعة لما كثر الناس في المدينة وتباعدت مسافاتهم وكثرت أعمالهم وأصبحوا يحتاجون أن يتهيؤوا إلى الصلاة؛ فزاد النداء الثاني ولم يعارضه أحد. فهو زاد هذا عما كان في زمن رسول اللّه ﵊ وتلقاه أيضًا الصحابة والعلماء بالقبول. قوله: (وَلَكِنْ تَبْطُلُ بِذَلِكَ الرُّخْصَةُ الشَّرْعِيَّةُ وَالرِّفْقُ المَقْصُودُ فِي ذَلِكَ؛ أَعْنِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى. ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]). المؤلف كأنه يناقش مذهب الجمهور، لكن الخلاف كبير فهو يخالف بلطف نجد أنه يقرب ثم يبعد، المؤلف ظاهر كلامه أنه يميل إلى الرأي الآخر؛ لأنه يقول: هذا الذي اتجه إليه الجمهور هذا نوع من التعليل ومن باب سد الذرائع، لكن الشريعة الإسلامية قامت على اليسر، واللّه يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معاصيه؛ فنحن لو أخذنا بجانب التغليظ فكأنما ضيقنا في هذه الشريعة وشددنا فيه، وهي قامت على أسس منها التيسير ورفع الحرج. قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي اعْتِبارِ نَقْصِ عَدَدِ الطَّلَاقِ البَائِنِ بِالرِّقِّ). الحر إن طلق واحدة - وهذا هو المنهج الصحيح - يطلقها في طهر لم يمسَّها فيه، أو أن تكون حاملًا، ولو كان قبل الدخول فله أن يطلقها علي أي حال سواء كانت حائضًا أو طاهرة لا يؤثر ذلك، لكن بعد الدخول لا يطلقها إلا في طهر لم يمسَّها فيه؛ هذا هو التطليق السليم،

стр. 6185

ومن طلق زوجته وهي حائض أو في طهر جامعها فيه فإن ذلك محرم كما دل على ذلك حديث رسول اللّه ﷺ . واللّه تعالى عندما قال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة:٢٢٩] يعني: مرة تتلوها مرة في هذه الحالة له الرجوع، ثم جاء بعدها قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وهذا هو الذي أمرنا الشارع الحكيم ألا نتسرع فيه وألا نبادر إليه؛ ألا وهو الطلقة الثالثة ولذلك في الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ إلى آخر الآية. فالحر يطلق واحدة ويطلق اثنتين، وهو في ذلك موافق للسنة إذا وقع كما أمر به رسول اللّه ﷺ ، وأما الطلاق الثلاث فهو يعتبر طلاقًا بدعيًّا عند بعض العلماء، وبعضهم يرى أنه من طلاق السنة لو أنه جاء مفرقًا، وسيأتي الكلام فيه. أما الأمة: فإنها على العكس من الحرة تبين باثنتين كما جاء في أثر عائشة: "طلاق الأمة تطليقتان وقرؤها حيضتان" (١)، وهذا فيه كلام ضعفه العلماء، لكن جاء في قول اللّه : ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]. وعدة الأمة مسألة تكلم العلماء فيها وبينوا أن الرقيق على النصف. وهناك من ينازع في هذا الأمر ويرى أن المملوك كالحر تمامًا، وأنه لا فرق بينهما؛ لأن اللّه عندما خاطب المؤمنين خاطبهم دون تفريق، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. وقال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.

