← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

قوله: (وَإِنَّمَا صَارَ الجُمْهُورُ لِلْقَضَاءِ بِالتَّمْلِيكِ أَوِ التَّخْيِيرِ، وَجَعْلِ ذَلِكَ لِلنِّسَاءِ لِمَا ثَبَتَ مِنْ تَخْيِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ). يقول الله سورة الأحزاب: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩]. وقصة هذه الآية أن زوجات رسول الله ﷺ كُنَّ قد اجتَمَعْنَ حَوْلَهُ للمطالَبة بالزيادة في النفقة، بالرغم من معرفتهن بالحال التي كان عليها رسول الله ﷺ وأنه لم يَخْتَرْ لنفسه أن يكون مَلِكًا من ملوك الدنيا، وإنما أَعْرَضَ ﷺ عن زينة الدنيا وزخرفها واختار أن يكون عبدًا رسولًا (١)، فكان ربما يمرّ عليه الشهر وليس في بيته من الطعام إلا التمر والماء، بل إنه ﷺ قد رَبَطَ الحجارةَ على بطنه من شدّة الجوع (٢)، لأنه كان يعلم علم اليقين فناء هذه الحياة الدنيا وبقاء ما عند الله ، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص: ٨٣]. فجاء في "الصحيحين" (٣) وفي غيرهما أن رسول الله ﷺ لما كان ما كان من اجتماع زوجاته لمطالبته بالزيادة في نفقتهن، أنزل الله تعالى عليه هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ

стр. 6267

الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩]، فدعا رسول الله ﷺ عائشة ﵂ وقال: "إني ذاكرٌ لكِ أمرًا، ولا عليكِ ألا تَعْجَلِي حتى تستأمري أبويكِ"، ثم تلا عليها هذه الآية، فما كان منها إلا أن قالت: "إني أريد الله ورسوله والدار الآخرة". ثم بعد ذلك مَرَّ رسول الله ﷺ ببقية زوجاته فَقُلْنَ مثل ما قالت عائشة ﵂. وقد جاء في بعض الروايات خارج "الصحيحين" أن أبا بكر وعمر ﵄ أتَيَا فلم يؤذن لهما، ثم لما أُذِنَ لهما بالدخول رأى عُمَرُ رسولَ الله ﷺ صامتًا وكأنه متأثِّر، فقال لأبي بكرٍ: "سأقول مقولةً تُضحِكُ رسولَ الله ﷺ "، فقال: "طَلَبَتْ مني بنتُ زبدٍ - يعني: امرأته - النفقةَ، فَضَرَبْتُها على رقبتها"، فضحِكَ رسولُ الله ﷺ حتى بَدَتْ نواجِذُه، فقال: "وَهُنَّ يَطْلُبْنَ النفقةَ"، فقام أبو بكرٍ ﵁ ليضرب عائشةَ، وقام عُمَرُ ليضرب حفصةَ، فنهاهما رسولُ الله ﷺ ثم خَيَّرَهُمَا، فتَمَّ الأمرُ حينئذٍ. وحاشا زوجات رسول الله ﷺ أن يَخْتَرْنَ الدنيا وزِينَتَها، ولذلك عندما بدأ رسولُ الله ﷺ بعائشة وخَيَّرَهَا، فإنها حينئذٍ لم تستشر أبويها، ولكنها قَضَتْ باختيارها لرسول الله ﷺ والدار الآخرة لا الدنيا وزخرفها، ولذلك قالت في بعض الروايات: "وهو يعلم أن أبَوَيَّ لا يَرضَيَان بفراق رسول الله"، وهكذا كان سائر أزواجه ﷺ ، فكانت النتيجة أن نِلْنَ السعادةَ في الدنيا والأجرَ العظيمَ في الآخرة. وهكذا ينبغي للمسلم ألا يجعل الدنيا غايته أو يَركَنَ إليها، بل كلما تَرَكَ المسلمُ شيئًا لله عَوَّضَه اللهُ خيرًا منه لا مَحالَةَ، فإنما الدنيا لا قيمة لها؛ لأنها لو كانت تساوي عند الله جناحَ بعوضةٍ ما سَقَى كافرًا منها شَربَةَ ماءٍ (١)، ولذلك كان الرسول ﷺ يقول: "ابغوني في فقرائكم" (٢).

стр. 6268

كما أن هذه القصة درسًا ينبغي أن تتعلمه كلُّ زوجةٍ مسلمةٍ تقيةٍ، بحيث لو رأت أن المسالك قد ضاقت على زوجها فلا ينبغي عليها حينئذٍ أن تَجْمَعَ عليه مشقَّةَ الرزق وهَمَّ مُطالَبَتِهَا بزيادة الإنفاق، وإنما الأمر كما قال رسول الله ﷺ : "مَن أصبح منكم معافًى في بدنه، آمِنًا في سِربِه، عنده قُوتُ يومه وليلته، فكأنما سِيقَت له الدنيا بحذافيرها". قوله: (قَالَتْ عَائِشَةُ: "خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَرْنَاهُ"، فَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا) (١). وهذه المسألة سيأتي الكلام عنها، فيما إذا كان اختيارُ المرأةِ زوجَها بعد التخيير طلاقًا أم لا. فجمهور العلماء - ومنهم الأئمة الأربعة - على أنه لا يكون طلاقًا، بدليل حديث عائشةَ ﵂: "فلم يكن طلاقًا"، وفي بعض الروايات: "فلم نَعُدُّهُ طلاقًا". وهناك قول آخر قال به قلةٌ بأنه يقع طلاقًا حينئذٍ؛ لأن الزوج عندما خَيَّرَ زوجتَهُ فإنما يكون قد نوى طلاقَهَا، وسيأتينا في باب الطلاق أن جمهور أهل العلم على أن مَن نوى الطلاق ولم يتلفظ به لا يقع طلاقُهُ. قوله: (لَكِنَّ أَهْلَ الظَّاهِرِ يَرَوْنَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُنَّ لَوِ اخْتَرْنَ أَنْفُسَهُنَّ، طَلَّقَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لَا أَنَّهُنَّ كُنَّ يُطَلَّقْنَ بِنَفْسِ اخْتِيَارِ الطَّلَاقِ). وهنا يجدر التذكير بقصة فاطمة بنت قيسٍ، عندما طَلَّقَها زوجُها، فبعَثَ إليها بشعيرٍ، فسخِطَتْه، إلى أن طلبَ منها رسولُ الله ﷺ أن تَعْتَدَّ وأن تؤذنَه، فلما جاءت إلى الرسول ﷺ وأخبَرَتْهُ أنه قد خَطَبَهَا أبو جَهمٍ

стр. 6269

ومعاويةُ بن أبي سفيان، قال لها رسول الله ﷺ : "أَنْكِحِي أسامةَ بنَ زيدٍ"، فقالت: "أسامة! أسامة! " كأنما سَخِطَتْه، فقال لها رسول الله ﷺ : "أطيعي الله ورسوله"، فنَزَلَت على أمر الله وأمر رسوله، فقالت: "فاغْتَبَطْتُ به" (١). قوله: (وإِنَمَا صَارَ جُمْهُورُ الفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ التَّخيِيرَ وَالتَّمْلِيكَ وَاحِد فِي الحُكْمِ؛ لِأَنَّ مِنْ عُرْفِ دَلَالَةِ اللُّغَةِ أَنَّ مَنْ مَلَّكَ إِنْسَانًا أَمْرًا مِنَ الأُمُورِ إِنْ شَاءَ أَنْ يَفْعَلَهُ أَوْ لَا يَفْعَلَه، فَإِنَّهُ قَدْ خَيَّرَهُ). وهذا يدلنا على أن اللغة العربية لا غنى عنها في دراسة العلوم الشرعية؛ هذا لأن الله إنما أَنزَلَ هذا القرآنَ بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، حتى أن العرب أهل الفصاحة والبيان وقفوا حيارى مشدوهين أمام القرآن وبلاغته التي استولت على العقول، بل إن المغيرة لَمَّا قرأ عليه رسول الله ﷺ سورة (فُصِّلَتْ) وضع يده على فِي رسول الله وسأله بالرَّحِمِ أن يَسكُتَ؛ لِمَا رآه من بلاغةٍ يستحيل محاكاتُها، فقال مقالته الشهيرةَ: "إن له لحلاوةً، وإن عليه لطلاوةً، وإن أعلاه لمثمرٌ، وإن أسفله لمغدقٌ، وإنه يعلو ولا يُعلَى عليه" (٢)، ولهذا السبب تَحَدَّى اللهُ العربَ أن يأتوا بعشر سُوَرٍ من مثله فعجزوا، وتحداهم - سبحانه - أن يأتوا بسورةٍ من مثله فعَجَزوا كذلك. فاللغة العربية - لكل هذه الأسباب - هي مفتاح لعلوم الشريعة المبارَكة، فعلم الأصول - على سبيل المثال - به مباحث كثيرةٌ من علوم اللغة، وكذلك التفسير الذي لا يُستَغنَى فيه عن اللغة العربية، حتى أن الإمام الشافعي في كتابه (الرسالة) ذَكَرَ من شروط المجتهِد أن يكون على درايةٍ باللغة وقواعدها.

