← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.

стр. 6301

١ - مالك والشافعي وأحمد (١) في رواية: يعتبر النية هنا. ٢ - وعند أبي حنيفة وروايةٍ أخرى لأحمد (٢): لا تعتبر النية هنا؛ لأنَّ كلمة طالق تطلق على أقلِّ مدلولها، وهي طلقة واحدة. قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ بِالنِّيَّةِ دُونَ اللَّفْظِ، أَوْ بِالنِّيَّةِ مَعَ اللَّفْظِ الْمُحْتِمِلِ؟ فَمَنْ قَالَ بِالنِّيَّةِ (٣) أَوْحَط الثَّلَاثَ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ بِالنِّيَّةِ وَاللَّفْظِ الْمُحْتَملِ وَرَأَى أَنَّ لَفْظَ الطَّلَاقِ يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ. وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ اشْتِرَاطِ اللَّفْظِ فِي الطَّلَاقِ مَعَ النيّةَ قَالَ: لَا يَجِبُ الْعَدَدُ وَإِنْ نَوَاهُ) (٤). وقوع الطلاق على ما يفهم به كلام المؤلف لا يريد النية فقط دون وجود لفظ معها، ولكن قصده النية مع قوله طالق، فالإنسان إذا نوى الطلاق في نفسه فهو حديث النفس وهذا لم يخالف فيه إلا تابعيان، وهما الزهري وابن سيرين، ولا حجة لذلك القول، بل الحجة في قول من خالفه، فمن قال كلمة طالق نرجع فيها إلى نيته إن نوى أكثر من واحدةٍ وقعت وإن نوى واحدةً وقعت، وهناك من لا يرجع إلى النية ويقتصر على واحدةٍ، فاللفظ يدل على واحدةٍ، ولا يجب أن نتجاوز غيرها. قوله: (وَهَذ الْمَسْأَلَةُ اخْتَلَفُوا فِيهَا، وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ شُرُوطِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ - أَعْنِي: اشْتِرَاطَ النِّيَّةَ مَعَ اللَّفْظِ، أَوْ بِانْفِرَادِ أَحَدِهِمَا). هناك مسألةٌ أجمع عليها العلماء وهي إذا اجتمع صريح الطلاق مع

стр. 6302

النية، هذه لم ينازع فيها أحدٌ (١)، وذهب كثير من العلماء لو أنَّ إنسانًا طلَّق دون أن ينوي وقع الطلاق عند الجمهور (٢)، واختلفوا فيما يقع لو كان اللفظ غير صريحٍ ووجدت النية، وكما سيأتي إما أن يذهبوا إلى وقوع الطلاق دون نيةٍ، وهذا قول ضعيف، أما من يذهبُ إلى وقوع الطلاق بالنية دون لفظٍ، وهذا قولٌ ضعيفٌ. قوله: (فَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ إِلَّا بِاللَّفْظِ وَالنِّيَّةِ (٣)، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَقَعُ بِاللَّفْظِ دُونَ النيَّةِ (٤). وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ (٥) أَنَّ لَفْظَ الطَّلَاقِ الصَّرِيحَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ). وهو مذهب أحمد (٦).

стр. 6303

قوله: (فَمَنِ اكتَفَى بِالنِّيَّةِ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﷺ : "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" (١)). هذا الحديث عظيمٌ، وهو من جوامع كلمه ﷺ ، وذكر العلماء أنَّ مدار أحكام الشريعة والفقه الإسلامي على أربعة أحاديث منها هذا الحديث (٢) ونجد أنَّ البخاري افتتح به كتابه، ولذلك مدار الأعمال على النيات، إذ النية شرعت لتمييز العبادات بعضها عن بعضٍ لنعرف هذه من هذه، وهذه واجبة وهذه غير واجبة، وتمييز العبادة عن العادة. فإذًا النية مقصودة، ولكن بالنسبة للطلاق بيَّن لنا الرسول ﷺ أن جده وهزله سيان، فليحذر الإنسان أن يقع في ذلك. قوله: (وَمَنْ لَمْ يَعْتَبِرِ النِّيَّةً دُونَ اللَّفْظِ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﵊: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا" (٣). وَالنِّيَّةَ دُونَ قَوْلٍ حَدِيثُ نَفْسٍ). هذا يمثِّل حديثين وليس حديثًا واحدًا، القسم الأول منه هو: "أن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" حديث حسن (٤)، أما الآخر فمتفقٌ عليه وهو: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به" (٥) وهذا من لطف الله بنا.

стр. 6304

قوله: (وَلَيْسَ يَلْزَمُ مَنِ اشْتَرَطَ النِّيَّةَ فِي الْعَمَلِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ كَافِيَةً بِنَفْسِهَا). ينبغي أن نحذر هؤلاء اللئام الذين ينفون كلام الله ، فهذا الكتاب العزيز الذي بين أيدينا هو كلام الله، وهو كتابه تكلم به بصوتٍ وبحرفٍ، نزل به جبريل على رسولنا ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]. قوله: (وَاخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ هَلْ يَقَعُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا طَلَاقٌ بَائِنٌ إِذَا قَصَدَ ذَلِكَ الْمُطَلِّقُ وَلَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ عِوَضٌ؟ فَقِيلَ يَقَعُ، وَقِيلَ لَا يَقَعُ (١)، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ مِنْ مَسَائِلِ أَحْكَامِ صَرِيحِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ). هذا مذهب مالك. والطلاق بعوضٍ هو الذي نسميه الخلع وقد مضى وهل الخلع طلاق أم فسخٌ، قد تكلمنا عن ذلك تفصيلًا. قوله: (وَأَمَّا أَلْفَاظُ الطَّلَاقِ الَّتِي لَيْسَتْ بِصَرِيحٍ، فَمِنْهَا: مَا هِيَ كنَايَة ظَاهِرَة عِنْدَ مَالِكٍ، وَمِنْهَا: مَا هِيَ كنَايَة مُحْتَمَلَةٌ (٢)). يقسم العلماء ألفاظَ الطَّلاق إلى ألفاظٍ ظاهرةٍ صريحةٍ دلالتها ظاهرةٌ، وألفاظٍ محتملةٍ تحتمل أمرين، وبعضهم يقسمها أقسامًا ثلاثةً:

стр. 6305

١ - ألفاظ ظاهرةٌ. ٢ - وألفاظ مختلفٌ فيها. ٣ - وألفاظٌ خفيةٌ. (١) لكن نأخذها كما ذكر المؤلف ظاهرةً ومحتملةً. * قوله: (وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ إِذَا ادَّعَى فِي الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ طَلَاقًا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُه، إِلَّا أَنْ تَكُونَ هُنَالِكَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كَرَأْيِهِ فِي الصَّرِيحِ، كَذَلِكَ لَا يُقْبَلُ عِنْدَهُ مَا يَدَّعِيهِ مِنْ دُون الثَّلَاثِ فِي الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ، وَذَلِكَ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ فِي الْخُلْعِ (٢)). أما الإمام الشافعي (٣) فمذهبه متحدٌ في ذلك، فإنه يرى أنَّ كل كنايةٍ لا تختلف من حيث المدلول، فهي تحتاج إلى نيةٍ، أما المالكية وروايةٌ للحنابلة (٤)، فيفرقون بين الظاهرة وبين غيرِ الظاهرة، وهي هنا المحتملة، ونُقل في رواية أخرى للحنابلة (٥) أنها كمذهب الشافعيِّ تحتاج إلى نيةٍ. قوله: (وَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا فيُصَدِّقُهُ فِي الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ فِيمَا

стр. 6306

دُونَ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ طَلَاقَ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا بَائِنٌ، وَهَذِهِ هِيَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ، وَمِثْلُ: الْبَتَّةَ، وَمِثْلُ قَوْلِهِمْ: أَنْتِ خَلِيَّةٌ وَبَرِيَّةٌ). هي واحدةٌ مثل الصريحة، وكلمة خلية يعني أنت خاليةٌ من النكاح، برية أنت بائنةٌ من النكاح، أنت بتة يعني مقطوعة النكاح، وبعضهم يضيف عبارة الحقي بأهلك. فهذه الألفاظ بعض العلماء يرون أنها كناياتٌ صريحةٌ يقع بها الطلاق ثلاثًا هذا مذهب مالك (١) وهي رواية عند أحمد (٢) والرواية الأخرى (٣) مع الشافعية (٤). قوله: (وَأَمَّا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ (٥) فِي الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ: فَإِنَّهُ يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إِلَى مَا نَوَاه، فَإِنْ كَانَ نَوَى طَلَاقًا كَانَ طَلَاقًا، وَإِنْ كَانَ نَوَى ثَلَاثًا كَانَ ثَلَاثًا، أَوْ وَاحِدَةً كَانَ وَاحِدَةً، وَيُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، إِلَّا أَنَّهُ عَلَى أَصْلِهِ وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ وَقَعَ عِنْده طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، وَإِن اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى

стр. 6307

الطَّلَاقِ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ لَمْ يُصَدَّقْ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ عِنْدَهُ فِي مُذَاكَرَتِهِ الطَّلَاقَ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يُطَلِّقُ بِالْكِنَايَاتِ كُلِّهَا إِذَا اقْتَرَنَتْ بِهَا هَذِهِ الْقَرِينَةُ إِلَّا أَرْبَعَ: حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ، وَاعْتَدِّي، وَاسْتَبْرِئِي، وَتَقَنَّعِي. لِأَنَّهَا عِنْدَهُ مِنَ الْمُحْتَمَلَةِ غَيْرِ الظَّاهِرَةِ. وَأَمَّا أَلْفَاظُ الطَّلَاقِ الْمُحْتَمَلَةُ غَيْرُ الظَّاهِرَةِ: فَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهَا نِيَّتُه، كَالْحَالِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ. وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ فَقَالُوا: لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ، وَإِنْ نَوَى طَلَاقًا. فَيَتَحَصَّلُ فِي الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قَوْلٌ أَنْ يُصَدَّقَ بِإِطْلَاقٍ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَقَوْلٌ إِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ بِإِطْلَاقٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَالِكَ قَرِينَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَوْلٌ إِنَّهُ يُصَدَّقُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مُذَاكرَةِ الطَّلَاقِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَفِي الْمَذْهَبِ خِلَافٌ فِي مَسَائِلَ يَتَرَدَّدُ حَمْلُهَا بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالْمُحْتَمَلِ، وَبَيْنَ قُوَّتِهَا وَضَعْفِهَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى صِفَةِ الْبَيْنُونَةِ فَوَقَعَ فِيهَا الاخْتِلَاف، وَهِيَ رَاجِعَة إِلَى هَذِهِ الْأُصُولِ، وَإِنَّمَا صَارَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ إِنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ طَلَاقًا، لِأَنَّ الْعُرْفَ اللُّغَوِيَّ وَالشَّرْعِيَّ شَاهِدٌ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ إِنَّمَا تَلَفَّظَ بِهَا النَّاسُ غَالِبًا، وَالْمُرَادُ بِهَا الطَّلَاق، إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَالِكَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا صَارَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَولهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ دُونَ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ هُوَ الْبَيْنُونَة، وَالْبَيْنُونَةُ لَا تَقَعُ إِلَّا خُلْعًا عِنْدَهُ فِي الْمَشْهُورِ أَوْ ثَلَاثًا، وَإِذَا لَمْ تَقَعْ خُلْعًا - لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ عِوَضٌ - فَبَقِيَ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثًا، وَذَلِكَ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا، وَيَتَخَرَّجُ عَلَى الْقَوْلِ فِي الْمَذْهَبِ بِأَنَّ الْبَائِنَ تَقَعُ مِنْ دُونِ عِوَضٍ وَدُونِ عَدَدٍ أَنْ يُصَدَّقَ فِي ذَلِكَ وَتَكُونَ وَاحِدَةً بَائِنَةً. وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِ فِي صَرِيحِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ كَانَ أَحْرَى أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ فِي كِنَايَتِهِ، لِأَنَّ دَلَالَةَ الصَّرِيحِ أَقْوَى

стр. 6308

مِنْ دَلَالَةِ الْكِنَايَةِ، ويُشْبِهُ أَنْ تَقُولَ الْمَالِكِيَّةُ إِنْ لَفَظَ الطَّلَاقِ وإنْ كَانَ صَرِيحًا فِي الطَّلَاقِ فَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الْعَدَدِ وَمِنَ الْحُجَّةِ لِلشَّافِعِيِّ حَدِيثُ رُكَانَةَ الْمُتَقَدِّم، وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ فِي: حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ. وَإِنَّمَا صَارَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ إِذَا نَوَى مَا دُونَ الثَّلَاثِ يَكُونُ رَجْعِيًّا لِحَدِيثِ رُكَانَةَ الْمُتَقَدِّمِ. وَصَارَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ يَكُونُ بَائِنًا لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِهِ قَطْعُ الْعِصْمَةِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ ثَلَاثًا لِأَنَّ الثَّلَاثَ مَعْنًى زَائِدٌ عَلَى الْبَيْنُونَةِ عِنْدَهُ. فَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ يُقَدَّمُ عُرْفُ اللَّفْظِ عَلَى النِّيَّةِ أَوِ النِّيَّةُ عَلَى عُرْفِ اللَّفْظِ؟ وإذَا غَلَّبْنَا عُرْفَ اللَّفْظِ: فَهَلْ يَقْتَضِي الْبَيْنُونَةَ فَقَطْ، أَوِ الْعَدَدَ؟ فَمَنْ قَدَّمَ النِّيَّةَ لَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ بِعُرْفِ اللَّفْظِ، وَمَنْ قَدَّمَ الْعُرْفَ الظَّاهِرَ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى النِّيَّةِ، وَمِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ وَفُقَهَاءُ الأمْصَارِ مِنْ هَذَا الْبَابِ - أَعْنِي: مِنْ جِنْسِ الْمَسَائِلِ الدَّاخِلَةِ فِي هَذَا الْبَاب -: لَفْظُ التَّحْرِيمِ - أَعْنِي: مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتَ عَلَيَّ حَرَامٌ -، وَذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا قَالَ: يُحْمَلُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا عَلَى الْبَتِّ - أَي: الثَّلَاث - ويُنْوَى فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا، وَذَلِكَ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَلِيٍّ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُهُ إِلَّا ابْنَ الْمَاجِشُون فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يَنْوِي فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا وَتَكُونُ ثَلَاثًا، فَهذَا هُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ إِنْ نَوَى بِذَلِكَ ثَلَاثًا فَهِيَ ثَلاث، وإنْ نَوى وَاحِدَةً فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، وَإِنْ نَوَى يَمِينًا فَهُوَ يَمِين يُكَفِّرُهَا، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ طَلَاقًا وَلَا يَمِينًا فَلَيْسَ بِشَيءٍ، هِيَ كَذِبَةٌ، وَقَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ الثَّوْرِيُّ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَكُونُ أَيْضًا مَا نَوَى بِهَا، وَإِنْ نَوى وَاحِدَةً فَوَاحِدَةٌ، أَوْ ثَلَاثًا فثَلَاثٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَهُوَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا، وَهَذَا الْقَوْلُ قَالَهُ الْأَوْزَاعِيُّ. وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنْ يَنْوِيَ فِيهَا فِي الْمَوْضِعَيْن: فِي إِرَادَةِ