стр. 6186

وقال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ﴾. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾؛ فالقرآن أطلق ذلك ولم يفرق. قوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: المُعْتَبَرُ فِيهِ الرِّجَالُ؛ فَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا، كَانَ طَلَاقُهُ البَائِنُ الطَّلْقَةَ الثَّانِيَةَ). المملوك يطلق تطليقتين وفي الثانية تبين منه. هذا هو مذهب جمهور العلماء كما سيذكر المؤلف. قوله: (سَوَاءٌ أَكَانَتِ الزَّوْجَةُ حُرَّةً أَوْ أَمَةً، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)، وَمِنَ الصَّحَابَةِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَزيدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ (٣)، وَإِنْ كانَ اخْتلِفَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ، لَكِنَّ الأَشْهَرَ عَنْهُ هُوَ هَذَا القَوْلُ). وأحمد (٤)، جمهور العلماء عمومًا قالوا بذلك، وابن عباس المشهور

стр. 6187

أنه مع الجمهور؛ لأن يمين الطلاق حق للرجل، واللّه عندما خاطب المؤمنين بالطلاق خاطب الرجال، قال تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾. وقال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. والأحاديث جاءت أن الطلاق بيد الرجل، أما عندما يملِّك الرجل زوجته التطليق؛ فهذا حقٌّ له منحه لزوجته، لكنها مسألة أخرى. قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ الاعْتِبَارَ فِي ذَلِكَ هُوَ بِالنِّسَاءِ، فَإِذَا كَانَتِ الزَّوْجَةُ أَمَةً؛ كَانَ طَلَاقُهَا البَائِنُ الطَّلْقَةَ الثَّانِيَةَ، سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا أَوْ حُرًّا. وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْلِ مِنَ الصَّحَابَةِ: عَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ (١)، وَمِنْ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ أَبُو حَنِيفَةَ (٢) وَغَيْرُهُ). عللوا هذا: بأن المرأة هي التي يقع عليها الطلاق، وهي التي تطلق؛ فينبغي أن تكون هي المعتبرة ويستدلون بأثر عائشة: "طلاق الأمة تطليقتان وقرؤها حيضتان" (٣)، لكنه ضعيف. والأولون يقولون: "إنما الطلاق لمن أخذ بالساق" (٤)، والذي أخذ بالساق إنما هو الرجل، ويستدلون بعموم الأدلة؛ لأن اللّه في كتابه العزيز إنما جعل حكم الطلاق وحل هذا النكاح إنما هو بيد الرجل: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾.

стр. 6188

قوله: (وَفِي المَسْأَلَةِ قَوْلٌ أَشَذُّ مِنْ هَذَيْنِ، وَهُوَ أن الطَّلَاقَ يُعْتَبَرُ بِرِقِّ مَنْ رَقَّ مِنْهُمَا، قَالَ ذَلِكَ عُثْمَانُ البَتَيُّ وَغَيْرُه، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَسَبَبُ هَذَا الاخْتِلَافِ: هَلِ المُؤَثِّرُ فِي هَذَا هُوَ رِقُّ المَرْأَةِ أَوْ رِقُّ الرَّجُلِ، فَمَنْ قَالَ: التَّأثِيرُ فِي هَذَا هُوَ لِمَنْ بِيَدِهِ الطَّلَاقُ قَالَ: يُعْتَبَرُ بِالرِّجَالِ. وَمَنْ قَالَ: التَّأثِيرُ فِي هَذَا لِلَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ قَالَ: هُوَ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ المُطَلَّقَةِ، فَشَبَّهُوهَا بِالعِدَّةِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ العِدَّةَ بِالنِّسَاءِ؛ أَيْ: نُقْصَانُهَا تَابعٌ لِرِقِّ النِّسَاءِ) (١). لا شك أن العدة إنما هي للنساء. قوله: (وَاحْتَجَّ الفَرِيقُ الأَوَّلُ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاس مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "الطَّلَاقُ بِالرجَالِ، وَالعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ") (٢). الصحيح أنه ليس حديثًا مرفوعًا، والمؤلف ذكر أنه مرفوع، وهذا نقل عن ابن عباس وعبد اللّه بن مسعود وعلي بن أبي طالب، والصحيح أنه موقوف على هؤلاء، وتعلمون الفرق بين الموقوف والمرفوع: أن المرفوع يكون قول النبي ﷺ فيكون حكمًا ملزمًا يجب النزول عنده، والموقوف: يكون قولًا للصحابي. وهناك من الصحابة من خالف؛ فينظر في الأدلة الواردة في المسألة. ويستدلون أيضًا: بما أخرجه البيهقي في "سننه الكبرى" من حديث:

стр. 6189

"الطلاق بيد من أخذ بالساق" (١)؛ فالذي يأخذ بالساق إنما هو الرجل، وأيضًا هذا فيه كلام. قوله: (إِلَّا أَنَّهُ حَدِيثٌ لَمْ يَثْبُتْ فِي الصِّحَاحِ، وَأَمَّا مَنِ اعْتَبَرَ مَنْ رَقَّ مِنْهُمَا، فَإِنَّهُ جَعَلَ سَبَبَ ذَلِكَ هُوَ الرِّقُّ مُطْلَقًا، وَلَمْ يَجْعَلْ سَبَبَ ذَلِكَ لَا الذُّكُورِيَّةَ وَلَا الأنوثِيَّةَ مَعَ الرِّقِّ). لم يثبت في ذلك حديث صحيح عن رسول الله ﷺ ليرفع النزاع ويزيله، ومن هنا وقع الخلاف بين العلماء؛ فنرجع إلى الأصل أن الطلاق بيد الرجل، كما جاء التنصيص على ذلك في كتاب الله ، وفي سنة رسول اللّه ﷺ فلو استعرضنا الآيات نجد أن الخطاب إنما يوجه إلى الرجال. قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَأَمَّا كَوْنُ الرِّقِّ مُؤَثِّرًا فِي نُقْصَانِ عَدَدِ الطَّلَاقِ؛ فَإِنَّهُ حَكَى قَوْمٌ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ) (٢). المشقة تجلب التيسير، وذكر العلماء أسبابًا سبعة للتخفيف في هذه الشريعة؛ فخفف عن المسافر لأن السفر مظنة المشقة، وليس معنى هذا أن الحاضر لا تلحقه مشقة، قد تجد من الحاضرين من تلحقه مشقة أكبر، كما أن إنسانًا يعمل في منجم أو يقف على فرن في أيام الحر الشديد، وهذا يسافر في سيارة مكيفة أو سفينة أو طائرة؛ فربما لا تلحقه مشقة، لكن السفر مظنة للمشقة حتى وإن لم يتعب جسميًّا ففكره مشغول. والمريض يخفف عنه، والناسي والمخطئ والمكره: "عفي عن أمتي

стр. 6190

الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". والنقص؛ فالأمة والعبد فيهما نقص عن الأحرار، والنساء فيها نقص عن الرجال؛ ولذلك راعت الشريعة الإسلامية ذلك فخففت عنهم في بعض الأحكام. قوله: (وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ، وَجَمَاعَة مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ مُخَالِفُونَ فِيهِ، وَيَرَوْنَ أن الحُرَّ وَالعَبْدَ فِي هَذَا سَوَاءٌ) (١). لعموم الأدلة لكن حقيقة هذه قضية فيها شبه اتفاق بين العلماء؛ فلا ينبغي أن يخرم هذا الاتفاق، وكون ابن حزم وبعض أهل الظاهر خالف أو ممن يشذ مثلًا كابن عُلية والأصم فإنهم لا يُلتفت إليهم؛ لأن هؤلاء قد نازعوا في مسائل وخالفوا ولم يراع العلماء قولهم ولم يلتفتوا إليه. قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ: مُعَارَضَةُ الظَّاهِرِ فِي هَذَا لِلْقِيَاسِ، وَذَلِكَ أَنَّ الجُمْهُورَ صَارُوا إِلَى هَذَا لمَكَانِ قِيَاسِ طَلَاقِ العَبْدِ وَالأَمَةِ عَلَى حُدُودِهِمَا). فكما أنه يجب عليهما نصف الحد الواجب على الحر: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾؛ هذا ورد التنصيص عليه بالنسبة للإماء، وقاسوا العبد على الأمة، ثم بعد ذلك ألحقوا بذلك بقية الأحكام كهذه المسألة. قوله: (وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى كَوْنِ الرِّقِّ مُؤَثِّرًا فِي نُقْصَانِ الحَدِّ) (٢) لوجود نص في ذلك بالنسبة للأمة.