стр. 6270

قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ (١): فَيَرَى أَنَّ قَوْلَهُ لَهَا اخْتَارِينِي أَوِ اخْتَارِي نَفْسَكِ أَنَّهُ ظَاهِرٌ بِعُرْفِ الشَّرْعِ فِي مَعْنَى البَيْنُونَةِ بِتَخْيِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَه، لِأَنَّ المَفْهُومَ مِنْهُ إِنَّمَا كانَ البَيْنُونَةَ). والذي أراه أن هذا التعليل الذي عَلَّلَ به المالكيةُ ما ذهبوا إليه ضعيفٌ في مقابل مذهب جمهور أهل العلم، فالأصل في الطلاق أنه بيد الرجل، وإذا فَوَّضَ الرجلُ امرأته فإن الأمر يرجع إليه في عدد ما نوى من الطلاق، فإذا لم يقل عددًا بعينه فالعلماء يذهبون حينئذٍ إلى أن تكون طلقةً واحدةً رجعيةً، وهذا أقرب للصواب في المسألة عندي. قوله: (وَإِنَّمَا رَأَى مَالِكٌ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فِي التَّمْلِيكِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ طَلَاقًا إِذَا زَعَمَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَفْظ ظَاهِر فِي مَعْنَى جَعْلِ الطَّلَاقِ بِيَدِهَا). الإمام مالكٌ هاهنا لا يقبل قول الزوج؛ لأن التمليك عنده كنايةٌ ظاهرةٌ، بينما التمليك عند جمهور أهل العلم هو كنايةٌ محتمَلةٌ غير ظاهرةٍ، بل إنهم - أعني: جمهور العلماء - يفرقون بين صريح الطلاق وكناياته بأن صريح الطلاق لا يحتاج إلى نيةٍ وكناياته تحتاج إلى النية. فالمالكية لهم تعليلٌ، والجمهور كذلك لهم تعليلٌ. والحاصل من الأمر: أن الزوج إذا مَلَّكَ زوجَتَه أو خَيَّرَها فإنه يكون قد أعطاها الفرصة في تطليق نفسها، مما يعني أنه لا فرق حينئذٍ بين التمليك والتخيير؛ لأنه ما دام قد مَلَّكَهَا أمرها فإن لها الحق حينئذٍ في أن تفعل ذلك أو لا تفعله.

стр. 6271

قوله: (وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ: فَلَمَّا لَمْ يَكُنِ اللَّفْظُ عِنْدَهُ نَصًّا، اعْتَبَرَ فِيهِ النِّيَّةَ). ليس الشافعي وحده من ذَهَبَ إلى هذا، بل كذلك ذَهَبَ إليه أبو حنيفة وأحمد. بل حتى الإمام مالكٌ لا يراه نصًّا، وإنما يراه كنايةً ظاهرةً، والكنايات الظاهرة - ومنها التمليك - عند مالكٍ بمثابة الصريح، بخلاف الجمهور فإنها عندهم لا بد فيها من النية، وهذا المذهب من الجمهور إنما هو من باب الاحتياط. وهناك مسألةٌ مهمة جدًّا تتفرع من هذه المسألة، وهي إذا قالت المرأة لزوجها: "اخترتُ نفسي، أو: فسختُ نكاحَكَ" فيما إذا كان هذا القول منها يفتقر إلى النية أم لا. فعند أبي حنيفة (١): لا يفتقر إلى نية إذا كان الرجل نواه، لأنه عندما يقول لامرأته: "اختاري نفسَكِ، أو: ملكتُكِ نفسَكِ" فكأنه أراد بهذا الطلاق. وعند الشافعي (٢)، وأحمد (٣): لا بد من الرجوع إلى نيَّته التي تُبَيِّنُ مرادَهُ من قوله.

стр. 6272

وأما مالكٌ: فمذهبه في ذلك معروفٌ، وقد سبق بيانه. قوله: (فَسَبَبُ الخِلَافِ: هَلْ يُغَلَّبُ ظَاهِرُ اللَّفْظِ أَوْ دَعْوَى النِّيَّةِ؟). ولا شكَّ هاهنا في أن ما ذهب إليه الجمهور أقوى وأصحُّ؛ لأن النية مُرادةٌ بذاتها وتأثيرها عظيمٌ في الأعمال لا سيما الأعمال التعبدية، ولذلك سول الله ﷺ : "إنما الأعمال بالنِّيَّات، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى" (١). قوله: (وَكَذَلِكَ فَعَلَ فِي التَّخْيِيرِ). أي: أنها إذا اختارت نفسها كان ذلك طلاقًا ثلاثًا بائنًا عند مالكٍ. قوله: (وَإِنَّمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لَهُ مُنَاكَرَتَهَا فِي العَدَدِ - أَعْنِي: فِي لَفْظِ التَّمْلِيكِ، لِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلَالَةً مُحْتَمَلَةً فَضْلًا عَنْ ظَاهِرِهِ). والمؤلف هاهنا يعرض حُجَّةَ الجمهور لا حُجَّة المالكية، ومراده أن الزوج إذا لم يكن حَدَّدَ العدَدَ في لفظ التمليك فإن له حينئذٍ أن يناكرها ويقول: "بل قلتُ كذا وكذا". قوله: (وَإِنَّمَا رَأَى مَالِكٌ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣) أَنَّهُ إِذَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا بِتَمْلِيكِهِ إِيَّاهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً أَنَّهَا تَكُونُ رَجْعِيَّةً، لِأَنَّ الطَّلَاقَ إِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى العُرْفِ الشَّرْعِيِّ، وَهُوَ طَلَاقُ السُّنَّةِ). هذا لأن طلاق السُّنة ينصرف إلى أنها طلقةٌ واحدةٌ، وهذا الرأي

стр. 6273

ليس مذهب المالكية والشافعية فقط، وإنما كذلك هو مذهب الحنابلة، فالمالكية يوافقون الشافعية والحنابلة في التمليك، ثم يخالفونهم في أنهم يفرقون بين التمليك والتخيير بحيث يرون أن التخيير يقع بائنًا ثلاثًا. أما أبو حنيفة فيرى أنها تقع طلقة واحدة بائنة. قوله: (وَإِنَّمَا رَأَى أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّهَا بَائِنَةٌ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ، لَمْ يَكُنْ لِمَا طَلَبَتْ مِنَ التَّمْلِيكِ فَائِدَة، وَلمَا قَصَدَ هُوَ مِنْ ذَلِكَ). والمتأمل في تعليل أبي حنيفة لا يخالطه شكٌّ في أن اجتهادات الأئمة لا تتأتى منهم تشهيًا ولا رغبةً في المخالَفة، وإنما هي اجتهاداتٌ مبنية على أدلةٍ وتعليلاتٍ وجيهةٍ. فأبو حنيفة يعلِّل ما ذَهَبَ إليه من أن اختيار الزوجة نفسها يقع طلقة واحدة بائنة، بأنها إنما اختارت نفسها واختارت الفراق لرغبتها في البُعد عن زوجها ومفارقته أبدًا، فإذا أبقينا الأمر في يده وقلنا بطلقةٍ رجعيةٍ فلا معنى حينئذٍ من اختيار المرأة نفسها، بل إن القول بالطلقة الرجعية حينئذٍ يناقض معنى التخيير عند أبي حنيفة، لأنه في هذه الحالة صار بإمكان الزوج مراجعتها في أثناء العدة، مما يضيع معه مقصود التخيير. لكن المتأمِّل في أسس الشريعة وما تنبني عليه من وجوب توافر الأُلفة والمودة في الرباط بين الزوجين يدرك أن مذهب الجمهور إنما هو الأقرب لروح الشريعة ومقاصدها. قوله: (وَأَمَّا مَنْ رَأَى أَنَّ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا فِي التَّمْلِيكِ ثَلَاثًا، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِلزَّوْجِ مُنَاكَرَتُهَا فِي ذَلِكَ، فَلِأَنَّ مَعْنَى التَّمْلِيكِ عِنْدَهُ إِنَّمَا هُوَ تَصْيِيرُ جَمِيعِ مَا كانَ بِيَدِ الرَّجُلِ مِنَ الطَّلَاقِ بِيَدِ المَرْأَةِ، فَهِيَ مُخَيَّرَةٌ فِيمَا تُوقِعُهُ مِنْ أَعْدَادِ الطَّلَاقِ). أي: أن من ذهب إلى هذا القول فإنما ذهب إليه إلحاقًا له بالتخيير، كما هو مذهب المالكية.

