← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.

стр. 6231

فالعلماء تكلَّموا فيما إذا وَقَعَ الخُلعُ بعِوَضٍ محرَّمٍ كالخمر والخنزير، فاتفقوا على عدم جوازه، ولكن الخلاف بينهم فيما إذا كان الزوج حينئذٍ يأخذ بدلًا عن هذا العوض المحرَّم أم لا. وبيان أقوال العلماء في هذه المسألة كالتالي: - مذهب الشافعي: أنه يأخذ حينئذٍ مهر المثل؛ لأنه قد خالَعَها في الأصل على شيءٍ، فله أن يُعطَى ما دَفَعَه لها في الأصل، وهو مهر المثل. - مذهب الأئمة الثلاثة أبي حنيفة ومالك وأحمد (١): أنه ليس للزوج أن يأخذ بدلًا؛ لأن المخالَعة قد وقعَت على أمرٍ فاسدٍ. ومذهب الجمهور هاهنا تجد فيه أصلًا من أصول الشريعة، وهو المعامَلة بنقيض القصد؛ لأنه في الأصل قد قَبِلَ أن يتقاضَى عِوَضًا مُحرَّمًا كالخمر والخنزير. * قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَأَمَّا مَا يَرْجِعُ إِلَى الحَالِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا الخُلْعُ مِنَ الَّتِي لَا يَجُوزُ: فَإِنَّ الجُمْهُورَ (٢) عَلَى أَنَّ الخُلْعَ جَائِزٌ مَعَ التَّرَاضِي إِذَا لَمْ يَكُنْ سَبَبُ رِضَاهَا بِمَا تُعْطِيهِ إِضْرَارَهُ بِهَا). أما الخلع مع التراضي فلا شكَّ في جوازه، بخلاف حالة الإكراه

стр. 6232

فهي التي لا تجوز، كأن يُكرهَ الزوج امرأته على اللجوء إلى ذلك، بأن يؤذيها بالضرب أو الإهانة، أو يُضيِّق عليها في معيشتها وما إلى ذلك فيضطرها إلى طلب المخالَعة منه، لكن من جانبٍ آخر فإنه لا يجوز للزوجة أن تطلب المخالَعةَ دونما سببٍ. * قوله: (وَالأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]). فالآية واضحةٌ في ذلك، والاستثناء في الآية المراد به أن يجدها على فاحشةٍ، ولذلك قال بعض العلماء بعدم جواز الخلع إلا أن يجدها على فاحشة، وهو قولٌ شاذٌّ سنتعرض للحديث عنه. * قوله: (وَشَذَّ أَبُو قِلَابَةَ، وَالحَسَنُ البَصْرِيُّ (١)، فَقَالَا: "لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ الخُلْعُ عَلَيْهَا حَتَّى يُشَاهِدَهَا تَزْنِي، وَحَمَلُوا الفَاحِشَةَ فِي الآيَةِ عَلَى الزِّنَا"). المشهور أن الذي شذَّ مع أبي قلابة في هذه المسألة هو ابن سيرين، فهذا هو القول الشاذ المشهور عنهما، وهناك قول آخر لأهل الظاهر، وسيتعرض المؤلف للأقول الخمسة في آخر هذه المسألة. * قوله: (وَقَالَ دَاوُدُ (٢):"لَا يَجُوزُ إِلَّا بِشَرْطِ الخَوْفِ أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ عَلَى ظَاهِرِ الآيَةِ").

стр. 6233

فداود الظاهري عَلَّقَ جواز الخُلع بخشية الزوجين من عدم إقامة حدود اللّه في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ومن المعلوم وقوف أهل الظاهر عند ظواهر النصوص وعدم التعمق في مدلولاتها. * قوله: (وَشَذَّ النُّعْمَانُ (١) فَقَالَ: "يَجُوزُ الخُلْعُ مَعَ الإِضْرَارِ"). فأبو حنيفة النعمان على هذا القول وأن فاعِلَه عاصٍ آثمٌ مرتكبٌ لمعصيةٍ مستحقٌّ للعقوبة، وأن المعاوضة التي حصلَت لا يجب أن تُرَدَّ، بخلاف جمهور العلماء فيرون أن على الزوج أن يردّ لامرأته ما أخذه منها. ثم بعد ذلك يتناولون مسألة ما إذا كان هذا يُعتَبَر طلاقًا أم خُلعًا. وكذلك ما إذا كان يجوز إتمام الخلع على غير عوض أم لا، وأنه يجوز إذا كان هناك اتفاقٌ بين الزوجين على ذلك. * قوله: (وَالفِقْهُ أَنَّ الفِدَاءَ إِنَّمَا جُعِلَ لِلْمَرْأَةِ فِي مُقَابَلَةِ مَا بِيَدِ الرَّجُلِ مِنَ الطَّلَاقِ). وهذه لفتةٌ طيبةٌ من المؤلف، فكأنه يريد أن يقول: إن الفقه لا يؤخَذ بظواهر الأمور، وإنما ينبغي على الفقيه أن يغوص في المسائل حتى يصل إلى حقيقتها وأن يستجمع كلَّ ما يتعلق بالمسألة، ثمَّ بعد ذلك يقرر قوله في المسألة. فلا شكَّ في كون الطلاق بيد الرجل، وأن في ذلك حكمةً لله سبحانه الذي يعلم السرَّ وأخفى، كما قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤]، فالرجل عنده من الرَّوِيَّة والحكمة وبُعد النظر ما يحمله على عدم التسرُّع في مثل هذا القرار الخطير.

стр. 6234

وجَعَلَ اللّهُ في مقابل ذلك مسلكًا للمرأة تفدي به نفسها إذا ضَيَّقَ عليها الزوج أو أرغَمَها أو إذا كرهَته كما في قصة جميلة امرأة ثابت بن قيس، فجَعَلَت لها الشريعة فداء نفسها بأن ترُدَّ إلى الزوج ما أخذَته منه مقابل أن يخالِعَها. ومما تجدر الإشارة إليه أن الزوج كما أن له أن يوكل في الطلاق - كما في قصة فاطمة بنت قيس حين أرسل زوجها طلاقها ووكيله بشعيرٍ، فسخطَتهُ - فكذلك له أن يفوض المرأة في أن تخالع نفسها أو أن تطلق نفسها. * قوله: (فَإِنَّهُ لَمَّا جُعِلَ الطَّلَاقُ بِيَدِ الرَّجُلِ إِذَا فَرَكَ المَرْأَةَ، جُعِلَ الخُلْعُ بِيَدِ المَرْأَةِ إِذَا فَرَكتِ الرَّجُلَ). بمعنى: أنها إذا أبغضته ونفرت منه نفسها وقلبها فحينئذٍ يكون الخُلع مَخرَجًا لها من هذا الزواج، كما في قصة جميلة وقولها للرسول: "يا رسول الله إني لا أعيب على ثابت في دين ولا خُلق، ولكني امرأةٌ أَكرَهُ الكفر في الإسلام"، وقد بَيَّنَّا احتمالات معنى قولها: "أكره الكفر في الإسلام"، وأن ذلك قد يراد به كُفر العشير، وقد يراد به الخشية من الوقوع في المعصية لِمَا قد تَتَسَبَّب فيه كراهتها للزوج من عدم الوفاء له بحقوقه الواجبة. أما إذا وقع الكُرهُ من الزوج فينبغي عليه ألا يضطرها إلى طلب الفراق، بل له أن يطلِّقَها ما دام الله قد وضع الطلاق في يده، أما إذا كان كُرهُه لها بسبب أخلاقها أو سوء معاملتها له فإن الله تعالى جَعَلَ حل هذه المشكلة بأن يُرسَلَ حَكم من أهله وحَكمٌ من أهلها، إن يريدا إصلاحًا يوفِّق اللَّهُ بينهما، فإذا انغَلَقَت الطرق أمامهما وتعذر الإصلاح فحينئذٍ يكون الطلاق. * قوله: (فَيَتَحَصَّلُ فِي الخُلْعِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: قَوْلٌ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَصْلًا) (١).