стр. 6309

الطَّلَاقِ وَفِي عَدَدِهِ، فَمَا نَوَى كانَ مَا نوَى، فَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً كَانَ رَجْعِيًّا، وَإِنْ أَرَادَ تَحْرِيمَهَا بِغَيْرِ طَلَاقٍ فَعَلَيْهِ كفَّارَةُ يَمِينٍ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ يَنْوِي أَيْضًا فِي الطَّلَاقِ وَفِي الْعَدَدِ، فَإِنْ نَوى وَاحِدَةً كانَتْ بَائِنَةً، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ طَلَاقًا كَانَ يَمِينًا، وَهُوَ مُولٍ، فَإِنْ نَوَى الْكَذِبَ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ. وَالْقَوْلُ السَّادِس: إِنَّهَا يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا مَا يُكَفِّرُ الْيَمِينَ، إِلَّا أَنْ بَعْضَ هَؤُلَاءِ قَالَ: يَمِينٌ مُغَلَّظَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْن عَبَّاس وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَابعِينَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاس وَقَدْ سُئِلَ عَنْهَا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] "خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. ذَهَبَ إِلَى الاحْتِجَاجِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] الْآيَةَ. وَالْقَوْلُ السَّابع: أَنَّ تَحْرِيمَ الْمَرْأَةِ كتَحْرِيمِ الْمَاءِ، وَلَيْسَ فِيهِ كَفَّارَةٌ وَلَا طَلَاقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] وَهُوَ قَوْلُ مَسْرُوقٍ وَالأجْدَعِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِمْ. وَمَنْ قَالَ فِيها إِنَّهَا غَيْرُ مُغَلَّظَةٍ: بَعْضُهُمْ أَوْجَبَ فِيهَا الْوَاجِبَ فِي الظِّهَارِ، وَبَعْضُهُمْ أَوْجَبَ فِيهَا عِتْقَ رَقَبَةٍ، وَسَبَبَ الاخْتلَافِ: هَلْ هُوَ يَمِينٌ أَوْ كِنَايَةٌ؟ أَوْ لَيْسَ بِيَمِينٍ وَلَا كِنَايَةٍ؟ فَهَذِهِ أَصُولُ مَا يَقَعُ مِنَ الاخْتِلَافِ فِي أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ). الشافعية لم يقسموا الكنايات إلى قسمين بل جعلوها صنفًا واحدًا لا فرق عندهم بين ظاهرةٍ ومحتملةٍ، فهى ترجع إلى نية الإنسان استفت قلبك وإن أفتوك، والشافعية لهم حجة قوية فهم يستدلون بحديث رُكَانة، وفي حديثه: أنه عندما طلَّق امرأته جاء رسولَ اللّه ﷺ وقال: يا رسول اللّه ما أردت إلا واحدةً، فقال له الرسول ﷺ : "آللّه ما أردتَ إلا واحدةً"، فأجاب: آللّه ما أردت إلا واحدةً، يعني: واللّه ما قصدت إلا واحدةً، فردها عليه رسول اللّه ﷺ ، قالوا: فطلقها الثانية في زمن عمر ﵁ وطلقها

стр. 6310

الثالثة وهو الطلاق البائن في زمن عثمان ﵁ (١). قالوا: وهذا حديث جليلٌ في هذا المقام لأنه حجة، ونجد بعض العلماء يأخذ الحيطة في جانب المطلِق فيقولون: كيف نحل امرأةً لإنسانٍ نرى أنه طلق، وبعضهم يقول: لماذا نحرِّم عليه امرأته، لا نرى أنَّ الطلاق صريحًا في ذلك، فلكلٍّ وجهة هو موليها، وهم بلا شك مجتهدون. قال المصنف رحمه اللّه تعالى: [الْفَصل الثَّانِي في ألْفَاظ الطلاقِ المقَيدة] (وَالطَّلَاقُ الْمُقَيَّدُ لَا يَخْلُو مِنْ قِسْمَيْن: إِمَّا تَقْيِيدُ اشِترَاطٍ، أَوْ تَقْيِيدُ اسْتِثْنَاء). الشرط له أدوات، وأدوات الشرط تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: حروف ك (إن). القسم الثاني: أسماء ك (مَن ومتى). ومنها ما يدل على الاستفهام، والكلام فيها كثيرٌ جدًّا. وأما الاستثناء فأداته المشهورة (إلا). وقد يكون الاستثناء بحرفٍ كحرف إلا وخلا وحاشا وعدا، وربما بفعلِ من الأفعال الجامدة كليس فإنه يستثنى به، وربما يكون أيضًا باسم من الأسماء مثل سوى وغير. وسنتكلم في هذا تفصيلًا.

стр. 6311

قوله: (وَالتَّقْيِيدُ الْمشْترطُ لَا يَخْلُو أَنْ يُعَلَّقَ بِمَشِيئةِ مَنْ لَهُ اخْتِيَار، أَوْ بِوُقُوعِ فِعْلٍ مِن الْأَفعَالِ الْمُسْتَقْبَلَةِ). تعليق الطلاق بالمشيئة قد تكون بمشيئة من له الاختيار، كأن يعلِّقه بمشيئة فلانٍ كأن يقول: زوجتي طالقٌ إن شاء فلان فيسميه، وربما يعلِّقه بأمرٍ لا يحصل منه ذلك الشيء كالجمادات ونحوها، وربما يعلِّقه بمشيئة اللّه كأن يقول لزوجته: أنت طالقٌ إن شاء اللّه. قوله: (أَوْ بِخُرُوج شَيْءٍ مَجْهُولِ الْعِلْمِ إِلى الْوُجُود عَلَى مَا يَدَّعِيهِ الْمُعَلِّقُ لِلطَّلَاقِ بِهِ، مِمَّا لَا يُتَوَصَّلُ إِلَى عِلْمِهِ إِلَّا بَعْدَ خُرُوجِهِ إِلَى الْحِسِّ، أَوْ إِلَى الْوُجُودِ، أَوْ بِمَا لَا سَبِيلَ إِلَى الْوُقُوفِ عَلَيْهِ مِمَّا هُوَ مُمكِن أَنْ يَكُونَ أَوْ لَا يَكُونَ). كأن يعلِّق ذلك بقوله: إن ولدتْ زوجتي ذكرًا فهي طالق، أو إن ولدت أنثى. وللأسف التساهل في أمر الطلاق يحصل من المسلمين، فينبغي أن نترفَّع عن هذه الأمور. قوله: (فَأَمَّا تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِالْمَشِيئَةِ: فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يُعَلِّقَهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، أَوْ بِمَشِيئَةِ مَخْلُوقٍ، فَإِذَا عَلَّقَهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَسَوَاءٌ عَلَّقَهُ عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: "أَنْتِ طَالِق إِنْ شاءَ اللَّهُ". أَوْ عَلَى جِهَةِ الاسْتِثْنَاءِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: "أَنْتِ طَالِقٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ"). جهة الشرط لأنه جاء بأداة الشرط: (إن)، كأن يقول: أنت طالق إن شاء اللّه، فـ (إن) حرف شرطٍ جازمٍ، وربما يعلقه بالاستثناء فيقول: أنت طالق إلا أن يشاء الله فيستثني.

стр. 6312

قوله: (فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا يُؤَثِّرُ الاسْتِثْنَاءُ فِي الطَّلَاقِ شَيْئًا، وَهُوَ وَاقِع وَلَا بُدَّ (١)). لا أثر له في أمر الطلاق ليس معنى ذلك أن الطلاق لا يقع، يعني يعتبر لغوًا كأن لم يكن فلما يقول: أنت طالقٌ إن شاء اللّه، أو أنت طالقٌ إلا أن يشاء اللّه، كأنه قال: أنتي طالقٌ وكفى، فالطلاق يقعُ ولا بد، وهذا هو مذهب أحمد المشهور (٢). قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة (٣) وَالشَّافِعِيُّ (٤): إِذَا اسْتَثْنَى الْمُطَلِّقُ مَشِيئَةَ اللَّهِ لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ). لأنه لا يعرف ذلك، لكنَّ مذهب أبي حنيفة فيه تفصيل في هذه المسألة (٥). قوله: (وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هَلْ يَتَعَلَّقُ الاستثْنَاءُ بِالْأَفْعَالِ الْحَاضِرَةِ الْوَاقِعَةِ كتَعَلُّقِهِ بِالْأَفْعَالِ الْمُسْتَقْبَلَةِ أوْ لَا يَتَعَلَّقُ؟ وَذَلِكَ أَنَّ الطَّلَاقَ هُوَ فِعْلٌ حَاضِرٌ، فَمَن قَالَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ قَالَ: لَا يُؤَثِّرُ الاسْتِثْنَاءُ وَلَا اشْتِرَاطُ

стр. 6313

الْمَشِيئَةِ فِي الطَّلَاق (١)، وَمَنْ قَالَ يَتَعَلَّقُ بِهِ قَالَ: يُؤَثِّرُ فِيهِ (٢)، وَأَمَّا إِنْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِمَشِيئَةِ مَنْ تَصِحُّ مَشِيئَتُه، وَيُتَوَصَّلُ إِلَى عِلْمِهَا: فَلَا خِلَافَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ الطَّلَاقَ يَقِفُ عَلَى اخْتِيَارِ الَّذِي عُلِّقَ الطَّلَاقُ بِمَشِيئَتِهِ (٣)). ليس هناك خلاف بين العلماء (٤) في أنه إذا قال: زوجتي طالق إن شاء زيد، وإن شاء بكرٌ، وإن شاء عمي أو أبي أو غير ذلك، فإنَّ هذا