стр. 6191

قوله: (أَمَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ: فَلَمَّا كَانَ الأَصْلُ عِنْدَهُمْ أن حُكْمَ العَبدِ فِي التَّكَالِيفِ حُكْمُ الحُرِّ إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ الدَّلِيل، وَالدَّلِيلُ عِنْدَهُمْ هُوَ نَصٌّ أَوْ ظَاهِرٌ مِنَ الكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ). أهل الظاهر لا يأخذون بالقياس، وإنما يردونه، ويرون أن من قاس دين اللّه فقد ابتدع، وجاء في أثر علي: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه" (١)؛ لأن الذي يطأ على الأرض ويتعرض للأوساخ والنجاسات أسفل الخف. والعبادات توقيفية: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]؛ فكل ما جاء عن اللّه وعن رسوله ﷺ من الأمور الواضحة ينبغي أن نسلم وأن نقف عنده وألا نتردد في ذلك؛ لأن هذا فيه حياتنا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]. ولا شك أن رأي أهل الظاهر ضعيف، وكونهم يردون القياس هذا حقيقة كلام غير مقبول، فاللّه ﷺ يقول في كتابه العزيز: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، والاعتبار إنما هو المقايسة. والرسول ﷺ قاس وفي أمر هام وخطير عندما جاءه رجل مغضب متأثر يشكو ويقول: إنه ولد له ولد يخالف لونه لون أمه وأبيه فسأله رسول اللّه ﷺ سؤال: "هل لك من إبل؟ " قال: نعم قال: "وما ألوانها؟ " قال: حمراء. قال: "فيها من أورق؟ " قال: نعم قال: "وأنى ذلك؟ " يعني: كيف جاء ذلك؟ قال: لعله نزعها عرق قال: "ولعل ابنك نزعه عرق" (٢)؛