стр. 6235

وهو قول بكر بن عبد اللّه المزني، الذي وهم فيه المؤلف فسمَّاه أبا بكرٍ. وقد بَيَّنَّ ضعْفَ ما ذهب إليه بكر المزني من القول بعدم جواز الخُلع، بل بَيَّنَّا ما فيه من الشذوذ. * قوله: (وَقَوْلٌ إِنَّهُ يَجُوزُ عَلَى كُلِّ حَالٍ - أَيْ: مَعَ الضَّرَرِ -). وهو قول أبي حنيفة النعمان ﵀. * قوله: (وَقَوْلٌ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا مَعَ مُشَاهَدَةِ الزِّنَا). وهو القول المنسوب إلى أبي قلابة والحسن البصري. * قوله: (وَقَوْلٌ: مَعَ خَوْفِ أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ). وهو قول داود الظاهري ومن معه. * قوله: (وَقَوْلٌ: إِنَّهُ يَجُوزُ فِي كُلِّ حَالٍ إِلَّا مَعَ الضَّرَرِ، وَهُوَ المَشْهُورُ). وهو رأي جماهير العلماء، والذي تدلُّ عليه عموم أدلّة الكتاب والسنة، فجمهور العلماء على عدم جواز أن يضطر الرجل امرأته إلى طلب الخُلع، وأبو حنيفة هو من يخالِف فيه ويقول بالجواز. * قوله: (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ؛ وَأَمَّا مَنْ يَجُوزُ لَهُ الخُلْعُ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ). الخُلع - كما هو معلومٌ - يتطلب دَفْعَ معاوَضةٍ، وهناك من الناس مَن لا يجوز لهم التصرف في أموالهم، فهذه المسألة تبحث في هذا الشأن، بمعنى: مَن مِن الناس من يجوز له الخُلع؟ فهناك مِن الناس مَن هو سفيه يُحجَر عليه حَجْرَ المال، ومنهم المجنون والعاقل، ومنهم الصغير والكبير، فمَن مِن هؤلاء يجوز له الخلعِ ومَن منهم لا يجوز له؟ والذي لا يجوز له الخلع هل لوليه أن يخالِعَ نيابةَ عنه أم لا؟

стр. 6236

* قوله: (فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ عِنْدَ الجُمْهُورِ أَنَّ الرَّشِيدَةَ تُخَالِعُ عَنْ نَفْسِهَا) (١). لأن ذلك حقٌّ من حقوقها وَهَبَهَا الله إياه، والدليل في ذلك: ما ورد في الكتاب، وكذلك ما ثبت في السُّنة في قصة جميلة وقصة حبيبة، وكذلك إقرار عثمان لِما كان في عهده مِن مخالَعة الربيع بنت معوذ زوجَها على أكثر مما أصدَقَها إياه. * قوله: (وَأَنَّ الأَمَةَ لَا تَخَالِعُ عَنْ نَفْسِهَا إِلَّا بِرِضَا سَيِّدِهَا) (٢). وهناك قَيدٌ عند الحنابلة (٣) في مسألة الأَمَةِ لم يذكره المؤلف، فخبرة

стр. 6237

المؤلف بمذهب الحنابلة مستَمَدَّةٌ من كتاب الاستذكار لابن عبد البر، فإذا وَضَّحَ ابن عبد البَرّ مذهَبَ أحمد في المسألة ذَكَرَه المؤلف، أما إذا لم يذكُره ابن عبد البر فإن المؤلف لا يُورِدُهُ. فالإمام أحمد يوافق الجمهور في أن الأَمَة لها المخالَعة بإذن سيدها، أما في حالة عدم إِذْنِ السيد فالحنابلة يجيزون لها المخالَعةَ في حالة عدم إذن السيد؛ لأنها عاقلةٌ رشيدةٌ كالحرة، ويُفَصِّلُون الكلام في العِوَض على النحو التالي: القول الأول: أن العوض يبقى في ذمَّتها تُطالَبُ به إذا عتقَت. القول الآخر: أنها لا تدفَع العِوَض؛ لأنها في الأصل لا تَملِكُ. * قوله: (وَكَذَلِكَ السَّفِيهة مَعَ وَليِّهَا عِنْدَ مَنْ يَرَى الحَجْرَ) (١). فالسفيهة والمجنونة والصغيرة لا يجوز لهم المخالَعة إلا بإذن أوليائهم. وهناك مسألةٌ لم يتعرض لها المؤلف، وهي ما يتعلق بالرشيدة المُفلِسَةِ، فالعلماء يرون أنها لها أن تخالِعَ، وأن العوض يبقى في ذمَّتها تُتْبَع به إذا أَيْسَرَت.

стр. 6238

* قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ: "يُخَالِعُ الأَبُ عَلَى ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ كَمَا يُنْكِحُهَا") (١). فالإمام مالكٌ وكذلك الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه قد قاسَا مخالعةَ الأب ابنته الصغيرة على إنكاحه إيَّاها، فقالا: إنه يجوز له أن يخالعها كما يجوز له أن يُنكِحَها، وقد سَبَقَ في باب النكاح أن الأيِّمَ أحقّ بنفسها من وليِّها، وأن البِكر تُستَأمَر وأن إذنها صُماتُها، وذَكَرْنَا قصة المرأة التي اشتكت للرسول ﷺ أن أباها زَوَّجَها لابن أخيه كي يَرفَعَ بها خسيسَتَه، فَخَيَّرَها الرسول ﷺ في ذلك فرَضيَت به، وقالت: "أَرَدْتُ أن أُبَيِّنَ ما للنساء مِن حقوق". * قوله: (وَكَذَلِكَ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ يُطَلِّقُ عَلَيْهِ). وكذلك يرى الإمام مالكٌ والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه أن الأب له أن يُطلِّق على ابنه الصغير إذا رأى المصلحة في ذلك، وأن يخالِع عنه، وخالَفهم الجمهور في ذلك القول - وهم الأحناف والشافعية والرواية الأخرى عن أحمد - فقالوا: ليس له ذلك، واستدلُّوا على عدم الجواز بحديث: "الطلاق لمن أخذ بالساق" (٢)، وهو حديثٌ فيه كلامٌ ونقاشٌ (٣)،

стр. 6239

فقالوا: كيف يُطلِّق الأب وهو لم يأخذ بالساق؟ وإنما هذا يخص الابن، وهذه المسألة تحتاج إلى مزيد تفصيلٍ. * قوله: (وَالخِلَافُ فِي الابْنِ الصَّغِيرِ: قَالَ الشَّافِعِيّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: "لَا يَجُوزُ"، لِأَنَّهُ لَا يُطَلَّقُ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ). وهي الرواية الأقوى في مذهب أحمد كذلك، أن الأب لا يُطلِّق على ابنه الصغير. * قوله: (وَخُلْعُ المَرِيضَةِ يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ إِذَا كَانَ بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ مِنْهَا، وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ خُلْعُهَا بِالثُّلُثِ كُلِّهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: "لَوِ اخْتَلَعَتْ بِقَدْرِ مَهْرِ مِثْلِهَا جَازَ، وَكَانَ مِنْ رَأْسِ المَالِ، وَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مِنَ الثُّلُثِ"). فالعلماء على أن للمريضة مخالَعة زوجِها، ولكنهم يختلفون في التفصيل: فعند الشافعية: أنها تخالِعه في حدود مهر المثل. وعند المالكية والحنابلة: في حدود ما يرثه منها، أو دون ذلك. والرواية الأخرى عن المالكية: جواز الخُلع بالثلث كاملًا. * قوله: (وَأَمَّا المُهْمَلَةُ الَّتِي لَا وَصِيَّ لَهَا وَلَا أَبَ: فَقَالَ ابْنُ القَاسِمِ: يَجُوزُ خُلْعُهَا إِذَا كَانَ خُلْعَ مِثْلِهَا). فالمرأة المقطوعة التي لا وليَّ لها ولا أبَ يجوز خُلعُها إذا كان مماثلًا لخُلع مثيلاتها، فلا يجوز أن تُستَغَلَّ وتُستَضعَف لكونها مُهمَلَةً بأن يطالبها الزوج بعوضٍ أكثر من العِوض الذي تدفعه مثيلاتُها. * قوله: (وَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ خُلْعُ المَالِكَةِ لِنَفْسِهَا، وَشَذَّ الحَسَن، وَابْنُ سِيرِينَ فَقَالَا: "لَا يَجُوزُ الخُلْعُ إِلَّا بِإِذْنِ السُّلْطَانِ"). فالجمهور على أن الخُلع لا يحتاج إلى إذن السلطان، قياسًا على

стр. 6240

عقد النكاح وعقد البيع اللذين لا يحتاجان إلى إذن السلطان، والخُلع فيه معاوَضةٌ، فَأَشْبَهَ النكاحَ والبيعَ من هذا الجانب، وكذلك لأن الخُلعَ مبنيٌّ على التراضي بين الزوجين فَأشْبَهَ الإقالةَ في البيع، وأما الحسن البصري وابن سيرين فشَذَّا واشترَطَا إذنَ السلطان فيه. قال المصنف رحمه الله تعالى: (الفَصْلُ الثَّالِثُ فِي نَوْعِه وَأَمَّا نَوْعُ الخُلْعِ). فالفسخ يختلف عن الطلاق، والتفرقة بينهما مهمةٌ، وهذه المسألة تبحث في تحديد ما إذا كان الخُلع طلاقًا أم فسخًا. * قوله: (فَجُمْهُورُ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ طَلَاق، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢) سَوَّى بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالفَسْخِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): "هُوَ فَسْخٌ"، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ (٤)،

стр. 6241

وَدَاوُدُ (١) وَمِنَ الصَّحَابَةِ ابْنُ عَبَّاسٍ) (٢). فتفصيل أقوال العلماء في هذه المسألة كالتالي: القول الأول: أنه فَسْخٌ: وهو قول الشافعي وأحمد في روايةٍ، واحتجوا بقول ابن عباس في الصحيح: "الخلع تفريق وليس بطلاق". وهذا القول بالرغم من أنه ليس قول الأكثر، إلا أنه القول الأقوى استدلالًا، وهو ما أخَذَ به كثيرٌ من المحققين. القول الثاني: أنه طلاقٌ: وهو قول أكثر العلماء، ومنهم أبو حنيفة ومالك، ورواية الشافعي (٣)، ورواية عن أحمد (٤)، وقد أُثِرَ عن عثمان (٥)،

стр. 6242

وعلِيٍّ (١)، وابن مسعودٍ (٢)، لكن المأثور عنهم في ذلك لم يصحَّ (٣). وقد احتجَّ أصحاب القول الأول بما كان في عهد عثمان من مخالعة الربيع بن معوذ زَوْجَهَا، وإقرار عثمان هذه المخالَعَة، وأن عثمان قال حينئذٍ: "تعتدّ بحيضةٍ"، أو: "تَستَبرِئَ بحيضةٍ" (٤)، فاحتجوا بأنه لو كان طلاقًا ما كان لها أن تستبرئ بحيضةٍ، وإنما كان عليها أن تعتَدَّ العدة المعروفة في الطلاق، وأن قوله هذا دليلٌ على أنَّ الخُلعَ فَسْخٌ وليس بطلاقٍ. وهناك خلافٌ معروفٌ في المسألة فيما إذا كانت المختلعة تعتدّ بحيضةٍ أو تعتدّ كالمطَلَّقة. * قوله: (وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ كنَايَةٌ (٥)، فَإِنْ أَرَادَ بِهِ الطَّلَاقَ كانَ طَلَاقًا، وَإِلَّا كانَ فَسْخًا). وهذا القول عند الحنابلة (٦) أيضًا، بحيث إنه لو نوى الطلاق كان طلاقًا، ولو لم ينوِ كان فَسْخًا. * قوله: (وَقَدْ قِيلَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ الجَدِيدِ: إِنَّهُ طَلَاقٌ).