стр. 6314

يرجع إلى مشيئته، فإن قال الطلاق نافذ نفَذَ، وهذا ليس عند مالك بل عند الأئمة كلهم (١). قوله: (وَأَمَّا تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِمَشِيئَةِ مَنْ لَا مَشِيئَةَ لَهُ: فَفِيهِ خِلَاف فِي الْمَذْهَبِ، قِيلَ: يَلْزَمُهُ الطَّلَاق، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ (٢)). المؤلف يقول: إذا علق الطلاق بأمرٍ غير متوقع، لكن أكثر كالحنابلة يفسرون فيقولون: بالمستحيل يعني: إن علقه بالمستحيل (٣)، والمؤلف هنا جاء بعبارةٍ أخرى، من لا مشيئة له: وهو الذي يكون من الأمور المستحيلة، كأن يقول: زوجتي طالق إن شاء هذا العمود، أو إن شاء هذا الجدار، أو إن شاء هذا الحائط، أو هذا البستان، أو هذا النهر، أو هذا الحجر، أو هذه الصخرة، أو هذا الميت، فهذا أمر مستحيل؛ لأنَّ الجدار والحجر جمادان لا ينطقان، والميت قد انتقل من هذه الحياة، فالمشيئة هنا غير واقعةٍ، فالطلاق يقع في هذه الحالة. قوله: (وَالصَّبِي وَالْمَجْنُونُ دَاخِلَان فِي هَذَا الْمَعْنَى (٤)، فَمَنْ شَبَّهَهُ بِطَلَاقِ الْهَزْلِ؛ وَكانَ الطَّلَاقُ بِالْهَزْلِ عِنْدَهُ (٥) يَقَعُ قَالَ: يَقَعُ هَذَا الطَّلَاقُ. وَمَنِ اعْتَبَرَ وُجُودَ الشَّرْطِ قَالَ: لَا يَقَعُ لِأَنَّ الشَّرْطَ قَدْ عُدِمَ هَاهُنَا (٦)).

стр. 6315

المجنون لا عقل له، لأنَّ الرسول ﷺ يقول: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصغير حتى يبلغ" (١)، والصغير الذي لا يعتبر قوله، ألحقوه بمثابة من لا يحصل منه المشيئة مثل الجماد، والقصد بالصغير: الذي لا يوقع عليه الطلاق، فإدخال الصبي والمجنون لكونهما غير مكلفين. فلو قلت طلاق المجنون والصغير يقع كأنك وضعت القلم عليهما، وهذا خلاف ما أخبر به الرسول ﷺ ؛ لأنه يقول: "رفع القلم عن ثلاثة"، فالرسول رفعه وأنت وضعته عليهما، فكأنك ألزمت بأمرٍ لم يكن لازمًا، فهنا يلحق الأمر بطلاق الهازل، فالإنسان يقول: زوجتي طالق إن شاء هذا الجدار، فشبهوه بطلاق الهازل، والهازل مختلفٌ في طلاقه، والصحيح أنه يقع؛ لأنَّ الرسول ﷺ قال: "ثلاث جدهن جدٌّ وهزلهنَّ جدٌّ: الطلاق والنكاح والرجعة" (٢) وفي روايةٍ: بدل الرجعة العتاق (٣). ولذلك لا ينبغي للمسلم أن يطلِّق ثم يقول: أنا هازلٌ، أنا أمزح، أنا أضحك.

стр. 6316

قوله: (وَأَمَّا تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِالْأَفْعَالِ الْمُسْتَقْبَلَةِ: فَإِنَّ الْأَفْعَالَ الَّتِي يُعَلَّقُ بِهَا تُوجَدُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ). الأفعال المستقبلة هي التي تقع في المستقبل، قد يعلق الإنسان، كأن يقوله لزوجته: أنت طالق إن دخلتِ هذه الدار، أو أنتِ طالق إن أكلت الرغيف، أو أنتِ طالق إن طلعت الشمس غدًا، أو أنتِ طالق إن جاء فلان من السفر، أو أنتِ طالق إذا دخل الشهر. قوله: (أَحَدُهَا: مَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ أَوْ لَا يَقَعَ عَلَى السَّوَاءِ، كَدُخُولِ الدَّارِ وَقُدُومِ زَيْدٍ، فَهَذَا يَقِفُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ فِيهِ عَلَى وُجُودِ الشَّرْطِ بِلَا خِلَافٍ (١)). لأنَّ هناك شرطًا ومشروطًا، ويتحقق الشَّرط بوجود المشروط، إن أكلت الرغيف أو دخلت الدار تحقق الطلاق، فهناك فعل شرط وجواب شرطٍ، وجواب الشرط وجزائه يتحققان إن تحقق الشرط. قوله: (وَأَمَّا مَا لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ كَطُلُوعِ الشَّمْسِ غَدًا). هناك أمورٌ وقوعها محتملٌ كدخول الدار، ربما لا تدخل هذه الدار،

стр. 6317

ربما لا تلبس هذا الثوب، فيحتمل أن تأكل الرغيف وأن لا تأكله، لكن طلوع الشمس أمر متأكد وقوعه، ومثله تمامًا لو هو في شهر محرم فقال: أنتِ طالقٌ إن دخل شهر صفر، فشهر صفر معلومٌ أنه يدخل، أو في شهر ذي الحجة فيقول: أنت طالق إن دخل شهر محرم، فهذا أمرٌ متحققٌ. قوله: (فَهَذَا يَقَعُ نَاجِزًا عِنْدَ مَالِكٍ (١)، وَيَقِفُ وُقُوعُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (٢) وَأَبِي حَنِيفَةَ (٣) عَلَى وُجُودِ الشَّرْطِ، فَمَنْ شَبَّهَهُ بِالشَّرْطِ الْمُمْكِنِ الْوُقُوعِ قَالَ: لَا يَقَعُ إِلَّا بِوُقُوعِ الشَّرْطِ. وَمَنْ شَبَّهَهُ بِالْوَطْءِ الْوَاقِعِ فِي الْأَجَلِ بِنِكَاحِ الْمُتْعَةِ لِكَوْنهِ وَطْئًا مُسْتَبَاحًا إِلَى أَجَلٍ قَالَ: يَقَعُ الطَّلَاق، وَالثَّالِثُ: هُوَ الْأَغْلَبُ مِنْهُ بِحَسَبِ العَادَةِ وُقُوعُ الشَّرْطِ، وَقَدْ لَا يَقَعُ كتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ وَمَجِيءِ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ، فَفِي ذَلِكَ رِوَايَتَان عَنْ مَالِكٍ: إِحْدَاهُمَا: وُقُوعُ الطَّلَاقِ نَاجِزًا. وَالثَّانِيَةُ: وُقُوعُهُ عَلَى وُجُودِ شَرْطِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، وَالْقَوْلُ بِإِنْجَازِ الطَّلَاقِ فِي هَذَا يَضْعُفُ لِأَنَّهُ مُشَبَّهٌ عِنْدَهُ بِمَا يَقَعُ وَلَا بُدَّ، وَالْخِلَافُ فِيهِ قَوِيٌّ. وَأَمَّا تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِالشَّرْطِ الْمَجْهُولِ الْوُجُودِ: فَإِنْ كانَ لَا سَبِيلَ إِلَى عِلْمِهِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: إِنْ كَانَ خَلَقَ اللَّهُ الْيَوْمَ فِي بَحْرِ الْقُلْزُمِ حُوتًا بِصِفَةِ كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ؛ فَلَا خِلَافَ أَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِهِ

стр. 6318

هَذَا، وَأَمَّا إِنْ عَلَّقَهُ بِشَيْءٍ يُمْكِنُ أَنْ يُعْلَمَ بِخُرُوجِهِ إِلَى الْوُجُودِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: إِنْ وَلَدْتِ أُنْثَى فَأَنْتِ طَالِق؛ فَإِنَّ الطَّلَاقَ يَتَوَقَّفُ عَلَى خُرُوجِ ذَلِكَ الشَّيْءِ إِلَى الْوُجُودِ. وَأَمَّا إِنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهَا تَلِدُ أُنْثَى، فَإِنَّ الطَّلَاقَ فِي الْحِينِ يَقَعُ عِنْدَهُ وإِنْ وَلَدَتْ أُنْثَى، وَكَانَ هَذَا مِنْ بَابِ التَّغْلِيظِ، وَالْقِيَاسُ يُوجِبُ أَنْ يُوقَفَ الطَّلَاقُ عَلَى خُرُوجِ ذَلِكَ الشَّيْءِ أَوْ ضِدِّهِ، وَمِنْ قَوْلِ مَالِكٍ إِنَّهُ إِذَا أَوْجَبَ الطَّلَاقَ عَلَى نَفْسِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا مِنَ الْأَفْعَالِ أَنَّهُ لَا يَحْنثُ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ الْفِعْلَ، وَإِذَا أَوْجَبَ الطَّلَاقَ عَلَى نَفْسِهِ بِشَرْطِ تَرْكِ فِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ فَإِنَّهُ عَلَى الْحِنْثِ حَتَّى يَفْعَلَ، ويُوقَفُ عِنْدَهُ عَنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ، فَإِن امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ أَكْثَرَ مِنْ مُدَّةِ أَجَلِ الْإِيلَاءِ ضُرِبَ لَهُ أَجْلُ الْإِيلَاءِ، وَلَكِنْ لَا يَقَعُ عِنْدَهُ حَتَّى يَفُوتَ الْفِعْلُ إِنْ كانَ مِمَّا يَقَعُ فَوْتُهُ. وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَرَى أَنَّهُ عَلَى بِرِّ حَتَّى يَفُوتَ الْفِعْل، وَإِنْ كَان مِمَّا لَا يَفُوتُ كَانَ عَلَى الْبِرِّ حَتَّى يَمُوتَ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي تَبْعِيضِ الْمُطَلَّقَةِ، أَوْ تَبْعِيضِ الطَّلَاقِ، وَإِرْدَافِ الطَّلَاقِ عَلَى الطَّلَاقِ. فَأَمَّا مَسْأَلَةُ تَبْعِيض الْمُطَلَّقَةِ: فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: إِذَا قَالَ يَدُكِ أَوْ رِجْلُكِ أَوْ شَعْرُكِ طَالِق طُلِّقَتْ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُطَلَّقُ إِلَّا بِذِكْرِ عُضْوٍ يُعَبَّرُ بهِ عَنْ جُمْلَةِ الْبَدَن كالرَّأْسِ وَالْقَلْبِ وَالْفَرْجِ، وَكذَلِكَ تُطَلَّقُ عِنْدَهُ إِذَا طَلًّقَ الْجُزْءَ مِنْهَا، مِثْلَ الثُّلُثِ أَوِ الرُّبُعِ. وَقَالَ دَاوُدُ: لَا تُطَلَّقُ. كَذَلِكَ إِذَا قَالَ عِنْدَ مَالِكٍ: طَلَّقْتُكِ نِصْفَ تَطْلِيقِةٍ، طُلِّقَتْ، لِأَنَّ هَذَا كلَّهُ عِنْدَهُ لَا يَتَبَعَّضُ. وَعِنْدَ الْمُخَالِفِ إِذَا تبَعَّضَ لَمْ يَقَعْ. وَأَمَّا إِذَا قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِق، أَنْتِ طَالِق، أَنْتِ طَالِق، نَسَقًا، فَإِنَّهُ يَكُونُ ثَلَاثًا عِنْدَ مَالِكٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشافِعِيُّ: يَقَعُ وَاحِدَةً، فَمَنْ شَبَّهَ تَكْرَارَ اللَّفْظِ بِلَفْظِهِ بِالْعَدَدِ - أَعْنِي: بِقَوْلِهِ طَلَّقْتُكِ ثَلَاثًا - قَالَ: يَقَعُ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا. وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ بِاللَّفْظَةِ الْوَاحِدَةِ قَدْ بَانَتْ مِنْهُ

стр. 6319

قَالَ: لَا يَقَعُ عَلَيْهَا الثَّانِي وَالثَّالِثُ. وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ فِي ارْتِدَافِهِ فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ). وخالفه الأئمة الثلاثة (١) فقالوا: لا يقع؛ لأنَّ الشرط يتوقف على وجود المشروط. فهو قال: أنتِ طالق إن طلعت الشمس غدًا، فإن طلعت الشمس غدًا نوقفه حتى يتحقق الشرط، فإذا تحقق وقع الطلاق، لماذا نفرق بينه وبين غيره!! ولا شك أنَّ رأي الأئمة الثلاثة هو الأقرب. قوله: (وَأَمَّا الطَّلَاقُ الْمُقَيَّدُ بِالاسْتِثْنَاءِ: فَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي الْعَدَدِ فَقَطْ). كأن يقول: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة، وهو ما يعرف باستثناء الأقل من الأكثر. وربما يكون استثناء الأكثر من الأقل، كأن يقول: أنت طالق ثلاثًا إلا اثنتين. قوله: (فَإِذَا طَلَّقَ أَعْدَادًا مِنَ الطَّلَاقِ، فَلَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: إِمَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَ ذَلِكَ الْعَدَدَ بِعَيْنِهِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا، وَاثْنَتَيْنِ إِلَّا اثْنَتَيْنِ، وَإِمَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَ مَا هُوَ أَقَلُّ، فَإِمَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَ مَا هُوَ أَقَلُّ مِمَّا هُوَ أَكثَر، وَإِمَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَ مَا هُوَ أكْثَر مِمَّا هُوَ أَقَلُّ، فَإِذَا اسْتَثْنَى الْأَقَلَّ مِنَ الأكثَرِ؛ فَلَا خِلَافَ أَعْلَمُهُ أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ يَصِحُّ وَيَسْقُطُ الْمُسْتَثْنَى، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَةً).

стр. 6320

وقد حكى ابن المنذر الإجماع على ذلك (١)، فإنه استثنى الأقل من الأكثر، ثلاث فأخذ منها واحدة فبقيت اثنتان فتطلق حينئذٍ اثنتين. قوله: (وَأَمَّا إِن اسْتَثْنَى الأكثَرَ مِنَ الْأَقَلِّ فَيَتَوَجَّهُ فِيهِ قَوْلَان) (٢). يأخذ من المستثنى منه أكثره ويبقى أقله، فأصل المستثنى منه العدد فيه ثلاثًا؛ لأنه قال: أنت طالق ثلاثًا، هذه ثلاث هي المستثنى ثم قال: إلا اثنتين فاستثنى الأكثر وأبقى واحدةً. قوله: (أَحَدُهُمَا: أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ لَا يَصِحُّ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَنْعِ أَن يُسْتَثْنَى الْأَكثَرُ مِنَ الْأَقَلِّ). وهذه رواية عن الإمام أحمد بن حنبل: أنه لا يصحُّ وأنها تقع ثلاثة (٣).

стр. 6321

قوله: (وَالْآخَرُ: أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ يَصِحُّ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ) (١). وهذا هو رأي جمهور العلماء مالك وأبي حنيفة والشافعي والرواية الأخرى للإمام أحمد (٢). قوله: (وَأَمَّا إِذَا اسْتَثْنَى ذَلِكَ الْعَدَدَ بِعَيْنِهِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا، فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: يَقَعُ الطَّلَاق، لأنَّهُ اتَّهَمَهُ عَلَى أَنَّهُ رُجُوعٌ مِنْهُ (٣)). وكذلك الإمام أحمد (٤)، وخالف في ذلك الإمامان (٥) أبو حنيفة (٦) والشافعي (٧). قوله: (وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَقُلْ بِالتُّهْمَةِ وَكانَ قَصْدُهُ بِذَلِكَ اسْتِحَالَةَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ فَلَا طَلَاقَ عَلَيْهِ، كمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا طَالِقٌ مَعًا، فَإِنَّ وُقُوعَ الشَّيْءِ مَعَ ضِدِّهِ مُسْتَحِيلٌ). أيضًا يقع الطلاق.

стр. 6322

قوله: (وَشَذَّ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ، فَقَالَ: لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِصِفَةٍ لَمْ تَقَعْ بَعْد، وَلَا بِفِعْلٍ لَمْ يَقَعْ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ فِي وَقْتِ وُقُوعِهِ إِلَّا بِإِيقَاعِ مَنْ يُطَلِّقُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلَا دَلِيلَ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إِجْمَاعٍ عَلَى وُقُوعِ طَلَاقٍ فِي وَقْتٍ لَمْ يُوقِعْهُ فِيهِ الْمُطَلِّق، وَإِنَّمَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ إِيقَاعَهُ فِيهِ (١)، فَإِنْ قُلْنَا بِاللُّزُومِ لَزِمَ أَنْ يُوقَفَ عِنْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ حَتَّى يُوقِعَ، هَذَا قِيَاسُ قَوْلِهِ عِنْدِي وَحُجَّتُه، وَإِنْ كُنْتُ لَسْتُ أَذْكرُ فِي هَذَا الْوَقْتِ احْتِجَاجَهُ فِي ذَلِكَ (٢)). ابن حزمٍ يرى أنَّ الطلاق يقع في الأمور المنجزة، أما التعليقات فلا أثر لها فلا يقع بها طلاق في الصور التي مرَّت، وهذا بلا شك قوله مردود يخالفه جماهير العلماء فيما ذهب إليه. قال المصنف رحمه اللّه تعالى: [الْبَابُ الثَّانِي فِي الْمُطَلِّقِ الْجَائِزِ الطَّلَاقِ] (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ الزَّوْجُ الْعَاقِلُ الْبَالِغُ الْحُرُّ غَيْرُ الْمُكْرَهِ). الزوج هو الذي يقع طلاقه، لكن هناك حالاتٌ يوقع الطلاق غير الزوج:

стр. 6323

فلو امتنع الزوج عن الإنفاق على زوجته فتضررت فأبى أن يطلقها، حينئذٍ يتدخل الحكم الشرعي في ذلك. ولو أنَّ رجلًا آلى من امرأته فبلغ أربعة أشهر ولم يرجع، فللقاضي أن يطلقها عليه. قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي طَلَاقِ الْمُكْرَهِ وَالسَّكْرَان، وَطَلَاقِ الْمَرِيضِ، وَطَلَاقِ الْمُقَارِبِ لِلْبُلُوغِ، وَاتَّفَقُوا (١) عَلَى أَنَّهُ يَقَعُ طَلَاقُ الْمَرِيض إِنْ صَحَّ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ تَرِثُهُ إِنْ مَاتَ أَمْ لَا؟). لو أن إنسانًا مريضًا طلق ثم بعد ذلك شفاه اللّه، حينئذٍ يقع طلاقه، هذا هو مراد المؤلف، لكن لو مات في ذلك المرض هل ترثه أو لا؟ هذه مسألةٌ اختلف فيها العلماء: ١ - أكثر العلماء على أنها ترث. ٢ - وذهب بعض العلماء إلى أنها لا ترث. والذين أوجبوا الميراث إنما فعلوا ذلك؛ لأنه صح عن بعض الصحابة.

стр. 6324

قوله: (فَأَمَّا طَلَاقُ المُكْرَهِ). الإكراه على نوعين: النوع الأول: الإكراه بالقول: الإنسان قد يكره تهديدًا، فيأتي إنسانٌ فيهدده، وأما أن يأتي قريبٌ لامراته فيقول: إما أن تطلق فلانةً وإلا قطعت رأسك بالسيف، فهذا تهديدٌ. النوع الثاني: الإكراه بالفعل: كأن يُخنق فيقال له: إما أن تطلق وإلا أزهقتُ حياتك. وفي قصة عمار بن ياسر أنَّ المشركين كانوا هم الغالبين في مكة، وأنَّ المسلمين كانوا قلةً، وكان مع رسول اللّه ﷺ نفرٌ قليلٌ، وكان المشركون في عزِّ قوتهم وعزتهم، فكانوا يؤذون المؤمنين، وبالخصوص الذين لا يوجد لهم من يحميهم، فكان ممن أُوذي عمار وأمُّه، وطُلب من عمارٍ أن يشرك باللّه وإلا سيغرق، والرسول اللّه ﷺ مرَّ به فوجده يبكي ودموعه تسيل على خديه، فأخذ رسول اللّه ﷺ يمسح دموعه ويقول: "يُلقي المشركون بك في الماء، إن طلبوا منك هذا مرةً أخرى فافعل"، فطمأنه رسول اللّه ﷺ فما كان منه إلا أن نطق بلسانه، ولكنَّ قلبه مطمئنٌّ بالإيمان (١). الإكراه على الشرك والكفر: وهذه مسألةٌ يختلف فيها العلماء (٢).

стр. 6325

هل الأفضل أن يصمد الإنسان لو طلب منه النطق بكلمة الشرك، أو أنه ينطق بها حتى يحافظ على نفسه؟ العلماء فسروا القول في ذلك، وملخصه أنه ينظر إلى الحالة، فإن كان في إبقاء نفسه رفعة للإسلام وتقويةً لشوكته، فإنه ينطق بكلمة الكفر، أما لو كان في صبره وجلده إظهارٌ لعزة الإسلام، وأنَّ المؤمنين أقوياء وأنهم لا يخافون إرهاب أعدائهم وقسوتهم، فالأفضل أن يقدم نفسه رخيصةً في سبيل اللّه. قوله: (فَإِنَّهُ غَيْرُ وَاقِعٍ عِنْدِ مَالِكٍ (١)، وَالشَّافِعِيِّ (٢)، وَأَحْمَدَ (٣)، وَدَاوُدَ (٤)

стр. 6326

وَجَمَاعَةٍ (١)، وَبِهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ (٢)، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (٣)، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (٤)، وَابْنُ عَبَّاسٍ) (٥). لو أكره إنسان بأحد نوعي الإكراه اللذيْن أشرنا لهما فطلاقه غير واقع، هذا قول جماهير العلماء، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] وقوله ﷺ : "إنَّ اللّه وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه" (٦)، فهذا لا يريد الطلاق ولا يذهب إليه، ولكنه أُلزم بذلك وهدد وخوِّف، فخشية أن يلحقة ضرر بنفسه أو بولده ونحو ذلك حينئذٍ أوقع الطلاق، لكنَّ الشافعي (٧) وأحمد لهم روايةٌ أخرى مع القول الثاني (٨).

стр. 6327

قوله: (وَفَرَّقَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ بَيْنَ أَنْ يَنْوِيَ الطَّلَاقَ أَوْ لَا يَنْوِيَ شَيْئًا، فَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ فَعَنْهُمْ قَوْلَان: أَصَحُّهُمَا لُزُومُه، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ فَقَوْلَان: أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ (١)). لأنَّ الطلاق لا يختلف جده عن هزله، والرسول ﷺ يقول: "ثلاثٌ جدَّهنَّ جدٌّ وهزلهنَّ جَدٌّ: الطلاق والنكاح والعتق" (٢)، فهذا قد تلفظ بالطلاق فيقع سواء نواه أو لم ينوه، ولا أثر للنية في ذلك. قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (٣): هُوَ وَاقِعٌ، وَكَذَلِكَ عِتْقُهُ دُونَ بَيْعِهِ، فَفَرَّقُوا بَيْنَ الْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ (٤)). الحنفية يقولون: لأنَّ الطلاق يختلف لأنه مغلظ وفيه تشديدٌ، فلا يختلف جده عن هزله، أما البيع الأمر فيه أخفُّ في هذا المقام. قوله: (وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هَلِ الْمُطَلِّقُ مِنْ قِبَلِ الإكرَاهِ مُخْتَارٌ أَمْ ليْسَ بِمُخْتَارٍ؛ لِأَنَّهُ ليْسَ يُكْرَهُ عَلَى اللَّفْظِ إِذْ كانَ اللَّفْظُ إِنَّمَا يَقَعُ

стр. 6328

بِاخْتِيَارِهِ، وَالْمُكْرَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ هُوَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ اخْتِيَارٌ فِي إيقَاع الشَّيْءِ أَصْلًا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ يَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ ﵊: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" (١)، وَلَكِنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الطَّلَاقِ وَإِنْ كَانَ مُوقِعًا لِلَّفْظِ بِاخْتِيَارِهِ أَنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ فِي الشَّرْعِ اسْمُ الْمُكْرَهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، وَإِنَّمَا فَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ، لأنَّ الطَّلَاقَ مُغَلَّظٌ فِيهِ، وَلِذَلِكَ اسْتَوَى جِدُّهُ وَهَزْلُهُ). "إن اللّه وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٢)، معنى ذلك أن هؤلاء خفف عنهم، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، فليس الناسي ولا الجاهل ولا المكرة مثل الإنسان العالم الغير مكره. قوله: (وَأَمَّا طَلَاقُ الصَّبِيِّ: فَإِنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ مَالِكٍ (٣) أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ حَتَّى يَبْلُغَ، وَقَالَ فِي "مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ" (٤): أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إِذَا نَاهَزَ الاحْتِلَامَ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِذَا هُوَ أَطَاقَ صِيَامَ رَمَضَانَ (٥)،

стр. 6329

وقًالَ عَطَاءٌ: إِذَا بَلَغَ اثْنَتَي عَشَرَةَ سَنَةً (١) جَازَ طَلَاقُه، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ (٢)). الصبي على نوعين: النوع الأول: صبيٌّ بلغ النوع الثاني: صبيٌّ لم يبلغ. ويمكن أن يقسم إلى أقسام ثلاثةٍ: القسمُ الأوَّلُ: الصبي الذي لا يعقل هذا ليس فيه خلافٌ بين العلماء (٣) أنه لا يقع طلاق. القسم الثاني: الصبيُّ الذي بلغ، لا خلاف بين العلماء (٤) أنه يقع طلاقه. القسم الثالثُ: من لم يبلغ بعد، بعضهم يحده في سن العاشرة إلى الثانية عشر وما فوق حتى يصل إلى سن البلوغ، وبعضهم يقول إلى أن

