← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

أمَّا غير المدخول بها، فللزوج أن يطلِّقها طاهرًا أو حائضًا؛ لأن القصد من اعتداد المرأة المدخول بها إنما هو براءة الرَّحم، أما غير المدخول بها فلا فرق في حقِّها بين هذا وذاك. أما المحظور فإنه طلاق الرجل امرأته ثلاثًا دفعةً واحدةً، ويستوي في هذا طلاق المدخول بها وغير المدخول بها. قوله: (وَإِنَّمَا أَجْمَعُوا عَلَى هَذَا لِمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ ﵊: "مُرْه، فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ") (١). "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا": لأهل العلم كلامٌ في هذا، فيما إذا كان الأمر هاهنا للوجوب أم الاستحباب (٢)، وكذلك فيما إذا كان هذا الحديث يُستدَلّ به على وقوع الطلاق في الحيض - كما هو مذهب الجمهور - أم أنه يُستدَلُّ به على عدم وقوعه. "حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ": وهاهنا كذلك كلامٌ لأهل العلم فيما إذا كان هذا الوصف واجبًا، أم أنه إذا طلقها بعد الطهر الأول دون أن يمسَّها يكون بذلك مطلِّقًا للسُّنة، وسيأتي تفصيل هذا كله. قوله: (ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ"). لأنه بعد هذه المدة يكون قد اتضح الأمر أمامه من حيثُ الموازنة بين فوائد الطلاق وأضراره، فتعد هذه المدة فرصة للزوج لإعادة التفكير وإعمال الذهن فيما يترتب على هذا الطلاق في حقِّ أسرته وأولاده،

стр. 6197

فجعل اللّه تعالى من هذه المدة مَخرَجًا للزوج إذا تسَرَّع في أمر الطلاق. قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا البَابِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ، المَوْضِعُ الأَوَّلُ: هَلْ مِنْ شرْطِهِ أَلَّا يُتْبِعَهَا طَلَاقًا فِي العِدَّةِ؟). (هل من شرطه): الضمير هاهنا عائدٌ على طلاق السُّنة، بمعنى: إن أول المواضع التي اختلف العلماء فيها هو ما إذا كان يُشترط في طلاق السنة ألا يُتبعَهُ الزوج بطلاقٍ آخر في العدة أم لا يشترط، بحيثُ إن طهرَت الزوجة من الحيضة الأولى ودخلت في الطهر الأول فهل للزوج أن يطلق طلقةً هاهنا، ثم إذا حاضت وطهرت طلق طلقةً ثانيةً، ثم إذا حاضت وطهرت طلق طلقةً ثالثةً أم أنه ليس له ذلك. قوله: (وَالثَّانِي: هَلِ المُطَلِّقُ ثَلَاثًا - أَعْنِي: بِلَفْظِ الثَّلَاثِ - مُطَلِّقٌ لِلسُّنَّةِ أَمْ لَا؟). فقد بَيَّنَ ابن عمر ﵄ كيف أرشده الرسول ﷺ أن يطلِّق مرةً بعد مرةٍ، وأن من طلَّق ثلاثًا حرمَت عليه زوجته. وبهذا يكون المطلق ثلاثًا وقع في ثلاثة محاذير، فإنه قد أثِمَ بالطلاق البدعي، وكذلك وقع في معصية رسول اللّه ﷺ ، إلى جانب أنه قد فاتت عليه زوجته. قوله: (الثَّالِثُ: فِي حُكْمِ مَنْ طَلَّقَ فِي وَقْتِ الحَيْضِ). ومسألة وقوع الطلاق في الحيض تدور على قولين: القول الأول: أنَّ الطلاق يقع في وقت الحيض، وهو مذهب جمهور أهل العلم، ومنهم الأئمة الأربعة (١). القول الثاني: أنه لا يقع في وقت الحيض، وقد ذهب إلى هذا قليلٌ من العلماء كطاوس وخلاس بن عمر، وانتصر لهم بعض العلماء المتأخرين

стр. 6198

من المحققين، وأطالوا الكلام في المسألة وناقشوها بالأدلة كابن القيم ﵀ (١). قوله: (أَمَّا المَوْضِعُ الأَوَّلُ: فَإِنَّهُ اخْتَلَفَ فِيهِ مَالِكٌ (٢)، وَأَبُو حَنِيفَة (٣) وَمَنْ تَبِعَهُمَا، فَقَالَ مَالِكٌ: "مِنْ شَرْطِهَا أَلَّا يُتْبِعَهَا فِي العِدَّةِ طَلَاقًا آخَرَ". وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "إِنْ طَلَّقَهَا عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ طَلْقَةً وَاحِدةً، كَانَ مُطَلِّقًا لِلسُّنَّةِ"). ونسبة المؤلف هذا القول لمالكٍ فيه نظرٌ (٤)، فهذا القول قد ذهب إليه جمهور أهل العلم، ومنهم مالكٌ (٥)، والشافعي (٦)، وأحمد في أحد قوليه (٧)،

стр. 6199

وأبو حنيفة أيضًا في قول آخر (١). قوله: (وَسَبَبُ هَذَا الاخْتِلَافِ: هَلْ مِنْ شَرْطِ هَذَا الطَّلَاقِ أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ بَعْدَ رَجْعَةٍ، أَمْ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ؟ فَمَنْ قَالَ: هُوَ مِنْ شَرْطِهِ، قَالَ: لَا يُتْبِعُهَا فِيهِ طَلَاقًا. وَمَنْ قَالَ: لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ، أَتْبَعَهَا الطَّلَاقَ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ المُتْبَعِ). والمقصود بالطلاق المُتْبَع هاهنا، هو الطلاق الذي يُتبَع بطلاقٍ آخر. قوله: (وَأَمَّا المَوْضِعُ الثَّانِي: فَإِنَّ مَالِكًا ذَهَبَ إِلَى أَنَّ المُطَلِّقَ ثَلَاثًا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ مُطَلِّقٌ لِغَيْرِ سُنَّةٍ) (٢). وهو كذلك روايةٌ عن الإمام أحمد (٣). قوله: (وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ مُطَلِّقٌ لِلسُّنَّةِ) (٤). وهي الرواية الأخرى عن الإمام أحمد (٥).

стр. 6200

فللإمام أحمد في هذه المسألة روايتان، إحداهما يتفق فيها مع مذهب مالكٍ، والأخرى توافق مذهب الشافعي. قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ: مُعَارَضَةُ إِقْرَارِهِ ﵊ لِلْمُطَلِّقِ بَيْنَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا فِي لَفْظَةٍ وَاحِدَةٍ لِمَفْهُومِ الكِتَابِ فِي حُكْمِ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ، وَالحَدِيثُ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ هُوَ: "مَا ثَبَتَ مِنْ "أَنَّ العَجْلَانِيَّ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الفَرَاغِ مِنَ المُلَاعَنَةِ" (١). قَالَ: "فَلَوْ كَانَ بِدْعَةً، لَمَا أَقَرَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ") (٢). يُشير المؤلف بهذا الإقرار الذي احتجَّ به الشافعي إلى قضية الملاعنة في قصة العجلاني، لما طلق امرأته ثلاثًا بحضرة الرسول، ولم يُنكِر الرسول ﷺ ذلك عليه، ولو كان الطلاق الثلاث في مجلسٍ واحدٍ بدعةً لأنكره الرسول ﷺ ؛ لأنه لا يُقِرُّ أحدًا على خطأ. قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ: فَلَمَّا رَأَى أَنَّ المُطَلِّقَ بِلَفْظِ الثَّلَاثِ رَافِعٌ لِلرُّخْصَةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ فِي العَدَدِ، قَالَ فِيهِ: "إِنَّهُ لَيْسَ لِلسُّنَّةِ"، وَاعْتَذَرَ أَصْحَابُهُ عَنِ الحَدِيثِ بِأَنَّ المُتَلَاعِنَيْنِ عِنْدَهُ قَدْ وَقَعَتِ الفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا مِنْ قِبَلِ التَّلَاعُنِ نَفْسِهِ، فَوَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ، فَلَمْ يَتَّصِفْ لَا بِسُنَّةٍ، وَلَا بِبِدْعَةٍ). فالإمام مالكٌ ومعه أحمد في روايةٍ يعتبران الطلاق الثلاث إغلاقًا

стр. 6201

لباب الرخصة الذي وَجَّهَ اللهُ الرجالَ إليه في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، قال ابن مسعود: "يعني طاهرًا من غير جماعٍ" (١). قوله: (وَقَوْلُ مَالِكٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَظْهَرُهَا هُنَا مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ). لِمخالَفة قول الشافعي هاهنا لِمَا وَرَدَ في كتاب اللّه، حين أمَرَ سبحانه الرجال بأن يطلقوهن لعدتهن، بينما المطلق ثلاثًا يهدر فرصته بهذا، بحيثُ لا تحل له امرأته حتى تنكح زوجًا غيره. قوله: (وَأَمَّا المَوْضِعُ الثَّالِثُ: فِي حُكْمِ مَنْ طَلَّقَ فِي وَقْتِ الحَيْضِ: فَإِنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ، مِنْهَا: أَنَّ الجُمْهُورَ (٢) قَالُوا: يَمْضِي طَلَاقُهُ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: "لَا يَنْفُذ، وَلَا يَقَعُ"). وهذه المسألة من المسائل المهمة، والحكم فيها - كما ذكرنا - يدور على قولين:

стр. 6202

القول الأول: بوقوع الطلاق، وهو مذهب جمهور أهل العلم، ومنهم الأئمة الأربعة. القول الثاني: مذهب قليلٍ من أهل العلم كطاوس (١) وخلاس بن عمرو (٢)، وابن القيم (٣) وابن حزم (٤). قوله: (وَالَّذِينَ قَالُوا: يَنْفُذُ، قَالُوا: يُؤْمَرُ بِالرَّجْعَةِ، وَهَؤُلَاءِ افْتَرَقُوا فِرْقَتَيْنِ؛ فَقَوْمٌ رَأَوْا أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ، وَأَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ) (٥). فالذين قالوا بوقوع الطلاق في الحيض اختلفوا في أمر الزوج بالرجعة إلى فريقين

стр. 6203

الفريق الأول: وهم مالكٌ وأصحابه، وهؤلاء ذهبوا إلى أن الزوج يُجبَر على مراجعة زوجته إذا طلقها حائضًا. قوله: (وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ يُنْدَبُ إِلَى ذَلِكَ، وَلَا يُجْبَرُ .. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَالثَّوْرِيُّ (٣)، وَأَحْمَدُ) (٤). الفريق الثاني: وهم جمهور أهل العلم، وهؤلاء ذهبوا إلى أن الزوج يُندَب إلى المراجعة ولا يُجبَر عليها. قوله: (وَالَّذِينَ أَوْجَبُوا الإِجْبَارَ، اخْتَلَفُوا فِي الزَّمَانِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الإِجْبَار، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ ابْنُ القَاسِمِ وَغَيْرُهُ: "يُجْبَرُ مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا"، وَقَالَ أَشْهَبُ: "لَا يُجْبَرُ إِلَّا فِي الحَيْضَةِ الأُولَ"). وهذه المسألة تدور حول وقت الأمر بالرجعة على القول بالإجبار. فإن الطلاق في الحيض فيه إضرار بالمرأة من جهة تطويل العدة. فمالكٌ يقول: الطلاق ينبغي ألا يقع إلا بعد انتهاء العدة. قوله: (وَالَّذِينَ قَالُوا بِالأَمْرِ بِالرَّجْعَةِ اخْتَلَفُوا مَتَى يُوقِعُ الطَّلَاقَ بَعْدَ الرَّجْعَةِ إِنْ شَاءَ، فَقَوْمٌ اشْتَرَطُوا فِي الرَّجْعَةِ أَنْ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ تِلْكَ الحَيْضَةِ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيّ، وَجَمَاعَةٌ، وَقَوْمٌ قَالُوا: بَلْ

стр. 6204

يُرَاجِعُهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ مِنْ تِلْكَ الحَيْضَةِ الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا: فَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالكُوفِيُّونَ). الحنفية: يرون إِتْبَاعَ الطلاق بطلاقٍ، بمعنى: أنها تُطَلَّقُ طلقةً، فإذا طَهُرَت طُلِّقَت طلقةً أخرى، فإذا طَهُرَت طُلِّقَت طلقةً ثالثةً. (وَكُلُّ مَنِ اشْتَرَطَ فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ لَمْ يَرَ الأَمْرَ بِالرَّجْعَةِ إِذَا طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ مَسَّهَا فِيهِ). وسيأتي تفصيل ذلك وزيادة. قوله: (فَهُنَا إِذًا أَرْبَعُ مَسَائِلَ؛ أَحَدُهَا: هَلْ يَقَعُ هَذَا الطَّلَاقُ أَمْ لَا؟ وَالثَّانِيَةُ؟ إِنْ وَقَعَ، فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ أَمْ يُؤْمَرُ فَقَطْ؟). المراد إذا طلقها وقت الحيض. قوله: (وَالثَّالِثَةُ: مَتَى يُوقِعُ الطَّلَاقَ بَعْدَ الإِجْبَارِ أَوِ النَّدْبِ؟). والمراد هاهنا: هو هل للزوج أن يطلقها إذا طهرت طهرها الأول؟ أم لا بد أن يأتي الطلاق وَفْقَ ما جاء في الحديث؟ والإمام مالكٌ قد خالَفَ الجمهور في هذه المسألة. قوله: (وَالرَّابِعَةُ: مَتَى يَقَعُ الإِجْبَار، أَمَّا المَسْأَلَةُ الأُولَى: فَإِنَّ الجُمْهُورَ إِنَّمَا صَارُوا إِلَى أَنَّ الطَّلَاقَ إِنْ وَقَعَ فِي الحَيْضِ اعْتُدَّ بهِ، وَكَانَ طَلَاقًا؛ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا" (١). قَالُوا: وَالرَّجْعَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ طَلَاقٍ). وهذه المسألة من المسائل التي اختلف فيها أهل العلم إلى فريقين كما ذكرنا.

стр. 6205

والناظر إلى الفريقين المختلفين من حيث عدد كلّ فريق أو شهرة القائلين به قد يستنتج من هذا قوة مذهب الجمهور وضعف الرأي الآخر، ولكن الناظر إلى أدلة الفريق الآخر يجدها تحتاج للتدبر وتدقيق النظر. أدلة الجمهور على وقوع الطلاق، ومناقشة الفريق الآخر لها: - قوله ﷺ : "مره فليراجعها" (١)، وهذا الأمر فيه دليلٌ على وقوع الطلاق؛ لأن المراجعة لا تكون إلا بعد طلاقٍ، وقد أجاب الفريق الآخر عن هذا بأن هذا القول لا يدلّ على وقوع الطلاق، وإنما هو مفهوم الأمر. - أنه قد أُثِرَ عن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت عن عبد اللّه بن عمر: "أن رسول اللّه ﷺ احتَسَبَ طلاقَهُ" (٢)، وقد أجاب الفريق الآخر على ذلك بأن المنقول عن عثمان وزيد في هذا لم يثبت من طريقٍ صحيحٍ، وأن هذا الحديث قد رواه الشافعي في "مُسنَدِهِ"، وفيه شيخ الشافعي، والحديث ضعيفٌ، وأن ما ثبت عن نافع من طريق صحيح يعارضه، وأجابوا كذلك بأن ابن عمر له فتاوى متعارضةٌ، بل قد ورد عنه ما يعارض ذلك، كما جاء في حديث أبي الزبير أن ابن عمر لما سُئِلَ عن ذلك بَيَّنَ أن الرسول ﷺ رَدَّهَا ولم يحتسبها عليه (٣). - أن القول بعدم وقوع الطلاق قولٌ شاذٌّ لم يقل به إلا قلَّة في مقابل الجمع الغفير من العلماء والأئمة. أدلة القائلين بعدم وقوع الطلاق: - أن النكاح قد ثبت بيقينٍ، وأن القاعدة الفقهية تنصُّ على أن اليقين

стр. 6206

لا يزول بالشكِّ، فينبغي أن يُنَصَّ على وقوع الطلاق بدليلٍ من الكتاب أو السنة الصحيحة أو بإجماعٍ متَيَقَّنٍ (١). - أن اللّه تعالى لم يُشَرِّع مثل هذا الطلاق، وإنما قال تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، وأن الرسول ﷺ أنكَرَ ذلك الطلاقَ، ونحن نعتبره طلاق بدعةٍ، فلو قلنا بوقوعه نكون قد أقررنا بالبدعة. - أننا نقول ببطلان البيع المنعقد بعد النداء الثاني، استنادًا إلى الأمر الوارد في قول اللّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، فكذلك نبطل هذا الطلاق الواقع في الحيض لعدم جواز وقوع الطلاق في الحيض. - أن الأمر بمراجعة الزوجة إنما هو تأديب لمن يفعل ذلك. - ما أخرجه أحمد (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤) من حديث أبي الزبير أن عبد الرحمن بن أيمن مولى عروة بن الزبير سأل عبد اللّه بن عمر عن طلاقه، فقال: "لقد ردَّه رسول اللّه ﷺ "، وأما اعتراض الجمهور بأن أبا الزبير مدلِّسٌ، فنجيب عليه: بأنه قد صَرَّح بالسماع هاهنا، ولذلك صَحَّحَ العلماءُ هذا الحديث (٥). فهذه المسألة - كما هو معلوم - فيها خلافٌ بين أهل العلم، بحيث قال الجمهور بوقوع الطلاق، ومن بين هؤلاء الأئمة الأربعة، في مقابل جمع قليل قالوا بعدم وقوع الطلاق كطاوس وخلّاس بن عمرو، وبعض