стр. 6243

فالإمام الشافعيّ وردَ عنه قولان في المسألة - كما بَيَّنَّا - كالإمام أحمد، أحدهما بأنه طلاقٌ، والآخر بأنه فَسْخٌ. * قوله: (وَفَائِدَةُ الفَرْقِ: هَلْ يُعْتَدُّ بِهِ فِي التَّطْلِيقَاتِ أَمْ لَا؟). فبعض العلماء (١) بنى ذلك بأن الخُلع تكتفي المرأة فيه بأن تعتد بحيضةٍ كما أفتى بذلك عثمان، بخلاف عدة الطلاق المعروفة التي تحتاج المرأة فيها إلى الاعتداد ثلاثة قروء. * قوله: (وَجُمْهُورُ مَنْ رَأَى أَنَّهُ طَلَاقٌ يَجْعَلُهُ بَائِنًا، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلزَّوْجِ فِي العِدَّةِ مِنْهُ الرَّجْعَةُ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لافْتِدَائِهَا مَعْنًى). فأكثر مَن يقولون بأنه طلاقٌ يذهبون إلى أنه طلاقٌ بائنٌ لا رجعة فيه، وخالَفَ في ذلك الحسن البصري والزهري. * قوله: (وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: "إِنْ لَمْ يَكُنْ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ، وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ، كَانَ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ") (٢). لأن أبا ثورٍ يرى الخُلع طلاقًا بائنًا. * قوله: (وَاحْتَجَّ مَنْ جَعَلَهُ طَلَاقًا بِأَنَّ الفُسُوخَ إِنَّمَا هِيَ الَّتِي تَقْتَضِي الفُرْقَةَ الغَالِبَةَ لِلزَّوْجِ فِي الفِرَاقِ مِمَّا لَيْسَ يَرْجِعُ إِلَى اخْتِيَارِهِ، وَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى الاخْتِيَارِ، فَلَيْسَ بِفَسْخٍ). والمراد بالغالبة للزوج، أي: التي تكون قهريةً غير راجعةٍ إلى اختيار الزوج، وإنما يُضطَرُّ إليها. فجمهور العلماء حينما قالوا بأن الخُلع طلاقٌ لا فسخٌ إنما علَّلوا

стр. 6244

ذلك بأن الفسخ إنما يكون قهريًّا للزوج، كأن يتزوج امرأةً ثم يتبين أنها أخته من الرضاع أو ذات مَحرَمٍ له، أو كأن يُعسِر بالنفقة، أو يَظهر فيه عيبٌ من عيوب النكاح كالبرص والجذام والعنة، فهذه الحالات تستلزم الفسخ بحيث لا يكون للزوج اختيارٌ فيه، وأما الخُلع فإنه يكون باختيار الزوج ورضاه، فعلى هذا فإن الجمهور يرى أن الخُلع طلاقٌ وليس فسخًا. * قوله: (وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يَرَهُ طَلَاقًا بِأَنَّ اللَّهَ ﵎ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ الطَّلَاقَ، فَقَالَ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ثُمَّ ذَكَرَ الافْتِدَاءَ، ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فَلَوْ كَانَ الافْتِدَاءُ طَلَاقًا، لَكَانَ الطَّلَاقُ الَّذِي لَا تَحِلُّ لَهُ فِيهِ إِلَّا بَعْدَ زَوْجٍ هُوَ الطَّلَاقُ الرَّابعُ). أما الفريق الآخر فقد استدلّوا على أن الخُلع فسخٌ وليس بطلاقٍ بأن الله تعالى قد جَمَعَ بين الطلاق والافتداء في موضعٍ واحدٍ في كتابه الكريم، فقال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ [البقرة: ٢٢٩]، والافتداء إنما هو الخُلع، وما دام اللّهُ قد ذَكَرَه بعد أن ذَكَرَ طلقتين فإن القائلين بأن الخُلع طلاقٌ كأنهم يقولون بوجود طلقةٍ رابعة، لأن الله تعالى قال في الآية التي تليها: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، والقول بوجود طلقةٍ رابعةٍ لم يَقُل به أحدٌ من أهل العلم، وهذا الربط بين الآيتين هو ما احتجَّ به ابن عباس ﵄. ثمَّ إن القائلين بأن الخُلع فسخٌ احتجوا كذلك بعدم صحة ما وردَ من آتارٍ تخالف المأثور عن ابن عباسٍ، فيبقى احتجاج ابن عباسٍ هو الحجة، والدليل الواضح في المسألة.

стр. 6245

* قوله: (وَعِنْدَ هَؤُلَاءِ أَنَّ الفُسُوخَ تَقَعُ بِالتَّرَاضِي، قِيَاسًا عَلَى فُسُوخِ البَيْعِ، أَعْنِي: الإِقَالَةَ، وَعِنْدَ المُخَالِفِ أَنَّ الآيَةَ إِنَّمَا تَضَمَّنَتْ حُكْمَ الاقْتِدَاءِ عَلَى أَنَّهُ شَيْءٌ يَلْحَقُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الطَّلَاقِ لَا أَنَّهُ شَيْءٌ غَيْرُ الطَّلاقِ). والمراد بالإقالة: هو اختلاف المتبايعين على شيءٍ وتراضيهما على فسْخ البيع، لقول الرسول ﷺ : "البيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا" (١). فالقائلون بأن الخُلع فسخ قاسوا ذلك على الإقالة في البيع. والجمهور بنى قوله بأن الفسخ طلاقٌ على أن الآية أورَدَت الافتداء ضِمْنَ أنواع الطلاق، مما يعني أنه يلحق بأنواع الطلاق لا أنه نوعٌ مستقلٌّ عنها. ولا شكَّ أن حجة مَن خالَفَ الجمهورَ أقوى من حجة الجمهور في هذه المسألة، وهو ما نذهب إليه، وكذلك ذهب إليه المحققون من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهم. * قوله: (فَسَبَبُ الخِلَافِ: هَلِ اقْتِرَانُ العِوَضِ بِهَذِهِ الفُرْقَةِ يُخْرِجُهَا مِنْ نَوْعِ فُرْقَةِ الطَّلَاقِ إِلَى نَوْعِ فُرْقَةِ الفَسْخِ أَمْ لَيْسَ يُخْرِجُهَا؟). فإنه لو تلفظ بالطلاق صار طلاقًا؛ لقول الرسول ﷺ : "ثلات جدهن جدٌّ وهزلهن جدٌّ: النكاح والطلاق والرجعة"، وفي روايةٍ: "والعتاق"، أما هنا فإن الذي حَصلَ إنما هو الخُلع، وقال بعض العلماء: إن الزوج لو نوى الطلاق فإن مخالعته تقع طلاقًا. وكلام المؤلف هاهنا إنما يختص بما إذا كان الزوجُ يقصد الخُلع لا الطلاق، بحيث دَفَعَت له زوجته ما أعطاها إيَّاه أو تراضَيا على دون ذلك

стр. 6246

من الأعواض أو غير ذلك، فإن القائلين بأنه فسخٌ قالوا بأن وجود العِوض يُخرِج هذه الفُرقة ويُخَصِّصَها بأنها نوعٌ من أنواع الفسوخ. ولذلك سيأتي الكلام على أن للمخالع أن يتزوج مخالعته في أثناء العدة دون غيره؛ لأنها محبوسةٌ له هاهنا في أثناء عدتها. قال المصنف ﵀: (الفَصْلُ الرَّابِعُ فِيمَا يَلْحَقُهُ مِنَ الأَحْكَامِ وَأَمَّا لَوَاحِقُه، فَفُرُوعٌ كَتِيرَةٌ، لَكِنْ نَذْكُرُ مِنْهَا مَا شُهِرَ). فالمؤلف هاهنا - كما ذكرنا - لا يستقصي جميع المسائل، فهناك مسائل كثيرةٌ في الباب، منها - على سبيل المثال - ما إذا قالت الزوجة لزوجها: (خالِعْني على دينارٍ)، أو: (طلِّقْني بكذا)، أو: (خالِعْني بكذا)، ثم تبيَّنَ عيبٌ، أو ما لو خالَعَتْه الزوجةُ بما لا يجوز، وغير ذلك من المسائل الكثيرة، لكن الميزة التي يقوم بها هذا الكتاب هو أنه يضبط أصول المسائل، بحيث يُمكن لطالب العلم حينئذٍ أن يُلحِقَ بها الفروعَ ويضبطَها عن طريق ما انضبَطَ من الأصول. * قوله: (فَمِنْهَا: هَلْ يَرْتَدِفُ عَلَى المُخْتَلِعَةِ طَلَاقٌ أَمْ لَا؟). والمراد بقوله (يرتدف)، أي: يُتبع، بمعنى: أن يُتبع الخُلعَ بطلاقٍ. * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (١): "لَا يَرْتَدِفُ (٢) إِلَّا إِنْ كَانَ الكَلَامُ