стр. 6192

فسار الرجل راضيًا بتوجيه رسول اللّه ﷺ قد زالت عنه وساوس الشيطان وأوهامه وذهب مستقرًّا مرتاحًا مطمئنًّا بابنه. قوله: (وَلَمْ يَكُن هُنَاكَ دَلِيلٌ مَسْمُوعٌ صَحِيحٌ وَجَبَ أن يَبْقَى العَبْدُ عَلَى أَصْلِهِ، وَيُشْبِهَ أَنْ يَكُونَ قِيَاسُ الطَّلَاقِ عَلَى الحَدِّ غَيْرَ سَدِيدٍ؛ لِأَنَّ المَقْصُودَ بِنُقْصَان الحَدِّ رُخْصَة لِلْعَبْدِ لِمَكَان نَقْصِهِ، وَأَنَّ الفَاحِشَةَ لَيْسَتْ تَقْبُحُ مِنْهُ قُبْحَهَا مِنَ الحُرِّ، وَأَمَّا نُقْصَانُ الطَّلَاقِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّغْلِيظِ). لا شك أننا عندما نستقرئ هذه الشريعة الغراء العظيمة نجد أن فيها ما يدل على التخفيف عن العبد؛ لأن هذا مملوك كالسلعة التي تبيع وتشتري بها؛ فهو لا يتصرف بنفسه، حتى فيما يتعلق بالمكاتب ما دام المكاتب لم يسدد النجوم التي عليه يعتبر رقيقًا فيما بقي من حريته، وكذلك المنصَّف من يعتق نصفه؛ فالشريعة لا شك أنها تخفف على أمثال هؤلاء، والواقع أن العبد والأمة مخفف عنهما مطلقًا؛ لأنهم بحاجة إلى ذلك، والمرأة يخفف عنها لوضعها الذي تعيش فيه فلا جهاد عليها لرقتها. قوله: (لِأَنَّ وُقُوعَ التَّحْرِيمِ عَلَى الإِنْسَان بِتَطْلِيقَتَيْنِ أَغْلَظُ مِنْ وُقُوعِهِ بِثَلَاثٍ لِمَا عَسَى أن يَقَعَ فِي ذَلِكَ مِنَ النَّدَمِ، وَالشَّرْعُ إِنَّمَا سَلَكَ فِي ذَلِكَ سَبِيلَ الوَسَطِ). لكن قد يردُّ على هذا ويقال: بأن العبد ربما يتحرى ولا يتسرع في أمر الطلاق؛ لأنه مملوك، وكونه يتزوج مرة أخرى يختلف عن الحر، قد يكون الحر الأمر له ميسور وسهل والعبد ليس كذلك، فليست القضية قضية تغيّر، وإنما نأخذ ذلك - كما يقول الجمهور - من عموم الأدلة؛ فالشريعة فيها تيسير، وأولى الناس بالتيسير العبد والأمة، واللّه قد خفف عنهما أحكامًا عظيمة من أحكام الشريعة ألا يخفف عنهما فيما يتعلق بهذا الأمر. قوله: (وَذَلِك أَنَّهُ لَوْ كَانَتِ الرَّجْعَةُ دَائِمَةً بَيْنَ الزَّوْجَةِ لَعَنَتَتِ

стр. 6193

المَرْاةُ وَشَقِيَتْ، وَلَوْ كَانَتِ البَيْنُونَةُ وَاقِعَةً فِي الطَّلْقَةِ الوَاحِدَةِ لَعَنَتَ الزَّوْجُ مِنْ قِبَلِ النَّدَمِ، وَكانَ ذَلِكَ عُسْرًا عَلَيْهِ). الطلاق لو كان بيد المرأة ربما تتسرع، وبعض العلماء يقول: عاطفة المرأة ورقتها ميزة؛ لأنه يتناسب مع الرجل، والمرأة فيها شيء من النقص والرجل عنده من القوة والنظر والصبر وقياس الأمور والتدقيق فيها ما ليس عند المرأة؛ فلو كان الطلاق بيد المرأة لتسرعت إلى ذلك، وهذا من حكمة الله : ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤]. قوله: (فَجَمَعَ اللَّهُ بِهَذه الشَّرِيعَةِ بَيْنَ المَصْلَحَتَيْنِ؛ وَلذَلِكَ مَا نَرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ مَنْ أَلْزَمَ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ فِي وَاحِدَةٍ، فَقَدْ رَفَعَ الحِكْمَةَ المَوْجُودَةَ فِي هَذه السُّنَّةِ المَشْرُوعَةِ). لا شك أن الشريعة الإسلامية جمع اللّه فيها بين المصلحتين؛ فهي ترسم للمسلم طريق النجاة وطريق السعادة في الحياة الدنيا؛ ليسلك الطريق السوي الذي ينتقل فيه خطوة فخطوة، وربما يكون من المسارعين في ذلك ليصل إلى الجنة: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾ [مريم: ٦٣]. قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (البَابُ الثَّانِي فِي مَعْرِفَةِ الطَّلَاقِ السُّنِّيِّ مِنَ البِدْعِيِّ أَجْمَعَ العُلَمَاءُ (١) عَلَى أَنَّ المُطَلِّقَ لِلسُّنَّةِ فِي المَدْخُولِ بِهَا هُوَ الَّذِي