стр. 6207

المحققين كابن القيم، والمسألة فيها تفصيلٌ وكلامٌ كثيرٌ ذكره ابن القيم في كتابه "زاد المعاد" (١). وينبغي على الإنسان أن يتقي اللّه ويتجنب الوقوع في مثل هذا، عملًا بقول الرسول ﷺ : "دع ما يُريبُك إلى ما لا يريبك" (٢). قوله: (وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: "أَنَّهُمْ أَرْسَلُوا إِلَى نَافِعٍ يَسْأَلُونَهُ هَلْ حُسِبَتْ تَطْلِيقَةُ ابْنِ عُمَرَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ" (٣)، وَرَوَى أَنَّهُ الَّذِي كَانَ يُفْتِي بِهِ ابْنُ عُمَرَ). وهذا هو الحديث الذي أشرنا إليه، وقد رواه الشافعي في "مسنده" عن شيخه مسلم بن خالد، وهو وجه استدلال الجمهور على مذهبه بوقوع الطلاق. قوله: (وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَرَ هَذَا الطَّلَاقَ وَاقِعًا، فَإِنَّهُ اعْتَمَدَ عُمُومَ قَوْلِهِ ﷺ : "كُلُّ فِعْلٍ أَوْ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا، فَهُوَ رَدٌّ"). هذه إحدى الروايات، أما الرواية المشهورة فهي قوله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرُنا فهو رد" (٤). قوله: (وَقَالُوا: أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِرَدِّهِ يُشْعِرُ بِعَدَمِ نُفُوذِهِ وَوُقُوعِهِ). والمقصود هاهنا إنما هو معنى الرجعة، أما الذين يقولون بوقوع الطلاق فيقولون بتعدد معاني الرجعة، ويفسرونها هاهنا بما يلتقي مع مذهبهم.

стр. 6208

* قوله: (وَبِالجُمْلَةِ، فَسَبَبُ الاخْتِلَافِ: هَلِ الشُّرُوطُ الَّتِي اشْتَرَطَهَا الشَّرْعُ فِي الطَّلَاقِ السُّنِّيِّ هِيَ شُرُوطُ صِحَّةٍ وَإِجْزَاءٍ، أَمْ شُرُوطُ كمَالٍ وَتَمَامٍ؟ فَمَنْ قَالَ: شُرُوطُ إِجْزَاءٍ، قَالَ: لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ الَّذِي عَدِمَ هَذهِ الصِّفَةَ، وَمَنْ قَالَ: شُرُوطُ كَمَالٍ وَتَمَامٍ، قَالَ: يَقَع، وَيُنْدَبُ إِلَى أَنْ يَقَعَ كامِلًا). وهاهنا يريد المؤلف أن يصل إلى تأصيل قاعدةٍ في الشروط التي اشترطها الشرع في الطلاق، فيما إذا كانت شروط صحَّةٍ يجب الأخذ بها، أم أنها شروط كمالٍ يُندَبُ الأخذ بها. ومثال ذلك اختلاف العلماء (١) في قراءة الفاتحة في الصلاة بالنسبة للمأموم، فيما إذا كانت ركنًا من أركان الصلاة تجب في كلِّ ركعةٍ، أم أنها شرط كمالٍ وتمامٍ، فحينها اختلفوا في تفسير حديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، فالذين قالوا بأنها شرط صحَّةٍ فسَّروها بأن (لا) نافية للجنس وقعت قبل النكرة، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، فوجوب قراءة الفاتحة يَعُمُّ كل مُصَلٍّ، أما الفريق الآخر ففسَّرها بأنها تعني: لا صلاة كاملة، فيكون المقصوفى هو نفي الكمال لا نفي الإجزاء. * قوله: (وَلِذَلِكَ، مَنْ قَالَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ وَجَبْرِهِ عَلَى الرَّجْعَةِ، فَقَدْ تَنَاقَضَ، فَتَدَبَّرْ ذَلِكَ). وهاهنا يعود ابن رشدٍ مرةً أخرى لمخالفة مذهب المالكية وتبيان أنه تَنَاقَضَ وجَانَبَ الحقَّ، فرغم انتسابه لهذا المذهب إلا أن ذلك لم يمنعه من الأخذ بما يعتقد فيه الصواب، وهو ما ينبغي أن يكون عليه طالب العلم دائمًا.

стр. 6209

* قوله: (وأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّانِيَة، وَهِيَ: هَلْ يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ أَوْ لَا يُجْبَرُ؟). وبعد أن تحدَّث المؤلِّف عن الخلاف في وقوع الطلاق في الحيض وعدم وقوعه، يتحدث هاهنا عن الخلاف في قوله: "مُرْه فليراجعها"، فيما إذا كان الزوج يُجبَر على هذه الرجعة أم لا. والأصل في الأمر أنه يفيد الوجوب إذا لم تدلَّ قرينةٌ على صَرفِهِ إلى الندب. فالمالكية ومعهم الحنابلة في إحدى الروايتين (١) يقولون بأن الأمر هاهنا للوجوب لعدم وجود صارفٍ يصرفه إلى الندب، والفريق الآخر يحمل الأمر على الندب. * قوله: (فَمَنِ اعْتَمَدَ ظَاهِرَ الأَمْرِ - وَهُوَ الوُجُوبُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ - قَالَ: "يُجْبَرُ"). وهذه العبارة قد تُوهِم بأن مذهب الجمهور هو إجبار الزوج على الرجعة، وهذا غير صحيحٍ، فجمهور العلماء من الحنفية والشافعية والرواية المشهورة عند الحنابلة عَلى أن الزوج يُندَبُ إلى الرجعة ولا يُجبَرُ عليها، وأما القائلون بإجبار الزوج على الرجعة؛ لأن الأمر هاهنا يفيد الوجوب إنما هم المالكية، والرواية الأخرى عند الحنابلة. ولكن مراد المؤلِّف هاهنا أن الأصل في الأمر هو الوجوب عند جمهور أهل العلم. * قوله: (وَمَنْ لَحَظَ هَذَا المَعْنَى الَّذِي قُلْنَاهُ مِنْ كَوْنِ الطَّلَاقِ وَاقِعًا قَالَ: "هَذَا الأَمْرُ هُوَ عَلَى النَّدْبِ"). وهذه العبارة فيها نقضٌ من المؤلف لمذهب المالكية، فالمالكية

стр. 6210

ومعهم جمهور العلماء يقولون بوقوع الطلاق في الحيض، ولكن المالكية ذهبوا إلى وجوب الرجعة وأن الزوج يُجبَر عليها. فالمؤلِّف يريد أن يوجه الكلام للمالكية بأنهم ما داموا قالوا بوقوع الطلاق في الحيض فقولهم هذا ناقضٌ لقولهم بوجوب الرجعة؛ لأن الزوج إذا طلَّق امرأته عادةً لا يُجبَر على مراجعتها، وإنما يعود هذا إلى اختياره ورغبته، ولذلك فإن مذهب الجمهور هو أصحّ وأرجح. * قوله: (وأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّالِثَة، وَهِيَ: مَتَى يُوقِعُ الطَّلَاقَ بَعْدَ الإِخبَارِ). والمراد هاهنا هو الخلاف القائم بين المالكية والجمهور فيما إذا كان الزوج يوقع الطلاق - عند من يقول بالإجبار - بعد انتهاء الحيضة الأولى أم لا بد من أن يُتِمَّ. * قوله: (فَإِنَّ مَنِ اشْتَرَطَ فِي ذَلِكَ أَنْ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ). والمؤلف هاهنا يشير إلى المالكية، فإنهم مَن قالوا بذلك. * قوله: (فَإِنَّمَا صَارَ لِذَلِكَ، لِأَنَّهُ المَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ المُتَقَدِّمِ، قَالُوا: وَالمَعْنَى فِي ذَلِكَ لِتَصِحَّ الرَّجْعَةُ بِالوَطْءِ فِي الطُّهْرِ الَّذِي بَعْدَ الحَيْضِ). يعني: قول الرسول: "مُرْهُ فليراجعْهَا حتَّى تطهرَ ثُمَّ تحيضَ ثُمَّ تطهرَ". وجمهور العلماء تمسَّكوا بالرواية التي في "الصحيحين"، وهي قوله ﷺ : "مُرْهُ فليراجِعْهَا حتى تطهرَ، ثمَّ إن شاء أمسكَ، وإن شاء طلَّقَ قبلَ أن يمسَّ" (١)، فقالوا ردًّا على المالكية: إن الله تعالى قال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ

стр. 6211

لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، ومن طلَّق في طهر لم يمسَّ فيه فقد طلَّق للعدة، فلماذا فرقتم؟! والجمهور لا يخالفون المالكية (١) في كون الأفضل في حقِّ المطلق في الحيض أن يمسك امرأته حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ولكن الخلاف في كونه على سبيل الوجوب أم الندب، فالأئمة الثلاثة أبو حنيفة والشافعي وأحمد لا يرونه واجبًا؛ لأنها إذا طهرت وطلقها في هذا الطهر يكون قد طلقها في طهر لم يمسَّها فيه بما يعني أنه قد طلَّقها لعدَّتها كما أمر الله تعالى. ولذلك فإن أشهب - وهو أحد أئمة المالكية - قد خالف المالكية في هذا القول. * قوله: (لِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا فِي الطُّهْرِ الَّذِي بَعْدَ الحَيْضَةِ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنَ الطَّلَاقِ الآخِرِ عِدَّةٌ، لِأَنَّهُ كَانَ يَكُونُ كَالمُطَلِّقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَبِالجُمْلَةِ، فَقَالُوا: إِنَّ مِنْ شَرْطِ الرَّجْعَةِ وُجُودَ زَمَانٍ يَصِحُّ فِيهِ الوَطْء، وَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ يَكُونُ مِنْ شُرُوطِ طَلَاقِ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يُطَلِّقْ فِي الحَيْضَةِ الَّتِي قَبْلَه، وَهُوَ أَحَدُ الشُّرُوطِ المُشْتَرَطَةِ عِنْدَ مَالِكٍ فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ فِيمَا ذَكرَهُ عَبْدُ الوَهَّابِ) (٢). فإرشاد الرسول إلى عدم تطليق ابن عمر امرأته في الحيض من جملة حِكَمِه الرفق بالمطلقات؛ لأن الطلاق في الحيض يطيل مدة العدة على

стр. 6212

المرأة، بخلاف الطلاق في الطهر الذي لم تُمَسَّ فيه فإنه يقصر عليها العدة، ولا شكَّ أن إطالة العدة فيه إضرارٌ بالمرأة. * قوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ لَمْ يَشْتَرِطُوا ذَلِكَ). والذين لم يشترطوا ذلك هم جمهور العلماء، أبو حنيفة والشافعي وأحمد. * قوله: (فَإِنَّهُمْ صَارُوا إِلَى مَا رَوَى يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَابْنُ سِيرِينَ (١)، وَمَنْ تَابَعَهُمْ). ومن جملة من تابَعَهم (أبو الزبير) (٢)، و (زيد بن أسلم) (٣)، فهناك بعض الروايات في "الصحيحين"، وبعضها في أحدهما، وبعض الروايات كذلك في السنن أو المسانيد، وكلها رواياتٌ صحيحةٌ. * قوله: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ: "يُرَاجِعُهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ طَلَّقَهَا إِنْ شَاءَ"). فلم يذكر الزيادة التي جاءت في الحديث الأول، وإنما أمره بمراجعتها حتى تطهر ثم إن شاء أمسكها وإن شاء طلقها. ولذلك قال الجمهور: إنه لو طلقها في الطهر الأول كان مطلقًا للسنة، ولكنه حينئذٍ يكون ترك الأفضل إلى المفضول؛ لأنه قد طلَّق في طهرٍ لم يمسَّ فيه. * قوله: (وَقَالُوا: المَعْنَى فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ إِنَّمَا أُمِرَ بِالرُّجُوعِ عُقُوبَةً لَهُ؛ لِأَنَّهُ طَلَّقَ فِي زَمَانِ كُرِهَ لَهُ فِيهِ الطَّلَاق، فَإِذَا ذَهَبَ ذَلِكَ الزَّمَان، وَقَعَ

стр. 6213

مِنْهُ الطَّلَاقُ عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ مَكْرُوهٍ، فَسَبَبُ احتِلَافِهِمْ: تَعَارُضُ الآثَارِ فِي هَذه المَسْأَلَةِ، وَتَعَارُضُ مَفْهُومِ العِلَّةِ). ومراد المؤلف بقوله: (تعارُض الآثار)، أي: الأحاديث الواردة. وليس هناك تعارضٌ في حقيقة الأمر، وإنما جاء الحديث الأول ببيان الأَوْلَى والأفضل، بينما التقى الحديث الثاني مع الآية القرانية في بيان الجائز. * قوله: (وَأَمَّا المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ - وَهِيَ: مَتَى يُجْبَرُ؟). وقد سبق أن المالكية والحنابلة في إحدى الروايتين يقولون بإجبار الزوج على الرجعة، بينما الجمهور يرى الندب إلى ذلك. وهذه المسألة تدور حول وقت الأمر بالرجعة على القول بالإجبار. * قوله: (فَإِنَّمَا ذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى رَجْعَتِهَا لِطُولِ زَمَان العِدَّةِ؛ لِأَنَّهُ الزَّمَانُ الَّذِي لَهُ فِيهِ ارْتِجَاعُهَا). وكما ذكرنا، فإن الطلاق في الحيض فيه إضرارٌ بالمرأة من جهة تطويل العدة عليها؛ لأن هذه الحيضة حينئذٍ زيادةٌ في العدة، بخلاف قِصَر العدة الموجود في طلاقها في طهر لم يمسَّها فيه، ولذا فإنه لا فرق في الخلع بين طلاقها في الحيض أو الطهر - كما سيأتي - لتباين الصورة الفقهية بينه وبين الطلاق من هذه الجهة. * قوله: (وَأمَّا أَشْهَبُ (١)، فَإِنَّهُ إِنَّمَا صَارَ فِي هَذَا إِلَى ظَاهِرِ الحَدِيثِ؛ لِأَنَّ فِيهِ: "مُرْه، فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ"، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ المُرَاجَعَةَ كَانَتْ فِي الحَيْضَة، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا أُمِرَ بِمُرَاجَعَتِهَا؛ لِئَلَّا

стр. 6214

تَطُولَ عَلَيْهَا العِدَّة، فَإِنَّهُ إِذَا وَقَعَ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ فِي الحَيْضَةِ لَمْ تَعْتَدَّ بِهَا بِإِجْمَاعٍ، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ يُرَاجِعُهَا فِي غَيْرِ الحَيْضَةِ، كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهَا أَطْولَ، وَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ إِيقَاعُ الطَّلَاقِ فِي الطُّهْرِ الَّذِي بَعْدَ الحَيْضَةِ، فَسَبَبُ الاخْتِلَافِ: هُوَ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي عِلَّةِ الأَمْرِ بِالرَّدِّ). فالمالكية: يرون أن الطلاق ينبغي ألا يقع إلا بعد انتهاء العدة. والحنفية: يرون إِتْبَاعَ الطلاق بطلاقٍ، بمعنى: أنها تُطَلَّقُ طلقةً، فإذا طَهُرَت طُلِّقَت طلقةً أخرى، فإذا طَهُرَت طُلِّقَت طلقةً ثالثةً. أما الشافعية والحنابلة: فيرون أن مَن طَلَّقَ في الطهر الأول مُطَلِّق للسنة. قال المصنف رحمه الله تعالى: (البَابُ الثَّالِثُ فِي الخُلْعِ) دلالة لفظ الخلع: مشتقة من (خَلَعَ يَخْلَعُ)، والأصل في المصدر أن يكون فعلًا. فهذا هو المعنى الحِسِّي لِلخَلْعِ، كأن تقول: خَلَعَ ثَوْبَه، يَخْلَعَه، خَلْعًا (١). بينما ضُمَّت فاء الكلمة هاهنا تخصيصًا للمعنى المعنوي الموجود في

стр. 6215

فراق الزوج امرأته عن المعنى الحسّي الموجود في خَلع الثياب والنعال ونحوها، كما قال أهل العلم (١). دليل مشروعيته من القرآن والحكمة منه: لا شكَّ أن الإسلام حريصٌ على بقاء الزواج، وعلى دوام المودة والرحمة بين الزوجين، لما فيه من استقامة المجتمع بإقامة الأسرة الكريمة الرشيدة وإعداد الرجال الصالحين والنساء الصالحات في المجتمع، وإذا دبَّ الخلاف والنزاع بين الزوجين فلا ينبغي للزوج أن يتعجَّل وأن يبادرَ إلى الطلاق، وإنما بَيَّنَ الله تعالى الطريق السَّوِيَّ الذي ينبغي العمل به حينئذٍ في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]. فالمبدأ العام في ذلك هو قوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]، فإن لم يكن للصلح من سبيلٍ فكما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. ولا شَكَّ أنه لا يجوز لمؤمنةٍ تخاف الله أن تطلب من زوجها أدن يخالعها دون سببٍ، وإنما يجوز لها هذا إن كان هناك عيبٌ في خِلقةٍ أو في خُلقٍ، لقوله ﷺ في الحديث الصحيح: "أيّما امرأة سألَت زَوْجَها طلاقها من غير ما بأسٍ فحرامٌ عليها رائحة الجنة" (٢)، ولفظ: (أيّما) من صِيَغِ العموم (٣)، ولذلك قال ﷺ :"المختلعات والمنتزعات هن