стр. 6247

مُتَّصِلًا". وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): "لَا يَرْتَدِفُ وإِنْ كَانَ الكَلَامُ مُتَّصِلًا". وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): "يَرْتَدِفُ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الفَوْرِ وَالتَّرَاخِي"). وإجمال القول في هذه المسألة قولان: القول الأول: قول جمهور أهل العلم: بعدم جواز الارتداف، وبه قال مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ (٣)، أما قضية اتصال الكلام وعدم اتصاله فهو تفصيلٌ آخر في هذا القول، فالشافعي وأحمد مَنَعَا الارتدافَ مُطْلَقًا، ومالكٌ جَعَلَ جوازَه موقوفًا على اتصال الكلام. القول الثاني: قول أبي حنيفة: بأن له الارتدافَ مُطلَقًا دون قَيْدٍ. * قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ: أَنَّ العِدَّةَ عِنْدَ الفَرِيقِ الأَوَّلِ مِنْ أَحْكَامِ الطَّلَاقِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ، وَلذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ أَنْ يَنْكِحَ مَعَ المَبْتُوتَةِ أُخْتَهَا، فَمَنْ رَآهَا مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ، ارْتَدَفَ الطَّلَاقُ عِنْدَه، وَمَنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ لَمْ يَرْتَدِفْ). ومذهب الجمهور أقوى في هذه المسألة دون شكٍّ وأقرَب في نظري للحق. * قوله: (وَمِنْهَا: أَنَّ جُمْهُورَ العُلَمَاءِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا رَجْعَةَ لِلزَّوْجِ عَلَى المُخْتَلِعَةِ فِي العِدَّةِ).

стр. 6248

فجمهور العلماء على أنه ليس للزوج مراجعة المختلعة منه في عدتها. وهناك خلافٌ - كما ذكرنا - بين أهل العلم في عدة المختلعة، فمنهم مَن يرى أن المختلعة تعتدّ بحيضةٍ، وأن هذه الحيضة يُقصَد بها التيقن من براءة الرحم ليس إلا، كما أُثِر عن عثمان في قصة الربيع بنت معوّذ، بخلاف عدة المطلقة التي اتفق أهل العلم على أنها ثلاثة قروء، واتفقوا على أن القصد من جَعْلِها ثلاثة قروء هو أن يتسنى للزوج التروِّي ومراجعة نفسه في قرار الطلاق، كما قال تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]. ولذا فإن جمهور العلماء - ومنهم الأئمة الأربعة - قد أتفقوا على أن الزوج ليس له أن يراجع المختلعة أثناء العدة (١)؛ لأن هذا يناقض مقصود الخُلع، فإن الزوجة أرإدت الخلاص من زوجها، وانتهى الأمر، فإن قلنا بالرجعة نكون قد ضيَّعْنا الغاية من الخُلع. ولم يخالف في ذلك إلا الإمامان الزهري والحسن البصري، فقالا

стр. 6249

بجواز الرجعة في العدة بعد الخُلع، وقد اعتَبَرَ العلماءُ أن لهما مأخَذًا دقيقًا في قولهما ذلك، وقال المؤلف: (وله وجهٌ من الفقه)؛ وهذا لأن دارس الفقه يتعمق في المسألة ولا يَحكُمُ بظاهرها، فالزهري والحسن البصري استندا في قولهما هذا إلى أن المختلعة ما دامت في العدة فإنها محبوسةٌ لزوجها وليس لغيره أن يتؤوجها قبل انقضائها، لكنه قولٌ ضعيفٌ، والجمهور يخالفهما في ذلك وَيرَوْنَ أن للزوج أن يتزوجها في العدة برضاها فقط لا على الإطلاق. * قوله: (إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وَابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُمَا قَالَا: "إِنْ رَدَّ لَهَا مَا أَخَذَ مِنْهَا فِي العِدَّةِ، أَشْهَدَ عَلَى رَجْعَتِهَا") (١). وهاهنا تجدر الإشارةُ إلى أن الإمام سعيد بن المُسَيِّب ﵀ كان لا يَرضَى أن يقال عنه: (ابن المسَيِّب)، بل إنه كان يقولَ: "مَن سَيَّبَني سَيَّبَه اللّهُ" (٢)، فالأَوْلَى والأَجْدَرُ أن نحقق له مراده ونسميه باسمه الذي يرضاه، وهو (ابن المُسَيِّبِ) بصيغة اسم الفاعل لا اسم المفعول. * قوله: (وَالفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ أَوْ لَا يَكُونَ). وهذا أيضًا واردٌ؛ لأنه يُفَرِّقُ بين أن يكون الخُلع بلفظ الطلاق أو بغيره. * قوله: (وَمِنْهَا: أَنَّ الجُمْهُورَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِرِضَاهَا فِي عِدَّتِهَا).

стр. 6250

لأنها إنما تعتد من الزوج، وهذه العدة إنما وُضِعَت لبراءة الرحم، فالزوجة في هذه المدة محظورةٌ عن غيره لا عنه. * قوله: (وَقَالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُتَأَخِّرِينَ: "لَا يَتَزَوَّجُهَا هُوَ وَلَا غَيْر فِي العِدَّةِ"). فهذا قولٌ آخر في المسألة، أنها في العدة تكون محبوسةً عن الزوج وعن غيره. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ المَنْعُ مِنَ النِّكَاحِ فِي العِدَّةِ عِبَادَةٌ، أَوْ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ بَلْ مُعَلَّلٌ؟). بمعنى: أن هذا المنع من النكاح أثناء العدة، هل هو عبادةٌ توقيفيةٌ غير معقولة المعنى وليس لنا أن نبحث عن علتها؟ أم أنه شيءٌ: معلَّلٌ معقولٌ معناه والغاية منه؟ وهي مسألة محلّ خلافٍ بين أهل العلم، والخلاف فيها دائرٌ بين أبي حنيفة من جانبٍ وجمهور أهل العلم من جانبٍ آخر. ومن عادة المؤلِّف أن يُورِدَ هذه المسألةَ، كما كان أَوْرَدَهَا في باب الوضوء والصلاة والصيام والحَجِّ، فالوضوء على سبيل المثال أَوْرَدَ فيه المؤلف مسألة ما إذا كان الوضوء عبادةً معلَّلَةً يُقصَد بها النظافة والطهارة، أم أنه عبادةٌ توقيفية ليس لنا البحث عن علتها ومعناها. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي عِدَّةِ المُخْتَلِعَةِ، وَسَيَأْتِي بَعْدُ). وسيأتي الكلام عن ذلك. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ فِي مِقْدَارِ العَدَدِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الخُلْع، فَقَالَ مَالِكٌ (١): "القَوْلُ قَوْلُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ

стр. 6251

بَيِّنَة". وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): "يَتَحَالَفَانِ، وَيَكُونُ عَلَيْهَا مَهْرُ المِثْلِ"، شَبَّهَ الشَّافِعِيُّ اخْتِلَافَهُمَا بِاخْتِلَافِ المُتَبَايِعَيْنِ. وَقَالَ مَالِكٌ: "هِيَ مُدَّعًى عَلَيْهَا، وَهُوَ مُدَّعٍ"). فالمالكية ومعهم أكثر العلماء (٢): ذهبوا إلى أن القول قول الزوج إذا عُدِمَت البينة. والشافعية: ذهبوا إلى أنهما يتحالفان، وأن على المرأة رد مهر المثل. والرجوع إلى مهر المثل هو عادة الإمام الشافعي في مثل هذه المسائل؛ رفعًا للخلاف، ولأنه هو الأصل في مسائل النكاح. أما المالكية فمِن عادتهم قياس النكاح على البيع، وخالفَهم الجمهور في كثيرٍ من هذه المسائل. * قوله: (وَمَسَائِلُ هَذَا البَابِ كَثِيرَةٌ، وَلَيْسَ مِمَّا يَلِيقُ بِقَصْدِنَا). ومراد المؤلف هاهنا أنه ليس المقصود من دراسة مسائل الخُلع استيعاب مسائله واستقصاء جزئياته، وإنما الأخذ بما جاء به النَّصُّ. فهذه قاعدةٌ وضَعَها المؤلف لهذا الكتاب، فالتَزَمَ بها أحيانًا، ولكنه في أحيانٍ أخرى قد يستدعي المقام إيراد جملةٍ من الفروع كي يتضح بها الأصل؛ لأن الوصول إلى القواعد الفقهية يحتاج كذلك إلى ضرب الأمثلة وذِكْرِ شيءٍ من الفروع لكي يتمكن الدارس من رَبْطِ هذه الفروع بأبواب الفقه، وكذلك لكي يتمكن من تخريج الفروع على الأصول.