стр. 6274

قوله: (وَأَمَّا مَنْ جَعَلَ التَّمْلِيكَ طَلْقَةً وَاحِدَةً فَقَطْ، أَوِ التَّخْيِيرَ، فَإِنَّمَا ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الاسْم، وَاحْتِيَاطًا لِلرِّجَالِ). وهذا القول هو الأقرب للفقه، لأن الله تعالى عندما وَجَّهَ المؤمنين لذلك قال في كتابه الكريم: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ [الطلاق: ١]، ثم قال تعالى بعدها: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، أي: أن الله كما جعل الطلاق بيد الرجل، فإنه - سبحانه - جعل العدة كذلك فرصةً لمراجعة النفس وإعادة التفكير، فإذا كان هذا في حقِّ الرجل مع ما فيه من التروي والتمهل وبُعد النظر، فهو من باب أَوْلَى أن يكون كذلك عندما يكون الطلاق بيد المرأة مع ما فيها من التهور والاندفاع. قوله: (لِأَنَّ العِلَّةَ فِي جَعْلِ الطَّلَاقِ بِأَيْدِي الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ هُوَ لِنُقْصَانِ عَقْلِهِنَّ، وَغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ عَلَيْهِنَّ مَعَ سُوءِ المُعَاشَرَةِ) وكون المرأة تَتَّسِمُ بالاندفاع والتهور لا يعني الانتقاصَ منها ولا هضم حقّها كما يَدَّعِي أعداء الإسلام، بل إن المرأة لم تَلْقَ تكريمًا ومنزلةً أعظَمَ من المنزلة التي مَنَحَها الإسلام إيَّاها، فالرسول ﷺ حضَّ على العناية بهن ورعايتهن، فقال ﷺ : "استوصوا بالنساء خيرًا، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله" (١)، فمهما كان فيهن من الاعوجاج فإن الرسول ﷺ أوصى بالرفق بهن واللين؛ لأنهن خُلِقْنَ من ضلعٍ أعوج، وهذا الضلع إذا أردتَ أن تقيمه فإنه ينكسر حينئذٍ. قوله: (وَجُمْهُورُ العُلَمَاءِ (٢) عَلَى أَنَّ المَرْأَةَ إِذَا اخْتَارَتْ زَوْجَهَا

стр. 6275

أَنَّهُ لَيْسَ بِطَلَاقٍ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ المُتَقَدِّمِ، وَرُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أَنَّهَا إِذَا اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَوَاحِدَةٌ، وَإِذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَثَلَاثٌ) (١). قد تَكَلَّمْنَا عن اختيار المرأة نفسها عند تفويض الرجل إيَّاها في ذلك، والكلام الان عن اختيارها زَوْجَهَا، كأن تقول: "اخترتُكَ"، كما فَعَلَ أزواج رسول الله ﷺ ، وهذه المسألة بها قولان لأهل العلم: القول الأول: وهو مذهب جمهور أهل العلم، ومنهم الأئمة الأربعة، وهو أن الزوجة إذا اختارت زوجَهَا فإن ذلك ليس بطلاقٍ؛ لقول عائشة ﵂:" خَيَّرَنَا رسولُ الله ﷺ فاخترناه، ولم يكن طلاقًا"، وفي روايةٍ أخرى: "ولم نعده طلاقًا" (٢)، وفي روايةٍ أخرى: "ولم نحسبه طلاقًا"، و"لَمْ" نافيةٌ، فتدل على عدم وقوع الطلاق في هذه المسألة. القول الثاني: قول الحسن البصري، وهو ما رُوِيَ عن عليٍّ ﵁، بأنها إذا اختارت زوجَها فإنها تكون طلقةً واحدةً، وإذا اختارت نفسها فإنها تكون ثلاثَ طلقاتٍ تَبِينُ بِهَا منه، وهذا القول يلتقي مع قول مالكٍ في أنها تَبِينُ منه بثلاث طلقاتٍ إذا اختارت نفسها، ولكن مالكًا يخالف الحسن البصري فيما إذا اختارت المرأةُ زَوْجَهَا فلا يراه مالكٌ طلاقًا (٣).

стр. 6276

ولا شكَّ أن ما ذَهَبَ إليه جمهور العلماء من عدم وقوع الطلاق هو الأقوى والأرجح، لصراحة ما وَرَدَ في ذلك عن عائشة ﵂، وكما قال القائل: "قَطَعَتْ جَهِيزَةُ قَوْلَ كُل خَطِيبٍ" (١)، فلا قولَ بعد هذا القول. قوله: (فَيَتَحَصَّلُ فِي هَذه المَسْأَلَةِ الخِلَافُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ). ومراد المؤلف هاهنا تلخيص ما مضى من أقوالٍ، فجَمَعَها في ثلاثةِ أقوالٍ، وهي في حقيقة الأمر خمسةُ أقوالٍ، ولكن المؤلف أَدْخَلَ بعضَها في بعضٍ. قوله: (أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا طَلَاقٌ). القول الأول: أنه لا يقع طلاق بواحدٍ منهما. وهو ما ذَهَبَ إليه أهل الظاهر ومن معهم. قوله: (وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَقَعُ بَيْنَهُمَا فُرْقَةٌ). القول الثاني: وقوع الفُرقة بينهما. وهو مذهب الأئمة الثلاثة، مع وجود تفصيلٍ في مذهب الشافعيِّ وأحمد في ذلك. قوله: (وَالثَّالِثُ: الفَرْقُ بَيْنَ التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ فِيمَا تُمَلَّكُ بِهِ المَرْأَةُ - أَعْنِي: أَنْ تُمَلَّكَ بِالتَّخْيِيرِ البَيْنُونَةَ، وَبِالتَّمْلِيكِ مَا دُونَ البَيْنُونَةِ). القول الثالث: التفريق بين التمليك والتخيير، بأن تملك المرأة في التخيير الطلاق البائن، وتملك في التمليك ما دون الطلاق البائن.

стр. 6277

وهو مذهب مالكٍ، ووافقه فيه الحسن البصري في الشطر الثاني من قوله. قوله: (وَإِذَا قُلْنَا بِالبَيْنُونَةِ، فَقِيلَ: تَمْلِكُ وَاحِدَةً، وَقِيلَ: تَمْلِكُ الثَّلَاثَ). فعلى القول بالبينونة فإنها عند مالكٍ والحسن البصري تَبِينُ منه بالثلاث، وعند أبي حنيفة تَبِينُ منه بواحدةٍ. قوله: (وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّهَا تُمَلَّكُ وَاحِدَةً، فَقِيلَ: رَجْعِيَّةٌ، وَقِيلَ: بَائِنَةٌ). أما على القول بأنها تملك واحدةً فإنها عند الشافعي وأحمد واحدةٌ رجعيةٌ، وعند أبي حنيفة واحدةٌ بائنةٌ. قوله: (وَأَمَّا حُكْمُ الأَلْفَاظِ الَّتِي تُجِيبُ بِهَا المَرْأَةُ فِي التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ، فَهِيَ تَرْجِعُ إِلَى حُكْمِ الأَلْفَاظِ الَّتِي يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ فِي كَوْنِهَا صَرِيحَةً أَوْ كِنَايَةً أَوْ مُحْتَمَلَة، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ عِنْدَ التَّكَلُّمِ فِي أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ). قد ذَكَرْنَا قبل ذلك مسألة قول الزوجة لزوجها: "اخترتُ نفسي، أو: فسختُ نكاحَكَ". أما مسألة قولها لزوجها: "أنتَ طالق"، فيما إذا كانت تقع طلاقًا أم لا، فسوف يأتي تفصيل ذلك - إن شاء الله - في باب ألفاظ الطلاق من حيث صريحها وكنايتها، وكذلك سيأتي تفصيله في باب الطلاق المُطْلَقِ والمُقَيَّدِ وشروطه. ([الْجُمْلَةُ الثَانِيَةُ فِي أَرْكَانِ الطَّلَاقِ]) (الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ وَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ: الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ وَشُرُوطِهِ. الْبَابُ الثَّانِي: فِي تَفْصِيلِ مَنْ يَجُوزُ طَلَاقُهُ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ.