стр. 6194

يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ طَلْقَةً وَاحِدَةً، وَأَنَّ المُطَلِّقَ فِي الحَيْضِ الَّذِي مَسَّهَا فِيهِ غَيْرُ مُطَلِّقٍ لِلسُّنَّةِ). قد ذكرنا فيما مضى من كتاب النكاح مدى عناية الشريعة الإسلامية بالنكاح وأن الله قد جعله آية من آياته، فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: ٢١]، وذكرنا كذلك مدى حرص الإسلام على هذه العلاقة وما فيها من مودة ورحمة، بحيث تبقى ثابتةً مستقرةً لا تنفصم عراها. وذكرنا أن هذا البنيان الزوجي قد يطرأ عليه خللٌ يؤثِّر فيه ويهدد بقاءه، وربما بقي بنيان الزواج قائمًا على غير وجهه المحمود القائم على المودة والرحمة، ولذا كانت مشروعية الطلاق، حيثما قال اللّه تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]، فإن اللّه أجاز للرجل أن يفارق امرأته عند حصول أسباب ذلك، وأوصاه أن يطلِّقها طلاقًا رجعيًّا تجنُّبًا للوقوع في الندم فيما بعد، بمعنى: أن يطلِّقها طلقة واحدة، ثمَّ بعد ذلك له مراجعتها قبل انتهاء عدتها منه، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ [الطلاق: ١]، وتجنُّبًا كذلك لما قد يلقيه الشيطان من العداوة بين الزوجين لينغِّص عليهما حياتهما، فإن اللّه قد أشار في أكثر من موضع في كتابه الكريم لعداوة الشيطان للإنسان وسعيه في غوايته، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ [الكهف: ٥٠]. والطلاق من هذه الأبواب التي قد ينفذ منها الشيطان للإنسان، بحيث

стр. 6195

يحوِّل الخلاف اليسير بين الزوجين إلى نار مؤجَّجة (١)، ولذا ينبغي على الإنسان أن يكون دائمَ الحذر من ذلك. والمؤلِّف هاهنا يتناول أحكام الطلاق ومسائله، ويذكر لنا أقسام الطلاق من حيث إنه ينقسم في حقِّ الزوجة المدخول بها إلى قسمين رئيسين، هما: القسم الأول: الطلاق السُّني: وهو ما وافَقَ سُنَّةَ الرسول ﷺ ، وهو أن يطلِّق الرجل امرأته في طهرٍ لم يمسَّها فيه، أو يطلِّقها حاملًا. القسم الثاني: الطلاق البدعي: وهو ما خالَفَ سُنَّةَ الرسول ﷺ ، وهو أن يطلِّق الرجل امرأته في طهر جامعها فيه، أو يطلِّقها وهي حائض. وهذا التقسيم هو محلّ إجماعٍ بين أهل العلم (٢)، استنادًا لحديث عبد اللّه بن عمر ﵄ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ تُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ" (٣)، وفي رواية: "ثُمَّ إن شاءَ أمْسَكَ، وإن شاءَ طلَّق قبل أن يمسَّ" (٤). أمَّا الطلاق من حيثُ كونه متعلِّقًا بالسُّنة أو البدعة فإنه على أربعة أنواع، نوعان منهما يندرجان تحت الطلاق السُّني، ونوعان آخران يندرجان تحت الطلاق البدعي. وهذا كلُّه في حقِّ المرأة المدخول بها.