стр. 6252

قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (البَابُ الرَّابعُ فِي تَمْيِيزِ الطَّلَاقِ مِنَ الفَسْخِ وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ (١) ﵀ فِي الفَرْقِ بَيْنَ الفَسْخِ الَّذِي لَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي التَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ، وَبَيْنَ الطَّلَاقِ الَّذِي يُعْتَدُّ بِهِ فِي الثَّلَاثِ إِلَى قَوْلَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّ النِّكَاحَ إِنْ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ خَارجٌ عَنْ مَذْهَبِهِ - أَعْنِي: فِي جَوَازِهِ - وَكَانَ الخِلَافُ مَشْهُورًا، فَالفُرْقَةُ عِنْدَهُ فِيهِ لِكَلَامِهِ). ومعنى قوله: (الفسخ الذي لا يُعتَدُّ به في التطليقات الثلاث): أن هناك من الفسخ ما هو طلاقٌ. وقوله: (إن كان فيه خلافٌ خارجٌ عن مذهبه)، فيه إشارةٌ طيبةٌ من المؤلف إلى أن العلماء يعتبرون بالخلاف المعتَبَر عند غيرهم من الأئمة، ولذلك فإن المالكية إذا وقعَ خلاف خارج مذهبهم يكون خلافًا معتَبَرًا مؤثرًا عندهم في ما يتعلق بالمسألة من أحكامٍ، هذا إذا كان الخلاف مشهورًا مُعتَبَرًا، أما الخلاف الشاذ فلا ريب في عدم الاعتبار به ولا الوقوف عنده كما هو الحال في ما يَرِدُ أحيانًا عن ابن علية أو الأصم ونحوهم، وكذلك

стр. 6253

الخلاف الذي حُكِيَ عن بكر المزني في عدم جواز الخُلع، فهذه من الأقوال المردودة غير المعتَبَرَة. * قوله: (مِثْلَ الحُكْمِ بِتَزْوِيجِ المَرْأَةِ نَفْسَهَا وَالمُحْرِمِ، فَهَذهِ عَلَى هَذه الرِّوَايَةِ هِيَ طَلَاقٌ لَا فَسْخٌ). فالحكم بتزويج المرأة نفسها هو مثالٌ للخلاف خارج المذهب؛ لأن المالكية ومعهم جمهور أهل العلم يذهبون إلى عدم جواز تزويج المرأة نفسها دون وليٍّ، والأحناف يخالفون في هذه المسألة ويقولون بالجواز، فهو خلاف خارج مذهب المالكية (١). وأما نكاح المُحرِم حالَ إحرامه فإن جمهور العلماء كذلك يرون عدم الجواز، ويذهبون إلى وَجوب فَسْخ النكاح حينئذٍ، بخلاف الحنفية فإنهم ذهبوا إلى جواز ذلك. ومسألة نكاح المُحرِمِ لا يُقصَد بها الوطءُ؛ لأن الوطء يُفسِدُ الإحرام، ولكن المقصود هاهنا إنما هو جواز العقد والخِطبة وعدم جوازهما. * قوله: (وَالقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الاعْتِبَارَ فِي ذَلِكَ هُوَ بِالسَّبَبِ المُوجِبِ لِلتَّفَرُّقِ، فَإِنْ كانَ غَيْرَ رَاجِعٍ إِلَى الزَّوْجَيْنِ مِمَّا لَوْ أَرَادَ الإِقَامَةَ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ مَعَهُ لَمْ يَصِحَّ، كَانَ فَسْخًا مِثْلَ نِكَاحِ المُحَرَّمَةِ بِالرَّضَاعِ أَوِ النِّكَاحِ فِي العِدَّةِ، وَإِنْ كَان مِمَّا لَهُمَا أَنْ يُقِيمَا عَلَيْهِ مِثْلَ الرَّدِّ بِالعَيْبِ كانَ طَلَاقًا). فالسبب الذي يوجب التفرق قسمان: الأول: أن تكون الفُرقة لأمرٍ خارجٍ عن إرادة الزوجين، وفي هذه الحالة تكون فَسْخًا، كما لو تبَيَّنَ أن زَوْجَهَا واحد من مَحارِمِها، كأن يكون

стр. 6254

أخاها من الرضاع، لقول الرسول ﷺ : "تُحَرِّمُ الولادةُ ما يُحَرِّمُ النَّسَبُ" (١)، وقوله: "يَحرُمُ من الرضاعة ما يَحرُم من النَّسَب" (٢)، أو أن يكون الزوج قد نَكَحَهَا في عدة زوجٍ آخر، لعدم جواز ذلك عند جمهور أهل العلم، ولأن العدة التي أمَرَ اللّهُ بها النساءَ إنما هي حقٌّ للزوج، كما أن الغاية منها هي براءة الرحم. الثاني: أن تكون الفُرقة لأمرٍ راجعٍ إلى الإرادة والاختيار، كوجود عيبٍ في أحد الزوجين أو إعسار الزوج بالنفقة، فالفُرقة في هذه الحالة تكون طلاقًا لا فَسخًا؛ لأن الفَسخِ حينئذٍ يكون اختيارًا لا إلزامًا، فمَن أُخفِيَ عليه عيبٌ من العيوب ثم بان له فإن له أن يَفسَخَ النكاحَ، وله كذلك أن يرضى ويُقِيمَ عليه. قال المصنف رحمه الله تعالى: (البَابُ الخَامِسُ فِي التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ وَمِمَّا يُعَدُّ مِنْ أَنْوَاعِ الطَّلَاقِ مِمَّا يُرَى أَنَّ لَهُ أَحْكَامًا خَاصَّةً: التَّمْلِيكُ وَالتَّخْيِيرُ). اتَّسَمَ تناوُلُ المؤلفِ لهذا الباب بشيءٍ من الإجمال، بل إنه في تناوُلهِ له قد جَمَعَ شيئًا من المسائل، فأَدخَلَ بعضها في بعضٍ، كما أن هناك من الأقوال والمذاهب ما يلتقي في أمرٍ ويختلف في أمرٍ آخر، ولكن المؤلف

стр. 6255

أجمَلَهَا دون تفصيلٍ، مما قد يُشَوِّشُ على الدارس، ولذا فإننا سنقرأ هذا الباب بتمهُّلٍ ونُبَيِّنُه شيئًا فشيئًا. أما الطلاق فإنه حقٌّ من حقوق الزوج، قد جعله الله بيده لا بيد الزوجة، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [لأحزاب: ٤٩]، وهذا الحق للزوج أن يوقعه بنفسه أو يوكل فيه غيره، بل إن له أن يوكل في الطلاق أكثر من شخصٍ، بحيث لو أوقع أحد الوكيلين طلقةً وأوقع الوكيل الآخر ثلاث طلقاتٍ اعتبَرْنا بالأقل كما نَصَّ الفقهاء على ذلك، كما أن للزوج أن يُفَوِّضَ زوجته في طلاق نفسها كما هو الحال بالنسبة للتخيير أو التمليك. فهذا الباب يتناول ما إذا كان للمرأة أن تُطَلِّقَ نفسها أم لا، كما يتناول الصفة التي يحصل بها الطلاق حينئذٍ. * قوله: (وَالتَّمْلِيكُ عَنْ مَالِكٍ فِي المَشْهُورِ غَيْرُ التَّخْيِيرِ (١)، وَذَلِكَ أَنَّ التَّمْلِيكَ هُوَ عِنْدَهُ تَمْلِيكُ المَرْأَةِ إِيقَاعَ الطَّلَاقِ). فالتمليك: هو أن يقول لزوجته: (مَلَّكتُكِ نفسَكِ، أو: أمرُكِ بيدكِ، أو: تركتُ أمْرَكِ لكِ)، فهذه ألفاظٌ ليست صريحةً في الطلاق، وإنما تعني أنه فَوَّضَها. وأما التخيير: فهو أن يقول لزوجته: (اختاري لنفسكِ). وأحمد (٢) يوافق مالكًا في التفريق بين التمليك والتخيير،

стр. 6256

ويوافق أبا حنيفة (١) والشافعي فيما يتعلق بالحُكم. فعند المالكية أنه إذا مَلَّكَهَا أمْرَها فكأنه مَلَّكَها الطلاقَ، أو أن ذلك توكيل كما يرى الحنابلة، ويُفَرِّقُ مالكٌ كذلك بين التخيير المقيَّد والمُطْلَق (٢). * قوله: (فَهُوَ يَحْتَمِلُ الوَاحِدَةَ فَمَا فَوْقَهَا، وَلذَلِكَ لَهُ أَنْ يُنَاكِرَهَا عِنْدَهُ فِيمَا فَوْقَ الوَاحِدَةِ). وما دام يحتمل الواحدة فما فوقها فيجب الرجوع حينئذٍ إلى نيته، وإلا وجب الوقوف عند واحدةٍ عند المالكية. فلو طَلَّقَت الزوجةُ أكثر من طلقةٍ له حينئذٍ أن يُنكِرَ عليها وَيرُدَّ قولَها. * قوله: (وَالخِيَارُ بِخِلَافِ ذَلِكَ؟ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي القَاعَ طَلَاقٍ تَنْقَطِعُ مَعَهُ العِصمَةُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ تَخْيِيرًا مُقَيَّدًا، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَهَا: اخْتَارِي نَفْسَكِ أَوِ اخْتَارِي تَطْلِيقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ، فَفِي الخِيَارِ المُطْلَقِ عِنْدَ مَالِكٍ لَيْسَ لَهَا إِلَّا أَنْ تَخْتَارَ زَوْجَهَا أَوْ تَبِينَ مِنْهُ بِالثَّلَاثِ، وَإِنِ اخْتَارَتْ وَاحِدَةً، لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ) (٣). فالتخيير - كما ذَكَرْنَا - هو أن يقول لها: (اختاري نفسَكِ، أو:

стр. 6257

اختاري زَوْجَكِ)، وهذا يعني أنها بين أمرين، إما أن تختار زَوْجَها فتبقى معه، وإما أن تختار فراقه. وعند المالكية (١): أنها إذا اختارت فراقه فإنه يقع ثلاثًا، فقالوا: إنه لو وقع طلقة واحدة لكان التخيير لا معنى له؛ لأن لزوجها في هذه الحالة مراجعتها، مما ينتفى معه المقصود من التخيير، ولكن المناسب للتخيير أن يكون الفراق طلاقًا بائنًا تنقطع معه العصمة، بحيث لا تحل له بعدها حتى تنكح زوجًا غيره. والأئمة الثلاثة يخالفون المالكية في هذا الحُكم، ولهم في هذه المسألة قولان، قولٌ للشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، مقابل قولٍ آخر للأحناف (٤). والتخيير المقيَّد: هو أن يقول لها: (اختاري نفسَكِ بطلقةٍ واحدةٍ، أوْ بطلقتين)، بحيث يقيِّد التخيير بحَدٍّ لا يجوز للزوجة تَجَاوُزُه، بخلاف ما مضى من التخيير المُسَمَّى بالتخييرَ المُطْلَقِ والذي يقع بائنًا عند المالكية. فجملة قول المالكية في التخيير: أنه إن كان تخييرًا مُطلَقًا، فإن اختيار الفراق حينئذٍ يقع بائنًا بحيث تنقطع معه العصمة، وأما إن كان

стр. 6258

تخييرًا مقيَّدًا فإنه يكون في حدود القيد الذي وضعه الزوج لزوجته فيه. قوله: (وَالمُمَلَّكَةُ لَا يَبْطُلُ تَمْلِيكُهَا عِنْدَهُ إِنْ لَمْ تُوقِعِ الطَّلَاقَ حَتَّى يَطُولَ الأَمْرُ بِهَا عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، أَوْ يَتَفَرَّقَا مِنَ المَجْلِسِ) (١). فهذه هي الرواية الأولى عن مالكٍ، والتي يلتقي فيها مع الأحناف (٢) والشافعية (٣)، وهي أن التمليك ينتهي بنهاية المجلس. قوله: (وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يَبْقَى لَهَا التَّمْلِيكُ إِلَى أَنْ تَرُدَّ أَوْ تُطَلِّقَ) (٤). وهذه الرواية هي الثانية عن مالكٍ يلتقي فيها مع الحنابلة، بحيث

стр. 6259

يرون أن التمليك يستمر إلى الأبد حتى ترد الزوجة ذلك التمليك على الزوج (١). ويستدلُّون على هذا القول بما أُثِرَ عن عليٍّ ﵁ في رجلٍ قال لامرأته: (أمرُكِ بيدكِ)، بأنها تكون على هذا التمليك حتى تردَّه عليه (٢). أما في التخيير: فالحنابلة يوافقون الأحناف والشافعية في أنه على الفور سواء كان في المجلس أو غيره. قوله: (وَالفَرْقُ عِنْدَ مَالِكٍ (٣) بَيْنَ التَّمْلِيكِ وَتَوْكِيلِهِ إِيَّاهَا عَلَى تَطْلِيقِ نَفْسِهَا: أَنَّ فِي التَّوْكيلِ لَهُ أَنْ يَعْزِلَهَا قَبْلَ أَنْ تُطَلِّقَ، وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فِي التَّمْلِيكِ). والحنابلة (٤) يخالفون المالكية هاهنا في أنهم يذهبون إلى أن للزوج أن يُلغِيَ التمليكَ كما هو الحال في التوكيل. قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٥): "اخْتَارِي وَأَمْرُكِ بِيَدِكِ سَوَاءٌ"). فعند الأحناف والشافعية لا فرق بين التمليك والتخيير في أنهما على الفور وأنهما يكونان في المجلس.

стр. 6260

ثم يتَّفق الشافعية (١) والحنابلة في أن الطلاق واحدةٌ رجعيةٌ، أما عند الأحناف فإنه يقع واحدةً بائنةً. قوله: (وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ طَلَاقًا إِلَّا أَنْ يَنْوِيَه، وَإِنْ نَوَاهُ فَهُوَ مَا أَرَادَ إِنْ وَاحِدَةً فَوَاحِدَة، وَإِنْ ثَلَاثًا فَثَلَاث) (٢). وهاهنا يلتقي الشافعية والحنابلة في أن عدد الطلاق يخضع لنية الزوج، بحيث إن نوى واحدةً فواحدةٌ، وإن نوى ثلاثًا فثلاثٌ. ولكنهم يختلفون في التفريق بين التمليك والتخيير، بحيث لا يرى الشافعية فرقًا بينهما في أن كلًّا منهما على الفور، بخلاف الحنابلة الذين يرون أحدهما على الفور والآخر يمتدّ إلى الأبد، وبخلاف أهل الظاهر الذين يرون أن التمليك والتخيير لا يقع بهما شيءٌ من الطلاق. فهناك إِذَنْ أقوالٌ متعدِّدةٌ في هذه المسألة، وفروقٌ دقيقةٌ تحتاج للتأمل عند عرض الأقوال، كما أن ما أُثِرَ عن الصحابة فيها إنما هي أقوالٌ متعددةٌ مختلفة أيضًا. قوله: (فَلَهُ عِنْدَهُ أَنْ يُنَاكِرَهَا فِي الطَّلَاقِ نَفْسِهِ، وَفِي العَدَدِ فِي الخِيَارِ أَوِ التَّمْلِيكِ، وَهِيَ عِنْدَهُ إِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا رَجْعِيَّةٌ، وَكذَلِكَ هِيَ عِنْدَ مَالِكٍ فِي التَّمْلِيكِ) (٣). يعني: عند الشافعية إن طَلَّقَت الزوجةُ نفسَهَا فإنها تكون طلقةً رجعيةً.

стр. 6261

بحيث يلتقي الشافعية والأحناف (١)، والحنابلة في التمليك، لكن - كما ذَكَرْنَا - فإنَّ الأحنافَ يَرَونها طلقةً بائنةً كما أُثِرَ عن عليٍّ ﵁. قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: "الخِيَارُ لَيْسَ بِطَلَاقٍ، فَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا فِي التَّمْلِيكِ وَاحِدَةً، فَهِيَ بَائِنَةٌ") (٢). وهذا أحد القولين عن أبي حنيفة، أما القول الآخر: فيتَّفق فيه مع الشافعي، فالأحناف يخالفون الجمهور في أنهم يرونها طلقةً واحدةً بائنةً لا رجعة فيها. قوله: (وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: "الخِيَارُ وَالتَّمْلِيكُ وَاحِدٌ، لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا") (٣). كما هو مذهب الشافعي الذي أوردناه في هذه المسألة. قوله: (وَقَدْ قِيلَ: القَوْلُ قَوْلُهَا فِي أَعْدَادِ الطَّلَاقِ فِي التَّمْلِيكِ، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مُنَاكَرَتُهَا). وهذه المسألة محلّ خلافٍ، فعند التمليك إذا طَلَّقَت المرأةُ وقع العدد الذي طَلَّقَتْ به، لكن إذا اختلف الزوجان في عدد الطلقات، بحيث

стр. 6262

طَلَّقَت الزوجةُ أكثر من طلقةٍ، وقال الزوج: (إنما مَلَّكْتُها طلقةً واحدةً فقط)، فأكثر العلماء على أن القول قول الزوج حينئذٍ. قوله: (وَهَذَا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ المُسَيِّبِ، وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيّ، وَعَطَاءٌ) (١). مرويٌّ عن عليٍّ وابن المسيِّب، وعن الحسن (٢) أيضًا. قوله: (وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ فِي التَّمْلِيكِ إِلَّا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً، وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعُمَرَ (٣) ﵄). فالأقوال في هذا متعددةٌ - كما ذكرْنا - حتى عن الصحابة أنفسهم ﵃، ولذا فإن أهل الظاهر - كما ذكرْنا - ذهبوا إلى عدم وقوع الطلاق بالتمليك والتخيير، ووافقهم في ذلك بعض المحققين من أهل العلم، بل حُكِيَ ذلك أيضًا عن بعض الصحابة ﵃ عند النقاش في الآية التي أمر اللّهُ فيها نبيَّه أن يُخيِّرَ زوجاته بين البقاء معه وبين أن يُسَرِّحهن سراحًا جميلًا. قوله: (رُوِيَ أَنَّهُ جَاءَ ابْنَ مَسْعُودٍ رَجُلٌ، فَقَالَ: كانَ بَيْنِي وَبَيْنَ امْرَأَتِي بَعْضُ مَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ). أي: كان بينهما خلافٌ كما يقع بين الأزواج.