стр. 6278

الْبَابُ الثَّالِثُ: فِي تَفْصِيلِ مَنْ يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ مِنَ النِّسَاءِ مِمَّنْ لَا يَقَعُ. الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ وَشُرُوطِهِ وَهَذَا الْبَابُ فِيهِ فَصْلَانِ: الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي أَنْوَاعِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ الْمُطْلَقَةِ. الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي أَنْوَاعِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ الْمُقَيَّدَةِ). عبارات المؤلف بمثابة قواعدَ وأصولَ ربما قد يصعبُ على البعض فهمُ بعضِها، بل قد يرى فيها تداخلًا، وإلا فكلام المؤلف واضحٌ بحمد الله، فالمؤلف يضع تصورًا بمثابة كشَّافٍ يضيء لك الطريق إلى الباب الذي سندخل فيه، فالآن حتى نكون على استعدادٍ، مثلًا مدرسُ الإنشاء عندما يأتي يدرس الطلاب يضع العناصرَ، وإذا أردتَ أن تكتب في موضوعٍ إنشائيٍّ أو تخطبَ، إن كنتَ ممن وفقه الله وأعطاه قدرةً على الإنطلاق في الكلام مهما يكن ومهما عندك من البلاغةِ والقدرةِ لابدَّ أن تتصور ذهنيًّا ما الذي ستتكلم فيه وما الذي ستتركه، وتقدِّم شيئًا على شيءٍ، وما الذي تؤخره وتقدمه وتوسطه وهكذا، فهذا المؤلف في كتابه يضع مقدماتٍ بعضَها فيها شيءٌ من التفصيلِ، وبعضَها بإيجازٍ ليهيِّئ القارئَ والدارس بهذا الكتاب حتى يكون على استعدادٍ. قوله: (الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ وَشُرُوطِهِ). وألفاظ الطلاق بعضها صريحٌ وبعضها كنايةٌ. قوله: (الْبَابُ الثَّانِي: فِي تَفْصيلِ مَنْ يَجُوزُ طَلَاقُهُ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ). هل يجوز طلاق المجنون؟، هل يجوز طلاق المعتوه؟ طلاق السكران؟، طلاق الصغير؟ هل هذا يحصل؟ سيأتي فيه الخلافُ بين الفقهاء. قوله: (الْبَابُ الثَّالِثُ: فِي تَفْصِيلِ مَنْ يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ مِنَ النِّسَاءِ مِمَّنْ لَايَقَعُ). كل ذلك سيبحثه المؤلف إن شاء الله بشيءٍ من الإجمال لا التفصيل.

стр. 6279

قال المصنف رحمه الله تعالى: (البَابُ الأوّلُ: فِي أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ وَشُرُوطِهِ وَهَذَا الْبَابُ فِيهِ فَصْلَانِ: الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي أَنْوَاعِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ الْمُطْلَقَةِ. الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي أَنْوَاعِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ الْمُقَيَّدَةِ). اللفظ المطلقُ: كأن يقول الرجل لامرأته أنت طالق، واللفظ المقيد: كأن يقول لزوجته: إن دخلتِ هذه الدار أو أكلتِ هذا الرغيف، أو كلمت فلانًا فأنت طالقٌ، والتقييد قد يكون بشرطٍ، وربما يكودن باستثناء كأن يقول لها: أنت طالق إن شاء الله. قال المصنف رحمه الله تعالى: (الْفَصْل الْأَوَّل: فِي أَنْوَاعِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ الْمُطْلَقَةِ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ إِذَا كَانَ بِنِيَّةٍ وَبِلَفْظٍ صَرِيحٍ) (١).

стр. 6280

هذا أمرٌ لا إشكالَ فيه؛ لأنه إذا نوى إنسان الطلاق ثم أورد لفظ الطلاق الذي لا إشكالَ فيه وهو: كلمة أنت طالقٌ أو مطلقةٌ أو طلقتك، هذا أمر مجمعٌ عليه ليس فيه إشكالٌ. قوله: (وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَقَعُ بِالنِّيَّةَ مَعَ اللَّفْظِ الَّذِي لَيْسَ بِصَرِيحٍ، أَوْ بِالنِّيَّةَ دُونَ اللَّفْظِ، أَوْ بِاللَّفْظِ دُونَ النِّيَّةَ) (١). أولًا: الإنسان قد ينوي الطلاق بنفسه ولا ينطق به بلسانه، فهل في هذا تأثيرٌ في الطلاق أن ينوى ولا يتلفظ لا ينطق؟ هذا من باب تكليف الإنسان بما لا يستطيع، أو على الأقلِّ ما يشق عليه، والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقال ﵊ في الحديث المتفق عليه: "إن الله تجاوز عن أمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل" (٢)، وفي روايةٍ: "ما لم تتكلَّم به أو تعملْ به" (٣). فما يحدِّث الإنسان به نفسه هذا غير واردٍ، أما ما نقل عن الإمام الزهري (٤) - وهو إمام وتابعي ومحدث معروف بعلمه وفضله - لكن خالفه العلماء في هذا الأمر وقبل كلام العلماء حديث رسول الله ﷺ أنه يقول: "إذا عزم الإنسان على الطلاق بقلبه لم يقع".

стр. 6281

وابن سيرين يقول: أليس الله قد علم ما في نفسه (١) يعني: لو نوى الطلاق. نعم الله يعلم السر وأخفى فهو سبحانه يعلم ما كان وما لم يكن أن لو كان كيف سيكون. لكن الحق فيما ذهب إليه جمهور العلماء (٢) من المحدثين والفقهاء أنَّ الإنسان إذا نوى الطلاق بقلبه لا يقع، ما لم يتمعه باللفظ؛ لأن هذا فيه مشقةٌ، والرسول ﷺ يقول: "لن يشادَّ الدين أحدٌ إلا غلبه" (٣) ويقول: "يسروا ولا تعسروا"" (٤) ويقول: "إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين" (٥). الرسول ﷺ أخبرنا بأشياء وقعت: أليس رسول الله ﷺ قد أرشدنا لأمور كثيرة قبل أربعة عشر قرنًا ونجد أنها وقعت تترى (٦)، فهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى، فكم من العلامات ومن الدلالات التي قال عنها رسول الله ﷺ ، من ذلك مما أشار إليه الرسول: خروجُ بعض الفرق وقد خرجت كفلقِ الصبح (٧)، ومنها ما سيحدث من علامات الساعة ومن الفتن ما أخبر عنها

стр. 6282

وقد وقعت (١)، فقول العالمين الجليلين على العين والرأس لكن لا نترك كلام رسول الله ﷺ لقول أحدٍ. والرسول ﷺ أرسل أصحابه يحذرهم من الظلم (٢)، ويبين لهم المهمة التي أنيطت بهم، وأنَّ الله عندما اختارهم إنما اختارهم لهداية الخلق، وبين لهم أن هداية الخلق والدعوة إلى دين الله إنما تحتاج إلى الحكمة إلى الموعظة الحسنة، فالشريعة لها أصولٌ ولها قواعد ثابتة مستقرةٌ، من بينها اليسر والتخفيف، فالله رفع عنا الإصر والأغلال التي كانت على الأمم السابقة، فهذه نعمةٌ أنعم الله تعالى بها علينا، وهي من النعم العظيمة التي لا تعد ولا تحصى على هذه الأمة. نعم الله على أمة محمد ﷺ : ١ - فقد خصها الله بمحمد بن عبد الله ﷺ ، هذا النبي الكريم، خاتم الأنبياء وأفضلهم. ٢ - وجعلها خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله. ويجب على هذه الأمة أن تدرك هذه الفضائل، وأن تشكر من أنعم وتفضل وأحسن بها، الله علام الغيوب علينا أن نشكره على أن بعثنا في آخر الزمان، وجعلنا خير أمةٍ أخرجت للناس، فعلينا أن نقوم بالرسالة التي حمَّلنا إياها، بأن نصلح أنفسنا أولًا، ثم بعد ذلك نسعى لإصلاح ودعوة إخواننا المؤمنين إلى الخير، وأن نحبَّ لإخواننا ما نحب لأنفسنا،

стр. 6283

ولا تأخذنا الأناة والانفراد، وكلما سابقت إلى الخيرات، وأرشدت الضال، وهديت الخارج عن الطريق السوى، الله يضاعف لك الحسنات، ويعطيك الأجر العظيم. وقد بين لنا النبي ﷺ أن الله يعفو عن الخطأ، قال ﷺ :" عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (١)، وفي بعض ألفاظه: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٢)، كل منا بشرٌ، والرسول ﷺ يقول: "كلكم خطاؤون وخير الخطائين التوابون" (٣) فالإنسان ربما تصدر على لسانه كلمة لا يقصد معناها لا يؤاخذ بها، وربما يخطئ في كلمة لا يدرك معناها، يقول الله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه: ٨٢] ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وأما قوله: "وما استكرهوا عليه" (٤)، قد يكره الإنسان على أمرٍ من الأمور فيه معصيه لله، لكن لو أكره إنسان على أن يقتل أخًا له فلا يجوز له ذلك، لأنه لا ينبغي أن يقدم غيره ضحيةً، ولو أكره على الزنا ليس له أن يفعل ذلك (٥).