стр. 6330

يعقل، بمعنى أن يعرف أن زوجته إذا طلقها تحرم عليه، فمن أدرك أهمية الزواج وأنه بطلاقه تفوت عليه زوجته يكون عاقلًا مدركًا، فينزل منزلة العاقل المكلف البالغ عند بعض العلماء، وهي روايةٌ عن الحنابلة. وبعضهم يقول: كل صبيٍّ لم يبلغ لا يقع طلاقه؛ لأنه غير مكلفٍ، وهم الحنفية والمالكية والشافعية (١)، ويستدلون بقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثةٍ: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق" (٢)، فالرسول ﷺ قيَّد الحكم بالنسبة للصغير أن يبلغ أي: أن يصل سن البلوغ، فهذا فيه رفعٌ للقلم عن الصغير. فلو أننا أوقعنا طلاق الصغير الذي لم يبلغ فإننا قد كلفناه بما لم تكلفه به الشريعة، وألزمناه بوقوع الطلاق، وهذا خلاف ما دلَّ عليه حديث رسول اللّه ﷺ ؛ لأنَّ إيقاع الطلاق فيه حكم وطلبة، ومطالبة الصغير بحكم من الأحكام إنما هو إلزام له، وإلزامه بذلك إنما هو تكليف له، والصبي غير مكلفٍ، فلا يحصل منة طلاق حتى يبلغ. قوله: (وَأَمَّا طَلَاقُ السَّكْرَان). المراد بالسكران الذي شرب حتى سكر، وليس المراد من ذلك زائل العقل من غير قصدٍ، لأن زوال العقل يحصل من عدة أمور لا إرادة للإنسان فيها كالجنون أو الإغماء أو النوم؛ لأنَّ النائم يعتبر غير مدركٍ، فلو أنَّ إنسانًا طلَّق وهو في حالة نومه وقال لامرأته: أنت طالق، فلا تطلق زوجته، والمجنون كذلك لا يترتب عليه شيء من الأحكام، ولا تطلق زوجته، ولو أنَّ انسانًا أغمي عليه فإنَّ زوجته لا تطلق كذلك، ولو أنَّ إنسانًا شرب دواءً فترتب على شرب ذلك الدواء أن ذهب عقله فطلَّق فطلاقه لا يقع، لكن لو تعمد شرب الدواء لهذا الغرض ويعلم بأنه يسكره ويذهب عقله، فإنه في هذه الحالة يلحق بالسكران.

стр. 6331

قوله: (فَالْجُمْهُورُ مِنَ الْفُقَهَاءِ عَلَى وُقُوعِهِ (١)، وَقَالَ قَوْمٌ (٢): لَا يَقَع، مِنْهُمُ الْمُزَنِيُّ (٣) وَبَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ (٤)). الشافعية والحنابلة والحنفية والمالكية ورواية للإمامين الشافعي وأحمد (٥)، أنَّ طلاق السكران يقع، والرواية الأخرى لا يقع طلاقه (٦)). قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَجْنُون، أَمْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ؟، فَمَنْ قَالَ هُوَ وَالْمَجْنُونُ سَوَاءٌ، إِذْ كَانَ كِلَاهُمَا فَاقِدًا لِلْعَقْلِ؛ وَمِنْ شَرْطِ التَّكْلِيفِ الْعَقْلُ قَالَ: لَا يَقَعُ (٧)، وَمَنْ قَالَ: الْفَرْقُ

стр. 6332

بَيْنَهُمَا أَنَّ السَّكْرَانَ أَدْخَلَ الْفَسَادَ عَلَى عَقْلِهِ بِإِرَادَتِهِ؛ وَالْمَجْنُونَ بِخِلَافِ ذَلِكَ، أَلْزَمَ السَّكْرَانَ الطَّلَاقَ، وَذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّغْلِيظِ عَلَيْهِ) (١). الذين قالوا بأن طلاقه يقع استدلوا بحديث: "كل طلاقٍ جائزٍ إلا طلاق المعتوه" (٢). وقالوا أثر ذلك عن علي بن أبي طالبٍ، ومعاوية بن أبي سفيان (٣)، وعبد اللّه بن عباس ﵄ فقد جاء عن عبد اللّه بن عباسٍ أنه قال: طلاق السكران جائز (٤)، إذًا "كل طلاق جائزٍ إلا طلاق المعتوه"، لكن الحديث ضعيف (٥)، واستدلوا أيضًا بأثر عليٍّ في هذا المقام، وبما نقل عن ابن عباسٍ أيضًا. وذهب الفريق الآخر من العلماء: إلى أنَّ طلاق السكران لا يقع، وذلك صحَّ عن عثمان ﵁ (٦)، قالوا: بأنه لم يخالفه أحد من الصحابة،

стр. 6333

وقال به كثيرٌ من العلماء (١)، واحتج بعضهم بحديث: "رفع القلم عن ثلاثةٍ: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق" (٢). قالوا: والسكران بمذهب المجنون؛ لأنه لا يعي ما يقول، ولا يدرك ما يفعله. والمقصود بالسكران هنا: هو الذي يصل إلى درجة أنه لا يدرك الأمور، فلا يفرِّق مثلًا بين ثوبه وبين ثوب غيره، ولا قلمه ولا قلم غيره، أما إذا كان مدركًا للأمور فإنَّ أمره يختلف، إذًا قالوا: هذا يلحق بفاقد العقل؛ ولأن المغمى عليه والنائم لا يقع طلاقهما، فكذلك أيضًا السكران. ويُعترض عليهم بأنه فرقٌ بين من زال عقله من غير قصدٍ، وبين من زال عقله بفعله وقصده، والذين قالوا بأنَّ الطلاق لا يقع، قالوا: لو قدر بأنَّ إنسانًا كُسر ساقه ألا يصح له أن يصلي جالسًا، قالوا: بلى، قالوا: هو تعمد أيضًا لو لم يكسر ساقه لصلى قائمًا، والصلاة لا تصح على القيام إلا إذا كان قائمًا، فالرسول ﷺ يقول: "صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنبٍ" (٣) وهذا تسبب أن يصلي قاعدًا، ومع ذلك تصح صلاته. قوله: (وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَلْزَمُ السَّكْرَانَ بِالْجُمْلَةِ مِنَ الْأَحْكَامِ وَمَا لَا يَلْزَمُهُ). ليس الأمر مقصورًا بالنسبة له على ما يتعلق بالطلاق، بل هناك بيعٌ، وهناك شراءٌ، ربما يسرق أو يقر بديْنٍ من الديون على نفسه، وربما يقذف غيره، وربما يعتق عبده، هناك أحكامٌ كثيرةٌ جدًّا، فلو هذه حصلت من السكران في حالة سكره، أصبحت أحكامًا مقررةً عليه، أو أنَّ الطلاق يختلف عنها.

стр. 6334

قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (١): يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ وَالْقَوَدُ مِنَ الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ وَلَمْ يُلْزِمْهُ النِّكَاحَ وَلَا الْبَيْعَ). لحديث: "ثلاث جدهن جدّ، وثلاث هزلهنَّ جدّ: الطلاق، والنكاح، والعتق" (٢). قوله: (وَأَلْزَمَهُ أَبُو حَنِيفَةَ كُلَّ شَيءٍ (٣)). هي روايةٌ للإمام أحمد (٤)، فأبو حنيفة يلزم بوقوع الطلاق والعتق إذا أعتق عبده، وإذا أقرَّ بدينٍ، كذلك لو قتل يقتل، كذلك لو سرق، وكذلك بالنسبة إلى النذر، وغير ذلك من الأحكام الكثيرةِ، فإنه يُعامل معاملة الصحيح فيها. قوله: (وَقَالَ اللَّيْثُ: كُلُّ مَا جَاءَ مِنْ مَنْطِقِ السَّكْرَان فَمَوْضُوع عَنْه، وَلَا يَلْزَمُهُ طَلَاق وَلَا عِتْق وَلَا نِكَاح وَلَا بَيْعٌ وَلَا حَدٌّ فِي قَذْفٍ، وَكُلُّ مَا جَنَتْهُ جَوَارِحُهُ فَلَازِم لَهُ (٥)، فَيُحَدُّ فِي الشُّرْبِ وَالْقَتْلِ وَالزِّنَى وَالسَّرِقَةِ).