стр. 6263

قوله: (فَقَالَتْ: لَوْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِكَ مِنْ أَمْرِي بِيَدِي لَعَلِمْتُ كيْفَ أَصْنَعُ. قَالَ: فَإِنَّ الَّذِي بِيَدِي مِنْ أَمْرِكِ بِيَدِكِ، قَالَتْ: فَأَنْتَ طَالِقٌ ثَلَاثًا). وهذا يدلنا على الحكمة التي من أجلها جَعَلَ الله الطلاق بيد الرجل، فهذه المرأة بمجرد ما مَلَكَت الفرصةَ بادَرَت إلى إيقاع الطلاق دون تفكيرٍ وترَوٍّ، بالرغم من أنها ستكون هي الخاسرة في هذا القرار، ولذا فإن الله جعل الطلاق بيد الرجل؛ لِمَا له من الحكمة والتفكير والتروِّي في الأمور، بخلاف النساء اللاتي جاء في الحديث أنهن ناقصات عقلٍ ودِينٍ، فليس لهن من الحكمة ما يكون للرجل. قوله: (قَالَ: أُرَاهَا وَاحِدَةً، وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهَا مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهَا، وَسَأَلقَى أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ، ثُمَّ لَقِيَهُ فَقَصَّ عَلَيْهِ القِصَّةَ، فَقَالَ: صَنَعَ اللَّهُ بِالرِّجَالِ وَفَعَلَ، يَعْمِدُونَ إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي أَيْدِيهِمْ فَيَجْعَلُونَهُ بِأَيْدِي النِّسَاءِ، بِفِيهَا التُّرَاب، مَاذَا قُلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قُلْتُ: أَرَاهَا وَاحِدَةً، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا. قَالَ: وَأَنَا أَرَى ذَلِكَ، وَلَوْ رَأَيْتَ غَيْرَ ذَلِكَ عَلِمْتُ أَنَّكَ لَمْ تُصِبْ) (١). (بفيها التراب)، أي: يُملأ فَمُها بالترابِ. ومثل هذا رواه أبو عبيدة القاسم بن سلّام، في رجلٍ قال لامرأته: (إن أَدْخَلْتِ هذا العَدْلَ - أي: كيسَ الصوف - هذا البيتَ فأَمْرُ صاحِبَتِكِ بيَدِكِ. فَأَدْخَلَتْه، فقالت: فلانة طالقٌ ثلاثًا. فذَهَبَ الرجلُ إلى عُمَرَ ﵁ فقال عُمَرُ: بانت منكَ. ثم مَرَّ بعبدالله بن مسعودٍ، فأَخْبَرَه بما كان، فَأَخَذَ بيد الرجل وذهَبَ به إلى عُمَرَ ﵁ فقال عبد الله بن مسعودٍ: إن الله قد جَعَلَ الرجال قوامين على النساء، ولم يجعل النساء قواماتٍ على الرجال.

стр. 6264

فقال له عُمَرُ: ما تَرَى؟ فقال ابن مسعودٍ: أراها واحدةً. فقال عُمَرُ: وأنا كذلك) (١). وهنا يجب التأمل في موقف عُمَرَ ﵁ ووقوفه عند الحق، فبالرغم مما هو عليه من الفراسة والذكاء والدقة، وبالرغم من أن القرآن كان ينزل مؤيدًا لرأيه، إلا أنه لَمَّا جاءه الحقُّ وعرفه وقف عنده ولم يتجاوزه، وهو ما ننبه عليه طلاب العلم دائمًا وأبدًا؛ لأن الحكمة ضالّة المؤمن، ومن هنا وقع الخلاف بين الأئمة، فالخطأ في الاجتهاد ليس قبحًا في عِلم العالِم ولا يُنقِص من قدره شيئًا، إلا إذا كان الخطأ بسبب تغليبه هوى النفس وميله عن طريق الحق. قوله: (وَقَدْ قِيلَ: لَيْسَ التَّمْلِيكُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ مَا جَعَلَ الشَّرْعُ بِيَدِ الرَّجُلِ لَيْسَ يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى يَدِ المَرْأَةِ بِجَعْلِ جَاعِلٍ، وَكَذَلِكَ التَّخْيِير، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ) (٢). أي: قيل: إن التمليك والتخيير لا يقع بهما شيءٌ. وقد أُثِرَ هذا عن بعض الصحابة (٣)، وذهب إليه أهل الظاهر، ومعهم بعض المحققين من أهل العلم، وأما نسبته إلى أبي محمد بن حزمٍ صاحب "المُحَلَّى" فليس بحقيقةٍ، بل هو كما ذَكَرْنَا (٤). وأصحاب هذا القول يُعَلِّلُونَهُ بأن الله إنما جَعَلَ الطلاقَ بيد الرجل، وبناءً على ذلك فإن نَقْلَ الطلاق من يد الرجل إلى يد المرأة يُعَدُّ

стр. 6265

خروجًا عن شرع الله، وهو لا يجوز، إلى جانب عدم أهلية المرأة بأن يكون الطلاق في يدها، لنقصانها في العقل والتَّصَرُّف. أما الذين يقولون بعدم التفريق بين التمليك والتخيير، فحجتهم في هذا أن الرجل إذا فَوَّضَ امرأته في الطلاق فإنما هو قد نَقَلَ إليها حُكْمَ البُضْعِ، فهذا هو التمليك، فلا فرق إِذَنْ بينه وبين التخيير، ولذا فإنهم لا يرون التخيير توكيلًا؛ لأن من شروط الوكيل أن يتصرف في حقِّ غيره، وأن الزوجة هاهنا تتصرف في حق نفسها، كما أن من شروط الوكيل أن يكون أهلًا لما يُوَكَّلُ فيه، وأن المرأة ليست لديها الأهلية لإيقاع الطلاق. والمسألة فيها كلام طويلٌ، وهناك ردودٌ كثيرةٌ للعلماء، لا يناسب المقامُ استقصاءَها. قوله: (وَقَوْلُ مَالِكٍ فِي المُمَلَّكَةِ (١) أَنَّ لَهَا الخِيَارَ فِي الطَّلَاقِ أَوِ البَقَاءِ عَلَى العِصْمَةِ مَا دَامَتْ فِي المَجْلِسِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالأَوْزَاعِيِّ، وَجَمَاعَةِ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ التَّمْلِيكَ إِذَا أَرَادَ بِهِ الطَّلَاقَ كَالوَكَالَةِ، وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي ذَلِكَ مَتَى أَحَبَّ ذَلِكَ مَا لَمْ يُوقِعِ الطَّلَاقَ). فهناك روايةٌ عند الشافعي أنه كالوكالة، والحنابلة يرون أن التخيير توكيلٌ. والمؤلف هاهنا يريد أن يصل بنا - بعد هذه المقدمات - إلى سبب اختلاف العلماء في هذا الباب، وهو ما حَصَلَ مع رسول الله ﷺ وزوجاته.

стр. 6266

قوله: (وَإِنَّمَا صَارَ الجُمْهُورُ لِلْقَضَاءِ بِالتَّمْلِيكِ أَوِ التَّخْيِيرِ، وَجَعْلِ ذَلِكَ لِلنِّسَاءِ لِمَا ثَبَتَ مِنْ تَخْيِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ). يقول الله سورة الأحزاب: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩]. وقصة هذه الآية أن زوجات رسول الله ﷺ كُنَّ قد اجتَمَعْنَ حَوْلَهُ للمطالَبة بالزيادة في النفقة، بالرغم من معرفتهن بالحال التي كان عليها رسول الله ﷺ وأنه لم يَخْتَرْ لنفسه أن يكون مَلِكًا من ملوك الدنيا، وإنما أَعْرَضَ ﷺ عن زينة الدنيا وزخرفها واختار أن يكون عبدًا رسولًا (١)، فكان ربما يمرّ عليه الشهر وليس في بيته من الطعام إلا التمر والماء، بل إنه ﷺ قد رَبَطَ الحجارةَ على بطنه من شدّة الجوع (٢)، لأنه كان يعلم علم اليقين فناء هذه الحياة الدنيا وبقاء ما عند الله ، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص: ٨٣]. فجاء في "الصحيحين" (٣) وفي غيرهما أن رسول الله ﷺ لما كان ما كان من اجتماع زوجاته لمطالبته بالزيادة في نفقتهن، أنزل الله تعالى عليه هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ

стр. 6267

الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩]، فدعا رسول الله ﷺ عائشة ﵂ وقال: "إني ذاكرٌ لكِ أمرًا، ولا عليكِ ألا تَعْجَلِي حتى تستأمري أبويكِ"، ثم تلا عليها هذه الآية، فما كان منها إلا أن قالت: "إني أريد الله ورسوله والدار الآخرة". ثم بعد ذلك مَرَّ رسول الله ﷺ ببقية زوجاته فَقُلْنَ مثل ما قالت عائشة ﵂. وقد جاء في بعض الروايات خارج "الصحيحين" أن أبا بكر وعمر ﵄ أتَيَا فلم يؤذن لهما، ثم لما أُذِنَ لهما بالدخول رأى عُمَرُ رسولَ الله ﷺ صامتًا وكأنه متأثِّر، فقال لأبي بكرٍ: "سأقول مقولةً تُضحِكُ رسولَ الله ﷺ "، فقال: "طَلَبَتْ مني بنتُ زبدٍ - يعني: امرأته - النفقةَ، فَضَرَبْتُها على رقبتها"، فضحِكَ رسولُ الله ﷺ حتى بَدَتْ نواجِذُه، فقال: "وَهُنَّ يَطْلُبْنَ النفقةَ"، فقام أبو بكرٍ ﵁ ليضرب عائشةَ، وقام عُمَرُ ليضرب حفصةَ، فنهاهما رسولُ الله ﷺ ثم خَيَّرَهُمَا، فتَمَّ الأمرُ حينئذٍ. وحاشا زوجات رسول الله ﷺ أن يَخْتَرْنَ الدنيا وزِينَتَها، ولذلك عندما بدأ رسولُ الله ﷺ بعائشة وخَيَّرَهَا، فإنها حينئذٍ لم تستشر أبويها، ولكنها قَضَتْ باختيارها لرسول الله ﷺ والدار الآخرة لا الدنيا وزخرفها، ولذلك قالت في بعض الروايات: "وهو يعلم أن أبَوَيَّ لا يَرضَيَان بفراق رسول الله"، وهكذا كان سائر أزواجه ﷺ ، فكانت النتيجة أن نِلْنَ السعادةَ في الدنيا والأجرَ العظيمَ في الآخرة. وهكذا ينبغي للمسلم ألا يجعل الدنيا غايته أو يَركَنَ إليها، بل كلما تَرَكَ المسلمُ شيئًا لله عَوَّضَه اللهُ خيرًا منه لا مَحالَةَ، فإنما الدنيا لا قيمة لها؛ لأنها لو كانت تساوي عند الله جناحَ بعوضةٍ ما سَقَى كافرًا منها شَربَةَ ماءٍ (١)، ولذلك كان الرسول ﷺ يقول: "ابغوني في فقرائكم" (٢).

стр. 6268

كما أن هذه القصة درسًا ينبغي أن تتعلمه كلُّ زوجةٍ مسلمةٍ تقيةٍ، بحيث لو رأت أن المسالك قد ضاقت على زوجها فلا ينبغي عليها حينئذٍ أن تَجْمَعَ عليه مشقَّةَ الرزق وهَمَّ مُطالَبَتِهَا بزيادة الإنفاق، وإنما الأمر كما قال رسول الله ﷺ : "مَن أصبح منكم معافًى في بدنه، آمِنًا في سِربِه، عنده قُوتُ يومه وليلته، فكأنما سِيقَت له الدنيا بحذافيرها". قوله: (قَالَتْ عَائِشَةُ: "خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَرْنَاهُ"، فَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا) (١). وهذه المسألة سيأتي الكلام عنها، فيما إذا كان اختيارُ المرأةِ زوجَها بعد التخيير طلاقًا أم لا. فجمهور العلماء - ومنهم الأئمة الأربعة - على أنه لا يكون طلاقًا، بدليل حديث عائشةَ ﵂: "فلم يكن طلاقًا"، وفي بعض الروايات: "فلم نَعُدُّهُ طلاقًا". وهناك قول آخر قال به قلةٌ بأنه يقع طلاقًا حينئذٍ؛ لأن الزوج عندما خَيَّرَ زوجتَهُ فإنما يكون قد نوى طلاقَهَا، وسيأتينا في باب الطلاق أن جمهور أهل العلم على أن مَن نوى الطلاق ولم يتلفظ به لا يقع طلاقُهُ. قوله: (لَكِنَّ أَهْلَ الظَّاهِرِ يَرَوْنَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُنَّ لَوِ اخْتَرْنَ أَنْفُسَهُنَّ، طَلَّقَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لَا أَنَّهُنَّ كُنَّ يُطَلَّقْنَ بِنَفْسِ اخْتِيَارِ الطَّلَاقِ). وهنا يجدر التذكير بقصة فاطمة بنت قيسٍ، عندما طَلَّقَها زوجُها، فبعَثَ إليها بشعيرٍ، فسخِطَتْه، إلى أن طلبَ منها رسولُ الله ﷺ أن تَعْتَدَّ وأن تؤذنَه، فلما جاءت إلى الرسول ﷺ وأخبَرَتْهُ أنه قد خَطَبَهَا أبو جَهمٍ

стр. 6269

ومعاويةُ بن أبي سفيان، قال لها رسول الله ﷺ : "أَنْكِحِي أسامةَ بنَ زيدٍ"، فقالت: "أسامة! أسامة! " كأنما سَخِطَتْه، فقال لها رسول الله ﷺ : "أطيعي الله ورسوله"، فنَزَلَت على أمر الله وأمر رسوله، فقالت: "فاغْتَبَطْتُ به" (١). قوله: (وإِنَمَا صَارَ جُمْهُورُ الفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ التَّخيِيرَ وَالتَّمْلِيكَ وَاحِد فِي الحُكْمِ؛ لِأَنَّ مِنْ عُرْفِ دَلَالَةِ اللُّغَةِ أَنَّ مَنْ مَلَّكَ إِنْسَانًا أَمْرًا مِنَ الأُمُورِ إِنْ شَاءَ أَنْ يَفْعَلَهُ أَوْ لَا يَفْعَلَه، فَإِنَّهُ قَدْ خَيَّرَهُ). وهذا يدلنا على أن اللغة العربية لا غنى عنها في دراسة العلوم الشرعية؛ هذا لأن الله إنما أَنزَلَ هذا القرآنَ بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، حتى أن العرب أهل الفصاحة والبيان وقفوا حيارى مشدوهين أمام القرآن وبلاغته التي استولت على العقول، بل إن المغيرة لَمَّا قرأ عليه رسول الله ﷺ سورة (فُصِّلَتْ) وضع يده على فِي رسول الله وسأله بالرَّحِمِ أن يَسكُتَ؛ لِمَا رآه من بلاغةٍ يستحيل محاكاتُها، فقال مقالته الشهيرةَ: "إن له لحلاوةً، وإن عليه لطلاوةً، وإن أعلاه لمثمرٌ، وإن أسفله لمغدقٌ، وإنه يعلو ولا يُعلَى عليه" (٢)، ولهذا السبب تَحَدَّى اللهُ العربَ أن يأتوا بعشر سُوَرٍ من مثله فعجزوا، وتحداهم - سبحانه - أن يأتوا بسورةٍ من مثله فعَجَزوا كذلك. فاللغة العربية - لكل هذه الأسباب - هي مفتاح لعلوم الشريعة المبارَكة، فعلم الأصول - على سبيل المثال - به مباحث كثيرةٌ من علوم اللغة، وكذلك التفسير الذي لا يُستَغنَى فيه عن اللغة العربية، حتى أن الإمام الشافعي في كتابه (الرسالة) ذَكَرَ من شروط المجتهِد أن يكون على درايةٍ باللغة وقواعدها.

стр. 6270

قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ (١): فَيَرَى أَنَّ قَوْلَهُ لَهَا اخْتَارِينِي أَوِ اخْتَارِي نَفْسَكِ أَنَّهُ ظَاهِرٌ بِعُرْفِ الشَّرْعِ فِي مَعْنَى البَيْنُونَةِ بِتَخْيِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَه، لِأَنَّ المَفْهُومَ مِنْهُ إِنَّمَا كانَ البَيْنُونَةَ). والذي أراه أن هذا التعليل الذي عَلَّلَ به المالكيةُ ما ذهبوا إليه ضعيفٌ في مقابل مذهب جمهور أهل العلم، فالأصل في الطلاق أنه بيد الرجل، وإذا فَوَّضَ الرجلُ امرأته فإن الأمر يرجع إليه في عدد ما نوى من الطلاق، فإذا لم يقل عددًا بعينه فالعلماء يذهبون حينئذٍ إلى أن تكون طلقةً واحدةً رجعيةً، وهذا أقرب للصواب في المسألة عندي. قوله: (وَإِنَّمَا رَأَى مَالِكٌ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فِي التَّمْلِيكِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ طَلَاقًا إِذَا زَعَمَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَفْظ ظَاهِر فِي مَعْنَى جَعْلِ الطَّلَاقِ بِيَدِهَا). الإمام مالكٌ هاهنا لا يقبل قول الزوج؛ لأن التمليك عنده كنايةٌ ظاهرةٌ، بينما التمليك عند جمهور أهل العلم هو كنايةٌ محتمَلةٌ غير ظاهرةٍ، بل إنهم - أعني: جمهور العلماء - يفرقون بين صريح الطلاق وكناياته بأن صريح الطلاق لا يحتاج إلى نيةٍ وكناياته تحتاج إلى النية. فالمالكية لهم تعليلٌ، والجمهور كذلك لهم تعليلٌ. والحاصل من الأمر: أن الزوج إذا مَلَّكَ زوجَتَه أو خَيَّرَها فإنه يكون قد أعطاها الفرصة في تطليق نفسها، مما يعني أنه لا فرق حينئذٍ بين التمليك والتخيير؛ لأنه ما دام قد مَلَّكَهَا أمرها فإن لها الحق حينئذٍ في أن تفعل ذلك أو لا تفعله.
следующие страницы →