стр. 6216

المنافقات" (١)؛ لأن هذا الفعل من الزوجة دون سببٍ فيه إنكارٌ للمعروف وكفرٌ بالعشير، أما إذا كان هناك ضررٌ يلحق بالمرأة فيجوز لها طلب الخُلع حينئذٍ، كأن يكون سيّئ الخُلُق يضربها وَيَسُبُّها، أو رقيق الدِّين، أو دَمِيمَ الخِلقة ومثل ذلك. كما أنه لا يجوز للزوج أن يقصد إلى الإضرار بزوجته كأن يشدد عليها في النفقة أو يسيء معاملتها لِيُلْجِئَهَا إلى طلب المخالعة وافتداء نفسها بغرض الخصول منها على ما قد أعطاه لها. وكلُّ هذا من التوازن الذي مَيَّزَ هذه الشريعة الإسلامية، بحيث قد أعطَت لكلٍّ من الؤوجين حقوقه كاملةً، فكما أن الزوج مطالَبٌ بواجباتٍ يؤديها لزوجته فالزوجة كذلك مطالَبةٌ بواجباتٍ تجاه الزوج. شواهد الخُلع من السُّنة: قصة ثابت بن قيس بن شماس عندما شَكَت زوجته جميلةُ أمْرَها إلى رسول الله ﷺ وقالت: "لا أعتب" - وفي رواية: "لا أنقم" (٢)، وفي رواية: "لا أعيب" (٣) - "على ثابتٍ في خُلقٍ ولا دِينٍ، ولكني امرأةٌ أكره الكفر بالإسلام" (٤)، فقال لها ﷺ : "أترُدِّين عليه حديقته؟ " قالت: نعم. فأمَرَه الرسول ﷺ أن يأخذ منها الحديقة وأن يطلِّقَها، وقد جاء في بعض الروايات ﷺ أَمَرَها كذلك أن تعتدَّ بحيضةٍ.

стр. 6217

ومن شواهده كذلك قول عليٍّ ﵁ للحكمين: "إن شئتما جمعتما وإن شئتما فرقتما" (١). وكذلك قول عثمان ﵁ عندما أرسل عبد الله بن عباس ومعاوية بن أبي سفيان حَكَمَين بين عقيل بن أبي طالب وزوجته فاطمة بنت عتبة بن ربيعة، حيث قال لهما: "إن شئتما فرقتما" (٢). هل الحَكَمان هما الوكيلان أم غيرهما؟ على خلافٍ في ذلك، فبعض أهل العلم يرى أنهما الوكيلان، وبعضهم يرى غير ذلك؛ فالذين قالوا بأنهما الوكيلان احتجوا بنصّ الآية: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا﴾ [النساء: ٣٥]، ولفظ: (حَكَم) صفةٌ مشبَّهةٌ على وزن (فَعَل)، فتدلّ على الثبات والدوام، بخلاف لفظ: (حَاكِم) على وزن (فاعل) الذي يدلّ على التجدد والحدوث، ومن المعلوم عند أهل اللُّغة أن الصفة المشبَّهَة أقوى من اسم الفاعل (٣). * قوله: (وَاسْمُ الخُلْعِ وَالفِدْيَةِ وَالصُّلْحِ وَالمُبَارَأَةِ كُلُّهَا تَؤُولُ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ: بَذْلُ المَرْأَةِ العِوَضَ عَلَى طَلَاقِهَا، إِلَّا أَنَّ اسْمَ الخُلْعِ

стр. 6218

يَخْتَصُّ بِبَذْلِهَا لَهُ جَمِيعَ مَا أَعْطَاهَا، وَالصُّلْحَ بِبَعْضِهِ، وَالفِدْيَةَ بِأَكْثَرِهِ، وَالمُبَارَأَةَ بِإِسْقَاطِهَا عَنْهُ حَقًّا لَهَا عَلَيْهِ عَلَى مَا زَعَمَ الفُقَهَاءُ). فالخُلعُ مأخوذٌ من الفراق، يقال: (خَلَعَ الإنسانُ ثوبَه) بمعنى: نَزَعَهُ (١)، والله تعالى يصف الزوجين فيقول ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فكأنه بالخُلع يكون هذا اللباس قد نُزِعَ. أما الفدية؛ فلأن اللهَ تعالى سَمَّى رَدَّ الزوجة لزوجها ما أعطاها إيَّاه فديةً، فقال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. وأما الصُّلح؛ فلأنه فيه صورة العِوَضِ؛ حيث إنهما يتصالحان فيه على مالٍ. وأما المبارأة؛ فلأنها إذا دَفَعَت له شيئًا بَارَأَها، بمعنى: أنه خَلَعَهَا، وكذلك أن المرأة قد يكون لها دَينٌ أو حقٌّ على الزوج فتُبرِئه منه. لكن المشهور عند الفقهاء هو تعريفه باسم الخُلع. فالخلع: هو أن يَصطَلِحَ الزوجان على مالٍ يُدفَع من أجل إتمام الفُرقة بينهما. * قوله: (وَالكَلَامُ يَنْحَصِرُ فِي أُصُولِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الفِرَاقِ فِي أَرْبَعَةِ فُصُولٍ). وهذا الكتاب - كما ذكرنا - أشبه بكتب القواعد؛ لأن منهج المؤلف فيه هو الاقتصار على ذكر أمهات المسائل، أما الفروع فلا يتناولها إلا قليلًا. * قوله: (فِي جَوَازِ وُقُوعِهِ أَوْ لَا). بمعنى: هل يقع الخلع أم لا؟

стр. 6219

والجواب: نعم؛ لِمَا ثَبَتَ في ذلك من الكتاب والسنة. * قوله: (ثُمَّ ثَانِيًا: فِي شُرُوطِ وُقُوعِهِ - أَعْنِي: جَوَازَ وُقُوعِهِ). والمراد هاهنا هو ما إذا كان وقوعه جائزًا أم لا، هاذا كان جائزًا فهل يقتصر على ردّ الزوجة ما أعطاها الزوج فقط أم لها أن تزيد لتتخلص منه؟ وهو محلّ خلافٍ، فقد حَدَثَ هذا وحَدَثَ ذاك. * قوله: (ثُمَّ ثَالِثًا: فِي نَوْعِهِ، أَعْنِي: هَلْ هُوَ طَلَاقٌ أَوْ فَسْخٌ؟). فبعض العلماء ذهب إلى أنه طلاق؛ لقوله ﷺ : "طلقها طلقةً"، وبعضهم ذهب إلى أنه فسخ؛ لِمَا أُثِرَ عن عبد الله بن عباس أنه قال: "هو تفريق لا طلاق" (١). * قوله: (ثُمَّ رَابِعًا: فِيمَا يَلْحَقُهُ مِنَ الأَحْكَامِ). فهناك أحكامٌ تتعلق به. قال المصنف رحمه الله تعالى: (الفَصْلُ الأَوَّلُ فِي جَوَازِ وُقُوعِهِ فَأَمَّا جَوَازُ وُقُوعِهِ: فَعَلَيْهِ أَكْثَرُ العُلَمَاءِ). بل لم ينازع في ذلك إلا مَن شَذَّ، فلا يُعتَدُّ برأيه (٢)

стр. 6220

* قوله: (وَالأَصْلُ فِي ذَلِكَ الكِتَابُ وَالسُّنَّة، أَمَّا الكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ لَا أَعِيبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنْ أَكْرَهُ الكُفْرَ بَعْدَ الدُّخُولِ فِي الإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ " قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اقْبَلِ الحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً" خَرَّجَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ البُخَارِيّ، وَأَبُو دَاوُدَ (١)، وَالنَّسَائِيُّ (٢)، وَهُوَ حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ). هذا هو لفظ رواية البخاري، وهناك رواياتٌ أخرى متعددة، جاء في بعضها أنها حبيبة بنت سهلٍ (٣)، وجاء في بعضها الآخر أنها جميلة بنت أُبيّ بن سلول (٤) المنافق، ولكن جميلة كانت مؤمنةً حسنة الدين، وكانت تحت ثابت بن قيس بن شماس.