стр. 6196

أمَّا غير المدخول بها، فللزوج أن يطلِّقها طاهرًا أو حائضًا؛ لأن القصد من اعتداد المرأة المدخول بها إنما هو براءة الرَّحم، أما غير المدخول بها فلا فرق في حقِّها بين هذا وذاك. أما المحظور فإنه طلاق الرجل امرأته ثلاثًا دفعةً واحدةً، ويستوي في هذا طلاق المدخول بها وغير المدخول بها. قوله: (وَإِنَّمَا أَجْمَعُوا عَلَى هَذَا لِمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ ﵊: "مُرْه، فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ") (١). "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا": لأهل العلم كلامٌ في هذا، فيما إذا كان الأمر هاهنا للوجوب أم الاستحباب (٢)، وكذلك فيما إذا كان هذا الحديث يُستدَلّ به على وقوع الطلاق في الحيض - كما هو مذهب الجمهور - أم أنه يُستدَلُّ به على عدم وقوعه. "حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ": وهاهنا كذلك كلامٌ لأهل العلم فيما إذا كان هذا الوصف واجبًا، أم أنه إذا طلقها بعد الطهر الأول دون أن يمسَّها يكون بذلك مطلِّقًا للسُّنة، وسيأتي تفصيل هذا كله. قوله: (ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ"). لأنه بعد هذه المدة يكون قد اتضح الأمر أمامه من حيثُ الموازنة بين فوائد الطلاق وأضراره، فتعد هذه المدة فرصة للزوج لإعادة التفكير وإعمال الذهن فيما يترتب على هذا الطلاق في حقِّ أسرته وأولاده،

стр. 6197

فجعل اللّه تعالى من هذه المدة مَخرَجًا للزوج إذا تسَرَّع في أمر الطلاق. قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا البَابِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ، المَوْضِعُ الأَوَّلُ: هَلْ مِنْ شرْطِهِ أَلَّا يُتْبِعَهَا طَلَاقًا فِي العِدَّةِ؟). (هل من شرطه): الضمير هاهنا عائدٌ على طلاق السُّنة، بمعنى: إن أول المواضع التي اختلف العلماء فيها هو ما إذا كان يُشترط في طلاق السنة ألا يُتبعَهُ الزوج بطلاقٍ آخر في العدة أم لا يشترط، بحيثُ إن طهرَت الزوجة من الحيضة الأولى ودخلت في الطهر الأول فهل للزوج أن يطلق طلقةً هاهنا، ثم إذا حاضت وطهرت طلق طلقةً ثانيةً، ثم إذا حاضت وطهرت طلق طلقةً ثالثةً أم أنه ليس له ذلك. قوله: (وَالثَّانِي: هَلِ المُطَلِّقُ ثَلَاثًا - أَعْنِي: بِلَفْظِ الثَّلَاثِ - مُطَلِّقٌ لِلسُّنَّةِ أَمْ لَا؟). فقد بَيَّنَ ابن عمر ﵄ كيف أرشده الرسول ﷺ أن يطلِّق مرةً بعد مرةٍ، وأن من طلَّق ثلاثًا حرمَت عليه زوجته. وبهذا يكون المطلق ثلاثًا وقع في ثلاثة محاذير، فإنه قد أثِمَ بالطلاق البدعي، وكذلك وقع في معصية رسول اللّه ﷺ ، إلى جانب أنه قد فاتت عليه زوجته. قوله: (الثَّالِثُ: فِي حُكْمِ مَنْ طَلَّقَ فِي وَقْتِ الحَيْضِ). ومسألة وقوع الطلاق في الحيض تدور على قولين: القول الأول: أنَّ الطلاق يقع في وقت الحيض، وهو مذهب جمهور أهل العلم، ومنهم الأئمة الأربعة (١). القول الثاني: أنه لا يقع في وقت الحيض، وقد ذهب إلى هذا قليلٌ من العلماء كطاوس وخلاس بن عمر، وانتصر لهم بعض العلماء المتأخرين

стр. 6198

من المحققين، وأطالوا الكلام في المسألة وناقشوها بالأدلة كابن القيم ﵀ (١). قوله: (أَمَّا المَوْضِعُ الأَوَّلُ: فَإِنَّهُ اخْتَلَفَ فِيهِ مَالِكٌ (٢)، وَأَبُو حَنِيفَة (٣) وَمَنْ تَبِعَهُمَا، فَقَالَ مَالِكٌ: "مِنْ شَرْطِهَا أَلَّا يُتْبِعَهَا فِي العِدَّةِ طَلَاقًا آخَرَ". وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "إِنْ طَلَّقَهَا عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ طَلْقَةً وَاحِدةً، كَانَ مُطَلِّقًا لِلسُّنَّةِ"). ونسبة المؤلف هذا القول لمالكٍ فيه نظرٌ (٤)، فهذا القول قد ذهب إليه جمهور أهل العلم، ومنهم مالكٌ (٥)، والشافعي (٦)، وأحمد في أحد قوليه (٧)،