стр. 6284

لكن لو أكره على السرقه فأكثر العلماء (١) قالوا يسرق، لأنه سيرد المال بعد ذلك إلى صاحبه، ولو أكره على شهادة الزور وكان يترتب عليها ذهاب نفسٍ مؤمنة فلا يجوز له ذلك (٢)، فليس الإكراه على الإطلاق. هم الإنسان بمعصية ولم يعملها: فالإنسان لو فكَّر في أمرٍ من الأمور حتى ولو كانت معصيةً ما لم

стр. 6285

يعملها، فالله يتوب عليه، وفي قصة الثلاثه الذين انطبق عليهم الغار، أحدهم قد همَّ بمعصية عظيمةٍ، همَّ بامرأةٍ من أقرب الناس إليه، لكنه لما أراد أن يقع بها خوفته بالله ، فترك تلك المعصية خشيةً وخوفًا لله ، فكان من الثلاثه الذين دعوا لما انطبق عليهم الغار فانفرج عنهم، همَّ بمعصيةٍ ولم يفعلها فكتبت له حسنة (١)، هذا من عفو الله ، فهو الذي يدعونا بقوله ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] وهو الذي يقول: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. ثانيًا: أن ينوي بالقلب لكنه يأتي بلفظٍ غير صريحٍ أي: كناية كالتي مرَّت بنا. يعني: نوى الطلاق ثم جاء بعبارةٍ ليست صريحةً، كأن يقول لها: اختاري نفسك، أو فارقتك مع أن لفظ فارقتك عند بعضهم صريحٌ. هنا يرجع إلى نيته في هذه الحالة، وبعضهم يعتبر ذلك صريحًا فيقع، والعلماء لم يتفقوا على جميع الكنايات؛ لأن من الألفاظ ما يعدُّه بعض العلماء كالشافعيةِ والحنابلة طلاقًا صريحًا، وبعض العلماء كالحنفية والمالكية يعده كنايةً وليس صريحًا. ثالثًا: أن يتلفظ دون نيةٍ، يعني: يقول لها أنت طالق ولم ينو بقلبه، كلمة وردت على لسانه لم ينو بها طلاقًا، فإذا وقع باللفظ دون نية فإنه يقع عند جمهور العلماء. قوله: (فَمَنِ اشْتَرَطَ فِيهِ النِّيَّةَ وَاللَّفْظَ الصَّرِيحَ فَاتِّبَاعًا لِظَاهِرِ الشَّرْعِ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَقَامَ الظَّاهِرَ مَقَامَ الصَّرِيحِ) (٢).

стр. 6286

أثر النية على الإنسان: النية أمرها كبيرٌ وشأنها عظيمٌ، فأول مسألةٍ في الكتاب مسألة النية، لأنَّ النية هي أن تخلص في قلبك لله ، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]، والله قد أمر نبيه ﷺ بأن يكون مخلصًا في جميع أعماله، قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٤ - ١٥]، وهذا الإخلاص نور وضياء وشعاع يلقيه الله في قلب العبد المؤمن، تستضيء به جوارحه، ويستنير به طريقه، فيسلك طريق الرشاد والهداية في جميع أعماله، ومن هنا نجد أنَّ الناس يتفاوتون في درجاتهم بسبب الإخلاص، فكلما قوي إخلاص العبد وقويت نيته وثقته بالله وتطهَّر قلبه من أي شكٍّ أو درنٍ أو معصيةٍ رفعه الله مكانًا عليًّا، فأبو بكر وهو رجلٌ واحدٌ لو ووزن إيمانه بإيمان الأمة لرجح؛ لأنه لم يتطرق إلى قلبه ﵁ شكٌّ ولا تردُّدٌ، فكان إذا أخبره رسول الله ﷺ يقول سمعنا وأطعنا، وهكذا كان الصحابة ﵃، وهذا الإيمان الذي في القلب يزداد وينقص، يزداد بطاعة الله وينقص بمعصية الله ، كما قال تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣] وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ١، ٢]، هذه هي الغاية التي يسعى إليها كل مؤمنٍ، فلنحرص على إخلاص الأعمال لله . قوله: (وَمَنْ شَبَّهَهُ بِالْعَقْدِ فِي النَّذْرِ). يعني: إنسان يقول: إن شفى الله مريضي سأحج سأصوم سأتصدق

стр. 6287

هذا نذرٌ، والرسول ﷺ بيَّن أن النذر لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل (١)، فالأصل أنَّ الإنسان يفعل الخير دون أن يلزم نفسه به، لماذا لا تسارع إلى الخيرات تقوم بنفس طيبةٍ راضيةٍ نقيةٍ، الله فتح لك المجال، أعطاك الفوصةَ، أمرك بالمسابقة والاستباق، وكما قال ابن القيم ﵀ (٢): فَحَيَّ على جنات عدنٍ فإنها … منازلنا الأولى وفيها المخيم إذًا أنت سابق إلى هذه الأعمال الطيبة وسارع إليها. قوله. (وَفي الْيَمِينِ أَوْقَعَهُ بِالنِّيَّةِ فَقَطْ) (٣). فالأيمان التي تأتي في كلام الإنسان لا والله وبالله لا يؤاخذ عليها، قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، وأخطرها اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في النار، وهو الذي يحلف على أمر وهو يعلم أنه كاذبٌ فيه، ربما ينجو من الناس، ولكنه سيقف بين يدي علام الغيوب، ورسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى وضع لنا منهجًا لعل أحدكم يكون أقوى بحجته من الآخر فأحكم على نحو ما أسمع فمن اقتطعت له من حق أخيه شيئًا فليأخذه أو فليدعه إنما أقطع له قطعةً من نار (٤). قوله: (وَمَنْ أَعْمَلَ التُّهَمَةَ أَوْقَعَهُ بِاللَّفْظِ فَقَطْ). من أعمل التهمة أوقع الطلاق باللفظ من باب سد الذرائع (٥)،

стр. 6288

لأنه كما مرَّ بنا في قضية الطلاق، الطلاق لفظ واحدٌ، واختلاف العلماء فيها (١) وأن السلف على عهد رسول الله وأبي بكر وسنتين وفي بعض الروايات ثلاث سنوات من خلافة عمر واحد، وأنَّ عمر لما رأى الناس قد تعجلوا أمرًا هم في أناةٍ منه، أقامه عليهم (٢) أي: نفذه عليهم، ووقع الخلاف في ذلك. ولذلك لا ينبغي للمسلم ألا يسارع إلا في شيءٍ واحد وهو فعل الخير، فالإنسان إذا سارع في فعل الخير لا يندم. من يفعل الخير لا يعدم جوازيه … لا يذهب الخير بين الله والناس فعل الخير لا يمكن أن تندم عليه، لكن تندم على فعل السيئات، لكن الله أعطاك مجالًا إذا تبت ورجعت إليه بنفس راضيةٍ مطمئنةٍ، وأنت نادم على ما مضى، مصر ألا تعود فالله يغفر لك.