стр. 6221

وبعض الروايات ذكرَت أن ثابتًا قد ضَرَبَها فكَسَرَ يدها (١)، وبعضها ذكرَت أنه كَسَرَ ضلعها. والشاهد: أن هذه الصحابية الجليلة حصل خلافٌ بينها وبين زوجها، فلم تكن منكرة للعشير أو ما أشبه ذلك، ولذا فإنها قالت للرسول ﷺ : "لا أعتب" وفي بعض الروايات: "لا أنقم" (٢)، وبعضها: "لا أعيب على ثابت في خُلقٍ ولا دِينٍ، ولكن أكره الكفر بعد الدخول في الإسلام" (٣)، فلم يكن مأخذها على زوجها يتعلق بدينه ولا خُلقه، فهو من خير الصحابة ومن المشهود لهم بالجنة، ولكنها بَيَّنَت العلة من طلبها الخُلع. وقد جاء في بعض الووايات: أنه كان دميم الخِلقة (٤)، وأنها كانت امرأةً جميلةً، فَشَكَتْ ذلك إلى رسول الله ﷺ . وجاء في بعضها الآخر أنها رَفَعَت الخمار الذي هي فيه فَرَأَتْ مجموعةً من الرجال فَقَلَّ في عينها شَكْلُ زوجها وقِصَرُه، فخافت على نفسها من الفتنة بسبب ذلك. أما قولها: "أكره الكفر بعد الدخول في الإسلام" (٥). فيُحتَمَل أن يكون معناه: هو كُفران العشير، يعني: أنها تخاف أن تكفر عِشْرته وتُنكِر فضله فلا تقوم له بحقوقه في الفراش، فتقع فيما حَذَّرَ منه الرسول ﷺ بقوله: "عُرضَت علَيَّ النارُ فرأيتُ أكثرها النساء". قيل: أيكفرن بالله يا رسول الله؟ فقال: "لا، وإنما يكفرن العشير، فلو أحسنْتَ إلى إحداهن الدهر كلَّه ثم رأقا منكَ شيئًا لقالت: والله ما رأيتُ منكَ خيرًا قَطُّ" (٦).

стр. 6222

فينبغي للمؤمنات أن تنتبهن لهذا الأمر، وأن تدركن عِظَم حقوق الأزواج عليهن. فما كان من الرسول ﷺ إلا أن دعا ثابتًا وعَرَضَ عليه أن ترد له ما أَخذَت منه، فقال ثابتٌ: أَوَيَصِحُّ ذلك يا رسول الله؟ قال: "نعم". فقال: إني كنت قد أَصدَقتُها حديقتين. فأمرَها الرسول أن تردها إليه. أما قول المؤلف: "وهو حديثٌ متفَقٌ على صحته"، فهذا ربما أَوهَمَ أن الحديث أخرجه الشيخان، بينما الحديث أخرجه البخاريُّ دون مُسلِمٍ، فكان الأجدر في حق المؤلف أن يقول: (وهو حديثٌ صحيحٌ)، أو: (أخرجه البخاري)، فكل هذا يكفي في بيان قوة الحديث؛ إذ لا شكَّ أن أصح كتابٍ بعد كتاب الله تعالى هو صحيح البخاري. تشاجر قوم في البخاري ومسلمٍ … فقالوا: أيُّ ذَيْن تقدم (١) فقلت: لقد فاق البخاريُّ صحة … كما فاق في حُسن الصناعة مسلم فقوله: (متفق على صحته)، ليس مراده منه أنه أخرجه البخاري ومسلم، فمسلم لم يخرِّجْه، وإنما أخرجه البخاري وأبو داود وأحمد وبعض أصحاب السنن وأصحاب المسانيد (٢)، وهنا كثيرٌ من الأحاديث الصحيحة لم تُخَرَّج في "الصحيحين"، وبعضها يكون على شرط الشيخين كذلك. * قوله: (وَشَذَّ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المُزَيْنِيُّ عَنِ الجُمْهُورِ، فَقَالَ: لَا يَحِلُّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ زَوْجَتِهِ شَيْئًا، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] الآيَةَ، وَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ بِغَيْرِ رِضَاهَا، وَأَمَّا بِرِضَاهَا فَجَائِزٌ).

стр. 6223

قوله: (أبو بكر) فيه نظرٌ، فإن اسمه (بكر بن عبد اللّه المزيني) (١). وبكر بن عبد الله المزيني لم يشذَّ عن الجمهور فقط كما ذكر المؤلف، وإنما شذَّ عن كافة أهل العلم (٢)، وانفرد بهذا القول، فصار قوله شاذًّا لمخالفته الإجماع، بخلاف ما يكون من المخالفة للجمهور، فقد يكون القول المخالِف للجمهور هو الصحيح. وبكر بن عبد اللّه المزيني قد استدلَّ بقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾ [لنساء: ٢٥، ٢١]. فاستدلَّ بهذه الآية على عدم أخذ الزوج من الزوجة شيئًا، وانفرَدَ بدعوى أن هذه الآية ناسخةٌ للآية الأخرى في قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. ولا شكَّ أن هذا الفهم يخالف الفهم الذي أَجمَعَ عليه كافَّة أهل العلم قاطبةً، من أنَّ آية سورة النساء تتناول زَجْرَ الزوج عن الطمع فيما أعطاه ووهبه لزوجته من الصداق، فليس له أن يأخذ شيئًا منه إلا برضا الزوجة، أما في المُخالَعَةِ فهناك تَبايُنٌ في الصفة والصورة. وأمَّا النسخ فلا شكَّ أنه يحتاج إلى معرفة السابق من اللاحق، كما أنه لا يُلجَأ إليه إلا بعد تَعَذُّر الجمع بين الأدلة، والجمع ممكِنٌ هاهنا غير متعذر، فلا نَسْخَ بين الآيتين في حقيقة الأمر. وقد رَدَّ أهلُ العلم هذا القول واعتبروه من الشذوذ وأجابوا عنه. * قوله: (فَسَبَبُ الخِلَافِ: حَمْلُ هَذَا اللَّفْظِ عَلَى عُمُومِهِ أَوْ عَلَى خُصُوصِهِ). والصحيح في هذا أنه يُحمَل على الخُصوصِ لا العُمومِ.

стр. 6224

[الفَصْلُ الثَّانِي فِي شُرُوطِ وُقُوعِه] قال المصنف رحمه الله تعالى: (فَأَمَّا شُرُوطُ جَوَازِهِ فَمِنْهَا: مَا يَرْجِعُ إِلَى القَدْرِ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ، وَمِنْهَا: مَا يَرْجِعُ إِلَى صِفَةِ الشَّيْءِ الَّذِي يَجُوزُ بِهِ، وَمِنْهَا: مَا يَرْجِعُ إِلَى الحَالِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا، وَمِنْهَا: مَا يَرْجِعُ إِلَى صِفَةِ مَنْ يَجُوزُ لَهُ الخُلْعُ مِنَ النِّسَاءِ أَوْ مِنْ أَوْلِيَائِهِنَّ مِمَّنْ لَا تَمْلِكُ أَمْرَهَا، فَفِي هَذَا الفَصْلِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ). فالخُلع ثابتٌ بالكتاب والسنة والإجماع، ولم يخالف في ذلك - كما ذكرنا - إلا مَن لا يُعتَدّ برأيه لِمَا يعتريه من الشذوذ، فالصحابة ﵃ فعلوه، حيثُ لم تقتصر الآثار الواردة في ذلك على ما جاء من خبر حبيبة أو جميلة فقط، وإنما جاء كذلك في عهد عثمان في قصة الصحابية الربيع بنت معوذ إحدى من رَوينَ الأحاديث عن الرسول ﷺ ، بل إن خبر الربيع حجةٌ للقائلين بجواز الزيادة في ما ترده المختلعة على زوجها؛ لأن الربيع أعطته ما أعطاها إياه وزيادة عليه (١). * قوله: (المَسْأَلَةُ الأُولَى: أَمَّا مِقْدَارُ مَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَخْتَلِعَ بِهِ،

стр. 6225

فَإِنَّ مَالِكًا (١)، وَالشَّافِعِيَّ (٢)، وَجَمَاعَةً (٣) قَالُوا: جَائِزٌ أَنْ تَخْتَلِعَ المَرْأَةُ بِأَكْثَرَ مِمَّا يَصِيرُ لَهَا مِنَ الزَّوْج فِي صَدَاقِهَا إِذَا كَانَ النُّشُوزُ مِنْ قِبَلِهَا، وَبِمِثْلِهِ، وَبِأَقَلَّ مِنْه، وَقَالَ قَائِلُونَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ ثَابِتٍ، فَمَنْ شَبَّهَهُ بِسَائِرِ الأَعْوَاضِ فِي المُعَامَلَاتِ رَأَى أَنَّ القَدْرَ فِيهِ رَاجِعٌ إِلَى الرِّضَا. وَمَنْ أَخَذَ بِظَاهِرِ الحَدِيثِ لَمْ يُجِزْ أكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ رَآهُ مِنْ بَابِ أَخْذِ المَالِ بِغَيْرِ حَقٍّ). أولًا: القائلون بالجواز: وهذا القول ذهب إليه الأئمة الأربعة؛ أبو حنيفة (٤)، ومالك، والشافعي، وأحمد (٥)، فكلهم أجاز إعطاء المرأة زَوْجَها زيادةً على ما أعطاها إياه، وكلهم كذلك قال باستحباب ألا يأخذ الرجل إلا ما أعطاه، وتفصيل ذلك كالآتي: أبو حنيفة والشافعي: أجازاه، ولم يَرَيَا به بَأسًا.