стр. 6199

وأبو حنيفة أيضًا في قول آخر (١). قوله: (وَسَبَبُ هَذَا الاخْتِلَافِ: هَلْ مِنْ شَرْطِ هَذَا الطَّلَاقِ أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ بَعْدَ رَجْعَةٍ، أَمْ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ؟ فَمَنْ قَالَ: هُوَ مِنْ شَرْطِهِ، قَالَ: لَا يُتْبِعُهَا فِيهِ طَلَاقًا. وَمَنْ قَالَ: لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ، أَتْبَعَهَا الطَّلَاقَ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ المُتْبَعِ). والمقصود بالطلاق المُتْبَع هاهنا، هو الطلاق الذي يُتبَع بطلاقٍ آخر. قوله: (وَأَمَّا المَوْضِعُ الثَّانِي: فَإِنَّ مَالِكًا ذَهَبَ إِلَى أَنَّ المُطَلِّقَ ثَلَاثًا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ مُطَلِّقٌ لِغَيْرِ سُنَّةٍ) (٢). وهو كذلك روايةٌ عن الإمام أحمد (٣). قوله: (وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ مُطَلِّقٌ لِلسُّنَّةِ) (٤). وهي الرواية الأخرى عن الإمام أحمد (٥).

стр. 6200

فللإمام أحمد في هذه المسألة روايتان، إحداهما يتفق فيها مع مذهب مالكٍ، والأخرى توافق مذهب الشافعي. قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ: مُعَارَضَةُ إِقْرَارِهِ ﵊ لِلْمُطَلِّقِ بَيْنَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا فِي لَفْظَةٍ وَاحِدَةٍ لِمَفْهُومِ الكِتَابِ فِي حُكْمِ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ، وَالحَدِيثُ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ هُوَ: "مَا ثَبَتَ مِنْ "أَنَّ العَجْلَانِيَّ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الفَرَاغِ مِنَ المُلَاعَنَةِ" (١). قَالَ: "فَلَوْ كَانَ بِدْعَةً، لَمَا أَقَرَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ") (٢). يُشير المؤلف بهذا الإقرار الذي احتجَّ به الشافعي إلى قضية الملاعنة في قصة العجلاني، لما طلق امرأته ثلاثًا بحضرة الرسول، ولم يُنكِر الرسول ﷺ ذلك عليه، ولو كان الطلاق الثلاث في مجلسٍ واحدٍ بدعةً لأنكره الرسول ﷺ ؛ لأنه لا يُقِرُّ أحدًا على خطأ. قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ: فَلَمَّا رَأَى أَنَّ المُطَلِّقَ بِلَفْظِ الثَّلَاثِ رَافِعٌ لِلرُّخْصَةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ فِي العَدَدِ، قَالَ فِيهِ: "إِنَّهُ لَيْسَ لِلسُّنَّةِ"، وَاعْتَذَرَ أَصْحَابُهُ عَنِ الحَدِيثِ بِأَنَّ المُتَلَاعِنَيْنِ عِنْدَهُ قَدْ وَقَعَتِ الفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا مِنْ قِبَلِ التَّلَاعُنِ نَفْسِهِ، فَوَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ، فَلَمْ يَتَّصِفْ لَا بِسُنَّةٍ، وَلَا بِبِدْعَةٍ). فالإمام مالكٌ ومعه أحمد في روايةٍ يعتبران الطلاق الثلاث إغلاقًا
следующие страницы →