стр. 6289

قوله: (وَاتَّفَقَ الْجُمْهُورُ (١) عَلَى أَنَّ أَلْفَاظَ الطَّلَاقِ الْمُطْلَقَةَ صِنْفَانِ: صَرِيحٌ، وَكِنَايَةٌ). جمهور العلماء متفقون على أنَّ ألفاظ الطلاق ليست كلها على نسقٍ واحدٍ ففيها ما هو صريحٌ ككلمة طالق ومطلقة وطلقتك ونحو ذلك؛ لأنه وضع فيه عرف الشرع في هذه الكلمة إذا أطلقت فهي تنصرف إلى هذا، أما إذا أريد بها غيرها فلا بد من التقييد كأن يقول: أنت طالق من الوثاق، أي: الرباط، لا نقول أن هذا طلاق لكن لابد من قرينة نجدها، أما الألفاظ الأخرى التي ليست صريحةً في الطلاق فلا بد أن نرجع فيها إلى النية. قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْصِيلِ الصَّرِيحِ مِنَ الْكِنَايَةِ، وَفِي أَحْكَامِهَا وَمَا يَلْزَمُ فِيهَا، وَنَحْنُ إِنَّمَا قَصدْنَا مِنْ ذَلِكَ ذِكرَ الْمَشْهُورِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَى الْأُصُولِ). هذا هو منهج المؤلف ﵀ وعفا عنا وعنه - أنه لا يحصد الفروع، وإنما يأتي بالأصول أي: أمهات المسائل، وإلا لو أراد أن يأخذ بالفروع لتضاعف كتابه إلى عشر مراتٍ، فهو مجلدان فيضرب بعشرة فتصل إلى عشرين لكنه وضع أسس وهذا شيء طيبٌ.

стр. 6290

قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ (١): الصَّرِيحُ هُوَ لَفْظُ الطَّلَاقِ فَقَطْ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ كنَايَة، وَهِيَ عِنْدَهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ظَاهِرَة وَمَحْمُولَة (٢)، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ) (٣). مالك ليس عنده من ألفاظ الطلاق صريحًا إلا لفظ الطلاق ومعه أبو قالوا: لأن هذا هو الذي يؤديه ولا يلتبس به غيره، فكلمة الطلاق نص فيه لفظ صريحٌ لا يحتمل غيره، إذا هو اللفظ الذي وجد له الشيء الصريح هو الذي يوضع للشيء ولا يحتمل غيره، وهذا الحال بالنسبة إلى الطلاق، وإن احتمل غيره فيكون احتمالًا بعيدًا كأن يقول لها: أنت طالق ويقيده من الوثاق، لكن مالكًا يخالف أبا حنيفة في الكنايات، فبعض الكنايات تكون ظاهرةً مثل: اختاري نفسك، وبعضها تكون محتملةً مثل: ملكتك نفسك، لكن في لفظ صريح الطلاق متفقان. قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٤): أَلْفَاظُ الْطَّلَاقِ الصَّرِيحَةُ ثَلَاثٌ: الطَّلَاق، وَالْفِرَاق، وَالسَّرَاح، وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي الْقُرْآن).

стр. 6291

قال الشافعي وأحمد (١) بأنها ثلاث؛ لأن هذه هي التي نطق بها الكتاب العزيز. فالله يقول: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقال : ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]. وقال : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]. قالوا هذه ألفاظ وردت في كتاب الله والمراد بها الطلاق، فنعتبرها ألفاظًا صريحةً. فلو أنَّ رجلًا قال لامرأته: فارقتك. فهذا لا يعتبر كناية عند الشافعي وأحمد، وإنما هو لفظ صريح يقع به الطلاق، وهو من الكنايات الظاهرة عند مالك لكنه لا يراه صريحًا، والحنفية والمالكية يقولون: هذان اللفظان غير الطلاق، وأريد بهما الطلاق وأريد بهما غير الطلاق في كتاب الله ، أليس الله يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] هذه من الفرقة من الخلاف، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البينة: ٤]، فالتفرق يطلق ويراد به الطلاق ويطلق ويراد به غير الطلاق كتفرق الجماعة الذي نهانا الله عنه وحذرنا منه، كما كان الناس في الجاهلية، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، ومع ذلك يقولون هناك من

стр. 6292

الحنابلة (١) من يخالف إمامه يعني: ينضم إلى الحنفية والمالكية في أنَّ اللفظ الصريح في الطلاق إنما هو لفظ الطلاق فقط. ولهم تعليقٌ على قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢]. قالوا: ليس المراد بالمفارقة الطلاق وإنما هو عدم ارتجاعها. وقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. قالوا: المراد من ذلك عدم الرجعة. فالمسألة فيها خلافٌ، ولا شك أنَّ الذين اتجهوا إلى أنَّ اللفظ الصريح الذي لا غبار عليه هو لفظ الطلاق، ويظهر لي أن هذا هو أصرح، لكن الأخرى أقل ما يكون فيها أنها كنايات ظاهرة، فتلحق بذلك، لكن لو قال إنسان لامرأته أنا فارقتك، إن قلنا هي لفظ صريح وقع الطلاق وانتهى كمذهب الشافعي وأحمد، وإذا قلنا هي كناية فيرجع إلى نيته. وهنا يظهر الفرق بينهما؛ لأنه عندما يقول: فارقتك يمكن أن يكون قصده فارقتك إلى العمل، فارقتك بجسمي، فارقتك بقلبي، هناك احتمالات كثيرة. وعندما يقول: سرحتك. يمكن أن يكون قصده سرحتك من يدي كان ممسكًا بها وأطلقها ونحو ذلك، إذًا هناك احتمالاتٌ، أما الطلاق فلا. قوله: (وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ (٢): لَا يَقَعُ طَلَاقٌ إِلَّا بِهَذِهِ الثَّلاثِ. فَهَذَا هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي صَرِيحِ الطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ صَرِيحِهِ). منهج أهل الظاهر هو الأخذ بظواهر النصوص فهم لا ينظرون إلى

стр. 6293

المفهوم، فهناك في الأصول مفهوم الموافقة (١) ومفهوم المخالفة (٢)، وهم يعارضون في المفهوم، ولا يرون القياس، ولهم تعليلات غير واردةٍ، مع أنَّ الشريعة أثبتت القياس في دلالات الكتاب العزيز وفي السنة، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ [الحشر: ٢] الاعتبار هو المقايسة، وفي قصة الرجل الذي جاء وشكا أنَّ امرأته ولدت له ولدًا يخالف لون أبيه وأمه، فضرب له الرسول ﷺ مثلًا قايسه في ذلك (٣). قوله: (وَإِنَّمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لَفْظَ الطَّلَاقِ صَرِيحٌ، لِأَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ دَلَالَة وَضعِيَّة (٤) بِالشَّرْعِ، فَصَارَ أَصْلًا فِي هَذَا الْبَابِ). معنى وضعية؛ أنه وضع للدلالة على هذا المقصود، فكلمة طلق يطلق لفظ له مدلولٌ لغويٌّ وشرعيٌّ، ومدلوله الشرعي يتفق مع اللغوي، لكن المدلول

стр. 6294

اللغوي له عدة احتمالات، لكن الشرع خصه بالطلاق المعروف، فإذا قال الإنسان: طلقت انتهى، لكن لو أراد غير ذلك كفك الحبل الذي في يدها وقال أنت طالق، عرفنا أنه أطلق القيد فزال الإشكال. قوله: (وَأَمَّا أَلْفَاظُ الْفِرَاقِ وَالسَّرَاحِ فَهِيَ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِلشَّرْعِ فِيهَا تَصَرُّفٌ - أَعْنِي: أَنْ تَدُلَّ بِعُرْفِ الشَّرْعِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ -، أَوْ هِيَ بَاقِيَة عَلَى دَلَالَتِهَا اللُّغَوِيَّةِ. فَإِذَا اسْتُعْمِلَتْ فِي هَذَا الْمَعْنَى - أَعْنِي: فِي مَعْنَى الطَّلَاقِ - كَانَتْ مَجَازًا، إِذْ هَذَا هُوَ مَعْنَى الْكِنَايَةِ، - أَعْنِي: اللَّفْظَ الَّذِي يَكُونُ مَجَازًا فِي دَلَالَتِهِ (١) -). يعني: لما يقول الرجل أنا سرحتك، ربما يكون هناك تعامل مالي بين الزوجين فيقول سرحتك احتمال أنه فك الشركه بينهما، وسرحتك يعني: أطلقتك من يدي، وهكذا توجد احتمالات كثيرة، فارقتك يعني: بجسمي، أو يقول: فارقيني بجسمك، فارقتك بقلبي، فارقتك بعملي، أنت في جهة وهي في جهة في العمل، فالاحتمال قائم، ولذلك ابن حامد من علماء الحنابلة خالف المذهب (٢) في ذلك وانضم إلى مذهبي الحنفية والمالكية؛ لأنَّ الفراق والسراح وردا في القرآن والسنة بمعان أخرى وكذلك في لغة العرب. والعلماء يقسمون البلاغة إلى علوم ثلاثة: علم المعاني، وعلم البديع، وعلم البيان. وعلم البيان هو الذي يرد فيه ما نقول عنه استعارة وكناية ومجاز ونحو ذلك.