стр. 6226

أحمد: أجازه مع الكراهة. مالك: أجازه، مع الأخذ في الاعتبار أنه ليس من مكارم الأخلاق عنده. والذي نراه أن النفس فيها شيءٌ من هذا، فالمسلم من شأنه الاقتصار على حقِّه وعدم التطلع إلى ما زاد عليه. وقد استدلَّ أصحاب هذا القول بعموم رفع الجناح في قول الله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فاحتجّوا بالآية على عدم الإثم سواء أخذ ما أعطاها أو أقل منه أو أكثر. واستدلُّوا كذلك بقصة الربيع بنت معوذ في عهد عثمان ﵄ عندما اختلعت من زوجها، ولم يترك لها إلا عقاص رأسها، ورفعوا ذلك إلى عثمان فأقره (١). ثانيًا: القائلون بالمنع: وقد حُكِي ذلك عن بعض التابعين كعطاء، والزهري، وطاوس، وعمرو بن شعيب (٢)، وعن بعض الفقهاء كالأوزاعي (٣). وقد استدلَّ هذا الفريق على قوله بأن من تجاوَزَ حقّه يكون متعدِّيًا، واللّه تعالى يقول: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٥]. واستدلُّوا كذلك برواية سنن الدارقطني لقصة جميلة امرأة ثابت بن

стр. 6227

قيس أنها عندما سألها الرسول ﷺ : "أتَرُدِّين عليه حديقته؟ "، قالت: نعم، وزيادة. فقال لها الرسول ﷺ : "أما الزِّيادة فلا" (١). وهي رواية صحيحة، فأخذوا من ظاهر الحديث عدم جواز أخذ الزوج أكثر مما أعطاه. * قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَأَمَّا صِفَةُ العِوَضِ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ (٢)، وَأَبَا حَنِيفَةَ (٣) يَشْتَرِطَان فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الصِّفَةِ، وَمَعْلُومَ الوُجُوبِ، وَمَالِكٌ (٤) يُجِيزُ فِيهِ المَجْهُولَ الوُجُودِ وَالقَدْر المَعْدُومَ، مِثْلَ الآبِقِ (٥)، وَالشَّارِدِ وَالثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا وَالعَبْدِ غَيْرِ المَوْصُوفِ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ جَوَازُ الغَرَرِ وَمَنْعُ المَعْدُومِ) (٦).

стр. 6228

أما هذه المسألة فإن آراء العلماء متقاربةٌ فيها، وجملة الأقوال فيها ثلاثة أقوال: - مذهب الشافعي وأبي حنيفة: عدم جواز الجهالة والغرر في العوض. - مذهب مالك: جواز جهالة الوجود والقدر والمعدوم، والمالكية - في حقيقة الأمر - قد توسَّعوا في هذا، والحنابلة (١) يوافقونهم في بعض هذه الصور لا في جميعها، فمجهول الوجود مثاله الحمل الذي في البطن، والذي لا يُتيَقَّن وجوده من عدم وجوده، وإذا وُجِدَ فإنه لا يُعرَف إذا كان يولد حيا أم ميِّتًا، ومثاله كذلك بيع الثمرة قبل بدوّ صلاحها، فهذه الثمرة قد تصيبها جائحة تذهب بها، وقد ورد في قصة البستان الذي أصابته جائحةٌ، فشكَا صاحبه إلى الرسول ﷺ أن الرسول قال: "بِمَ يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حقٍّ؟! " (٢)، ومن أمثلته كذلك الآبق، وهو الحبد الذي أَبِقَ - أي: فَرَّ - من سيده، وقد ورد تحذير رسول الله ﷺ من هذا النوع من الأعواض، وكذلك الشارد، وهو الجمل الذي شَرَدَ من صاحبه. - الرواية الأخرى عن الأحناف: فقد حُكِيَ عن الحنفية روايةٌ أخرى أنهم قالوا بجواز الجهالة، لكنهم لا يجيزون الغرر (٣).

стр. 6229

ومما ينبغي معرفته في حقيقة الأمر - كما سيأتي في باب البيع - أن البيع بالرغم من أنه يُشترَط فيه عدم الجهالة وعدم الغرر، وبالرغم من أن الجهالة والغرر هي عيوبٌ يُرَدُّ المبيع من أجل وجودها، إلا أن هناك بيوعًا يُتساهَل فيها؛ لأنها أمورٌ يصعب الوصول إلى حقيقتها، كما هو الحال في بيع الصبرة (١)، وكالخرص (٢)، وكذلك كالتسامح في جهالة أساس البيت المبيع، لأن الإنسان يتعذر عليه أن يحفر ليتيقن من سلامة أساس البيت ونوعه. وكذلك الحال في عوض الخُلع، فهناك أمورٌ ينبغي أن تكون معلومةً، فلا يجوز للزوجة المخالَعة على بعيرٍ شاردٍ أو عبدٍ آبقٍ، أو حملٍ في بطنٍ أو ثمرةٍ لم يَبْدُ صلاحُها، فمذهب المالكية والحنابلة متقاربٌ في هذه المسائل، إلا أن المالكية توسَّعوا فيها، أما الحنابلة فيفرقون فيها بين الجهالة اليسيرة والجهالة الفاحشة (٣). * قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ: تَرَدُّدُ العِوَضِ هَاهُنَا بَيْنَ العِوَضِ فِي البُيُوعِ أَوِ الأَشْيَاءِ المَوْهُوبَةِ وَالمُوصَى بِهَا، فَمَنْ شَبَّهَهَا بِالبُيُوعِ اشْتَرَطَ فيه مَا يُشْتَرَطُ فِي البُيُوعِ وَفِي أَعْوَاضِ البُيُوعِ. وَمَنْ شَبَّهَهُ بِالهِبَاتِ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ). ونحن نقول بأنه تردُّد العوض بين البيع والنكاح؛ لأن النكاح هو الأقرب شبهًا بالخُلع، فالخُلع إنما هو حلّ القيد الذي أَوْجَدَهُ النكاح، ولذا فإنه لا ينبغي أن تكون فيه جهالة، أما الأشياء الموهوبة فهذه يتسامحون فيها، الآن الأصل في الهبة أنها عطيَّةٌ ومنحةٌ، فلا ضير في وجود الجهالة فيها.

стр. 6230

* قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا وَقَعَ الخُلْعُ بِمَا لَا يَحِلُّ كَالخَمْرِ وَالخِنْزِيرِ، هَلْ يَجِبُ لَهَا عِوَضٌ أَمْ لَا (١)، بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ؟ فَقَالَ مَالِكٌ (٢): "لَا يسْتَحِقُّ عِوَضًا"، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٤): "يَجِبُ لَهَا مَهْرُ المِثْلِ"). أما الخمر والخنزير فلا شكَّ في تحريمهما، فالخنزير جاء تحريمه في قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، وكذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، أما الخمر فمعلوم أنها كانت جائزةً في أول الأمر ثم جاء التدريج في تحريمها، ابتداءً من قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]، ثم جاء تحريمها وقت الصلاة في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، ثم جاءت آية المائدة التي حَسَمَت كلَّ أمرٍ ورفَعَت كلّ خلافٍ، وبَيَّنَّت أن الخمر مُحَرَّمةٌ وأنها كبيرةٌ من الكبائر، في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، فالخمر والخنزير ثابتٌ تحريمهما بالكتاب والسُّنَّة.

стр. 6231

فالعلماء تكلَّموا فيما إذا وَقَعَ الخُلعُ بعِوَضٍ محرَّمٍ كالخمر والخنزير، فاتفقوا على عدم جوازه، ولكن الخلاف بينهم فيما إذا كان الزوج حينئذٍ يأخذ بدلًا عن هذا العوض المحرَّم أم لا. وبيان أقوال العلماء في هذه المسألة كالتالي: - مذهب الشافعي: أنه يأخذ حينئذٍ مهر المثل؛ لأنه قد خالَعَها في الأصل على شيءٍ، فله أن يُعطَى ما دَفَعَه لها في الأصل، وهو مهر المثل. - مذهب الأئمة الثلاثة أبي حنيفة ومالك وأحمد (١): أنه ليس للزوج أن يأخذ بدلًا؛ لأن المخالَعة قد وقعَت على أمرٍ فاسدٍ. ومذهب الجمهور هاهنا تجد فيه أصلًا من أصول الشريعة، وهو المعامَلة بنقيض القصد؛ لأنه في الأصل قد قَبِلَ أن يتقاضَى عِوَضًا مُحرَّمًا كالخمر والخنزير. * قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَأَمَّا مَا يَرْجِعُ إِلَى الحَالِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا الخُلْعُ مِنَ الَّتِي لَا يَجُوزُ: فَإِنَّ الجُمْهُورَ (٢) عَلَى أَنَّ الخُلْعَ جَائِزٌ مَعَ التَّرَاضِي إِذَا لَمْ يَكُنْ سَبَبُ رِضَاهَا بِمَا تُعْطِيهِ إِضْرَارَهُ بِهَا). أما الخلع مع التراضي فلا شكَّ في جوازه، بخلاف حالة الإكراه