стр. 6335

الإمام الليث هو من الأئمة المشهورين يفرق بين القول وغيره، فيرى أنَّ ما وقع منه قولٌ بلسانه لا يؤاخذ به، كالطلاق، والبيع، والعتق، والشراء، وما نحو ذلك، وما جنته جوارحه، أي: ما حدث بيده أو برجله فإنه في هذه الحالة يطالب بذلك ويلزمه. قوله: (وَثَبَتَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى طَلَاقَ السَّكْرَان (١)، وَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا مُخَالِفَ لعُثْمَانَ فِي ذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٢)). يقصد بذلك الإمام ابن المنذر صاحب "الإجماع" المعروف و"الأوسط" و"الإشراف"، وهو من العلماء الأعلام يرى: أنَّ ما جاء عن عثمان ﵁ قد صحَّ، وجاء في صحيح البخاري وفي غيره، وأنه لا مخالف له من الصحابة، فحكى بعضهم أن ذلك إجماعًا أو شبه إجماعٍ (٣). فما جاء عن عليٍّ لم يثبت بطريقٍ صحيحٍ (٤)، لكن ما حدث بأن طلاق السكران لم يقع؛ لأنه ثبت عن عثمان بطريقٍ صحيحٍ، ولذلك تمسك

стр. 6336

به الفريق الآخر كعمر بن عبد العزيز (١) والقاسم (٢) وابن تيمية (٣) وابن القيم (٤) وغيرهم من المحققين (٥). قوله: (وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ كُلَّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ لَيْسَ نَصًّا فِي إِلْزَامِ السَّكْرَان الطَّلَاقَ لِأَنَّ السَّكْرَانَ مَعْتُوهٌ مَا، وَبِهِ قَالَ دَاوُد، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَإِسْحَاقُ (٦) وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ (٧) - أَعْنِي: أَنَّ طَلَاقَهُ لَيْسَ يَلْزَمُ -. وَعَنِ الشَّافِعِيِّ الْقَوْلَان (٨) فِي ذَلِكَ، وَاخْتَارَ أَكثَرُ أَصْحَابِهِ قَوْلَهُ الْمُوَافِقَ لِلْجُمْهُورِ (٩)، وَاخْتَارَ الْمُزَنِيُّ مِنْ أَصْحَابِهِ:

стр. 6337

أَنَّ طَلَاقَهُ غَيْرُ وَاقِعٍ (١)). هذا الحديث مع ضعفه احتج به جمهور العلماء الذين قالوا: "كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه" (٢)، معنى هذا أنَّ طلاق السكران واقعٌ، وهذا يصلح حجةً للفريق الآخر؛ لأن السكران يعتبر معتوهًا، أي: ذهب عقله، وذهاب العقل إما أن يكون بالجنون، وقد يكون بالسكر، واللّه تعالى يقول: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، ولذلك يقيد العلماء السكران الذي لا يقع طلاقه؛ لأنه لا يكون مدركًا لما يقول، وهو الذي وصل إلى درجة الهذيان. والذين قالوا بأنَّ السكران مكلفٌ، استدلوا بقصة الكلب عندما جاء إلى عمر ﵁ حين أرسله خالد بن الوليد يسأله عن قصة مع السكران إذا قذف، قصة القذف قالوا: هؤلاء أصحاب رسول اللّه ﷺ فاسألهم، وكان فيهم عليٌّ، وعبد الرحمن بن عوفٍ، وعثمان، فقال عليٌّ: إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، حدوه حدَّ المفتري، أي: يجلد حتى الجلدة الثمانين، فقالوا: إذًا يقام عليه حد السكر، وطالما يقام عليه الحد معنى هذا أنه مكلفٌ، إذًا يقع طلاقه (٣). قوله: (وَأَمَّا الْمَرِيضُ الَّذِي يُطَلِّقُ طَلَاقًا بَائِنًا ويمُوتُ مِنْ مَرَضِهِ،

стр. 6338

فَإِنَّ مَالِكًا (١) وَجَمَاعَةً (٢) يَقُولُ: تَرِثُهُ زَوْجَتُه، وَالشَّافِعِيُّ (٣) وَجَمَاعَة (٤) لَا يُوَرِّثُهَا). الأئمة الثلاثة أبو حنيفة (٥) ومالك (٦) وأحمد (٧) يرون: أنَّ من يطلق زوجته في مرضه الذي يموت فيه فإن زوجته ترثه، فيعامل بنقيض قصده؛ لأن الإنسان إذا طلق في مرضه الذي يموت فيه فإنه متهم في هذا المقام، لماذا يطلقها في هذا المرض؟ قد يكون الدافع له أن يطلقها ليحرمها من الميراث، فينبغى أن يعامل بنقيض قصده، فلا تمنع من الميراث؛ لأن ذلك حرمان لها، وسندهم ما حصل من عبد الرحمن بن عوف عندما طلق زوجته في مرض موته فإنَّ

стр. 6339

عثمان ﵁ قد ورثها (١)، ولم ينكر أحدٌ من الصحابة على عثمان ﵁ ذلك، فكان ذلك إقرارًا منهم فكان حجة. وأما الإمام الشافعي ﵀ فهو يرى أنه طلاقٌ، والطلاق يقع في حالة الجِدِّ والهزل، ولا فرق بين المريض وغيره، فما دام الطلاق يقع، فلماذا نرتب عليه بعض الأحكام، فالطلاق وقعَ وتحقَّق، فلماذا نورث امرأةً من زوجٍ قد طلقها، هذا تعليله. قوله: (وَالَّذِينَ قَالُوا بِتَوْرِيثِهَا انْقَسَمُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ: فَفِرْقَةٌ قَالَتْ: لَهَا الْمِيرَاثُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢) وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ (٣)، وَقَالَ قَوْم: لَهَا الْمِيرَاثُ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا أَحْمَدُ (٤)، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى (٥)، وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ تَرِثُ كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ أَوْ لَمْ تَكُنْ، تَزَوَّجَتْ أَمْ لَمْ تتزَوَّجْ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ (٦)، وَاللَّيْثِ (٧).

стр. 6340

وَسَبَبُ الْخِلَافِ: اخْتِلَافُهُمْ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمَرِيضُ يُتَّهَمُ فِي أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا طَلَّقَ فِي مَرَضِهِ زَوْجَتَهُ لِيَقْطَعَ حَظَّهَا مِنَ الْمِيرَاثِ، فَمَنْ قَالَ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ أَوْجَبَ مِيرَاثَهَا، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ وَلَحَظَ وُجُوبَ الطَّلَاقِ لَمْ يُوجِبْ لَهَا مِيرَاثًا، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ تَقُولُ: إِنْ كَانَ الطَّلَاقُ قَدْ وَقَعَ فَيَجِبُ أَنْ يَقَعَ بِجَمِيعِ أَحْكَامِهِ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهُ لَا يَرِثُهَا إِنْ مَاتَتْ وَإِنْ كانَ لَمْ يَقَعْ فَالزَّوْجِيَّةُ بَاقِيَةٌ بِجَمِيعِ أَحْكَامِهَا، وَلَا بُدَّ لِخُصُومِهِمْ مِنْ أَحَدِ الْجَوَابَيْنِ، لِأَنَّهُ يَعْسُرُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ فِي الشَّرْع نَوْعًا مِنَ الطَّلَاقِ تُوجَدُ لَهُ بَعْضُ أَحْكَامِ الطَّلَاقِ وَبَعْضُ أَحْكَامِ الزَّوْجِيَّةِ، وَأَعْسَرُ مِنْ ذَلِكَ الْقَوْلُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَصِحَّ أَوْ لَا يَصِحَّ، لِأَنَّ هَذَا يَكُونُ طَلَاقًا مَوْقُوفَ الْحُكْمِ إِلَى أَنْ يَصِحَّ أَوْ لَا يَصِحَّ، وَهَذَا كلُّهُ مِمَّا يَعْسُرُ الْقَوْلُ بِهِ فِي الشَّرْعِ، وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنِسَ الْقَائِلُونَ بِهِ أَنَّهُ فَتْوَى عُثْمَانَ (١) وَعُمَرَ (٢)، حَتَّى زَعَمَتِ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ (٣)، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِمْ فَإِنَّ الْخِلَافَ فِيهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مَشْهُورٌ (٤). وَأمَّا مَنْ رَأَى أَنَّهَا تَرِثُ فِي
следующие страницы →