стр. 6295

المجاز في القرآن: وقضية المجاز في الكتاب العزيز تكلم فيه العلماء: ١ - فبعضهم يتوقف (١). ٢ - وبعضهم يقول القرآن فيه مجاز (٢). ٣ - وبعضهم نحى منحًا جيدًا فقال هو ليس مجازًا، ولكنه إيجاز بالحذف (٣)، والحذف جائز والترخيم موجود في القرآن، قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ (٤) يعني يا مالك ليقض علينا ربك. وكذلك الحذف: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢] يعني: أهل القرية، ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ [الكهف: ٧٩] يعني: صالحة. ويختلفون في وجوده في لغة العرب، وبعضهم يرى ذلك إيجازا (٥)، وهناك كلام كثير للعلماء في هذه المسألة.

стр. 6296

قوله: (وَإِنَّمَا ذَهَبَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ إِلَّا بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ، لِأَنَّ الشَّرْعَ إِنَّمَا وَرَدَ بِهَذ الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ عِبَادَةٌ، وَمِنْ شَرْطِهَا اللَّفْظ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْتَصَرَ بِهَا عَلَى اللَّفْظِ الشَّرْعِيِّ الْوَارِدِ فِيهَا). هكذا قال أهل الظاهر (١)، لكن كلام أهل الظاهر مردودٌ من السنة، كقوله ﷺ : "الحقي بأهلك" (٢)، وبعضهم يضيف خليةً أو بريةً أو بائنةً كالمالكية والحنابلة في روايةٍ، لكن المسَلَّم هو لفظ الطلاق وما اشتقَّ منه، أما الألفاظ الأخرى التي هي خلية وبرية والتي هي الفراق والسراح هذه عند الحنابلة (٣) والشافعية (٤) من الصريح، وعند غيرهم ليست من الصريح (٥)، فالكنايات منها ما هو صريحٌ ومنها ما هو كناية عند المالكية والحنابلة، والذين ذهبوا إلى أنَّ لفظ السراح والفراق ليست من ألفاظ الطلاق الصريح قالوا لأنها تقال في الطلاق وفي غيره، وذكرنا الأدلة من القرآن العزيز على أنها تطلق ويراد بها الطلاق، وتطلق ويراد بها غير الطلاق. عدم التسرع في الطلاق: والطلاق من أعظم الأمور وأشدها، وينبغي للمسلم ألّا يتسرع فيه

стр. 6297

وألا يتهاون فيه، حتى لو صدرت منه لفظة ثم أفتاه أحد العلماء أو أكثر من عالمٍ بأن ذلك لا يعد طلاقًا، فالله يعلم أن غيره يرى أنه طلاقًا فيبقى في حياته في نغصٍ ونكدٍ، فالإنسان إذا بقي وهو مترددٌ في أمر لا يكون مرتاحًا، لكن متىَ يكون مرتاحًا؟ إذا فعل ما أرشده إليه رسول الله ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، فعلينا أن نتجنب الحديث عن الطلاق، فكثير من المسلمين - هداهم الله - وربما العامة تجد أنه عندما يختلف مع أحدٍ يشير إلى طلاق امرأته في يمين كذا. والرسول أوصاك بهذه الزوجة خيرًا، وبيَّن أنك أخذتها بأمانة الله، وأنك استحللت فرجها بكلمة الله (١) فلماذا تجعلها بضاعة رخيصة وأنت أوصيت بها خيرًا. لم لمْ تأخذ بوصية الرسول ﷺ ؛ لأنها ضعيفة عوان بين أيديكم ليس معنى ذلك أنك تعلو وتتجبر، فكما أنَّ المرأة مأمورةٌ بالطاعة والخضوع لزوجها والسمع والطاعة، كذلك ينبغي على الرجل أن يتق الله فيها. قوله: (فَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي أَحْكَامِ صَرِيحِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ فَفِيهِ مَسْأَلَتَان مَشْهُورَتَان: إِحْدَاهُمَا: اتَّفَقَ مَالِكٌ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)، وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهَا (٤)).

стр. 6298

وأحمد (١). قوله: (وَالثَّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا فِيهَا، فَأَمَّا الَّتِي اتَّفَقُوا عَلَيْهَا: فَإِنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ، وَأَبَا حَنِيفَةَ قَالُوا: لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُطَلِّقِ إِذَا نَطَقَ بِأَلْفَاظِ الطَّلَاقِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ طَلَاقًا إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ). إذا نطق بصريح الطلاق بلفظ الطلاق أو ما اشتق منه لا يقبل قوله سواء كان جادًّا أو لا، نوى أو لم ينو، لحديث: "ثلاث جدهنَّ جد وهزلهنَّ جد: الطلاق والنكاح والعتاق" (٢). وفي رواية: "الرجعة" (٣). قوله: (وَكَذَلِكَ السَّرَاحُ وَالْفِرَاقُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ) (٤). يقول لها: سرحتك أو فارقتك عند الشافعية والحنابلة تعد من صريح الطلاق (٥). قوله: (وَاسْتَثْنَتِ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنْ قَالَتْ: إِلَّا أَنْ تَقْتَرِنَ بِالْحَالَةِ أَوْ الْمَرْأَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ دَعْوَاه، مِثْلَ أَنْ تَسْأَلَهُ أَنْ يُطْلِقَهَا مِنْ وَثَاقٍ هِيَ فِيهِ وَشِبْهِهِ فَيَقُولُ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ) (٦).

стр. 6299

ومعهم الحنابلة (١) يعني لو قال: أنتِ طالق، وقال: ما أردت الطلاق، يقال له: بل أردت؛ لأن هذا لفظ صريحٌ لا يحتمل غيره إلا احتمالًا بعيدًا جدًّا، فيقول: أنا أردت أنها طالقٌ من الوثاق أي: من القيد أي: من الرباط، فحينئذٍ يقبل كلامه في هذا المقام. قوله: (وَفِقْهُ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ الشَّافِعِي وَأَبِي حَنِيفَة: أَنَّ الطَّلَاقَ عِنْدَهُمْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ). الأئمة الثلاثة أبو حنيفة والشافعي وأحمد (٢) يرون أن الأمر لا يحتاج في صريح الطلاق إلى نية، ولا في الكنايات الصريحة عدا الشافعية (٣). قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ فَالْمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّ الطَّلَاقَ عِنْدَهُ يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ، لَكِنْ لَمْ يُنَوِّهْ هَا هُنَا لِمَوْضِعِ التُّهَمِ). لم يعتبر النية هنا؛ لأنه متهمٌ فما دام متهمًا، فنعامله بنقيض قصده، فنقول: أنت ما دمت قلت هذا، فهذه تحتمل الطلاق، إذًا يقع الطلاق. قول: (وَمِنْ رَأْيِهِ: الْحُكْمُ بِالتُّهَمِ سَدًّا لِلذَّرَائِعِ). المالكية يتوسعون في باب سد الذرائع، فيتشدَّدون في بعض الأمور، وتوضع هناك ضوابطُ، فقد يمنعون من بعض الأمور المحتملة حتى لا يتجرأ أحدٌ على بعض أحكام الشريعة الإسلامية. قوله: (وَذَلِكَ مِمَّا خَالَفَهُ فِيهِ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، فَيَجِبُ عَلَى