стр. 6232

فهي التي لا تجوز، كأن يُكرهَ الزوج امرأته على اللجوء إلى ذلك، بأن يؤذيها بالضرب أو الإهانة، أو يُضيِّق عليها في معيشتها وما إلى ذلك فيضطرها إلى طلب المخالَعة منه، لكن من جانبٍ آخر فإنه لا يجوز للزوجة أن تطلب المخالَعةَ دونما سببٍ. * قوله: (وَالأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]). فالآية واضحةٌ في ذلك، والاستثناء في الآية المراد به أن يجدها على فاحشةٍ، ولذلك قال بعض العلماء بعدم جواز الخلع إلا أن يجدها على فاحشة، وهو قولٌ شاذٌّ سنتعرض للحديث عنه. * قوله: (وَشَذَّ أَبُو قِلَابَةَ، وَالحَسَنُ البَصْرِيُّ (١)، فَقَالَا: "لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ الخُلْعُ عَلَيْهَا حَتَّى يُشَاهِدَهَا تَزْنِي، وَحَمَلُوا الفَاحِشَةَ فِي الآيَةِ عَلَى الزِّنَا"). المشهور أن الذي شذَّ مع أبي قلابة في هذه المسألة هو ابن سيرين، فهذا هو القول الشاذ المشهور عنهما، وهناك قول آخر لأهل الظاهر، وسيتعرض المؤلف للأقول الخمسة في آخر هذه المسألة. * قوله: (وَقَالَ دَاوُدُ (٢):"لَا يَجُوزُ إِلَّا بِشَرْطِ الخَوْفِ أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ عَلَى ظَاهِرِ الآيَةِ").

стр. 6233

فداود الظاهري عَلَّقَ جواز الخُلع بخشية الزوجين من عدم إقامة حدود اللّه في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ومن المعلوم وقوف أهل الظاهر عند ظواهر النصوص وعدم التعمق في مدلولاتها. * قوله: (وَشَذَّ النُّعْمَانُ (١) فَقَالَ: "يَجُوزُ الخُلْعُ مَعَ الإِضْرَارِ"). فأبو حنيفة النعمان على هذا القول وأن فاعِلَه عاصٍ آثمٌ مرتكبٌ لمعصيةٍ مستحقٌّ للعقوبة، وأن المعاوضة التي حصلَت لا يجب أن تُرَدَّ، بخلاف جمهور العلماء فيرون أن على الزوج أن يردّ لامرأته ما أخذه منها. ثم بعد ذلك يتناولون مسألة ما إذا كان هذا يُعتَبَر طلاقًا أم خُلعًا. وكذلك ما إذا كان يجوز إتمام الخلع على غير عوض أم لا، وأنه يجوز إذا كان هناك اتفاقٌ بين الزوجين على ذلك. * قوله: (وَالفِقْهُ أَنَّ الفِدَاءَ إِنَّمَا جُعِلَ لِلْمَرْأَةِ فِي مُقَابَلَةِ مَا بِيَدِ الرَّجُلِ مِنَ الطَّلَاقِ). وهذه لفتةٌ طيبةٌ من المؤلف، فكأنه يريد أن يقول: إن الفقه لا يؤخَذ بظواهر الأمور، وإنما ينبغي على الفقيه أن يغوص في المسائل حتى يصل إلى حقيقتها وأن يستجمع كلَّ ما يتعلق بالمسألة، ثمَّ بعد ذلك يقرر قوله في المسألة. فلا شكَّ في كون الطلاق بيد الرجل، وأن في ذلك حكمةً لله سبحانه الذي يعلم السرَّ وأخفى، كما قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤]، فالرجل عنده من الرَّوِيَّة والحكمة وبُعد النظر ما يحمله على عدم التسرُّع في مثل هذا القرار الخطير.

стр. 6234

وجَعَلَ اللّهُ في مقابل ذلك مسلكًا للمرأة تفدي به نفسها إذا ضَيَّقَ عليها الزوج أو أرغَمَها أو إذا كرهَته كما في قصة جميلة امرأة ثابت بن قيس، فجَعَلَت لها الشريعة فداء نفسها بأن ترُدَّ إلى الزوج ما أخذَته منه مقابل أن يخالِعَها. ومما تجدر الإشارة إليه أن الزوج كما أن له أن يوكل في الطلاق - كما في قصة فاطمة بنت قيس حين أرسل زوجها طلاقها ووكيله بشعيرٍ، فسخطَتهُ - فكذلك له أن يفوض المرأة في أن تخالع نفسها أو أن تطلق نفسها. * قوله: (فَإِنَّهُ لَمَّا جُعِلَ الطَّلَاقُ بِيَدِ الرَّجُلِ إِذَا فَرَكَ المَرْأَةَ، جُعِلَ الخُلْعُ بِيَدِ المَرْأَةِ إِذَا فَرَكتِ الرَّجُلَ). بمعنى: أنها إذا أبغضته ونفرت منه نفسها وقلبها فحينئذٍ يكون الخُلع مَخرَجًا لها من هذا الزواج، كما في قصة جميلة وقولها للرسول: "يا رسول الله إني لا أعيب على ثابت في دين ولا خُلق، ولكني امرأةٌ أَكرَهُ الكفر في الإسلام"، وقد بَيَّنَّا احتمالات معنى قولها: "أكره الكفر في الإسلام"، وأن ذلك قد يراد به كُفر العشير، وقد يراد به الخشية من الوقوع في المعصية لِمَا قد تَتَسَبَّب فيه كراهتها للزوج من عدم الوفاء له بحقوقه الواجبة. أما إذا وقع الكُرهُ من الزوج فينبغي عليه ألا يضطرها إلى طلب الفراق، بل له أن يطلِّقَها ما دام الله قد وضع الطلاق في يده، أما إذا كان كُرهُه لها بسبب أخلاقها أو سوء معاملتها له فإن الله تعالى جَعَلَ حل هذه المشكلة بأن يُرسَلَ حَكم من أهله وحَكمٌ من أهلها، إن يريدا إصلاحًا يوفِّق اللَّهُ بينهما، فإذا انغَلَقَت الطرق أمامهما وتعذر الإصلاح فحينئذٍ يكون الطلاق. * قوله: (فَيَتَحَصَّلُ فِي الخُلْعِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: قَوْلٌ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَصْلًا) (١).

стр. 6235

وهو قول بكر بن عبد اللّه المزني، الذي وهم فيه المؤلف فسمَّاه أبا بكرٍ. وقد بَيَّنَّ ضعْفَ ما ذهب إليه بكر المزني من القول بعدم جواز الخُلع، بل بَيَّنَّا ما فيه من الشذوذ. * قوله: (وَقَوْلٌ إِنَّهُ يَجُوزُ عَلَى كُلِّ حَالٍ - أَيْ: مَعَ الضَّرَرِ -). وهو قول أبي حنيفة النعمان ﵀. * قوله: (وَقَوْلٌ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا مَعَ مُشَاهَدَةِ الزِّنَا). وهو القول المنسوب إلى أبي قلابة والحسن البصري. * قوله: (وَقَوْلٌ: مَعَ خَوْفِ أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ). وهو قول داود الظاهري ومن معه. * قوله: (وَقَوْلٌ: إِنَّهُ يَجُوزُ فِي كُلِّ حَالٍ إِلَّا مَعَ الضَّرَرِ، وَهُوَ المَشْهُورُ). وهو رأي جماهير العلماء، والذي تدلُّ عليه عموم أدلّة الكتاب والسنة، فجمهور العلماء على عدم جواز أن يضطر الرجل امرأته إلى طلب الخُلع، وأبو حنيفة هو من يخالِف فيه ويقول بالجواز. * قوله: (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ؛ وَأَمَّا مَنْ يَجُوزُ لَهُ الخُلْعُ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ). الخُلع - كما هو معلومٌ - يتطلب دَفْعَ معاوَضةٍ، وهناك من الناس مَن لا يجوز لهم التصرف في أموالهم، فهذه المسألة تبحث في هذا الشأن، بمعنى: مَن مِن الناس من يجوز له الخُلع؟ فهناك مِن الناس مَن هو سفيه يُحجَر عليه حَجْرَ المال، ومنهم المجنون والعاقل، ومنهم الصغير والكبير، فمَن مِن هؤلاء يجوز له الخلعِ ومَن منهم لا يجوز له؟ والذي لا يجوز له الخلع هل لوليه أن يخالِعَ نيابةَ عنه أم لا؟
следующие страницы →