стр. 6300

رَأْيِ مَنْ يَشْتَرِطُ النِّيَّةَ فِي أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ وَلَا يَحْكُمُ بِالتُّهَمِ أَنْ يُصَدِّقَهُ فِيمَا ادَعَى). وأحمد. قوله: (وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فَهِيَ اخْتَلَفوا فِيمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِق، وَادَّعَى أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ أَكثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ: إِمَّا ثِنْتَيْنِ وإِمَّا ثَلَاثًا). أطلق اللفط وقال: أنت طالق، فهذا اللفظ عندما يطلق، فظاهره أنه لا يقصد به الثلاث، لكن من باب سد الذرائع على مذهب مالك إن قال هذا فيرجع إلى نيته. قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ مَا نَوَى (١)، وَقَدْ لَزِمَهُ - وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)، إِلَّا أَنْ يُقَيِّدَ فَيَقُولَ: طَلْقَةً وَاحِدَةً، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ. وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ (٣)، فَقَالَ: لَا يَقَعُ ثَلَاثًا بِلَفْظِ الطَّلَاقِ، لِأَنَّ الْعَدَدَ لَا يَتَضَمَّنهُ لَفْظُ الْإِقْرَادِ، لَا كنَايَةً وَلَا تَصْرِيحًا). لو قال الرجل لامرأته: أنت طالق وسكت حينئذ يُرجع إلى نيته، فلو يقصد طلقة واحدةٍ فحينئذ يؤخذ بنيته عند العلماء جميعًا، وإذا أراد أكثر من ذلك فهل للنية تأثيرٌ في اللفظ؟

стр. 6301

١ - مالك والشافعي وأحمد (١) في رواية: يعتبر النية هنا. ٢ - وعند أبي حنيفة وروايةٍ أخرى لأحمد (٢): لا تعتبر النية هنا؛ لأنَّ كلمة طالق تطلق على أقلِّ مدلولها، وهي طلقة واحدة. قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ بِالنِّيَّةِ دُونَ اللَّفْظِ، أَوْ بِالنِّيَّةِ مَعَ اللَّفْظِ الْمُحْتِمِلِ؟ فَمَنْ قَالَ بِالنِّيَّةِ (٣) أَوْحَط الثَّلَاثَ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ بِالنِّيَّةِ وَاللَّفْظِ الْمُحْتَملِ وَرَأَى أَنَّ لَفْظَ الطَّلَاقِ يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ. وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ اشْتِرَاطِ اللَّفْظِ فِي الطَّلَاقِ مَعَ النيّةَ قَالَ: لَا يَجِبُ الْعَدَدُ وَإِنْ نَوَاهُ) (٤). وقوع الطلاق على ما يفهم به كلام المؤلف لا يريد النية فقط دون وجود لفظ معها، ولكن قصده النية مع قوله طالق، فالإنسان إذا نوى الطلاق في نفسه فهو حديث النفس وهذا لم يخالف فيه إلا تابعيان، وهما الزهري وابن سيرين، ولا حجة لذلك القول، بل الحجة في قول من خالفه، فمن قال كلمة طالق نرجع فيها إلى نيته إن نوى أكثر من واحدةٍ وقعت وإن نوى واحدةً وقعت، وهناك من لا يرجع إلى النية ويقتصر على واحدةٍ، فاللفظ يدل على واحدةٍ، ولا يجب أن نتجاوز غيرها. قوله: (وَهَذ الْمَسْأَلَةُ اخْتَلَفُوا فِيهَا، وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ شُرُوطِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ - أَعْنِي: اشْتِرَاطَ النِّيَّةَ مَعَ اللَّفْظِ، أَوْ بِانْفِرَادِ أَحَدِهِمَا). هناك مسألةٌ أجمع عليها العلماء وهي إذا اجتمع صريح الطلاق مع

стр. 6302

النية، هذه لم ينازع فيها أحدٌ (١)، وذهب كثير من العلماء لو أنَّ إنسانًا طلَّق دون أن ينوي وقع الطلاق عند الجمهور (٢)، واختلفوا فيما يقع لو كان اللفظ غير صريحٍ ووجدت النية، وكما سيأتي إما أن يذهبوا إلى وقوع الطلاق دون نيةٍ، وهذا قول ضعيف، أما من يذهبُ إلى وقوع الطلاق بالنية دون لفظٍ، وهذا قولٌ ضعيفٌ. قوله: (فَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ إِلَّا بِاللَّفْظِ وَالنِّيَّةِ (٣)، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَقَعُ بِاللَّفْظِ دُونَ النيَّةِ (٤). وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ (٥) أَنَّ لَفْظَ الطَّلَاقِ الصَّرِيحَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ). وهو مذهب أحمد (٦).

стр. 6303

قوله: (فَمَنِ اكتَفَى بِالنِّيَّةِ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﷺ : "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" (١)). هذا الحديث عظيمٌ، وهو من جوامع كلمه ﷺ ، وذكر العلماء أنَّ مدار أحكام الشريعة والفقه الإسلامي على أربعة أحاديث منها هذا الحديث (٢) ونجد أنَّ البخاري افتتح به كتابه، ولذلك مدار الأعمال على النيات، إذ النية شرعت لتمييز العبادات بعضها عن بعضٍ لنعرف هذه من هذه، وهذه واجبة وهذه غير واجبة، وتمييز العبادة عن العادة. فإذًا النية مقصودة، ولكن بالنسبة للطلاق بيَّن لنا الرسول ﷺ أن جده وهزله سيان، فليحذر الإنسان أن يقع في ذلك. قوله: (وَمَنْ لَمْ يَعْتَبِرِ النِّيَّةً دُونَ اللَّفْظِ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﵊: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا" (٣). وَالنِّيَّةَ دُونَ قَوْلٍ حَدِيثُ نَفْسٍ). هذا يمثِّل حديثين وليس حديثًا واحدًا، القسم الأول منه هو: "أن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" حديث حسن (٤)، أما الآخر فمتفقٌ عليه وهو: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به" (٥) وهذا من لطف الله بنا.

стр. 6304

قوله: (وَلَيْسَ يَلْزَمُ مَنِ اشْتَرَطَ النِّيَّةَ فِي الْعَمَلِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ كَافِيَةً بِنَفْسِهَا). ينبغي أن نحذر هؤلاء اللئام الذين ينفون كلام الله ، فهذا الكتاب العزيز الذي بين أيدينا هو كلام الله، وهو كتابه تكلم به بصوتٍ وبحرفٍ، نزل به جبريل على رسولنا ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]. قوله: (وَاخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ هَلْ يَقَعُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا طَلَاقٌ بَائِنٌ إِذَا قَصَدَ ذَلِكَ الْمُطَلِّقُ وَلَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ عِوَضٌ؟ فَقِيلَ يَقَعُ، وَقِيلَ لَا يَقَعُ (١)، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ مِنْ مَسَائِلِ أَحْكَامِ صَرِيحِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ). هذا مذهب مالك. والطلاق بعوضٍ هو الذي نسميه الخلع وقد مضى وهل الخلع طلاق أم فسخٌ، قد تكلمنا عن ذلك تفصيلًا. قوله: (وَأَمَّا أَلْفَاظُ الطَّلَاقِ الَّتِي لَيْسَتْ بِصَرِيحٍ، فَمِنْهَا: مَا هِيَ كنَايَة ظَاهِرَة عِنْدَ مَالِكٍ، وَمِنْهَا: مَا هِيَ كنَايَة مُحْتَمَلَةٌ (٢)). يقسم العلماء ألفاظَ الطَّلاق إلى ألفاظٍ ظاهرةٍ صريحةٍ دلالتها ظاهرةٌ، وألفاظٍ محتملةٍ تحتمل أمرين، وبعضهم يقسمها أقسامًا ثلاثةً:

стр. 6305

١ - ألفاظ ظاهرةٌ. ٢ - وألفاظ مختلفٌ فيها. ٣ - وألفاظٌ خفيةٌ. (١) لكن نأخذها كما ذكر المؤلف ظاهرةً ومحتملةً. * قوله: (وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ إِذَا ادَّعَى فِي الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ طَلَاقًا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُه، إِلَّا أَنْ تَكُونَ هُنَالِكَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كَرَأْيِهِ فِي الصَّرِيحِ، كَذَلِكَ لَا يُقْبَلُ عِنْدَهُ مَا يَدَّعِيهِ مِنْ دُون الثَّلَاثِ فِي الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ، وَذَلِكَ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ فِي الْخُلْعِ (٢)). أما الإمام الشافعي (٣) فمذهبه متحدٌ في ذلك، فإنه يرى أنَّ كل كنايةٍ لا تختلف من حيث المدلول، فهي تحتاج إلى نيةٍ، أما المالكية وروايةٌ للحنابلة (٤)، فيفرقون بين الظاهرة وبين غيرِ الظاهرة، وهي هنا المحتملة، ونُقل في رواية أخرى للحنابلة (٥) أنها كمذهب الشافعيِّ تحتاج إلى نيةٍ. قوله: (وَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا فيُصَدِّقُهُ فِي الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ فِيمَا
следующие страницы →